Полный текст (812 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الإعراب إلى سنة ٨٨٣ (ص٢٠٤) إذ ذكرت اسم سيف بن نعير الغاوي وعصيانه وخروج نائب حلب لتأديبه وفراره واضطراب أحوال حماة بسبب ذلك، وذكرت (ص٢٣٤) في أحاث سنة ٩٩٢ التي فتح السلطان سليم فيها الشام أسماء أرباب المقاطعات الذين كانوا يضمنون الخراج للدولة مقابل أموال يتعهدون بها وعدت منهم مدلج بن ظاهر من آل جبار أمير عرب الشام وكانت منازل قومه في سلمية وعانة والحديثة ثم ذكرت في (ص٢٤٨) إن المتغلب على أكثر البر في غرة القرن الحادي عشر كان الأمير شديد بن أحمد حاكم العرب من آل جبار وإنه كان كاسمه ولقبه جباراً ظالماً عنيداً. وذكرت في أحداث سنة ١٠١٧ أن فرقة من عرب آل جبار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من العراق فوصلوا إلى تدمر وانضم إليهم قوم من جند السكبان العصاة فعاثوا معاً وافسدوا إلى أن أوقع بهم نائب دمشق وشتتهم. وهذه المرة الأولى التي يظهر فيها اسم (أبي ريشة) في الخطط. ومن الغريب أن آل جبار هؤلاء ذكروا في الخطط المستندة على مصادر مفروض فيها الصحة بلقب آل جبار بينما حيدر الشهابي في تاريخيه وكاتب جلبي في جغرافيته ذكراهم وصاحب الخطط وصاحب تاريخ حلب ذكرهم أيضاً مرة واحدة - بلقب آل الجبار حتى أن الشهابي استعمل ذلك مراراً منذ سنة ٦٨٠ التي ذكر فيها عيسى بن مهنا بلقب الحياري كما لقب أعقابه من بعدة بالحياريين. والثابت عندي أن في الأمر تصحيف ناخ جعل هؤلاء المؤرخين يقرأون كلمة جبار (حيار) ويصل الوهم بالشهابي إلى إلصاقها بأسلاف جبار أي بأبيه مهنا وبجده عيسى بن مهنا، بينما لا القلقشندي ولا ابن خلدون ولا أبو الفداء ولا غيرهم استعملوا هذا اللقب لهؤلاء الأسلاف فإذا كان هؤلاء المتقدمون الثقاة الذين عاصروا آل عيسى في القرن الثامن والتاسع لم يذكروا هذه الكلمة فحري بنا أن ننسب للمتأخرين الوهم وعدم الانتباه للتصحيف ونحكم بأن كلمة الحيار لا أصل لها وأن أولاد أبي ريشة فخذ من آل جبار، الذين هم بطن من آل عيسى بن مهنا آل فضل بن ربيعة الطائي.
وظل حيدر الشهابي يردد أسماء وأحداث الأمراء الحياريين الذين نشأوا في القرن الحادي عشر وصوابه أن يقول الجبارين وهو مع ذكره إياهم بالحيارين - كما كان يذكر من قبل عيسى بن مهنا وأعقابه - صار يلقبهم بأبي ريشة كما لقبهم الجغرافي التركي كاتب جلبي والمؤرخ التركي نعيما في تاريخه أيضاً - وقد عد منهم أسماء الأمير فياض المتوفي سنة
стр. 772
١٠٢٩ وابنه حسين وابن عمه سلطان وابن أخيه مدلج. ذكر نعيما في تاريخه (ج٣ ص٦) أن فياضاً هذا شق عصا الطاعة في عهد السلطان أحمد الأول وحارب أحمد باشا الذي تولى إمارة الأمراء في مصر. وذكر الشهابي أن الإمارة انتقلت بعد فياض إلى ابن أخيه مدلج فقام ينازعه فيها حسين بن فياض وانضم إلى كل منهما فريق من قبيلتهما وجرت بينهما وقائع عديدة وبسبب ذلك اضطر مدلج في أحداها أن يستنجد بالأمير فخر الدين المعني الثاني سيد جبل لبنان في ذلك العهد وقد كانت سيطرته تمتد من القدس إلى حمص وحماة وسلمية ويتصل بأمراء الأعراب ويتخذهم أعواناً له. فجاء الأمير فخر الدين سنة١٠٢٣ بعسكر وفير لنجدة مدلج فلاقاه في مكان بين حمص وحماة وأكرمه وأهداه الفرس سعدة المشهورة. لكن حسين فر مرتاعاً إلى حلب فرجع الأمير فخر الدين دون أن يخوض حرباً. ولم يزل مدلج يقتفي أثر حسين ويكيد له حتى وشى بقتلة مراد باشا الكوسا والي حلب فقتله واستقرت الإمارة بيد مدلج على أنه بقي تابعاً للأمير فخر الدين ولائذاً به يقدم إليه الضرائب والهدايا. وبينما كان الشهابي يلقب هؤلاء بالحياريين وبآل أبي ريشة إلى سنة ١٠٣٤ وإذا به في أحداث سنة ١٠٣٥ يذكرهم باسم الموالي لما طلب الأمير فخر الدين المعني منهم الذخيرة وتمنعوا ورحلوا فلحق بهم حتى عبرهم النهرين. قلت لعل هذه الذخيرة هي الضريبة التي كان يقدمها مدلج ورأى أن يقطعها إذ لم يعد بعد موت رقيبه حسين بحاجة إلى الحماية والمعونة ولما طولب بها رحل بقبيلته خوفاً من الأمير فخر الدين ثم عاد بعد رجوعه أو بعد أن أزالت الدولة وجوده. فاسم الموالي لم يذكره الشهابي إلا هذه المرة فهل نبتت هذه القبيلة سنة ١٠٣٥ وهل كانت تذكر لو لم تكن هي القبيلة التي كانت وما برحت ملتفة حول الأمراء آل أبي ريشة منذ القرن السابع الذي نشأ فيه جدهم عيسى بن مهنا وأفرادها يلقبون بالموالي لأنهم أما عبيد معتقون من الذين ذكرهم كاتب جلبي في جغرافيته أو صنائع أو حلفاء منضمون إليهم.
وفي تاريخ نعيما (ج٣ ص٦٠) أن مدلج المذكور استقر في إمارة البادية سنين عديدة واتسعت سلطته حتى صارت تشمل أعراب بلاد بغداد والموصل. على أنه لم يخل من الموارية فتارة كان يمالئ الإيرانيين الذين استولوا على بغداد في تلك الحقبة وتارة العثمانيين يماشي الأقوى منهما. (على سنة أحد أجداده مهنا بن عيسى الذي قدمنا ذكره)
стр. 773
ولما افتضح أمره وزاد عيثه لاسيما بعد أن فشل الوزير الأعظم خسرو باشا من استرداد بغداد ورجع عنها خائباً اعتزم الوزير المذكور على استئصال شأفة مدلج فأرسل عليه في سنة ١٠٤٠ عسكراً وفيراً فكسروه ونهبوا بلاده وقتلوا من لقوا من أتباعه ففر مدلج مع حاشيته. وبينما هو فار سقط عن فرسه ومات فطلبت الأعراب الأمان وأخلدت إلى الطاعة. ولما كان لابد لهؤلاء من أمير يسوسهم أقام الوزير الأعظم المذكور سعيد بن فياض الذي تقدم ذكره وتاريخ وفاته أميراً عليهم.
وصفي زكريا
стр. 774
شقاء العالم
للكاتب الإيطالي الكبير جيوفاني بابيني
لقد هبط مدينتنا، على غير موعد، معلم اسمه آريل آتياً من إحدى الجزر البعيدة تلك الجزر التي لا يرسمها الجغرافيون على الخرائط بل تظهر من حين إلى حين على سطح البحار، كما تظهر في مخيلة الشعراء. ويقال أن آريل كان منذ زمن بعيد في خدمة أحد الأمراء المنفيين، وإن هذا الأمير المنفي قد باح له بأسرار ليس في وسع الإنسان سماعها أكثر من مرة واحدة. ولعله بسبب ذلك اعتاد ما نستغربه منه كثيراً وهو أنه لا يسمح لأي كان بحضور درسه أكثر من مرة واحدة. لأنه كان يقبل كل من يتقدم إليه بشرط أن لا يكون قد جاءه من قبل. ويطرد كل من يعود إليه مرة أخرى، وليس هناك من يستطيع المفاخرة فيزعم بأنه حضر درسه أكثر من مرة واحدة.
وكنت أقول لنفسي في كل يوم: لاشك أن الأستاذ قد علم أشياء جديدة وغريبة لأن جميع الذين يخرجون من القاعة التي يلقى بها دروسه يسيرون في شوارع المدينة وأزقتها مفكرين تائهين، كأنهم عائدون من عالم جديد أو كان الله بعث بهم أحياء بعد أن كانوا أمواتاً.
ولعل ما سيقوله في الغد من الأقوال ويلقيه من الدروس يكون أعظم وأهم. ولو أني ذهبت لما سمعته غداً ولفاتني اليوم الذي سيعلن فيه أهم تعاليمه وأغربها. لأن هذا الرجل ليس بالمعلم العادي، فيستطيع الإنسان سماع دروسه في كل يوم وحضورها إن كل واحد من تلاميذه عرضة لعذاب الأسف على المجهول الذي لا يعوض.
ولذلك فقد تركت أياماً كثيرة تمر دون أن أحضر درس آريل. فقد كنت أقف على بابه ساعات طويلة، مرتجفاً، قلقاً، متردداً في الدخول. وعندما كان تلاميذ ذلك اليوم يخرجون، كنت أسألهم عما قال المعلم، فلا أظفر منهم بجواب لأنهم كانوا ينظرون إلي نظرات تائهة كالخارج من الحلم ويبتعدون بخطى متثاقلة مضطربة.
وهكذا فقد مضت أيام كثيرة تغير في خلالها مجرى حياتي، إذ أنني أضعت وساوس كتبي وعادتي بتقبيل أمي في كل صباح ومساء. حتى أني نسيت مراقبة طلائع النجوم عندما يصل الليل. وأخيراً بعد أن نفد صبري، وأصبحت عاجزاً عن مقاومة رغبتي أكثر من
стр. 775
ذلك، عزمت على لقاء الأستاذ
وصباح الأمس دخلت مدرسته كالكثيرين غيري من المنتظرين على بابه.
وكانت القاعة واسعة، لا شيء من الرياش فيها ولها نوافذ ترمي إلى أروقة طويلة وكان آريل واقفاً ومسنداً ظهره إلى الحائط، متدثراً، رغم الحر الشديد، برداء سميك وضخم. ولعله يرتديه ليخفي تحته جناحيه الطويلين، لأن عينيه كانتا ترسلان دائماً نحو السماء ومن فوق الجبال الرمادية العالية، نظرات جامدة، باردة خرساء.
ومنذ دخلنا جميعاً، نظر إلينا واحداً واحداً، ثم أمر بطرد شابين أخوين كانا قد حاولا الاختفاء بين صفوفنا ولكن قوة نظراته في معرفة حالت دون ذلك فبعد أن خرجا وأمر بإقفال الباب، بقي صامتاً مدة غير وجيزة.
لقد كنا جميعاً وقوفاً مثله ولم يكن يسمع في القاعة التي لا رياش فيها غير صوت أنفاسنا.
وفجأة بدأ آريل في الكلام، فكان صوته ينحت الألفاظ نحتاً:
اليوم، سأتكلم عن الإنسان وشقائه الأكبر! كم من مرة شفق عليكم! كم من مرة حذرتم! وكم من لعنات صبت عليكم! قد وصف البعض في كتبهم جراحكم الخفية، واحتقركم البعض وازدراكم.
من شقائكم تولدت مراثي الشعراء، ونواح الباكين ومواعظ القديسين، وآراء الفلاسفة المتشائمين ولكن واحداً من هؤلاء لم يدرك شقاءكم الكبير العميق، شقاءكم الأبدي، الذي لا حد لا نهاية له.
لعلكم تعساء لأنكم تموتون؟ ولكن كل شيء يموت ليولد من جديد في هذا العالم.
لعلكم تعساء لأن أفراحكم قصيرة وآلامكم طويلة أبدية؟ ولكن الألم ينقذكم من التخمة، ويطهركم ويرفعكم إلى المعرفة.
لعلكم تعساء لأن قدرتكم لها حدود؟ ولكنكم ستكونون أتعس وأشقى بكثير، لو أنكم ملكتم القدرة المطلقة.
كلا! ليست هذه أسباب بؤسكم الحقيقي، إن شقاءكم غير هذا، وإلى الآن ما من أحد استطاع إظهار حقيقته لكم، وها هي:
الإنسان أبكم! هذا شقاؤه الوحيد، وهنا مصيبته الأبدية الكبرى.
стр. 776
الإنسان أبكم! لا يستطيع النطق، ولا يعرف أن يجيب، ولو أنه تكلم لانتهى ألمه، وانتهى هذا العالم. ولكنه بقي إلى الآن أبكم، أبكم بعناد وغباوة،
ولهذا السبب تستمر حياته الحاضرة وآلامه الأبدية.
أنتم لا تفقهون أقوالي، وأنا شاعر بذلك. إني أشعر بالشك يجول في نفوسكم واتبين رغبة الابتسام تلوح على شفاهكم. ولكن سيفعم اليقين قلوبكم وستعجزون عن الابتسام عندما تفهمون ما أريد أن أقول.
أعرف أن الكثيرين من بينكم يرون العالم عظيم الشبه بهم فيجدونه مملاً، كله عادات محزنة، متشابهة متكررة، وإني لأتبين من بينكم شاباً شاحب اللون يرتدي السواد. ولاشك أنه يقرأ اللورد بيرون فهو يميل للانتحار ويردد دائماً هذه الشكوى: دائماً الشمس ذاتها، دائماً النور ذاته، دائماً هي هي المياه الجارية، ووجوه القمر المتتابعة، والعصافير المغردة، والنساء العاشقات، والزهور المتفتحة الذابلة، ورنين أجراس الفجر والمساء، والبواخر التي تغادر الشاطئ لتعود إليه، وتعاقب الأيام والليالي، وكل هذا بدون نهاية، من ساعة الخلجان الأولى إلى ساعة النزع الأخيرة. وحتى الذي يجوب الأرض باحثاً عن شيء جديد، وشعور جديد ينتهي دائماً بالفشل، فالاستمرار يبعث الاستياء والضجر والحياة كلها وبجميع ما فيها من تعاقب الفصول والمواسم وتوالي الأعوام والعصور والرياح والعواصف تلخص هذه المراحلة المستمرة المتوالية وهي ولادة فألم فحب فتأمل فموت.
هكذا يتكلم الناس بعد أن تنقض مدة طفولتهم فلا يدعوا أنفسهم يسكرون بألعاب الحياة الخطرة. وهؤلاء أيضاً لم يدركوا مصيبتهم الكبرى. يظنون أنهم تجرعوا كأس المرارة حتى الثمالة، بينما هم ما كادوا يقتربون من الحافة حتى ابتعدوا مسرعين، وفي نفوسهم رغبة واحدة هي إبادة نفوسهم، وإزالة الحياة والعالم معها.
ولكن أنى لهم أن يهتدوا إلى طريق العدم ماداموا لم يدركوا بعد معنى الحياة وأسباب تواليها وتعاقبها على نمط واحد.
الحياة جامدة، الحياة ذات نمط واحد وشكل واحد كل هذا حقيقة واقعة ولكن ما سبب ذلك إلا الناس أنفسهم البكم الذين لا يستطيعون الكلام وليس بوسعهم أن يجيبوا على ما يسألون عنه.
стр. 777
أعلموا إذاً يا تلاميذ هذا اليوم، إن العالم ما هو إلا خطبة طويلة مبهمة معقدة مرت عليها الأجيال دون أن يكون هنالك من يجيب عليها.
هناك كائن غريب يريد أن يقول للبشر شيئاً، ولكنه لا يتكلم بلغة البشر قط. كائن يعبر عن ذاته بالرموز، وبواسطة ظواهر الأشياء والحادثات، الكون خطبته الأزلية، والأرض والشمس والنبات كلمته الغامضة التي تدوي جيلاً بعد جيل دون أن يسمعها أو يدركها إنسان.
ولهذا السبب، لا تجهدوا أنفسكم بالبحث عن غيره، تتكرر هذه الخطبة، فيسمع منها كل إنسان حي الأشياء ذاتها، والأشياء الأبدية لا يمكن أن تتغير والعالم جامد كخطاب دائم التكرار، لأن ليس بينكم من يسمعه، ولأنكم جميعاً بكم لا تستطيعون الكلام.
أنكم تنظرون إلى العالم، فتنسخوه، وتسخروه في حاجات وجودكم ولكنكم لا تفكرون بسماعه قط. إنه لا يخطر في بال واحد منكم أن العالم يكلمكم وإنه يقصدكم وينتظر جوابكم. أنتم تعتبرون العالم مستودع بضائع، أو أرضاً للحراثة أو مقاماً يسعد الإنسان فيه أو يشقى. ولم تفكروا ولو مرة واحدة أن للعالم صوتاً.
صوتاً يكرر بإلحاح مطالب كثيرة، صوتاً يريد أن يصل إلى أسماعكم بل إلى أعماق نفوسكم، وهو صوت بائس تعب يستغيث ويتوسل طالباً جوابكم.
لأي سبب تظنون أن الشحارير تردد دائماً الأغاني نفسها، والضفادع لا تبدل أنغامها الكئيبة، والرياح لا تغير ألحانها العاصفة والمياه خريرها البارد الأبدي؟ وإلى أي نهاية تظنون السنونو يرسم في طيرانه الخطوط التي لا تعد، والشمس التي تمر في كل يوم من فوق رؤوسنا على مهل متبعة نفس الطريق منذ ابتداء الأزمان؟؟ وما هي في عرفكم غاية الأشجار التي تزدهي في كل ربيع بالألوان ذاتها.
إن كل ما يبدو ويتلاشى ثم يعود فيبدو من جديد، ما هو إلا قسم من هذا وعبارات تردد. لأن الذي يكلمكم صبور حليم لا يعد صمتكم وسكوتكم إهانة له. إنه يردد ويكرر إلى اللانهاية مطلبه منكم آملاً باليوم الذي سيمكنكم أن تجيبوه فيه، وفي هذا اليوم، اليوم الذي تجيبون فيه، ينتهي هذا العالم المتشابه وتنتهي معه حياتكم المملة المفعمة بالسآمة والضجر وعندئذ يبتدئ خطاب جديد، وتخلق أرض جديدة وسماء جديدة، وبشر جديد لأفراده قوة
стр. 778
أزلية لا تستقر على حال ولا تبقى أبداً على شكل واحد أو نمط واحد.
أما الآن فعليكم أن تتكلموا. لقد غبرت آلاف السنين والصوت يخاطبكم وأنتم لا تجيبون. اجتهدوا منذ اليوم أن تعتبروا العالم كسلسلة من الكلمات، وأرهفوا إليها الإسماع والفكر، وحاولوا أن تفهموا هذه اللغة المبهمة.
وعندما ينفك عنكم بكمكم وتحل عقدة ألسنتكم تصبح ساعات شقائكم الأكبر أثراً بعد عين. لتنفتح أمامكم صفحة جديدة من الكون.
لقد أعطيتكم الخوف، فاخلقوا أنتم أنفسكم الأمل
هذا كل ما سمعته من أمثولة آريل، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يردد بتتابع تلك الكلمات التي كانت تخرج قوية رهيبة من فمه؟؟
وعندما سكت لم يجسر أحد منا أن يرفع نظره إليه بل وجدنا أنفسنا في الشارع تائهين، مفكرين كالخارج من الحلم، أو كمن بعث حياً بعد أن كان ميتاً
وأوقفني في الطريق رجل، وسألني مضطرباً عما قاله المعلم في ذلك اليوم، فنظرت إليه دون أن أراه، وتابعت مسيري دون أن أنبس ببنت شفة.
تعريب: ع٠ ج
стр. 779
مائة نقلة
من كتاب نقل الأديب
وهي ألف نقلة مقتطفة من ألف كتاب
مؤلفه محمد إسعاف النشاشيبي
حق الطبع والنشر ونقل شيء من هذا النقل محفوظ
أهدي مائة النقلة هذه إلى مجلة (الثقافة)
٩٤ - إن جد الأدب جد
وهزله هزل
قال ابن الخطيب البغدادي: قال خالد بن يزيد الكاتب: لما بويع إبراهيم ابن المهدي بالخلافة طلبني، وقد كان يعرفني، وكنت متصلاً ببعض أسبابه، فأدخلت عليه. فقال: يا خالد أنشدني من شعرك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله: إن من الشعر حكماً وإنما أمزح وأهزل، وليس مما ينشده أمير المؤمنين.
فقال لي لا تقل هذا يا خالد، فإن جد الأدب جد وهزله هزل.
أنشدني
فأنشدته:
عش فحبيك سريعاً قاتلي ... والضنى - إن لم تصلني - واصلي
ظفر الشوق بقلب كمدٍ ... فيك، والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وبلى ... تركاني كالقضيب الذابل
وبكى العذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العذل
فاستملح ذلك ووصلني.
٩٥ - بألسننا تنعمت القلوب
قال النضر ابن حديد: كنا في مجلس وفيه أبو العتاهية، والعباس ابن الأحنف، وبكر بن النطاح ومنصور النمري، والعتابي. فقالوا لمنصور: أنشدنا، فأنشد مدائح الرشيد. فقال أبو العتاهية لابن الأحنف: طر فنا بملحك. فأنشد أبياته:
стр. 780
تعلمت ألوان الرضى خوف عتبه ... وعلمني حبي له كيف يغضب
ولي غير وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
فقال أبو العتاهية: الجيوب من هذا الشعر على خطر، ولا سيما أن سنح بين حلق ووتر، فقال بكر: قد حضرني شيء في هذا.
فأنشد:
أرانا معشر الشعراء قوماً ... بألسننا تنعمت القلوب
إذا انبعثت قرائحنا أتينا ... بألفاظ تشق لها الجيوب
فقال العتابي:
ولا سيما إذا ما هيجتها ... بنان قد تجيب وتستجيب
قال النضر فما زلت معهم في سرور. وبلغ اسحق الموصلي خبرنا.
فقال: اجتماع هؤلاء ظرف الدهر.
٩٦ - وما أنصفت مهجة تشتكي
هواها إلى غير أحبابها
قال صر در:
تموت نفوس بأوصابها ... وتكتم عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي ... هواها إلى غير أحبابها
فمن مخبر حاسدي أنني ... وهبت الأماني لطلابها
فإن عرضت نفسها لم تجد ... فؤادي من بعض خطابها
ولو شئت أرسلتها غارة ... فعادت إلي بأسلابها
ولكنني عائف شهدها ... فكيف أنافس في صاحبها
وأعلم أن ثياب العفاف ... أجمل زي لمجتابها
تذل الرجال لأطماعها ... كذل العبيد لأربابها
٩٧ - لم يجعله لزمان دون زمان
ولا لناس دون ناس
سأل رجل جعفر بن محمد: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا نضارة؟.
стр. 781
فقال: لأن الله لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة.
٩٨ - وكنتم قبله
سراً يموت في ضلوع كاتم
قال مهيار يخاطب العرب:
ما برحت مظلمة دنياكم ... حتى أضاء كوكب في هاشم
نبلتم به وكنتم قبله ... سراً يموت في ضلوع كاتم
٩٩ - أحسن منها
قال الفضل للمأمون وهو في دمشق مشرف على غوطتها بدير مران - يا أمير المؤمنين، هل رأيت لحسنها شبيهاً في شيء من ملك العرب (يعني الغوطة)
فقال: بلى، والله، كتاب فيه أدب، يجلو الإفهام، ويذكى القلوب، ويؤنس الأنفس - أحسن منها.
١٠٠ - لولا دمشق
قال أبو علي أحمد شوقي:
بنو أمية للأنباء ما فتحوا ... وللأحاديث ما سادوا وما دانوا
معادن العز قد مال الرغام بهم ... لوهان في تربة الإبريز ما هانوا
لولا دمشق لما كانت (طليطلة) ... ولا زهت ببني العباس (بغدان)
نزلت فيها بفتيان جحاجحة ... آباؤهم في شباب الدهر غسان
بيض الأسرة باق فيهم صيد ... (من عبد شمسٍ) وإن لم تبق تيجان
تمت
محمد إسعاف النشاشيبي
стр. 782
بسيشه والحب
صورة النفس من على وكمال ... ورؤى الجسم في تناهي الجمال
حسدتها فينوس بالحسن لما ... شاركتها في فتنة ودلال
مدّ كوبيد قوسه فرآها ... لا عز الجمال خير مثال
فرمى قلبه واصمي عليه ... في هواها ما يحتوي من نبال
عشق بسيشة الغرام وهامت ... بالأماني نفسه والوصال
لمس بسيشة الشعور بشيء ... مر في نفسها بكل جلال
غاب عنها وعاد خفقا بقلب ... وكلالا في العزم والأوصال
علمت حسها وروعة ومأتا - هـ وعيت في وصفه بمقال
فزعت منه مثل فزعتها من ... جن ليل الجحيم والأغوال
فأتاها كوبيد بالحب روحاً ... وسلاماً للقلب والبلبال
رفعتها إلى السماء يداه ... حيث يخلو الغرام من عذال
العذارى إذا خشين من الحب ... فقد صرن عنده في الحبال
والهوى كالقضاء يهوي على المرء ... كسهم مسدد الإرسال
رب عشق كأنه الموت يلقى ... ووصال كمذبح وقتال
وشراك الغرام تجني فكم ضلت ... فأودت بشادن وغزال
أنشد العيش في العباد عن الحب ... وحاذر من حتفه المغتال
أو تقدم إليه أعمى ضعيفا ... وانتظر ما تجيء فيه الليالي
دمشق:
زكي المحاسني
стр. 783
شذرات عن مبعث التفكير وطرائقه
يظن الكثير من الناس أن العقل البشري يبتكر الأفكار وإن الدماغ يوجد النظريات ويخلق الاختراعات على مختلف أنواعها من لاشيء والحقيقة خلاف هذا إذ أن ملاحظات البسيكولوجيين الدقيقة والدرس الاختباري بمراجعة تاريخ الفكر البشري توضح أن الابتكار نادر الوقوع وأن العمليات المحسوسة تسبق النظريات التي يزعمها البعض مبتكرة. خذ مثلاً على ذلك فمن الرواية أو كتابة القصص الخيالية فإن كل جزء من القصة أو واقعة من وقائعها يؤلف بذاته حادثة اعتيادية مألوفة عندنا ولكن التصرف بترتيب هذه الحوادث يوجد رواية جديدة بمجموعها لا مثيل لها. أو خذ علم الحساب والجبر والهندسة والميكانيك أي العلوم الرياضية على اختلافها التي يتخذها البعض دليلاً قاطعاً على ابتكار العقل وقوته المولدة، ومحص طبيعة هذه العلوم تجد أن أساساتها وقواعدها موجودة في هذا الكون إنما تتجلى للعقل على فترات بشكل ملحوظات أو وقائع تحدث حوله أو نتائج لبعض الأفعال التي يفعلها إذا أضفت الخمسة إلى الثلاثة يصير مجموع العددين ثمانية فهذا ليس من مبتكرات العقل بل هو أمر موجود وثابت بصرف النظر عن وجود الإنسان وبالرغم منه لكن العقل البشري امتاز باكتشافه هذه الحقيقة وإدراكه إياها. وكثيراً ما تكون الصدف هي السبب في الاختراع أو الابتكار مثاله بينما كان أحد المصورين يحمي زجاجة على قنديل لاحظ أن وضع الزجاجة حول النور جعله أكثر بهاءً ومنع الدخان من القنديل فاخترع على أثر هذه الصدفة استعمال البلورات على قناديل البترول وتشبه حكاية اختراع زجاجة القنديل حكاية اختراع الورق النشاف وهكذا فإن اختراعات أخرى كثيرة مدينة للصدف بوجودها. أما المكتشفات فما من أحد ينكر أن ليس للعقل البشري يد في إيجادها.
وإن ما ذكر عن المبتكرات الرياضية والمكتشفات يصدق على النظريات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي ليست سوى سرد وترتيب لحوادث هذه النظم الراهنة التي نشأت بالتدريج وبصورة غير محسوسة وفقاً لبيئة كل شعب وظروفه ولذا ترى أن قوانين كل شعب وعاداته تتلاءم مع حالته الفعلية الراهنة فلو كانت القوانين سابقة لاعتياد الشعب السلوك بموجبها لحدث عند تطبيق كل قانون اعتراضات شديدة ومقاومات عنيفة كما هي الحال حينما تحاول إحدى الحكومات تطبيق قوانين حكومة أخرى على شعبها مع أن ظروف الشعبين قد تكون مختلفة فيما بينهما أشد الاختلاف.
стр. 784
والفلسفة أيضاً لا تتضمن أي ابتكار أو إبداع، إن هي إلا إدراك شيء من الحقيقة والعلل المختبئة تحت الظواهر وهذا ما يجعلها تكون مدركة من القليلين فقط إنما الإدراك شيء والإبداع شيء آخر. وإذا استشهدنا بشيخ الفلاسفة وبأعظم رجل يمكن للقائلين بالابتكار الاستشهاد به وهو أفلاطون ورجعنا لأهم مؤلفاته وأشهرها وهي الجمهورية التي يحسبها الكثيرون مثالاً واضحاً عن مقدرة البشر على الابتكار نجد أنها من أولها لأخرها. وصف لحالات وترتيب لجزئيات عهدها أفلاطون وعرفها الأثينيون معه إذ أن قوام هذه الجمهورية هو وصف النظام الاجتماعي والسياسي المتبع في مدينة اسبرطة الإغريقية التي اشتهر أمرها في جميع اليونان وما القياس العلمي العالي الذي وضعه أفلاطون لأهل جمهوريته والصحة البدنية التي طلبها منهم إلا بيان لما كانت عليه أثينا في ذلك العصر من روح علمية وتعلق بالرياضة البدنية. وهكذا هي الحال في النظم التي ذكرها كتاب الرومان والفرس والعرب وغيرهم من كتاب الشعوب القديمة والحديثة.
بقي معنا العقائد الدينية والآراء اللاهوتية أو آراء ما وراء الطبيعة وهذه لا يمكننا بتاتاً نسبتها لابتكار البشر إذا كنا من رجال الإيمان كما أنه يمكن للطبيعيين والملحدين نسبة الكثير منها لعوامل بسيكولوجية نشأت كرد فعل لما كان يحف الإنسان القديم من المخاوف والأخطار، أو للقياس والتشبيه على البشر وقد استعملها، على رأيهم، أصحاب الكتب الدينية عندما تكلموا عن الإله والسماء والثواب والعقاب وبالفعل فإن آلهة بعض الشعوب الوثنية القديمة كزفس وهرمس عند اليونان. كانت كالبشر تفتكر وتتصرف. إلا أن الطبيعي لا يمكنه أن يعلل كل ما في الدين واللاهوت بالبسيكولوجيا والقياس بل يبقى لديه أمور كثيرة لا يمكنه تعليلها بهما.
والآن ننتقل لطرائق التفكير عند الشعوب المختلفة أو عند الشعب في مختلف أدوار حضارته فالإنسان عند ابتداء تفكيره أو عندما كان أسلوب تفكيره لا يزال على الفطرة كان طليقاً حراً يفكر كيف يشاء دون رعاية ضوابط أو قيود للفكر فتلذ له الأفكار الدينية التي لا يعلم لها قواعد وينصرف لطرق الأبحاث الأخلاقية والاهتمام بأدب النفس وبالسلوك ويولع بسرد حوادث الماضي وسماعها وبقصص الحروب وبطولة المحاربين ويكثر من الشعر الحماسي ومن الأدب المجازي ومن الوصف الخيالي الذي لا ينطبق حقيقة على الموصوف
стр. 785
فيستعير ويشبه ويتخيل كما يرى ثم مع رقي الشعب ونمو المدن واحتكاك الأفكار ووقوع الجدل والمماحكة نتيجة التجمع والائتمار والخصومة أمام السلطة يرى المرء أنه بحاجة لاستعمال البرهان لإظهار أفضلية رأيه ودحض خصمه ونيل مأربه فتظهر القواعد المنطقية وتسن القوانين وتكيف وتعدل بحسب مقتضياتها ويتخذ للعلوم مع تقدمها قواعد يبحث فيها بموجبها ويتطور الأدب من طور المجاز والوصف الخيالي والاسترسال وتطبيق قواعد البديع إلى دور الإيجاز والتمسك بالحقائق على قدر الإمكان وهكذا فالشعوب في أدوار حياتها كالفرد في أدوار حياته تنتقل من اللهو إلى الجد ومن الاستعاضة عن الحقيقة بخيالها إلى السعي الحثيث لإدراك الحقائق المطلوبة والتمتع بها. وعليه فأنت ترى كيف أن اليونان شغفوا بالفلسفة النظرية وبأدب النفس وبالبطولة الرياضية وسرد قصص الأبطال والأقدمين والتحدث عن الآلهة بينما الرومان الذين جاءوا بعدهم وابتدأوا حيث انتهى اليونان تمسكوا بأهداب الجد وقاموا بالفتوحات التي أشبعت أطماعهم الاستعمارية ونظموا علم الحقوق من أحكام وأصول خير تنظيم وشكلوا الأنظمة الحكومية التي تكفل حسن سير سياستهم.
وكذلك لو أخذنا شعباً واحداً ورافقنا سير حضارته نجد أنه كالفرد ينتقل من حال التفكير الطليق الساذج إلى التفكير المنطقي المحدد بالقواعد والقيود وينتقل من الاهتمام بظواهر الحياة وملاهيها إلى الاهتمام بحقائقها وإلى الجد فيها ومن يدرس الأدب الفرنسي خلال الستة قرون الماضية، والأدب الانكليزي أو العربي أو أدب أي أمة عاشت لغتها عمراً طويلاً يرى هذا الانقلاب بأجلى وضوح.
فالأمم تسير في سبيل الرقي الفكري ووجهة سيرها من العمل إلى النظر فتنتقل من التجربة إلى التعليل ومن الإسهاب إلى الإيجاز والرصانة والجد في الحياة.
المحامي شكري جبور
стр. 786
أميرة السياسة
السيدة براين أوين
وزيرة أمريكا الخصوصية في الدانيمرك
السيدة روث براين أوين هي من شهيرات النساء في هذه السنين الأخيرة ومن المعروفات في ميدان السياسة ومفاوضاتها في أمريكا وأوروبا وقد عقدت مجموعة له موا فصلاً عن حياتها وأعمالها نلخصه فيما يلي:
قالت السيدة براين أوين في حديث لها عن المشاغل السياسية والولع بأعمالها التي لم تعد تجد سبيلاً للخلاص منها إن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون وذلك ليتبين كيف انتقل إليها هذا الولع في الأعمال السياسية ومشاغلها عن أبيها المستر جانينغ براين أوين الذي لم يغادر جامعة نيبرسكا إلا ليكون رئيساً للولايات المتحدة وكانت ابنته إذ ذاك في الخامسة من عمرها فلم يك وهو على ما هو عليه من الإعجاب بها يستطيع إلا أن يرافقها إلى المجلس النيابي الأمريكي حيث كانت تجلس إلى جانبه وهنالك في ذلك الجو المضطرم بعواصف السياسة وجد لها العنيف وضجيجها المستمر نشأت الفتاة وترعرعت. ولقد كانت لا تفقه بالغالب ما يجري أمامها من الأحاديث ولكنها كانت دائماً تتابع بنظراتها إياها النائب المحامي الذي كان يمتاز بفصاحته وبراعته في الجدل وإدلاء الحجج والبراهين ولقد كان ذلك معواناً على نبوغها السياسي في الأتي فساعدتها تربيتها الاجتماعية على التصرف في مصاعب الأمور وحل المعضلات والانتصار على أخصامها السياسيين في أحرج المواقف. وكأنها عزمت على اختيار السياسة سلكاً منذ الصغر فأعدت ما استطاعت وهيأت لها جميع ما تحتاجه من المعارف والصفات النفسية عدا ما كانت عليه منذ صباها من النشاط وقوة العزيمة واللباقة والبراعة في الحديث تلك الصفات التي ظهرت بوادرها لرفيقاتها منذ دراستها الثانوية في دير (مونتيتسللو) في سنة ١٩٠١ ثم في جامعة نيبرسكا التي درس أبوها فيها. ولم تحل دروس الفتاة الصعبة في الجامعة دون زينتها وتأنقها واعتنائها بتربية جسمها فكانت صبوحة الوجه رشيقة القامة جريئة في الكلام فاتنة اللهجة عذبة الصوت لها جميع ما تحتاجه من الصفات للنبوغ والتقدم في جميع الأوساط التي عملت فيها من بعد. ولقد قضت زمناً تعمل مع أبيها ككاتمة لأسراره حينما كان رئيساً للجمهورية في سنة
стр. 787
١٩٠٨ ثم لم تلبث أن انصرفت إلى معالجة الشؤون العامة الأميركية والتدخل في كثير من القضايا الاجتماعية والسياسية ثم حدا بها صباها القوي وشبابها النشيط أن تبعث بنظرها إلى خارج البلاد الأميركية وهل ثمة ما يحاول دون أسفار من كانت مثلها لها ما تريد من جمال وثقافة وذكاء وغنى؟ ولقد عاشت مدة في ألمانيا درست خلالها الموسيقى والغناء وعرفت كثيراً من أسرار الروح الألمانية ثم انتقلت إلى انكلترا فأقامت فيها سنتين ثم غادرتها فقضت ثلاث سنوات في بلاد الجاماييك وثلاث سنوات أخرى في مصر ثم قامت بعد ذلك بجولة حول الأرض قضت خلالها مدة في الهند ثم في سيلان ثم في اليابان والصين ومختلف بلاد الشرق الأقصى ولم يكن شأنها في جميع هذه البلاد التي مرت بها وسكنتها شأن الدارس النبيه المتتبع وهكذا فقط تعلمت ليس من الكتب فقط بل من الحياة نفسها إن الحياة والعقل والعالم بأسره ليس لها لون واحد بل ألوان مختلفة متباينة وكذلك الحب أيضاً فتزوجت ثم طلقت زوجها الأول ثم تزوجت بالماجور اوفن أحد ضباط الجيش البريطاني فرافقته إلى فلسطين خلال الحرب العامة وكانت معه مثال الزوجة الصالحة على أنها لم تنس قط القضايا العامة في بلادها الأمريكية ولم تنفك عن دراستها والاهتمام بكل شأن من شؤونها. وعندما عادت مع زوجها الضابط الجريح إلى فلوريد في أمريكا انصرفت إلى السياسة والأشغال بها كما كانت تطمح إلى ذلك منذ زمن بعيد وقد ساعدها على العمل أن أولادها الأربعة الذين أحسنت تربيتهم وأحاطتهم بعطفها وحنانها كبروا وأصبحوا بغنى عن عنايتها فاستطاعت هي أن تكرس وقتها إلى الاهتمام بالشؤون المحلية العامة التي ما لبثت أن أصبحت في طليعة من يديرونها فكانت رئيسة كثير من المؤسسات المدنية والدينية والتعليمية أو العائدة لشؤون التربية وعدا ذلك فقد كانت من العاملات في عصبة أسعار الحاجيات وجمعية الآباء والمعلمين وجمعية لتنظيم المسارح والجامعة الرسمية وعصبة المحاضرات العامة والمجلس الوطني النسائي وعصبة الأدبيات الأمريكيات ومجلس العناية بالأطفال وغير ذلك من مختلف المؤسسات والجمعيات العلمية والأدبية التي ساعدت في تأسيسها أو عملت في إدارة شؤونها، وهكذا فقد وقفت لأن تفسح المجال وتهيئ ما يتطلبه انتخابها في مجلس النواب من الشهرة وسعة الإطلاع وقد ساعدها على ذلك أيضاً ماضيها الذي مابرح ماثلاً لأعين أعضاء مجلس الشيوخ الذين ما زالوا
стр. 788
يذكرون تلك الفتاة التي كانت ترافق أباها في مجلس النواب وتجلس دائماً إلى جانبه هادئة رصينة. على أن شهرة أبيها لم تكن العامل الوحيد الذي ساعدها على النجاح فقد استطاعت هي نفسها أيضاً أن تثير إعجاب الذين انتخبوها وإن تحرز رضاء واحترام أعضاء مجلس الشيوخ وثقتهم حتى استطاعت أن تنال مكانة أسمى بكثير من المكانة التي يحرزها الأعضاء الأربعة من عائلتها في المجلس الوطني الذين يعدون من المشاهير وكبار الأغنياء في أمريكا. وفي الحقيقة أن السيدة براين هي أميرة السياسة الآن ورغماً عن التسعة والأربعين عاماً التي عدتها حتى اليوم فهي ما برحت متأنقة ذات قوام أهيف ورداف منسجمة يسترها ثوب ملتصق في انسداله وانتظامه جمال وفخامة. وكثيراً ما تتحدث السيدة أوين فتلقى بنظراتها إلى الأرض مطرقة مفكرة كأنها لا تريد أن ترى ما يتركه حديثها العذب وصوتها الرنان من أثر في نفوس السامعين ولكنها لا تلبث أن تعود للتحديق في وجه محدثها فتبعث إليه بنظرات تشع من أعين خضراء رمادية لا يسعه أمام قوتها إلا أن يقف موقف الاهتمام والتجلة والاحترام. وليست السيدة أوين ممن يطلبون الشهرة وإظهار مواهبهم عن طريق السياسة فهي ولوعة بالسياسة تكاد لا تستطيع الانصراف عنها ويدعونها هذا الولع إلى العمل وتحمل المتاعب الجمة فتبذل من الجهود شيئاً كثيراً لأنها تعتقد أن المرأة، حتى في البلاد الأميركية جنة النساء، يجب أن تعمل أضعاف ما يعمله الرجل لتصل إلى النتيجة نفسها.
على أن السيدة أوين لا تخاف العمل ولا تضيق ذرعاً به يساعدها على ذلك الألعاب الرياضية التي مارستها في صباها وما عليه جسمها من سلامة وقوة فهي نشيطة حمولة صبورة جريئة مقدامة استطاعت أن تلقي خلال المعركة الانتخابية الأخيرة التي فازت بها ستمائة خطاب وإن تفاوض بنفسها تسعين رئيساً للتحرير في منطقة انتخابها الأمر الذي عجز عنه أقوياء الرجال من أخصامها في السياسة. ولقد كان من المعقول جداً بعد نجاحها الباهر في معالجة الشؤون الوطنية الداخلية أن تنصرف إلى السياسة الخارجية التي عادت فلقيت فيها النجاح نفسه فهي اليوم وزيرة الولايات المتحدة في بلاد الدنيمرك فائزة ناجحة في عملها وموضع إعجاب أبناء الدانيمرك من جهة ومواطنيها الأميركيين من جهة ثانية وقد كادت الكلمة أن تتفق على حب واحترام هذه المرأة التي استطاعت وهي جدة تعيش
стр. 789
لجانب أبنائها وأحفادها أن تتحلى بكل ما تتصف به المرأة الفاتنة المحبوبة. وهي ترى أن في السياسة مجالاً واسعاً لعمل النساء ولذلك فهي تربي أصغر بناتها هيلانة التي لها الآن من العمر ثلاثة عشر عاماً تربية عملية وتدربها منذ الآن على الاشتغال بالمسائل العامة ولعلها تجد في ذلك ما بماضيها القديم فتلقى في هذه الابنة الصغيرة صورة مصغرة عن نفسها هي حينما كانت في هذه السن. ومن رأيها أن المرأة التي تود الاشتغال في السياسة ومعالجة القضايا العمة تحتاج لجسم سليم قوي اعتاد الرياضة وألفها كما تحتاج لعقل سليم يصرف لكل عمل ما يحتاجه من الجهد بنسبة صحيحة عادلة، ولذكاء يساعد على التصرف بالأمور وعلى الخروج من المآزق الحرجة، ولمزاج هادئ رصين يستطيع الهزوء والتنكيت بلباقة وبراعة، ولمقدرة في الكلام وبراعة في الحديث. وإذا استطاع أحد أن يزعم أن أكثر النساء ليس فيهن هذه الصفات فهو لا يستطيع أن يقول ذلك عن السيدة براين أوين أميرة السياسة التي أظهرت للناس في هذا العصر صورة جديدة من صور المرأة الأمريكية التي يحق للولايات المتحدة أن تباهي وتفاخر بها.
كاظم الداغستاني
стр. 790
بول فاليري
للكاتب الفرنسي اندره موروا
ديكارت وفاليري
ما أشد الشبه بين فاليري والفيلسوف العظيم ديكارت، فقد وصل الاثنان إلى النثر من طريق الشعر والعلوم وأحب كلاهما في صباه الشعر حباً جماً. ولم يشأ ديكارت أن يحترف في بادئ أمره مهنة الأدب بل تطوع في إحدى فرق الجيش ليسيح في أرجاء العالم الواسع طمعاً أن يكون أحد المتفرجين على مشاهد الألعوبة الإنسانية التي تمثل على مسرح الوجود لا أن يكون من ممثلي هذه الألعوبة. وفاليري أيضاً أبى إلا أن يكون أحد المتفرجين على مناظر العالم. قضى فاليري مثل ديكارت عشرين عاماً في التأمل والتفكير ولم يذع الاثنان للناس نتيجة تأملاتهما إلا بعد انقضاء عشرين عاماً من عزلتهما، والاثنان شديدا الشبه في هذه النواحي الثلاث: قوة التفكير، ومحاولة تجديد الفكر الإنساني، وإعادة بنائه على أسس جديدة وقويمة.
حياة الرجل
ولد فاليري في مدينة سيت بالقرب من مونبليه سنة ١٨٧١ وتلقى دروسه الابتدائية في مدرسة بلده ثم انتقل بعدئذ إلى مونبليه وقد ترك لنا ذكريات طريفة عن حياته الدراسية وآراء قيمة في الدرس والتعليم تفسر لنا نزعته الخاصة في الحياة وتكشف لنا عما انطبعت عليه شخصيته الفذة:
لنا أساتذة يتسلطون علينا بالإرهاب ونظرتهم إلى الأدب هي نظرة عسكرية محضة. وقد خيل لي أن للسخافات مكاناً واسعاً في البرامج المدرسية، وإن ضعف النفوس ونقص الخيال هما من العوامل الفعالة في نجاح الكثيرين في المدرسة، ولذا نشأت عندي روح معرضة للتعليم في زماننا
كان لهذه الروح المعارضة للتعليم أثرها في تكوين فاليري ودفعه للارتفاع عن المستوى العادي والخروج عن حيز المجموع ولا عجب إذا أدت به هذه الروح المتمردة إلى رفض هذه الحقائق التي يدعوها رسمية والتي يقدمها الأساتذة إلى تلاميذهم عادة وإلى إعادة بناء صرح حياته الفكرية من جديد.
стр. 791
شرع فاليري في العمل، ليس كما كان يرجوه منه معلموه إذ كان يحضر ظاهراً دروس الحقوق في جامعة مونبليه وكان في الحقيقة مكباً على دراسة الشعراء الجدد أمثال بويلير وفيرلين ورامبو ومالا وقد طلع فاليري عقب هذه الدراسات بأفكار طريفة ملخصها أن الفن هو الشيء الوحيد الثابت في هذا العالم وإن فلسفة ما وراء الطبيعة نوع من الهذر ولغو الكلام وإن العلوم دائرة ضيقة لا يستطيع الإنسان أن يظهر فيها مواهبه وما خصته به الطبيعة من مزايا عاليةوإن الحياة العملية تدهور وسقوط تؤدي غالباً إلى عيشة قلقة مضطربة.
ظل فاليري على اتصال دائم مع رجال الأدب أمثال بير لويس صاحب آفروديت أو الحب الإغريقي واندره جيد الكاتب العظيم وقد نظم فاليري حينئذ أشعاراً نشرت في إحدى المجلات الفتية فلاقت رواجاً سريعاً وقد حاول فاليري أن يكون بعدها كاتباً محترفاً ولكن هذه المهنة كانت كما يقول فوق طاقته ودون قواه ووسائله إذ كان ينزع مثل غوته شاعر ألمانيا الأكبر أن يجعل لحياته هدفاً يصعب الوصول إليه ولا أدل على مزاج الرجل وما انطبعت عليه نفسيته من هذه المحادثة القصيرة التي جرت بينه وبين اندره جيد إذ قال هذا أثناء الحديث سأقتل نفسي لو منعني أحد عن الكتابة.
أما أنا، أجاب فاليري، سأقتل نفسي لو أرغمني أحد على الكتابة!!
قضى فاليري سنة في الخدمة العسكرية فأعجب بروح النظام السائدة فيها كما أعجب ستاندال من قبل بالقانون المدني وترتيبه المنطقي.
اجتاز فاليري سن الحداثة ليس مثل اندره جيد الذي تحرر عن طريق لذة الحواس ولا مثل بايرون عن طريق الشعر والإلهام أو مثل عامة الناس عن طريق العمل ولكنه تحرر مثل زميله ديكارت عن طريق الفكر وتقوية دعائم الشخصية فقد أقام فاليري في باريس في غرفة كان يسكنها سيد الفلسفة الوضعية أو غوست كونت وهنا في هذه الغرفة الحقيرة صار يسود عدة صفحات تدور معظمها على مواضيع فلسفية بحتة كفكرة الزمان والمكان والأحلام والانتباه ونصيب العلوم من الحقيقة وسير الفكر الإنساني في مدارج التطور والارتقاء.
ماذا وجد فاليري في جهاده الفكري؟
стр. 792
وجد طرائق غير عادية تمكننا من الوصول إلى نوع من الدقة في التفكير واستطاع بما حذفه من الكلمات المبهمة التي لا تؤدي المعنى بتمامه أن يوجد مفردات عديدة تفي بهذا الغرض بعد أن أعمل قلم التهذيب فيها وحذف كل ما وجد نقصاً في تعريفها.
لقد أصبت بمرض الدقة ونزعت نفسي إلى تفهم الأشياء تفهماً كلياً وغدا كل ما هو سهل في نظري محتقراً ومذموماً فأسأت الظن بالآداب وكل ما كان رقيقاً من الأشعار وهجرت الفلسفة كلها واعتبرتها من الأشياء المحتقرة التي تشمئز نفسي منها.
طريقة الرجل: الدقة
ناتانائيل! سوف لا أعلمك التآلف بل الحب!
بمثل هذه الكلمات يخاطب اندره حيد تلميذه في كتاب طعام الأرض ولو قدر لي اكتب عن طريقة فاليري في الكتابة لما وجدت أحسن من ترديد هذه الجملة:
اركسيماك! سوف لا أعلمك الوضوح في الكتابة بل الدقة.
يجد معظم الناس كتابة فاليري غامضة ولم يكن هذا التذمر إلا ليلاقي استغراباً ودهشة من الشاعر العظيم فكان يجيب بقوله يسوؤني تعذيب عشاق الوضوح والنور إذ لا شيء يجذبني مثل الوضوح في الكتابة وأن ما ينسبونه إليّ من الغموض هو ضعيف بجانب الحقائق التي اكتشفتها دوماً. . . يا صديقي أن لي فكراً لا يقنع بحقيقة الأشياء إلا بعد التحقق منها.
ومن الغريب أننا إذا تدبرنا الكتب التي عرفت بسهولتها وجدنا أنها تحتوي شيئاً من الوضوح الغامض ولم يتردد فاليري في خطابه إلى الأكاديمية من الإشارة إلى الوضوح في كتابة صاحب الزنبقة الحمراء قائلاً:
أحب الناس بسرعة كتابة فرانس لأنهم استطاعوا أن يتذوقوها بدون أدنى مجهود فكري إذ كانت هذه الكتابة تخدعهم بمظهرها الطبيعي الجذاب وإن كانت تخفي تحت فكرة مقصودة واضحة. في كتب فرانس أثر لفن التقاط الأفكار والمسائل الصعبة. وقد لا يستوقف القارئ عند قراءته كتب فرانس سوى هذه الأعجوبة أنه لا يشعر بأدنى مقاومة أثناء القراءة. الوضوح أمنية لذيذة توحي لنا أننا نتثقف بدون عناء وأننا نتذوق الكتب بدون نصب وأننا نفهم بدون شدة وأننا نتمتع أخيراً بمشاهد الرواية دون أن ندفع فلساً واحداً. ما أسعد هؤلاء
стр. 793
الذين كفونا مؤونة التفكير وبسطوا بيد خفيفة ستاراً براقاً على صعوبة الأشياء.
لقد أجاز فاليري لنفسه حينما نظم الشعر أن يكون غامضاً أو بالأحرى موسيقياً
كما أجاز ذلك لبقية الشعراء ولكنه إذا أراد أن يكتب نثراً أو إذا حاول أن يبني أفكاراً متسلسلة تعمد الدقة في الكتابة فهو لا يستعمل الكلمة قبل التحقق من معناها التام وتعريفها الشامل والخلاصة إنه يريد أن يكون لكتابته نصيب من الدقة يعادل نصيب الأعداد من الدقة الرياضية.
وهكذا ترى أنه لاشيء يوقف فاليري في جهاده في سبيل الدقة لأن جهاده الفكري هذا ينطوي على شجاعة وثبات نادري المثال فهو لا يقبل الحقائق السهلة ولا تخدعه الآراء العامة ولا يعترف بسلطة الأخصائيين فهو يلقى عن نفسه إزاء كل مسألة هذا السؤال:
ماذا يعني تماماً الشاعر والكاتب؟
وهو شديد الشبه بديكارت إذ ينقب في كل بحث ويفرض على نفسه هذا الشك المنظم وأراني مخطئاً بقولي بفرض لأن هذا الشك من مميزات فاليري وخاصة من خواص عبقريته النادرة المثال.
فاليري والتاريخ
أساء فاليري الظن كما رأينا بالآداب والكتاب والفلسفة وقال إنها نوع من الهذر لا ترتكز على شيء من الحقيقة وأخيراً أساء الظن بكل ما فرضه عليه الغير من الحقائق الجاهزة التي سلم بها معظم الناس.
والتاريخ من الحقائق الرسمية التي يخشاها فاليري فكان فاليري أحد الذين قاموا ضد النظريات المعروفة بالقوانين التاريخية وهي التي تنص أنه في أمكاننا استنتاج المجهول من المعلوم أي الاستدلال من الماضي عن حوادث المستقبل فيرى فاليري أن التاريخ من ١ - الفنون التي ابتدعها العقل الإنساني ولا شيء يوازي خطره على سير الحضارات الإنسانية فهو يدفع الشعوب إلى التنعم بالماضي ويسكرهم بحوادثه الخداعة الكاذبة ويقلق راحتهم ويدفعهم نحو هذيان العظمة أو الاضطهاد ويجعل الشعوب المغلوبة صعبة القياد. ويعتقد فاليري أيضاً أنه من الجنون الصرف أن يؤمن في استطاعة التاريخ إطلاعنا على حوادث المستقبل ولم يتردد فاليري في خطابه في حفلة توزيع الجوائز على طلبة إحدى
стр. 794
المدارس من القول إنه لما كان في سنهم عام ١٨٨٧ كانت صورة العلم تختلف تماماً عما هي الآن من الاضطراب وعدم الاستقرار هل كان في مقدور أعظم السياسيين في ذلك الوقت أن يتوقع أن أوروبا ستصبح على هذه الحالة وما أظن أنه مهما بلغت القوانين التاريخية من الدقة أن تعطينا صورة ولو قريبة عما سيكن عليه العالم سنة ١٩٣٥.
تحكم العلوم الصحيحة من المستقبل وذلك ضمن قواعد دقيقة وتبعاً لقوانين محدودة أما في التاريخ فليس من الممكن أن نحكم على المستقبل ولذا غدت كل التنبؤات من قبيل التضليل لأن التاريخ ليس بعلم بل هو فن لكل الفنون يجب أن يتبوأ مكانه بين آلهات الشعر والخيال. وما هذا الاعتقاد والإيمان بالتاريخ إلا وليد الفلسفة الوضعية التي ظهرت من القرن التاسع عشر ذلك القرن الذي أسكرته انتصار العلوم التجريبية فقد جرب أن يطبق قواعد هذه العلوم التجريبية على العلوم الزائفة المدعوة بعلمي الاجتماع والنفس فكان نصيبه الفشل التام.
فاليري والفن
قد يكون من الخطأ أن يعتقد أن العالم مركب من اصطلاحات قائمة بين أفراد البشر لأنه لا يوجد حقيقة أقدم من الاصطلاحان التي ابتدعها العقل البشري ولكن كيف للبشر أن يدرك هذه الحقيقة ما دامت غريبة عنه؟
يجيب فاليري كما أجاب بروست من قبل: في مقدورنا إدراك الحقيقة بالفن ويمكن إدراكها بواسطة الشعر - على شرط أن نفهم الشعر بمعناه الواسع فالشعر يسمح للفكر أن يتصل بالحقيقة الأولية التي سبقت الدور الذي اكتسبنا به معارفنا ومعلوماتنا. لأن دور الشاعر يتلخص في إعطاء الكلمات قيمتها الموسيقية وبأن يخلق حول هذه الكلمات السر العجيب الذي كان يحوطها أثناء ظهورها وولادتها.
لا ينظم الشاعر قصيدته بالأفكار ولا بالعواطف وإنما ينظمها بالكلمات.
فقد شبه فاليري الشاعر (بعامل) ذي وجدان حي وفكر منظم فهو (يركب) قصيدته كما يركب العامل في المصنع الآلة من الآلات التي هيئت لعمل من الأعمال - أعني تركيب القصيدة يجب أن يخضع لقواعد معروفة ومحدودة لآن حماسة الجمال التي يسعى وراءها الشعراء والتي جربوا تعريفها لم تكن إلا عاطفة استحالة التحول.
стр. 795
ولا يعزب عن البال أن مثل هذه الآراء تطرد فكرة الاستيحاء في الشعر لأن فاليري يهزأ من الاستيحاء ويعتقد أنه بغير مركز الشاعر وينقله من دور عامل إلى دور شاهد.
إبراهيم الكيلاني
стр. 796
مدام كوري
نعت الأخبار العالمة الكبيرة مدام كوري. وليس من قراء الثقافة من يجهل هذا الاسم. فإنه مقترن باكتشافٍ هو بلا شك من أعظم اكتشافات القرن العشرين والسنين الأخيرة من القرن التاسع عشر، أعني به اكتشاف عنصر الراديوم الذي ألقى ضوءاً ساطعاً على نواحي هامة من علم الطبيعة والكيمياء كظاهرة الإشعاع وبناء الجوهر الفرد. هذا فضلاً عن فائدته العملية الإنسانية في معالجة بعض الأمراض المستعصية كالسرطان. ومن يتكلم عن تاريخ هذا العنصر العجيب وظواهر الإشعاع فهو يتكلم حتماً عن تاريخ حياة مدام كوري وزوجها.
وكذلك فإن تاريخ حياة هذين الزوجين يصح أن يكون تاريخ الراديوم.
ولدت مدام كوري، واسمها قبل الزواج ماري سكلودوفسكان في فارسو عاصمة بولونيا في سنة ١٨٦٧. وقد أرغمت وهي تلميذة على ترك بلادها لاشتراكها في جمعية ثوروية للطلاب. فجاءت باريس وانخرطت في سلك طلبة السوربون ثم اقترنت بالعالم الفرنسي الشاب بيير كوري وأخذت تدرس معه ظاهرة الإشعاع التي كان قد اكتشفها حديثاً العالم الفرنسي بيكريل في عنصر الأورانيوم.
ويستخرج هذا المعدن من تراب نادر الوجود اسمه بخ بلند وبينما كان الزوجان يحاولان عزل الاورانيوم عن المواد الغريبة المختلطة به لاحظا لشدة دهشتهما أن هذه المواد أكثر أشعاعاً من الاورانيوم نفسه. فشكا في وجود عنصر آخر ذي خواص إشعاعية قوية. وأخذا في البحث عنه. وبعد أتعاب شاقة طويلة لا يسعنا الآن وصفها توصلا إلى عزل عنصر جديد يفوق بقوة إشعاعه معدن الاورانيوم نفسه وأطلقا عليه اسم الراديوم.
وقد اكتشف الزوجان فيما بعد عدة عناصر أخرى مشعة منها العنصر الذي سمته مدام كوري يولونيوم أكراماً لوطنها الأصلي٠. وقد انكب العلمان منذ هذا الاكتشاف على التعمق في درس ظاهرة الإشعاع والعناصر ذات هذه الخواص وكانت نتيجة أبحاثهما عميقة التأثير في الطبيعة وأحدثت فيها انقلاباً عظيماً. وقد استحقا لذلك جائزتين علميتين قيمتين في سنة واحدة. الأولى جائزة نوبل المشهورة والتي اقتسماها مع بيكريل الأنف الذكر. وفي السنة نفسها نالت مدام كوري لقب الدكتوراه في العلوم وكان موضوع أطروحتها الراديوم. وقد عينت على أثر ذلك مديرة الأبحاث في المخبر الذي أنشأه زوجها خصيصاً لدرس ظواهر
стр. 797
الإشعاع وقد كان بيير كوري قد انتخب عضواً في أكاديمية العلوم وهو لم يتجاوز الخامسة والأربعين. وذلك بفضل اكتشافاته العلمية القيمة التي قام بها بالاشتراك مع زوجته.
لكن لسوء حظ العلم اختطفت المنية الزوج وهو في فجر شهرته وعنفوان رجولته فذهب ضحية حادثة عربة. فأمست الزوجة وحيدة بعده وهي الطريدة الغريبة عن وطنها. لكن ذلك لم يثنها عن عزمها. بل نراها قد ضاعفت الجهود في متابعة الأبحاث التي كانت قائمة مع زوجها بهمة لا تعرف الملل وعزم يعجز عنه أشداء الرجال. وقد قدرت جامعة باريس كفاءة هذه العالمة الفذة ولم تجد أخلق منها خلفاً لزوجها في الكرسي الذي كان يشغله في السوربون. وقد برهنت هذه الأستاذة باكتشافاتها التي قامت بها بعد وفاة زوجها أنها أهل لهذا المركز الرفيع. يدلك على ذلك نيلها في سنة ١٩١١ جائزة نوبل في الكيميا للمرة الثانية. وقد أنشأت في باريس مؤسسة الراديوم المخصصة لبحث ظواهر الإشعاع وأسميت مدام كوري رئيسةً لقسم الأبحاث فيها.
وهذه العالمة الفاضلة على الرغم مما أصابته من الشهرة العالمية لم تنس وطنها الأصلي بولونيا. وكانت لا تترك فرصة دون إظهار تعلقها به وغيرتها عليه. منها سعيها ونجاحها في تأسيس مخبر الإشعاع في فارسو.
وقد أسدت مدام كوري خدمات إنسانية لا تثمن أثناء الحرب الكبرى بإنشائها أقسام للمعالجة بالإشعاع في المستشفيات العسكرية.
ومما هو جدير بالذكر ويدل على عظمة تقدير العالم لهذه الإمرأة الكبيرة اشتراك نساء أميركا بتكريمها وإهدائها غراماً من الراديوم قدمه لها الرئيس هاردنغ حين زيارتها الولايات المتحدة. وهذه الهدية ليست بقليلة الأهمية لأن غرام الراديوم لا يقل ثمنه عن عشرة آلاف ليرا ذهبية.
لا عجب بعد ما رأيناه من عظم الخدمات العلمية التي أسدتها مدام كوري للإنسانية إذا وضعناها في عداد نساء التاريخ الخالدات - وإذا كان خلود أخواتها لنبوغهن بالجمال والدهاء والأدب فهذه الأولى من بنات حواء التي سوف يخلد التاريخ ذكراها لنبوغها في العلم.
دمشق في ١٥ تموز سنة١٩٣٤
стр. 798
ميخائيل كزما
стр. 799
القراءة والحياة
نشر المسيو (آرمان بيرهال) في مجلة الحياة الفكرية مقالاً في الرواية والشبيبة وتأثيراتها تعرض فيه للنقل والسرقة والجوائز الأدبية وأضرارها وحقوق النقاد وواجباتهم. ومما قاله:
يريد بعضهم أن يدافع عن الروايات التي ألفها الشبان فيفيض في ذكر صفاتها الغنائية ويقول لك إن هذا مفعم بالخوف من الحياة وذلك مليء من الحزن والتشاؤم والاضطراب. غير أن هذا النوع من الشعور يصلح التعبير عنه بالشعر لا بالرواية.
. . . الرواية يجب أن تكون مرآة للحياة ولذلك يندر أن تكون ظاهرة من ظواهر حياة الشباب. فهي تقتضي جملة من التجارب والوقائع التي يستقي منها الوحي. حتى أن كثيراً من الروائيين المشهورين لم ينجحوا في رواياتهم الأولى التي ألفوها في زمن الشباب. إن روايات (بالزاك) الأولى لا تقرأ. وقد اعترف هو نفسه بذلك، ولم يبق لها اليوم قيمة. من يتذكر اليوم وارثة (بيراغ)؟ أن رواية ورتر التي ألفها غوت في شبابه ليست رواية حقيقية بل هي حديث أو حكاية حال شخصية، وأما الروايات الحقيقية كرواية (ويلهلم ميستر) فقد ألفها غوته في سني النضوج. وإذا ألقينا نظرة على جميع الروايات الخالدة لجميع الكتاب وجدناها من إنتاج التجربة والحياة وزمن تكامل العقل والملاحظة أما القصائد الجميلة فهي من معجزات الشباب. القصيدة تضطر الشاعر إلى جمع الصور طابع الإرادة المبدعة. وهذه الإرادة المبدعة هي العنصر الداخلي الأساسي لكل أثر فني. أما الرواية فليس فيها حاجة إلى هذه الضرورة لأنها ظاهرة من ظواهر الحياة.
الكاتب والصحافي
نشر المسيو (جوليان بندا) في صحيفة النوفيل ليتيرير مقالاً تحت عنوان: الكاتب والصحافي أجاب به عن سؤال طرحه أحدهم على الكتاب جاء فيه:
بين المؤلفين الجدد من نشأ كاتباً لا صحافياً غير أنك تجده في كل يوم يقبل العمل بانتظام في صحيفة يومية أو أسبوعية خاضعتين لسير الحوادث السريع. فهل يربح الكاتب بتقربه على هذه الصورة من الحياة أم هل يخسر إذا عمل بسرعة وجعل إنتاجه خاضعاً للحوادث اليومية.
ومما قاله المسيو (جوليان بندا) في الجواب عل هذا السؤال:
стр. 800
إن الذي طرح السؤال على هذه الصورة مصيب جداً. وأظن أنه يعني بالكاتب، المؤلف الحقيقي الذي يضع الكتب ويبذل في تأليفها كثيراً من الجهود الجبارة، فهل يخسر هذا الكاتب شيئاً من قيمته وهل ينحط قلمه إذا هو قبل العمل في الصحف اليومية؟
لا شك أن الكاتب إذا اضطر إلى السرعة خسر صفقته واستبدل الكيفية بالكمية ولكن الإسراع في الكتابة ليس ضرورياً بل في وسع الكاتب أن يدقق في مقاله ويدرسه ويطلب الزمان الضروري لذلك. وهذا يقتضي أن يكون الكاتب على شيء من السذاجة، قليل الاهتمام بالأمور المادية.
أضف إلى ذلك أن الصحف اليومية لا تنفرد وحدها باضطرار الكاتب إلى الإسراع، لأن الذي يسرع في كتابة مقاله قد يسرع أيضاً في وضع كتابه فيجيء كتابه خالياً من الصفات الأدبية، وكثيراً ما يخضع الكتاب إلى ضغط تجار الكتب الذين يرغمونهم على إخراج كتبهم في مدة معينة لا يجدون فيها متسعاً للعناية والتفكير والتأمل.
إذن، لا شيء يمنع الكاتب من التدقيق فيما يكتبه سواء أكان صحافياً أم مؤلفاً. ولكن التدقيق الطويل في المقال والتبديل يدخل على المقال شيئاً من الكلفة، والكتابة تحتاج إلى إتباع الطبع وعدم التكلف. وهذا الأمر لا يختلف من شخص إلى آخر.
من الصعب على الكاتب أن يكون مضطراً لتهيئة مقاله في مدة معينة فيجلس للكتابة وليس في فكره شيء من المعاني. ولكن كثيراً من الآثار الخالدة تولدت من هذه الصفحات اليومية. كان (الوتر) يقول منذ عشرين سنة أن الكتاب ينقسمون إلى قسمين. فالأول يكتب لأن عنده أفكاراً يريد نشرها، والآخر يبحث عن الأفكار فلا يجدها.
الخلاصة أنه في وسع الكاتب أن يصبح صحافياً من غير أن ينحط أسلوبه، وذلك على شريطة أن يحافظ على ما تقتضيه منه شروط الإنشاء والتفكير. إن الأخبار المحلية توحي للكاتب بكثير من المعاني الفلسفية والتأملات العالية. انظر إلى حادثة (ستافسكي) مثلاً فهي وحدها كافية للوحي بتأملات فلسفية قد لا يجدها الكاتب في سواها. إن كتابة المقال لا تختلف عن تأليف الكتاب، لأنها تحتاج إلى الفكر التركيبي الذي يجمع العناصر ويؤلف بينها ليبدع منها وحدة متسعة.
ج. ص
стр. 801
التعليم في سوريا
أقام المعلمون والمعلمات بدمشق في ٩ تموز سنة ١٩٣٤ حفلة لمستشار المعارف المسيو كوله بمناسبة تأصله وسفره إلى فرنسا ألقى فيها حضرته خطاباً رأينا أن نقتطف منه بعض المعاني لأنها ذات علاقة بالإصلاح وتمازج الثقافتين الشرقية والغربية، فمما قاله:
يمكنني أن أقدم لكم شهادة محسوسة على ما أشعر به نحوكم بتحليل انفعالاتي قبيل السفر. نعم إنني سعيد بحصولي على شيء من الراحة بعد عمل متصل دام ٢١ شهراً. وأراني سعيداً أيضاً بالرجوع إلى فرنسا لمشاهدة سواحل بلادي وجبال وطني والاجتماع بأسرتي. ولكن هذا السرور ليس خالصاً من شائبة لأنني لا أغادر سوريا ولا أقطع عملي المعتاد إلا وأشعر بضيق في القلب. والسبب في هذه الحسرة أنني أغادر، بابتعادي عن دمشق وسوريا، طائفة من المعاونين والأصدقاء الذين تعودت العمل معهم فارتبطت بهم ارتباطاً عميقاً.
ثم مدح حضرته معلمي سوريا وإخلاصهم وقال أنه عرفهم في جميع درجات التعليم سواء أكان في المدارس الابتدائية أم في الثانوية أو في الجامعة وقال إنه وجد تضحيتهم في أيام الشقاء لا تقل عن إخلاصهم في أيام الرفاه وإنه لا يزال يذكر اليوم الذي طلب فيه من أساتذة التجهيز أن يقبلوا التدابير التي اتخذتها وزارة المعارف لحفظ الميزانية ويذكر أن جميع الأساتذة رضوا بذلك وأنهم ما في وسعهم من الجهود بكل إخلاص وتضحية.
قال: إن نتائج مجموع هذه الجهود وهذه التضحية التي رضي بها المعلمون بإخلاص واحد سواء أكان ذلك في المدارس الابتدائية أم في الصفوف الثانوية أم في غرف محاضرات الجامعة، أقول أن نتائج هذه الجهود عديدة مثمرة. لا أريد أن أذكرها كلها هنا ولكنني سأذكر منها بعض الأمثلة الرمزية الدالة عليها. فأولاً يمكنني أن أذكر نمو التعليم من جهة الكمية. كان عدد التلاميذ سنة ١٩٢٦، ٢٧. . . تلميذ فأصبح في هذه السنة ٧٦. . . . إن هذه الزيادة من واحد إلى اثنين متساوية بين المؤسسات الرسمية والمعاهد الأهلية وهي أعظم زيادة حصل عليها في الشرق الأدنى. وفي الحق أن الأعداد تدل على أن نمو التعليم في سوريا منذ سنة ١٩١٩ أعظم من نمو التعليم في العراق وتركيا ومصر، تلك البلاد التي تقطع في طريق الارتقاء مراحل كبرى. إن لإخلاص المعلمين التأثير الأول في هذا النمو. ومن نظر إلى عدد التلاميذ في الصفوف قدر هذا الإخلاص، إن عدد المعلمين الذين يجب
стр. 802
عليهم تعليم ٣٧. . . تلميذ في المدارس الرسمية هو ٨٠٠ يدل ذلك على أن المعدل الذي يلحق كل منهم يعتبر في البلدان الأخرى أعظم معدل، وهذا يقتضي أن تكون بعض الصفوف مشتملة على ١٠٠ تلميذ. إن أساتذة بعض الصفوف في مدارسنا التجهيزية يعنون ٨٨ تلميذاً. وهذا يقتضي سعياً شديداً وتعباً كثيراً وصعوبات غير اعتيادية يجب التغلب عليها كل يوم.
ثم أن التعليم قد تحسن من جهة الكيفية سواء أكان في المدارس الأهلية التي تحضر في كل سنة لامتحانات أصعب، أم في المدارس الرسمية التي تزداد هيئة أساتذتها قوة في ابتداء كل سنة مدرسية. هذه مدرسة التجهيز في دمشق، أنها اليوم تليق حقاً بأن تكون تجهيز عاصمة لأنها ذات هيئة تعليمية أهل للقيام بعملها فتوصل عدداً كبيراً من التلاميذ بكل أمان إلى النجاح الذي يستحقونه عن جدارة. أنني لا استطيع أن انتقل من هذا الأمر دون الإلحاح بذكره. إذا تكلمنا عن التعليم في الشرق، كان من واجبنا أن لا ننسى بأن السلطات التعليمية، في سوريا، قد اتخذت لنفسها هدفاً عالياً. إن المقايسة مثلاً بين سوريا والممالك المجاورة وخصوصاً الممالك التي بدأ التجديد فيها قبل سوريا تسمح لنا بأن نشاهد أن تنظيم تعليمنا الثانوي الرسمي أثبت أركاناً لأنه أطول مدة وأصلح تحقيقاً لثقافة الذين يطلبونه. لقد أصابت سوريا بانتخاب أقسى طرائق التربية لأنه بالنسبة إلى الأفراد كما بالنسبة إلى الأمم، من الحسن أن لا ينفع المرء بالقليل، لأن الجمال هو في التغلب على الصعوبات.
وينبغي لي أن استشهد أيضاً بنتيجة أخرى صادرة عن هذه الفلسفة التي تهزأ بالسهولة الخطرة.
إن الأساتذة والمعلمين يتابعون مساعيهم في جميع درجات التعليم لاصطفاء الأصلح وذلك في سبيل منفعة الأفراد ومنفعة الأمة، وفي سبيل منع بعض الأفراد غير المجهزين كافياً من الانخراط في طرق وعرة لا يستطيعون متابعتها حتى النهاية من غير أن يتألموا ألماً شديداً. وخصوصاً لوقاية البلاد من شر صعاليك التفكير الذين يدخلون الاضطراب على حياة بعض الأمم ويهددونها بالرغم من أنها في عداد الأمم القوية. أنكم تسعون جميعاً بروح واحدة وشعور سام بواجباتكم (واجبات المربي الثقيلة) وحماسة عزمكم الواحدة، لخدمة بلادكم خدمة الوطنيين المتأججين والمنورين الذين يبذلون الجهود الدائمة في وضع أكاليل
стр. 803
الغار على رأس الذين يستحقونها.
стр. 804
الكتب والصحف
العامي النبيل
هي إحدى الروايات التمثيلية التي ألفها موليير الأديب المعروف وقد ترجمها إلى العربية الأستاذ فؤاد نور الدين ترجمة صحيحة بلغة جيدة وعبارات مختارة، فيها من التأنق وحسن الانتخاب ما لا يقل عن أصل العبارة الفرنسية وقد راجعنا بعض فصول الرواية الفرنسية وقابلناه بتعريبها فوجدنا أن الترجمة حسنة ندر أن تجد فيها ما تأخذه على المعرب مما يدل على عنايته الشديدة وحرصه على المحافظة على الأصل وأمانته في النقل الأمر الذي يحتاج إلى جهود كثيرة وصبر وجلد ولقد نجح في عمله فجاءت الرواية رشيقة الأسلوب تكاد لا تخسر شيئاً من قوتها باللغة الفرنسية وقد قدمها للقراء الأستاذ مظفر سلطان بلمحة عن الأدباء والأدب الفرنسي الروائي القديم وعن موليير الأديب الفرنسي وبعض مؤلفاته والرواية المعربة مطبوعة في حلب على ورق صقيل بأحرف جلية واضحة وهي جديرة بالمطالعة والاقتناء يستحق معربها كثيراً من الشكر على جهوده.
رواية ذكريات رفقة
عبارة ملؤها انسجام وسلامة ومعانٍ سامية في تمثيل الأخلاق الكريمة والمبادئ القويمة أبان الكاتب المتفنن والشاعر البليغ اللغوي الشيخ أمين ظاهر خير الله كيف تغرس الشيم الحسان في صدور الصغار فتعطي الثمار الجيدة في عهد الشباب وكيف تهتم الجدة بحفيدتها فتكون من بنات الفضيلة والصلاح في ريعان شبابها.
وفيها بيان موقف الفتاة متى بلغت سن الزواج وجاء النصيب فتحسن اختباره وتثبت كفاءتها لتكون ربة بيت تكرم جاهاً وتنشئ لزوجها بهجة حياة وتحرز الكرامة لأصالة رأيها ودماثة أخلاقها.
يحسن بكل حماة وكنه وفتاة وزوج وشاب يتطلب نصيباً أن يتصفح هذه الرواية التي هي خلاصة حكمة البيوت الراقية في فضيلة وجاه. عدد صفحات الرواية ١٤٠ من القطع الكبير بحرف جميل وورق جيد وثمن النسخة ١٠ قروش سورية تطلب من مؤلفها في دمشق ومن إدارة هذه المجلة وترسل القيمة مقدماً.
المنقذ من الضلال
стр. 805
لحجة الإسلام الغزالي
ألف الغزالي هذا الكتاب بعد أن أناف سنه على الخمسين، وجمع فيه على صغر حجمه، معظم المبادئ التي جاهد في سبيلها طول حياته. ولخص كثيراً من المذاهب الفلسفية السائدة في زمنه، فحرر القول فيها كلها، وأبدى رأيه في المتكلمين والإلهيين، والطبيعيين، وغيرهم، ثم انثنى على الفرق الدينية، فبدأ بالتعليمية وقوض أركانها إلى أن حط رحاله في حلقة الصوفية، وأبدى إعجابه العظيم بمبادئهم ورد على غلاتها القائلين بالحلول والتناسخ وغير ذلك. وختم كتابه بفصلين موجزين أولهما حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها وثانيهما سبب نشر العلم بعد الأعراض عنه.
هذه هي أمهات فصول هذا الكتاب القيم، الذي تولى طبعه ونشره مكتب النشر العربي بدمشق مشروحاً مضبوطاً، مشكول الآيات، وبالجملة فهو مثل صالح لجودة الطبع والضبط في العصر الحاضر.
وقد صدر بمقدمة مستفيضة عن الغزالي وفلسفته وتحليل المنقذ من الضلال بقلم الدكتورين جميل صليبا وكامل عياد. والذي نراه حرياً بالعناية والتدبر، تلك التوطئة التي حاول فيها كاتبا المقدمة، أن يثبتا استقلال الفلسفة الإسلامية متمثلة بشخصية الغزالي. والحق أن هذه الفكرة التي بسطت في مقدمة هذا الكتاب بإيجاز يصح أن تكون نواة صالحة لسفر ضخم، يجب أن يضطلع بعبء تدوينه أحد علمائنا القديرين في هذا الموضوع الخطير أعني به نواحي استقلال الفلسفة الإسلامية عن فلسفة أرسطو، والأفلاطونية الحديثة، والفلسفة الهندية وغيرها وبدهي أنه موضوع جليل طريف، لم يكتب عنه حتى يوم الناس هذا إلا النزر اليسير.
يقع الكتاب في مئة صفحة، والمقدمة في نحو خمسين، وترى في الكتاب أهم المصادر التي كتبت عن الغزالي، من المشارقة والمغاربة.
ظ ٠ د ٠ ع ٠
طيب الأريج
في الجلاء عن حاجة علم متن اللغة إلى المباني والتخريج
стр. 806
وضع الشيخ أمين ظاهر خير الله العالم اللغوي الكبير رسالة في المباني والتخريج قدمها إلى المجمع الملكي للغة الضاد فقال: أمام هذا المجمع مذهبان له أن يختار أحدهما. الأول: النظر في تراث الأولين بتدقيق فما وجده صحيحاً أقره وما أنكره التدقيق قذف به. . . والثاني: أن يقدس جهود الأقدمين فلا يمد يداً إليها ثم يبني عليها ما يرى بنيانه ثم قال:
فإذا أريد تحرير متن اللغة على وجه يميط اللثام عن دقائق مباني الحروف ومعانيها لتعرف حكمة أوضاعها وتستقيم أقيسه صيغها فلا غنى عن علم المباني والأسلوب المحقق في تخريج الحروف بمقتضاه
وقد عرف الشيخ علم المباني بقوله:
علم المباني من الصرف كعلم المعاني من النحو أو مسك الدفاتر من حساب العدد فالنحو ينظر في تركيب الجمل وصحة إعرابها والمعاني ينظر في كل ذلك وفي مطابقة سبك الكلام على مقتضى المعاني المقصودة به فيستوي عند النحو (إنما زيدٌ عالم، وإنما عالم زيد) فكلا القولين صحيح. أما المعاني فلا يستويان لديه ويذهب إلى أن إنما زيد عالم ينبغي أن ترد حيث لا يصح أن ترد إنما عالم زيد. وكذلك يستلزم موضعاً آخر إنما عالم زيد. ومسك الدفاتر يستخدم القواعد الأربع الحسابية والنسبة والنمرة كما يستخدمها علم الحساب، ولكن له في استعمالها أسلوباً ليس في الحساب، فكل دفتري حسابي وليس كل حسابي دفترياً، وكل معاني نحوي وليس كل نحو معانياً. وعلى هذا يكون كل مباني صرفياً وليس كل صرفي مبانياً.
علم المباني ينظر في المعنى ويختار له المبنى الخاص به فيقول المعنى الفلاني له المبنى الفلاني وإن المبنى الفلاني للمعنى الفلاني.
والشيخ أمين ظاهر خير الله من الذين يفضلون الاستقراء والقياس في تخريج الألفاظ على التقليد فقال إن علم المباني استقرائي كعلم الصرف لأن الثمرة لما خصائص شجرتها، نعم إن الاستقراء مهما أجهد الفرد في استيعابه فلا يصل إلى منتهاه ولاسيما إذا كانت مواد استقرائه غير متسعة، وكانت المعاجم غير مستوعبة اللغة ومحررة العبارة ولا مدفقة المعاني ولا مستكملة المطالب ولا مستقصية المواد
غير أن الشيخ كوالده المرحوم ظاهر خير الله يقول ولذلك يجب أن تكون اعتمادنا في
стр. 807
المباحث اللغوية على القياس إلا في أصول المواد المذكورة في المعاجم.
ويجب أن يكون رائدنا في القياس علم المباني والتخريج.
لسنا نستطيع أن نأتي هنا بجميع الأمثلة التي أوردها صاحب الرسالة لبيان حقيقة هذا فنقتصر على إيراد كلمة واحدة، قال: يروي التصريف للفعلين المجردين: الثلاثي والرباعي بناءين ولكل منهما مزيدات أحصاها الاستقراء منذ القديم ولكل من تلك المزيدات معانٍ، ولكل مبنى من هذه المزيدات قبيل يكثر أو يقل بحسب اقتداره على الاتساع للمعاني المراد سبكها فيه. فقد يأتي معنى ما فيتجاذبه مبنيان فأكثر. فجاء أخبره وخبره وأفهمه وفهمه. وجاء أسرجت الجواد وألجمته. وجاء ثقفت الرمح وقومته ولم يجئ أثقفت الرمح وأقمته. ومن هذا المثال يتضح أن أفعل وفعل بينهما اجتماع على معنى أو معانٍ وافتراق على معنى أو معان.
على أن الفكرة الفلسفية الأساسية التي يجب التصريح بها أن صاحب الرسالة يعتقد أن امتزاج الحروف كامتزاج العناصر الكيمائية فهذه إذا امتزجت تألفت منها الأجسام وتلك إذا امتزجت تألفت منها الألفاظ. ولكل من هاتين الحالتين نواميس طبيعية.
ومن طالع الرسالة أعجب بسعة اطلاع هذا العالم اللغوي المدقق وتمنى للغة الضاد الانتفاع بعلمه وواسع أطلعه.
стр. 808
أخبار العلم والأدب
ذكريات فسيولوجي
نشر الأستاذ شارل ريشة كتاباً جديداً سماه ذكريات فسيولوجي وقد سبق له أن ألف من قبل كتاب العالم ونشر فيه كثيراً من الذكريات الشخصية، إلا أن هذا الكتاب الجديد يحتوي على ترجمة العالم لنفسه مع استعراض لأهم أدوار حياته وقد جمع فيه طائفة من الوقائع والذكريات وجملة من الصور يصف بها حياة ملؤها السعي والنشاط والقوة والصبر، لم يتقاعس فيها لحظة واحدة، ولم يتأخر عن البحث والتدقيق، كل ذلك إلى جانب طائفة من العلماء الذي عرفهم وقضى قسماً كبيراً من حياته معهم. إن وصف شارل ريشة لحياته جميل لأنه بسيط، مفعم بحبه للحقيقة وهو ليس وصفاً لحياته فقط بل هو فصل من تاريخ العلم في هذه السنوات الأخيرة.
قال في أول الكتاب ما خلاصته:
إذا هبط الليل على السائح بعد قطع النهار كله في اجتياز الطريق الطويل تلذذ بالتفكير في الأشياء التي صادفها، والمشاهد التي رآها والأشخاص الذين لقيهم والمواقع التي أخرت مسيره، والشكوك التي آلمته عند انتخاب الطريق السهل.
ولما كانت شمس حياتي قد دنت من الغروب، فإنه يلذ لي كما يلذ لهذا السائح أن أتذكر الأشخاص الذين تعرفت بهم والشكوك والمواقع والرجاء واليأس وخيبة الأمل التي لقيتها.
وليس في حكاية حالي، أنا الفسيولوجي لذة أنانية فقط، بل أن ذلك منفعة - ومنفعة كبيرة - للشبان لأنهم سيشاهدون بقراءة حالي البسيطة ما هي الطرائق والأساليب والمناهج التي يتبعها الفسيولوجي للوصول إلى أثبات بعض الحوادث الجديدة الهامة، وما هي الطرق التي يسلها للعمل بلذة وإنتاج.
الرياضة والأمومة
ألقى الأستاذ (بينه) في المؤتمر الثالث لجمعية الطب خطاباً موضوعه البحث في جمال المرأة والحياة الجنسية قال فيه:
إن الاقتصار على حفظ الجمال والهيام بالألعاب يفقدان المرأة في الغالب الشعور بوظيفة الأمومة.
стр. 809
سل إحدى البطلات، أو إحدى المولعات بالألعاب اللواتي يحاولن الحصول على هذا اللقب، واطلب منها أن يكون لها أولاد. أو اطلب ذلك أيضاً من أحد كواكب السينما. فالأولى تقول لك: إن واجب الرياضة، يمنعني من ذلك والثانية تقول لك، أن الفن لا يسمح لي به.
لاشك أن هناك عاملاً أخلاقياً هو في غاية الانحطاط، لأنه يقضي على غريزة الأمومة أي غريزة المرأة الأساسية التي تبعثها على حب الغير. ويجعل المحراب القديم للميول الطبيعية خاوياً. فلا يرى الرجل في المرأة إلا آلة للذة والبذخ.
ولذلك فبالرغم من أن التربية الرياضية نافعة لنمو جسد المرأة وحفظ بنيتها فإنه من الضروري تعديلها بتربية المرأة تربية أخلاقية صالحة.
جائزة الأدب الكبرى
منح المجمع العلمي الفرنسي جائزة الأدب الكبرى في هذا العام للكاتب (هنري دومونترلان) ولد هذا الأديب في ٢١ نيسان سنة ١٨٩٦، وقد ابتدأ حياته الأدبية بالكتابة في المجلة الأسبوعية وألف كتاب العازبين وكتاب الأحلام وكتاب ينابيع الرغبة، وكتاب صفحات الحنان، وكتاب مبادلة الجنود في الصباح وغير ذلك من الآثار القيمة، وهو كاتب غنائي، كثير الحماسة للرياضة، وقد أشاد في وصف أصدقاء اللعب، ورفاق الحرب والموت، ولكنه مال في آثاره الأخيرة إلى وصف اللذة واليأس والكبرياء.
ازدياد السكان في مختلف البلدان
لقد أثبتت مباحث الأستاذ شارل ريشة وملاحظاته لازدياد السكان في هذه السنوات الخيرة أن العرق الأبيض المحض أقل ازدياداً من العرق الأصفر والعرق الأحمر، وأن نسبة ازدياد هذين العرقين إلى العرق الأبيض هي كنسبة٥ إلى ١. وإن الشعوب الأوروبية هي أقل الشعوب البيضاء ازدياداً وإن أقل الأمم الأوروبية ازدياداً أكثرها مدنية.
النقابات وتربية الشعب
اجتمعت لجنة التعليم في جمعية الاتحاد العام لنقابات العمال في فرنسا منذ بضعة أشهر وأقرت كثيراً من مبادئ التهذيب وطرائق التعليم التي نشرتها على أثر مؤتمر ١٩٣١، وهي مبادئ تتعلق بتربية العمال سواء أكلن في المدرسة أم بعد المدرسة وتلخص هذه المبادئ التي أقرتها لجنة تعليم العمال بما يأتي:
стр. 810
١ - مساواة الأولاد في حق التعلم.
٢ - تحسين المواظبة على المدارس.
٣ - جعل التعليم كله مجانياً.
٤ - جعل التعليم علمانياً وديمقراطياً.
٥ - انتخاب التلاميذ وهدايتهم إلى المهن التي يصلحون لها بحسب استعداداتهم وذلك عند الانتقال من دورة أدنى إلى دورة أعلى في درجات التعليم.
٦ - جعل التعليم ذا غاية اجتماعية.
٧ - تعاون المدرسة والعائلة.
٨ - إبطال مونوبول التعليم لكثرة الأخطار الناشئة عنه.
٩ - جعل العمل حراً لأن ارتقاء الإنسانية المادي والمعنوي تابع لها.
١٠ - جعل التعليم إجبارياً داخل المدرسة حتى الخامسة عشرة وجعله إجبارياً خارج المدرسة حتى الثامنة عشرة.
١١ - تحضير المعلمين في مدارس خاصة.
١٢ - توحيد التعليم بين الذكور والإناث وجعله مشتركاً.
وقد اتجهت أنظار اللجنة في هذه السنة إلى ضرورة تنظيم التعليم خارج المدرسة وتأسيس كليات للعمل يداوم عليها العمال المسجلون في النقابات.
الحكم بالإعدام في اسبانيا
أسس الاشتراكيون في اسبانيا مجلة جديدة سموها (لفياتان)
نشر فيها الموسيو (لويس جيمنس دواسوا) مقالاً بحث فيه عن إبطال الحكم بالإعدام في الجمهورية الاسبانية منذ سنة ١٩٣١. ومما جاء في هذا المقال: إن الجمهورية الاسبانية قد حققت بقوانينها وطرائقها شيئاً من المبادئ الأخلاقية فألغت الحكم بالإعدام. نعم إننا لم نتمكن من إدخال هذا الإلغاء في القانون الأساسي ولكننا أدخلناه في قانون الجزاء سنة١٩٣١. فالدولة لا تستطيع بعد الآن أن تزيل حياة الموجود البشري باسم المنفعة الاجتماعية أو غير ذلك. نعم إن القانون الأساسي لا يمنع الحضارة التي وصلت إليها تمنعها من اقتراف هذه الجناية، وهذا المبدأ أي مبدأ الإلغاء مسيطر على جميع القوانين
следующие страницы →