← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي الفنون الزراعية صار لدينا مختبرات وحقول للتجارب لا بأس بها ندرس فيها أمراض الزروع وحشراتها ونجرب أنواع النباتات والحيوانات الزراعية وأصنافها لكننا ما تجاوزنا في كل ذلك حد الدرس. وإذا كان هنالك أصناف نباتية مفيدة أوجدناها كقطن السكالاريدس في مصر أو كان هناك حشرات عرفنا أطوار حياتها كحشرلت القطن والبرتقال وغيرها فالفضل في ذلك يعود إلى الأساتذة الأوربيين في الغالب. وهكذا حالنا في العلوم السائرة طبيعية كانت أم رياضية أم فلسفية وتلخص بأن كل ما بذلناه ونبذله من الجهود لا يتعدى حد هضم بعض العلوم التي أوجدها الغربيون وبأننا صرنا نتعرف حقائق هذا الكون بأساليب يقينية وطرائق علمية بدلاً من الأساليب والطرائق الغيبية القديمة. لكننا ما برحنا مقصرين عن علماء الغرب في كل أبحاثنا وما برح البحث العلمي الذي غايته كشف المجهول من غوامض هذه الطبيعة شيئاً يأتيه رجال الغرب وحدهم إلا قليلاً. ويبدو تقصيرنا حتى في تعرف بلادنا واستقصاء أمورها. وقد سابقنا علماء أوربا وأميركا في دارنا فكانوا المجلين في هذا المضمار شأنهم فيغيره زكنا فساكل يأتون في آخر الحلبة. ولنتخذ الشام مثلاً فهو مدين إلى بلانكنهورن ولارته وزموفن في الكشف عن طبقات أرضه وإلى فورسكال وشوينفورت وبوست في درس نباتاته ودرس بعض ألفاظها العربية، وإلى (رو) في بيان معادنه علمياً واقتصادياً وإلى غزول في درس أسماكه ومصايد أنهاره وبحاره، وإلى علماء عديدين في وصف مصانعه وآثاره الخ. . . . ولعل بعض دروس شخصية درسها عدد من بعض رجالنا في دمشق تتناول بعض موضوعات اجتماعية وأخلاقية وزراعية مما سأفرد له بحثاً خاصاً هو كل ما لم يسبقنا الغربيون إليه في هذا الصدد وكأني بهم لو سابقونا في هذه الموضوعات أيضاً لسبقونا ولبذونا لما لهم من الجلد العجيب على تتبع دقائق الأبحاث العلمية. وإذا انتقلنا من العلوم إلى اللغة العلمية نصطدم بأبحاث لا تحصى ليس لها ألفاظ في لغتنا العربية لأنه من البديهي أن أجدادنا ما فكروا في وضع ألفاظ لعلوم ومخترعات ومصنوعات كانوا بها جاهلين. فماذا فعلنا نحن أما هذا النقص المخيف وهو في الحقيقة نقص لا تزيله سوى جهود علماء يتوفرون عليه في أنحاء العالم العربي تعاضدين متساندين

стр. 37

في مجمع مشترك يضم جهودهم بعضاً إلى بعض. لقد حاول رجالنا في مصر والشام والعراق إيجاد هذا المجمع وإيجاد نواة له فلم يفلحوا. وطاحت الأيام بمجمع السيد توفيق البكري وبنادي حفني ناصيف وبالمجمع الذي أولف خلال الحرب الكبرى في مصر وبمجامع بيروت وبغداد وعمان وكلها ألفت بعد الحرب تلك. ولم يدم سوى المجمع العلمي العربي في دمشق وهو على قلة موارده وضعف وسائله قد قام في هذا الباب بخدمة لا ينكرها إلا كل مكابر فوضع أعضاؤه بضع مئات من الألفاظ العربية أو المعربة لمعان علمية في الزراعة والنبات والحشرات وعلم الطبيعة وغيرها ونشرت تباعاً في مجلته. وبدت حاجتنا الملحة إلى وضع الألفاظ العلمية الجديدة منذ أوائل القرن التاسع عشر عندما أخذنا نترجم العلوم العصرية أو نؤلف فيها. وكان من المبرزين في ترجمة الكتب العلمية أو ضبط ألفاظها محمد عمر التونسي ومحمد عمران الهراوي. وممن جمعوا بين العلم واللغة العلمية احمد ندي وعلي رياض واحمد حمدي الجراح وغيرهم في مصر وفانديك ويوحنا ورتبات وجورج بوست وبطرس البستاني وبشارة زلزل في الشام. وما قصر المستشرقون في هذا الباب بل ظهر منهم علماء أعلام أضافوا إلى لغتنا عدداً لا يستهان به من الألفاظ العلمية وحددوا مدلول كثير من الألفاظ القديمة المشكوك فيها مثل فريتاغ ولين ودوزي ينفورث وغيرهم. لكن الجهود التي بذلت في هذا السبيل سواء أكان مصدرها رجالنا أم المستشرقين ليست في الحقيقة سوى عمل ضئيل أننا واقفون حيارة تجاه آلاف من الألفاظ نحتاج إلى وضعها أو إلى أقرارها على الوجه الأمثل. وما برحنا نرقب تأسيس مجمع للغة العربية يتضافر عليه علماؤنا في العالم العربي وفي عالم المستشرقين فيضعون لنا معجماً إفرنجياً عربياً تثبت فيه أهم الألفاظ العلمية مع مقابلها العربي أو المعرب ولعل المجمع الذي صدر مرسوم بتأليفه في مصر خليق بتحقيق هذه الأمنية إذا أحسنت الحكومة المصرية انتقاء أعضائه وأقصت عنه الأهواء السياسية ولم تبخل عليه بالوسائل المادية التي لا غنى عنها في هذا العمل المهم. ولا شك أن نجاح هذا المجمع سيكون مفخرة من مفاخر مصر كما أن إخفاقه سيلبس الذين كانوا علة هذا الإخفاق عاراً وخزياً لا يمحوها كر الأيام والسنين. هذا في العلم أما في الأدب فقد ظن أدباؤنا أن محاكاة رجالنا الأقدمين في نظمهم ونثرهم هو

стр. 38

كل ما نتطلبه منهم. فالذي دانى بشعره المتنبي وأبا تمام والبحتري وابن الرومي من هم دنوهم بلغ سدرة المنتهي في عالم القريض. والذي قرب بترسله من الجاحظ وابن المقفع وسهل ابن هرون وعمرو بن مسعدة عد من أئمة الأدب وبلغاء الكتاب الذين لا يشق لهم غبار. ولكن الأمر على ما أرى هو اليوم أصعب مما يذهبون إليه. ذلك إن أدب اليوم عند الغربيين خاصة له صور متعددة الأشكال والألوان وله أبواب ما طرقها أجدادنا أو هم قصروا فيها كما قصر فيها أدباؤنا في أيامنا هذه منها الروايات الشعرية والأقاصيص النثرية وصور البيئات الاجتماعية وصور العواطف والمشاعر والنزعات النفسية المختلفة فكل هذا يتطلب معرفة علم النفس والاجتماع والأخلاق ويستلزم ألماماً بكثير من العلوم المادية ومفرداتها العربية حتى تجئ اللوحة الأدبية كاملة غير مشوهة. ويستنتج من ذلك أن زاد الأديب اليوم غير زاده في الأمس فإذا تمكن أدباؤنا الحاضرون الذين هبتهم الطبيعة بروح أدبية عالية من تغذية نفوس قارئيهم بهذا الزاد في نسج كنسج من ذكرت من أدبائنا الغابرين، عددناهم من المبرزين في صناعتهم وعقنا لهم لواء السبق واعترفنا لهم بهذا الفضل. فأما وهم لم يبلغوا بعد هذه المنزلة وأما والطريق الممتدة أمامهم لا تزال طويلة المدى فهم والعلماء سواسية في التقصير وليس لفريق منهما فضل على الثاني. مصطفى الشهابي

стр. 39

تربية الأطفال تطورها وأفضل طرقها للدكتور مرشد خاطر الطفل صفحة بيضاء تسطر عليها يد المربي خيراً أو شراً، صدقاً أو كذباً، إباءً أو خسة، استقلالاً أو استعباداً. هو معدن لين تنقش فيه يد النقاش ما تشاء من السجايا والأخلاق فتصوره وديعاً محباً مخلصاً أو شريراً مبغضاً عقوقاً ولا أصدق من المثل العربي القائل العلم في الصغر كالنقش على الحجر وليس العلم في الطفولة الأولى سوى التربية التي تغرس في قلب الطفل وعقله بذور السجايا الحميدة قبل أن تنبت فيها بذور الأشواك الفاسدة. غير أن تلك الصفحة البيضاء والمعدن اللين يختلفان عما هما عليه في عالم الجماد اختلافاً بيناً لأن نفس الطفل وعقله يتصفان بصفة الحياة لا الجمود فإذا كان القرطاس يحفظ على وجهه الناصع البياض ما تخطه يد الكاتب عليه بدون أن يكون له تأثير في اليد الكاتبة أو كان لذلك المعدن أن يبقي ما نقشته يد النقاش بدون أن يكون له أن يتكيف تكيفاً مخالفاً لحركة تلك اليد وعملها فليس الأمر كذلك في نفس الطفل وعقله لأن حيٌّ وليس الحي كالجماد فإن الجماد منفعل فقط يتأثر من العوامل الخارجية التي تحيط به ومن البيئة التي يكون فيها والحيُّ فاعل ومنفعل يتأثر بما يحيط به كما أنه يؤثر في ذلك المحيط أيضاً. ولهذا كان في الطفل نزعات واستعدادات وغرائز لا بد من المحافظة عليها حفاظاً يكاد يكون مقدساً لا يجوز ليد المربي أن تمسها بل يجوز لها أن تنميها موفرة لها ما تحتاج إليه في نموها. وكان فيه أميال أخرى تهيب به إلى الجنوح عن السداد، عن ذلك النموذج الاسمي الذي يطمح إليه المربي في تربيته، ويترتب على الوالدين والمربي أن يقوموا أودها في الطفل تقويماً لطيفاً بالغاً منتهى الحكمة لأنهم إذا عمدوا إلى العنف أنقلب الأمر إلى ضده وليس أفصح وأجلى من ذلك التحديد الذي يحدد به (روجه كوزينيه) التربية إذ يقول: التريبة علم غايته الفضلى التي تمكن الطفل من إظهار طبيعته إظهاراً جلياً لأن الطفل لا طاقة له أن يكون كهلاً قبل أن يبدي غرائزه الخاصة. إن هذه الكلمة القليلة تمثل لنا التربية كما يمثلها اليوم علماء النفس الذين هم المربون

стр. 40

الحقيقيون. وإذا قلنا المربون الحديثون فلكي نوضح الفرق الكبير بين تربية القرن العشرين والقرون الغابرة. أن الذين يعنون بتربية الأطفال في عصرنا الحاضر ناقمون على أسلافهم نقمة كبيرة وكتاباتهم ومؤلفاتهم جميعاً ملأى بالحط من تلك الخطط القديمة ووصفهم لها بالثوب البالي الذي يجب خلعه واستبداله بالثوب الزاهي الجديد. وإذا سكت فلا أستطيع السكوت عن تلك الكلمات التي لا يزال صداها يرن في آذان المربين والمربيات تلك الكلمات التي فاه لها دوهمال ذلك الكاتب الطائر الشهرة الذي مثل في أحد مؤلفاته أولاده والطريقة التي يتبعها في تربيتهم فقد دافع عن عقيدته في مؤتمر تربية البنين الذي عقد سنة ١٩٢٤ في باريس قائلاً: قليلون بيننا هم الذين يرغبون في أن يعودا إلى طفولتهم الأولى مشيراً بذلك إلى ما كان يقاسيه أولئك الأطفال في العصر الغابر من عنف مربيهم. فإذا نحن عددنا كلامه غلواً ولم نقض على تلك الطرق القديمة القضاء المبرم لأن عدداً لا يستهان به من النوابغ قد أنجبتهم تلك القرون ولا يعود الفضل في نبوغهم إلا إلى تربيتهم فلا نتمالك عن الإقرار بأن بين التربيتين القديمة والحديثة هوة كبيرة وبوناً شاسعاً. فإن في تلك ذرة من الحسن تحف بها الأشواك وفي هذه كل الحسن والسداد لأنها ترتكز على إنماء غرائز الطفل لا على قتلها فيه منذ نشأته وما النوابغ الذين نبغوا في ما مضى على رأي الكثيرين من المربين الحديثين إلا أشخاص نشأوا على الرغم من فساد الطرق المستعملة في تربيتهم كما نشأ أشخاص أصحاء البنية أقويائها على الرغم من فساد علم الصحة في تلك العصور وجهل طرق المداواة واتقاء الأمراض. فإذا أقررنا بأفضلية التربية الحديثة كان لا بد بنا من وضع برنامج تتمشى عليه هذه التربية وهذا البرنامج هو ما ألمعت إليه في بدء كلامي. لا أن للتربية أقساماً ثلاثة: تربية الجسد والعقل والنفس وسأقتصر في كلامي على تربية النفس وحدها لأنها أس التربيتين الأخريين ولأن البحث في تربية الجسد أمر طويل يستحسن الكلام عنه في المجلات الطبية كما أن تربية العقل منوطة بالمعلمين وحدهم وقلما يكون للوالدين شأن فيها. بيد أن تربية النفس منوط أمرها في الدرجة الأولى بالأبوين ثم بالمعلمين ويجب أن نبتدئ التربية منذ السنة الأولى وفقاً لما قال جان جاك روسو: كما تكيف النباتات بالشذب منذ

стр. 41

غرسها يكيف الولد بالتربية ولهذا يشبه الكثيرون من علماء النفس مهمة المربي بمهمة البستاني: فإذا رغب البستاني في الحصول على شجرة جميلة يانعة الأثمار اعتنى بها وهي شجيرة فقلمها وأبعد عنها ما يضيرها ووفر لها وسائط النمو وإذا أحب الوالدان أن يكون ابنهما صالحاً وجب عليهما أن ينسجا على نسج البستاني. ولا بد معرفة الأولاد معرفة حقيقية ومعرفة قواعد التربية أما معرفة الأولاد فهي الصعوبة الكبيرة التي يجب التغلب عليها لأن طباع الأولاد تختلف كما تختلف وجوههم. فعلى كل مرب أن يضع أمام عينيه نموذجاً من الكمال وأن يسدد خطوات ذلك الطفل الذي يعني بتربيته ليوصله إلى ذلك النموذج الأسمى، يجب عليه أن يضعه في ذلك القالب ليخرج وفقاً لما رسمه من الكمال، يترت عليه أن يفكر دائماً في أن من يعتني به ويعده لأن يكون عضواً مفيداً في المجتمع البشري فعليه أن يكفيه وفقاً لمقتضيات ذلك المجتمع ولا يتمُّ هذا إلا بإنماء ما يجب إنماؤه في الطفل بدون معاكسته البتة وهو القسم البارز في التربية وبتقويم ما أعوجَّ فيه وهو القسم الصغير الذي لا يأتي إلا في الدرجة الثانية. أما القسم الأول فينطوي تحته إنماء الخواص والاستعدادات والميول التي تبدو بوادرها في الطفل. فالشيء الأول الذي تجب المحافظة عليه في الطفل ويترتب على كل مرب خبير بأصول التربية الحديثة أن يحترمه احتراماً مقدساً هو الطفولة نفسها. أقول هذا وأنا واثق أن السواد الأعظم من المربين لا يحترمون الطفولة بل يقاومونها بكل ما لديهم من قوة فهم يميلون إلى أن يجعلوا من الطفل كهلاً وما الطفل بذلك الكهل فنراهم يلجأون إلى العنف والإجبار والتهديد ونرى الطفل الذي يخاف مربيه ووالديه قد أطاع مرغماً إطاعة ظاهرة إلا أن نفسه لا تزال ميالة إلى الطفولة التي يمثلها ولهذا تدعوه تلك النفس بعد أن يرغم على الطاعة مرات متوالية إلى العصيان وهو لا يعصي إلا ليحيا لأنه يريد أن يحيا طفلاً قبل أن يحيا كهلاً. أن بيئة الطفولة هي الدمى والألعاب الصغيرة والأطفال الذين لا تزيد سنهم عن سنه فيجب ألا يحرم الطفل هذه البيئة التي أوجدتها الطبيعة له بل على المربي أن يحترمها ويوفر له الأغذية المادية والروحية التي يحتاج إليها ويتركه يرتع في تلك البيئة بسلام. وما الطفل إلا كالغرسة اللطيفة التي متى توفرت لها أسباب الحياة من ماءٍ وهواءٍ ونور نمت نومها

стр. 42

الطبيعي العادي وكانت أزهى مما لو عاشت حياتها في قفص من زجاج تنمو فيه نمواً سريعاً ولا تلبث أن يعاجلها الذبول فالموت. وإذا تأملنا قليلاً من هذه البشرية والقينا عليها نظرة دقيقة وجدنا أن كثيراً من العقول الضيقة لم يكن السبب في ضيقها إلا عنف المربين وخنقهم في الطفل نزعات الطفولة لنبتسم إذن لهذه التربية الحديثة ابتسامة لطيفة ولنترك الأولاد يفعلوا بحسب رغباتهم ونزعاتهم واستعداداتهم ولنخفف من حصر الطفل وحفظه وسجنه ولنبتعد عما يفعله بعض المربين الذين يرون في المخالفة الصغيرة وفي الهفوات الطفيفة جرماً كبيراً فهم يبرقون ويرعدون إذا لطخ الطفل ثوبه أو مزقه أو كسر قدحاً أو ضرب أخاه أو أخته أو رفيقه فينهالون بالتوبيخ والتهديد وقد ينهون هذه المأساة بالضرب ويوجدون في ذلك الولد الذي لم يقترف أثماً ولم يفعا ما فعل إلا لنزعات طفولته واستعداداتها ميلاً إلى العصيان. فكأنهم يعلمون ذلك الطفل الخشونة والتمرد عوضاً عن أن يعملوه الطاعة والرقة واللطف، ويملون عليه أمثولة في الظلم لأنهم أساؤا إليه وهو لم يقترف أثماً حقيقياً بل الهفوة التي اقترفها إذا جاز لنا أن ندعوها أثماً قد اقترفتها الطفولة وكان الواجب عليهم أن يولدوا فيه عاطفة الاستقامة والعدل. فيترتب على المربين أن يقلوا عن التنبيهات المتواصلة وإلا يزعجوا أولئك الملائكة الصغار بإرشاداتهم المتواترة وصراخهم الدائم وقصاصاتهم المتتابعة التي لا تثمر في النهاية سوى العصيان وضياع ما في الطفل من الاحترام لهم وأن يعرفوا لأولادهم الشروط التي تمكنهم من إتمام ما يريدون على ألا يكون في أعمالهم ضرر لهم. ليعط الطفل من الألعاب والأشياء ما يشغل به مخيلته وفكره ويديه فيفرح ويسر ويفرح المربي لفرحه أيضاً. أن المربين الانكليز هم المجلون الذين أدركوا قبل جميع المربين في سائر البلدان الأخرى أن التربية تقضي بإفراز بيئة خاصة للطفل يحيا فيها لا يكون لها أقل علاقة واشتراك ببيئة الكهول وأنهم لا يزالون حتى اليوم مناراً للمربين الآخرين يسترشد بهم في ليل التربية الحالك. إن طاعة الطفل ضرورية لا بد منها غير أن للطاعة أوقاتاً وشروطاً وما الطاعة في إجبار الطفل على ترك نزعات طفولته إلا ضرب من الظلم وأداة من أدوات التربية القديمة

стр. 43

المضرة. والخاصة الثانية: التي يجب إنماؤها في الطفل هي صفة الأستملاك التي لا تخرج عن كونها مظهراً من مظاهر الحرص والمحافظة. وهذه الصفة تنمو نماءً شديداً في الأطفال. فلو سار الطفل للتنزه نراه يملأ جيوبه عجائب غرائب والتقط كل ما يراه في طريقه من حصى ونوى وأعشاب وجذور وغير ذلك أو كان في البيت نراه يفتش في سلة المهملات عن شرائط قديمة وخرق بالية وصور ممزقة فيحفظها في مكان يخصه بنفسه كأنها كنوز ثمينة لا يحق لأحد أن يمسها. فليترك الطفل وشأنه في عمله ولا يجوز للأم أو المربية أن تجبره على الاكتفاء بلعبة جميلة تأتيه بها ليلهو موجبة عليه إهمال ما جمع والامتناع عن اللعب بتلك الخرق والحصى والبذور والعظام وإلا كان عملها مداعاة إلى حمل الطفل على عصيانها فتضطر إلى توبيخه مع أن الطفل لم يقترف أثماً ولم يعمل ما عمل إلا مدفوعاً بعوامل طفولته فعلى الأم أن تحترم نزعته هذه وأن تعلم بأن الطفل يجد في تلك الخرق البالية سلوى لا يجدها في تلك اللعبة التي تراها هي جميلة ويراها هو قبيحة لأن تلك الخرق تمكنه من أعمال فكره ومخيلته ويديه وتوحي إليه الاجتهاد في تأليف شيء منها بيد أنه لا يجد في تلك اللعبة غايته. وإذا ما اعتاد الطفل من صغره هذه الأمور نما في هـ فكر الاختراع والابتكار والتنقيب ومال إلى الصبر والثبات والاجتهاد فكان الشغل في مستقبل حياته لذة له. والأمر الثالث: الذي يجب إنماؤه في الطفل حب الاكتشاف. أن مثل الطفل مثل رجل غريب يدخل بلاداً جديدة فيجدُّ في كشف ما فيها من الأسرار فعلى المربي ألا يقاوم الطفل في سائر أعماله الموصلة إلى تلك الكشوف لا بل عليه أن يسهل له الأمر كلما عسر عليه بدون أن يلحظ منه الطفل المساعدة أو المداخلة في شؤونه. والطفل اجتماعي بطبيعته وحبه للاجتماع يساعده ويمكنه من الاستكشاف ولهذا نراه في سنواته الأولى يفتش عن أمثاله وأشباها ليجتمع بهم ويؤلف مجتمعاً وهذا المجتمع ضروري لا منوحة عنه سواء كان مؤلفاً من أخوته وأخواته أو رفقائه في المدرسة أو سواهم. لنتركه يجري اختباراته في هذه الحياة ولا نكن ممن يكثرون النصائح والتنبيهات ولا نكرر عليه ما قلنا له منذ هنيهة. فلندعه وشأنه لأننا ولو أكثرنا من الاحتياطات نظل مقصرين

стр. 44

عن وقاية الأطفال من خطر يهددهم فعلى قدر ما يسرعون في إجراء اختباراتهم في هذه الحياة تزداد حنكتهم وتكون الأخطار التي يتعرضون لها في مستقبل حياتهم أقل. ولست أعني بالتساهل الذي لا بد منه للأطفال لكشف حقائق هذا الوجود تركهم حيث يتهددهم الخطر بدون تنبيههم له فلا يجوز أن يترك الطفل في غرفة تتقد فيها النيران أو قرب حوض من الماء لا حاجز له أو على سطح مشرف على هوة فإن ذلك ضرب من الجنون كما أن من الجنون أيضاً منع الطفل عن التعرض لأشياء طفيفة لا تضيره إذا كان في تعرضه لها فائدة له وإنماءٌ لخاصة الاستكشاف التي يميل إليها بطبيعته. يحتاج الطفل الحاجة الشديدة إلى لمس حقائق الوجود بعقله ويديه ولا خير في تربية تسجن الطفل في قفص وتمنعه عن لمس تلك الحقائق لأن على الطفل أن يفتتح هذا الكون ويملكه. يقول دوهمال الاستكشاف ثروة غريزية وحياة الطفل الذي يترك وشأنه سلسلة متتابعة من الاكتشافات غير أننا نرى والأسف ملء قلوبنا أن طرق التربية تميت هذه الخاصة. والأمر الرابع: الذي يجب إنماؤه في الطفل هو رقة الشعور والإخلاص والدعة وغيرها من السجايا الحميدة إلا إنني اكتفي بأن أتكلم عن الصفة الأولى. من منا لم يسمع أو لم يصدف له أن رأى الطرق التي كانت مستعملة من قبل في التربية كربط رجلي الولد بما يسمونه فلقاً وضربه عليهما إلى أن يسيل الدم منهما أو ضم أصابع يديه والضرب عليهما بقضيب إلى أن تخدر أو ربط الولد إلى شجرة أو عامود. أهكذا تنمي رقة الشعور في الولد؟ لا لعمري أن الشعور هو أولى البذور التي في الطفل فهو يبتسم وما ابتسامته إلا إفاقة هذه الخاصة ودليل على المحبة. يقول أحد الاختصاصيين في التربية: ينمى الشعور في الولد بجعله في جو هادئ ساكن وبإنقاص عدد الأشخاص الذين يحادثونه وبتركه بين لعبه لأنها أشياء هادئة لا تعكر صفاء عقله النامي. هكذا تنمو جميع الملكات نومها الطبيعي بعيدة عن الضوضاء كما تنمو النباتات الصغيرة تحت الغطاء الذي يقيها الريح والشتاء والشمس المحرقة. أما نحن فلا نزال قاصرين عن إتمام هذا الواجب لأننا نعود الطفل منذ ولادته الدغدغة والدلال والرَّج بين اليدين، نسمعه صراخنا وأغانينا التي تثير عواطفه وتنبه أعصابه غير

стр. 45

أننا لا نقف عند المنطق بل نغالي في هذا التنبيه إلى أن نصل إلى حد الضرر فيكون أول ثائر على خطتنا هذه السقيمة المضرة الطفل نفسه لأنه وقد اعتاد هذه الضجة الدائمة لا يعود يرى في السكون لذة فلا يكاد يستقر في سريره حتى يعلو صراخه متطلباً إعادة ذلك المشهد. وهكذا نطبع في أعصاب ذلك الطفل منذ صغره ضعفاً وتنبهاً لا يفارقانه وفي نفسه الميل إلى الغنج والدلال فيشب ويكون عالة على البشرية وعاراً لأهله. والأمر الخامس: الذي يجب إنماؤه في الولد متى كبر قليلاً هو الضمير الحي وما من تربية حقيقية إلا والضمير الحي أساسها وما من ضمير بدون كمال كما قال فلاماريون العالم الشهير. ويستدعي إنماء الضمير في الولد تعويده أن يكون حاكماً على أعماله نفسها حسنة كانت أم سيئة ولا بأس في مقابلة أعماله بأعمال سواه والحكم بينهما على أن تولد فيه خاصة الانتقاد. ومتى بدأ الولد بتعويد عقله الحكم تحت إشراف مربيه توصل متى شب إلى إحسان هذا الحكم بدون معونة أحد. فأصبح ضميره الذي نما مرشده والحقيقة مناره والثبات شريعته وحب الواجب غايته. أما الأشياء التي يجب محاربتها في الطفل وهي الشق الثاني من هذا البحث فإنني أمر بها لأننا متى أنمينا فيه تلك النزعات الطبيعية الشريفة عاد الطفل من طبيعته ميالاً عنها واعني بهذه الميول التي تجب محاربتها في الطفل تلك النزعات التي لا يكتسبها إلا من مربيه ومعاشريه كالأنانية والكذب والكبرياء وغيرها. إن الطفل مقلد ينتبه لكل حركة وسكتة في مربيه ومعلميه فتنمو فيه هذه العادات وتتسرب في نفسه تسرباً خفياً بدون أن يشعر بها فعلى الوالدين والمربي أن ينتبهوا لكل عمل يعملونه أو كلمة يلفظونها متى كان الأولاد في حضرتهم لئلا يقتبس هؤلاء الصغار منهم تلك العادات السيئة. الخلاصة: نستنتج من كل ما تقدم الاستنتاجات التالية: ١ - على الوالدين والمربين أن يحترموا الطفولة في الطفل وألا يقاوموا نزعاتها وميولها. ٢ - عليهم أن ينموا في الطفل بعض الخواص التي تبدو بوادرها فيه منذ طفولته الأولى: كصفة الاستملاك والاكتشاف ورقة الشعور. وأفضل طريقة في أنماء الشعور جعل الولد في

стр. 46

جو هادئ بعيد عن الغنج والدلال وليس في الضوضاء والاجتماعات ٣ - عليهم أن ينمو فيه الضمير الحي ويسددوه متى كبر قليلاً. ٤ - عليهم أن يقتلعوا من نفسه بذور الميل إلى الكبرياء والأنانية والكذب وبهذا يتم لنا أن نربي أبناءنا التربية الحديثة ونوجد للبشرية أعضاء عاملين يعلون شأنهم. مرشد خاطر

стр. 47

تحقيق الكتب العلمية للسيد محمد رضا الشبيسي من الكتب العلمية البليغة الأثر في الثقافة العامة الخالدة في اللغة العربية خاصة كتاب إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها على إيجازه وقد عدَّ الكتاب وذلك إلى عشر سنوات خلت بين ما ضاع أو ندر وجوده من كتب الفيلسوف الفارابي إلى أن أتيح نشره في نحو ذلك التاريخ المذكور عن نسخة قديمة مخطوطه مما عثرت عليه في خزانة من خزائن الكتب في العراق وقد اضطرت إلى نشره إذ ذاك في إحدى المجلات العربية المعروفة تلميحاً إلى قصور الماد وضعف التهيؤ والاستعداد للقيام بحق الكتاب أو الاضطلاع بما يتطلبه لنشره على حدة من التروي والتحقيق في جملة ما يتطلبه من الأشياء تاركاً ذلك إلى فرصة أخرى إن سنحت أو إلى من يتصدى لنشره طبق المراد ممن طبعوا على حب الدراسة والتحقيق. مضى على نشر الكتاب ما أربى على عشر سنوات كما مر عرض لي في النصف الأخير منها ما شدهني عن كل ما يتعلق به. إلا أنني كنت أحياناً أتوق إلى الألمام بما عسى أن يكون أحدثه أو أثاره نشره. وقد اتضح لي أن نشر الأصل العربي للكتاب المذكور ترك أثراً لا بأس به لدى فريق من العلماء شرقيين وغربيين وذلك لأن معظم القوم لم يكتب لهم الاطلاع إلى ذلك الحين الأعلى نتف مما نقل عنه في الكتب العربية أو على شيء من تلاخيصه في بعض اللغات الأعجمية أما تجريد الكتاب من المجلة التي نشر فيها ونشره مستقلاً على حدة بعد بذل الجهد في التتبع والتنقيب وجمع كل ما يتيسر جمعه من نسخة لهذه الغاية فما لم يقع لأحد إلى هذا الوقت هذا مع العلم بأن بعض دور الكتب المصرية بعد اتفاقها مع طلبة العلم من المصريين أقدمت على طبعه في السنة الماضية (سنة ١٣٥٠) مقابلة هذه النسخة التي طبعت أخيراً في مصر بتلك النسخة التي تم نشرها سنة ١٣٣٩ أي قبل أكثر من عشر سنوات فعلمت أن بين النسختين تفاوتاً لا يستهان به واختلافاً لا يستساغ إغفاله إلى هذا ونحوه مما يجعل اعتماد من يعتمد على نسخة واحدة من المخطوطات لدى تمثيلها بالطبع ذنباً لا يغتفر في كثير من الأحيان وبالجملة لقد كان عجبي بل أسفي عظيماً كيف أن من عنوا بنشر إحصاء العلوم في مصر قصروا ولم يجتهدوا في

стр. 48

البحث والتنقيب حتى فاتهم أن الكتاب نشر قبل نشرهم إياه عن نسخة تختلف عن نسختهم في تاريخها وفي نصها أحياناً وفي غير ذلك من الفروق وقد كان بوسعهم لو أخذوا أنفسهم بالتحقيق أن يستفيدوا من مجهود من سبقهم إليه، إذاً لجاء عملهم تاماً لا شائبة فيه ولكن العصمة لله. واساني في الشعور بما شعرت به لدى ظهور الكتاب مطبوعاً في مصر على الوجه الأنف فريق ممن طبع على حب الدراسة والتحقيق أذكر منهم في هذه الكلمة الدكتور جورج سارتون من الولايات المتحدة إذ يظهر مما كتبه الرجل أن الغيرة أخذت منه مأخذها على الكتاب وأنه أخذ نفسه بطبعه طبعة علمية منقحة وهو يدأب الآن في اقتناء نسخ الكتاب على اختلافها تمهيداً لذلك هذا ولا بد لإظهار الفرق بين أحياء الكتب لأغراض علمية صرفة وبين نشرها لغايات تجارية من إثبات بعض ما جاء في بعض رسائل الدكتور التي في هذا الشأن ومن ذلك رسالة مؤرخة في ١٥ شوال سنة ١٣٥١ جاء فيها بعد المقدمة ما نصه أكتب إليك لأستعين بك على أمرٍ ما. قد اشتريت في مصر نسخة من كتاب إحصاء العلوم لأبي نصر الفارابي صححه ووقف على طبعه وصدره بمقدمة مع التعاليق٤ عليه أستاذ في الجامعة المصرية - والصواب أحد أعضاء بعثة الجامعة المصرية - نشر هذا الكتاب في مصر سنة ١٣٥٠ وقد قال المحرر في فاتحته ص ١٧ ذلك الكتاب الذي وفقنا الله إلى طبعه ونشره للمرة الأولى عن نسخة خطية منقولة بالفتوغرافيا محفوظة في دار الكتب المصرية. قد درست هذا الكتاب المهم وتحققت أن الطبعة المصرية ليست الأولى وليست مرضية أبداً. الطبعة الأولى أنت تعرفها لأنك نشرتها في المجلة المعروفة بالعرفان في صيداء منذ أكثر من عشر سنوات ولا ريب أنك تود أن تعرف أنني أطلعت على ثلاث نسخ خطية لإحصاء العلوم ١ نسختك، ٢ نسخة في مكتبة الاسكوريال، ٣ نسخة في مكتبة كبرولو في الآستانة. ولعل هناك نسخة رابعة في مصر. ينبغي أن تكون عندي تصاوير فتوغرافية لكل هذه النسخ الخطية حتى يمكن طبع إحصاء العلوم طيعة علمية. هذا ما يهم نقله من رسالة الدكتور وقد أبدى مع ذلك رغبته في اقتناء نسختنا من كتاب الإحصاء ولما كانت النسخة مفقودة تعذر إسعافه بها. بيد أنني بعثت إليه بنبذة في وصفها وتعريفها مع وعده بمتابعة البحث والتنقيب عنها وحثه على بذل وسعه في خدمة هذا الأثر

стр. 49

الجليل وإخراج تلك الدرة الثمينة والجوهرة الكريمة على الوجه اللائق بها. ثم وافاني من الدكتور كتاب آخر كتبه من بوسطن في الولايات المتحدة ف ٤ شعبان سنة ١٣٥١ وإذا به يعرب عن رحلة علمية طويلة أنجزها في أواخر العام الماضي في سبيل دراسة أحوال الممالك الإسلامية في جهات البحر الموسط وما إليه وفي ذلك تركيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى حتى فاس وتلسمان بحيث كوّن لنفسه ما قال فكرة خاصة عن اللغة المغربية والإسلام المغربي على حد تعبيره، ثم عبر من الغرب إلى بر الأندلس لزيارة الآثار الإسلامية العجيبة، وقد تخلص من الإسهاب في وصف رحلته هذه إلى استنجاز ما وعد به من نسخة إحصاء العلوم إنني لم أجبه إلى الآن عن رسالته الأخيرة إذ أنني لا أزال في صدد البحث عن مصير النسخة العراقية لإسعافه بها إذا أمكن تقديراً لجده وتشمير في هذا الباب. هذا ولما كان الدكتور سارتون من الأساتذة الذين يركن إلى دراستهم وأبحاثهم في القرون الوسطى من حيث نشوء العمران والعلوم فيها خاصة وبالأخص فيما يتعلق بالتآليف العربية وله في باب فضل العرب على الحضارة والثقافة العامة آراء يكاد ينفرد بها عن معظم علماء الغرب، فإننا ممن يتوسم به الكفاية للنهوض بهذه الخدمة العلمية الجليلة راجين له التوفيق في عمله المذكور.

стр. 50

لماذا يدرس المستشرقون اللغة العامية للأستاذ المستشرق أدمون صوسه تعريب كاظم الداغستاني لعل أول ما يبدأ به الأوربي الذي يؤم الشرق ليعرف البلاد ويدرس حضارتها ولغتها هو تخصيصه قسماً من وقته لتعلم اللغة العامية، وهذا كثيراً ما يدعو لتعجب أصدقائه الشرقيين، وعلى الأخص المتعلمين منهم، لذلك فطالما سمعنا هؤلاء الأصدقاء يقولون لنا: لماذا يضيعون كل هذا الوقت في دراسة لغة عامية تتألف أكثر جملها من كلمات غير صحيحة؟ إن الأولى بكم أن تحصروا جهودكم في تعلم اللغة الفصحى التي تحتاج معرفتها الكاملة لزمان طويل. . أن ما يؤكدونه لنا من صعوبة تعلم اللغة العربية الفصحى هو حقيقة يصل إليها كل منا بنفسه بعد متاعب كثيرة يتحملها، ولكن هذا التأكيد لا يقلل في أعيننا الفائدة التي نتواخها في دراستنا اللغة العامية. لقد تبين لي أكثر من مرة أن كثيراً من الشرقيين، المتعلمين منهم، يتساءلون عن هذه الفائدة المتوخاة ويشكون في صحتها ولذلك فقد رأيت من المفيد أن ألخص في بضع صفحات من الثقافة الأسباب التي تدعونا للمثابرة على هذا النوع من الدراسة التي صغر شأنها في أعينهم. أن أول سبب من أسباب هذه الدراسة وأبسطها هي الفائدة العلمية. ورب قائل بأن اللغة العامية جميعها اشتقت ومسخت عن اللغة الفصحى وحري بالأوربي أن يتعلم اللغة الفصحى وحدها فلا يحتاج لغيرها من لغات عامية مختلفة وبذلك يتسنى له التكلم في اللغة العربية وتفهمها في جميع الأقطار العربية. على أن المتعلمين من الشرقيين الذين يؤيدون هذا الرأي، يقولون ذلك لأنهم يتكلمون لغتهم وهم يستطيعون بسائق غرائزهم أن يفهموا ما يردون قوله لمحدثيهم من مواطنيهم من أي طبقة كانوا ولعلهم لا يعرفون مبلغ ما يحتاجه الغريب عنهم، من المعرفة الخاصة والتمرين والممارسة الطويلة لكي يتمكن من محادثة فرد من أفراد الطبقة العامية. يروى أن (هارتفيك ديرنبوغ) أحد الأساتذة القدماء في باريز وهو نحوي نشر الكتاب لسيبويه، وقد توفاه الله منذ زمن بعيد، وسل إلى المغرب وأراد أن يستأجر حماراً يركبه

стр. 51

إلى أحدى الجهات فطلب ما يبتغي بقوله: أريد حماراً دون أن يهمل حركة من حركات هذه الجملة، فلم يفهم أحد ممن كانوا حوله، ولقد كان عجبه عظيماً حين علن بأن جملة أريد حماراً، التي يكتبها بهذا الشكل، يجب أن يعبر عنها في المغرب بجملة نحبّْ دابّْ. أن هذا السبب العملي وهو أول ما يخطر للذهن، ليس السبب الأهم. إذا اهتم المستشرقون بدراسة اللغة العامية فذلك لأن في هذه الدراسة فائدة علمية كبرى. ففي معرفة اللغة العامية فذلك ما يعين على التحدث إلى أفراد الشعب والاختلاط بهم وفي هذا ما يساعد الباحث على الوصول إلى ما يتطلبه من المعلومات من منابعها الأصلية فيما يتعلق بمظاهر الحياة المادية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يتصدى لدرس عاداتهم وما احتفظوا به من تقاليدهم القديمة وما هم عليه من الأوضاع الاجتماعية والفردية، وهو بذلك لا يتوصل لمعرفة ما يود الإطلاع عليه فحسب، بل يلقى كثيراً من المواد التي يعتدُّ بها العلم ويقابلها مع غيرها من أوضاع اجتماعية جرت عليها الناس في بلاد أخرى من بلاد العالم مما يدخل في اختصاص علوم كثيرة منها علم طبائع الشعوب اتنوغرافيا وعلم الاجتماع (سوسيولوجيا) وعلم التقاليد والعادات (فولكلور) هذا وإن في دراسة اللغة العامية خدمات جلى لدرس الحضارة العربية، لأن لهذه الدراسة شأناً كبيراً وفائدة عظيمة في فقه اللغة (فيلولوجيا) والتاريخ وتاريخ الآداب. أولاً: فائدتها في فقه اللغة، وعلى الأخص في وصف مفردات اللغة (ليكسيكوغرافيا): لا يمكن وضع معجم عربي كامل إلا بعد درس جميع اللغات العربية العامية، فمؤلفو المعاجم العربية القديمة الذين جمعوا باعتناء حتى حتى ما سمع من لغة الصحراء الشعرية، أهملوا أكثر الكلمات المألوفة لدى سكان المدن وتعابيرهم الفنية، وكثيراً يكون فيما كتبه كتاب القرون الوسطى، ولاسيما المؤرخون والجغرافيون منهم، كلمات وتعابير خاصة بالصناعة والهندسة والألبسة والطبخ والتجارة والملاحة لا يمكن العثور على معانيها في أكمل القواميس العربية وأكبرها، ولكن كثيراً ما تكون هذه الكلمات باقية في لغة من اللغات العامية التي كانت السبب في حفظها وعدم ضياعها. ثانياً: فائدتها في التاريخ: إن في المقابلة بين لغات عامية مختلفة يتكلمها سكان مناطق مختلفة في بلاد واحدة أو في بلاد متعددة، ما يمكن معه الوصول إلى نتائج مفيدة في درس

стр. 52

الجماعات التي تتكلم هذه اللغات ودرس هجرتها ومواطنها وما قام بينها من صلات اجتماعية واقتصادية، فدرس العربية العامية المحكية في أواسط إفريقيا مثلاً يظهر، إذا جرى فيه التتبع والاستقراء جرياً أصولياً، كثيراً من شؤون المتكلمين بهذه اللغة وشؤون مواطنهم والبلاد التي جاءوا منها، وكذلك فإن في درس ما تركته اللغة التركية من آثار كثيرة في اللغة العربية العامية في سوريا ما يظهر شيئاً كثيراً من التأثير الذي خلفه الأتراك في الحياة السورية وهو تأثير عظمت قيمته المادية والإدارية وصغرت الوجهة الفكرية فيه. ثالثاً: فائدتها في تاريخ الآداب: إن دراسة اللغة العامية تساعد على جمع وتحليل مؤلفات الأدب العامي ونعني بالمؤلفات هنا الحكايات والأغاني والنكات والأمثال العامية التي لا يمكن العثور عليها ف طيات الكتب ولكن روايتها وتداولها بين الناس يجعلها قريبة من الثبات في شكلها مما يمكن أن نسميها معه مؤلفات أدبية، على أن أدب الخاصة يعتمد على أدب العامة، شعر أو لم يشعر، فأسمى مؤلفات الأدب الغربي وأشهرها كالأوديسه ومكبث وفاوست مدينة بأصولها إلى الخرافات العامية. والأدب العربي مستمد من حياة الأعراب اليومية قبل الإسلام ومن المعلوم أيضاً بأن أسمى أنواع الأدب العربي وأرفعها هو نوع المقامات الذي يرجع بأصوله لحكايات كانت تقصها طائفة من الوعاظ ضربوا في مجاهل الأرض على عدد من أفراد الشعب يلتفون حولهم في زاوية من زوايا الطرقات. فكيف يمكن بعد ذلك أن يدرس بصورة قيّمة أدب علمي له ما له من صلات كثيرة بالأدب العامي إذا أهمل تماماً درس هذا الأدب العامي؟ وكثيراً ما يكون في الأدب العامي ذي الطابع المحلي الخاص من العبقريات ما ربما لا يظهر في الأدب العلمي الذي قل أن تبرز الطبيعة الخاصة المحلية فيه، ففي فصول قره كوز مثلاً يظهر الفرق جلياًّ بين المزاج التركي والمزاج العربي فلقد نقل السوريون هذه الفصول عن الترك وبنقلها حلت مظاهر الطبيعة السورية محل مظاهر الطبية التركية، ففي الأغاني والأناشيد التي تتخلل هذه الفصول مثلاً قامت العاطفة العربية الحزينة الوالهة مقام العاطفة التركية الهفافة. هذه هي بعض الخدم التي يمكن أن يؤديها إلى العلم درس اللغة العامية: وهي فوائد لا تدعو لأهتمام المستشرقين فقط بل تجدر باهتمام أهل الشرق أنفسهم أيضاً ونحن على ثقة بأن هذا الأهتمام سوف يعظم مع الأيام حتى يبلغ ما هو جدير به.

стр. 53

لا نكران بأن أمم الشرق ما برحت تندرج في نبذ خرافات كثيرة لا تتلائم مع روح الإسلام، وإننا لا نزعم بأن هذه الخرافات ما يؤسف على نبذه وإهماله، ولكن لا محيد على القول بأن فيها ما قد يصح أن يتألف منه بعض التراث الوطني للشعوب الشرقية، وإن هذه الشعوب التي تشعر الآن أكثر من قبل بنزعتها الوطنية وحاجتها للاحتفاظ بذلك التراث الوطني، لا يمكنها أن تهمل ما تتألف منه مظاهر الأنماط التي جرى عليها في كل يوم أجدادنا من قبل، على أن هذه الحياة التي قضاها الأجداد بالأمس وما برحت ماثلة أمام أعيننا بآثارها، لن تلبث أن تصبح من ذكريات الغد البعيد ولذلك لم يبق من الوقت إلا ما يكفينا أن نجمع شواهدها وإعلامها للأجيال القادمة قبل أن تتوارى في طيات العدم، وتصبح نسياً منسياً. هذا ما عملت عليه منذ زمن قديم الأمم الأوربية بشأن مظاهر حياتها الشعبية، وما شرع به أخيراً بعض الأمم الشرقية كاليابان وتركيا، فهي تجمع في متاحف خاصة اتنوغرافيا، طائفة من الألبسة والحوائج التي يستعملها الشعب في قضاء حاجاته، وتحتفظ بمجموعات من اسطوانات الحاكي في مختلف الأغاني العامية، عدا ما تسجله وتطبعه من الأمثال والقصص والنكات والشواهد العامية. على أن اللغة العامية هي أعظم مظهر من مظاهر الحياة الشعبية، فباللغة العامية نستطيع أن نعرف ونحفظ أسماء الحوائج التي يستعملها أجدادنا، والأمثال التي يضربونها فيجمعون فيها الكثير من حكمهم، والخرافات التي يعتقون بها فتنبئ عن وجهة نظر حياتهم، يزاد على كل ذلك بأن اللغة العامية من النكات والهزل والتنادر ما لا يمكن أن نجد ما يعادله رشاقة في اللغة الفصحى وهذا ما يدعو الجرائد الهزلية لتفضيل اللغة العامية على الفصحى في أكثر ما تكتبه، على أن كتاب العربية جميعاً، رغم من شذوا، لا يريدون عن اللغة العربية الفصحى بديلاً وأن لديهم لذلك أسباباً مصيبة جداً يضيق بنا المجال أن يأتي على بيانها هنا غير أنه لا يمكن حتى لأشدهم محافظة على هذا الرأي وتمسكاً به، أن يؤيدوا بأن درس اللغة العامية مما لا فائدة فيه. لقد أصبح اليوم من المتفق عليه بين الناس بأن اللغتين الفصحى والعامية في جميع الأقطار العربية ما برحتا تتقاربان الواحدة من الأخرى بصورة مستمرة وإن اللغات العامية ما فتأت تغني بمفردات وتراكيب اللغة الفصحى التي ما زالت تسهل وتعم بدون أن تفقد شيئاً من صحتها على أن هذا التطور الطبيعي يمكن أن يضاف إليه مساعي كثيرة. ثم أو ليس في

стр. 54

المقابلة أو الموازنة بين اللغات العامية المختلفة في العالم العربي ما يمكن معه أن نعرف الصفات العامة الجامعة لهذه اللغات العامية وخصائص كل منها، وأن نعرف أيضاً ما هي الكلمات الأخرى التي يفهمها أناس دون آخرين؟ أليس في ذلك ما يساعد أيضاً على العمل في سبيل جعل اللغة العربية الفصحى لغة عامةً لجميع العرب وعلى متناول جميع من يتكلمون بتلك اللغات المحلية المختلفة؟ يظهر لنا وقد أوردنا ما أوردناه من الأسباب أن الشرقيين سيهتمون في الآتي بلغاتهم المحلية العامة أكثر من اهتمامهم بها اليوم، وسيأتي زمن يقوم فيه كل قطر من الأقطار العربية علماء منهم يأخذون على أنفسهم درس لهجات أقطارهم درساً أصولياً مما لا يبقى معه حاجة لدرس المستشرقين وتتبعهم بهذا الشأن لأن هؤلاء العلماء الوطنيين سيضيفون إلى أصول التحليل والنقد معرفتهم العميقة في لغاتهم التي لا يستطيع أن يساويهم فيها من ليس منهم، وإن في درس الأستاذ فغالي، وعلى الأخص فيما يتعلق في مؤلفه في قواعد اللغة العربية اللبنانية وردها إلى أصول الفصحى، ما يظهر النتائج الباهرة التي يمكن أن يصل إليها البحاثة الشرقي في أتباعه في درس لغته سنن الأصول العلمية الحديثة. ومع هذا فلعل في المعونة التي يؤدي واجبها المستشرقون بعض الفائدة للشرقيين أنفسهم، إذا أن في درس جميع اللغات نصيباً من العمل يجيد فيه الغريب أكثر من أبناء اللغة أنفسهم، وهذا النصيب هو تحليل اللغة من الوجهة الروحية النفسية. إن قواعد اللغة الصرفية والنحوية التي وضعها أحد أبناء هذه اللغة لمن يتكلمونها لا تعصم إلا من الأخطاء قليلة الشأن إذ لا حاجة لذكر أشياء نمت من العقل فعرفها أبناء هذه اللغة منذ مولدهم، أما الغريب عن اللغة فأن لديهم من الدواعي ما يحدوه لتفهم فكرة اللغة وروحها والعمل على أفهامها ووصفها للغرباء من وضع أحد الغرباء. إن أجمل مؤلفي تاريخي في قواعد اللغة الفرنسية هو من وضع العالم نيروب الدانيمركي. وإن جيسبرسن من علماء الدانيمرك أيضاً ما برح مستمراً في نشر مؤلف ضخم في قواعد اللغة الانكليزية الحديثة وهو يعد اليوم من أحسن ما ألف من نوعه. وبعد هذا فليس للمستشرقين إلا أن يثابروا على دراستهم اللغات العامية فيعدون ما يلزم لمن سيأخذون على أنفسهم دراستها وحري بهم أن يستمروا، بما عرفوا به من صبر وتواضع،

стр. 55

على عملهم الهادئ الذي لا يقل فائدة عن غيره من الأعمال ذات الضوضاء في سبيل التفاهم بين أبناء البشر. إدمون صوسه

стр. 56

موت الشعر ما لهذا الفلق الطالع ... مربداً كئيبا؟ أترى فارق إلفاً ... أم ترى ضل حبيبا! ما لهذي الورق لا ... تشدو بغير الحزن؟ أترى هدّدها الصقر ... بترك الوطن! غنني شعري ولحنه ... مع الطير هديلا علَّ في لحنك ما ينقع ... من نفسي غليلا نبه الغافي فقد ... أغرق في النوم شعوره! إن يكن مات ففي ... الألحان والشعر نشوره محمد البزم

стр. 57

النهضة النسائية في سوريا ولبنان للآنسة ماري عجمي منذ عشر سنوات ونيف أنشئت في سوريا ولبنان جمعيات أدبية وضعت لنفسها أهدافاً واحدة أو متقاربة تنبئ أنها أعدت لنشر روح جديدة في شتى مرافق الحياة الاجتماعية. عشر سنوات تنقضي بيت تصفيق للخطيبات وتهاليل للمؤتمرات ووصف للمآدب التي تقوم لهن على صحائف الجرائد والمجلات تهب بنا إلى التساؤل وهو من حق كل مفكر: أية فائدة نتجت من كل هذه المساعي والمجتمعات؟ وإلى أية درجة قدرت هذه الجمعيات أن ترفع مستوى المرأة الأدبي وكم هو مقدار ما أحدثت من الإصلاح الاجتماعي؟ وكم من مئات القرارات التي انتهت إليها هذه المؤتمرات وضع موضع العمل والتنفيذ؟ وما هي العوامل التي سببت وقوف الجماعات النسائية عن حد ترديد الأقوال التي لا يتجاوزها إلى العمل بما يرتفع من صرخاتهن في الدعوة إلى الاشتراك مع الرجال في حل المشاكل الاجتماعية والوطنية، وتعميم الثقافة بواسطة المحاضرات في الكتب وإلى قلب التقاليد والعادات، وإلى تأييد الصناعة الوطنية وإلى المطالبة بجعل التعليم الابتدائي للبنات إجبارياً واستبدال ما وضع من الشرائع والقوانين التي أشارت الدلائل إلى وجوب تغييرها أو تعديلها مما للمرأة به علاقة كلية أو جزئية؟ إن أغراضاً كهذه تجعلها الجمعيات أهدافاً لمساعيها، وتشير إلى أن المرأة السورية واللبنانية أصبحت تتطلب لحياتها المثل العليا - تكفي للتدليل على أن في سوريا ولبنان نهضة نسائية عامة. وقد أكون من الكاذبين إن لم أؤمن بأن المرأة قد نهضت عن موضعها وأنا أراها تؤلف الحلقات وتنشئ المؤتمرات وتقوم من بيروت إلى سوريا ومن سوريا إلى لبنان ومن لبنان إلى طهران. ولا أكون أكثر زوراً مني ساعة أشهد أن المرأة لم تحقق غرضاً من أغراض هذه الدعوة العريضة ما عدا جمع بعض الكتب في مكتبات الجمعيات التي لا تقرأ منها على الغالب إلا الروايات، وما عدا إقامة بعض حفلات ترى الخطيبة لات تلقي قيها إلا الخطب الباردة في

стр. 58

أبحاث فرغ الناس منها هي صدى ما علق بذهنها من مطالعة الصحف الحين بعد الحين. أما العوامل التي سببت وقوف عمل جمعيات النساء عند هذا الحد على ما يقول بعض المفكرين فالأخلاق السلبية التي يتصف بها كل من الرجل والمرأة في سوريا وإن أثر هذه الأخلاق في المرأة ما يزال أقوى منه في الرجل فهي قد توافقك على الفكرة الفلسفية والعلمية وتشعر بضرورة عملها بها سعياً وراء المثل الأعلى ثم تقف مترددة ثم محجمة عما تطمح إليه بعامل الجبن أو الوجل أو الكسل أو الجهل. وقد يكون جهل جماعات النساء بالطريق إلى تحقيق أغراض جمعياتهن أكبر العوامل التي وقفت بهن بعد صرف عشر سنوات في المناقشات التي لا طائل تحتها عند هذا الحد لأنك إذا بحثت بينهن عن حاملات الشهادات الطب والآداب والصيدلة والحقوق والفنون القادرات على التعمق والإفاضة لا ترى أثر لهن في هذه الجمعيات إلا حين يدعين إلى ألقاء كلمة. لأن هذه الفئة لم تجد حتى الآن على هذه الجمعيات بشرف انتمائها إليهنَّ، ولا هن يأبهن لتأليف جمعيات خاصة بهن يتذوقن فيها لذة التفاهم ويعملن في صبر وتأن على إبراز أعمالهن بدقة وإتقان لينتجن شيئاً أو يحققن غاية أدبية أو موسيقية أو فنية أو رياضية أو اجتماعية أو علمية على نقيض ما نرى من النهضات النسائية في العجم وفي الهند وفي تركيا تلك الأقطار الشرقية التي تسير المرأة المثقفة بجماعتها وفق فكرة فلسفية أو وفق غاية معينة تطمح بها إلى مثل أعلى تضعه نصب عينيها وتبذل قصاراها في البلوغ إليه رغم ما تلاقيه من عنت وإجهاد ومشاق إلى أن يقيض لها الله أسباب التوفيق. فإذا لم تتألف الجمعيات النسائية من فرق المثقفات أو لم يكن كل الأعضاء في جمعية واحدة مثقفات فإن جمعياتنا الحاضرة ولئن ناصرتها العاملات بإخلاصهن، ودرجة أكثرهن العلمية لا تسمو على التعليم الابتدائي، باقية عند هذا الحد إلى عشر سنوات أخرى تظل فيها نهضتنا النسائية الموهومة سخرية لأدبيات الغرب اللاتي يأتين للسياحة في هذه البلاد وأن لي مما نشر أدبية فرنسية سائحة طلبت أن تجتمع إلى الزعيمات فكان لها ما أرادت دليلاً على ذلك. فقد رغبت هذه السائحة أن تطلع على درجة مستوى زعيماتنا العملي فقامت تلقي عليهن الأسئلة فإذا هن يجهلن تاريخ دينهن وبلادهن حتى أسماء الجبال التي تحيط ببلدتهن ويشرفن عليها من نوافذ منازلهن!

стр. 59

فزعامة من هذا النوع نملأ بها الدنيا من الجعجعة قبل أن نقوى على تحريك الرحى تنشر في الصحف أنها تفعل كثيراً وهي لا تفعل شيئاً وأنها تمثل نشاط نساء البلاد ودرجة ثقافتهن وهي في الواقع تمثل كسلهن أو ضعفهن أة جهلهن المطبق وإن جمعيات من هذا الصنف تقف المثقفات عنها في نجوة، لحرية بالسخر اللاذع. وكثيراً ما تنقلب هذه الجمعيات الأدبي إلى جمعيات خيرية وليس من عجب في ذلك لأن الجمعيات الخيرية في سورية ولبنان ناجحة، لسهولة تأثر الناس بالدعوة إلى التصدق وصعوبة تأثرهم بالدعوة إلى فكرة علمية أو أدبية ولأن الجود بالمال أيسر على أمثالنا من الجود بالأدب. وإن تصدقك على مريض أو بائس بربع ليرة مثلاً أهون عليك من تصدقك ببحث طريف مستفيض لأن قرضنا لله مبلغاً زهيداً من المال نتوقع أنه سيعوضه علينا بالفائدة الفاحشة ألفاً، هو مثار السذج على الغالب إلى التصدق على البائسين وإلى معاضدة الجمعيات الخيرية لاسيما النسائية منها. يستنتج مما تقدم أن الدعوة إلى تأييد الصناعة الوطنية من جمعية لا تقتصر ما بتباع على المآكل والملابس الوطنية، وإن الدعوة إلى التهذيب والأدب من جمعية لا تقوى عضو فيها أن تثير العاطفة أو تخاطب العقل، وإن الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي من جمعية لا تقدر أن تتلمس إليه طريقاً غير الذي ترشدها المبشرات الأجنبيات إليه، وإن الدعوة إلى رفع مستوى المرأة وإصلاح شؤونها بتعديل ما تئن منه من الشرائع من جمعية لا تغامر بشيء في سبيل الأرغام على وضع تشريع جديد يضع حداً للشكاوي والمظالم، أجل أن هذه الدعوات كلها الملقبة بالنهضة النسائية ما تزال ضعيفة خائرة لضعف القائمات بها ولخور في عزائمها ولأنَّ أكثرهن ينتحي بها طريق الشهرة لا طريق التضحية والنكران والمغامرة بالوقت والدرس والمفاداة بالمال والنفس. وستبقى هذه الدعوات صرخات في واد تصلك منها آذان المثقفين إلى أن تتحسس المثقفات بضرورة تغذيتها ودعمها بروح العلم وميزان العقل تحقيقاً للغاية منها وإلى أن يتناولن بذورها ليغرسنها في حقول سوريا ولبنان متعهدات بحرث منابتها وسقيها وتنقيها لتغدو أزهارها حية نامية لا أزهاراً توضع في الآنية أيام الحفلات لتذبل في الغد ذبول الجني من الأزهار.

стр. 60

أدبيات العرب في مجالسهن للآنسة وداد سكاكيني وودت لو أن لدي من الوقت ما يسمح لي بالتفرغ لمطالعة ما تناله يدي من الذخائر الأدبية القيمة التي أثقف بها نفسي وتدوين ما يعن لي من خطرات تجيش بها النفس في تلك اللحظات القصيرة التي تنشط فيها العواطف لتقلى وحي الروح والوجدان. ويؤسفني أن الوقت يمضي سراعاً غير حافل بهذه الرغبة المتواضعة التي أتمناها عليه فأجدني مضطرة أن اختلس منه الفينة بعد الفينة أجزاء قصيرة لأطفاء شهوة النفس وإشباع نهم الفكر، لذلك أعتذر إلى القراء إن رأوني مقصرة في تحليل أجزاء هذا الموضوع الذي يطالعونه ولم يجدوا في بحثه ذلك العمق الذي يتطلبه المقاوم ويطمحون إليه. قرأت في كتاب بليغ لأحد أساتيذ المحاضرات في جامعة السوربون فصولاً قيمة عن مجالس الأدب والثقافة في فرنسا وكيف كانت تزدهر بقادة الفكر من نساء ورجال على السواء، فرأيت أن أتحدث إلى قراء مجلة الثقافة عن مجال أدبياتنا العربيات في عصور دول العرب الذهبية، وأضع بين أيديهم غيضاً من فيض تلك المحادثات الشائقة والمساجلات الرائعة والمطارحات البارعة التي كانت فضليات النساء تساهم فيها نوابغ الرجال ولعلي أوفق في الآتي إلى معالجة هذا الموضوع كرة أخرى فأبحثه بحثاً مستفيضاً يدعمه الدرس والتحليل والمقارنة. لقد ذكر هذا الأديب الأجيال التي ازدهرت فيها أندية الأدب في فرنسا وجال في الكلام على نادي المركيزة دورامبويه الذي أنشأه في فاتحة القرن السابع عشر وكان يختلف إليه أكابر أدباء هذا العصر وعلية القواد، مثل الأمير قونديه وريشيليو وروترو وقورنيه والفيلسوف لاروشفوقولد، وكانت مناظرات هذا المجلس ومباحثاته يتناولها التفكير العميق والاستقراء والدرس، ومن رأي أهل هذا المعشر إن للمرأة فضلاً في ما ينحون نحوه من المثل العليا. وإن المحبة الخالصة ليست بغريزة غاشمة جائرة الطباع ثائرة الجماح، وإنما هي عاطفة سامية تلقي على الأنفس والأرواح أشعة ساطعة فتنيرها كلها، وشأن المرأة في الحب أن تكون حصاناً ذات عفة وحياء وإنصاف، وأن يكون الرجل شهماً مخلصاً فيه، وقد نفحت السيدة رامبويه هذا المجلس بروحها العالية فمد ظلاله الوارفة على الأخلاق والطبائع طيلة

стр. 61

القرن السابع عشر. ثم يمضي مؤلف الكتاب قدماً في تنقيبه وتنقيره عن هذه المجالس. حتى يطوي مسافة العصور، فنسرح الطرف ونملئ الذهن ونثقف الذوق بما في هذا الأدب من بهاءٍ وبهجة ورونق وروعة. وقد ذكر أن مجلس السيدة دالامبير أثر في الأدب وإن المناظرات فيه دارت ما بين نصرة القديم ونصرة الحديث وكان مونتيسكيو وماريفو من نجوم سمائه فلم يكن للأثرة أثر في هذه الجماعة، وقد برز الخامل من بين الحظائر بنبوغه وتفتحت الأعين على رؤى الجمال والبدائع ومهد السبيل لذوي العبقريات من البؤساء والمساكين. أطلعت على هذا كله ويزيد، فراقني هذا البحث الممتع وقلت لنفسي: إلا ليت أدباءنا يكتبون عن مجالس أدبياتنا في مطاوي الحقب الغابرة، ألم يكن لأدبنا العربي مجالس أشرقت فيها شموس النابغات ولمعت فراقد الأدبيات فكن يجتمعن إلى الأدباء والشعراء ويطربن من مجالستهم في الآداب الرفيعة؟ قلت هذا ولمع في خاطري خيال سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة والولادة بنت المستكفي وكثيرات ملئ بهن أبو الفرج أغانيه. قال الأصفهاني صاحب الأغاني ناسباً الخبر إلى معمر بن المثنى إن الفرزدق خرج إلى المدينة. فدخل على سكينة بنت الحسين مسلماً فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قالت أشعر منك الذي يقول: بنفسي من تجنيه عزيز ... علي ومن زيارته لمام ثم سألته يا فرزدق من أشعر الناس فقال أنا قالت: كلا أشع منك الذي يقول: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا فقال الفرزدق لك الله تفضلين علي جريراً، فطيبت من نفسه وأعطته جارية لها وقالت يا فرزدق أحتفظ بها فقد آثرتك على نفسي. وسكينه تعلم ما بين الفرزدق وجرير من مطاعنة الهجاء وسبة الكلام فشاءت التنادر عليه والعبث بشعره ففضلت عليه جريراً. عاشت سكينة حياة أدب خالص، وكانت المدينة سكناها فأنشأت فيها مجلساً للأدب كان يحضره الأكابر من رجال قريش وتجتمع إليها الشعراء. وحدث أبو الفرج أنه اجتمع في

стр. 62

ضيافتها جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب وهم حملة لواء الشعر في عصر نبي أمية كله، فمكثوا عندها أياماً لبثوا فيها يتناشدون الأشعار ويروون الأخبار وكانت تسامرهم وتفضل أحدهم على رفقائه وتأخذ عليه بمأخذ من المعاني وعشرات من الألفاظ فقالت للفرزدق كيف تقول؟ فلما استوت رجلاي في الأرض تالتا ... أحي ترجي أم قتيل تغادره فقلت أرفعا الأمراس لا يشعروا بنا ... وأقبلت في إعجاز ليل ابادره أبادر بوابين قد وكلا بنا ... وأحمر من ساج تيص مساعده ماذا حملك على إفشاء سرها وسرك وهلا سترت عليك وعليها، ثم انثنت سكينة إلى جرير وقالت له أأنت القائل؟ طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة وارجعي بسلام قال نعم، قالت أفلا أخذت بيدها وأنت عفيف وفيك ضعف، ثم ناظرت فيذلك بقية الشعراء، حتى بلغت النوبة جميلاً فأعجبت بقوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذن لسعيد لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد ثم أجازت كل واحد من هؤلاء بما يريد وكانت سكينه تطرب لشعر الشعراء وتحزن لموتهم فلما مات جميل ذكرت بيته: فيا ليتني أعمى أصم تعودني ... بثينة لا يخفى عليَّ كلامها فقالت ﵀ إنه كان صادقاً في شعره عذرياً في حبه، وإذا اختصم رواة الشعر في عصر سكينة جاؤها لتحكم بينهم وتحسن التفضيل والتعليل، وكان المغنون أيضاً يتبارون في مجلسها بالغناء فتعجب بهم وهي جد طروب، غضة النفس للأنغام فتحشر إليها أصحاب الصوت والتلحين كما فعلت بابن سريج وكان قد نسك وآلى على نفسه أن لا يقول صوتاً فأرسلت إليه خادمها أشعب فأحضره إليها وقضت سمراً غناها به: وقرت عيني وقد كنت قبلها ... كثير البكاء مشفقاً من صدوها وبشرة خود مثل تمثال بيعة ... تظل النصارى حوله يوم عيدها وقد أثر مجلس سكينة في الشعراء والأدباء فكان سبيلاً لتنافسهم في التقرب منها وحضور

стр. 63

ناديها وكانوا يجوّدون أشعارهم ويحلقون فيها ويهفهفونها حتى يفوز أحدهم بقولها له: أحسنت وأجدت. وكانت سكينة تفضل الشاعر عمر بن أبي ربيعة وترفع مكانته بين الشعراء. ففتحت في عبقريته روحاً من الخلود، كما كانت تشجع الأدباء وتكرم الشعراء وتدني مقاعدهم وتقدر أقدارهم، والشعر ريحان، إذا تعهده الجنان بالأرواء والإسقاء أمرع وأزهر وهذه المجالس خير مسعف للشعر وباعث للعبقرية. ويذكرني ابن أبي ربيعة بابن زيدون ومجلس ولادة بنت المستكفي من خلفاء بني أمية في الأندلس بقرطبة وكان في قرطبة كما يحكي ابن فياض في تاريخه عن أخبارها مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، فما بالك في أنواع الكتابات وتفنن النساء بغيرها من نواحي الأدب والفنون في ذلك العصر العربي المجيد. لقد كانت قرطبة جنة الدنيا في زمانها، وفي إبان ازدهارها وعمرانها. كان يختلف إلى مجلس ولادة الشعراء والعلماء، وكانت هي سافرة فتساجل الشعراء والأدباء وتأخذ على أشعارهم بالمغامز ما بين نثر المترسلين وآداب المتأدبين. فأثر مجلسها في عبقرية رجال الأندلس وكان لها علاقات غرامية مع الوزير ابن زيدون الذي انطلقته بخالد الشعر فرققت ولادة ديباجة كلامه فجاء ساحراً قوياً، وكانت له سيدة بنات أشعاره وقد تعذب في سبيل تفضيلها إياه ورفعها شأنه فحسده الوزير ابن عبدوس وسجنه وشتته وصادر أمواله فقال بولادة قصيدته الخالدة: أضحى التنائي بديلاً من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا فابن زيدون لولا مجلس ولادة وهيامه بها لكان أحد الشعراء الذين أبصروا الدنيا ثم رحلوا عنها ولم يبق لهم أي ذكر فيها. ذكرت كل هذا فرأيت أن أدبنا العربي المنيف مليء بمثل هذه المجالس التي جعل منها الأديب الفرنسي بواعث نهضة أدبه ولم نجعل نحن منها هذه البواعث لأدبنا، وقد تقول طائفة من الشعوبية التي تطعن بالعرب أن ليس لدينا أدب قمين بالذكر والعناية والتقدير، لأنها ثملت بخمرة التمدن الغربي وشغفت بأدب الغرب دون غيره، فتاهت في حكمها، وفاتها أن لنا في أدبنا العربي من الروائع والبدائع ما احتذاه الغربيون في أدبهم حتى جاء جميلاً كاملاً، وقد يكون أدباء الغرب أنفسهم أخذوا طراز هذه المجالس عن العرب، فإذا

стр. 64

كان أول مجلس للأدبيات في فرنسا هو أول القرن السابع عشر أي منذ أربعة عصور فإن مجلس سكينة المتقادم عهده ومجلس ولادة الذي كان في منتصف العصر الرابع الهجري أقدم بكثير من أول مجلس للأدبيات الفرنسيات. وعلى تطاول الأيام سيترتب أدبنا حتى يتبوأ مراتب الخلود، ما دام أدبنا وأدبياتنا ينقبون في ذخائر أجدادنا وينفحوننا بنفحات عبقريتهم وإلهامهم. بيروت وداد السكاكيني

стр. 65

الأبداع والأتباع بقلم جميل صليبا في سوريا عدد غير قليل من المتعلمين تلقوا مبادئ الحضارة الحديثة وتغذوا بلبان العلم وتهذبت نفوسهم بالأدب وتوصلوا بعد الملاحظة والتجربة إلى درجة من الثقافة والتفكير قد لا تقل عن مستوى المتعلمين من رجال البلاد الأخرى. إلا أن ارتقاء الفكر وازدياد المعرفة لا يقتضيان بالضرورة ارتقاءً في الأدب والأخلاق لأن حكم الحال كما يقول الغزالي غير حكم المنطق والمقال. فقد تنمو المدارك العلمية ويتسع الخيال والتفكير ونجمد مع ذلك العواطف وتجف الميول وتنضب ينابيع الرحمة المنسجمة من القلب فليس كل ارتقاء علمي مصحوباً بارتقاء أدبي، وقد تعرف الشيء ولا تعمل به ولا تدرك الواقع ولا تفكر في إصلاحه لأن العلم بما هو لا يقتضي العمل بما يجب أن يكون. وأكثر الذين ارتقت معارفهم واتسع أفقهم الفكري لا يزالون في إضطراب نفسي وتشويش عملي لأن المثل الأعلى الذي تصوره أعلى من الواقع الذي غرقوا فيه ورغبوا في التخلص منه ولأن الأفق الذي ارتقوا إليه أوسع نطاقاً من البيئة التي ضاقت بأحلامهم. بحثت مرة بين بعض الشبان من طلبة العلم عن الرجل الذي يرغبون في التشبه به وعن الصفة التي يريدون الانتساب إليها فحصلت على نتائج مختلفة تدل كلها على قلق النفس وفقدان الثقة وضعف الإدارة، فأكثر هؤلاء التلاميذ يريدون أن يكونوا مثل غاندي أو مصطفى كمال أو سعد زغلول أو موسوليني أو نابليون. وأحسن المهن في نظرهم السياسة - كما يقولون - والصحافة والمحاماة والطب والهندسة. ولعلهم لم ينتخبوا هذه المهن الأخيرة إلا حباً بالسياسة فكأن السياسة في أعينهم إله معبود أو لعل خير دليل على قلقهم ترددهم ف انتخاب المهنة وعدم ثقتهم بالمستقبل لأنهم لا يجدون فه إلا شبهات وظلمات فوق ظلمات! ففيهم من يريد أن يكون مثل نابليون، إلا أن المهنة التي ينتخبها هي الطب، ومنهم من يريد أن يكون مثل مصطفى كمال ويريد أن يكون في الوقت نفسه شاعراً. فهنالك تضاد بين الغاية والواسطة وتردد في الإدارة وضعف في الإيمان والثقة. ولعل للتقليد والإتباع أعظم الأثر في تكوين هذا القلق في نفوس الشبان لأنهم يقلدون

стр. 66

الحضارة الغربية تارة ويتبعون صور الحياة الماضية أخرى فيتشوش عليهم الانتخاب ويختلط الأمر فتفقد أفكارهم اتساقها وتصبح حياتهم العملية عرضة للاضطراب والتبديل السريع. والتقليد يجعل الإنسان شبيهاً بالآلة، ينقل عن غيره أصول التفكير والعمل من غير أن يكون له فيها حرية الاختيار. وإذا سار المرء زماناً على طريقة الإتباع دون الإبداع ونسج حياته بقواعد النقل لا بأحكام العقل أصابه ركود في الفكر وجمود في العواطف وصار كالآلة يتحرك بغيره لا بنفسه وإذا صار شبيهاً بالآلة خسر صفقته وانحط إلى أدنى درجات الحيوانية. وأي حال هي أشقة من حالة الركود الفكري والجمود النفسي. أفلا يصبح الإنسان فيها خالياً من الذكريات والأفكار والرغائب؟ كأن نفسه قد خلت من التصور وقلبه قد تجرد من العاطفة أو كأن صور الطبيعة المختلفة قد انقلبت إلى صورة واحدة، فلا ابتسام على ثغر الزهر ولا نور في أشعة الشمس ولا أمل في احمرار الشفق! كأن هذه الألوان قد تبدلت وانقلبت إلى لون وائد غامض كما تبدل ألوان الأشياء إذا رسمتها أشعة الشمس. وكأن الفكر قد فقد نوره والعواطف قد أضاعت عذوبتها فانقلبت النفس من حالة الوحي إلى حالة التقليد أو من الحرية إلى التقيد وهي حالة - أعيذك منها - أشبه بالنوم لا بل أشبه بالموت، لأن سكونها كسكون المادة حركتها كحركة الآلة فلا تتخيل ولا تبدع ولا تحلل ولا تركب بل تقلد أفعال غيرها كما تعيد ذرات الهواء حركات الذرات المجاورة فهي كالمادة خاضعة لقانون الاستمرار لا لقانون الإبداع. وحالة الإتباع هذه على عكس حالة الإبداع، لأن النفس في الاختراع تكون مسرحاً للذكريات والأفكار، فتجري الصور أمام مرآة الشعور كما تجري مياه النهر، وتسق في تعاقبها كما تتسق النقرات الموسيقية. وتصدر المعاني العلمية والصور الفنية عن عوامل الحياة الكامنة وراء حجاب الشعور كما يفتح الزهر أكمه بعد دبيب الحياة في ألياف الشجر. يكون الإنسان في هذه الحالة حديد البصر واسع الخيال، يكشف في كل صورة من صور الوجود عن لون جديد، ويرى في كل مادة حيلة جديدة، كأن لغته لغة الوحي والإلهام لا لغة القياس والبرهان، لا يحتاج لسوى الحدس في الكشف عن الأمور العلمية، ولا يعرف غير الذوق في إدراك الأمور البديعية، يتوجه إلى فضاء الفكر ويعلة في جو المعقولات ولا

стр. 67

يحزن لتبدل الأشياء واختلافها، فالمرئيات والمسموعات والمشمومات كلها ناطقة بما في نفسه، والطبيعة لا تتحرك إلا بما يتحرك به قلبه. لقد وصف الفلاسفة هذه الحالة وقالوا إنها حالة تتخمر فيها ميول النفس وراء حجاب الشعور فينجس الاختراع على صورة وحي يسنده المخترع إلى قوة مفارقة له مجردة عن إدارته. فالشاعر يعزو وحيه إلى شياطينه والموسيقار، إلى ألهته، ويظن بأنه يكتب بما يمليه عليه غيره، ويخيل إليه أنه متبع في حين أنه مخترع مبتدع. وهذا مخالف تماماً لحالة الإتباع لأن المقلد قد يظن نفسه مبدعاً للأحوال التي ينقلها عن غيره، كالذي يجرفه السيل فيظن أنه مخير في سيره، وهو مسير لا مخير، تقذفه الأمواج ولا يخطر بباله أن يقف لمحة ف وجهها. على أن المخترع لا يخلو في إبداعه من إتباع المجاري القديمة التي حفرها قبله طائفة المخترعين لأن الهيئة الاجتماعية تؤثر في صور الإبداع كما يؤثر الإقليم في أشكال النبات والحيوان. وللاختراع البديعي أساس اجتماعي كما للاختراع العلمي. لأن الشاعر والموسيقار والعالم والسياسي كلهم يستفيدون من الآثار التي حفظها الماضي في حوض الجماعة المشترك. وهذا ما يمكننا التعبير عنه بقوانا أن الإتباع ضروري للإبداع ولقد قال هنري بروغسون أن إبداع المادة غير ممكن وإن الإبداع لا يكون إلا في الصورة فيمكنك تخليق الأشياء كل يوم بصورة جديدة. ولكن إبداعك لا يعدو التركيب. فأنت إنما تركب صورة جديدة من عناصر قديمة، ولا تتخيل شيئاً إلا على أساس صور المواد المحفوظة في نفسك. نعم إنك قد تتخيل حصاناً مجنحاً ولا وجود للحصان المجنح في الطبيعة إلا أن الحصان والأجنحة كلها موجودة على إنفراد ولولا وجودها لما استطعت أن تتخيل صورة مؤلفة منها. فالإنسان يبدع الصور الذهنية وقد يبدع المعاني والأفكار ولكن هذا الإبداع لا يخرج عن كونه مبيناً عن التجربة. إننا بأحلامنا نضع المثل العليا في السماء، ولكننا إذا رجعنا إلى الحقيقة عرفنا أن هذه المثل العليا منسوجة بخيوط الواقع. أضف إلى ذلك أن للإبداع، فنياً كان أو علمياً، أنماطاً معينة لا يمكن التوصل إليها إلا إذا أطلع المخترع على القواعد والاصطلاحات القديمة. وهذه الاصطلاحات السابقة لا بد للإنسان من اكتسابها حتى تصبح عادة أو طبيعة له، فإذا تعودت وصارت حاضرة في ذهنه أمكنه بعد ذلك أن يضم

стр. 68

بها شيئاً جديداً إلى حظيرة العلم والفن. فالمخترع لا يتقن إبداعه إلا إذا استفاد من الماضي لأن الإتباع ضروري للإبداع كما أن العادة ضرورية للتفكير والحرية. انظر إلى الطريق الذي يسلكه العالم أو الشاعر أو الروائي في إبداعهم، إنهم يتصورون بالحدس، كما قال (هنري برغسون)، معنى مجرداً بسيطاً وخيالاً عاماً مبهماً يقلبونه بالتدريج إلى شكل حسي وصورة متشخصة. فهم يدركون النهاية قبل البداية، ثم يعودون إلى المبدأ فيفكرون في الواسطة التي يمكن الانتقال بها شيئاً فشيئاً إلى الغاية. وعند ذلك تصبح الغاية المجردة حقيقة متشخصة. فالكاتب الروائي يتصور قبل كل شيء مسألة من المسائل الاجتماعية أو قضية من القضايا، ثم يجمع الحوادث ويصور الواقعات ويصف الأشخاص وصفاً يستطيع به تحقيق الغاية التي يتطلع إليها. فالواقعات التي تخيلها والحوادث التي جمعها مقتبسة من الحياة الاجتماعية، ولولا وجود هذه العناصر لما حصل التركيب. ولله در ابن سينا حين قال إن واجب الوجود لا يهب الصورة للمادة إلا عند استعداد المادة لها. فالإبداع يقتضي إذن تحليل المحسوسات المتشخصة إلى عناصرها البسيطة ضمن مركبات جديدة ولذلك كان لا بد في الإبداع من بقاء الآثار القديمة ضمن الصور الجديدة. وهذا ما يبعث على انتشار الأختراع وارتياح الناس إليه. والناس لا يرتاحون كما قال (ويليم جيمس) إلا إلى القديم ضمن الحديث، ولذلك يقلقون أمام الصور الجديدة التي لم يوآلفوها ويتألمون من الصور القديمة التي أصبحت بالية لا تتفق مع روح العصر. والسوريون اليوم قلقون لأنهم مترددون بين الماضي والمستقبل، لا يعرفون أية صورة من صور الحياة يتبعون ولا إلى أي قطب من هذين القطبين يتوجهون، فالماضي يهزهم والحياة الجديدة تستفزهم، إلا أن الماضي المحسوس أثقل على كاهلهم من المستقبل المجرد. وهم أبو أو أرادوا سائرون بحكم الضرورة في تيار المدنية الحديثة. ولعل إبداع صورة صالحة لحياة السوريين الجديدة لا يتم إلا بتحليل هذا الماضي إلى عناصره المقومة. نعم إن البناء في الأمم التي ليس لها ماض أسهل منه في الأمم القديمة ولكن هذه الأخيرة لا تستطيع التجرد من جميع عناصر حياتها السابقة. فالمهندس الذي يبني مدينة جديدة يخططها كما يريد، ولكن المهندس الذي يصلح مدينة قديمة لا يستطيع

стр. 69

إصلاحها إلا بالهدم والبناء معاً. فهو يهدم البيوت القديمة ويستفيد من أوضاعها وأنقاضها في بناء الشوارع الجديدة. يجمع الماضي إلى المستقبل ويضع القديم في الحديث، ولكن الصورة المجردة التي في نفسه هي أصل إبداعه. لأن الفكرة كما قال ابن خلدون أول العمل. إن أسباب القلق في نفوس الشبان ناشئة عن فقدان المثل الأعلى من نفوسهم وعدم وجود تفكير شخصي حر يجردون به عن إتباع الآثار القديمة وتقليد الأوضاع الغربية تقليداً أعمى. ولو أبدعوا لأنفسهم صورة جديدة لارتاحوا في الارتكاز عليها. . . لولا الإبداع لبقيت البشرية مظلمة كما كانت في العصر الحجري. فالإبداع قد ملأ الحياة الاجتماعية بالصور الدينية والعلمية والفنية. وهي بالنسبة إلى الحياة كالزهر بالنسبة إلى الطبيعة. والتوازن المتحرك خير من التوازن الساكن مع الراحة، لأن الحركة أقرب إلى الحياة والحرية. والمرء في التوازن الساكن يعيش مقلداً على نمط واحد وإذا تحرك كانت حركته ميكانيكية. ولكنه في التوازن المتحرك يجدد نفسه وأفكاره في كل لمحة. وكما تقلب العادة الحرية إلى تقيد والنفس إلى مادة، فكذلك يقلب التوازن الاجتماعي الساكن واجبات الإنسان الحر إلى فرائض اتباعية. فالإبداع دليل على الحرية وهو بالنسبة إلى العقل كالحرية بالنسبة إلى الإدارة وإذا تكامل صار كما قال ابن سينا في أعلى درجات التكوين، إلا أن الإنسان بالرغم منه لا يستطيع التجرد من الماضي وكلما كان الماضي بعيداً كانت تقاليده ثقيلة. جميل صليبا

стр. 70

الحق والواقع بقلم كاظم الداغستاني ما بزغ فجر الحركة العلمية الحديثة في الشرق العربي حتى نشطت فئة من أبنائه فأقبلت على دراسة العلوم الحقوقية وتفهم ما سنته الأمم، غربية كانت أو شرقية، من شرائع ونظم وقوانين، وزاد في هذا النشاط والإقبال تطور تلك الدراسة وتصنيفها في عداد العلوم لمدرسية الأخرى، فلقد كانت العلوم الحقوقية في جميع أجزاء البلاد العثمانية ومنها بلاد الشرق العربي وفقاً على الشيوخ من رجال الدين والمتفقهين، وكانت الشريعة الدينية والفقه الديني والقضاء الديني المراجع الوحيدة للحكم في جميع القضايا الحقوقية والجزائية والتجارية والإدارية وغيرها من فروع الحقوق، ودام الأمر عل هذا حتى عهد التنظيمات الخيرية التي جرت في زمن خلافة السلطان عبد المجيد سنة ١٨٣٩ حينما شرع العثمانيون بنقل القوانين عن الغرب وتعديل أكثرها ثم توكيل أمر النظر فيها إلى محاكم نظامية أقاموا ف سنة ١٨٧٩ عدداً منها في المدن والأمصار. ومن أسبابا انتشار الدروس الحقوقية في الغرب في الشرق العربي أيضاً البعثات العلمية إلى الغرب وما أنشئ من معاهد ومدارس للحقوق في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد ولقد سرت عدوى دراسة الحقوق سرعاً فكثر الإقبال على هذه الدراسة حتى أوشك أن لا يتناسب مع دراسة العلوم الأخرى. ومما يسترعي انتباه الباحث أن هذه الدراسة كانت في جميع وجوهها مقتصرة على درس الحق دون الواقع ونريد هنا بالواقع ما يحترمه الناس، ويجرون على مقتضاه، ويعملون على الاحتفاظ به دون أن يكون هنالك من القوانين والأنظمة ما يؤيده، ويدخل في هذا الباب طائفة كبيرة من التقاليد والعادات والأنماط التي ما برحت تجري مجرى العرف ولا يجمعها قانون أو يضمها نظام، فيرجع في تفهمها إلى ما عرفه الناس عنها وما حفظوه من أصولها. قد يتفق الحق مع الواقع فيكون الأمر من الوجهة العلمية كما هو من الوجهة القانونية، ولكن كثيراً ما نجد حكماً من الأحكام أيده الحق ونص عليه، ولكن الواقع يخالفه أو يفرق عنه. ولعل أوضح مثال نضربه على ذلك، تعدد الزوجات، فهو حكم ما برحت تنص عليه وتبيحه شرائع بلاد الشرق العربي، ولكنه في الواقع ندر في المدن الكبرى وقل كثيراً في المدن الصغرى. وكذلك حظ المرآة من الإرث فإن القوانين في جميع بلاد الشرق العربي ما

стр. 71

برحت تنص على أنه نصف حظ الذكر، ولكن في الواقع وعلى الأخص في القرى البعيدة وبعض المدن الصغيرة وعند الأعراب المتحضرين فإن المرآة قا أن تصل إلى نصيبها هذا من الإرث الذي منحها إياه الشرع الإسلامي وحال الواقع بينها وبين الوصول إليه. ودراسة الواقع لها من الأهمية شأن كبير فيتفهم أمزجة الشعوب وطبائعها وعاداتها وتقاليدها، ويزداد شأنه وتعظم أهميته حينما تعمد الدولة إلى وضع وسن الشرائع وتعديا الأنظمة وجعلها تفي بحاجة البلاد وتفق مع تقاليدها وتؤول إلى نهضتها وتقدمها في معارج المثل العليا التي تطمح إليها. يرى فريق من علماء الاجتماع المعاصرين وفي مقدمتهم دور كهايم أن أوضاع الحياة في الجماعة البالغة لا يمكن أن تتطور حتى تتبعها القوانين والأنظمة فتتطور معها فهي دائماً مرآتها تنعكس على صورتها فتتحول بتحولها وتتناسب معها حتى لا تكاد تفرق عنها، وهكذا فإن الدارس المتتبع يستطيع أن يستنبط من حقوق الجماعة وقوانينها صور أخلاقها ومبلغ التعاضد الاجتماعي القائم بين أفرادها وما قطعته من مراحل اجتماعية في حياتها الغابرة والحاضرة. وإذا اعترض معترض على هؤلاء العلماء وضرب لهم الأمثلة على أن الواقع كثيراً ما يختلف عن الحق وأن التقاليد والعادات كثيراً ما تبقى قائمة بذاتها دون أن تؤيدها أو تقيدها النظم والشرائع، أجابوا بأن هذه الحال إذا وقعت فهي حال استثنائية أو كما يسموها (مرضية) لا تلبث أن تزول متى عوفيت الجماعة وعادت سيرتها الأولى في طريق تطورها الطبيعي، فالقاعدة العامة في نظرهم هي أن الحقوق وما يتبعها من قوانين ونظم لا تبرح صورة صادقة عن الواقع وما جاء على غير هذه القاعدة فهو من المستثنيات وأن الأصل في الجماعات كما في الأفراد هو الصحة أما المرض فعرض طارئ قد يحل الشفاء محله أو يستعصي فيذهب بحياة المصاب به. ويرد على رأيهم هذا ما يدلي به آخرون من علماء الأخلاق والحقوق والاجتماع مقدمتهم الأستاذ البيرباييه، وملخص ما يقيمونه من الأدلة على ضعف هذا الرأي أن هنالك مجموعة من الأخلاق والعادات والتقاليد لا يمكن أن تنص عليها القوانين أو تؤيدها الحقوق فليس في قوانين الجزاء مثلاً ما يجبر على عمل الخير وعمل الخير واجب احترمته أمم الأرض وتسابقت في مضماره منذ أقدم الأعصر وليس في قوانين الجزاء أيضاً ما ينص على

стр. 72

عقاب موسر قدير امتنع عن معونة جائع يشرف على الموت على أن في التقاليد والأخلاق ما يستهجن ذلك ويستقبحه، وكذلك شأن تاجر قوي ما برح يضارب خصمه الضعيف ويزاحمه حتى أفقده كل ما لديه من مال وأنزل به من ضائقات العيش ما حداه إلى اليأس القاتل، وإن كثيراً من رجال تعتبرهم الناس جناة آثمين وليس في القانون ما يوجب أخذهم بجريمتهم لأن الشارع لم يعد عملهم جرماً أو خطيئة، وكثيراً ما تحتوي القوانين على أحكام أهمل العمل بها أو حالت التقاليد وما جرى مجرى العادة دون تنفيذها أو العمل بمقتضاها. ومن جملة الأدلة التي يقيمونها أيضاً على بعد الشقة في كثير من الأحوال بين الحق والواقع هذا النقد الذي كثيراً ما يوجهه العلماء والكتاب والشعراء في الكتب والصحف وعلى المسارح إلى بعض الأحكام، فيعرضون طائفة من أمراض اجتماعية أهمل أمرها واضعوا القوانين وصنوفاً من مظالم أخلاقية قصرت النظم الموضوعة في تلافيها، وينددون في بكثير من مناحي القانون، مشيرين إلى عدم مطابقتها للواقع ولما يتفق مع الشفقة والعدل أو لما تتطلبه الأمة من أغراض ومثل عليا في حياتها مما يصح القول معه أن حقيقة الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية في الأمة لا تظهر جلية واضحة في قوانينها بل في كتابة من يعترضون لنقد تلك القوانين وتنفيذها. وإن كان هذا الفرق بين الحق والواقع لا يبرح ظاهراً حتى في جماعة قدم عهدها في نهضتها وفي تعديل قوانينها وإصلاحها وفي اتساع نطاق تقسيم الأعمال فيها فكيف يكون شأنه في جماعة لم يمض عليها زمن طويل في وضع قوانينها الحديثة وتعديل نظمها القديمة؟ لا شك أنه يكون أكثر ظهوراً وأشد خطراً. ويزداد هذا الفرق خطورة في جماعة اختلفت سكان بلادها في وجوه معاشهم وطراز حياتهم الاجتماعية والاقتصادية فكانوا ومنهم الحضريون سكان الأمصار، ومنهم الفلاحون أبناء الأرياف البعيدة، ومنهم الأعراب المتحضرون الساكنون في البيوت أو في المضارب أو المتنقلين في مشارق البادية ومغاربها. إن الحقوق وجدها في مثل هذه الجماعة لا يمكن أن تؤدي إلا صورة مبهمة تفرق كثيراً عن الواقع فلا تمثل إلا ناحية لا شأن لها من نواحي الحياة فيها. ودرس الواقع في مثل هذه الجماعة هو الأساس النهم في تفهم أوضاعها والوقوف على ما يجب معرفته من أهدافها وما يتطلبه تحقيق الأهداف من نظم وشرائع. ولعل أهم سبب في انصراف

стр. 73

الطلاب والمشتغلين في الحقوق عن درس هذا الواقع ووصف صوره في مختلف أقطار الشرق العربي هو الصعوبة التي يلقاها من يود التعرض لهذه الأبحاث لأن درس الحقوق لا يحتاج لأكثر من الانصباب على ما في بطون الكتب والمؤلفات، أما درس الواقع فهو يحتاج لجمع المواد من مواقعها ودرس الأوضاع في مواطنها وتحقيق ذلك يدعو لأسفار ورحلات في مختلف الأقطار حاضرها وباديها، عامرها وغامرها، والجري في تصنيف هذه المواد ووصفها على الأصول الأتنوغرافية الحديثة التي تتطلب دقة في مراقبة الظواهر الواقعية، والنعمق فيوصف تفاصيلها، وتحديد المواقع التي جمعت منها، والزمن الذي جمعت فيه والجماعات التي عملت بها، مع بيان الفوارق بين مختلف الطبقات في كل جماعة من هذه الجماعات والإلمام بكل ما من شأن أن يوضح هذه الموارد ويؤيد الثقة بصحتها. وهنالك عوائق أخرى من أهمها أن المشتغلين في دراسة الحقوق كثيراً ما تأبى عليهم نفوسهم أن يجمعوا الكثير من هذه التقاليد والعادات والأوهام سواء كانت حضرية أو بدوية، شعبية أو خاصة بطبقة من الطبقات فيعرضونها على أنظار الناس من المواطنين والأجانب، ظناً منهم بأن فيذلك بعض الغضاضة، مع أن أعرق الأمم في الحضارة كالأمة الانكليزية والفرنسية والألمانية لم تخل حتى اليوم من أمثال هذه العادات والأوهام التي انصرف علماؤهم وفقهائهم لجمعها ووضع المؤلفات الكبيرة عنها ومن أشهر هؤلاء المؤلفين في هذا العالم الذي سموه الفولكور البحاثة المعروف السير جيمس فريزر الذي لم يكد يترك خرافة أو عادة من التقاليد والخرافات والأساطير الانكليزية خاصة والأوربية عامة إلا وصفها وأتى على ذكرها. والشرق العربي، بعد أن وصلت دراسة الحقوق فيه إلى ما وصلت أحوج ما يكون لدراسة الواقع وجمع ما تبعثر في مختلف أقطاره م مختلف التقاليد والعادات والمشترع الذي يتصدى للبحث فيما يجب أن يكون، يتحتم عليه أن يعرف ما هو، ومن العبث أن يتصدى المصلح الاجتماعي لتعديل وضع من الأوضاع الاجتماعية قبل أن يعرف شكل هذا الوضع ويقف على كنه صوره في مختلف أقطار البلاد التي ينتسب إليها، ولقد أتاحت لنا دراسة من هذا النوع، تصدينا لها في سورية خلال سنوات عديدة أن نتأكد بأننا كالكثيرين من زملائنا نجهل الكثير مما يجب أن نعرفه عن الجماعة التي نعيش فيها جهلاً فادحاً قد لا

стр. 74

يتفق مع ما نعرفه عن الجماعات الأخرى الغربية عنا، ولو أراد الباحث أن يرجع إلى ما يتطلبه من مؤلفات في هذا البحث لتعذر عليه الاهتداء إلا إلى نتف مبعثرة في صحف بعض الكتب والمجلات وأكثر مما عالجه المستشرقون ممن انصرفوا لمراقبة هذه الأمور فتفهموها كما أرادوا أو الكتاب والسائحون الغربيون الذين مروا بنا في طريقهم فكان جل ما كتبوه وصفاً روائياً خيالياً لا يتفق مع الحقيقة ولا يصلح للعلم أن يقتبسه أو يستند إليه. نحن نعرف وقد علمتنا التجارب أن في درس الواقع في مختلف أقطار الشرق العربي صعوبات جمة يحتاج تذليلها الجهد هو أولى بالجماعات منه بالأفراد ولكن هذه الصعوبات يجب أن لا تثنينا عما لا منوحة عنه من إصلاحنا الاجتماعي وإعداد قوانيننا الآتية وتسيير نهضتنا القومية الحديثة في طريقي الحق والواقع معاً. كاظم الداغستاني

стр. 75

الاصطفاء الطبيعي وبقاء الأنسب فصل من رواية حياة سيارة لإيليا ارينبورغ يعيش (بوهان بريغر) في (لايبزيغ) مدينة التجارة. هنالك تطبع الكتب الدراسية للكيمائيين الناشئين. وهناك تباع مواد التدخين الفاخرة. وهنالك تعقد مؤتمرات العاطلين عن العمل. فمن الطبيعي أن لا يكون عدد السيارات فيها قليلاً. ليس ليوهان (بريغر) سيارة. ولكن السيد (شتوس) يملك سيارة بديعة من جنس (مرسيدس). فأنه صاحب مطبعة لا مثيل لها. يطبع وريقات في منتهى الذوق الفني تلصق على زجاجات الخمور والعطور وعلب (السيكارات) الثمينة. أنها أحسن مطبعة في ألمانيا لطبع هذه الوريقات. ولذلك فمن حق السيد (شتوس) أن يملك سيارة بديعة من جنس (مرسيدس). وله الحق أيضاً أن (يزمر) بكل فخر في منعطفات الطرق. وكرجل رياضي فهو يسوق سيارت بنفسه في أكثر الأحيان. يسكن السيد (شتوس) خارج المدينة ويجوب بسرعة مائة كيلو متر في الساعة. أنه يحب السرعة في كل شيء. ففي مطبعته أحدث الآلات وأحسنها وأسرعها، متى يدخل المطبعة تنحني الآلات طائعة مستعدة للخدمة. وآلات القطع تنحدر فيستطيع السيد (شتوس) أن يطبع في النهار أكثر من (٨٠٠٠٠٠) وريقة. وريقات صورت عليها راقصات إسبانيات بمراوحهن أو رسمت عليها مثلثات ملونة وفيها مديح لعطر (آدونيس) أو خمر (بوردو). يعرف السيد (شتوس) قيمة الإعلانات الحديثة وتأثير الألوان الحقيقية. ثم أنه أحد الذين يعملون على أنهاض ألمانيا من جديد. ولا يبزيغ، مدينة التجارة، فخورة بالسيد (شتوس) عن حق. ولكن في (لايبزيغ) المعتبرة أيضاً تعثر عين المصحح المجرب على أغلاط مطبعية. بماذا يشتغل مثلاً (يوهان بريغر) هذا؟ هل بالضرورة من العاملين لأحياء ألمانيا وبعثها من جديد. أنه لا يصنع طيارات (زبلين) ولا يستحصل أصبغة (الآنيلين) بل أنه لا يبيع حتى
следующие страницы →