← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

برحت تنص على أنه نصف حظ الذكر، ولكن في الواقع وعلى الأخص في القرى البعيدة وبعض المدن الصغيرة وعند الأعراب المتحضرين فإن المرآة قا أن تصل إلى نصيبها هذا من الإرث الذي منحها إياه الشرع الإسلامي وحال الواقع بينها وبين الوصول إليه. ودراسة الواقع لها من الأهمية شأن كبير فيتفهم أمزجة الشعوب وطبائعها وعاداتها وتقاليدها، ويزداد شأنه وتعظم أهميته حينما تعمد الدولة إلى وضع وسن الشرائع وتعديا الأنظمة وجعلها تفي بحاجة البلاد وتفق مع تقاليدها وتؤول إلى نهضتها وتقدمها في معارج المثل العليا التي تطمح إليها. يرى فريق من علماء الاجتماع المعاصرين وفي مقدمتهم دور كهايم أن أوضاع الحياة في الجماعة البالغة لا يمكن أن تتطور حتى تتبعها القوانين والأنظمة فتتطور معها فهي دائماً مرآتها تنعكس على صورتها فتتحول بتحولها وتتناسب معها حتى لا تكاد تفرق عنها، وهكذا فإن الدارس المتتبع يستطيع أن يستنبط من حقوق الجماعة وقوانينها صور أخلاقها ومبلغ التعاضد الاجتماعي القائم بين أفرادها وما قطعته من مراحل اجتماعية في حياتها الغابرة والحاضرة. وإذا اعترض معترض على هؤلاء العلماء وضرب لهم الأمثلة على أن الواقع كثيراً ما يختلف عن الحق وأن التقاليد والعادات كثيراً ما تبقى قائمة بذاتها دون أن تؤيدها أو تقيدها النظم والشرائع، أجابوا بأن هذه الحال إذا وقعت فهي حال استثنائية أو كما يسموها (مرضية) لا تلبث أن تزول متى عوفيت الجماعة وعادت سيرتها الأولى في طريق تطورها الطبيعي، فالقاعدة العامة في نظرهم هي أن الحقوق وما يتبعها من قوانين ونظم لا تبرح صورة صادقة عن الواقع وما جاء على غير هذه القاعدة فهو من المستثنيات وأن الأصل في الجماعات كما في الأفراد هو الصحة أما المرض فعرض طارئ قد يحل الشفاء محله أو يستعصي فيذهب بحياة المصاب به. ويرد على رأيهم هذا ما يدلي به آخرون من علماء الأخلاق والحقوق والاجتماع مقدمتهم الأستاذ البيرباييه، وملخص ما يقيمونه من الأدلة على ضعف هذا الرأي أن هنالك مجموعة من الأخلاق والعادات والتقاليد لا يمكن أن تنص عليها القوانين أو تؤيدها الحقوق فليس في قوانين الجزاء مثلاً ما يجبر على عمل الخير وعمل الخير واجب احترمته أمم الأرض وتسابقت في مضماره منذ أقدم الأعصر وليس في قوانين الجزاء أيضاً ما ينص على

стр. 72

عقاب موسر قدير امتنع عن معونة جائع يشرف على الموت على أن في التقاليد والأخلاق ما يستهجن ذلك ويستقبحه، وكذلك شأن تاجر قوي ما برح يضارب خصمه الضعيف ويزاحمه حتى أفقده كل ما لديه من مال وأنزل به من ضائقات العيش ما حداه إلى اليأس القاتل، وإن كثيراً من رجال تعتبرهم الناس جناة آثمين وليس في القانون ما يوجب أخذهم بجريمتهم لأن الشارع لم يعد عملهم جرماً أو خطيئة، وكثيراً ما تحتوي القوانين على أحكام أهمل العمل بها أو حالت التقاليد وما جرى مجرى العادة دون تنفيذها أو العمل بمقتضاها. ومن جملة الأدلة التي يقيمونها أيضاً على بعد الشقة في كثير من الأحوال بين الحق والواقع هذا النقد الذي كثيراً ما يوجهه العلماء والكتاب والشعراء في الكتب والصحف وعلى المسارح إلى بعض الأحكام، فيعرضون طائفة من أمراض اجتماعية أهمل أمرها واضعوا القوانين وصنوفاً من مظالم أخلاقية قصرت النظم الموضوعة في تلافيها، وينددون في بكثير من مناحي القانون، مشيرين إلى عدم مطابقتها للواقع ولما يتفق مع الشفقة والعدل أو لما تتطلبه الأمة من أغراض ومثل عليا في حياتها مما يصح القول معه أن حقيقة الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية في الأمة لا تظهر جلية واضحة في قوانينها بل في كتابة من يعترضون لنقد تلك القوانين وتنفيذها. وإن كان هذا الفرق بين الحق والواقع لا يبرح ظاهراً حتى في جماعة قدم عهدها في نهضتها وفي تعديل قوانينها وإصلاحها وفي اتساع نطاق تقسيم الأعمال فيها فكيف يكون شأنه في جماعة لم يمض عليها زمن طويل في وضع قوانينها الحديثة وتعديل نظمها القديمة؟ لا شك أنه يكون أكثر ظهوراً وأشد خطراً. ويزداد هذا الفرق خطورة في جماعة اختلفت سكان بلادها في وجوه معاشهم وطراز حياتهم الاجتماعية والاقتصادية فكانوا ومنهم الحضريون سكان الأمصار، ومنهم الفلاحون أبناء الأرياف البعيدة، ومنهم الأعراب المتحضرون الساكنون في البيوت أو في المضارب أو المتنقلين في مشارق البادية ومغاربها. إن الحقوق وجدها في مثل هذه الجماعة لا يمكن أن تؤدي إلا صورة مبهمة تفرق كثيراً عن الواقع فلا تمثل إلا ناحية لا شأن لها من نواحي الحياة فيها. ودرس الواقع في مثل هذه الجماعة هو الأساس النهم في تفهم أوضاعها والوقوف على ما يجب معرفته من أهدافها وما يتطلبه تحقيق الأهداف من نظم وشرائع. ولعل أهم سبب في انصراف

стр. 73

الطلاب والمشتغلين في الحقوق عن درس هذا الواقع ووصف صوره في مختلف أقطار الشرق العربي هو الصعوبة التي يلقاها من يود التعرض لهذه الأبحاث لأن درس الحقوق لا يحتاج لأكثر من الانصباب على ما في بطون الكتب والمؤلفات، أما درس الواقع فهو يحتاج لجمع المواد من مواقعها ودرس الأوضاع في مواطنها وتحقيق ذلك يدعو لأسفار ورحلات في مختلف الأقطار حاضرها وباديها، عامرها وغامرها، والجري في تصنيف هذه المواد ووصفها على الأصول الأتنوغرافية الحديثة التي تتطلب دقة في مراقبة الظواهر الواقعية، والنعمق فيوصف تفاصيلها، وتحديد المواقع التي جمعت منها، والزمن الذي جمعت فيه والجماعات التي عملت بها، مع بيان الفوارق بين مختلف الطبقات في كل جماعة من هذه الجماعات والإلمام بكل ما من شأن أن يوضح هذه الموارد ويؤيد الثقة بصحتها. وهنالك عوائق أخرى من أهمها أن المشتغلين في دراسة الحقوق كثيراً ما تأبى عليهم نفوسهم أن يجمعوا الكثير من هذه التقاليد والعادات والأوهام سواء كانت حضرية أو بدوية، شعبية أو خاصة بطبقة من الطبقات فيعرضونها على أنظار الناس من المواطنين والأجانب، ظناً منهم بأن فيذلك بعض الغضاضة، مع أن أعرق الأمم في الحضارة كالأمة الانكليزية والفرنسية والألمانية لم تخل حتى اليوم من أمثال هذه العادات والأوهام التي انصرف علماؤهم وفقهائهم لجمعها ووضع المؤلفات الكبيرة عنها ومن أشهر هؤلاء المؤلفين في هذا العالم الذي سموه الفولكور البحاثة المعروف السير جيمس فريزر الذي لم يكد يترك خرافة أو عادة من التقاليد والخرافات والأساطير الانكليزية خاصة والأوربية عامة إلا وصفها وأتى على ذكرها. والشرق العربي، بعد أن وصلت دراسة الحقوق فيه إلى ما وصلت أحوج ما يكون لدراسة الواقع وجمع ما تبعثر في مختلف أقطاره م مختلف التقاليد والعادات والمشترع الذي يتصدى للبحث فيما يجب أن يكون، يتحتم عليه أن يعرف ما هو، ومن العبث أن يتصدى المصلح الاجتماعي لتعديل وضع من الأوضاع الاجتماعية قبل أن يعرف شكل هذا الوضع ويقف على كنه صوره في مختلف أقطار البلاد التي ينتسب إليها، ولقد أتاحت لنا دراسة من هذا النوع، تصدينا لها في سورية خلال سنوات عديدة أن نتأكد بأننا كالكثيرين من زملائنا نجهل الكثير مما يجب أن نعرفه عن الجماعة التي نعيش فيها جهلاً فادحاً قد لا

стр. 74

يتفق مع ما نعرفه عن الجماعات الأخرى الغربية عنا، ولو أراد الباحث أن يرجع إلى ما يتطلبه من مؤلفات في هذا البحث لتعذر عليه الاهتداء إلا إلى نتف مبعثرة في صحف بعض الكتب والمجلات وأكثر مما عالجه المستشرقون ممن انصرفوا لمراقبة هذه الأمور فتفهموها كما أرادوا أو الكتاب والسائحون الغربيون الذين مروا بنا في طريقهم فكان جل ما كتبوه وصفاً روائياً خيالياً لا يتفق مع الحقيقة ولا يصلح للعلم أن يقتبسه أو يستند إليه. نحن نعرف وقد علمتنا التجارب أن في درس الواقع في مختلف أقطار الشرق العربي صعوبات جمة يحتاج تذليلها الجهد هو أولى بالجماعات منه بالأفراد ولكن هذه الصعوبات يجب أن لا تثنينا عما لا منوحة عنه من إصلاحنا الاجتماعي وإعداد قوانيننا الآتية وتسيير نهضتنا القومية الحديثة في طريقي الحق والواقع معاً. كاظم الداغستاني

стр. 75

الاصطفاء الطبيعي وبقاء الأنسب فصل من رواية حياة سيارة لإيليا ارينبورغ يعيش (بوهان بريغر) في (لايبزيغ) مدينة التجارة. هنالك تطبع الكتب الدراسية للكيمائيين الناشئين. وهناك تباع مواد التدخين الفاخرة. وهنالك تعقد مؤتمرات العاطلين عن العمل. فمن الطبيعي أن لا يكون عدد السيارات فيها قليلاً. ليس ليوهان (بريغر) سيارة. ولكن السيد (شتوس) يملك سيارة بديعة من جنس (مرسيدس). فأنه صاحب مطبعة لا مثيل لها. يطبع وريقات في منتهى الذوق الفني تلصق على زجاجات الخمور والعطور وعلب (السيكارات) الثمينة. أنها أحسن مطبعة في ألمانيا لطبع هذه الوريقات. ولذلك فمن حق السيد (شتوس) أن يملك سيارة بديعة من جنس (مرسيدس). وله الحق أيضاً أن (يزمر) بكل فخر في منعطفات الطرق. وكرجل رياضي فهو يسوق سيارت بنفسه في أكثر الأحيان. يسكن السيد (شتوس) خارج المدينة ويجوب بسرعة مائة كيلو متر في الساعة. أنه يحب السرعة في كل شيء. ففي مطبعته أحدث الآلات وأحسنها وأسرعها، متى يدخل المطبعة تنحني الآلات طائعة مستعدة للخدمة. وآلات القطع تنحدر فيستطيع السيد (شتوس) أن يطبع في النهار أكثر من (٨٠٠٠٠٠) وريقة. وريقات صورت عليها راقصات إسبانيات بمراوحهن أو رسمت عليها مثلثات ملونة وفيها مديح لعطر (آدونيس) أو خمر (بوردو). يعرف السيد (شتوس) قيمة الإعلانات الحديثة وتأثير الألوان الحقيقية. ثم أنه أحد الذين يعملون على أنهاض ألمانيا من جديد. ولا يبزيغ، مدينة التجارة، فخورة بالسيد (شتوس) عن حق. ولكن في (لايبزيغ) المعتبرة أيضاً تعثر عين المصحح المجرب على أغلاط مطبعية. بماذا يشتغل مثلاً (يوهان بريغر) هذا؟ هل بالضرورة من العاملين لأحياء ألمانيا وبعثها من جديد. أنه لا يصنع طيارات (زبلين) ولا يستحصل أصبغة (الآنيلين) بل أنه لا يبيع حتى

стр. 76

(القديد). أنه يقوم بعمل جنوني فهو يدرس الأناشيد القديمة لدى مختلف الشعوب، ويقايس بينها. ويؤلف كتاباً عن وحدة الموضوع فيها وعن توافق المشاعر عند توافق الأعمال وعن فضل الشرق في الأدب الغربي. كل هذه الأمور لا يحتاج إليها الناس. فلا يمكن أن تصنع منها اسطوانة للفوتوغراف أو رواية للتمثيل أو دليلاً لوكلاء التجار السائحين الذين يهمهم معرفة شيء عن نفسية الشعوب التي يسافرون إلى بلادها والتي تشتري السيارات أو أصبغة (الآنيلين) من ألمانيا. ولكن (بريغر) يشغل نفسه بأناشيد لم يعد أحد يغني بها. ويبحث في لغات لم يعد أحد اليوم يتكلم بها فأن سكان برلين أخذوا منذ مدة طويلة يعزفون مقطعات (الفوكستروت) عوضاً عن الغناء بأناشيد قديمة بلهاء. ويظهر أن هناك بعض شواذ الناس قد وقفوا شهرياً (١١٠ ماركات) على بريغر لمساعدته في عمله. وهو يعيش بهذا المبلغ فيأكل (البطاطا) بدون سمن ويحاول أن يكتب بخط ناعم على قدر الاستطاعة ليقتصد من الورق. ثيابه ممزقة. وهو فقير في رئته اليمنى جرح ولكنه مثابر رغم ذلك على العمل. أنه لا يعرف شيئاً عن معاهدة (لوكارنو) وليس له من علم على وجود سيارة باسم (مرسيدس). بل يجهل أن ألمانيا في طريق النهوض. أنه يجلس طوال النهار ويشتغل في قميصه لئلا تتخرق ثيابه عند المنكبين. ومساء يذهب قليلاً إلى (الزه بريخت) التي تبيع عطر (آدونيس) في إحدى المحلات التجارية. فيقص عليها في كلمات مرتبكة عن الأساطير الهندية وعن تأثير العرب في إشعار (كاستيليا). وفي هذه الأثناء يسمع السيد (شتوس) في ملهى (آستوريا) إلى أغاني (الشارلستون) الجديدة. وإلى جانبه فتاة شقراء معوجة الأنف تتوجع والسيد (شتوس) يخزها بأبرة. والفتاة سعيدة لأنها تعرف جيداً من الذي يخزها. وأمام الباب سيارة مرسيدس غارقة في النوم تحرسها عين البواب. وللشقراء كل الحق في أن تفرح إذ أن السيد (شتوس) قد نال في معرض (كولونيا) وساماً ذهبياً. وكان في السنة الماضية ربح (٨٦٠٠٠٠) مارك وقبل مدة قصيرة نشر رسمه في الملحق المصور لأكبر جريدة في (لايبزيغ) ومتى جلس رجل كهذا للهو فإن جميع الذين حوله يصبحون سعداء سواء الخدم أو الفتاة الشقراء أو الموسيقيون. أليس السيد (شتوس) من أكبر العملين لأنهاض ألمانيا؟

стр. 77

عثر بوهن بريغر اليوم على نشيد قديم للسلت عن شجرة التفاح كيف تبدأ بعد تعهدها سنين طويلة بالعناية، تحمل أزهاراً غضة فإذا ريح قوية تقلع الشجر من جذورها. ويسأل الشاعر حبيبته ماذا تريد أن تكون فتجيب: إنما أريد أن أكون شجرة التفاح النضرة تنو رويداً وتزهو وتذبل سريعاً متى هبت الريح العاصفة. . . كان سرور (يوهان بريغر) بهذا النشيد عظيماً. ولا يشعر السيد شتوس بمثل هذا السرور إلا إذا جاءه على غير انتظار طلب بنصف ميليون من الوريقات ذات الألوان الثلاثة. . . كان يوهان ذاهباً مساءً إلى صديقته الزه في شارع ويلهلم. إنه سيقصص عليها اكتشافه السعيد. كان ماشياً يكرر في نفسه أبيات النشيد: ثم تزهر شجرة التفاح. . . والناس الذين يمرون من الطريق يصطدمون به من حين إلى آخر أنهم قد أنجزوا أعمالهم ويسرعون الآن إلى بيوتهم. لقد اشتغلوا طوال النهار في المطبعة أو في تنظيف أنواع الفرو العفنة أو في محلات مبيع القديد. ويردون أن تستريح أقدامهم في البيت فيعلقون على أذانهم آلة الراديو ويستمعون، مثل السيد (شتوس) إلى أغاني (الشارلستون) الحديثة. وهم يسيرون، بطبيعة الحال، في الجهة اليمنى من الطريق فيصطدمون، ممتعضين ببريغر ويعجبون من هذا الثقيل الأبله الذي لا يتقن حتى السير في الطريق. اجتاز يوهان الساحة. فإذا ريح قوية، تقلع جذور الشجرة. . . ما أجمل هذه الأنشودة القديمة. أنها لا بد أن تنال إعجاب صديقته الزه كانت مشية (يوهان) غريبة في حذائه العتيق. وكان لا يسمع أصوات السيارات ولا يرى إشارة الخطر المطبوعة بالدم الأحمر. ولا يبصر (عيون) السيارة الجسيمة التي تبرق نوراً. بل كان يتمتم في نفسه: وإنما أريد أن أكون شجرة التفاح. وهن وقع ما يسميه الناس حادثاً. ونقل جسد وهان بريغر إلى مخفر الشرطة. وكان السيد شتوس في غاية الغضب. نعم، إن سيارته لم يصبها أي عطل. ولكنه أضاع بسبب هذه المعاملة الرسمية في المخفر ربع ساعة من وقته وقد اضطر لإبراز أوراقه المثبتة كأن ذكر اسمه وحده لا يكفي في (لايبزيغ). ثم كان عليه أن يوقع على ورقتي ضبط طويلتين. أنه قد عمل كثيراً طوال النهار. ومن حقه أن يستريح في المساء. وهي يريد أن يضحك وينشرح في آستوريا وإذا كان هذا الرجل أصم فكيف لم يبصر إشارة الخطر. وإذا كان

стр. 78

أعمى فلماذا لم يصطحب معه كلباً هرماً يقوده. والظاهر أنه كان مجنوناً فأن أوراقه تشير إلى أنه دكتور في الفلسفة. أجل فيلسوف! أي أحد أولئك الذين يعدون النجوم ويسرقون البرتقال من الحوانيت. فلماذا إذاً تظهر شرطة لايبزيغ كل هذا الاهتمام. أن كتاب بريغر الذي أشير في عداد نيسان من المجلة الفلسفية إلى قرب صدوره لن يتم أبداً. وعوضاً عنه سوف تنشر كتب أخرى. فأن في لايبزيغ كثيراً من المطابع. والزه بريخت لن تعلم شيئاً عن النشيد السلتي. وفي الحقيقة أنها سئمت منذ مدة طويلة هذه الأناشيد المحزنة. وهذا الشاب ويلي الوظف في مصرف درسدن يعرف أغنيات جميلة أدعى للاهتمام مثل: أنا وجيم التقينا في الأسانسور. أنها أغنية مضحكة فيها روح ونار وجميل جداً للرقص على أنغامها تحركت سيارة مرسيدس من المخفر منتصرة. وقد انتهز السائق الفرصة ومسح الأقذار من الدواليب. ويوهان بريغر لم يبق له ذكر، وفي الحانات تلمع زجاجات الخمر النفيس. وأخيراً فقد ظهر اسم عطر جديد. وهاج سرور السيد شتوس فقد جاءه طلب بثلاثمائة ألف وريقة علها رسم فتاة يابانية بلباسها الوطني مع إطار مذهب وفي آستوريا تنتظر الفتاة الشقراء. كان محرك السيارة وقلب السيد شتوس ينبضان على وتيرة واحدة. كلاهما قوي وجميل. والقرابة بينهما تزداد بعد كل منعطف. وبعد ساعة كان السيد شتوس قد افرغ زجاجة الشمبانيا في جوفه وأخذ يعربد ويصرخ مثل سيارته. وامتقع لون الفتاة من الوجد. في صدر السيد شتوس كان ينبض قلب بقوة ٤٠ حصاناً وفي عينيه النهم والرهبة. كأنهما عينا السيارة المشتعلتان كما رآها بريغر وهو يموت. . . . تعريب كامل عياد

стр. 79

القصص مليحة بقلم كاظم الداغستاني من فائز إلى مليحة دمشق في ٢٥ أيلول سنة ٩٢٩ لقد مضى مع مقامك مع والديك في بحمدون شهور لم يصل إليّ في خلالها شيءٌ من أخبارك. لقد قبل سفرك أن تكتبي لي من حين لآخر فهل أصبح من الصعب على من كانت أولى الصف في الإنشاء العربي كتابة بضع أسطر لأحدى رفيقاتها القديمات؟. ليس لدي من الأخبار في دمشق ما يهمك الإطلاع عليه سوى إني ألقيت في الأسبوع الماضي الراهبة الأخت سيسيل أستاذتك القديمة، وقد ذكرت لي وهي تعرف ما بيننا من أواصر الود، أنها لم ترك منذ وقت طويل ثم سألتني عن أحوالك وعن البلد الذي تقضين فيه شهور هذا الصيف وفيما إذا كان من الصحيح إنك مخطوبة لحسن بك الكندي وقد أضافت على ذلك بقولها أنها لا تجد أحق منك بهذا الشاب المثري الذي يعد اليوم من نوابغ السوريين. وأعلمك بأنها ليست الأولى التي تسألني عن ذلك، فالإشاعة حول هذه الخطبة تدور في أكثر البيوت في دمشق حتى يقولون بأن عقد القران لا يلبث أن يتم عقب عودتكم إلى دمشق، ولم يبق الآن إلا موافقة الباشا والدك. لقد خففت من حنقي عليك حينما ذهبت بي الاعتقاد إلى أن مشاغلك الذهنية في أمر هذه الخطبة هي التي قد تكون ألهتك عن موافاتي بأخبارك، على أني أميل إلى الظن أيضاً بأن هذه المشاغل كلها لن تمنعك من أن تبر بوعدك فتكبين لي فلقد أصبحت أشوق ما يكون إليك يؤلمني هذا الفراغ الذي أشعر به في نفسي منذ افترقنا. عهدتك لا تخفين عليَّ شيئاً من شؤونك فاكتبي لي عما تقرأين في هذه الأيام وبماذا تفكرين وكيف تقضين الوقت في بحمدون ولا تنسي أن تقدمي احترامي إلى السيدة والدتك. من مليحة إلى فائزة بحمدون في ٢٨ أيلول سنة ٩٢٩ ما أكرمك في الود يا صديقتي العزيزة وما أشد وفاءك. لقد كانت على وشك أن أكتب إليك

стр. 80

حينما تلقيت رسالتك لي إذاً إلا أن أضاعف الصفحات وأسهب في القول. لقد أصبت حينما سميت ما اتصل بك من أمر خطبتي بالإشاعة وثقي بأنه إذا صح هذا الخبر فليس ما يكفي لأن يلهيني عنك أو ينسيني ودك وصداقتك. يخيل إليّ أن الأيام التي أقضيها هنا متشابهة الصور لا أكاد أجد فرقاً بين صبحها ومسائها وكثيراً ما استغرق ذاهلة فلا أدري ما أريد ولا ما أشتهي. أن والدي ما برحا يحوطاني بكل أسباب الرفاه والنعمة فهما لا يريان هناءً غير هنائي ولا سعادة غير سعادتي. ولقد شاء أبي أن يترك لي أيضاً في بحمدون كما في دمشق ملء الحرية في الحياة التي أحياها وكل الخيار في غدواتي وروحاتي، فهو يأبى أني يسألني إلى أين ذهبت أو من أين أعود ولعل هذا هو السبب فيما أعانيه، لأني أكاد أحاسب نفسي على كل خطوة أخطوها في بلاد رزحت تحت أعباء التقاليد القديمة فأخشى أن يتصل به عني من الأقاويل ما يعكر ولو جانباً من صفو راحته ويكدر عليه هناءه وسعادته بي، حتى أني كثيراً ما أختار البقاء في لمنزل خلال أيام كثيرة، وإذا خرجت للتنزه في بحمدون أو في ضواحيها فضلت أن أكون مع جمهور من الجارات والقريبات وبينهن الكثيرات ممن أغالب نفسي مغالبة على محادثتهن ومجاملتهن. أؤمل أن لا أكون أمللتك كثيراً من هذه الشكوى التي لم أجد بداً من بثك إياها ولعلني لو انصرفت عنها إلى الأجابة عما تسألينني عنه مما أطالعه في هذه الأيام لعز عليّ على سبيل القول لأنني وأنا على ما وصفته لك لا أكاد أقرأ بضع صفحات من الكتب حتى أمله، فانقل منه إلى غيره، ولا أدري هل سيكون شأني كذلك مع الكتاب الوحيد الذي استهواني منذ يومين فانقطعت إليه أقرأ فيه بشوق ولذة. وغريب أن يستهويني كتاب علمي جاف كهذا عهدت نفسي لا تألف مطالعة أمثاله من قبل ولعل السر في ذلك أني أجد فيه ما يتلائم ويتفق مع ما يدور خلدي من آراءه لا أكاد أجد أن العلم يؤيدها حتى اصفق لنفسي بنفسي وأتيه بذاتي على ذاتي عجباً وخيلاءً. عنوان الكتاب الذي أطالعه هو المرأة في العائلة ومؤلفه لابي أحد أساتذة علم الاجتماع. وأهم ما يمكن أن ألخصه لك مما قرأته فيه حتى اليوم هو أن المؤلف درس حال المرأة في الأسرة عند ثلاث جماعات: المصريين القدماء والهنود الحمر والأميركيين في هذا العصر.

стр. 81

وقد استخلص من الحادثات التي وصفها عند هؤلاء الجماعات في جملة ما استخلصه أن قدر المرأة يعلو في الجماعة على نسبة قدرها في العائلة، وإن مكانة المرأة تسمو في عين زوجها إذا كانت لا تقل عنه أو كانت أكثر منه ثروة أو ذكاءً أو علماً ومعرفة، وعلى الأخص إذا كانت من أصل أو بيت تعتبره الجماعة أكثر شرفاً وأعظم وجاهة. والمجال هنا أضيق من أن يتسع لأن أورد لك كل ما يقيمه المؤلف من البراهين والأدلة على ذلك مستشهداً بالكثير من وقائع الماضي وحوادث الحاضر. فالأولى أن أبعث إليك بالكتاب في الغد، وربما أتيح لي أن أجادلك قليلاً في موضوعاته وأبحاثه في دمشق بعد أن قرب موعد رجوعنا إليها. لقد بدأت نسمات لبنان تهب في الصباح والمساء باردة قاسية لا نستطيع أن نستقبلها وصدورنا عارية وقد شرع المصطافون يتفقدون من ضواحي البلد ما لم يزوروه بعد ويعدون معدات الرحيل والسفر. ليس لديّ من حوادث جديدة أطرفك بها، ولعل أحدث ما لديّ منها هي أننا قضينا قسماً من ليلة الأمس في صوفر حيث حضرنا حفلة موسيقية في الفندق الكبير. ولا يذهب بك الظن أننا تفرنجنا كثيراً في هذه الحفلة فلقد جلس أبي مع رفاقه بعيداً عنا وانضممنا نحن إلى النساء المسلمات من قريباتنا ورفيقاتنا اللاتي عزلهن صاحب الفندق إرضاءً لرجالهن، عن بقية الحاضرات والحاضرين بجدار خشبي متحرك، فكنا في مجلسنا كالقطيع من الغنم يحوطه راعيه إذا جن الليل من قضبان الشجر فيأمن عليها من مهاجمة الذئاب له. على أن هذا لم يمنع الكثيرات منا أن يفلتن من الزريبة ليتحدثن إلى بعض رفيقاتهن من السيدات المسيحيات اللواتي جئنا معنا من بحمدون لحضور هذه الحفلة. وعلى الجملة فقد كانت السهرة أنيقة مفرحة طربت لها وذكرتك كثيراً فيها. ألا ترين بأنه قد آن لي أن أختم رسالتي؟. نقلت سلامك إلى والدتي فشكرتك فانقلي بدورك سلامنا إلى الوالدة والشقيقات وثقي دائماً بحبي لك وبقائي على عهدك. - ما شاء الله يا باشا إنه مطر غزير لم تر مثيله دمشق منذ سنين!. هتف بذلك الشيخ سعيد وهو يغلق الباب من ورائه بعد أن سلم ونفض ما علق على أكمام جبته وجوانبها من رشاش الغيث الذي كان يسمع من في القاعة صدى أنهماره على صحن الدار المتلألئة بأشعة الكهرباء ثم انتحى ناحية الموقد وأخذ مجلسه وهو يدير نظره في

стр. 82

وجوه الجالسين فيحيي كل واحد منهم على حدة. ومشى الخادم ببطء يحضر للضيف الوافد القهوة البدوية ثم النارجيلة يفعم رأسها بالتنباك العجمي الفاخر، وحميد باشا صاحب البيت ولوع بانتخاب أنواعه يجلبها خصيصاً في كل سنة من طهران فلا بخل بها على سماره ممن اعتادوا أن يقضوا سهرات الشتاء عنده في قاعة المنزل البراني وهم كثر مواظبون. ولعل صّبارة البرد وتهطال الغيث في هذه الليلة حالا دون مجيء بعضهم، فكان عددهم لا يربو على خمسة كلهم من حي القنوات الذي نشأ فنه الوجيه صاحب البيت وأجداده من قبل. وأخذ القوم يتحدثون بما في شأنه أن يطرب مضيفهم. وجرى بهم حديث المطر الذي جاء به القادم الجديد إلى الحديث عن الزرع وموسمه وعن الكلأ والخصب في البادية وفي الضواحي وعن الخراف ومراعيها ولحومها. وهنا انبرى الشيخ سعيد بطرف القوم بنكاته ويتبسط في وصف المآكل الشامية فيقارن بينها وبين المآكل العراقية والمصرية ويذكر ما للحوم الخراف التي ترد إلى الشام من ديار بكر من لذة فائقة يعرفها جاره أبو صالح الذي يختارها دائماً لأنواع المحشيات ثم يروي في شيء من التمثيل المسرحي أن أبا صالح رأى عند مطلع الشمس وهو واقف أمام داره قطيعاً من هذا الغنم يسير به راعيه إلى أحد تجار اللحوم، وفي مؤخرة القطيع خروف سمين استرعت أليته الغضة انتباه أبي صالح وهيجت كوامن شهيته فتبع القطيع إلى الطرف الآخر من المدينة وما زال يسأل ويتتبع حتى عرف التاجر الذي تسلم القطيع واللحام الذي اشترى الخروف العزيز وعرف موعد ذبحه فتواعد فتواعد واللحام أن يأتيه في ذلك اليوم وبرّ بوعده فاشترى من لحمه وأعطاه أهل بيته فطبخن له فخذاً وكوسى محشياً دعا إليها جاره الشيخ سعيداً فأكلا ما شاء الله أن يأكلا ولم يذوقا من بعد لحماً ألذ ولا محشياً أفخر. ويضحك القوم معجبين بالقصة ويجاريهم مضيفهم حميد باشا وفي ضحكته شيء من التكلف، فقد كان كمن يصغي للشيء وهو يفكر بسواه على غير ما اعتادوه منه ويستمرون في سمرهم وأحاديثهم وهو يتكلف الجري معهم والإصغاء إليهم، وكثيراً ما يبلغه ما يجول في ذهنه من شؤون هي أطرب على نفسه مما يسمع فيطرق مفكراً ثم لا يلبث أن يستعيد ما فاته من كلام محدثيه فيضحك له ويتظاهر بالاهتمام به. ومضى الهزيع الأول من الليل فاستأذن الأضياف منصرفين أبكر مما اعتادوا وغادروا حميد باشا قاعة البيت البراني إلى

стр. 83

منزله الداخلي حيث تسكن عائلته. وهتف بالخادمة العجوز يسألها عن زوجه وابنته فأعلمته بأنهما نامتا منذ قليل فيأوي إلى غرفته وهو حريص على أن ينعم لوحده بخبر ما اتصل به قبل أن يذيعه على ذويه. نشأ حميد باشا في دمشق وشب فيها ثم اصطحبه أبوه القائد حين باشا إلى الأستانة فأدخله الجيش وما هي إلا سنوات أنقضت حتى أصبح من الضباط الذين تتردد أسماؤهم في أورقة الباب العالي وقاعاته. وزوجه أبوه بابنة صديقه القائد الشركسي عاصم باشا فوجد بها زوجاً صالحة حفظت ذمته ورعت عهده وأعانته بعد وفاة أبيه على المضي فيما طمح إليه حتى أصبح من أكب قادة العرب السوريين في الجيش العثماني ولقد أوشك أن يكون من ذوي الشأن العظيم في الدولة لولا عنجهية بقي أثرها في نفسه فلم تلتئم مع ما يطلبه عراك الرجال في قصر يلدز من اللين والنفاق والخبث. ولقد كان مع جل مواقفه أنوفاً تأبى عليه شخصيته القوت أن تضمحل أو تتصاغر أمام من هو أرفع منه درجة وأسمى مكانة. وزادت هذه العاطفة فيه نمواً حتى أنف حياة الجندية وانفصل عنها فعاد إلى وطنه القديم دمشق حيث خلف له أبوه ثروة طائلة من الضياع والأملاك بصبحة زوجه ووالداه وطائفة من جواريه وخدمه. وما هي إلا سنوات حتى ضربه الدهر ضربة قاصمة ذهبت بابنه الشاب وهو أشد ما يكون نضارة ونشاطاً، فبكاه بكاءً طويلاً مراً، ونالت منه المصيبة حتى أوشك أن يجد سبيلاً إلى السلوى لولا بقية من الأمل أحياها مع الأيام في نفسه ما بقي له من عزاء في ابنته مليحة، فزهد في كل شيء إلا التفكير في إسعادها وهنائها فانصرف إلى أجابة رغباتها والسهر على تعليمها وتربيتها وزاد في سلواه بها بعد أن بلغت العشرين من العمر إعجابه بما اجتمع فيها من جمال أمها الفاتن ونفس أبيها الأنوفة العزيزة. ولقد كان ولوعاً بالتقاليد القديمة محافظاً عليها لولا أن حبه لأبنته جعله يرضى بكل ما يظن فيه هناءها وسرورها حتى لو أنه رآها سائرة في شوارع دمشق وهي حاسرة نقابها عن وجهها لأختار تقد الناقدين من مواطنيه ونيلهم منه على كلمة عتب أو تأنيب يوجهها إليها. وانصرف همه كله إلى اختيار زوج لها، ومضت سنون وهو لا يكاد يجد بين خاطبيها الكثيرين من هو كفؤٌ لها جدير بإسعادها، حتى جاءه في مساءٍ هذا اليوم صديق له يستطلعه رأيه فيما إذا تقدم حسن بك الكندي يخطب ابنته. فاستهمل الرجل حتى يسأل زوجه وابنته

стр. 84

وهو يعرف مما يعرف من شؤون الخاطب الجديد أنه شاب شريف المنبت عريق المحتد حسن الخلق والخلق ورث عن أبيه ثروة واسعة ضخمة وهو كريم من غير تبذير ولا إسراف نال حظاً وافراً من الثقافة والعلم بعد أن جاب أنحاء البلاد الأوربية باحثاً متتبعاً على مثال الطالب النابه وعاد إلى دمشق يعمل في سبيل الجماعة التي نشأ فيها عملاً جريئاً مخلصاً حتى ذاعت شهرته وتناقلت أندية السياسة والأدب في الشرق العربي وما يليه حديث أعماله المجيدة. هذا ما كان يهمس به خاطر الأب الحنون قبل أن يستسلم للرقاد فيقول ويردد في نفسه ومن هو أجدر بمليحة من الشاب؟. وطلع الصباح فجلس حميد باشا يحدث زوجه طروباً بما ينقله إليها من نبأ خطبة ابنتهما فتقول له فرحة للخبر مستبشرة به أنها كانت تأمل ذلك وتنتظره ولكنها لم تشأ أن تفضي به إلى ابنتهما قبل أن يتحقق ويتحدث الزوجان عن زواج ابنتهما القريب وعما سيعدان لها من جهاز فاخر وعن المسكن الذي ستسكنه والحياة الهانئة التي ستحياها فيسعدان بما يتراءى لهما من سعادتها وهنائها. وتذهب الأم لترى ابنتها وتسألها رأيها بهذا الخاطب الذي عهدتها من المعجبات به وينتظر الأب طويلاً فيراها تعود وليس في أسارير وجهها ما ينبئ بارتياحها لما سمعته من جواب الابنة فيستطلعها الأمر فتقول إن ابنتك لا تريد أن تتزوج. قال هذا ما اعتادت أن تقوله الفتيات في مثل هذا الموقف فهل لك أن تعودي إليها؟. قالت عبثاً حاولت فلقد أوشكت أن أضجرها بإلحاحي. قال وهو ينهض من مكانه سأتولى سؤالها بنفسي فدعيني وحدي وإياها ومشى حتى دخل على ابنته في مخدعها فهرعت لاستقباله وقد عرفت ما جاء من أجله فهي لا تكاد ترفع طرفها إليه حياءً منه، ونظر إليها فرآها بثوبها الأبيض الناعم وقامتها الهيفاء وقد لمست خيوط من أشعة الشمس شعرها الأشقر الذهبي فبدت وكأنها خيال الشاعر. فأخذ بيدها وقلبه يطفح حناناً وحباً وأجلسها إلى جانبه برفق وهو يقول لها: لا تحاولي أن تصرفيني عنك كما صرفت أمك ولا تجيبينني بما أجبتها به مما أملاه الحياء عليك. فلقد جئت بنفسي استطلعك رأيك فيما ارجوه لك من السعادة. أن للشاب الذي بعث يخطبك مني بالأمس من الشهرة والجاه والسمعة الطيبة والثروة الطائلة ما يكفيني مؤنة الحديث عنه وقد ذكرت لي أمك أنها كثيراً ما سمعتك تشيدين بذكره وتعجبين

стр. 85

بأعماله وبالمرتبة التي بلغها فهلاّ تزالين على رأيك فيه؟. فأطرقت صامتة ثم وجدت أن لا محيد لها عن التصريح بما فكرت به وصممت عليه فقالت نعم. ولكني لا أيد أن أتزوج به لأني أراني دونه في الكفاءة وأجده أعظم من أن يكون زوجاً لي. قال أنه وهم قام في نفسك. فأنت سليلة الأمجاد من الرجال وأن لك من الجمال والشباب والعلم والذكاء ما يحسدك عليه قريناتك من بنات الأغنياء في هذه المدينة وما يليها من الأصقاع. وإن ثروتي وكلها لك، وأن تكن أقل من ثروة خاطبك فهي مما لا يستهان به في مثل هذا البلد الذي نعيش فيه. قالت وقد زاد الحماس في جرأتها: ولذلك لا أريد من الأزواج من أخشى أن تتصاغر نفسي أمام عظمته وغناه وتضمحل مكانتي التي أخذتها عنك وأنا أحرص عليها في وجه شهرته الواسعة وصيته الذائع. ولقد غرس ما كنت تحدثنا به دائماً عن مواقفك من القواد من رؤسائك وأقرانك في نفسي ما يكفي لأن ينمي هذه العاطفة بي. وإني أفضل من الأزواج من هو دوني في الثروة والجاه فيحترمني ويعجب بمكانتي ويحمل في نفسه إجلالاً كبيراً لي على من يحبني ثم ما يلبث أن يدعوه خيلاؤه بعظمته وعجبه وبامتداد شهرته إلى استصغار أمري وإهمال شأني فيعيش معي وكله لنفسي ولغيري. وإن الفتيات من قريناتي اللواتي يحسدنني كما قلت لي على ما أنا فيه من نعمة يصبن كثيراً لو رأين رأيي فعشن زوجات عزيزات كما أفضل أن أعيش هنا. وكأن هذه الكلمات أهاجت في نفس الأب كوامن العنجهية والشمم فمشت في أضلاعه رعشة من الحماس ورأى ابنته وقد خيل إليه أن روح شبابه قد بعثت فيها. فلقد كان وهو يصغي إلى حديثها يسمع صدى تلك الأنشودة في وصف الأنفة والإباء التي طالما رددها وما برح ولوعاً بنغمتها. وأطال نظره إليها محدقاً وهو كأنما ينظر إلى نفسه فيرضي عنها ويعجب بها. وساد بينهما سكوت عميق عاد الأب في خلاله يمعن الفكر في سعادة هذه التي رأى فيها صورة نفسه فيستعرض في ذهنه صور خاطبيها جميعاً ويذكر من بينهم شاباً ليس من وجهاء المدينة ولا من أصحاب الثروات لكنه كثيراً ما أعجبه منه أدبه ودعته وكرم خلقه وها هو ذا يتخيله جالساً لجانب ابنته فخوراً بها حريصاً على راحتها ويتخيلها إلى جانبه سعيدة به هانئة بحياتها معه. فكر في ذلك فرفع بصره إليها وهو يقول لها: أن بين خاطبيك

стр. 86

له من الصفات والمزايا ما ربما أعجبك شأنه وهو ذكي متعلم جميل الصورة عرف بين أصدقائه بدماثة الخلق ورقة الطبع على أنه الرجل يشغل الآن وظيفة أستاذ في المدرسة الثانوية وليس له من الثروة إلا راتبه الذي يتقاضاه وما يقتصد منه في مطلع كل شهر ولعل هذا ما دعاني أن لا أستطلعك رأيك فيه قبل اليوم على أنك ربما سمعت به فماذا ترين إذا عاد اليوم يخطبك زوجاً له؟. فوجمت الفتاة كمن فوجئ بما لم يكن يفكر فيه وأطرقت برأسها لا تجيب، ورأى الأب أن لا محيد له عن السير في الطرق التي سلكها فقال: أترينه دونك أو ممن لا يليقون بك؟. وكأنها رأت في هذا الكلام ما لا يصح سكوتها عنه فقالت لا ولو عرفت ما يجب أن أعرفه من شؤونه وقبلت أنت بمصاهرته فلا أترد في اختياره. قال حسن. ثم نهض من مجلسه وسار متجهاً نحو باب الغرفة وهو كمن اهتدى إلى ما وجد الخير فيه. من مليحة إلى فائزة القاهرة في ٢٥ آذار سنة ٩٣٠ هذا هو الشهر (شهر العسل) الذي غادرنا دمشق في أوائله يوشك أن ينقضي وأنا لم أكتب إليك كلمة واحدة فهل لي في ودك ما يشفع لي عندك؟ لقد كان سفرنا سعيداً وأسعد منه هذه الأيام التي نحياها على ضفاف النيل حيث الساعات تمر بنا سراعاً فلا نستطيع لها عداً. ما أجمل القاهرة يا صديقتي العزيزة وما أهنأ العيش فيها. لقد كنا على أن نقضي فيها بضعة أيام نغادرها من بعدها إلى بلد آخر فإذ بنا نستغني عن كل ما رسمته آمالنا من أسفار وننعم بمقام نقر فيه فلا نتصور أحمد منه. لقد قرب زمن عودتنا بعد أن كادت إجازة زوجي أن تنتهي وهو مضطر لأن يعاود إلقاء دروسه ومحاضراته قبل انتهاء السنة وحلول موعد العطلة الصيفية ولقد كتبت لنا أمي تشتاقنا وتستعجلنا في الرجوع. كم ودت لو أطال أمد بقائنا في هذا البلد لكن زوجي يأبى إلا أن نعود إلى دمشق وهو من دعة الخلق وطيب النفس مالا أستطيع معه إلا أن أرى رأيه وإني أجد بطاعتي له من النعمى ما يضمحل معه كل ما قد يقوم في نفسي مما لا يتفق مع رغباته. عندي كثير مما أود أن أقوله لك وكله لا يخرج عن أنني سعيدة وسعيدة جداً بحياتي الجديدة

стр. 87

التي أحياها وبزوجي الذي أهنأ بلذة العيش معه. ويزيد في هنائي ما أراه من فرحه وغبطته بي فهو يحبني ويحبني كثيراً ويخيل لي بأنه سيبقى على حبه لي لأنه يجلني ويحترمني. فإلى اللقاء يا صديقتي العزيزة.

стр. 88

أخبار العلم والأدب جون غولزوارذي الكتاب المفكرون عند الانكليز في العصر الحاضر كثيرون ولكن يكاد المجمع على تقديمهم خمسة وهم ويلز وبرناردشو وجون غولزوارذي وارنولد بينيت وشسترون ولكل واحد منهم معجبون يقدمونه على أصحابه. وأشياع الثلاثة الأول أكثر. ولقد توفي منذ أكثر من سنتين أرنولد بينيت ولحقه في شباط الماضي جون غولز واذي ولد جون غولز واذي ببلدة كومب في ١٤ آب سنة ١٨٧٦ ودرس الحقوق في أكسفورد ولكنه انصرف عن الحقوق إلى الأدب ووقف عليه نفسه. كان يحب السياحة فسافر كثيراً واتفق حينما كان مسافراً إلى إفريقيا الجنوبية سنة ١٨٩٤ أن تعرف في السفينة إلى جوزيف كونراد الكابت المشهور كان كونراد إذ ذاك بحرياً لم يشتهر بالكتابة فأطلع غولز وارذي على قصة ألفها ولم يكن طبعها فاستحسنها وأشار عليه بطبعها وكان ذلك سبب شهرة كونراد. أول قصة ألفها غولز وارذي هي (جوسلين) فقد ظهرت سنة ١٨٩٨ ولكن شهرته عظمت منذ سنة ١٩٠٤ أما مؤلفاته كثيرة منها قصص ومنها روايات تمثيلية ومنها قصص قصيرة وأشهر قصصه قصة فورسيت وقصة الإخاء وأشهر رواياته التمثيلية رواية العلبة الفضية والكفاح والعدل والحمامة والولد البكر والشارد والغابة والمسرة. ومواضيع رواياته معضلات أخلاقية واجتماعية عالجها بتؤدة وأناة كالخصام المستمر بين العمال وأصاب رؤوس الأموال في رواية الكفاح وكمحاباة الحكام في روايتي العلبة الفضية والبكر فقد صرح فيهمان هناك شريعة للأغنياء وشريعة للفقراء إلى غير من ذك من المعضلات في هذه الحياة فهو طبيب حاذق في تشخيص الدواء ولكنه يمسك عن وصف الدواء لأنه متشائم يائس. ولقد اصطنع في رواياته التمثيلية الأسلوب الطبيعي في الحديث أي اللغة الانكليزية المحكية ولو كانت عامية أو سوقية كما فعل برناردشو، لذلك فرواياته على المسرح إذا المثلين بارعين ألذ منها للقراءة. تجد في قصة فورستير كثيراً من العطف ولكنه عطف ممزوج بالتشاؤم واليأس وكذلك في قصص الإخاء فإنك تحس شيئاً من يأس القصص الروسية فالرجال فيها ألاعيب عاجزة بيد القدر.

стр. 89

وغولز وارذي على علو منزله في عالم الأدب من رجال القانون في مظهره وتفكير طويل الأناة كثير الحيطة متزمت جليل لا يتهدد ولا يتوعد في انتقاده للأوضاع الاجتماعية، حريص على تفهم الموضوعات والقضايا التي يكرهها وينفر منها شأن القاضي العادل، يعطف على الأشقياء ولا يرتاح لعدم المساواة بين الطبقات. أكما منزله فهو أديب فني كبير يمتاز بالسمو وصدق اللهجة ونفوذ البصر ودقة التصوير، نال جائزة نوبل الأدبية في سنة ١٩٣٢. الفواكه قيمتها الغذائية والطبية ألقى آخراً أحد أساتذة جامعة (فينا) (كارل فون نوردن) محاضرة عن الفماكه وفوائدها في حالة الصحة والمرض نقتطف منها ما يلي: إن قوة الفواكه الغذائية وقيمتها الطبية ناشئة عن احتوائها الحوامض العضوية والمواد السكرية ثم على عنصر الحياة (الفيتامين) وأكثر قسم نم (الفيتامين) يوجد في قشور الفواكه وأغشيتها وبعضه في داخله أيضاً. وأكثر ما يوجد (الفيتامين) في البندورة (الإفرنجي) التي تعتبر حداً وسطاً بين الفواكه والخضر. وللفواكه أهمية عظمى في تغذية الأطفال بصورة خاصة. ويمكن أن تعتبر بعض الفواكه التي تشتمل على كمية كبيرة من المواد السكرية معادلة في قيمتها الغذائية لأحسن أنواع الحليب. ثم أن للفواكه اليوم ميزة أخرى هي تقوية أمعاء الأطفال وزيادة مقاومتها ولذلك فإن الأطباء أصبحوا الآن، خلافاً للرأي الذي كان سائد سابقاً، ينصحون باقتصار غذاء الأطفال على الفواكه عند حدوث أمراض تسبب الإسهال. وجميع أنواع الغذاء الأخرى لا تضاهي الفواكه، ولو قليلاً في التأثير على قوة العضلات وزيادة نشاطها. وعدا ذلك فإن قلة الأملاح وقلة الزلال في الفواكه مما يدعو الأطباء إلى استعمالها في كثير من الأمراض التي تتطلب الابتعاد عن الأملاح القلوية مثل أمراض الكليتين ثم الأمراض التي يستحسن فيها الاحتراز من الشحوم مثل أمراض الكبد. ويرى الأستاذ (نوردون) أن من المفيد جداً للصحة أن يخصص الإنسان يومياً معيناً في كل مدة يقتصر فيها غذاءه

стр. 90

وحدها فإن عمل أعضاء الهضم يتجه بذلك إلى ناحية أخرى ويمكنها أن تستريح قليلاً من الجهد الدائمي. وقد أجريت تجارب متعددة للتحقق من فائدة الفواكه أثبتت جميعها بأن التغذي بالفواكه من أهم المسائل للمحافظة على الصحة وتقوية الجسم ومقاومة الأمراض. على أنه من الضروري أن يجري انتخاب الفواكه وتعيين كمياتها بعد استشارة الأطباء الأخصائيين. . . . المرأة الشرطية نشرت الآنسة (جرمنبرنهارين) في مجلة (مر كور دوفرانس) مقالاً وصفت فيه حال المرأة الألمانية التي انخرطت بالفعل في مهنة الشرطة بعد الحرب العامة، وذكرت بعض الإصلاحات الاجتماعية التي نجمت عن ذلك. فمن هذه النتائج أن بوسع المرأة الشرطية أن تؤثر في الأسرة تأثير وبإمكانها أنه تتخذ التدابير المانعة المانعة من وقوع الجرائم فتعنى بالمرضى والمجانين، وتعمل على تطبيق أحكام المادة ٢١٨ من القانون الألماني الذي يعاقب من يرتكب جريمة الإجهاض عقاباً صارماً وقد كان للمرأة الشرطية أثر حسن في منع النساء من الإجهاض وإسعافهن بدلاً من الاقتصار على معاقبتهن بعد وقوع الفعل. وهكذا فقد خففت المرأة قسوة القانون وحافظت مع ذلك على الحق العام. وتعزو الآنسة (جرمنبرنهارين) نجاح المرأة الشرطية في عملها إلى معرفتها بأحوال النساء النفسية وسهولة تفهمها لها. ولم يحدث في ألمانيا من تنظيم هذه الفرقة من النساء أقل حادث يخشى منه على النظام العام، بل دل حسن نظامها على فائدة التعاون بين الرجل والمرأة وضرورة هذا الوضع الاجتماعي للتطور في عصرنا هذا. أما في فرنسة فأن المرأة قد دخلت بعد الحرب العامة جميع الدوائر الرسمية فصار لحاكمية السين والمحاكم ودائرة الشرطة نصيب من عملها. ويسمى النساء المنتسبات إلى هذه الدوائر المركزية بالمسعفات وإسعهافهن محصور بإعانة الأطفال والمرضى والمجانين، إلا أنه لا يوجد في فرنسة شرطيات عاملات بالفعل كما في ألمانيا. وترجو الآنسة (برنهاين) أن يوسع نطاق هذه التنظيمات في فرنسة أيضاً لتكون المرأة معينة للرجل لا في الإسعاف

стр. 91

فقط بل في حفظ الأمن وتطبيق الحق العام. أمراض الأمس وأمراض اليوم نشر السير (ويليام ٠١ - لأن) مقالا في مجلة الشهر يبين فيه رأيه في أمراض الأمس وأمراض اليوم فقد ذكر أن بعض اكتشافات العلماء دلت على أن بعض الحيوانات القديمة التي سبقت ظهور الإنسان على وجه الأرض بآلاف من السنين كانت مصابة ببعض الأمراض العصبية التي يصاب بها الإنسان اليوم. وقد فند في هذا المقال آراء الذين يقولون أن هذه الأمراض لم تتغير بل زعم أن كل الأمراض خاضعة لقانون التطور وخصوصاً ما كان منها ناشئاً عن الجراثيم ولا يزال الأطباء يهتمون اليوم بتطور الأمراض الحاضرة حتى لقد تغلبوا في أوربا على بعضها فأزالو تماماً. ومن هذه الأمراض مرض الطاعون فقد ذكر المؤرخون انتشار هذا الوباء في أثينا قديماً وفي لوندره في القرن السابع عشر مثلاً ولكنه لا يوجد اليوم في أطباء العصر من يخشى هذا المرض. وقد ثبت اليوم أن لأكل اللحوم وشرب الخمر تأثيراً عظيماً في تولد بعض الأمراض فالمدينة الحديثة لم تزل بعض الأمراض إلا لتستبدل بها غيرها وقد ذكر السير (ويليام ٠١ - لأن) من هذه الأمراض الخاصة بعصرنا مرض السرطان وأمراض القلب وأمراض الأوعية الدموية والجملة العصبية. وسمى هذه الأمراض بأمراض المدينة الحديثة. ولا تزال بعض الأمراض مثل الكوليرا والملاريا والتيفوئيد ومرض النوم والسكارلاتين والأنفلونزا تفتك في الممالك الحارة والمستعمرات إلا أن أثر هذه الأمراض في الممالك الباردة خفيف جداً. وقد استخلص السير (ويليام ٠١ - لأن) من هذه الملاحظات قانوناً عاماً يقول فيه أن بين حياة الجسد والمحيط صلة قوية وإن كل تغير في المحيط لا بد من أن يحدث بالضرورة تغيراً في البدن فالقانون الطبيعي الأعلى هو قانون المؤالفة ولا بد لكل حيوان من مؤالفة البيئة. وقد تغيرت شروط الحياة في العصر وتغيرت مها استعدادات البدن ومقاومته. فمن ذلك أن الهيكل العظمي في أبدان الحمالين أصبح مختلفاً عنه في الحالة الطبيعية ولعل أكبر سبب في تولد أمراض التمدن الحديثة راجع إلى سوء الغذاء وانتشار بعض العادات الفاسدة. ثورة العناصر

стр. 92

يقصد من كلمة ثورة العناصر الانقلاب العظيم الذي حدث في السنين المتأخرة في صنع كثير من المواد واستعمالها وقد كان من الصعب قبل سنوات قصيرة إقناع الناس بأنه في الإمكان استحصال السكر من الخشب والبنزين من الفحم والحرير من القطن. وهذا كله أصبح مستطاعاً في أيامنا. . . فإن الصناعة الحديثة أخذت الآن تصنع من الهواء كثيراً من المواد المفرقعة المخيفة وتقلب الإحراج حسب مشيئتها إلى حرير اصطناعي أو إلى سكر أو غير ذلك. وإليك بعض الأمثلة عن هذا الانقلاب في استخدام العناصر: ١ - زجاج لا ينكسر إن استعمال الزجاج قديماً جداً ونحن نجده اليوم في قبور المصريين القدماء التي يرجع عهدها إلى أربعة آلاف عام. ورغم التحسينات الكثيرة التي تمت في صنع هذه المادة واستخدامها فإن صفة الإنكسار ظلت ملازمة لها طول هذه المدة. ولكن اليوم يمكن صنع زجاج غير قبل للإنكسار ولا شك في أن رجال الصناعة والفن قد وجهوا اهتماماً زائداً للزجاج في المدة الأخيرة لكثرة الحاجة إليه في البناء وفي وسائط المسير. وقد أصبح الزجاج اليوم من أهم المواد التي يستخدمها الفن المعماري إذ أن الأبنية الحديثة إنما تقوم على الحديد والبلور. ولأجل الاحتراز من حوادث الاصطدام التي كثرت اليوم بين السيارات وغيرها من الوسائط النقلية التي ترجع أسباب الأخطار فيها إلى انكسار الزجاج قطعاً جارحة أخذت المعامل تصنع زجاجاً لا يتطاير في الهواء إذا انكسر وذلك بوضع طبقة نباتية ف تركيب الزجاج. وفي المدة الأخيرة اكتشفت طريقة جديدة تستغني عن المادة النباتية وتعامل الزجاج عند صنعه بصورة خاصة يصبح معها غير قابل للإنكسار. وإذا وضعت أثقال كبيرة على هذا الزجاج فأنه لا ينكسر بل يلتوي وذلك غريب جداص في مادة مثل الزجاج. ٢ - البنزين من السكر لم نكن قبل سنوات قصيرة نفهم من السكر إلا أنه مادة ذات طعم حلو تستخرج من قصب

стр. 93

السكر أو (الشمندر) ولكن في المدة الأخيرة قد تطورت هذه المادة أيضاً بصورة غريبة فأصبحت تستعمل في أمريكا الجنوبية لتسيير السيارات فإن الأزمة الاقتصادية العامة قد خففت من استهلاك السكر فتراكمت منه كميات كبيرة دفعت البعض للتفكير في استخراج مواد للوقود منه وذلك بتخمير السكر وقلبه إلى كحول يصلح لتحريك السيارات. وانقلاب آخر ف استعمال السكر هو الاستفادة منه في البناء وذلك بإضافته إلى (المؤونة) التي تكتسب قوة وصلابة تفوق النفقات اللازمة للسكر. ويظهر بأن المعماريين كانوا يستعملون في الأزمنة الغابرة عصير العنب لهذه الغاية. وهذا هو السبب في متانة الأبنية القديمة. ٣ - الخشب ينقلب سكراً يحتوي الخشب حسب تركيبه الكيميائي على مواد سكرية غذائية. ومن الوجهة النظرية فإننا لا نحتاج إلا لمعاملة الخشب ببعض الحوامض لأجل قلب المادة النباتية إلى مادة سكرية. ولكن الصعوبة في الطريقة العلمية لاستحصال كمية كافة من السكر تضاهي النفقات اللازمة. فأنه يجب أن يستخرج من (١٠٠) غرام من الخشب أكثر من خمسين غراماً من السكر حتى يكون لهذه العلمية قيمة اقتصادية. وقد قام العالم الألماني الأستاذ (برغيوس) الذي نال جائزة نوبل أخيراً بتجارب لأستحصال مادة غذائية للحيوانات من الخشب بنفقات قليلة. ثم أخذ الآن يسعى لتخمير هذه المادة الغذائية وقبله إلى سكر فنجح في ذلك نجاحاً كبيراً. وقد أصبحنا اليوم نستطيع استخراج (٢٤) ليتراً من (الأسبرتو) من (١٠٠) كيلوغرام من الخشب بينما كانت المعامل في أيام الحرب لا تستخرج من هذا المقدار سوى (٦) ليترات. . . ولا يزال هذا التطور في أول أمره ولا نعرف إلى أي حد يصل في المستقبل.

стр. 94

العدد ٢ - بتاريخ: ٥ - ٥ - ١٩٣٣

стр. 95

بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني وكامل عياد - دمشق في ٥ أيار ١٩٣٣ - ١١ المحرم ١٣٥٢ المدنية والثقافة والإصلاح للفيلسوف الدكتور رضا توفيق تعريب جميل صليبا لقد خالج نفسي منذ زمان طويل أمر حيوي هو من الخطورة بمكان، حتى لم يعد في وسعي مخالفة ميلي إلى البحث فيه وإبداء رأي شخصي في أحسن أساليب النظر إليه بصورة موافقة لمصلحتنا. وهذا الأمر الحيوي الذي ما برح ضرورياً هو أمر الإصلاح. ولقد كان من حظي أن سمحت لي هذه المجلة (مجلة الثقافة) بالفرصة المناسبة وأوحى إلي أسمها بالإلهام الضروري لإبداء رأيي للقراء الكرام بحرية. وها أنا ذا أبدأ بذكر جملة من الحوادث التي تضطر الأمم الشرقية كلها إلى شيء من الإصلاح الأساسي. إن التقدم العجيب الذي استطاعت أمم الغرب المتمدنة أن تدركه منذ عصر تقريبا في جميع مناحي الحياة العلمية، هو فتح من الفتوح التي لا عهد لتاريخ الحضارة بها، ولا عرفتها عبقرية البشر قبل أن تطبق الاختراعات الهامة على الصناعة تطبيقاً مفيداً. ولقد اتسعت العلائق التجارية على وجه الأرض حتى وصلت إلى أقصى المناطق المجهولة، فاستحكمت أواصر التعاضد الدولي بصورة لا تقبل الانفكاك وتولدت من ذلك مصالح مشتركة بين الأمم. حتى لقد صارت معرفتنا بها أوضح مما هي عليه وتفهمنا لها أدل على طبيعتها. ولو لم يكن من هذه المصالح المشتركة إلا توقف السلام العالمي على اتساقها والحرب على اختلالها لكفى بذلك دليلاً على أهميتها. وكان من نتيجة تزايد هذه العلاقات واشتباكها أن، تلاقى الشرق بالغرب واصطدمت حضارة كل منهما بحضارة الآخر، فأدى ذلك إلى وهن الحضارة الشرقية، وقد كان لها مع ذلك جمال خاص وقيمة سامية. ثم ولدت هذه الصدمة العظيمة في روح الشرق الساكن هزة عنيفة اقتنع الشرقيون على أثرها أنه لا محيد لهم عن إصلاح أساسي عام يتناول جميع الأوضاع الاجتماعية فأما أن

стр. 96

يؤالفوا المدنية الحديثة كيفما اقتضى الأمر وإما أن يصبحوا عبيداً لغيرهم أو يبيدوا في معترك لا رحمة فيه ولا هوادة. هذا ما حمل مدعي الإصلاح في الشرق على هم أكثر الأوضاع التي كانت إلى أيامنا هذه من الدعائم الراسخة في كيان المدنية القديمة فنشأ على ذلك أزمة اجتماعية مخيفة كاد زلزالها يهدم كل شيء. وفي الحق أن هذا الصراع الاجتماعي قد زعزع الشرق كله فلا ترى من شواطئ البوسفور إلى ساحل البحر الأصفر إلا موجاً من الزلازل وسهاماً من الفتن العمياء. ولم يقتصر هذا الاضطراب على الشرق وحده بل مادت به الأرض كلها، حتى قيل أننا بلغنا من التاريخ دور الانحطاط والخراب، وأطن أننا لم نهو إلى ذلك الدرك إلا لفقدان التوازن العالمي، وذلك كان الإصلاح الذي نوهنا به ضرورة لا محيد عنها أبداً. درست باهتمام شديد بعض صور الإصلاح الأساسية التي حصلت أو شرع بها طائفة المصلحين في بعض ممالك الشرق الأدنى. فلم أتردد في الحكم بأن أكثر هذه الصورة الموهومة للإصلاح أقرب إلى الهدم منها إلى البناء. أنا لا شك في سلامة نية هؤلاء المصلحين ولا في أقدامهم ووطنيتهم، ولكنني أتهم جرأتهم وإفراطهم المضر. لأن هذه الجرأة المفعمة بالطيش تحملهم على إتباع أساليب الثورة التي أستقبحها وأكرهها. وإنني لعلى يقين أن كل طفرة في الإصلاح تدل على جهل بحاجات الحياة وسخر بالطبيعة البشرية. ولا يجوز أن تضحى هذه السنن الطبيعية مهما كان السبب. وقد يكون للمصلحين فائدة عظيمة في استنباط مهديات الفكر من دروس فلسفة التاريخ، وهي لا تبخل بذلك على الذين لا يأنفون من استشارتها. أما أنا فأريد أن أسترعي انتباه قرائي إلى مسألة واحدة أبين لهم فيها كيف أن الالتباس في كلمتي مدنية وثقافة قد يضل المصلح الجريء ذا الرواية والعزم فيقود غيره إل الخسران الذي لا يمكن تلافيه. يريد المصلحون أن يأخذوا بالمنية الغربية للأسباب التي شرحتها وربما كنت أنا نفسي أكثر حماسة من جميع الراغبين في هذا الإصلاح. نعم ولكن ما هي المدنية؟ المدنية هي حالة اجتماعية تهيئ للإنسان جميع الوسائل والشروط الضرورية التي يستطيع بها أن يحقق الرفاه في الحياة على قدر طاقة البشر. وذلك بارتقاء الصناعة ونموها المتصل

стр. 97

وتحسين الأوضاع الاجتماعية شيئاً فشيئاً. وهكذا فإن شكل الحكم الموافق لشروط الحياة الاجتماعية في أمة من الأمم أفضل من غيره من الأشكال لأنه يضمن حقوق الأفراد فيها. والمساكن الحديثة أرقى من الأكواخ الأولية الحقيرة لأنها أقرب إلى شروط الصحة ولوازم الرفاه. وكذلك الجسر الذي أنشئ فوق النهر أحسن من جذع الشجرة الملقى فوق الجدول. فالمدنية إذن تابعة للوسائل المادية التي استطاع الإنسان في أدوار حياته المتابعة أن ينتزعها من المحيط ويسخرها لمقاصده العملية. وأعني بذلك الوصول إلى درجة علية من الرفاه والراحة. هذا حال المدنية في ماضيها ومستقبلها. وأحسن مثال على ذلك العصر الحجري وعصر النحاس وعصر الحديد وعصر البخار والكهرباء، فإنها أدوار تاريخية مختلفة تدل على أن الحضارة لا تغير إلا الوسائط أما الغاية التي ترمي إليها فلن تتغير أبداً. ومدنية العصر الحاضر لا تشذ عن هذه القاعدة لأنها صورة جديدة متولدة من تطبيق الاكتشافات العليمة على الصناعة، وغايتها لا تختلف عن غيرها. لأن الضارة إنما ترمي دائماً لإيجاد الرفاه وحفظه. أما الثقافة فهي على عكس ذلك لأنها ثمرة من ثمار التربية الاجتماعية التي توارثتها الأجيال وما برحت تنتقل من دور إلى آخر حتى انتهت إلى طور من الأخلاق والتفكير والأدب لا عهد للإنسان به من قبل. لولا الثقافة لما تكاملت معرفة الإنسان بما يجب عليه نحو الإنسانية، لولا الثقافة لما أدرك الإنسان غاية اتساق الطبيعة البشرية في نظام الكون ولولاها لما رق ذوقه ولا لطف ولا اتسع خياله المبدع. والإبداع هو المنبع الفياض الذي تنبجس منه صور الفن وتتغذى بوحيه الطبيعي اكتشافات العلم العجيبة. فالثقافة هي إذن بهذا المعنى صورة شخصية وطابع جنسي، لا بل هي قوة حيوية تصان بها عبقرية الشعب ووحدته. فللعرب مثلاً مزايا روحية نشئت عن ثقافتهم. وكما تجعل المزايا الجنسية ملامح العربي مختلفة عن صور الآخرين فكذلك يولد المزاج الجنسي والاستعداد الطبيعي صورة شخصية من الثقافة مختلفة عن غيرها. ولولا صفات العربي الجنسية وثقافته وأخلاقه التالدة ولغته المهذبة وجمال أدبه وروعة تاريخه المجيد لما استطاع أ، يحافظ على شخصيته الجنسية بالرغم من تقلبات الزمان

стр. 98

وطوارئ الحدثان. بل مما هو جدير بالإعجاب أن العربي استطاع أن يتغلب بثقافته ودينه على جميع الأمم الحربية التي غلبته بالسيف والقوة الغاشمة. وشبيه بذلك أيضاً حال اليونان والفرس. فالرومان غلبوا اليونان الضعفاء بقوتهم المادية. ولكن اليونان انتصروا على رومة بثقافتهم. لقد انتصرت تلك الأمة الضعيفة أمة النبوغ والعبقرية على رومة القوية دولة الفتح والسلطان لأن ثقافتها كانت عالية وهي منبع الثقافة الأوروبية في عصرنا هذا. وكذلك الفرس فقد غلبوا بثقافتهم جميع الأمم التي غلبتهم واكتسحت بلادهم. ولو لم يكن من الثقافة إلا اتصال عبقرية الشعب الحي بروحها الخالدة لكفى بذلك دليلاً على خطورتها. ولذلك كانت الحركة من شرائط المدنية لأنها لا يمكن أن تقف وتجمد، ولو جمدت لأشرفت على الهلاك كمدنية الصين الراكدة، فلا حياة للمدنية إلا بالحركة الدائمة ولا بقاء لها إلا بالتقدم المطرد ضمن نطاق الأسباب الاقتصادية، فإذا كان ضوء الكهرباء أجمل وألطف وأرخص وأنسب فمن الخطل إضاءة المنازل بنور الزيت أو بنور (البترول). ولذلك أيضاً كان لا بد من الأخذ بالوسائل النقلية والتنظيمات التجارية والإدارية وغيرها من مظاهر المدنية المختلفة. فعلى المصلحين إذن أن لا يترددوا في تفضيل مظاهر المدنية الحديثة على مظاهر المدنية القديمة. لأنه لا بد لهذه المظاهر من تغيير عاداتنا القديمة بالتدريج وتبديل أخلاقنا شيئاً فشيئاً. أما القضاء على الأوضاع الاجتماعية وهدم اللغة القومية وتبديل الثقافة والعقائد الدينية والخلقية واستبدال غيرا بها في سبيل التجدد فليس ذلك كله إلا ضرباً من ضروب التهور والتي الباطل. لأن لهذه الأوضاع الاجتماعية صلة بروح الشعب وحياته التاريخية، فليس بالإمكان تغييرها دفعة واحدة وتجريد الشعب منها كما يجرد البدن من القميص القذر. أنا لا أدعي أن في وسع أمة من الأمم أن تسلم من التأثر بثقافة أعلى من ثقافتها. وقد قلت أن ثقافة أوروبا المتمدنة هي يونانية محضة. ولكن أوروبا لم تتصف بهذه الثقافة اليونانية إلى بعد أن انقضى على عهد نهضتها عصور عديدة. فلس بوسع أمة أن تأخذ بثقافة أعلى من ثقافتها إلا بالتدريج لأن التأثر بتلك الثقافة مع جني غرسها والاتصاف بها كل ذلك يحتاج إلى زمان. غير أن طريقة الثورة تسخر بهذه الشروط الذاتية والأسباب الطبيعية

стр. 99

وتهزأ بالزمان وتفضل الطفرة عليه مع أن الزمان هو المبدأ الكلي والعلة الضرورية لكل نوع من أ، واع التغير. وأريد قبل الانتهاء من هذا البحث أن أضيف كلمة واحدة إلى الاعتبار السابق. ما من أمر هو أكثر إفساداً للأخلاق وتفكيكاً لعرى الحياة وآذٍ لكيان الأمة الناهضة من ثقافة غريبة ساء تمثيلها وفسد الاتصاف بها. ولقد أثبت التاريخ ذلك ودلت على صحته التجارب الاجتماعية والسياسية فلم يعد بالإمكان جهله. أقول هذا ولا يزال يخالج نفسي أمور كثيرة أري أن أقولها غير أني لم أجد من المكان والزمان متسعاً، ولعلي لا أعدم فرصة يتهيأ لي بها ذلك فأعود إلى هذا البحث مرة ثانية. الدكتور رضا توفيق

стр. 100

بين الأدب والأخلاق للأستاذ السيد محمد رضا الشبيبي جئتها كارهاً وأخرج منها ... كارهاً فالمجيء مثل الذهاب هي دار الأعمال فأعمل لتلقى ... بعد دار الأعمال دار الثوار أجل أن بلغته حق موت ... وكذا الحق في بلوغ النصاب أنا ما مكبري ومطري خلالي ... عارف من أنا خبير بما بي أنا من لست حين أسأل نفسي ... سر نفسي مزوداً بجواب أنا من لست دارياً بغدوي ... أو رواحي ماذا يكون اكتسابي أنا في البحر قطرة أو يخفى ... عنك ما شأن قطرة في العباب حجبت طلعة الحقيقة عني ... ليتها تستشف خلف الحجاب أسفري يا مليحة الدل إني ... صرت أزداد فتنة بالنقاب لست أغتر بالصواب أراه ... خطأ المخطئين أصل الصواب عز قوم لو حوسبوا لأفاقوا ... رب عز ينسيه ذل الحساب كثرة في القشور قد نقلوها ... عن سواهم وقلة في اللباب محمد رضا الشبيبي

стр. 101

الثقافة للدكتور عبد الرحمن شهبندر إذا كان رمحك معوجّاً وكان عليك أن تبرز للطعان في الميدان فلا بد لك من تقويمه وتسويته، وهذا هو أصل التثقيف في اللغة العربية، ومن هذا المعنى البسيط المحسوس انتقل العرب بطريق المجاز إلى المعنى المركب المجرد فقالوا إذا كان ولدكمعوجّاًً وكان عليه أن يبرز للطعان في معترك الحياة كما هو المنتظر فلا بدَّ لك من تثقيفه وهو التقويم والتسوية. ومن الهين أن نقول أن في الثقافة وهي مصدر ثقف اللازم معنى الاستقامة وأن خالفنا الذين أنكروا ذلك لقولهم إن هذا المعنى لم تنص عليه كتب اللغة التي بأيدينا فطريق الانتقال بينة ومحجته واضحة، ومن اللغو كل اللغو أن يحاول بخلاء الكلام المتحذلقون التقتير علينا بمال لا يمتلكونه وطعام لا يذوقونه، فاللغة الحية مثل الشجرة الباسقة تعيش وتنمو حتى بعد موت من زرعها بيه وتعهدها بعنايته. وإن كان هذا النمو متوقفاً على تلك الأصول المنتشرة في الأرض ومرتبطاً بالساق الصاعدة منها وقد أجاد العرب كثيراً في نظرهم إلى التثقيف المعنوي إنه سلاح يتذرع به الأعزل فيصير أهلاً للكفاح. وقد يكون تاريخ اللغة وتدرج الكلمات من المحسوس إلى المجرد بطريق المجاز أن الاستعارة أهم مفتاح لمعرفة وجهة النظر في الأقوام المختلفة والسجل الذي تعرف به مناحيهم العقلية. وأذكر أن اتحاديي الترك أرادوا أن يترجموا القرآن إلى لغتهم الأصلية قبيل الحرب العالمية فلما وصلوا في ترجمة الفاتحة إلى أهدنا الصراط المستقيم والهداية هي الإرشاد بلطف قالوا (بزي طوغري يوله قامشيله) أي أدفعنا اللهم بالكرباج إلى الطريق المستقيم - فكأن لغة الترك تأمر بالهداية على طريقة القومانده العسكرية ليس إلا. وإذا كان العرب قد اتخذوا من تقويم الرماح كلمة التثقيف لتقويم النفوس فإن الإفرنج اتخذوا من فلاحة الأرض كلمة (كولتور للدلالة على الثقافة، فوجهتنا في هذه الكلمة صراع وكفاح وعراك ووجهتهم اقتصاد واستثمار واستعمار فكأني بهم يقولون أن التثقيف هو حرث الأدمغة بسكة العلم وزرعها ببذور التربية وسقيها بماء الأدب وتعهدها بنور الفن لتصير دوحة يستظل بظلها المتعب ويأكل من ثمرها الجائع - أو لتصير قوة هائلة تطغى على

стр. 102

البلاد البكر المستضعفة فتستعمرها وتمتص خيراتها. ومن حسن الحظ إننا معاشر العرب لسنا دائماً في مجازنا على هذه الشدة وهذا البطش فقد لطفنا الأخلاقبالتدميث كما قومناها بالتثقيف واستعرنا كلمة (التدميث) هذه من معنى بسيط جداً أيضاً قد اختبره كل من افترش الأرض في البيداء والتحف السماء. فالتدميث كلمة مشتقة في الأصل من المكان الدمث إي الهين اللين المفروش بالرمل الطري، قال صاحب المثل (دمث لنفسك قبل النوم مضطجعاً) يعني إزالة الحجارة الناتئة والأشواك الواخزة والحصى المبعثرة من مضجعك في الكهف أو في الصحراء لتنام نوماً هانئاً مطمئناً على الرمل الوثير وكذلك أزل الخشونة البارزة والفظاظة الموحشة والعيوب الشائنة من ابنك بتدميث أخلاقه ليصير رجلاً وليرتاح إليه الناس، والفراش الوثير الذي يدعو إلى الارتياح هو دماثة النفوس أكثر مما هو دماثة الأمكنة وإن كنا لا ننكر أن الناس شعروا بوعورة المضاجع قبل أن يشعروا بوعورة الأخلاق. وقلنا في لغتنا أيضاً بتهذيب الأخلاق وهو من باب المجاز على طريقة الفلاحة التي سار عليها الإفرنج لأن التهذيب في كتب اللغة هو إصلاح الشجر ولاسيما النخل وقطعه وتنقيته من الليف ليعطي ثمراً أكثر، والنفس التي تهذب فتقطع منها الأغصان اليابسة وتزال عنها الألياف تكون صالحة للاستثمار في حديقة المجتمع ولا يتعذر على اللغوي أن يستخرج مثل هذه المعاني الاستثمارية من كلمتي التربية للتنمية والتحضير للإقامة على الماء الدائم فيكون الرجل المربى هو الرجل النامي كالدوحة الباسقة يستظل بظلها الناس والرجل الحضري هو الذي أقام على الماء صيفاً وشتاءً فشرب منه وسقى به حتى أخضل ربعه وامتلأ ضرعه، والماء أصل الحياة ولا ثقافة يعتد بها حيث لا حضارة يعاش تحت سقفها. وفي صيف سنة ١٩٢٦ نزلت على قبيلة الخرشان في البادية البيداء فسألت نفراً من أبنائها في جملة ما سألتهم ما قولكم في البداوة والحضارة فقالوا من أمثالنا البدو في شقى الدنيا والفلاح حمار الدنيا والحضري ابن الدنيا وفي ظني أن الحضري ما صار ابن الدنيا إلا لأن الحضارة جهزته بالثقافة فاستثمر الأرض وعرف كيف يشق طريقه إلى بطنها فينمو من عناصرها ويرضع من خيراتها.

стр. 103

ومما هو حري بالتدوين أن الألمان هم أكثر الغربيين ميلاً إلى ربط الثقافة باستثمار خيرات الأرض حتى كادت كلمة وهي الثقافة في لغتهم تنطبق عندهم على أصل الفعل الذي اشتقت منه وهو فلاحة الأرض بأ، سع المعاني. وللبحاثة (بارت) نظريات سبع مشهورة لتعليل تاريخ البشر على ظهر الأرض منها الثقافة بهذا المعنى الاستثماري يعني أن الوسائط التي تتسلط بها الأمم على الطبيعة لإدارتها واستدرار خيراتها هي سر النشوء في مجتمعها وهي ثقافتها، ونحا (ماركس) رسول الاشتراكية هذا النحو أيضاً فقال أن العالم المؤثر في النشوء الاجتماعي هو القوى المادية المنتجة يعني أن ينابيع الثروة والآلات التي يستخدمها الإنسان والأجهزة التي يستعين بها كل ذلك يكسب الناس شكل الحياة الاجتماعية التي يتمتعون بها. فتكون الأفكار المنتشرة بينهم نتيجة ما هم عليه من الطرائق الإنتاجية التي توصلوا إليها، فإذا كانت هذه الطرائق راقية دقيقة التركيب وكثيرة المحصول فالحياة الاجتماعية راقية على نسبتها والعكس بالعكس. فلا عجب أن تكون البلاد الصناعية أرقى من البلاد الزراعية وهذه رقى من بلاد المراعي. وقصارى القول أن (ماركس) يقول أن وسائل الإنتاج في المجتمع وما يبنى عليها من العلاقات بين الناس تؤلف النظام الاقتصادي في الهيئة الاجتماعية، وهذا النظام هو العالم الأساسي في تكوين النشوء العقلي في الشعوب. وقسم أحد كبار العلماء التاريخ إلى عصر ثلاثة (الأول) عصر فن البناء وصب القلزّ وقطع الحجارة. (الثاني) عصر المخترعات الثلاثة الإبرة المغنطيسية وهي (البوصلة) والبارود والطبع. (الثالث) عصر الآلات البخارية، فكل عصر من هذه الأعصر هو ثقافة بحد ذاتها، ونحن وإن كنا أبعد الناس عن إنكار الروابط المتينة بين الثقافة وطريقة استثمار الأرض إلا أننا نرى أن هنالك بواعث أخرى غير البواعث المادية للمظاهر الاجتماعية المعنوية، ولا تزال الثقافة في نظرنا صقلاً برانياً جوانياً يصقل به الرجل الخام في معامل التربية العقلية والروحية فيصير إنساناً، وتظهر الثقافة بأجلى مظاهرها بالمقارنة بين الأجلاف الخشنين والمهذبين الناعمين. يعرف الجلف بهجر القول والحركات الثقيلة والتصورات المبتذلة ويعرف المثقف بالألفاظ المنتقاة والسيرة المنظمة والأفكار المشذبة.

стр. 104

تعاشر المثقف فلا تمل حديثه وتتمنى لو يكتب لكما العيش معاً ردحاً من الزمن وتصادف الجلف في حافلة أو في سيارة فتتمنى أن تنتهي السفرة ولو بصدمة أو انخراق عجلة لتخلص من سماع الحديث ورؤية الحركات والسكنات. ومن أدعى دواعي الأسف أن ليس كل من تروض بالعقليات والأبيات صار مثقفاً فقد رأينا أناساً تخرجوا في أرقى الكليات الجامعة ومع ذلك فالتربية الأولى والمعاشرة الأولى والميراث المتصل بالآباء والجود بقيت آثارها متغلبة فلم يفد فيها لا صقل البكلوريا ولا طلاء معلم علوم. ولا شك أن القابلية الطرية شرط جوهري لقبول الثقافة، ومن حسن حظ البشر أن هذه القابلية منتشرة في جميع الأوساط ولولا ذلك ما كانت هنالك فائدة كبيرة ترتجي من معاهد التهذيب أو مؤسسات التربية والتعليم. ولا يفوتني بع ما أظهرت ما للثقافة من المقام الاجتماعي وما أشرت إليه من الروابط المتينة بينها وبين النظم المادية في الجمعية البشرية أن أقول أننا إذا أردنا أن تكون لنا ثقافة قيمة وأن نقوم بنصيبنا في خدمة الحضارة فلا بد لنا من العناية التامة بشؤوننا الاقتصادية ومؤسساتنا الصناعية والزراعية، ولا تقل تلك المعامل التي أنشئت في البلاد حديثا شأنا في رفع المستوى الأدبي عن معاهد العلم والتربية لأن هنالك شبه إجماع بين أهل البحث على أن المعيشة الفردية البسيطة المنعزلة التي تغنى بها أبو العلاء المعري وأمرسون وتولستوي وفاجنر وأمثالهم لا يجوز تطبيقها على المجتمع كاملاً وأن الفلسفة التي صبت إليها نفوسهم وخلاصتها العيش البسيط والفكر السديد هي فلسفة لذيذة وحكمة بالغة ولكنها تليق بالنبغاء الممتازين لا بالدهماء من الناس ولو قدر لهؤلاء الزهاد كما قال أحد العلماء أن يستميلا العالم إلى الاحتذاء بهم وأن يستغووه ببساطتهم في المأكل والمشرب والملبس مع إغفال الأعمال الاقتصادية الناجزة لأصبح تهذيب الجماعة بسيطاً مثل حواطاتهم الخالية الخاوية ببيوت مؤونتهم - ذلك لأن الأفراد إذا قضوا حياتهم في بيئة اقتصادية بسيطة فإن النشاط العقلي والروحي والبدني فيهم يكاد يصبح مستحيلاً. ومن كانت معدهم جائعة فعقولهم مصروفة بحذافيرها إلى الحصول على الطعام، ولن يكون فيها مجال متسع لمقومات الثقافة من فن وعلم ومقاييس في الأخلاق راقية. القاهرة في ١٩ آذار سنة ١٩٣٣

стр. 105

عبد الرحمن شهبندر

стр. 106

الجمال تعالى المبدع القدُسُ ... مثالٌ عنه مقتبَسُ ومرآةٌ عليها نو ... رُ وجه اله ينعكس فما أدري أظلُّ الل ... هـ أم من نوره قبس بدا كالشمس لكن سرّ ... هـ في الفهم ملتبس فقالوا إنه نِسَبٌ ... بها الألباب تختلس وفوق حدودهم روح ... طليق ليس يحتبس ضلال أن يحد بما ... رأوه منه أو لمسوا يطلُّ عليَّ من عين ال ... حبيب ولحظهُ خلس فينفي النوم عن عينيَّ ... وهو بعينها نعس ويجري ماؤه في وج ... هها فيكاد ينبجس ويذكو عرفه في ثغ ... رها مارُدّدَ النفس ويزهو بين عطفيها ... هناك التيه يلتمس شجاني أنه عرَض ... معالمه ستندرس ونبتٌ أن يهج يوماً ... فغاية أمره اليبس خليل مردم بك

стр. 107

آدابنا العربية ناحية من نواحي نقدها للأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي من كتابنا المعاصرين طائفة حديثة النشأة اتخذوا لأنفسهم طريقة جديدة في الكتابة ترتكز علباً على الأدب الإفرنجي. وتحتذي مثاله في الأسلوب الإنشائي. وأنا أرى أن هذا لا يضر آدابنا العربية بل هو اقتباس أو تطور طبيعي في لغات الأمم وآدابها فإن بعضها يقتبس من بعض أساليب كما يقتبس ألفاظاً. لكن هؤلاء المجددين أفرطوا في انتحال أساليب الإفرنج وأكثروا الغض من أساليب كتابنا الأقدمين. إلى حد أن عطلوا - أو كادوا يعطلون قواعد اللغة العربي: فهم لا يبالون نحوها ولا صرفها ولا يتكلفون عناء مراعاة هذه القواعد في خطبهم وكتاباتهم. بل ذهبوا إلى أبعد من هذا: فزعموا أن كل كلمة عربية مجَّها ذوقهم وجب أن تموت ويخلفها من كلمات الأعاجم وتعابيرهم ما شاءوا وأحبوا. وكنت منذ ربع قرن صنفت كتاباً سميته (الاشتقاق والتعريب) جوزت فيه ماجوزه أدباؤنا الأولون من استعمال الكلمات غير العربية في الكلام العربي وأثبت أنها لا تخل بفصاحته. ولا تنزله عن درجة بلاغته. ثم إني كدت أندم على هذا التأليف إذ بلغني أنه أصبح أداة بيد بعض المجدين فاتخذوه حجة لمذهبهم في اصطناع الكلمات الأعجمية بمقياس أوسع مما كنت قررته في كتابي المذكور. ولا يخفى أن أدباءنا الذين كتبوا في فن البلاغة اختلفوا في بلاغة الكلام وفصاحته أمرجعها اللفظ أو المعنى؟ فبعضهم جعل استجماع شروط الحسن في اللفظ هو معظم الفصاحة وجمهورها. وقد راجت هذه الفكرة من بعد عهد الجاحظ. ونفق سوق الكلام الضروب على غرارها أيما رواج. ولاسيما في أواخر القرن الرابع للهجرة أي في عهد ابن العميد وتلميذه الصاحب بن عباد. وبقيت طريقة هذه المدرسة اللفظية - أي التي يعنى فيها بتجويد اللفظ - سائدة في بلاد العرب وفي دواوين ملوكهم الأعاجم حتى كان خاتمة أئمتها القاضي الفاضل في أواخر القرن السادس.

стр. 108

ثم من بعد هذا العهد أفل نجم فن البلاغة وأظلم البيان العربي وأصبحت الكتابة فيه صناعة لفظية محضة، لا تعبر عن نفسية الكاتب ولا تميز شخصية أديب عن شخصية أديب آخر. وإنما أصبح كل من كتب تقريباً (فنوغرافاً) يحكي لنا صدى أفكار المتقدمين ويسرد علينا تعابيرهم بتغيير طفيف. وهذا ما حمل أدباء الإفرنج على نقد آدابنا العربية بالجملة، والإزراء بكتاباتنا الأدبية من دون تفريق، حتى قالوا: أنها ألفاظ ترن وجعجعة من دون طحن مع إن بلغاء كتابنا الأقدمين إلى عهد الجاحظ ما كانوا يقيمون للألفاظ رزناً كما فعل من بعدهم: فكانوا يرون أن البلاغة هي المعاني الجميلة الخلابة التي تلبس من لبوس الألفاظ القدر الذي يناسبها، ولا يكون فضاضاً عليها. ولعل الجاحظ من أرباب هذا المذهب: فهو لا يبالي الألفاظ والتأنق فيها والتكلف بها. لك يرسلها كيفما اتفق من دون تعمل ولا تكلف. وكأن سجاحة الألفاظ في عبارة الجاحظ وخلوها من التأنق وتكلف الاستعارة والمجاز والكناية وأفانين الصناعة اللفظية أصبح أمره متعالماً مشهوراً حتى للمتقدمين من أدبائنا: فالبدي الهمذاني جعل في مقاماته هذه: أن عيسى بن هشام ورفاقه كانوا في بعض مجالس الأدب يفاضلون بين الكتاب ولاسيما الجاحظ وابن المقفع. وكان أبو الفتح السكندري (بطل مقامات البديع) مشغولاً بالتهام ما قدم إليه من الطعام حتى إذا اكتفى التفت إليهم وقال: أين أنتم من الحديث الذي كنتم فيه؟ قال عيسى بن هشام. فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه. وحسن سننه في الفصاحة وسننه. فقال أبو الفتح ياقوم لكل عمل رجال. ولك مقام مقال. ولكل دار أركان. ولكل زمان جاحظ ولو انتقدتم لبطل ما اعتقدتم. فكل كشر له عن ناب الأنظار. وأشم بأنف الإكبار. وضحكتُ له لأجلب ما عنده. وقلت: أفدنا وزونا. فقال: إن الجاحظ في أحد شقي البلاغة يقطف (١). وفي الآخر يقف والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره. ولم يزر كلامه بشعره. فهل ترون للجاحظ شعراً رائقاً؟ قلنا لا. قال: فهلموا إلى نثره فهو بعيد الإشارات. قليل الاستعارات. قريب العبارات. منقاد لعريان (٢) الكلام يستعمله. نفور من بديعه يهمله فقل سمعتم له لفظة مصنوعة. وكلمة غير مسموعة

стр. 109

(٣)؟ قلنا لا. ثم ختم أبو الفتح كلامه بأنه هو أفضل من الجاحظ. ولا نسمح لأنفسنا أن نقول: أن حسن الألفاظ لا شأن لها في البلاغة والفصاحة وإنما نقول: إن الإفراط في التأنق ومراعاة الصناعة اللفظية يؤدي إلى التكلف والإحالة وأن الاهتمام بانتقاء الألفاظ والحرص على حشرها في الكلام يلهى السامع عن تعقل المعاني فيضطرب فهمه. وتنقطع سلسلة تفكيره. ويقد الكلام قوة تأثيره. وإذا ضاع التأثير ضاع كل شيء. فالمعاني طيور. تحملها أجنحة الألفاظ إلى أوكار الأذهان. فإذا لم تكن الأجنحة خفيفة مرهفة، بل كانت كثيفة مثقلة بضروب الزينة والجمال مصنوع ثقلت الأجنحة فوقع الطائر دون الغاية. فلنجتهد إذن في أن تكون أجنحة الفاظنا كأجنحة الطيور وإلا عجزنا عن إيصال المعاني إلى الأفكار. والطيور إلى الأوكار هذا ما عابوا به آدابنا العربية بوجه عام. ويمكننا ن نشير إلى بعض ما عابوها به بوجه خاص. ذلك أن طائفة كبيرة من أدبائنا أولعوا باستعمال مجازات وكتابات وإشارات لها معان يقبح ذكرها. وتنفر النفس من تفسيرها. ففي أواخر القرن الماضي كتب بعض كتاب العرب في جريدة (الجوائب) التي كانت تصدر في الأستانة لمحررها العلامة (أحمد فارس الشدياق) مقالاً انتقد فيه الآداب الإفرنجية وقال: إن الإفرنج ليس له ذوق في الأدبيات. وكان حامل راية الأدب في ذلك العصر (نامق كمال) أديب الترك المشهور. فرد على الكاتب العربي قوله ولمز (الأدبيات العربية) فقال: نحن لا ننكر سعة اللغة العربية ولطافتها ولا مهارة أدباء العرب وفطانتهم حتى أن آثار العرب الأدبية ترجح على مؤلفات كل لغة. ولكن القول بأن أدباء الإفرنج مجردون عن الذوق لا يمكن التسليم به. وإن قول أدباء العرب (يفتض إبكار المعاني) و (فلان أبو عذر هذا الأمر) و (قول امرئ القيس فمثلك حبلى إلى إذا ما بكى من خلفها الخ) وقول الحماسي: وفخذان بينهما نفنف الخ وقول ابن النبيه في وصف الخمرة (عذراء واتعها الغمام أما ترى - منديل عذرتها بكف سقاة) - وغير ذلك من التعابير الشائعة في منثور أدباء العرب كل ذلك لا يمكننا إلا أن نعده منافياً للذوق الأدبي السليم. لكن (نامق كمال) عاد فاعتذر في المقال نفسه عن وقوع هذه الهنات في آدابنا العربية

стр. 110

أحسن اعتذار وأشده إيجازاً فقال: (علي أنه إذا كان في هذه الهنات الأدبية خطأ فينبغي أن نلصقه بالآداب لا بالأدبيات) كأنه يريد أن يقول: يجب أن نلصقه بآداب الشاعر لا بأدبيات اللغة. فنقول مثلاً: إن العيب في امرئ القيس وأبي نواس وعبد الله بن حجاج: فهم المسئولون عن قبح قولهم وليس المسؤول عنه (الأدبيات) العربية فهي بريئة من العيب وليست مؤولة عن عيب غيرها. ثم قال (نامق كمال): (على أن هذه التعابير القبيحة إذا كانت منافية لحسن الذوق فليست منافية لحسن الصنعة) يعني أن النفوس الفاضلة والأذواق السليمة تمج به الأقوال من جهة قبح معانيها لكنا ترتاح إليها وتعجب بها من جهة ما فيها من جمال الصنعة وابتكار المعنى وانتهاز النكتة. وهذا كالصور يصور لك صورة بشرية عارية فتستحيي منها. وتنال من مصورها عند أول وهلة ثم لا تلبث أن تعجب بها وتثني على صدق المصور ومقدرته على محاكاة الطبيعة. ثم ختم (نامق كمال) رده على الكاتب العربي الذي قال أن الإفرنج ليس له ذوق في (الأدبيات) - بقوله: (إن انتقاد الأدب الإفرنجي ينبغي أن يكون بدراسة أقوال أدباء الإفرنج المشهرين وتقليب النظر في ما تركوه من الآثار البديعة - لا بقراءة ما تخطه أقلام محرري الصحف في جريدة الطان والتيمس ونحوهما) المغربي
следующие страницы →