Полный текст (812 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
العدد ١ - بتاريخ: ٥ - ٤ - ١٩٣٣
стр. 2
خليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني وكامل عياد - دمشق ٥ نيسان ١٩٣٣ ١٠ ذي الحجة ١٣٥١
المقدمة
في الشرق العربي هزة استيقظ لها الناس بعد سبات عميق فهبوا خفافاً أو ثقالاً بعد أن بلغت تلك الهزة مناحي حياتهم بأجمعها فنهاك نهضة مضطربة في العلم والأدب والأخلاق والاجتماع والسياسة والاقتصاد وما إلى ذلك من أوضاع الحياة ومرافقها وشؤون المعاش. إما مكانهم الحاضر من هذه النهضة فما زال برزخاً بين ماضيهم الدفين ومستقبلهم الجنين وشأنهم في ذلك عدم الرضا بالحاضر في كل مظاهره والطموح إلى المستقبل.
ليس بدعاً أن تأتي النهضة في الشرق العربي على كل صورة من صور الحياة سلسلة متصلة الحلقات إذا وهت حلقة منها اضطراب اتساقها. ولكن الواقع أن تلك النهضة صحبها اضطراب شمل جميع مناحي حياتنا حتى ظهرت مشوشة يطغى بعضها على بعض. فأضحى من الصعب إصلاحها دون الاعتماد على أسس لإطراد سيرها وتقدمها , لأن النهضة الفكرية أساس للنهضة العلمية والاجتماعية.
فأمثل السبل والحالة هذه أشد أزر كل عنصر من عناصر هذه النهضة واستخلاص ثقافة متميزة تلائم روح العصر , وذلك بدراسة الأوضاع الحاضرة وتفهمها وحرث الماضي وتصوره وإظهار صلتنا به لأن الحاضر وليد الماضي ومتصل به كما أنه مسير بنور المستقبل , ولا يتم معرفة شيء إذا جهلت أصوله , ولابد لنا مع هذا من الاقتباس من المدنية الغربية وانتهاج السبل التي أدت إلى بلوغ القوم ذلك المبلغ من الحضارة. وهكذا فيجب أن تقوم حياتنا العلمية على أسس ثلاثة: دراسة الماضي , ومعرفة الحاضر , والاقتباس من الغرب.
وأهم ما تستدعيه النهضة الفكرية من الوسائل معالجة المواضيع العلمية والفلسفية والأدبية وتحبيبها للناس على أن جعلها على طرف اللثام لا ينبغي أن يحول دون ضبطها والتعميق فيها لتكوين ثقافة فكرية دائمة.
وللأدب - إذا أعطي حقه - أبلغ في تكوين هذه الثقافة فهو روح النهضات ومظهر حياة الأمة. ولقد طغت عليه جلبة السياسة في هذه الأيام حتى كاد يخفت صوته في ضوضائها فأصبح من الواجبإقالته من عثرته والأخذ بيده وتقديس حرمه وانتهاج طريق واضح له في
стр. 3
الدراسة والوضع. أما دراسته فعلى طريقة التنظيم والتوضح ونفي الفوضى والإبهام وتحكيم العلم والعقل والذوق والنقد الصحيح. وأم الوضع فنرمي من ورائه إلى تكوين أدب يصور حياتنا الحاضرة ويسير معها ويطرد مع ارتقائها ويزجيها إلى المثل الأعلى ويلامس طبقات الشعب بلسان عربي مبين له من الفن وسيلة إلى بلوغ الغاية وهي تمثيل الحياة بأروع صورها هذه حاجاتنا وهي كما ترى كثيرة تستعصي على الطالب وتستدعي جهداً عظيماً , ولكن إدراكها كلها أو بعضها بالتدريج والتراخي خير من القنوط أو الإهمال , لذلك فأصحاب هذه المجلة يستعينون الله في مظاهرة رصفائهم في الشرق العربي ممن استقلوا بحمل هذه الأمانة في صحفهم ومجلاتهم ويصدرونها تبحث في الآداب والفنون والجتماع والتاريخ والحقوق والعلوم والفلسفة. وغاية ما يرجونه أن يكون التوفيق جزاء
إخلاصهم.
стр. 4
مدينة السلام
للأمير شكيب أرسلان
تاريخ بغداد أو مدينة السلام للحافظ أبي بكر احمد بن علي الخطيب وضعه في أزهى عصور الإسلام منذ تأسيسها إلى وفاته عام ٤٦٣
يشتمل على وصفها وتخطيطها وتراجم من كان فيها من الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والأشراف والعلماء من جميع الطبقات. وقد ظهر منه عشرة مجلدات ولا يزال مجلدان تحت الطبع. وهو بأجمعه يأتي في ٤٨٠٠ صفحة طبع للمرة الأولى بنفقة مكتبة الخانجي بالقاهرة والمكتبة العربية ببغداد ومطبعة السعادة بجوار محافظة مصر سنة ١٣٤٩ وفق سنة ١٩٣١.
هذا الكتاب لا يوجد في أدباء العربية من لم يسمع به فهو من أشهر التواريخ وهو لبغداد كتاريخ ابن العساكر لدمشق. ولم أكن أطلعت عليه وإنما أهدانيه أحد أصدقائي من كبار العراقيين جزاه الله خيراً. فوقعت عليه وقوع الذباب على الحلوآء. وبدأت بدرس الجزء الأول منه فأعجبني جداً بيانه السهل الممتنع وهو في رواياته يعتمد على أسلوب علمائنا في العنعنة مع مزيد التحري. وهو أسلوب لا يقدر عاقل أن يطعن فيه لأن الرواية يجب للثقة بها الإطلاع على اسانيدها من كل الجهات وإلا فلا يكون التاريخ تاريخاً. وها نحن أولاء نرى علماء الإفرنجة يبالغون في التدقيق والتمحيص وقد يحررون عن واقعة واحدة كتاباً كثير الورق يبلغون فيه الأمد الأقصى من الأخذ والرد بتصفح وجوه الروايات ومقابلتها بعضها ببعض ويذكرون المصادر التي أخذوا عنها مع تبيين الكتاب والصفحة والسطر والطبعة أية سنة كانت وما أشبه ذلك. فمذهب العنعنة في الإسلام لا يؤتى ولا من جهة. وغاية ما يقول أنه يجوز للكتاب في حال اختصاره حذف أسانيده.
وأما أهمية هذا الكتاب فهي على نسبة أهمية البلدة التي وضع لأجلها. فبغداد في الحقيقة تمثل مدينة الإسلام لأنها أكبر بلدة عمرها المسلمون بأيديهم وكانت حضارتها إسلامية من أولها إلى آخرها. ولم تبلغ بلدة في الإسلام ما بلغته دار السلام من عظمة وسعة وثروة ونعيم. وجميع مدن الإسلام التي اشتهرت في التاريخ كدمشق وحلب والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة والبصرة واصفهان وسمرقند وغيرها إنما تأتي رديفة لبغداد. ذكر الحافظ
стр. 5
ابن الخطيب في الصفحة الأولى من الجزء الأول قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال سمعت عمر بن احمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال لي الشافعي: يا يونس دخلت بغداد؟ قال قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا.
ليتأمل الإنسان أن قائل هذا القول هو الإمام الشافعي ﵁ الذي لم يكن ممن تزدهيه الدنيا ولا ممن تسكره زينتها ولا ممن يأخذ بلبه زخرفها ولكنه برجاجة عقله كان في مقدمة الرجال الذين يقدرون الأمور أقدارها فهو يقول: أن من لم ير بغداد لم يعرف الدنيا. وحاشا أن يكون مثل الشافعي موصوفاً بالمبالغة فبغداد في عنجهية أمرها كانت المثل الأعلى للحضارة فمن لم يكن شاهدها لم يكن شاهد المثل الأعلى من العمران. ولا نظن أنه كان يوجد في العالم كله لا في العالم الإسلامي فقط بلدة تضارع بغداد في العظمة لعهد المنصور والمهدي والرشيد. فإن رومة في ذلك العصر كانت انحطت عن درجتها المعلومة وأنه لم يكن في أوربة لذلك العهد مدينة تساوي شطراً من بغداد فضلاً عن أن تعادل بغداد نفسها. نعم كانت القسطنطينية في ذلك العصر مدينة عظيمة وكانت وقتئذ عاصمة النصرانية بلا نزاع ولكنها لم تبلغ في العظمة والضخامة ما بلغته بغداد في القرنين الأولين من بنائها. فيمكننا أن نقول أن رئاسة حواضر الدنيا انتهت لبغداد لمدة قرنين أن لم يكن ثلاث. نعم لا نعلم درجة عظمة حواضر الصين والهند لذلك العهد إلا أننا نرجح أنه لم يكن منها ما يعادل بغداد في ذيك القرنين الثاني والثالث للهجرة ولو كانت ثمة مدن تعادل بغداد لكان انتشر خبرها وقيست إلى بغداد في عظمتها لأن العرب كانوا على اتصال مستمر بالهند والصين وكانت السفن تختلف بين سيراف وكنتون بالسهولة التي تختلف فيها الآن بين شربورغ ونيويورك أو سوثمبتون ونيويورك.
فمم بعد أن تقرر في نظرنا أن بغداد كانت أعظم مدينة في العالم مدة قرنين أو ثلاثة بالأقل يجب أن نبحث في درجة عظمة بغداد وما كانت سعة رقعتها وما بلغه عدد السكان فيها وذلك بناء على الروايات المختلفة التي ساقها ابن الخطيب في هذا التاريخ الذي إن لم يعرف بغداد حق التعريف فلن يعرفه كتاب آخر.
إننا لا نريد الآن أن نعيد روايات ابن الخطيب التي يمكن القارئ أن يطالعها في الكتاب
стр. 6
نفسه. ولم نكن لنتوخى هذا البحث من أجل أن ننقل صفحات من تاريخ بغداد نقلاً. وإنما نريد أن ندقق في روايات ابن الخطيب ونزنها بمعيار العقل ونجتهد في تمييز ما يكون منها مبالغة أو مجازفة ما يمكن أن يكون حقاً، وبعبارة أخرى نريد أن نعرض هذا التاريخ على محك النقد، لا محل النقد الذي أولع به بعضهم من التشكيك في كل شيء ومن الاعتراض على كل شيء لكن محك المعقول السائغ الذي تزعن له أرباب العقول السليمة والمعارف الواسعة. قال ابن الخطيب لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها وحماماتها وطرزها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرود ظلالها وأفيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها وزيادة ما حصر من عدد سكانها وأكثر ما كانت عمارةً وأهلاً في أيام الرشيد إذ الدنيا قارة المضاجع دارّة المراضع خصيبة المراتع مورودة المشارع ثم حدثت بها الفتن وتتابعت على أهلها المحن فخرب عمرانها وانتقل قطانها إلا أنها كانت قبل وقتنا والسابق لعصرنا على ما بها من الاختلال والتناقض في جميع الأحوال مباينة لجميع الأمصار ومخالفة لسائر الديار. ثم قال نقلاً عن أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد لأبي احمد يعني الموفق بالله عند دخوله مدينة السلام فوجد مائتي حبل وخمسين حبلا وعرضه مائة وخمسة أحبل فتكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريباً. ووجد الجانب الغربي طرله مائتان وخمسون حبلا أيضاً وعرضه سبعون حبلاً. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب. فالجميع من ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريباً من ذلك مقابر أربعة وسبعون جريباً انتهى.
فلنعل الآن امتحاناً لهذا التعديل فنقول: المعول كله على معرفة مقدار هذا الجريب لأن الأجربة كسائر المقاييس كانت تختلف. وجاء في تاج العروس أنه يختلف البلدان كالرطل والمد والذراع ونحو ذلك وجاء فيه نقلاً عن قدامة الكاتب أن الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع. وجاء في تاج العروس أن الجريب مكيالل قدره أربعة أقفزة. وجاء في محل آخر أنه عشرة أقفزة لكل قفيز منها عشرة أعشار فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب وهذه هي أيضاً عبارة لسان العرب. وأما الفقير فيقول في تاج العروس أنه مكيال معروف زهو
стр. 7
ثمانية مكاكيك عند أهل العراق ومن الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراع. ووجدت في بعض الكتب أن الجريب عشرة آلاف ذراع. ولكني أرى إذا جعلنا الجريب المقصود هنا عشرة آلاف ذراع وضربنا به الثلاثة والأربعين ألفاً والسبعمائة والخمسين جريباً التي هي مساحة بغداد في ذلك الوقت بحسب تاريخ ابن الخطيب بلغ ذلك مبالغ غير معقولة إذ إن كان الجريب عشرة آلاف ذراع تكون المساحة ثلاثة وأربعين مليوناً وسبعمائة وخمسين ألف ذراع مربع وهذا بعيد جداً هن العقل. فلذلك أخترنا التقويم الآخر وهو أن يكون القفيز مائة وأربعة وأربعين ذراعاً في تاج العروس والجريب عشرة أقفزة فيكون ألف وأربعمائة وأربعين ذراعاً. فإذا ضربنا ثلاثة وأربعين ألفاً وسبعمائة وخمسين جريباً بألف وأربعمائة وأربعين ذراعاً جاء ثلاثة وستون مليون ذراع مربع. فإذا أخرجنا ثلثها من أجل تكسير هذه المساحة على المتر بقي معنا اثنان وأربعون مليون متر مربع وهي مساحة تعادل ثمانية آلاف فدان بحيث يكون طول بغداد من ستة إلى سبعة كيلو مترات وعرضها من ستة إلى سبعة كيلو مترات أيضاً فهذا معقول وسائغ بل يجوز أن تكون رقعتها أوسع من هذا المقدار ذلك العقل، ولكن إن جعلنا الجريب عشرة آلاف ذراع مربع بل جعلناه ثلاثة آلاف وستمائة ذراع كان ذلك بعيد جداً عن العقل.
أما الشيء الذي لا يتحمل وجوهاً وهو بعيد جداً عن العقل فهو رواية ابن الخطيب نقلاً عن محمد بن يحيى عن عدد الحمامات في بغداد قال: إن عدد الحمامات كان في ذلك الوقت في بغداد ستين ألف حمام وأقل ما يكون في كل حمام خمسة نفر حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء يكون ذلك ثلثمائة ألف رجل.
فهذا غير معقول وغير مقبول قولاً واحداً لأننا لا نستطيع أن نتصور مدينة عملت الحمامات فيها ثلثمائة ألف إذ لو قلنا بغداد كانت ثلاثة ملايين نسمة وجب أن يكون عملة الحمامات عشر أهلها. ولا يوجد بلدة في الدنيا مهما بلغ من حب أهلها للنظافة يكون عشر سكانها عملة حمامات. فلو قلنا أن بغداد كانت في لذلك العهد بقدر لو ندرة اليوم أي تسعة ملايين فيجب أن يكون عدد الحمامين فها واحداً من ثلاثين وهذا غير معقول أيضاً. كما أنه لم تبلغ بغداد في وقت من الأوقات درحة لو ندرة اليوم في عدد السكان، هكذا نظن.
وأغرب منه قول ابن الخطيب نقلاً عن محمد ابن يحيى أنه يكون بإزاء كل حمام خمسة
стр. 8
مساجد فيكون ذلك ثلثمائة ألف مسجد وتقدير ذلك أن يكون أقل ما يكون في كل مسجد خمس أنفس يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان. فهذه العبارة كلها غريبة أما أن يكون عدد أهل بغدد ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان أي مليونا ونصف إنسان فهذا ليس بشيء ونحن نعتقد أنه كان في بغداد لذلك العهد أكثر من هذا العدد ونظن أن أهلها تجاوزا مليونين وثلاثة ولكن الغرابة في قوله أنه يكون بإزاء كل حمام خمسة مساجد ومجموع ذلك ثلثمائة ألف مسجد. فغير مقبول أصلاً أن يكون في بغداد يومئذ ثلثمائة ألف مسجد وأن قلنا أنه كان فيها ثلثمائة ألف مسجد لزم أن يكون عدد سكانها ثالثين مليوناً بالأقل هذا باعتبار مائة نسمة لكل مسجد. أما اعتبرنا مائتي نسمة لكل مسجد وجب أن يكون عدد سكان بغداد ستين مليوناً وهذا أيضاً خارج عن العقل. ولكن لم نفهم معنى قوله أن لكل مسجد خمسة أنفس، أن أراد بذلك عدد الخدمة فهذا معقول. ولكن إن أراد عدد المصلين فهذا غير معقول. لأنه قليل جداً ولا يعمل مسجد لأجل خمسة ولا لأجل خمسين ويظهر منه أنه يريد عدد الخدم وعليه يكون عدد خدمة المساجد في بغداد مليونا ونصف مليون أي ألف ألف وخمسمائة إنسان. فهذا يرده العقل بدون تردد فالمدينة التي فيها مليون ونصف رجل من خدمة المساجد لا بد أن تكون مشتملة بالأقل على مائة مليون نسمة. والحاصل أننا نستغرب لا هذا العدد بذاته فقط إذ الاستغراب هنا بديهي ولكننا نستغرب أيضاً نقل ابن الخطيب لروايات كهذه تنقص من قيمة التأليف. وهذه قضية النقل بدون تمحيص وكيفما أتفق هي أشد ما يأخذه الافرنج على العرب في هذا الباب. فإن المؤلف العربي يرى أن من الواجب عليه نقل كل خبر كما سمعه بدون تبديل ولا تعديل مهما كان سخيفاً أو غريباً وأحباناً بدون اعتراض تاركاً الحكم فيه للقارئ. ومن مؤلفي العرب من يحب التورع عن نقض الأخبار الغربية بحجة أن كل شيء في الدنيا ممكن وإن الله خرق القواعد. ومنهم من يقول: هذا شيء وجدناه هكذا فلا يجوز لنا أن نتفلسف فيه. وقد كان هذا المشرب عند كثير من مؤلفينا سبباً في مسير مبالغات العرب مثلاً سائراً عند الافرنج. فإذا أردت أن تنقل رواية عن كتاب عربي فيها شيء من العظمة بادرها العالم الافرنجي بالرد أو بالأقل بالتشكيك لأنه لا يتلقى رواية عربية لاسيما عن المقادير والكميات والكيفيات إلا بحذر عظيم. هذا الذي جره علينا مشرب هذا العدد الجم من مؤرخينا الذين أفرط بهم حب التقليد إلى درجة أنهم لا
стр. 9
يحبون أن يغيروا ولا أن يبدلوا خبراً من الأخبار ولو كان من فم عجوز. وذلك بحجة أن هذا كله ممكن ولا شيء يعجز قدرة الله. ونسوا أن المستحيل عادة كالمستحيل عقلاً وأن وسق جميع هذه الأخبار في الكتب بدون تمحيص يجعل القراء في شبهة حتى في الصحيح منها. وقد جرت العادة أن التاجر الذي يبيع بضاعة مغشوشة يتحامى المشترون الشراء منه ولو كان عنه بضاعة جيدة. وأن الصيرفي الذي يتعاطى مسكوكات مزيفة تقل الثقة في مسكوكاته الصحيحة. وإني على ثقة بأن نقل ابن الخطيب لأخبار الحمامات والمساجد في بغداد بهذه المبالغات الخارقة للعادة سيفقد تاريخ بغداد كثيراً من نظر الناس مع أنه من التواريخ القيمة بدون شك.
أن أول واضع لعلم النقد في التاريخ هو الفيلسوف الاجتماعي الأكبر عبد الرحمن ابن خلدون ﵀ وهو الذي كان أول المنبهين على أغاليط المؤرخين والمنددين بمبالغاتهم لاسيما في ذكر الكميات والأعداد وهو الذي قال أنهم نقلوا المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد.
وقال أيضاً وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء الموسرين توغلوا في العدد وتجاوزا حدود العوائد وطاعوا أوساس الأغراب فإذا استكشفت أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجلبت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولع الأنفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ولا يطالها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه إلى آخره.
стр. 10
وإني أرى ابن الخطيب صاحب تاريخ بغداد غير ناقل ما نقله على سبيل تصديقه لأنه قد سبق له ذكر الأحاديث النبوية التي رواها الرووان عن بناء بغداد ثم عن خرابها من قبيل: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل يجتمع فيها خزائن الأرض يخسف بها فهي أسرع ذهاباً في الأرض من الحديد أو الحديدة في الأرض الخوارة أو: يكون خسف بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة بأمراء جبابرة يخسف الله بهم الأرض ولهي أسرع بهم هوياًّ من الوتد اليابس في الأرض الرطبة وغير ذلك من الأحاديث التي أملى فيها بضع عشرة صفحة مستقصياً أسانيدها وأنهى الأمر بتضعيف هذه الأحاديث وأحياناً تكذيب رواتها وبنقل كلام الأئمة الذين قالوا أنها من الموضوعات.
أما من جهة عدد الحمامات والمساجد فكأن المؤلف لشدة إعجابه ببلدته لم يشأ أن يتحاشى نقل هذه المبالغات وإنما نقل بجانبها أخبار لم تبلغ هذه الدرجة من المبالغة وأخرى معتدلة ومقولة وترك التمييز للقارئ ويا ليته اقتصر على المعقول فكان انصح للكتاب وأحدى على الثقة به.
حدث فقال نقلاً عن هلال ابن المحسن قال: كنت يوماً بحضرة جدي أبي اسحق إبراهيم بن هلال الصأبي في سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة إذ دخل عليه أحد التجار الذين كانوا يغشونه ويخدمونه فقال له في عرض حديث حدثه به: قال لي أحد التجار أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام. فقال له جدي: هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه. فقال له: كيف ذاك. فقال جدي أذكر وقد كتب ركن الدولة أبو الحسن بن بويه إلى الوزير أبي محمد المهلبي بما قال فيه: ذكر لنا كثرة المساجد والحمامات ببغداد واختلفت علنا فيها الأقاويل واحببنا أن نعرفها على حقيقة وتحصيل فتعرفنا الصحيح من ذلك. قال جدي: وأعطاني أبو محمد الكتاب وقال لي: امض إلى الأمير معز الدولة فاعرضه عليه واستأذنه فيه ففعلت. فقال له الأمير: إستعلم ذلك وعرفنيه. فتقدم أبو محمد المهلبي إلى أبي الحسن البادرجي - وهو صاحب المعونة - يعد المساجد والحمامات، قال جدي: فأما المساجد فلا أذكر ما قيل فيها كثرة، وأما الحمامات فكانت بضعة عشر ألف حمام. وعدت إلى معز الدولة وعرفته ذلك فقال اكتبوا في الحمامات بأنها أربعة آلاف. واستدللنا من قوله على إشفاقه وحسده إياه على بلد هذا عظمه وكبره. وأخذ أبو محمد وأخذنا نتعجب من كون الحمامات هذا القدر. وقد أحصيت
стр. 11
في أيام المقتدر الله فكانت سبعة وعشرين ألف حمام. وليس بين الوقتين من التباعد ما يقضي هذا التفاوت. قال هلال: وقيل أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمام وكسراً.
قلت أما زمان المقتدر فكان في عهد الثلثمائة بعد الهجرة فما بعد. وأما زمان عضد الدولة ين بويه فبدأ في بغداد سنة سبع وستين أو سبعين سنة. فيكون من العجب العجاب أنه في حقبة كهذه ينزل عدد الحمامات من سبعة وعشرين ألفاً إلى خمسة ألاف! ولا أزال أظن أن في قولهم كانت الحمامات في بغداد أيام المقتدر سبعة وعشرين ألف حمام مبالغة عظيمة. وكذلك عندي دليل آخر أقرب إلى العقل من هذا على وجود المبالغة في الخبر وهو قولهم أن الحمامات كانت في أيام الأمير معز الدولة بن بويه والوزير أبي محمد المهلبي بضعة عشر ألف حمام ثم قولهم أنها كانت في أيام عضد الدولة خمسة آلاف حمام وكسراً. فإن زمان سيف الدولة هو زمان الخليفة المطيع لله. وكانت وفاة معز الدولة سنة ست وخمسين وثلثمائة. وكانت وفاة عضد الدولة سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة أي بين العهدين لا يوجد أكثر من ست عشرة سنة. فكيف يمكن في مدة قصيرة كهذه أن يتقلص العمران كل هذا التقلص ويتساقط عدد الحمامات من بضعة عشر ألفاً إلى خمسة آلاف وكسر؟ والأرجح عندي أن الحمامات كانت من أربعة إلى خمسة ألاف في العهدين. وليس بهذا عدد قليل لأننا لو جعلنا كل حمام لمائتي بيت كان مجموع البيوت مليون بيت. فإذا جعلنا كل بيت خمس أنفس كان مجموع سكان بغداد خمسة ملايين وهو أقصى ما يتصور لعدد سكان بغداد. وإن قلنا أنهم من شدة ولعهم بالاستحمام وانغماسهم في الترف كان الحمام الواحد لا يكفي إلا لمائة بيت وجب أن يكون في بغداد نصف مليون بيت أي مليونان ونصف مليون نسمة وهذا قريب للعقل أيضاً.
ومما ذكر ابن الخطيب في تاريخ بغداد استدلالا على استبحار العمران فيها قوله: حدثني القاضي أبو القاسم التنوجي قال: أنبأنا أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي في سنة ستين وثلثمائة قال: أخبرني رجل يبيع سويق الحمص منفرداً به وأسماه لي ونسيته: أنه حصر ما يعمل في سوقه من هذا السويق كل سنة فكان مائة وأربعين كراًّ يكون حمصاً مائتين وثمانين كراًّ يخرج في كل سنة حتى لا يبقى منه شيء ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى.
стр. 12
قال: وسويق الحمص غير طيب وإنما يأكله المتحملون والضعفاء شهرين أو ثلاثة عند عدم الفواكه ومن لا يأكله من الناس أكثر. قال الشيخ أبو بكراي المؤرخ: لو طلب من هذا السويق اليوم في جانبي بغداد مكوك واحد ما وجد، انتهى.
فلنمتحن هذا الخبر فنقول: أن الكر على إحدى الروايات ستة عشرة قنطاراً بالشامي فإذا كان مئتان وثمانون كرا كان مبلغها أربعة آلاف وأربعمائة وثمانين قنطاراً، فهذا ليس بشيء لمثل بغداد يقال أن فيها بضعة عشر ألف حمام بالأقل. ثم رأيت أن الكر ست أوقار حمار، وعليه يكون أقل من ستة عشر قنطاراً بالشامي إذا القنطار ما نعرفه اليوم. والأرجح عندي أن الكر هو ما ورد في تاج العروس أنه عند أهل العراق ستون قفيزاً والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف فيكون الكر سبعمائة وعشرين صاعاً. على أنه جاء في التاج نقلاً عن الأزهري قال أن الكر اثنا عشر وشقاً كل وسق ستون صاعاً أو أربعون أردباً بحساب أهل مصر. فإذا كان الكر ٤٨٠ أردباً فيكون مايتان وثمانون كرّاً عبارة عن ماية وعشرين ألف أردب وأربعمائة أردب وليس هذا بشيء يستبعده العقل على حاضرة الإسلام الكبرى. على أن في تاريخ بغداد للشيخ أبي بكر الخطيب فوائد كثيرة وأدلة واضحة على ما كانت عليه من التناهي في العمران، أهم ذلك ما رأيته من وصف الاستقبال الذي جرى لرسول ملك الروم في أيام المقتدر بالله مما يلزم أن يفرد بمقالة خاصة. وربما تترجم هذا الفصل لمجلتنا (لاناسيون آراب) كما فعلنا في وصف قرطبة ونقلت ذلك عنا جرائد أوربية خطيرة.
ومن الفوائد التي عثرت عليها في تاريخ بغداد للحافظ ابن الخطيب أنه في ترجمة أبي أيوب الأنصاري الخزرجي ﵁ نقل رواية وهي أن شيخاً من أهل فلسطين كان في القسطنطينية فرأى بنية بيضاء دون حائط القسطنطينية فقالوا: هذا قبر أبي أيوب الأنصاري صاحب النبي ﷺ . قال هذا الشيخ: فأتيت تلك البنية فرأيت قبره في تلك البنية وعليه قنديل معلق بسلسة. فظهر من هنا أن قبر أبي أيوب ﵀ لم يكن درس القرون الأولى من الهجرة، وأنه أن كان قد درس فيكون فيما بعد. فأن الأتراك يقولون أنهم لما فتحوا القسطنطينية كان قبر أبي أيوب دارساً وأنه إنما كشفه الشيخ آق شمس الدين على أثر رؤيا رآها. فمن كتاب الحافظ ابن الخطيب الذي عاش في القرن
стр. 13
الخامس يظهر أن قبر أبي أيوب كان معروفاً محفوظاً وهذا سند جديد يضاف إلى روايات ابن قتيبة والطبري وابن الأثير وابن الجوزي عن كون الروم احترموا قبر صاحب رسول الله ولم يطمسوه مدة قرون. وأما ما يقال بأنهم كانوا يزورونه ويستقسون عنده في أيام القحط فيجوز أن يكون صحيحاً كما يجوز أن يكون من عمل الخيال. وعلى كل حال فعدم مساسهم بالقبر وحرمتهم له هو في عاصمة النصرانية يومئذ هما من كرامات ذلك الصحابي الجليل!
لقد راجعت الانسكلوبيدية الإسلامية بشأن مدينة بغداد. وليست هذه الانسكلوبيدية في شيء من التحمس لتاريخ الإسلام بل أراها في كثير من الأحيان تبخسه من أشيائه وأحياناً تعطيه أقل من حقه وكثيراً ما تعطيه نصف حقه فقط. ومع هذا رأيتها تقول في الصفحة ٥٧٦ في الجزء الأول: أن بغداد كانت في عهد الخلفاء الأول من العباسيين أعظم مركز تجاري في آسيا ومنبع حياة عقلية عظيمة وأنها بعظمتها وثروتها وزخرفها كانت تشغل المقام الأول في العالم المتمدن لذلك العهد. ثم قول في تلك الصفحة نفسها: أن هذه الحاضرة يوم وفاة الخليفة المهدي أي قبل الرشيد كانت مساحتها من سبعة إلى ثمانية كيلومترات طولاً إلى سبعة أو ثمانية كيلومترات عرضاً فإذا حسبنا هذه المساحة بضرب ثمانية في ثمانية كانت أربعة وستين كيلومتراً مربعاً ولنقل مائة ألف ذراع مربع. فمساحة كهذه لا تسع أكثر من مائتي ألف بيت إذا حسبنا أنه سيدخل في هذه المساحة الشوارع والسكك والساحات والمساجد والحمامات والقصور والدور العامة. فإذا حسبنا بكل بيت خمس نسمات قلا يكون عدد سكان بغداد في زمان المهدي أكثر من مليون نسمة. قد جاء هذا الكلام في الانسكلوبيدية الإسلامية ولم يذكر فيها السند الذي توكأ عليه الكاتب في قوله: كانت بغداد في أيام المهدي من سبعة إلى ثمانية كيلومترات طولاً ومثلها عرضاً. ثم لم نجد في هذه الانسكلوبيدية حصراً لعدد السكان. ومما اتفق عليه المؤرخين أن أوج عظمة بغداد كان في زمان الرشيد بعد المهدي وبقيت على حالتها تلك إلى أيام المعتصم. ونحن نظن أن تقدير الانسكلوبيدية كون مساحتها سبعة أو ثمانية كيلومترات طولاً في مثلها عرضاً ربما كان هكذا أيام المهدي وأن بغداد قد تضاعفت فيما بعد ونعتقد أن بغداد لم يكن فيها لعهد الرشيد والمأمون ل من ثلاثة ملايين نسمة. وأن مثل هذا العدد قد يلزمه من أربعة إلى خمسة
стр. 14
آلاف حمام بالنظر إلى رفاهية الأهالي وللترف الذي كانت تعيش فيه بغداد ولكون أهلها مسلمين من مباديهم الدينية الاغتسال. فأما الستون ألف حمام والثلثمائة ألف مسجد فهذا من كلام العوام وقد أخطأ الحافظ أبو بكر ابن الخطيب ﵀ في مجرد نقله بدون اعتراض. وحبك الشيء يعمي ويصم.
جنيف ٢٣ شوال ١٣٥١ شكيب آرسلان
стр. 15
اندفاعات
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهراوي
اهدي إليك
يا موطناً قد ذبت فيه غراما ... أهدي إليك تحية وسلاما
لولاك لم اك في الوجود ولم أشم ... بلج الصباح واسمع الأنغاما
أفديك من وطن نشأت بأرضه ... ومرحت فيه يافعاً وغلاما
ما كنت إلا روضة مطلولة ... تعطي الورود وتفتق الأكماما
غازلت منها في الغدو بنفسجاً ... وشممت منها في الأصيل خزاما
وسعدت ألعب فوق أرضك ناشئاً ... وشقيت شيخاً لا يطيق قياما
لك قد غضبت وفي رضاك حملت أن ... تنتابني نوب الزمان جساما
وسمعت من ناس شريرٍ طبعهم ... كلماً على نفسي وقعن سهاما
لي فيك يا وطني الذي قد ملني ... حب يواري في الرماد ضراما
أما المنى فقد انتهت ومضاتها ... إلا بصيصاً لا يزيل ظلاما
لا نفع في أحلامكم
من ثقفّته الحادثات ملمة ... يلقى الخطوب بصدره بساما
كبر الألى من طيب أعراق لهم ... كانوا إذا لؤم السفيه كراما
أنا للأفاعي غير مكترث وإن ... تركت بنفسي نابها آلامها
بالذل لا أرضى وإن سلمت به ... روحي وأرضي بالحمام زؤاما
حيّ الذين إذا الهوان أصابهم ... تخذوا الآباء من الهوان عصاما
يا حامل الصمصام لا يحمى به ... حقاً لماذا تحمل الصمصاما
ما في المساواة التي تشدو بها ... إن الوهاد تطاول الآكاما
ياقومنا لا نفع في أحلامكم ... فخذوا الحقائق وانبذوا الأحلاما
أخشى عليكم في الحياة تدهورا ... فيه الرؤوس تقبل الأقداما
جهل الذين على قديم عوَّلوا ... فيه أن الزمان يغير الأحكاما
وأشد خلق الله جهلاً أمة ... نقضت فظنت نقضها إبراما
стр. 16
يغالي في آرائه
إني لا ربأ أن أكون مجنّة ... في الحادثات ولا أكون حساما
ولقد يريد الظالمون لنفسهم ... بالظلم من شر يلمُّ سلاما
وتشذ آراءٌ فكم من مجرم ... ما أن يرى إجرامه إجراما
ولقد يغالي المرء في آرائه ... حتى يثير عداوة وخصاما
ولربما أطرى أفاعيلاً له ... كانت إذا استقرأتها آثاما
لا يستطيع بناء مجد صادق ... من لا يكون لكاذب هداما
هل يخرق العادات فيما جاءه ... إلا جريءٌ لا يخاف ملاما
أإذا نجحت حمدت نفسك مطرياً ... وإذا فشلت تعاتب الأياما
دمَّ التعصّب
إن الحياة وغىً وقد يبنو بها ... سيف الشجاع ولا يكون كهاما
ذم التعصب في الجدال فأنه ... سقم يجر وراءه أسقاما
ولرب داء فيك إن أهملته ... يبقى على طول الزمان عقاما
ما أنت إلا ذرة منسية ... في بقعة من عالم يترامى
كون تحركه نواميس له ... كانت له منذ القديم لزاما
تشكو به الأيام مثلك أسرها ... فمن لسخافة لومك الأياما
فيه الشموس كثيرة فمن الذي ... في البدء إضرام نارها إضراما
الأوهام والحقائق
من يحسب الأوهام منه حقائقا ... يجد الحقائق كلها أوهاما
أو كان من داء به يصدى فقد ... يرد الخضم ولا يبل أواما
لا ينكر الحق المبين سوى امرئ ... يعمى وشر منه من يتعامى
ولقد يكون الفوز حلفاً للألى ... غمدوا السيوف وجردوا الأقلاما
كم ريشة في كف أروع بددت ... جيشاً تدجّج بالحديد لهاما
ابن آوى
ظن ابن آوى أنه أسد الشرى ... حتى إذا لقي الهزبر تحامى
стр. 17
لا تسخرنَّ فلابن آوى عذره ... أن لا يكون القسور الضرغاما
جعلت الطبيعة قدوة
ولقد جعلت لي الطبيعة قدوةً ... وتخذت منها في الحياة أماما
ما أن أروم وإن زجتني رغبة ... ما ليس يمكن أن يكون مراما
السيل إما عبَّ مندفعا فلا ... يدع الوهاد ويغمر الآكاما
ما أردن فطاما
ولقد أقول الشعر منفعلاً به ... ولقد أنبّهُ بالقريض نياما
بسمت بنات الشعر حين شببن لي ... ففطمتهن فما أردن فطاما
أسفي على الأدب الذي يبغون أن ... يكسوه من عصر خلا أهداما
أخذت تنغص راحتي ضوضاءهم ... من غير أن يلقي الجدال نظاما
فوددت لو أن الذين تجادلوا ... جعلوا الوفاق على الصواب ختاما
أنا لا أحب سوى مكان هادئ ... أما الزحام فلا أريد زحاما
بغداد: ١٠ شباط ١٩٣٣
جميل صدقي الزهاوي
стр. 18
كتاب إلى مؤسسي مجلة الثقافة
بقلم الأستاذ غابريل بونور
أرحب من صميم فؤادي بالغاية التي ترمون إليها واصفق استحساناً لها. أن ما استهواكم يستهوي كرام النفوس من الشباب في كل مكان، والجهاد في سبيل الفن والمجد هو المطمح الذي يتطالون إليه ويهيمون به وهم يختارون هذا الجهد بباعث الشهامة وبما يبتغونه من حياة ذات مثل أعلى. أن القضية التي أخذتم على أنفسكم القيام بأعبائها هي من القضايا التي لا يحالفها النجاح إلا إذا كان رائدها العمل بقلب سليم.
فالعمل بقلب سليم هو الأمنية التي نذر لها (شارل بيغي) جهوده وشارل بيغي هو من أولئك الذين كانوا أكثر الناس ألماًَ من جراء الضعة التي شوهت بها صور الحياة العصرية الحديثة ومشاريع العمل فيها، حتى لقد أوشك أن يكون اليوم كل جهد من جهود البشر عصر الهمجية المثقفة، ملوثاً بطابع المال يصر عن المادة ولا يعود إلا إليها. فالمنافع الاقتصادية التي أصبحت لا تخفى عن أحد، هي التي تسير العالم وتخضع لإرادتها آلهة الحرب والسلم المصفدة بالأغلال وتحكم في أقدار الرجال وتستحوذ على أرواحهم وهم لا يشعرون لتخضع ضمائرهم لأغراضها بعد أن استبعدت وسخرت جهودهم في الحياة.
لقد مضى عهد الأرباب والأبطال فمضت معه أمجاد الجماعات العريقة في النبل ومطامح البطولة وقصائد المفاخرة في وصف الوقائع التي كان يوحي بها ما يثور في النفوس من عنجهية. لقد مضى كل ذلك وحل محله ما يتصف به زماننا من احتساب فوائد الأموال وأساليب النسيئة وأصول المضاربة ثم الذهب والصناعة وإيجاد المدهشات من دقائق الأعمال الصناعية الفنية التي تتطلب أن يستقلّ الإنسان بفكرته ويقف في سبيلها كل أيام حياته فيؤدي بذلك ثمناً باهظاً لقاء ما تعود به عليه من رفاه ونعمى. ولقد كان من وراء ذلك أن فوضى زماننا الغاشم المثقل بالضجيج والدخان أقلق نفوس المتسائلين عن مصير الفكر وأحزن قلوبهم فبات من المحال أن ينسب إلى أمة ولوعة بالعظمة طموحة إليها غاية سليمة مخلصة، ولم يبق من يؤمن بمهمة التمدين ولا من يشك في غاية التوسع وبسط النفوذ الاقتصادي لتصدير المنتجات وبيعها ومن هذا نشأ الخلاف الواسع الذي فرق بين الشرق والغرب فكان بيننا حائلاً كثيفاً لا يقل في ثقله عن فولاذ هذا العصر. ليس بين الشرقيين
стр. 19
من يمكنه أن يعتقد اليوم تجرد أوربا عن غاية النفع وليس من شرقي يستطيع متى ضمه مجلس مع غربي أن يحسبه بريئاً من الاشتراك في جشع السيطرة المادية التي تحدو الأمم صاحية القوى الصناعية إلى العمل. وهكذا فإن هذا العهد التعس الذي ظهرت فيه أعراض الحمى أفسد حتى الصلات الشخصية وسرى فساده فلم تسلم منه حتى أواصر الود بين الرفاق.
لقد شعر (ويليفريد سكافن بلونت) بما أوحاه إليه إبداعه الفني حينما كان يجوب منذ خمسين عاماً انقضت أنحاء جزيرة العرب ومصر، أن هذا الخلاف قد استمد أصوله من الأمم الحديثة ومن فوضاها التعسة. وهكذا فقد مشى الفساد إلى كل منحى وأصبح حزننا الذي يجدده كل شيء لا سبب له إلا أننا نعيش في عصر ضربت فيه الفوضى أطنابها وأحاط به القبح حتى ليخيل بأنه قضي الأمر فأصبح من المستحيل العمل بقلب سليم.
لا أذكر أي أخلاقي من الانكليز قال مؤخراً أنه لن يكون السبب في نشوب حرب طروادة جمال هيلانة بل إيجاد الأسواق اللازمة لتصدير منتجات الصناعة ومنسوجات القطن، ولقد وقعت في هذه الأيام وأنا أطالع، على فكرة ل (سانت بوف) تستهوي النفس ولها صلة شديدة بما أبحث فيه: لقد ذكر مؤلف حديث الاثنين بأنه من الممكن أن يظهر في زماننا أعمال عظيمة كاكتشافات غريبة ومشاريع هائلة ولكن ليس في هذا ما يدعو لمجد العصر الذي نعيش فيه. أن المجد هو في نقطة الابتداء وفي الداعي الأول للعمل أي في الفكر. كان الناس في عام ٨٩ لا يحجمون عن أي عمل في سبيل الوطن والبشرية وكانوا في عهد الايمبراطورية يقدمون على كل شيء حباً بالمجد، وعلى هذا الأساس قامت العظمة إذ ذاك أما اليوم فإن النتائج مهما ظهرت ذات شأن قلا تتكون إلا والنفع الاقتصادي محركها والمضاربة المالية ركن من أركانها. هذا هو الطبع الخاص الذي طبع به زماننا، وهو طابع يمثل الحطة التي لا يسلم من وصمتها إلا القليل من أعمال هذا العصر لولا بعض الرجال مثل (مالا رميه) الذي أوحت إليه هذه المظاهر الوضيعة وهذا الجشع المؤسف أن يرسم بعض الخطط التي لم يكن رائده فيها الأطهارة القلب والتجرد عن الغايات. ولا شك أن في ازدياد الفوضى والتحكم بالناس في زماننا جعل الفكر مخدراً بما بقي من حثالة المادة وأن دخان المصانع والمعامل الأسود المتلبد فوق ما هبتنا إياه الطبيعة من جميل مناظرها
стр. 20
لشاهد على البركان الذي يثور والسعير الذي تضطرم نيرانه وأننا نعتقد أن القول الفصل في هذا العراك الذي يمتد لكل جهات الأرض والذي يتوقف عليه مصير كل الشعوب لا يكون إلا للقوة الفكرية، ولكن الفكر لا يكاد يظهر إلا مغلوباً على أمره ف كل مكان، وفي كل مكان ما برح يقوم رجال شرفوا نفساً وأثخنتهم الجراح دون أن يجد اليأس من الحاضر إليهم سبيلا.
إن العمل الذي أرى التمائم تفكُّ عنه في دمشق هو ثأر وأمل. فهنالك نفر من الشبان ضربوا للعمل نطاقاً يغرسون في حدوده أزاهير الحياة الفكرية ذات المثل الأعلى. وفي العالم جهة، سلطان الفكر أقوى منه في كل مكان. وهذه الجهة، هي الشرق. فالفكر بنظر أبناء الشرق لن يبرح المنبع الفياض السامي الذي لن يضيع معه شيء بل يخرج منه كل ما يكتسب. فما شك أحد في الشرق بالفكر وبتلاؤمه مع مناحي الحياة وبانتصاره الأخير المحتم. على هذه العقيدة بنيت الفكرة التي تعتلج في نفوس مؤسسي الثقافة وهذا الذي يحبب إلي رأيهم وعملهم المفعمين بالإخلاص ويجعلني، ولو حسبني بعضهم مغالياً، أكبر شأن هذه المجلة الأدبية الفلسفية التي أسسها كتاب فتيان.
قد يقول من يلقبهم (هانري دي مونترلان) بخنازير المكاسب: إنه لمن الطيش أن يصدر شبان مثل هذه المجلة! فدعهم يهرفوا، أما نحن رواد الفكر فإننا نعتمد على ثروة هي غير رؤوس الأموال التي اعتاد أن يستثمرها أصحاب المصارف فنستدر ما أدخر من النشاط وكرم النفس وذكاء العقل والإخلاص في العمل وشرف الروح والعقيدة الوطنية، تلك الصفات التي تحبب إلي كثيراً الشباب السوريين وتجعلني أشاركه الأمل العظيم الذي يتمثل فيه بين هذا الشعب الناهض.
غابريل بونور
стр. 21
من سوانح الغروب
للأستاذ محمد رضا الشبيسي
ذكاء جنحت بصفحة ... محمرةٍ بعد ابيضاض
إني إذا انقبض النهارُ ... منيتُ منه بانقباض
ودعته متشائماً ... أبغي السواد من البياض
وكأنني في وحدتي ... مستعرض الحقب المواضي
وكأنني بين الحواضر بع ... ض سكان الغياض
لا مجتلي الأقمار يبهجنني ... ولا مرأى الرياض
اسم الخدود بأدمع ... كالقطر من بعدار فضاض
ولقد تقاضت المسرَّة ... حين لا يغني التقاضي
أنا والسعادة حائر ... بين التجافي والتراضي
لو كلن ما بي ليلة ... أو مثلها حان ارتماضي
ما حيلتي بمعاشر ... تجد اللذاذة بامتعاضي
ملأى علي يسرّها ... إني امروءٌ خالي الوفاض
عاشت بأبدان صحا ... حذات أرواح مراض
يأبى اللجاجة مثلهم ... أدبي ويأباها ارتياضي
اعرض عن الباغي تسد ... وتغاض تعظم بالتغاضي
خير من العيش المذم ... م ميتا بشبا المواضي
من مات ردّ لصحوة ... أو يقظة بعد اغتماض
стр. 22
البحر
للدكتور نقولا فياض
البحر ليس ملكاً لأحد
يحيط بالأرض ويشد عليها شدا ويحبسها بين أمواجه جزراً ومدا، فآناً تلك الأمواج مداعبة الحبيب وآنات تهجم عليها هجوم العدو، فمن قبلات صافية إلى ضربات طاغية تهدم السدود وتكتسح الحدود فتعود المياه في لحظة إلى امتلاك ما أقامت الأرض دهراً في بنائه.
البحر ليس ملكاً لأحد
يقف عند الشاطئ ويرسل عمله إلى بعيد فهو كالسلطان المطاع سخر له الجو ليعمل بأمره، فإذا ما هاجت الزوبعة وجعدت الرياح ذلك الجبين الأزرق فأخرجت من الأمواج تياراً هائلاً لا يقف سد في وجهه يظن المرء للوهلة الأولى أن البحر عبد الظواهر الجوية تصرفه كما تشاء.
ولكن البحر ليس ملكاً لأحد.
هو الذي يتحرك ويزأر، ويتحول إلى بخار لطيف يخترق أحشاء الجو خازناً فيه جزءاً من الحرارة أو يجتمع غيوماً فتسد على الحرارة منافذ الخروج، وحينئذ يجود بالمطر والثلج والزوابع والصحو بلا وزن ولا حساب.
ثم تعود المياه من سفرها الطويل بعد أن تأتي أعمالاً كبيرة: من قمم الجبال التي كالمتها بالثلوج تهبط الأودية سيولاً جارفة في طريقها كل ما تجد، حافرة في الصخور أخاديد، إلى أن تلتقي بالمطر المتساقط على الأرض أو النافذ في بطونها فتخرج ينابيع بعد أن تحل من أحجارها ما تحل وتحمل من أملاحها ما تحمل، تاركة فيها صوراً وأشكالا، ثم ترجع مع النهر إلى البحر.
لأن البحر ليس ملكاً لأحد.
فالغيوم والأمطار هي رسل الأوقيانوس العظيم تأخذ من الأرض ما وهبها من قبل وقد تقف في منتصف الطريق فتبتلع منها الأرض ما تبتلع وعلى نسبة هذا ينقض ماء المحيط.
الأرض بقايا ضخمة قائمة بجوار البحر وهو وحده الكفيل بتوزيع حرارة الشمس عليها بل هو مصلح هذا التوزيع لأن الحرارة على سطح الأرض موزعة بلا عدل فيحملها ويمزجها
стр. 23
فيه مزجاً سوياً ويعدل على هذا الوجه حرارة القطب.
الشمس أم الحياة. أشعتها تكسب الفرح في النفس وتجلب البركة والخصب وتطبخ مواد النبات فتتحول إلى لحوم، فكيف يعيش بدونها حيوان ولا غذاء إلا ما يتساقط من السابحات فوقه؟ أجل هناك كائنات غريبة الأشكال تولد النور من نفسها من شرارة إلى منارة. فالحياة بنت الشمس تحمل شيئاً منها إلى قاع البحار إلى أن تصل إلى أعماق الأعماق حيث الظلمة والسكون والعدم.
ولكن البحر ليس ملكاً لأحد.
стр. 24
أصل المقامات
أحاديث ابن دريد
لخليل مردم بك
أسلوب المقامات فن من فنون الإنشاء العربي فتن به كثير من الأدباء والمنشئين نحو عشرة قرون فأصحاب المقامات منذ القرن الرابع إلى القرن الثالث عشر كثيرون حتى أن أدباء الفرس والعبرانيين والسريان ممن ثقفوا اللغة العربية أخذوا بسحر المقامات فأنشأوا بلغاتهم مثلها محاكاة للمقامات العربية.
والمقامة في الإصلاح الأدبي قطعة من النثر يضاف إليه نظم في كثير من الأحيان مبنية على قصة قصيرة خيالية في معناها أو حوادثها ترمي إلى مغزى معين ولها على الغالب وفي الأكثر بطل يدور عليه أهما في القصة من كياسة وبراعة وغرائب ومفاجئات مثل أبي زيد السروجي في مقامات الحريري كما أن لها راوياً يروي تلك القصة وما فيها من أقوال البطل وأفعاله مثل الحارث بن همام في مقامات الحريري أيضاً، كل ذلك بأسلوب مصنوع مسجع غاية في التألق والتزويق يجمع من شوارد اللغة وفصحها وعيون مفرداتها وتراكيبها وأمثالها ونوادرها مقداراً وافراً.
أما معنى المقامة اللغوي وكيف وردت في الشعر الجاهلي وكونها بمعنى الجماعة من الناس والنادي والمقام ثم كيف تطورت في القرن الأول والثاني فصارت تطلق على المجالس التي كان يعقدها خلفاء بني أمية وأوائل خلفاء بني العباس للعباد والزهاد ليسمعوا وعظهم ونصحهم ثم كيف أخذت معنى الخطبة من منظوم ومنثور على سبيل المجاز تسمية الكلام بالموضع الذي قيل فيه وكيف استعملها الجاحظ في كتاب البخلاء ص ٢١٨ بقوله:. . . يفيضون في الحديث ويذكرون من الشعر الشاهد والمثل ومن الخبر الأيام والمقامات إلى آخر تلك الأطوار التي مر بها حتى استقر معناه المصطلح عليه، أما هذا فلا يعنيني أمره في هذه المقالة وإنما أريد أن أعالج البحث عن أصل المقامات في معناها الإصلاحي.
أقدم ما ول إلينا من المقامات في المعنى الإصلاحي قسم من مقامات بديع الزمان الهمذاني (٣٥٨ - ٣٩٨) فقد قيل أنه أنشأ أربعمائة مقالة لم يبلغنا منها إلا أحدى وخمسون مقالة. وأكثر الناس على أنه أول من ابتكر هذا الفن لأنه لم يصل إلنا أقدم من مقاماته. ولكن ابن
стр. 25
خلكان يقول في وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٣ في ترجمة أحمد ابن فارس (٣٢٩ - ٣٩٥) أنه وضع المسائل الفقيهة في المقامة الطيبة وهي ماية مسألة وكان له رسائل أنيقة ومسائل في اللغة تغالى بها الفقهاء ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات ذلك الأسلوب وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات فإذا كان الحريري (٤٤٦ - ٥١٦) اقتبس من ابن فارس فما بالك ببديع الزمان الذي سبق الحريري بنحو قرن والذي هو تلميذ ابن فارس الخاص لازمه حتى استنفذ ما عنده كما يقول الثعالبي في يتيمة الدهر؟ ولكن مقامة ابن فارس مفقودة فلا يمكن المقابلة بينها وبين مقامات البديع.
على أن أبا اسحق الحصري صاحب زهر الآداب المتوفي سنة ٤٨٨ لا يجعل ابن فارس أول من انشأ المقامات بل يعزوها إلى ابن دريد (٢٢٣ - ٣٢١) ويجعل أحاديثه التي أنشأها هي التي أوحت للبديع إنشاء مقاماته. قال الحصري في زهر الآداب ج ١ ص ٢٣٥: ولما رأى البديع أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثاً وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره وأنتجها من معادن فكره وأبداها للأبصار والبصائر وأهداها إلى الأفكار والضمائر في معارض حوشية وألفاظ عنجهية فجاء أكثرها تنبو عن قبوله الطباع ولا ترفع له حجب الأسماع وتوسع فيها إذ صرف ألفاظها ومعانيها وفي وجوه مختلفة وضروب منصرفة عارضه بأربعماية مقامة في الكدية تذوب ظرفاً وتقطر حسناً لا مناسبة بين المقامتين لفظاً ولا معنى عطف مساجلتها ووقف مناقلتها على رجلين سمى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندري وجعلهما يتهاديان الدر ويتنافثان السحر في معان تضحك الحزين وتحرك الرصين وتطالع منها كل طريفة ويوقف منها على كل لطيفة وربما أفرد بعضهما بالحكاية وخض أحدهما بالرواية
فقول الحصري يدل على أنه أطلع على تلك الأحاديث لأنه يصفها ويقارن بينها وبين مقامات البديع ويذكر خصائص كل منهما. وقد نقل هذه الفقرة ياقوت الحموي في معجم الأدباء ج١ ص ٩٨ بترجمة البديع.
ولكن المستشرق الألماني الأستاذ بروكلمن يقطع أمل كل باحث من العثور على تلك الأحاديث إذ يقول في النسخة الانكليزية من دائرة المعارف الإسلامية بمادة مقامة ما معناه: أما كون بديع الزمان أخذ فكرة إنشاء المقامات من الأربعين حديثاً التي وضعها ابن دريد
стр. 26
كما يقول الحصري فلا يمكن الوقوف على مبلغ ذلك من الصحة لأن الأربعين حديثاً مفقودة. فمن الحق أن نعترف للبديع بأنه ابتكر أسلوباً جديداً في الأدب العربي وهذا رأي المستشرقين لأن كل من كتب منهم على المقامات أو على بديع الزمان لم يخرج عنه.
منذ أطلعت على ما قاله الحصري وعلى ما قاله المستشرق الألماني أخذت عن أحاديث ابن دريد ما وصل إلي من كتبه وفي كتب التراجم والأدب وكان في ما عدت إلى قراءته من الكتب أمالي القالي لأن أبا علي القالي (٢٨٨ - ٣٥٦) تلميذ ابن دريد يروي عنه في الأمالي كثيراً فألفيت في أجزاء الأمالي الثلاثة أخباراً ونوادر وفوائد وأحاديث كثيرة في اللغة والأدب مروية عن ابن دريد وعثرت من ذلك على احد عشر حديثاً ترجح عندي لدرجة اليقين أنها من الأحاديث الأربعين التي عارضها بديع الزمان لأن أثر التوليد والوضع ظاهر عليها ولأنها كما وصفها الحصري في معارض حوشية وألفاظ عنجهية صرف ألفاظها ومعانيها في وجوه مختلفة وضروب منصرفة وهذا بيان عنها على حسب ورودها في الطبعة الأولى من الأمالي:
١ - حديث المفاخرة بين طريف بن العاصي والحرث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير. ج١ ص ٧٢.
٢ - حديث النسوة اللاتي أشرن على بنت قيل من أقيال حمير بالزواج ووصفن لها محاسن الزواج ج ١ ص ٨٠
٣ - حديث المخاصمة بين سبيع بن الحرث وميثم بم مثوب بمجلس القيل مرثد الخير وخطبته في شأنهما وإصلاحه ذات بينهما ج ١ ص ٩٢
٤ - حديث زبراء الكاهنة تنذر الكاهنة بني رئام من قضاعة بين الشجر وحضر موت ج١ ص ١٢٦
٥ - حديث خنافر الحميري مع رئيه شصار ودخوله في الإسلام بارشاد رئيه ج١ ص ١٣٣
٦ - حديث مصاد بن مذعور وخروجه في طلب ذود له وما أخبره به الجواري الطوارق بالحصى. ج١ ص١٤٣
٧ - حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه عمرو وربيعة وما دار بينه وبينهما من المساءلة
стр. 27
حين كبرت سنه ليبلو عقلهما ويعرف مبلغ علمهما. ج١ ص١٥٢
٨ - حديث اجتماع عامر بن الظرب وححمة بن رافع عند ملك من ملوك حمير وتساؤلهما عنده. ج٢ ص ٢٨٠
٩ - حديث خروج خمسة نفر من طيء إلى سواد بن قارب ليمتحنوا علمه ج٢ ص ٢٩٢
١٠ - حديث ما دار بين المنذر بن النعمان الأكبر وبين عامر بن جوين لما وفد عليه. ذيل الأمالي ص ١٧٩
١١ - حديث غسان بن جهضم مع ابنة عمه أم عقبة وكيف تراءى لها في المنام بعد وفاته. ذيل الأمالي ص ٢٠٥
وها أنا إذا أورد الحديث الثاني مثالاً لبقية الأحاديث لأنه من أسهلها لغة وهو: قال القالي: حدثنا أبو بكر ابن دريد ﵀ قال أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن أبي الكلبي عن أبيه قال كان قيل من أقيال حمير منع الولد دهراً ثم ولدت له بنت فبنى لها قصراً نيفاً بعيداً عن الناس ووكل بها نساء من بنات الأقيال يخدمنها ويؤدبنها حتى بلغت مبلغ النساء فنشأت أحسن منشأ وأتمه في عقلها وكمالها. فلما مات أبوها ملكها أهل مخلافها فاصطنعت النسوة اللواتي ربينها وأحسنت إليهن وكانت تشاورهن ولا تقطع أمراًَ دونهم فقلن لها يوماً يا بنت الكرام لو تزوجت لتم لك الملك، فقالت وما الزوج فقالت إحداهن: الزوج عز في الشدائد، وف الخطوب مساعد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف، قالت نعم الشيء هذا فقالت الثانية: الزوج شعاري حين اصرد، ومتكئي حين أرقد، وأنسي حين أفرد. فقالت إن هذا لمن كمال طيب العيش. فقالت الثالثة، الزوج لما عناني كاف، ولما شفني شاف، يكفيني فقط الآلاّف، ريقه كالشهد، وعناقه كالخلد، لا يمل قرانه، ولا يخاف حرانه. فقالت أمهلنني أنظر فيما قلتن فاحتججت عنهن سبعاً ثم دعتهن فقالت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتني أملكه رقي، وأبثه باطلي وحقي، فإن كان محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتي، على أنه لا ينبغي إلا أن يكون كفؤاً كريماً يسود عشيرته، ويرب فصيلته، لا أتقنع به عاراً في حياتي، ولا أرفع به شناراً لقومي بعد وفاتي. فعليكنه فأبغينه وتفرقن في الأحياء فايتكن اثنتي بما أحب فلها أجزل الحباء، وعلي هي الوفاء، فخرجن فيما وجهتهن له وكن بنات مقاول ذوات عقل
стр. 28
ورأي. فجاءتها إحداهن وهي عمرطَّة بنت زرعة بن ذي خنفر فقالت قد أصبت البغية، فقالت صفيه ولا تسميه، فقالت غيث في المحل، ثمال في الأزل، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويغمر الندي، ويقتاد الأبي، عرضه وافر، وحسبه باهر، غض الشباب، طاهر الأثواب. قالت ومن هو؟ قالت سبرة بن عوَّال بن شدَّاد ابن الهمال. ثم خلت بالثانية فقالت أصبت من بغيتك شيئاً؟ قالت نعم، قالت صفيه ولا تسميه، قالت مصاص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزير العطايا مألوف السجايا، مقتبل الشباب، خصيب الجناب، أمره ماض، وعشيره راض. قالت ومن هو؟ قالت يعلى بن هزال ابن ذي جدن. ثم خلت بالثالثة فقالت ما عندك؟ قالت وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد، يعطي قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال، في العشيرة معظم، وفي الندي مكرم، جم الفواضل، كثير النواقل، بذال أموال، محقق آمال، كثير أعمام وأخوال. قالت ومن هو؟ قالت رواحة بن حمير بن مضحي بن ذي هلاهلة. فاختارت يعلى بن هزال فتزوجته فاحتجبت عن نسائها شهراً ثم برزت لهن فأجزلت لهم الحباء وأعظمت لهن العطاء.
وهذا الحديث كما ترى ينادي على نفسه بأنه موضوع. أما سلسة السند التي أوردها في روايته ورواية بقية الأحاديث على اختلاف في بعض أسماء الرواة فليست غير إتباع للعرف الجاري حينئذ في رواية القصص مثل قصة عنترة المروية عن الأصمعي. لاسيما وابن دريد معروف بالوضع قال الأزهري في مقدمة كتاب التهذيب: ومن ألف في زماننا الكتب فرمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر محمد بن دريد. معجم الأدباء ج٦ ص ٤٨٦. وقال الأبهري: جلست إلى جنب ابن دريد وهو يحدث ومعه جزء فيه ما قال الأصمعي فكان يقول في واحد حدثنا الرياشي وفي آخر حدثنا أبو حاتم وفي آخر حدثنا ابن أخي الأصمعي عن الأصمعي يقول كما يجيء على قبله. تاريخ بغداد ج٢ ص ١٩٦.
والقارئ ولا شك يحس الروح التي تجمع بين هذا الحديث وبين مقامة من مقامات بديع الزمان أو الحريري لاسيما في تزويق الأسلوب وجمع المفردات والشوارد، ولئن خلت أحاديث ابن دريد من بطل واحد معين فذلك لأن فن المقامات لم يكن استكمل حدوده بعد فضلاً عن أن وجود البطل لم يطرد في كل المقامات حتى ما أنشئ منها بعد الحريري مثل
стр. 29
مقامات الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨) وكأن الحصري أشار إلى ذلك لما فضل مقامات البديع على أحاديث ابن دريد وذكر من مزاياها بطلها أبا الفتح الإسكندري وراويها عيسى بن هشام فقال: ووقف مناقلتها على رجلين سمى احدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندري
هذا وفي الأمالي أحاديث أخر أملاها ابن دريد لم يترجح عندي حتى الآن إنها من الأحاديث الأربعين الموضوعة إما لقصرها أو لقلة الصنعة في إنشائها أو لخفاء أثر الوضع والتوليد في أسلوبها ومعناها ومبناها وإليك بعضها:
١ - حديث أوس بن حارثة ونصيحته لأبنه مالك ج١ ص ١٠٢
٢ - حديث خطبة الإعرابي في المسجد الحرام ج١ ص ١١٣
٣ - حديث الأعرابي مع ضيفه ج١ ص ١١٧
٤ - حديث ملاقاة يزيد بن شيبان حين خرج حاجاً لرجل من مهرة وانتساب كل لصاحبه ج٢ ص ١٠٣
٥ - حديث صفة الأسد في مجلس يزيد بن معاوية لأبي زبيد الطائي وجميل ابن معمر العذري والأخطل. ذيل الأمالي ص ١٨٣
٦ - حديث الخليل بن أحمد وصديقه مع امرأة من فصحاء العرب وبناتها. ذيل الأمالي ص٢٠٢
وفي بلوغ الأرب للآلوسي طائفة من الأحاديث التي حدث بها ابن دريد عن الأعراب أكثرها في وصف الغيث يلوح عليها ميسم الوضع أخص بالذكر منها حديثاً لغلامين من الأعراب في وصف الغيث. بلوغ الأرب ج٣ ص ٣٥٣ فليرجع إليه وإلى بقية الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها.
خليل مردم بك
стр. 30
الفقه اللغوي
بحث في كلمة الدردار، أو البوقيصا، أو شجرة البق
للأب انسناس ماري الكرملي
أصعب ما في لغتنا المبينة، معرفة الألفاظ العلمية، ومعناها الحقيقي. وقد أخذ بعض علماء العصر يتأكدون أن دراسة هذا الفن من العلم، لا بد منها في هذه الأيام، لما يتقوم عليها من الأمور المهمة، إذ بغير هذا التدقيق، تذهب المساعي هباءاً منثوراً. وقد بدأنا بهذا الأمر، منذ أكثر من خمسين عاماً، ونحن لا نزال نتابع البحث بلا ملال ولا سآمة.
ونريد أن نعرض على القراء، ما حققناه من أمر الدردار، فنقول: قال في التاج: الدردار (كصلصال) شجر. قال الأزهري: ضرب من الشجر معروف. قلت (أي صاحب التاج) هو شجر البق تخرج منها أقماع مختلفة كالرمانات فيها رطوبة تصير بقاً. فإذا أنفقت خرج البق. ورقه يؤكل غضاًّ كالبقول. كذا في منهاج الدكان انتهى - وقد راجعنا منهاج الدكان المطبوع في مصر في المطبعة الشرقية سنة ١٣٠٥ فلم نجد تحلية هذا الشجر في مظنته في باب الدال، بل وجدناه في باب الشين يقول: شجرة البق هو الدردار ولم يزد على هذا القدر. - وقال ابن البيطار: دردار هي شجرة البق (كذا) عند أهل العراق. ويعرف بالأندلس بشجر النشم الأسود. وسميت بشجرة البق لأنها تحمل نفاخات على شكل الحصل مملوءة رطوبة. فإذا جفت وانفقأت خرج منها ذلك البق وهو البعوض.
وقال ابن البيطار المذكور في بوقيصا هو شجرة الدردار المعروفة بالشام بشجرة البق ويغلط من يثوهم عير ذلك.
وعرف شجرة البق بقوله: الدردار هي عند أهل الشام
ثم قال في ترجمة لسان العصافير: هو ثمر شجرة الدردار وليس بشجرة البق ابن وافد: هو ثمرة شجرة يشبه ورقها اللوز: وثمرتها التي يقال لها لسان العصافير هي عراجين متفرقة. الخرنوب، شبيه أوراق الزيتون، إلا انه أصغر منه بكثير، وفي جوف كل خرنوبة لب كأنه لسان الطائر المسمى العصفور وخارجه أحمر، وداخله أبيض مائل قليلاً إلى الصفرة وطعمه حرّ يفلذَّاع مع شيء من المرارة. . إلى آخر ما قال. وهو أمر عجيب، فأنه نبه مراراً في مفرداته أن شجرة الدردار والبوقيصا وشجرة البق شيء واحد. والآن يفسد بهذا
стр. 31
المقال كل ما شاده من القصور والعلالي.
٢. الدردار أو البوقيصا أو شجرة البق شيء واحد
أما هذه الأسماء الثلاثة تعني شجراً واحداً فمما لا شك فيه ولا ظل شك. ونحن نثبت ذلك بالأدلة اللغوية، فضلاً عن المنقول في كتب الفن.
الدردار كلمة فارسية منحوتة من (در) أي بق بمعنى بعوض و (دار) بمعنى شجرة. والمعنى واضح لا غبار عليه. ومن الغريب أن أصحاب المعاجم الفارسية والدواوين العربية لم تشر إلى هذا الأصل، بل ظن الجميع أن اللفظة عدنانية صرفة وهذا ليس رأينا كما رأيت. فيكون معنى هذا الحرف ما يقابله عند الفرنسيين وبالانكليزية وبلسان العلم
جئنا إلى شجرة البق والاسم واضح المعنى. والمراد بالبق هنا ما يريده العراقيون وعلماء اللغة الأقدمون جميعاً، أي البعوض، لا الفسافس، أو الكتان والضمج على ما هو شائع في مصر واليمن. فإن هذا المعنى لم يكن معروفاً عند الأقدمين من الناطقين بالضاد، إنما هو مولود ومأخوذ عن أبناء اليمن. وكن قد كتبنا مقالاً طويلاً في مجلة المباحث الطرابلسية لصاحبها المحقق الكبير جرجي يني وأشرنا أيضاً إلى تحقيق هذا الاسم في المجلة الطبية المصرية (٤٦٥: ١٢) بحيث لا يمكن لأحد أن ينكر الأدلة التي أوردناها. على أننا نقر بأن البق ورد بمعنى الفسافس في مصر، وفلسطين، وسورية، واليمن. والأندلس في عهد العرب وأما عند العرب الفصحاء في العهد القديم فإنه لم يرد عندهم البق إلا بمعنى البعوض أو البعوض الضخم. وكلمة شجرة البق تشهد على أن الشاميين في سابق العهد ما كانوا يعرفون لها معنى آخر سوى الذي نشير إليه، أي البعوض. وكل من عرف الدردار، أو البوقيصا، أو شجرة البق، لم يفكر أبداً في أن البق هنا الحشرة المنتنة، بل الحشرة العضوض. والبق في اللغة الآرامية لا يعني إلا معنى البعوض.
بقي علينا أن نذكر أصل لفظة (بوقيصا) فنقول أنها مركبة من (بق) الآرمية. و (قيصا) وهي في الأصل (قيسا) بالسين باللغة المذكورة ومعناها الشجرة والظاهر أن الآراميين أتبعوا في وضع هذه الكلمة الطريقة الفارسية لا الآرمية فأنهم قابلوا كلمتهم حرفاً بحرف بالكلمة الفارسية عوض أن يقولوا قيصا بوق أو قيسا بوق وهذا من أغرب الغرائب. على أن بوقيصا ليست من فصيح كلامهم، بل في لغة عوامهم. ما في كلامهم الفصيح فيقولون:
стр. 32
دردار أو دردارا. لكن ما الذي دفع ابن البيطار إلى ركوبه مطية الوهم، بعد أن حذر الناس من امتطائها فهذا ما نريد أن نبينه للقراء.
٣. شجرة لسان العصافير أو المرَّان
الذي ساق ابن بيطار إلى خلط شجرة بشجرة هو أن الدردار في ديار الشرق من الناطقين بالضاد: شجرة البق أو البوقيصا، أما في ديار الأندلس، وديار الغرب فمناها شجرة لسان العصافير، وقد تأثر ابن البيطار في وهمه هذا كل من نقل عنه. واسم الشجرة نفسها المرّان (وزان رمان). قال ابن البيطار في هذه المادة: مران ديسقوريدوس في: أماليا هو شجرة معروفها ورقها، إذا شربت عصارتها بشراب أو تضمد بها نفعت من نهشة الأفعى. . . إلى آخر ما قال. فماليا اليونانية هي شجرة لسان العصافير وبالفرنسية وبالانكليزية - وبلسان العلم -
ومثل اختلاف معنى الكلمة الواحدة باختلاف المدن، أو القبائل، كثير في لغتنا. أفليس الحرف الذي ذكرناه قبيل هذا أي البق شاهداَ على ما نقول؟ - فالبق في العراق بمعنى، والبق في مصر بمعنى آخر. وعلى هذه الطريقة جاءت ألفاظ لا تحصى وكل يدعي الحق معه. أما الحقيقة فهي أن الكلمة قد يختلف معناها باختلاف البلاد ولهذا يجب أن ننبه على هذا الأمر من يؤلف في اللغة أن في اللغة العربية، وأن في نقل ألفاظها إلى لغات الأجانب.
وقد ذكر ابن البيطار أن ثمر الدردار بمعنى المران تسمى أيضاً سنبل الكلب. والذي حققناه أن سنبل الكلب هو زهر هذا الشجر لا ثمره. راجع في هذا الموضوع البرهان القاطع في مادة أهر وهو من أسمائه الفارسية. وسمي كذلك لأن تلك الأزهار تبدو على هيئة سنبل أو عنقود، إلا أن ذلك السنبل غير منسق تنسيق سنبل الحنطة ولهذا أضيف إلى الكلب تحقيراً لشكله. مع أن كل ما جاء في الطبيعة حسن من كل جهة.
٤. نظرة في المعاجم الإفرنجية العربية
جاء في المعجم الانكليزي العربي لمحمد الشريف بك بإزار الكلمة الانكليزية والصواب - شجرة لسان العصافير - ديشَ (بالفتحَ) - بوادق (كذا ومن غير ضبط) وفي مادة لسان العصفور - شجر الدّردار (الجزائر) - بوادق وسماه ابن البيطار المران ولسان العصفور - (ديش المغرب) - بوادق (كذا وهو مكرر ولا خير في تكراره) بوقيصا (من
стр. 33
غير ضبط) شجر البق (ا. س) فمن أين هذه الأسماء كلها؟
قلنا أما لسان العصفور فهو اسم الثمر لا اسم الشجر. فكان يجب أن يقال شجرة لسان العصفور. والعصفور هنا أيضاً غير صحيح بل يجب أن يقال: العصافير لأن هذا الثمر لا يشبه لسان عصفور واحد بل لسان جميع أنواع الطيور الصغيرة التي يشملها اسم العصافير.
أما شجر الدردار فغر صحيح أيضاً. والصواب حذف الشجر ليبقى الدردار وحده لأن معنى هذا الاسم شجرة البق والدردار في غير موطنه هنا فهو المسمى بالفرنسية (ارم) إلا أن يقال أن هذا الاسم هنا بالمعنى المغربي كما نبه عليه ابن البيطار. وكما أسلفنا الكلام عليه. وكما ذكره شوينفرت. وشجرة البق والبوقيصا كلها بمعنى الأرم ويغلط غلطاً عظيماً من يقول بخلاف ذلك. أما الدَّيش وقد ضبطها بفتح الدال. فلا معنى لها وكذلك البوادق التي لم يضبطها. والصواب أن هاتين الكلمتين مقطوعتان من التركية ديش بوادق اغاجي وليس لها شيء من العربية. - والترك ضبطوا الدش بكسر الدال. ومعناه حرف بحرف: السن ومعني بوادق عندهم - وهي بضم فسكون - غصن وفنن. فأين هاتان اللفظتان من العربية؟ - وأطن أن حضرة البك بقل ذلك عن بادجر الذي وضع بإزاء شجرة لسان العصافير - بوادق - ديش فنقلها على ما رآها. - وأين وجدها بادجر؟ وجدها بمعجم بقطر الفرنسي العربي بإزاء كلمة - ومين أين جاء بها بقطر! سمعها من مماليك مصر حينما كان ترجماناً في الجيش الفرنسي وكان أغلب ألفاظهم يومئذ مستعارة من التركية. ولما كان بقطر يجهل التركية فاعتبر (ديش بوادق اغاجي) ثلاث كلمات. نبذ اللفظة الأخيرة الصريحة تركيتها، وتمسك بالاثنتين الأوليين فتناقلها جميع من أخذ عنه من إفرنج وانكليز وعرب. وهذه هي الطامة الكبرى.
وقول شرف بك: شجر البق (ا. س) أي عن ابن سينا فهو مذكور في كتب من تقدمه فلا معنى لتقديمه على من سبقه من علماء النبات. وكان يجب أن يقال شجر البق بالإفراد لا بالجمع، لأن الكلمة الانكليزية مفردة. - وكذلك كان يجب أن يقال: مرانة لأمران. - وبوقيصا هي شجرة البق أي (الأرم) لا المرانة. فلم تسلم كلمة واحدة من النقد من جميع الألفاظ التي أوردها صديقنا شرف بك.
стр. 34
أما الدكتور أحمد عيسى بك فذكر بإزاء هذه الكلمات: دردار (في الغرب. كذا ولعلها في المغرب فيكون صحيحاً) - لسان العصافير - لسان العصفور - اسلن - تسلنت (بربرية) ثمرها يسمى سنا اندلس وتسمية اليونان ماليا - مران (واحدته مرانة) بنجشك زوان (فارسية) - فنقول: أما دردار فهي عند أهل المغرب صحيح وكان يجب أن تفرد فيقال دردراة - ولسان العصافير هو الثمر لا الشجر. فكان يحسن أن تسبق بقولنا مثلاً شجرة لسان العصافير - ولسان العصفور تكرار لما قبله، وتكرار مخطوء فيه ولا حاجة لنا إليه - واسلن وتسلنت بربريتان. وما نحن ولسان البربر أو البرابرة؟ أما أهل الجزائر فقد عربوها فقالوا (سل) بالفتح. - وقوله: ثمرها يسمى سنا اندلس (والصواب سنا الأندلس لأن ال لا تفارق أندلس) لم ينسبها إلى أحد. والمشهور عن اسم ثمر المران هو لسان العصافير كما تقدمت الإشارة إليه. - وتسمية اليونان لهذه الشجرة ماليا صحيح لا غبار عليه. والمران صحيح أيضاً وكان يحسن به أن يقول مرانة ويضع بين هلالين جمعه مران لأن الكلمة اللاتينية التي ترجمها مفردة لا جمع. - وقوله بنجشك زوان فارسية صحيح، لكن لا حاجة في صدرنا إلى ذكرها في معجم سمي: معجم أسماء النبات في اللاتينية والفرنسية والانكليزية والعربية ولو كان قال في عنوانه: والبربرية والفارسية لما كنا نأخذ عليه الأسماء في هاتين اللغتين، وإذ وضع اللفظة الفارسية فكان عليه أن يتم ذكر بقية الأسماء أي أهر (بفتح فسكون) وكنجشك زبان. - ثم أنه ضبط بنجشك بفتح الباء وضم الجيم. والصواب بكسر الباء والجيم معاً، كما يروى في دواوين اللغة الفارسية فأنت ترى حاجة معاجمنا إلى التحقيق والتدقيق.
ولا نتعرض إلى ذكر سائر المعاجم لأن الانكليزية العربية منها عالة على معجم بادجر والدواوين الفرنسية العربية كلٌّ على بقطر وغسلين.
وبهذا القدر مجزأة عن التبسيط في هذا الموضوع الوعر.
стр. 35
فريق العلماء وفريق الأدباء
وأيهما السباق
للأمير مصطفى الشهابي
هجم التتر والمغول في الشرق والأسبان في الغرب على الممالك العربية هجوماً عنيفاً طوح الملك واجتاح معظم ما أنتجته قرائح هذه الأمة العظيمة خلال قرون ونام أجدادنا بعد ذلك نوم أهل الكهف فما أفاق أحفادهم إلا في النهضة الأخيرة أيام استيلاء نابليون على مصر أو أيام محمد علي رأس الأسرة المالكة العلوية. وما كادوا يفتحون عيونهم حتى رأوا أوربا قد سبقتهم أشواطاً ورائها قد عدلت كثيراً من أسس العلوم اليونانية والعربية وأضافت إليها مئات أمثالها. وإذا بهم يجدون أنفسهم جهلاء إذا هم اقتصروا على ما كان يعلمه ابن سينا والرازي في الطب وابن البيطار في النبات والدميري في الحيوان وابن وحشية وابن العوام في الزراعة وابن خلدون في الاجتماع والاقتصاد وأخوان الصفا في مجمل العلوم المادية والفلسفية وغيرهم في العلوم السائرة. وما ذلك لأن بضاعة الأجداد الأقدمين كانت حقيرة في تلك الأيام أو هي مما يحقر في أيامنا هذه بل لأن العوم والفنون والآداب كلها تقدمت واتسعت حتى أصبح من المتعذر على الإنسان أن يتقن فرعاً منها طيلة حياته. على حين أن العلماء من أجدادنا كان واحدهم يطمح إلى تعلم العلوم بأسرها وإلى التصنيف فيها جميعاً فكان مثلاً يفخر بأنه صاحب الكتاب الفلاني في الطب والرسالة الفلانية في الفلك والمصنف الفلاني في الزراعة والديوان الفلاني في الشعر بعد الشقة بين هذه العلوم والفنون المختلفة.
ورحنا منذ فجر نهضتنا إلى اليوم نبعث الشبان إلى أوربا يستقون العلم من مناهله كما أخذنا نستعين بعلماء الغرب في مدارسنا حتى كثر سواد المتعلمين وزاد عدد الاختصاصين فهل بلغنا بعد هذا الجهد ما تصبو إليه نفوسنا؟ وما هو مبلغ تقدمنا سواء في العلوم أم في الآداب؟ ففي الطب مثلاً صار لدينا اختصاصيون في مختلف العلوم الطبية يعدون من نطس الأطباء لكنني لم أسمع بأن أحداً منهم أفشى للناس أسباب مرض من الأمراض وأظهر لهم كيفية مداواته بل ما برح البحث الدقيق عن غوامض الجراثيم وفتكها بالأحياء يقوم له علماء أوربا وأميركا واليابان ويتولونه دون غيرهم.
стр. 36
وفي الفنون الزراعية صار لدينا مختبرات وحقول للتجارب لا بأس بها ندرس فيها أمراض الزروع وحشراتها ونجرب أنواع النباتات والحيوانات الزراعية وأصنافها لكننا ما تجاوزنا في كل ذلك حد الدرس. وإذا كان هنالك أصناف نباتية مفيدة أوجدناها كقطن السكالاريدس في مصر أو كان هناك حشرات عرفنا أطوار حياتها كحشرلت القطن والبرتقال وغيرها فالفضل في ذلك يعود إلى الأساتذة الأوربيين في الغالب.
وهكذا حالنا في العلوم السائرة طبيعية كانت أم رياضية أم فلسفية وتلخص بأن كل ما بذلناه ونبذله من الجهود لا يتعدى حد هضم بعض العلوم التي أوجدها الغربيون وبأننا صرنا نتعرف حقائق هذا الكون بأساليب يقينية وطرائق علمية بدلاً من الأساليب والطرائق الغيبية القديمة. لكننا ما برحنا مقصرين عن علماء الغرب في كل أبحاثنا وما برح البحث العلمي الذي غايته كشف المجهول من غوامض هذه الطبيعة شيئاً يأتيه رجال الغرب وحدهم إلا قليلاً.
ويبدو تقصيرنا حتى في تعرف بلادنا واستقصاء أمورها. وقد سابقنا علماء أوربا وأميركا في دارنا فكانوا المجلين في هذا المضمار شأنهم فيغيره زكنا فساكل يأتون في آخر الحلبة. ولنتخذ الشام مثلاً فهو مدين إلى بلانكنهورن ولارته وزموفن في الكشف عن طبقات أرضه وإلى فورسكال وشوينفورت وبوست في درس نباتاته ودرس بعض ألفاظها العربية، وإلى (رو) في بيان معادنه علمياً واقتصادياً وإلى غزول في درس أسماكه ومصايد أنهاره وبحاره، وإلى علماء عديدين في وصف مصانعه وآثاره الخ. . . . ولعل بعض دروس شخصية درسها عدد من بعض رجالنا في دمشق تتناول بعض موضوعات اجتماعية وأخلاقية وزراعية مما سأفرد له بحثاً خاصاً هو كل ما لم يسبقنا الغربيون إليه في هذا الصدد وكأني بهم لو سابقونا في هذه الموضوعات أيضاً لسبقونا ولبذونا لما لهم من الجلد العجيب على تتبع دقائق الأبحاث العلمية.
وإذا انتقلنا من العلوم إلى اللغة العلمية نصطدم بأبحاث لا تحصى ليس لها ألفاظ في لغتنا العربية لأنه من البديهي أن أجدادنا ما فكروا في وضع ألفاظ لعلوم ومخترعات ومصنوعات كانوا بها جاهلين. فماذا فعلنا نحن أما هذا النقص المخيف وهو في الحقيقة نقص لا تزيله سوى جهود علماء يتوفرون عليه في أنحاء العالم العربي تعاضدين متساندين
стр. 37
في مجمع مشترك يضم جهودهم بعضاً إلى بعض. لقد حاول رجالنا في مصر والشام والعراق إيجاد هذا المجمع وإيجاد نواة له فلم يفلحوا. وطاحت الأيام بمجمع السيد توفيق البكري وبنادي حفني ناصيف وبالمجمع الذي أولف خلال الحرب الكبرى في مصر وبمجامع بيروت وبغداد وعمان وكلها ألفت بعد الحرب تلك. ولم يدم سوى المجمع العلمي العربي في دمشق وهو على قلة موارده وضعف وسائله قد قام في هذا الباب بخدمة لا ينكرها إلا كل مكابر فوضع أعضاؤه بضع مئات من الألفاظ العربية أو المعربة لمعان علمية في الزراعة والنبات والحشرات وعلم الطبيعة وغيرها ونشرت تباعاً في مجلته.
وبدت حاجتنا الملحة إلى وضع الألفاظ العلمية الجديدة منذ أوائل القرن التاسع عشر عندما أخذنا نترجم العلوم العصرية أو نؤلف فيها. وكان من المبرزين في ترجمة الكتب العلمية أو ضبط ألفاظها محمد عمر التونسي ومحمد عمران الهراوي. وممن جمعوا بين العلم واللغة العلمية احمد ندي وعلي رياض واحمد حمدي الجراح وغيرهم في مصر وفانديك ويوحنا ورتبات وجورج بوست وبطرس البستاني وبشارة زلزل في الشام. وما قصر المستشرقون في هذا الباب بل ظهر منهم علماء أعلام أضافوا إلى لغتنا عدداً لا يستهان به من الألفاظ العلمية وحددوا مدلول كثير من الألفاظ القديمة المشكوك فيها مثل فريتاغ ولين ودوزي ينفورث وغيرهم.
لكن الجهود التي بذلت في هذا السبيل سواء أكان مصدرها رجالنا أم المستشرقين ليست في الحقيقة سوى عمل ضئيل أننا واقفون حيارة تجاه آلاف من الألفاظ نحتاج إلى وضعها أو إلى أقرارها على الوجه الأمثل. وما برحنا نرقب تأسيس مجمع للغة العربية يتضافر عليه علماؤنا في العالم العربي وفي عالم المستشرقين فيضعون لنا معجماً إفرنجياً عربياً تثبت فيه أهم الألفاظ العلمية مع مقابلها العربي أو المعرب ولعل المجمع الذي صدر مرسوم بتأليفه في مصر خليق بتحقيق هذه الأمنية إذا أحسنت الحكومة المصرية انتقاء أعضائه وأقصت عنه الأهواء السياسية ولم تبخل عليه بالوسائل المادية التي لا غنى عنها في هذا العمل المهم. ولا شك أن نجاح هذا المجمع سيكون مفخرة من مفاخر مصر كما أن إخفاقه سيلبس الذين كانوا علة هذا الإخفاق عاراً وخزياً لا يمحوها كر الأيام والسنين.
هذا في العلم أما في الأدب فقد ظن أدباؤنا أن محاكاة رجالنا الأقدمين في نظمهم ونثرهم هو
стр. 38
كل ما نتطلبه منهم. فالذي دانى بشعره المتنبي وأبا تمام والبحتري وابن الرومي من هم دنوهم بلغ سدرة المنتهي في عالم القريض. والذي قرب بترسله من الجاحظ وابن المقفع وسهل ابن هرون وعمرو بن مسعدة عد من أئمة الأدب وبلغاء الكتاب الذين لا يشق لهم غبار. ولكن الأمر على ما أرى هو اليوم أصعب مما يذهبون إليه. ذلك إن أدب اليوم عند الغربيين خاصة له صور متعددة الأشكال والألوان وله أبواب ما طرقها أجدادنا أو هم قصروا فيها كما قصر فيها أدباؤنا في أيامنا هذه منها الروايات الشعرية والأقاصيص النثرية وصور البيئات الاجتماعية وصور العواطف والمشاعر والنزعات النفسية المختلفة فكل هذا يتطلب معرفة علم النفس والاجتماع والأخلاق ويستلزم ألماماً بكثير من العلوم المادية ومفرداتها العربية حتى تجئ اللوحة الأدبية كاملة غير مشوهة.
ويستنتج من ذلك أن زاد الأديب اليوم غير زاده في الأمس فإذا تمكن أدباؤنا الحاضرون الذين هبتهم الطبيعة بروح أدبية عالية من تغذية نفوس قارئيهم بهذا الزاد في نسج كنسج من ذكرت من أدبائنا الغابرين، عددناهم من المبرزين في صناعتهم وعقنا لهم لواء السبق واعترفنا لهم بهذا الفضل. فأما وهم لم يبلغوا بعد هذه المنزلة وأما والطريق الممتدة أمامهم لا تزال طويلة المدى فهم والعلماء سواسية في التقصير وليس لفريق منهما فضل على الثاني.
مصطفى الشهابي
стр. 39
تربية الأطفال
تطورها وأفضل طرقها
للدكتور مرشد خاطر
الطفل صفحة بيضاء تسطر عليها يد المربي خيراً أو شراً، صدقاً أو كذباً، إباءً أو خسة، استقلالاً أو استعباداً. هو معدن لين تنقش فيه يد النقاش ما تشاء من السجايا والأخلاق فتصوره وديعاً محباً مخلصاً أو شريراً مبغضاً عقوقاً ولا أصدق من المثل العربي القائل العلم في الصغر كالنقش على الحجر وليس العلم في الطفولة الأولى سوى التربية التي تغرس في قلب الطفل وعقله بذور السجايا الحميدة قبل أن تنبت فيها بذور الأشواك الفاسدة.
غير أن تلك الصفحة البيضاء والمعدن اللين يختلفان عما هما عليه في عالم الجماد اختلافاً بيناً لأن نفس الطفل وعقله يتصفان بصفة الحياة لا الجمود فإذا كان القرطاس يحفظ على وجهه الناصع البياض ما تخطه يد الكاتب عليه بدون أن يكون له تأثير في اليد الكاتبة أو كان لذلك المعدن أن يبقي ما نقشته يد النقاش بدون أن يكون له أن يتكيف تكيفاً مخالفاً لحركة تلك اليد وعملها فليس الأمر كذلك في نفس الطفل وعقله لأن حيٌّ وليس الحي كالجماد فإن الجماد منفعل فقط يتأثر من العوامل الخارجية التي تحيط به ومن البيئة التي يكون فيها والحيُّ فاعل ومنفعل يتأثر بما يحيط به كما أنه يؤثر في ذلك المحيط أيضاً. ولهذا كان في الطفل نزعات واستعدادات وغرائز لا بد من المحافظة عليها حفاظاً يكاد يكون مقدساً لا يجوز ليد المربي أن تمسها بل يجوز لها أن تنميها موفرة لها ما تحتاج إليه في نموها. وكان فيه أميال أخرى تهيب به إلى الجنوح عن السداد، عن ذلك النموذج الاسمي الذي يطمح إليه المربي في تربيته، ويترتب على الوالدين والمربي أن يقوموا أودها في الطفل تقويماً لطيفاً بالغاً منتهى الحكمة لأنهم إذا عمدوا إلى العنف أنقلب الأمر إلى ضده وليس أفصح وأجلى من ذلك التحديد الذي يحدد به (روجه كوزينيه) التربية إذ يقول: التريبة علم غايته الفضلى التي تمكن الطفل من إظهار طبيعته إظهاراً جلياً لأن الطفل لا طاقة له أن يكون كهلاً قبل أن يبدي غرائزه الخاصة.
إن هذه الكلمة القليلة تمثل لنا التربية كما يمثلها اليوم علماء النفس الذين هم المربون
стр. 40
الحقيقيون. وإذا قلنا المربون الحديثون فلكي نوضح الفرق الكبير بين تربية القرن العشرين والقرون الغابرة. أن الذين يعنون بتربية الأطفال في عصرنا الحاضر ناقمون على أسلافهم نقمة كبيرة وكتاباتهم ومؤلفاتهم جميعاً ملأى بالحط من تلك الخطط القديمة ووصفهم لها بالثوب البالي الذي يجب خلعه واستبداله بالثوب الزاهي الجديد. وإذا سكت فلا أستطيع السكوت عن تلك الكلمات التي لا يزال صداها يرن في آذان المربين والمربيات تلك الكلمات التي فاه لها دوهمال ذلك الكاتب الطائر الشهرة الذي مثل في أحد مؤلفاته أولاده والطريقة التي يتبعها في تربيتهم فقد دافع عن عقيدته في مؤتمر تربية البنين الذي عقد سنة ١٩٢٤ في باريس قائلاً: قليلون بيننا هم الذين يرغبون في أن يعودا إلى طفولتهم الأولى مشيراً بذلك إلى ما كان يقاسيه أولئك الأطفال في العصر الغابر من عنف مربيهم. فإذا نحن عددنا كلامه غلواً ولم نقض على تلك الطرق القديمة القضاء المبرم لأن عدداً لا يستهان به من النوابغ قد أنجبتهم تلك القرون ولا يعود الفضل في نبوغهم إلا إلى تربيتهم فلا نتمالك عن الإقرار بأن بين التربيتين القديمة والحديثة هوة كبيرة وبوناً شاسعاً. فإن في تلك ذرة من الحسن تحف بها الأشواك وفي هذه كل الحسن والسداد لأنها ترتكز على إنماء غرائز الطفل لا على قتلها فيه منذ نشأته وما النوابغ الذين نبغوا في ما مضى على رأي الكثيرين من المربين الحديثين إلا أشخاص نشأوا على الرغم من فساد الطرق المستعملة في تربيتهم كما نشأ أشخاص أصحاء البنية أقويائها على الرغم من فساد علم الصحة في تلك العصور وجهل طرق المداواة واتقاء الأمراض. فإذا أقررنا بأفضلية التربية الحديثة كان لا بد بنا من وضع برنامج تتمشى عليه هذه التربية وهذا البرنامج هو ما ألمعت إليه في بدء كلامي.
لا أن للتربية أقساماً ثلاثة: تربية الجسد والعقل والنفس وسأقتصر في كلامي على تربية النفس وحدها لأنها أس التربيتين الأخريين ولأن البحث في تربية الجسد أمر طويل يستحسن الكلام عنه في المجلات الطبية كما أن تربية العقل منوطة بالمعلمين وحدهم وقلما يكون للوالدين شأن فيها.
بيد أن تربية النفس منوط أمرها في الدرجة الأولى بالأبوين ثم بالمعلمين ويجب أن نبتدئ التربية منذ السنة الأولى وفقاً لما قال جان جاك روسو: كما تكيف النباتات بالشذب منذ
следующие страницы →