← Адаб

Адаб · id 73350

مجلة «الثقافة» السورية

خليل مردم بك

Полный текст (812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

اقترنت بالشاعر الكبير يوم كان سفيراً لتركيا في بروكسل وجاءت معه إلى تركيا بعد ذلك العهد. وقد أثرت رواية حياتهما في الكاتب الفرنسي هنري بوردو ونشرت منذ سنين بعنوان (رسائلي إلى عبد الحق حامد) وهي تحتوي على حديث هذه الزوجة الشابة التي جعلت نفسها رفيقة لهذا الشاعر الشيخ. ذكرى أحمد هاشم الشاعر أحمد هاشم من الشعراء الذين يذكرهم الأتراك دائماً ويحترمونهم وقد توفي في السنة الماضية فأقام أصدقاؤه منذ شهر تقريباً في بيت الشاعر الراحل حفلة تأبين لمرور سنة على وفاته وقرئت في هذه الحفلة كثير من الأشعار الرنانة التي نشرت في الصحف التركية، وكلها تدل على ما في نفوس أصدقائه الأدباء والشعراء من الإجلال لشخصه والتقديس لذكراه.

стр. 737

العدد ١٠ - بتاريخ: ١٥ - ٦ - ١٩٣٤

стр. 738

ظاهرة سورية بقلم الدكتور كاظم الداغستاني لقد أوشك علماء الاجتماع جميعاً أن يتفقوا وكثير من الفلاسفة والشعراء من قبلهم على أن الماضي لا يموت، فهو لا يبرح ظاهراً بارزاً بآثاره تحمله الأفراد والجماعات فوق أكتافها وكثيراً ما تضيق به ذرعاً وتنوء تحت أثقاله فلا تجد سبيلاً للخلاص منه. وكما أن للفرد ماضيه الذي لا يكاد ينفصل عنه فللجماعة أيضاً ماضيها الذي تنطبع بطابعه وتجري على غراره وتخضع لحكمه شأت أو أبت. فحاضر الجماعة لا يفسره إلا ماضيها وماضيها هو الأرومة التي تتفرع عنها جميع ما يتألف منه كيانها الاجتماعي من عادات وأخلاق وعقائد وأوهام وحقوق ووجائب. وشأن هذا الماضي مهما كان بعيداً هو الذي حدا بالباحثين عن سر تطور الجماعات والشعوب وتحليل أوضاعها الاجتماعية الحاضرة إلى الرجوع لدرس تاريخ الأمم البعيدة وتفهم ما يمثله ويعيد ذكراه من أحوال تلك القبائل التي تعيش على الفطرة الأولى في مجاهل الصحارى وأقاصي العمران. ودرس الجماعة السورية الحاضرة لا يشذ عن هذه القاعدة ولا يختلف في طريقة التحليل والاستقراء عن تلك الأصول. فالسوريون لهم ماضيهم الذي لا يموت، والسوريون لهم حاضرهم الذي لا يبرح منطبعاً بطابع ذلك الماضي البعيد وفي ثنايا هذا الحاضر كثير من الظواهر الروحية والصفات النفسية التي لا يفسرها إلا ما انتقل إلى نفوسهم وامتزج بأرواحهم من عوامل الغابر. فلقد كانت سورية منذ عرفها التاريخ وتحدث عنها المؤرخون صلة بين جهتين من جهات العالم الأربع، ومرحلة لابد من أن يجتازها ابن الغرب في طريقه إلى الشرق في طريقه إلى الغرب. ولقد حدت عوامل البيئة والإقليم والوضع الجغرافي بأبناء هذا القطر الضيق المتطاول أن ينشطوا إلى العمل ودعتهم غرائزهم إلى أن يستثمروا من موطنهم ما منحه إياه موقعه من هبات بعد أن رأوا البحر من أمامهم ورمال الصحراء من ورائهم فاندفعوا إلى البحر يركبون أمواجه ويصارعون أنواءه، فينقلون من الشرق ما يبيعونه إلى الغرب ويتاجرون في الشرق بما ابتاعوه من الغرب وينتقلون بين الشرق والغرب فيجعلون بلادهم المتوسطة محطة يستريحون ويريحون ركبهم بها ويحسبون خلال راحتهم مرابحهم ومكاسبهم التي جمعوها، ثم لا يلبثون إلا القليل حتى يعودوا إلى أسفارهم وإلى مرابحهم

стр. 739

ومكاسبهم منها، واستمروا على ذلك إلى أن أصبحوا تجار العالم ليس من يجاريهم في جلب الأرباح ومعرفة أساليبها وحساب فوائدها والعمل على أنماء ودرء ما قد يحول دون ذلك. وتأصلت هذه الظاهرة الروحية في أنفسهم ومرت الأجيال وتعاقبت الأنسال وهي لا تزداد إلا رسوخاً حتى أصبحت التجارة وحساباتها غريزة من غرائزهم تكاد تغمر ما عداها من صفات نفسية، فأحبوا المال أكثر مما يحبه الناس جميعاً وتهافتوا على جمعه وادخاره حتى جعلوه غايتهم الأولى وهدفهم الأسمى. وكان من شأن تلك الصلة بين الشرق والغرب التي اختص بها موطنهم إن غزت بلادهم مختلف الأقوام وحلت بين ظهرانيهم أنواع الشعوب، ولكنها جميعها لم تلبث بعد أن مضى عليها حين من الدهر معهم أن تطبعت بطبائعهم ونسجت على منوالهم، فقلدت أساليبهم واقتدت بهم في مراميهم التجارية وأصولهم في العد والحساب وتشبهت بهم في كل شأن من شؤونهم حتى أصبحت وإياهم على سواء في حب المال والتهافت على جمعه وادخاره وظهرت الأديان في سورية متعاقبة فلون كل منها هذه الظاهرة السورية بلون خاص ولكنها لم تستطع جميعها أن تأتي عليها أو تمحوها. وكان من شأن هذه الظواهر القديمة الراسخة أن حرفت هي نفسها كثيراً من وجوه الأديان وأحكامها وشوهتها واستخدمتها في أغراضها وجعلتها ترمي لغير الهدف الذي دعا إليه أصحابها. واختلاف بعض مظاهر الدين الواحد بالنسبة لأمزجة الشعوب التي فرض عليها أو ظهر بينها واصطباغ الكثير من أحكامه بصبغة الوسط والبيئة والجماعة حادث اجتماعي مقرر معروف لم يعد من حاجة للجدل فيه. وبالرغم عن الأديان وتعاقبها في سورية ودعوتها للانصراف عن متاع الدنيا وحطام المادة، فقد ظلت هذه الظاهرة التي بنيت على النفع المادي وما ينشأ عنه من حب الكسب واتخاذ الربح غاية في الحياة، تعمل عملها في تكوين تلك العقلية التجارية ذات الحساب الدقيق في كل وجه من وجوه العيش حتى أبعدت السوري عما يسمونه المثل الأعلى الذي أصبح في هذا العصر مبعث النشاط الفكري وأقصت من روحه حب العمل للعمل نفسه الذي هو مصدر العبقرية الخالدة والعامل الأول في إنمائها. وليس من الصعب على المولع بدرس طبائع الأفراد والجماعات وتفهم سر تطور العقلية فيها واستقصاء عواملها الاجتماعية والروحية أن يلمس هذه الظاهرة البارزة في الجماعة السورية ويتعرف أسبابها البعيدة، على أننا مع ذلك لا ننكر أن التعرض لمثل

стр. 740

هذا البحث الخطر تعرضاً علمياً لا شيء من الشعر والخيال فيه يدعو لكثير من التحليل والدرس ويتطلب تعليلاً قائماً على الاستقراء مستنداً على وصف الواقع في مختلف الأوساط والجماعات السورية وتفهم أوضاعها الروحية والاجتماعية مما لا نستطيع أن نوجزه جميعه في هذه العجالة، على أن ذلك يجب أن لا يمنعنا من أن نشير في مقالنا هذا إلى بعض تلك الوجوه الظاهرة السورية القديمة التي أوشكت أن تتصل بكل منحى من مناحي حياتنا الاجتماعية وتطفو عليها. ويخيل إلينا أن أهم ما يدل عليها هو البحث عما ينافي وجودها في مختلف الأوساط والجماعات السورية وليس من شيءٍ ينفي وجودها مثل ظاهرة التهافت على العمل حباً بالعمل نفسه أو العمل في سبيل الجماعة مجرداً عن الغاية الفردية والنفع الذاتي. وإذا شرعنا بدرس الأوساط والجماعات التي نعيش فيها، فاخترنا منها بادئ ذي بدء أوساطنا العلمية والفكرية، وعرضنا حياة أصحابها الخاصة والعامة على التحليل والدرس، تحليلاً صادقاً بعيداً عن العاطفة والهوى ومجرداً عن النزعة القومية والدينية، لعز علينا أن نجد فيهم ما ينفي هذه الظاهرة المتأصلة في النفوس أو ما يدل على ضدها من حب العمل للعمل نفسه والانصراف إليه حرصاً على تقدمه وإصلاحه أو الإقدام عليه في سبيل الجماعة أو في سبيل الخير العام. وإذا عن لك أن تردد بخاطرك ذكرى جميع من عرفتهم من مواطنيك من رجال العلم والفكر في هذا الزمن الذي تعيشه من علماء وشعراء وفنانين وأساتذة وأطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم من أرباب الحرف الحرة المنتشرين في طول هذا الوطن وعرضه لتبين لك بوضوح وجلاء أن القوم، ونحن في مقدمتهم، على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، تجار قدماء أرغموا أنفسهم على أعمالهم أرغاماً سعياً وراء الربح لا حباً بهذه الأعمال ولا ولعاً بذاتها، فغايتهم الأولى المال، وهدفهم الأسمى النفع المادي، لا يخطون خطوة إلا ويحسبون ما يحنون من ورائها من كسب، ولا يفكرون بمشروع إلا وأنفسهم في المقدمة وربحهم قبل كل حساب، سواء كان ذلك مما يعود على العمل نفسه بالنفع أو بالضرر وسواء لديهم خسر العمل أو ربح، فالعلم والأدب والصنعة والمسلك والحرية وحتى الفن والشعر والجمال في نظرهم، واسطة من وسائط الغنى وجمع المال لا أكثر ولا أقل. لقد بلغت هذه العاطفة من نفوسهم مبلغاً أماتت فيها كل عبقرية خالدة تنشأ من حب العمل والولع به والانصراف إليه بسائق الهوى والشغف، فليس بينهم من

стр. 741

وفق حتى الآن للإبداع والإيجاد وليس بينهم من استطاع الاختراع والاكتشاف بما في هذه الأسماء من معنى، وليس بينهم من قدر أن يثبت للناس أن تلك الظاهرة التجارية القديمة قد تلاشت في نفوسهم، فهم ما برحوا، بمظهرهم الروحي وعاطفتهم النفسية، أولئك الفينيقيين أبناء سورية القدماء الذين ضربوا في عرض البحر واقتحموا أمواجه ولا غاية لهم من وراء ذلك إلا ربح المال وجمعه وادخاره. وللباحث أن يستمر في تحليل تلك العاطفة ويتتبع آثارها وعواملها في الأوساط والجماعات السورية الأخرى. فالجماعات التي تعمل باسم الأديان وتنتسب إليها، والجماعات التي تتصف بصفة السياسية وتعلن انصرافها إليها، والجماعات التي تمارس الأعمال الاقتصادية والعمرانية وتتخذها حرفة لها. والجماعات التي يتألف منها موظفو الدولة والإدارات العامة ومأموروها ومستخدموها، والجماعات التجارية والمالية نفسها، هي كلها مما يمكن للمحقق الاجتماعي أن يعرضه على التحليل والدرس بطريقة الوصف والمقايسة والاستقراء والاستنتاج بعد تفهم روحية الأفراد وتعليل العوامل النفسية التي تدفعهم إلى أعمالهم والصلات التي تربطهم بها، وبذلك ينتهي به البحث والتحليل إلى أن يضع موضع الجلاء والوضوح كثيراً من الشواعر النفسية والظواهر الروحية وويلقي عليها من نور البراهين والحجج المستمدة من وصف الواقع ما يؤيدها أو ينفيها تبعاً لما هي كائنة في ذاتها. وقد يذهب الظن بالقارئ لأول وهلة إلى أن هذه الظاهرة التجارية المادية التي يبرز من الوجهة العامة جلية واضحة عند تحليل نفسية الفرد السوري في هذا العصر هي مما يدعو لغنى الأمة السورية وزيادة ثروتها وتبسطها في مجال المدينة وأسبابها التي لا تقوم دعائمها غلا على المال مع أن الأمر على عكس ما قد يذهب الظن إليه. فتهافت الفرد على جمع المال وكسبه، وتفانيه في سبيل ادخاره واستثمار ليس هو مما يؤدي حتماً إلى غنى الأمة وازدياد ثروتها وقوتها. نحن لا ننكر، ولا من يستطيع أن ينكر، أن الجماعة تتألف من أفراد وأن الأمة قائمة بأبنائها، لكننا نعتقد ونجزم بما يعتقده علماء الاجتماع في هذا العصر أن للجماعة كياناً قائماً بذاته يفرق عن كيان الأفراد. فالفرد الذي يعمل لنفسه ولنفسه فقط لا يفيد الجماعة بشيء لان هذه الجماعة بكيانها المستقل تحتاج لأفراد مخلصين يعملون لها لا لأنفسهم ويسعون لفائدتهم، فقد يربح الفرد ويكسب فيكون في ربحه وكسبه خسارة للجماعة

стр. 742

وقد يستفيد الفرد بما يضر الجماعة وقد يوسر الفرد ويغنى مستمداً ثروته وغناه من فقر الجماعة التي ينتسب إليها، وكثيراً ما يجازى على حبه لذاته وأنانيته وعمله لنفسه دون جماعته، جزاء غير المخلصين من الناس، فيذهب ما ربحه هباء منثوراً ويتسرب لغيره ما كسبه وادخره هو لنفسه، وما سبب ذلك إلا أنه ابن جماعة فقيرة ضعيفة ليس في استطاعتها أن تحافظ على حقه أو تدافع عن ماله وكيانه. هذا ولا يذهبن الظن بمن اعتادوا تأويل هذه الأبحاث تبعاً لما توحيه إليهم أغراضهم ومراميهم في الحياة إلى أننا نود أن نقول أن هذه الظاهرة التجارية التي ألححنا في وصفها وبيان عللها ونتائجها هي مما لا يتفق عم غيرها من ظواهر روحية مجيدة اشتهرت عن السوري وامتزجت بأخلاقه، فذكر الشيء لا ينفي ما عداه وتبسطنا في ذكر هذه الظاهرة لا ينفي أن في الروح السورية أيضاً من مختلف الظواهر والعواطف النفسية والميزات الأخلاقية التي مابرح السوري محتفظاً بها أيضاً من ماضيه البعيد والقريب ما يدعو للتفاخر والاعتزاز بها، فنحن إذا تعرضنا لوصف هذه الظاهرة التجارية المادية وحصرنا البحث بها دون سواها فما ذلك إلا لأننا رأينا أن الحاجة الماسة لإصلاحها تدعو للفت نظر الباحثين إليها ولوجوب تحليلها وتفهمها. فالعقلية في الأمم لا تلبث على حال واحد، فهي تابعة، ككل شيء، لنظام التطور والتغير وأساليب الإصلاح الاجتماعي القائمة على العلم الصحيح تستطيع أن تتناول كل ناحية من نواحي هذه العقلية حتى أقدم ما رسخ وتأصل فيها. وأننا إذا عنّ لنا في يوم من الأيام أن نتطاول ونزعم أننا ممن يستطيعون رسم خطة إصلاح لهذه الظاهرة الروحية في الجماعة السورية وحصر حدودها ونطاقها لما تواجدنا أمامنا ما نعالج إصلاحه من الأوضاع الاجتماعية قبل كل شيء غير العائلة السورية ونظامها القديم البالي الذي تربينا عليه ونشأنا في ظله، فالعائلة هي الحلقة التي تصل بين الماضي والحاضر، والعائلة هي الوسيط الأول بنقل آثار الماضي إلى أوضاع الحاضر، والعائلة هي الجماعة الأولى التي تقوم عليها دعائم الأمة بأسرها في الماضي والحاضر معاً. وهذا ما نرجو أن نوفق لمعالجته في مقال آخر. كاظم الداغستاني

стр. 743

طبيعة الوجود حديث بين رابندرانات تاغور وآينشتاين في بيت آينشتاين بكابوت يوم ١٤ تموز ١٩٣٠ بعد الظهر آينشتاين - هل تؤمن بأن هناك شيئاً إلهياً مفارقاً للعالم. تاغور - لا، أنه غير مفارق. أن شخصية الإنسان اللانهائية تشمل العالم. لا يوجد شيء لا تستطيع شخصية الإنسان أن تكون فوقه هذا يدل على أن حقيقة الكون هي الحقيقة الإنسانية، انتخبت حادثاً علماً لتصوير ذلك. أن المادة مؤلفة من بروتونات والكترونات بينها فراغ ومع ذلك فالمادة يمكن أن تظهر صلبة. كذلك البشرية فهي مركبة من أفراد، ومع ذلك فإن بين الأفراد صلات وعلاقات بشرية تهب عالم الإنسان صلابة حية والكون متصل بنا أيضاً على هذه الصورة، فهو كون بشري. لقد تتبعت هذا الفكر في الفن والأدب وشعور الإنسان الديني. آينشتاين. - يوجد نظرات مختلفات في طبيعة الكون: ١ - العالم من حيث هو وحدة تابعة للبشرية، ٢ - العالم من حيث هو وجود مستقل عن العوامل البشرية. تاغور. - إذا اتسق الكون مع الإنسان الأبدي عرفنا حقيقته وشعرنا بحماله. آينشتاين. - إن هذا النظر إلى الكون إنساني محض. تاغور - لا يوجد مفهوم غير هذا أن هذا العالم هو إنساني، ومفهومه العلمي هو مفهوم الإنسان الكلي. هناك درجة من العقل والتلذذ تجعل العالم حقيقياً، وهي مقياس الإنسان الأبدي الذي تصدر تجاربه عن تجاربنا. آينشتاين - إن هذا الأمر هو تحقيق للذات الإنسانية. تاغور - نعم، الذات الأبدية، يجب علينا أن نحققها بانفعالاتنا وأفعالنا نحقق الإنسان السامي الذي ليس له حدود شخصية تشبه جدودنا. العلم يهتم بما هو غير مقصور على الأفراد، فهو عالم بشري لا شخصي. يوجد الحقائق ويجمع بينها وبين أعمق حاجاتنا. أن لشعورنا الفردي بالحقيقة معنى كلياً. أن الدين يطبق على الحقيقة قيماً. والحقيقة تبدو لنا وجودية لا تساقنا وتآلفنا معها.

стр. 744

آينشتاين. - وعلى ذلك تكون الحقيقة (أي الجمال)، غير مستقلة عن الإنسان؟. تاغور - نعم غير مستقلة. آينشتاين - إذن لولا وجود أفراد البشر لما كان ابولون بيلفيدر جميلاً. تاغور - نعم. آينشتاين - أني أوافقك على رأيك في الجمال ولا أوافقك على رأيك في الحقيقة. تاغور - لماذا لا توافقني أن الحقيقة موجودة في الإنسان. آينشتاين - لست استطيع أن أثبت صحة رأيي، ولكن ذلك هو ديني وإيماني. تاغور - الجمال في المثل الأعلى الكامل المتحقق في الموجود الكلي. والحقيقة هي الفهم الكامل للروح الكلية. ونحن الأفراد نتقرب منها بواسطة أخطائنا وضلالا لتنا وتجاربنا المجتمعة وشعورنا المستنير - كيف نستطيع أن نطلع على الحقيقة بدون ذلك؟ آينشتاين. أنني لا استطيع أن أثبت علمياً أن الحقيقة يجب أن تدرك مستقلة عن البشرية. ولكنني أؤمن بذلك إيماناً قوياً. اعتقد مثلاً أن نظرية فيثاغوروس في الهندسة تثبت شيئاً قريباً من الحقيقة مستقلاً عن وجود الإنسان. وسواء أصح ذلك أم لم يصح فإن هناك وجوداً مستقلاً عن الإنسان وحقيقة تابعة لهذا الوجود، إن إنكار الوجود يقتضى بالضرورة إنكار هذه الحقيقة. تاغور. - إذا كانت الحقيقة لا تختلف عن الموجود الكلي وجب أن تكون إنسانية بالذات. ولولا ذلك لما كان الحقيقي صحيحاً، وخصوصاً الحقيقة العلمية التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالمنطق أي بآلة التفكير الإنسانية. جاء في الفلسفة الهندية أن يراهما هو الحقيقة المطلقة، وإنه لا يدرك بالفكر الفردي، وإنه لا يوصف بالألفاظ بل يمكن تحقيقه بانصهار الفرد تماماً في اللانهائية. غبر أن هذه الحقيقة ليست من نطاق العلم. إن طبيعة الحقيقة التي نتناقش فيها هي ظاهرة من الظواهر أي أن ما يبدو حقيقة للفكر البشري - وهو بالنتيجة إنساني - يمكن أن يدعى (مايا) أي الضلال. آينشتاين. - وهكذا حسب رأيك (الذي قد يكون مذهب الهنود) أن هذا الضلال ليس ضلالاً فردياً بل هو ضلال البشرية جمعاء.

стр. 745

تاغور. - أننا في العلم نتبع طريقة تؤدي إلى حذف حدود أفكارنا الفردية ونصل هكذا إلى مفهوم الحقيقة المرتكزة على فكر الإنسان الكلي. آينشتاين. - إذن فالمسألة هي: هل الحقيقة مستقلة عن شعورنا؟. تاغور. - إن ما نسميه كائن في الاتساق العقلي بين الوجهات الشخصية والوجهات الموضوعية للوجود، وهذه الوجهات كلها للإنسان اللاشخصي أي الذي هو فوق الأشخاص. آينشتاين. - ولكننا نشعر، حتى في حياتنا اليومية، إننا مضطرون إلى الاعتراف بأن للأشياء التي نستعملها كل يوم وجوداً مستقلاً عن الإنسان. أننا نفعل ذلك لإيجاد نسبة معقولة بين مسلمات الحواس المختلفة. مثال ذلك إذا أحد لم يكن في البيت فإن هذه المنضدة تبقى حيث هي. تاغور. - نعم، إنها خارج العقل الفردي، ولكن ليس خارج العقل الكلي. إن هذه المنضدة التي أراها تدرك بشعور شبيه بشعوري. آينشتاين. - إن وجهة نظرنا الطبيعية في وجود الحقيقة مستقلة عن الإنسانية لا يمكن أن توضح ولا أن تثبت، ولكنها اعتقاد لا يفارق أحداً حتى الإنسان الابتدائي، فنحن نقول بموضوعية الحقيقة ونعتقد أن هذه الموضوعية هي فوق الإنسان وإن الحقيقة ضرورية لنا وأننا، وإن كنا لا نعرف معنى هذا الوجود وحقيقته، نثبت للحقيقة وجوداً مستقلاً عن وجودنا وتجاربنا وعقولنا. تاغور. - لقد أثبت العلم أن المنضدة من حيث هي شيء صلب ليست إلا ظاهرة من الظواهر، ينتج من ذلك أن الشيء الذي اعتبره العقل البشري منضدة لا وجود له إلا إذا كان العقل موجوداً. وفي الوقت نفسه يجب أن نعلم أن خالص وجود المنضدة من الوجهة المادية ليس إلا جملة من مراكز القوى الكهربائية المنفصلة والدائرة بعضها حول بعض وإن حقيقتها تابعة أيضاً للعقل البشري. إن في معرفة الحقيقة نزاعاً أبدياً بين الفكر البشري الكلي والفكر البشري الضروري. وهناك وئام دائم يحصل بين علمنا وفلسفتنا وأخلاقناً. وعلى كل حال فإنه إذا وجد حقيقة مطلقة لا علاقة لها لا إنسانية فهي بالنسبة إلينا غير موجودة. ليس من الصعب أن نتخيل فكراً لا يطلع على الأشياء ضمن نطاق المكان بل داخل الزمان

стр. 746

كترتيب الأصوات في الموسيقى. إن مفهوم الوجود بالنسبة إلى هذا الفكر متصل بالوجود الموسيقي الذي لا معنى للهندسة الفيثاغورية فيه. إن حقيقة وجود الورق مختلفة تماماً عن حقيقة وجود الأدب. فالأدب غير موجود بالنسبة إلى الحشرات التي تأكل الورق، ولكن بالنسبة إلى عقل الإنسان للأدب قيمة أعظم من حقيقة الورق. وبالصورة نفسها إذا كان هناك حقيقة ليس لها بفكر الإنسان علاقة حسية أو عقلية فلا قيمة لها بالنسبة إلينا ما دمنا بشراً. آينشتاين. - إذن، أنا أكثر إيماناً منك تاغور. - إن ديانتي هي في الاتفاق بين الإنسان اللاشخصي (أي الفكر البشري الكلي) وبين الوجود الفردي. وهذا هو موضوع محاضراتي في هيبر التي سميتها ديانة الإنسان. نقلاً عن ديانة الإنسان لتاغور

стр. 747

الحدس والخيال قد أخطئ فيحاول عقلي أن يثبت ما توهمه حسي فلا أصل إلى نتيجة، بل أشعر بفساد الحدس الأول وأعجب من محاولتي البرهان على شيء باطل، ذلك لأن الحدس الأول قد تولد من علاقات حسية، واتفاقات محدودة، فعممت نفسي ما شاهدته، وظننت أن ما ينطبق على هذه الأمور المحدودة ينطبق أيضاً على غيرها. . . فما أكثر الخطأ الذي يتولد من التعميم. لو كان الإنسان قليل الخيال، مقيد الإرادة لخف الخطأ. ولكن الخيال زهرة، وهو نفسه يقود الإنسان إلى الهاوية. ولو كنت مؤيد النفس بشدة الصفاء لما أخطأ حدسي، غير أن حجاب الحس الكتيف يمنعني من النفوذ إلى أعماق الأشياء. إذا أشرق الحدس وانبلج النور، صمت العقل، ونطق الخيال. حدسي وخيالي هما سبب حزني لا بل علة سروري، ولعلهما كانا أيضاً علة وجودي. . . فيا ليتني كنت ضعيف الحدس، ميت القلب قليل الخطأ، ضيق الخيال. جميل صليبا

стр. 748

مذهب في قصة زواج يقود إلى السعادة وزواج يقود إلى السجن بقلم الدكتور منير العجلاني عاش الدكتور جميل في باريس، كما عاش (راما) في الغابة المقدسة، لم يعلق فؤاده بحب، ولا شغف بلعب، ولا أخذ بشيء مما يؤخذ به الشبان. وقد عاد إلى البلاد، طاهراً كالنار، ثابتاً كالجبل. . كان في حياته المدرسية، في دمشق، أحب فتاة مسيحية تدعى إيفون وهي على حظ كبير من الجمال والتهذيب، ولها صوت حنون يزيدها رواء، ويعطي كل شيء حولها قلباً يفيض بالحب ويتذكر. . . لم يكتب إليها منذ سنوات، ولكنه كان مطمئناً إلى أخلاصها، عارفاً أنها تنتظره، وقد رآها أمس في حلمه، بل قد عاش حيلته كلها في حلم الليلة الفائتة. رأى نفسه في مدرسة السيدة ماري أم إيفون، طفلاً بكاءً لجوجاً، تمازحه ايفون وتطايبه وتبدل دمعته ضحكة عالية! ثم رأى إيفون في أغنى حلة لبستها طفلة، تغني وتعزف على البيانو، بين يدي مفتش للمعارف يطرب لها أي طرب، ويبشرها بمستقبل عظيم، ويقول لوالدتها: إن فتاة لها جمال بنتها وفنها، يجب أن تكون زوجة باشا! أزعجت جميل هذه النصيحة البغيضة، فهجم على المفتش يلكمه ويشتمه، ولكن المفتش قابل غضبه ببرودة هائلة، لأن السيدة ماري أفهمته السر: فقد وعدت (جميل) بأن تكون إيفون زوجة له، تسكن معه في بيت واحد وتغني له صباحاً ومساء لا تطلب منه لقاء ذلك إلا أن يحفظ دروسه ويصلح سيرته، فكيف يريد مفتش المعارف أن يزوجها، متى كبرت، من باشا، لم يحفظ دروسه ولا تأدب ولا مزية له سوى أن له شاربين طويلين، وصوتاً ضخماً؟ استعرض جميل صور حبه واحدة واحدة، وانتهى به المطاف إلى يومه الحاضر وقد بلغ به هو وايفون سن الصبا العنيف، فأخذ صورة ايفون وأنشد بصوت سحبه من أعماق نفسه: يا قبلتي في صلاتي ... إذا وقفت أصلي!

стр. 749

فعاشت الصورة في يده، أجل خرجت ايفون بلحمها وعظمها من الصورة وقالت له بصوت مارت له كل ذرة في جسمه: أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي ... يضركم، لو كان عندكم الكل! ثم عادت ايفون إلى الإطار، وإنه ليرقب هذه الأعجوبة، إذ دق الباب، ودخلت الخادم تدعوه إلى الفطور، فغادر أحلامه اللذيذة. . . - ٢ - في غرفة الطعام، التي تمثل ناحية من ارستقراطية العائلة ومحافظتها، جلس الأب محمد باشا في جهة من المائدة، وإلى يساره الأم وفي الجهة المقابلة جميل وأخته زليخا. ساد سكون رهيب، ثم قال الأب: - جميل! أريد أن أقول لك في صراحة لا التواء فيها أمراً يهم العائلة، أمر زواجك! وساد السكون مرة ثانية ثم قالت الأم: - أعرف فتاة من أحسن البنات أخلاقاً، هي بنت أحمد باشا، الشريف العريق والمثري الكبير، لها اسم حلو هو اسمك (جميلة) وافق أبول على أن نخطبها لك أحس جميل الذي أحب إيفون ولم يفكر في غيرها، أن صاعقة تنقض عليه فتحطمه تحطيماً، ولكنه جمع المتناثر من قواه، وقال بصوت متقطع: - أيسمح لي سيدي الوالد بكلمة؟ أجابه الأب: قل ما تشاء وأنس أنك في حضرة أبيك. قال: إن أمر الزواج يستلزم تفكيراً طويلاً. قال الأب: ولكننا نفكر فيه منذ زمن طويل. وقد عرف الناس جميعاً أن جميلة ستكون زوجتك. . لأنها خلقت لك، ولأنك أنت خلقت لها. . . . قال جميل - وكيف أتزوج امرأة لم أرها ولم أسمع حديثها؟ يجب أن أحب قبلاً ثم أتزوج. . قال الأب - إن زليخا تغنيك عن رؤية جميلة والتحدث عنها، فبلاغتها أبرع في التمثيل من آلة المصور. أسمع ما رواه الأصمعي عن (عصام) التي وجهها الحرث الكندي إلى ابنة عوف لتراها وتمتحن ما بلغه عنها، وقد وصفتها له بما هو أفضل من رؤيته لها. فقالت:

стр. 750

(رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك. . . إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلاها الوابل، ومع ذلك حاجبان كأنهما خطا بقلم أو سودا بحمم، قد تقوسا على مثل عين الظبية. . بينهما أنف كحد السيف المصقول لم يخنس به قصر ولم يمض به طول، حفت به وجنتان كالأرجوان، في بياض محض كالجمان، شق فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غرر، وأسنان تعد كالدرر، وريق كالخمر له نشر الروض بالسحر. . . . وقد تربع في صدرها (صدر كتمثال الدمية) حقان كأنهما رمانتان، من تحت ذلك بطن طوي كطي القباطي المدمجة. . خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر، لولا رحمة الله لأنخذل. ولها ساقان خدلجتان كالبردي يرى من صفائهما مخ العظام، ويحمل ذلك قدمان لطيفان، كحرف اللسان، تبارك الله مع صغرهما كيف يطيقان حمل ما فوقهما) الخ. الخ. ألا ترى يا جميل كيف أن الوصف يغني عن الرؤية؟ إنني أرى بنت عوف، كما رأيت أمك قبل الزواج بما حدثوني عنها! قال جميل - أما أنا يا والدي فقد أتصور ابنة عوف كالتي تتصورها، ولكنني لا أحبها. . أو قد أحب صورة لها أتخيلها ولكنها لا تشبه صورتها الحقيقية، فأنكب إذا ما رأيتها في أملي وخيالي، يجب أن أرى أولاً. . قال الأب: ولدي! ألم تكتب إلي أن إقامتك في باريس بعثت في نفسك الكره لكل ما هو غربي وزادتك بأخلاق بلادك إعجاباً. اليوم جاءت الساعة لتقدم الدليل على ما قلته. لقد أصبحت ملكاً لنا، ملكاً لهذه البلاد التي تبرهن على حبك لها بإتباعك عاداتها. إن العائلات السورية لن تمكنك من رؤية بناتها والتحدث إليهن، وإذا استطعت أن ترى خلسة فلن تستطيع أن تكاتب، وإذا استطعت أن تكاتب فلن تملك أن تتحدث، وإذا تحدثت، فبغير ما يروي الظمأ. إن بعض العائلات تتساهل في هذه الأمور، وأما العائلات العريقة في الشرف والتقوى، فما زالت محافظة، وزوجتك يجب أن تكون من هذه العائلات المحافظة، فلا طمع إذن في أن تراها! قالت زليخا: ولكن عندي صورة جميلة. هاهي - ودفعتها إلى أخيها! أخذها جميل وتأمل فيها طويلاً ثم قال:

стр. 751

- لا أقول أنها قبيحة، فقد يعجب بها غيري، ولكن هذا الشكل ليس بالشكل الذي أحب، كلا ولا الشكل هو كل ما أحب حتى أقنع برؤية الصورة. إن الإنسان لا يحب الجسم وحده، على أن نفسي تحدثني أنني لن أحبها. . قال الأب: هل خيرت يا ولدي في حب أمك؟ أنك أحببتها بعد أن عرفت أنها أمك، لم تخير فيها ولا خيرت في حبها. هكذا زوجتك. إنك ستجدها غداً إلى جانبك، وستحبها لأنها تحبك ولأنها أم أولادك. وي! تريد أن ترى وتتحدث، وتنتقل كالنحلة من فتاة إلى فتاة، تحب هذه شهراً، وتلك شهرين، والثالثة نصف عام، تبقي عند هذه ذكريات، وتحتفظ من تلك ذكريات، تثير هنا شكوكاً، وهناك حقداً، حتى تصل إلى فتاة تحبها حباً عنيفاً يسوقك إلى الزواج، وبعد أن تتزوج يبرد الحب وتعرف أنك كنت مخدوعاً وأن بين اللائي عبثت بقلوبهن من كانت أجدر بحبك! لا، إن هذا الأسلوب الغربي الجاني لا يعجبني قط! تزوج فتاة لم تحب قبلها أحداً، ولا ترجو أن تحب بعدها أحداً، وإذا كان فيها نقص بسيط لم يفطن له الذين خطبوها فأنسه كما تنسى عيوب أمك وأبيك وأحبها كما تحب أمك رغم نقائصها، أحبها حتى في عيوبها! ولدي، أنا ما دعوتك لأسألك رأيك، فأنا أعرف بسعادتك منك. إن جميلة خطبت لك! قضي الأمر! تظن أنك لن تحبها، ولكنها اجتمعت لها كل المزايا الحسنة. . . . وغداً ستلبسها من وراء الباب خاتم الخطبة، فترى يدها اللطيفة. . - ٣ - غادر جميل الدار بحجة أنه يريد أن يزور طائفة من أصحابه، ولكنه قصد إلى حانة قريبة فتناول شيئاً من المسكر وذهب إلى دار السيدة ماري، حيث كانت ايفون تنتظره. شعر أن السكر بدأ يأخذ منه، فقال لايفون: أقسم لك أنني ما تناولت مسكراً في صباي إلا اليوم، أجل سكرت اليوم ولكن من أجلك. جئت لأطلب منك أن تكوني زوجتي، جئت لأقول لك أنني أعبدك. قالت له في لطف كثير: ولكن الربة لا تكون زوجة لعبدها، قد تكون صديقة، فلنبق صديقين. أنا أعرف يا جميل أن لك خطيبة، ولكنني أحبك للصداقة الماضية ولإعجابي بك، ومادمت كاتباً فسيكون لي نصيب من قراءة أدبك، ولن تبخل علي بزياراتك، كما كنت

стр. 752

تفعل وأنت في المدرسة. إن الفتيات اللائي يولدن في عائلات متواضعة مثل عائلتي لا يتزوجن من الأشراف الأغنياء، واذكر أنك مسلم وأنني مسيحية وأن من غير المألوف زواج المسلم من المسيحية. قال: ولكنك أجمل فتاة على الأرض، وأغناهن مزية! لا تظني أن الخمر يملي هذا القول، إنه يحل عقدة لساني، هذا كل ما في الأمر. أنت زوجتي، أما خطيبتي، فليست خطيبتي. . . . قالت: كيف ذلك! إن أمك وأباك يريدانها بكل قواهما. وإن للأم والأب حقوقاً يجب أن تحترم. . قال: ايفون، أن لي في حياتي ثلاث رسائل: أن أحب وطني، وأن أحب عائلتي، وأن أحبك. فإذا كرهتني، وكرهتني عائلتي، فلن استطيع أن أخدم الوطن، لأنكما مصدر عبقريتي، وماذا يبقى نمن عبقريتي، ماذا يبقى من قلبي، إذا زلتما منه؟ قطعة من اللحم! أنا لم أشرب الخمر، ولكن حياتي كانت سكرى. كنت أسكر من رؤيتك، ومن حديثك، ومن ذكراك، وكان يحبب الحياة إلي إنك ستكونين رفيقتي فيها، وإن روحي ستقرن إلى روحك. وكان بينهما جدل طويل، يطلب وتدفعه وفي النهاية قال لها في حزم كثير! ايفون، هل تعتقدين أنني إذا قلت أفعل؟ قالت نعم، أنا أعرفك، وما أظن أن الغربة بدلت من طباعك، فهي متأصلة فيك! قال: إذا لم تلبي ندائي، فلن تريني ولن يراني أحد، لأنني بعد أن أفقد ثقتي بك، يفقد العالم في نظري كل جمال. . لا تظني أنك تضحين نفسك من أجلي برفضك، فرفضك تضحية بي قبل كل شيء. هلمي، أجيبي، أتقبلين؟ قال ذلك وأنشأ ينظر إليها، وقد بدت في ثوبها الحريري الأزرق الشفاف فتنة من الفتن، ليست التي رسمها عصام إلى جانبها، إلا تشويهاً، أنشأ ينظر إليها نظرة كلها استعطاف، فأجابته بصوت ناعم، والدمع يترقرق في عينيها: إذا أردت. . . - ٤ - مأساة وسعادة مضت أشهر على زواج جميل، وقلب الأب لم يلن. . يكتب إليه فلا يجيبه ويزوره فيتوارى عنه، ويهدد كل من يختلف إليه بغضبه وحرمانه من الإرث!

стр. 753

عانى جميل كثيراً من العذاب في بيروت التي هاجر إليها طلباً للحياة، ولكن زوجته ايفون كانت له اللطف سلوى. . وفي ذات يوم تلقى جميل زيارة أخيه البكر خالد، فسأله عن حياته الزوجية فأجابه بكلام كان يخرج من صدره كأنه قطع من الجحيم، أن زوجتي (حدراء) مسافرة في لبنان، مع أبيها، وقد سميتها (الحلقة المفقودة) لأن الإنسان يحار في أي الصنفين، القرد أو الإنسان، يضعها. لقد اختارتها لأي أمل. لأنها قبلت يديها بخشوع، وتقبيل اليد معيار الأدب والجمال عند أمي الطيبة القلب! حدراء معجبة بنفسها إلى آخر حدود الإعجاب، شكلها يشبه شكل العجائز وحديثها تزهق منه الأرواح، ولكن لها من عناصر الجمال شيئاً واحداً شعرها الأسود الذي تنفق عليه بلا حساب، وجميع أحاديثها مع ضيفاتها تدور حول جمال الشعر! يحبها والدها، لما تتظاهر به من تقوى ويصطحبها في أسفاره، ولكن غيباتها لسوء حظي قليلة وسعادتي قصيرة. أتعاتبني حدراء لأنني أسكر ولم تعرف أنني أسكر من شقائي بها! سألني أمس أحد المسيحيين: لماذا يباح للمسلم أن يتزوج مسيحية، ولا يباح للمسيحي أن يتزوج مسلمة، فقلت له: ماذا؟ أتريد أن تشتري شيئاً مغلفاً لا تعرف ما هو؟ وانتظر على الأقل حتى يكون سفور وترى ما وراء الحجاب، فأما ملكاً. . قال ضاحكاً: وأما غولا. . . فتركته وأنا كالأحمق. . لأن هذا اللقب ينطبق تماماً على زوجتي. . نعم، أنا زوج غول! أعيش مع غول، وسيكون نسلي من غول!. . وداعاً يا أخي! إن سعادتك لا تقدر. . . . . . ثم فر خالد فوراً. . . مما بعث الدهشة في نفس جميل، الذي لم يستطع أن يدركه، ولكنه، في صباح اليوم الثاني، أخذ من أبيه الرسالة الأولى، بعد التقاطع، وقد جاء فيها: حكم القضاء على (مساعد) زوج (جميلة) بالسجن ثلاث سنوات لأنه ضرب زوجته وجرحها جرحاً بليغاً! هجر أخوك المنزل العائلي هرباً من (حدراء) سافر فجأة إلى أمريكا. أمرضت أمك الهموم. تعال يا ولدي. الآن فهمنا أنك كنت على حق في رفضك الزواج من جميلة. تغيرت فكرة العصر فوجب أن يتغير الأسلوب. بلغ من جنوني أنني حرمتك من أرثي وعطفي، فاغفر لي حماقتي. عدنا إليك يا ولدي فعد إلينا، مع زوجتك الفضلى التي

стр. 754

ننتظرها بشوق. الخ. . . . . وهكذا دخلت فتاة مسيحية في عائلة محمد باشا، الشريف السوري العريق في النسب والتقوى وكانت من أسباب سعادته! فلماذا لا يتكرر هذا المثال؟. . . . دمشق في ١٦ حزيران الدكتور منير العجلاني

стр. 755

موموس إله المرح لو سألتني من هو إلهك الذي تفضلين عبادته على الآلهة جمعاء، من تلك الآلهة التي لا يحصى لها عدد، أو من تلك التي لا نعرف لها أسماً لما اخترت مارس إله الحرب معبوداً، ولامورفيوس الذي يكلأ الناس وهم نيام كيلا يقض مضاجعهم عبث العوادي. ولافينوس، إلهة الحب والجمال، المضرمة في العقول نار الإلهام، ﵍ لأني لا أعبد سوى إله واحد، هو موموس إله المرح والطفر ما أنا ممن يقدسون كويرنوس إله الصحة، الرائف بالمستضعفين والأقوياء. ولا أنا ممن يبجلون اسم بلوتوس إله المال القادر على كل شيء، لما يفيض من رخاء أو يسبغ من نعيم ولا أنا ممن يمجدون بلوتوس إله العمل، معبود الحيويات النارية، ورب القلوب الغضة لكل هؤلاء الآلهة مني أعظم الإجلال وكل التقدير بيد أني أعبد، فلا أعبد إلا موموس إله المرح البهيج! ما أنا ممن يعبدون أبولو إله الظلام، المقنع بقناع الدجى كيلا ينعكس علي ضياء. ولا منيرفا آلهة الحكمة الرصينة الناظرة إلي نظرات الحيرة والدهشة والعتاب لأن إلهي الذي أعبد هو موموس الباسم إله الطلاقة الإيناس ذاك الذي تحسدني على عبادته ملوك الأرض وملكاتها تلهفاً للحصول على رضاه أننا لنسأم الحكمة أحياناً. وإن للحب أجنحة تصفق فيطير وإن المال ليبهظ الأعناق وإن في اللذاذات لخلجات متبوعة بالندم والأنات وإن في كل أكليل من أكاليل المجد والفخار لشوك اليم لاذع حتى هبات الآلهة تنبذ كلها، ويقذف بها جانباً، حين تنهمر في سبيلها سيول المصائب، وتتفاقم طعماً بها أنواع الشرور أما هبة إله المرح ذلك الإله الفكه الطروب

стр. 756

فهيهات أن تسأم منها نفس أو يعافها قلب بل هيهات أن يتلقاك صاحبها إلا بما يشف عن نشوة وخفة وتأود أعطاف فالسلام عليك ياموموس، أيها المعبود الطلق محياه، الملهمة أساريره! السلام عليك أيها الإله السعيد طالعه، المفترة ثناياه! أنك لمهوى أفئدة العالمين وعلاج لنشجات الباكين عن ايلا ويلر ولكوكس ماري عجمي

стр. 757

الروح أو الفن! بي أزروا قدما وقد جهلوني ... فسأزري بهم متى عرفوني لم يروني شيئاً وقد كنت شيئاً ... وكثير عمى الحجى لا العيون حسبوا اليوم أنهم أبصروني ... أبصروا مظهري ولم يبصروني لو صفت منهم النفوس رأوا نفسي ... ولكن قد كونوا من طين ولو أن الإله يخلق الأجسام ... لم يعرفوه في أي دين تعرف الله أنفس زاكيات ... لبصرت ربها بعين اليقين عارف الله بالجسوم كمن يغدو ... بحب الأصنام كالمفتون والذي يعرف الإله من النفس ... رآه بالعلم لا بالظنون بجلوني لنظم شعري وقدما ... عرفوني روحاً فما بجلوني يعرف الشاعر الحقيقي من روح ... تسامت لا مقطع موزون قدروا فني الجميل فلم أعبأ ... بتقديرهم فما قدروني لم يهيموا بالروح مبدعة الفن ... وهاموا من دونها بالفنون تخلد الروح لا الفنون ولا اللون ... ويبقى ملون التلوين إن كل الفنون مثل فقاقيع ... ببحر النفس الغريب الشئون أحمد الصافي

стр. 758

الحضارة الحاضرة وواجب التربية تعريب الأستاذ عبد الحميد الحراكي ظهر مؤخراً كتاب قيم بقلم الاقتصادي الفرنسي المعروف لوسيان روميه تحت عنوان إذا اضمحلت الرأسمالية عالج فيه الأزمة الاقتصادية وتعرض بصورة خاصة إلى الناحية الاجتماعية الإصلاحية. وبسبب الفضائح المالية في فرنسا فقد استرعى هذا الكتاب أنظار المفكرين الذين يبحثون في طرق الإصلاح الاقتصادي. وفيما يلي مقالة للكاتب الفرنسي (جورج غي - غران) عن هذا الكتاب نقلها إلى العربية الأستاذ عبد الحميد بك الحراكي ننشرها لفائدة القراء: إنه الفضائح المتنوعة التي اجتاحتنا مؤخراً قد هزت الرأي العام هزاً عنيفاً لم يقف عند انفجار التظاهرات الصاخبة في بعض المدن الكبيرة بل تعداه إلى أثاره السخط العام في جميع أنحاء البلاد. وإذا نحن لم نشاهد آثار هذا الاشمئزاز مرفوقة دائماً بالاحتجاج واللغط الشديد فأننا قد لاحظنا أشياء ربما كانت أشد خطراً وأوقع أثراً إلا وهي الاحتقار والنفور الصامت من قبل أصحاب الشرف وأهل الفضل. وحقاً فإن نفرة أرقى طبقات الشعب على النظام السائد وعدم ثقتهم به لشيء له خطورته لاسيما في وقت كثرت فيه الحملات العنيفة على النظام البرلماني في أوروبا وفي وقت كان يجب أن يستند فيه هذا النظام على إدارة نزيهة لا يعتروها الخلل والفساد ليستطيع أنصاره الدفاع والمحافظة عليه. ولكن لم ينكشف لنا من هذا النظام حتى الآن إلا نواحيه المتفسخة. . . لاشك أن هناك كثيراً من مشاريع الإصلاح تقدم بها أصحابها ليظهروا للملأ بصورة واضحة بعض النواقص والعيوب الأكثر ضرراً في هذا النظام كما اقترح كثير من وسائل العلاج التشريعية التي لا غنى عنها ولكن هذه الأدوية لا يمكن أن تؤثر وتكون ناجعة إلا إذا تم تطبيقها فعلاً. وفي الواقع أن الذي ينقصنا أكثر من كل شيء هو التطبيق الجدي الفعال المتواصل. فالمشاريع والاقتراحات الجديدة تلقى في سلة المهملات وتستغرق في سباتها العميق مثل

стр. 759

غيرها من المشاريع والأنظمة التي لم تطبق وهكذا تستمر الحالة حتى تقع فضيحة جديدة أو كارثة حديثة تدعو اليقظة. لماذا نرى هذا الخلل في جميع المؤسسات؟ ولماذا لا يعمل بالقوانين والأنظمة؟ هنا نصل إلى المسألة الحقيقية التي تتلخص في ضرورة إصلاح الأخلاق والآداب والعادات. ليس معنى ذلك أن الأشياء يمكن إهمالها ولا لزوم لإصلاحها. فإن بين المؤسسات وبين الآداب والعادات نفس العلاقة الموجودة بين الطبيعة والأخلاق أو بين المادة والعقل. وبما أننا لسنا عقولاً محضة فإن أفكارنا وعواطفنا مقيدة ومتأثرة، إلى درجة ما، بالبيئة الطبيعية والمحيط السياسي والاجتماعي الذي نعيش فيه. ولكن، من جهة أخرى، لا يمكن أن يكون في المؤسسات من الحياة إلا بقدر ما نستطيع نحن نفخه فيها. فأن التقيد والتأثر ليس مطلقاً وقاطعاً بل في مقدورنا تحويره تصحيحه. وبالنتيجة فأن قيمة المؤسسات والقوانين إنما ترجع إلى قيمة الأشخاص القائمين عليها. هذه حقيقة قديمة جداً. نعم، إنها حقيقة قديمة ولكنها مع ذلك جديدة دائماً ومن المفيد في كل وقت التذكير بها. وهذا ما قام به مؤخراً المسيو (لوسيان روميه) في كتاب يدل عنوانه على أنه من وضع رجل اقتصادي إلا أنه في الحقيقة ينطق بلسان رجل أخلاقي، بل أخلاقي منهمك بصورة خاصة في قضايا التربية. إننا نتأكد من ذلك منذ المباشرة في مطالعة المقدمة. فأن المؤلف يتساءل هنا: هل يجب إصلاح الأشياء أم إصلاح الأشخاص! ثم يتأخر في إعطاء الجواب منذ الجملة الأولى التي تبين لنا روح الكتاب والغاية منه إذ يقول: يعيش إنسان اليوم قي وهم خطر. فهو يعتقد أن الخير والشر في الأشياء لا في الأعمال، في حين أن الخير والشر ليسا في الأشياء نفسها بل في الناس القائمين عليها. وما دام الأمر كذلك فمن الضروري أن لا نذهل عن القضية الأساسية وهي البحث في المسؤولية الشخصية. فإذا اضمحلت الرأسمالية إنما يقع الذنب على الإنسان الذي لم يحسن التصرف بها ولم يعرف كيف يجعلها صالحة للبشرية ولائقة بالإنسانية. وإذا قدر للاشتراكية الفوز فأن حظها الحقيقي في البقاء مدة طويلة سيتوقف على مقدرة

стр. 760

إتباعها ومقدار جهودهم لجعلها صالحة للحياة. وما يقال في الاشتراكية يقال أيضاً في الديمقراطية لم يمارسوا الفضائل والمزايا التي بها وحدها يمكن تحقيق هذه الفكرة. والأنظمة والتعاليم الجديدة التي تنتقد الديمقراطية أو تطمع في أن تقوم مكانها إنما تستفيد مما يزينها من بهجة التجدد وتستثمر حماسة أنصارها المؤسسين. ولكن هذه أيضاً لابد أن يصبها بدورها الهرم وتبلى بالابتذال إذا لم يكن إتباعها قادرين على تجديدها وبالاختصار فإن المسألة الأساسية ليست الدعوة الكلامية لمختلف الكلمات المنتهية بحرفي (يه) - مثل ديمقراطية، اشتراكية، فاشستية - بل التفتيش عن الحقائق التي تشتمل عليها هذه الكلمات وفي الدرجة الأولى السؤال عن الأشخاص الذين يمارسونها. أما الوهم بأنه من الممكن استبدال مسؤولية الأشخاص الذاتية والاجتماعية بمسؤولية الدساتير والأشياء المفروضة فتلك فكرة ستوصلنا حتماً إلى الفوضى المطلقة. لأننا بحجة إدارة الأشياء نهمل إدارة الناس وقد ضرب لنا المسيو (روميه) مثلاً لإيضاح أساس فكرته بصورة بارزة إذ تعرض إلى مسألة الاقتصاد المنظم الذي شاع في هذه المدة. فهو يقول بأنه من المؤسف الطمع في ذلك لأن المادة أو الاقتصاد لا يمكن أن تتصف بالحكمة والتدبير والشعور بثقل المسؤولية. ولذلك فأن إدارة الشؤون الاقتصادية يظهر عليها كأنها إنما اخترعت لتساعد على حماية المجرمين، ليس بتسهيل السبل لهم للتفكير عن ذنوبهم فحسب بل أيضاً لإعطائهم في ارتكابها. يظهر أن هناك سوء تفاهم وجدالاً فارغاً حول الكلمات. وفي الحقيقة يجب أن لا نطلب من الأشياء ما لا يمكن تكليف غير الأشخاص به. على أن عمل الإنسان إنما يظهر في الأشياء. وبهذا المعنى ينبغي أن يكون هناك اقتصاد منظم كما هو الأمر مع السياسة المنظمة أو مع الأشغال الخاصة والعامة المنظمة. فأن الأشياء، بصفتها غير عاقلة، لا يمكن أن تدير نفسها بنفسها بل أن الإنسان هو الذي يقوم بذلك. ومتى أهمل أمرها تحدث الفوضى والاضطراب. فما هو إذن السبب في أن فكرة الاقتصاد المنظم تصادف في الوقت الحاضر ميلاً شديداً

стр. 761

ومساعدة قوية لدى الكثيرين من أصحاب العقول النيرة؟ ذلك لأننا قد شاهدنا نتائج سياسة عدم التنظيم. وترك الأمور تجري كما تريد فأن هذا قد انتهى بنا إلى الفوضى وهو السبب الأساسي في الأزمة الاقتصادية الحاضرة. ولكن من جهة أخرى لاشك في أن مبدأ تدخل الحكومة في جميع شؤون الاقتصاد سيكون خطراً آخر في الظروف الحاضرة التي نرى فيها آثار التطور السياسي والاقتصادي السريع لأن هذا التدخل ربما يؤدي إلى عرقلة وقتل كل حياة وفعالية. وهذا هو السبب في أن النظر بين الاقتصاديين المجددين حقاً مثل (هنري دومان) قد أخذوا يعدلون عن المبادئ والتعاليم القديمة ويحاولون التوفيق بين العمل الشخصي وبين تدخل الحكومة. ولا يخلو من فائدة أن نشير إلى أن الحركات الفكرية الحاضرة التي ترمي إلى التعديل في مبدأ حرية الاقتصاد من جهة وفي الاشتراكية الماركسية من جهة ثانية إنما ترجع إلى أساس واحد فان كل واحد من الاتجاهين متمم للأخر، وغايتهما قلب الأشياء الأمر الذي لا يمكن أن يتم إلا من قبل الإنسان. وكذلك يتبين بأن النظرية (السنت سيمونية) القائلة بضرورة حكم الإنسان إلى إدارة الأشياء لا يمكن قبولها على علاتها. نعم، إن مبدأ هذه النظرية هو الرغبة المحدودة التي ترمي إلى استبدال العمل الإرادي بالعلم ولكن الأشياء أيضاً إنما تدار في النتيجة من قبل الأشخاص ولذلك يجب السعي لجعل هؤلاء أهلاً ليكونوا مديرين أي أن يصبحوا حكاماً صالحين. إننا، بعد هذه الملاحظات في تعريف الأشياء، لا نستطيع إلا الموافقة على آراء المسيو (لوسيان روميه) الأساسية. فأنه من الضروري تهذيب ومراقبة الأشخاص المسؤولين من الوجهة الأخلاقية ثم تأديبهم بل ومعاقبتهم. ولاشك في أنه من المتناقض في الإدارة أن نسعى لإصلاح الأشياء قبل المباشرة في إصلاح الأشخاص القائمين عليها وليس ما نراه من انحطاط الوجدان المسلكي، الذي أظهرت لنا الفضائح الأخيرة أمثلة مؤسفة له، إلا نتيجة لازمة لفقدان الأخلاق والتربية. أما فيما يتعلق بالتربية بصورة خاصة فإن المسيو (روميه) يعطينا أحكاماً قطعية وهو يشبه من هذه الناحية (ارنست لاويس) قبله مع اختلاف زهيد في وجهة النظر إذ أنه يتكلم عن إهمال التربية وفقدانها ويقول لإثبات ذلك أن التربية الحاضرة عاجزة عن تهيئة الناشئة

стр. 762

للقيام بالمهمة الملقاة على عاتقها وغير قادرة على تكييف العقول والقلوب والإرادات وفقاً للانقلابات العظيمة التي تمت في العالم منذ القرن التاسع عشر. وإذا تساءلنا عن هذه الانقلابات نرى المؤلف يبدي كل اهتمام تجاه انقلاب واحد أساسي حدث في النظام الاقتصادي وأخذنا اليوم نشعر بتأثيره ونرزخ تحت أثقاله وهو تحول الرأسمالية التي كانت قائمة على التوفير في البلاد القديمة إلى رأسمالية مغامرة تسعى وراء الصفقات المالية الكبيرة كما نراها في البلاد الناشئة جديداً. إن النظام الرأسمالي الذي ساد الحياة الصناعية لم يكن حتى سنة ١٩١٤ ليخرج في اتساعه عن حدود ومقاييس القوى البشرية. لقد كان الربح هو الدافع والمحرك ولكنه كان مقيداً ضمن نطاق المبادئ الأخلاقية. ويمكن أن نلخص صفات العمل والجهد الأوروبي قبل الحرب العامة بما يلي: التنافس والتسابق والاستقلال النسبي عن التقاليد وعدم التقيد بالغايات الاجتماعية بالنظر إلى التقلبات المادية، ثم وجود توفير مكتسب، مستقل شخصي أو عائلي والسعي وراء التقدم والتجديد في كل مشروع، وأخيراً الفردية في جميع المشاريع والثروات والمسؤوليات الاقتصادية. ولكن بعد التطور المدهش الذي تم في بلاد ما وراء البحار وفي البلاد الأوروبية التي اقتدت بها قد أخذت الرأسمالية شكلاً يختلف كل الاختلاف عن السابق. فأنها عوضاً عن التمسك بفكرة التوفير والاقتصاد نراها قد التفتت إلى المضاربة والمصافقة. وهكذا صارت المصارف هي التي تسيطر على الصناعة وتملي عليها قوانينها كما أن المال هو الذي تولى الحكم على الإنتاج. وها هي رؤوس أموال التوفير حيث لم تبدد وظلت محافظة على شيء من أهميتها قد أصبحت بعد عشر سنوات فقط من الحرب، كأنها حطمت من قبل رؤوس أموال المضاربة فهي مرغمة على مشاركة هذه الأخيرة في الخسائر وعاجزة عن الدفاع عن نفسها. إن هذا التطور كان ضرورياً لا يمكن اجتنابه إلى حد معين. وهو لم يكن وخيماً من كل الجهات. إلا أنه كان ينبغي للسيطرة عليه وإدارته أن يتلاءم مع واجبات الأخلاق والتربية. وهذا ما لم يحدث. ولهذا فأن المدينة الحاضرة قد اعتراها التزييف والخلل من جراء

стр. 763

التناقض والاختلاف بين الوضع الاجتماعي وبين الأفكار السائدة فأن الوضع الاجتماعي العام خاضع لسير الرأسمالية بينما المبادئ الفكرية والأخلاقية المتوارثة عن الأوضاع الاجتماعية القديمة ليس لها أي تأثير في النظام الرأسمالي. ولآن لنتقدم خطوة أخرى إلى الأمام ولنتساءل لماذا هذا الاختلاف والتناقض بين الوضع الاجتماعي وبين المبادئ الأخلاقية؟ يجيب (روميه) على ذلك بأن ليس واحدة من الطريقتين السائدتين في التربية اليوم يمكنها القيام بحاجة الجماعات الحقيقية فأن أحداهما نفعية محضة تقتصر على تعليم الناشئة المعارف والقواعد التي تستطيع تأمين الحياة بها ضمن أية مهنة كانت فهي ليست تهذيبية البتة. وتلقاء ذلك نرى التربية الأخرى التي تسمى مدرسية والتي ترمي إلى التهذيب ولكن عن طريق تنمية الذكاء والعقل تهمل العامل الحيوي في التربية والنتيجة هي اعتراف رجال الحكومة المنوط بهم أمر التربية المدرسية وإقرارهم بالعجز عن تفهم المعضلات الكبرى المالية والاقتصادية في عصرهم. ومن الأوهام الساذجة الاعتقاد بأنه يكفي أن يحصل أحد تجار القطن على الثروة أو أن يتعلم أحد الحقوقيين اللغة اللاتينية لتبقى المدينة سائرة في طريقها. إنه مما يسر أن نرى رجلاً اقتصادياً، أخلاقياً مثل المسيو (لوسيان روميه) يؤيد بصورة غير مباشرة الأفكار التي ندافع عنها نحن رجال التربية والتي تتلخص في ضرورة التوفيق بين المنفعة والثقافة. فأنه من اللازم، ولاشك، تعليم الجيل الحاضر الفضيلة والتفكير بصورة تلائم ليس أحواله الفردية فحسب بل الهيئة الاجتماعية التي يعيش فيها أيضاً. أما أن ذلك سوف يؤدي إلى إنقاذ الرأسمالية أو إلى انهيارها فتلك مسألة لا طائل تحتها. لأن الشيء المهم هو إنقاذ المدينة. . .

стр. 764

جمال المرأة في نظر الشعراء للسيدة وداد سكاكيني المحاسني لا تثريب عليّ إذا قلت أن شعراء الفرنجة تطلعوا إلى جمال المرأة بأعين عميقة الأغوار دقيقة الأنظار وأنهم نادموا الحسن والملاحة بلغات فنية وساجلوا الغيد إلا ما ليد مساجلة الأطيار للأطيار. وكادت تكون رقة شعورهم في المناجاة استغراقاً في التأمل أو غلواً في العبادة. وشعراء الغرب لهم عهد عتيق بالجمال ريان بحبه ملآن بذكره وقديماً مرنوا على دقيق الإحساس وعميقه، وأخذوه عن طبيعة اليونان الذين نحت لهم بركستيالوس تمثال فينوس. فجعلوه مثال الملاحة والبداعة وسموه آلهة الجمال. تأله الحسن في يونان فاستبقوا ... إلى عبادة فينوس بمضمار وقد حدثنا ببيرلوئيس في قصة افروديت أحاديث عن عبادة الجمال بالإسكندرية في خوالي العصور على الإغريق حيث كانت لهم مجالس وهياكل ملؤها التسبيح للمحاسن والبدائع وعلى تراخي السنين برع النحاتون والمصورون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فجاء العباقرة منهم بأعاجيب النبوغ في فنونهم الجميلة الرائعة ومثلوا جمال المرأة بأنواع تصلح وحدها لأن تكون شعراً ناطقاً بأوصافها ومظاهرها سجيس الليالي. ولما هب شعراء الرومانتيك منذ أواسط القرن الماضي فتحوا أعينهم على الجمال وتصوروه في خيالهم، ونما في شعرهم، وساعف على ذلك هذا أن لجمال المرأة منالاً عندهم وكان من أثر ذلك أن غإلى بعضهم فأتبع طريقة في فهم الجمال جعلوه يعم كل نسبة واتساق وأوغل ناس منهم فخيل إليهم لدقة حسهم ورقته أن في القبح جمالاً، فالدميم يعد وسيماً إذا صوره لك الشاعر تصويراً متناسباً متسقاً، وقد أراد ذلك فيكتو هوغو حين كتب رواية نوتردام دوباري فصور لنا خادم الكنيسة نوتردام دوباري فصور لنا خادم الكنيسة كازي مورو على مثال الشناعة والبشاعة في الدنيا، تعاورت على شكله ضروب العاهات والمثالب، فهو أبكم أفلج أعشى، ذو صمم بطين الأحشاء أحدب الظهر أقعس الصدر، بيد أنه في كل هذا صورة للجمال بتناسب شناعته وتناسق دمامته، ثم يمعن هوغو في تمثل

стр. 765

الجمال بشكل آخر فيرينا إياه في ازميرالدا الراقصة الفاتنة. وقد تجاوز غيره من الشعراء هذا الحد في معرفة الجمال على صور النساء، أما شعراء العرب فقد نظروا لجمال المرأة نظراً لم يحلقوا فيه كشعراء الغرب وإن استطاع بعضهم ذلك فما دوموا تدويماً، أنهم تطلعوا إلى حسن المرأة في عهد جاهليتهم فوجدوه بدوياً على مثالتهم. وظهر لهم منذ النظرة الأولى في الأعين الدعجاء والشفاه اللسعاء وفي الأجفان والحوا جيب وأبصرووه في الغدائر السود والغرر البيض ثم رأوه في القامات الممشوقة والخصور الدقيقة والأطراف الرقيقة والأعجاز الرجراجة الثقيلة، وقد أخذ من البابهم منظر القمر ومشرق الشمس وأعناق المها وعيون الجآذر وغصون البان وجعلوا من كل هذا تشبيه ونعوتا لجمال المرأة عندهم فتعزلوا به وفتنوا وافتنوا، وأول من وصف المرأة فيهم هو أمرؤ القيس سيد شعراء الجاهلية، فاقتفى أثره وترسم خطاه من جاء بعده من الشعراء، وهاك شعراً له ينعت به جمال فاطمة يوم دارة جلجل: مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نضته ولا بمعطل وفرع يزين المن أسود فاحم ... أثيت كقنو النخلة المتعسكل فقد شبه صدر فاطمة الأبيض بالمرآة المجلوة وعنقها بعنق الغزال ونعت لون شعرها الأسحم بغصن النخلة ثم بدأ جمال المرأة لشعرائنا في عهد الإسلام وكانت ضربت عليه الخمر وحالت دونه الستور، فوصفوه وصفاً لا ينطبق على المشاهدة إلا عمر بن أبي ربيعة شاعر الحب والجمال، فإنه نال حظوة لدى ربات الحسن وملكاته، فأجاد في وصف الجمال النسوي وأبدع، وقصر عن شوطه الشعراء العذريون من أهل الغزل إذ وصفوا الحب في أشعارهم ولم يصفوا الجمال مثله، وإن الشعراء الثلاثة الأخطل وجرير والفرزدق لم يجيدوا إجادة عمر في فنه البارع، لأن الهجاء اللاذع هروه فنجهم، وصرفهم عن مفاتن الهوى والشباب، وكان يصح لجرير أن يبذ نديه لوترك وشأنه فقد حرمتنا سياسة الأمويين إبداع جرير في وصف الجمال، ولعله كفر عن تقصيره حين وصف العيون الحوراء بقوله: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا

стр. 766

على أن ابن ربيعة في وصفه جمال المرأة يريده حضرياً، فلا يأتيه إلا بدوياً، لأن تأثير البداوة في عصره كان شديداً، لاسيما وقد نشأ وعاش في الحجاز، حيث كان يتلمس الجمال بين مناسك الحج ويتحسس الحسن في أفياء الخرد الرعابيب، انظر إلى وصفه جمال فاطمة بنت عبد الملك: وذكرت فاطمة التي علقتها ... عرضاً فيا لحوادث الدهر ممكورة ردع العبير بها ... جم العظام لطيفة الخصر وكأن فاها عند رقدتها ... تجري عليه سلافة الخمر وبجيد آدم شادن خرق ... يرعى الرياض ببلدة قفر ويصف عمر هندا بنت الحارث بقوله: هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... تخالها في ثياب العصب دينارا كأن عقد وشاحيها على رشأ ... يقر ومن الروض روض الحزن أثمارا فلندع شعراء العصر الأموي. ولنعكف على العصر العباسي، عصر الجمال المبذول والشعر المصطفى الذي يجرر من خيلائه أذيال المرح والحضارة ويتقلب على أعطاف النعيم. لنأت إلى أبي نواس، ويح هذا الشاعر الماجن لقد شغله جمال الخمرة عن جمال المرأة، ولكنه لم يقصر إذ قال: وذات خد مورد ... فضية المتجرد تأمل العين منها ... محاسناً ليس تنفد فبعضه يتناهى ... وبعضه يتجدد والحسن في كل شيء ... منها معاد مردد فكون النواسي من هذا الجمال صورة فنية دقيقة أيما دقة وجعله غير منعدم المادة كأنه الجوهر الفرد، وعرج بالجمال إلى سماء من الشعر الحضري لم يسبقه إليها شاعر عربي، وليت شعري أن قصر أبو نواس في وصف الجمال فمن يجيده؟ بدأ التطور في هذا الوصف منذ عهد الشعراء المولدين من أيام زعيمهم أبي نواس وكان له ولصحبه من المجان شعر كثير في الجمال الحضري أخذ روحه وريحانه من الأدب الفارسي ومن حياة الحسان والقيان.

стр. 767

ليت جمال المرأة بقي منية هؤلاء الشعراء، وما جاوزا به إلى العبث والمجون حتى أفسده على الأذواق والأخلاق بغزل المذكر، ثم مادت الأشعار بالجمال الفاتن والملاحة الخالبة حتى كان العصر الثالث وأيام المتوكل وشعر البحتري المترع بالرفه والنعمة والبهجة يقول أبو عبادة: رحن والليل قد أقام رواقا ... فنثرن الصباح فيه عمودا بمهاة مثل المهاة أبت أن تصل ... الوصل أو تصد الصدودا ذات حسن لو استزادت من ... الشمس إليها لما أصابت مزيدا فحذا هذا الشاعر العبقري حذو الشعراء السابقين في التشبيه البدوي. وإذا غبر بنا الزمن إلى أواسط القرن الرابع ألفينا المتنبي ماليء الدنيا وشاغل الناس قد بسط جناحي شعره على عصره وما فاته أن ينشدها أبياتاً خالدة في جمال المرأة وهو لا يريده إلا بدوياً بحتاً خلواً من التصنع والتكلف: حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... صوغ الكلام ولا صبغ الحواجيب وحق للمتنبي أن يصبو إلى هذا الجمال الخالص لأنه لبث في البادية زمناً وطبع على محبة الأعاريب. وأما المعري فلا أفوز عنده بأوصاف لجمال المرأة، فإن هذا الأعمى الجبار الذي نقم على النساء وأقام عليهن الحدود ورماهن بالشتائم، لا يرى لهن من صفات الحسن والصباحة شيئاً ولو أنه كان بصيراً لهفت نفسه إليهن وألهب روحه جمالهن وأصباه ولكان له غير رأيه في الوجود. لقد قيل هذا الشعر الذي تقدم على عدوة من الأرض، أما العدوة الثانية فهي ربوع الأندلس الزهراء حيث ازدهرت معالم الجمال وأينعت مراتع الفنون التي حمل قيثارتها ابن زيدون، وهناك هام بالولادة بنت المستكفى وتجلى لعينه روعة جمالها فوصفه وصفاً ملك على الإسماع والقلوب، وقد أثرت فيه مغاني الأندلس الوارفة وظلها الظليل ونسيمها العليل فقال في ذلك الجمال الساحر: ربيب ملك كأن الله أنشأه ... مسكاً وقدر إنشاء الورى طيناً

стр. 768

أو صاغه ورقاً محضاً وتوجه ... من ناصع التبر إبداعاً وتحسبنا إذا تأود آدته رفاهية ... نوم العقود وأدمته البرى لينا كانت له الشمس ظئراً في أكلته ... بل ما تجلى لها إلا أحابينا كأنما أثبتت في صحن وحنته ... زهر الكواكب تعويذا وتزيينا فلما قال هذا الشعر ابن زيدون كاد يعفى على آثار الشعراء قبله في وصف جمال المرأة. أما في هذا العصر، فإن شاعره العظيم قد أفل نجمه بموت أحمد شوقي سامحه الله إنه سار على غرار أنداده الغابرين من شعراء العرب في فهم الجمال وتصويره. ولو سألوه أن يصف التفاته المرأة لأنشد دون جمجمة شعره بلسان مجنون ليلى: تلفتت ظبية الوادي فقلت لها ... لا اللحظ فاتك من ليلى ولا الجيد دمشق: وداد سكاكيني محاسني

стр. 769

صفحة من تاريخ أعراب شمالي الشام تابع للأستاذ وصفي زكريا قلت ويظهر من كلام آخر لا للقلقشندي أضربت عن نقله ومن كلام غيره من المؤرخين الذين نوهوا بأخبار نعير أي محمد بن جبار بن مهنا المذكور أن الإمرة بقيت في أعقابه دون غيرهم من أعقاب أخوته آل مهنا وأبناء عمه آل عيسى بن آل فضل كلهم فخمل ذكر هؤلاء وضاع اسمهم تدريجياً وخلفه أولاد جبار أو آل جبار ردحاً من الزمن إلى أن ظهر اسم أولاد أبي ريشة أو غلب كما هي العادة عند أهل البادية تتغير أسماؤهم في كل قرن أو قرنين تبعاً للسائد عليها. ولمحمد بن جبار هذا ترجمة في (المنهل الصافي) لابن تغرى بردى ننقلها عن (تاريخ حلب لراغب الطباخ ج٤) قال: محمد بن جبار بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن ماتع بن حديثة شمس الدين أمير آل فضل بالشام ويعرف بنعير ولي الإمرة بعد أبيه ودخل القاهرة مع يلبغا الناصري ولما عاد الظاهر برقوق من الكرك رافق نعير منطاشاً نائب حلب في الفتنة الشهيرة وكان معه لما حاصر حلب، ثم أرسل نعير نائب حلب إذ ذاك كمشبغا في الصلح وسلمه منطاش، ثم غضب الظاهر برقوق على نعير وطرده من البلاد فأغار نعير على بني عمه الذين قرروا بعده وطردهم. فلما مات برقوق أعيد نعير إلى أمرته، ثم كان ممن استنجد به دمير داش لما قدم اللنكية (التتار) فحضر بطائفة من العرب فلما علم أنه لا طاقة له بهم برح إلى الشرق فلما برح التتار رجع نعير إلى سلمية، ثم كان ممن حاصر دمير داش بحلب ثم جرت بينه وبين حكم نائب حلب وقعة فانكسر نعير ونهب وجيء به إلى حلب فقتل في شوال سنة ٨٠٨ وقد نيف على السبعين وكان شجاعاً جراداً مهيباً إلا أنه كثير الغدر والعناد وبموته انكسرت شوكة آل مهنا وكان الظاهر خدعه ووعده حتى تسلم منطاش وغدر به ولم يف له الظاهر بما وعده بل جعل ذلك ذنباً عليه وولي بعده ابنه معجل ذكره شيخنا في أنبائه وهو في المقريزي مطول. وترجم ابن تغرى بردى معجل أيضاً فقال. معجل (وفي نسخة العجل) بن نعير بن جبار. . . الخ أمير آل فضل بالشام والعراق نشأ في حجر أبيه فلما جاوز العشرين خرج عن طاعته ثم لما كان حكم بحلب

стр. 770

وخرج لقتال ابن صاحب الباز إلى جهة أنطاكية توجه إليه معجل نجدة له وآل الأمر إلى أن انكسر نعير وجيء به إلى حكم فلما رآه قال لابنه انزل فقبل يد أبيك فجاء ليفعل فأعرض عنه أبوه ثم أن حكم رسم عليه ولم يزل يقاتل ويحارب إلى أن قتل سنة ٨١٦ وحمل رأسه فعلق على باب قلعة حلب وسنه ثلاثون سنة. الخ. . . ثم سكتت التواريخ عن بيان خلف معجل بن نعير المذكور في الإمرة وعن وقائع هؤلاء الأعراب إلى سنة ٨٨٥ قال ابن إياس فيها: وقعت في هذه السنة فتنة كبيرة في أنحاء حماة قام بها سيف أمير آل فضل الذي خرج عن الطاعة فحاربه ازدمر نائب حماة فقتل في المعركة وقتل معه جماعة من أمراء حماة. فعين السلطان قايتباي الأمير يشبك الدوادار ومعه عدد وافر من الجند لقتال سيف ففر سيف وتوجه إلى أنحاء الرها وكانت هذه لأحد نواب حسن الطويل ملك بغداد فحاصر يشبك الرها ولكنه كسر كسرة شنيعة وأسر ثم قتل. وفي سنة ٨٨٧ جاءت الأخبار بقتل سيف قتلة ابن عمه غسان في بعض بلاد العراق. أما أخبار الأمير نعير بن جبار ومساويه فهي (خطط الشام ج٢ ص١٥٨ عن مصادر مختلفة) الفتنة التي وقعت بينه وبين ابن عثمان بن قارا سنة ٧٨٥ وانكساره ونهب ثلاثين ألف بعير له، ثم (ص١٦٩) اشتراكه سنة ٧٩٤ بالفتنة التي أحدثها منطاش نائب حلب الثائر ودخوله معه بمحاصرة حلب وحماة ونهبها تم مجيء جند حلب وفتكه بنعير وأهله حتى اضطر لتسليم منطاش، ومنها (ص١٨٦ وقد لقبه هنا بأمير عرب آل فضل) اقتتاله مع عصاة التركمان وظفره بهم وتطاوله على أعمال حلب، وخروجه سنة ٨٠٨ (ص١٨٧ وقد سماه هنا نعير بن مهنا الحياري البدوي) على أعمال دمشق وظفره بجندها وإفساده في ضواحيها إلى أن ظفر به حكم نائب حلب وقتله سنة ٨٠٨ وأرسل رأسه إلى القاهرة. وقد ناف على السبعين وبموته انكسرت شوكة آل مهنا، قالوا ثم انتقلت الإمارة إلى ابنه معجل وهذا سار على سنة أبيه في الفساد نازل سنة ٨١٠ حماة وحاصرها إلى أن أوقع به نائب دمشق وكسره (ص١٩١) ثم لما حوصر نوروز في حماة اشترك معجل في الحصار والقتال ضده، ولم يزل يحارب يقاتل إلى أن قتل سنة ٨١٦ وحمل رأسه وعلق على باب قلعة حلب. ثم سكتت الخطط عن بيان من خلف معجل بن نعير بن جبار في الإمارة وعن وقائع

стр. 771

الإعراب إلى سنة ٨٨٣ (ص٢٠٤) إذ ذكرت اسم سيف بن نعير الغاوي وعصيانه وخروج نائب حلب لتأديبه وفراره واضطراب أحوال حماة بسبب ذلك، وذكرت (ص٢٣٤) في أحاث سنة ٩٩٢ التي فتح السلطان سليم فيها الشام أسماء أرباب المقاطعات الذين كانوا يضمنون الخراج للدولة مقابل أموال يتعهدون بها وعدت منهم مدلج بن ظاهر من آل جبار أمير عرب الشام وكانت منازل قومه في سلمية وعانة والحديثة ثم ذكرت في (ص٢٤٨) إن المتغلب على أكثر البر في غرة القرن الحادي عشر كان الأمير شديد بن أحمد حاكم العرب من آل جبار وإنه كان كاسمه ولقبه جباراً ظالماً عنيداً. وذكرت في أحداث سنة ١٠١٧ أن فرقة من عرب آل جبار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من العراق فوصلوا إلى تدمر وانضم إليهم قوم من جند السكبان العصاة فعاثوا معاً وافسدوا إلى أن أوقع بهم نائب دمشق وشتتهم. وهذه المرة الأولى التي يظهر فيها اسم (أبي ريشة) في الخطط. ومن الغريب أن آل جبار هؤلاء ذكروا في الخطط المستندة على مصادر مفروض فيها الصحة بلقب آل جبار بينما حيدر الشهابي في تاريخيه وكاتب جلبي في جغرافيته ذكراهم وصاحب الخطط وصاحب تاريخ حلب ذكرهم أيضاً مرة واحدة - بلقب آل الجبار حتى أن الشهابي استعمل ذلك مراراً منذ سنة ٦٨٠ التي ذكر فيها عيسى بن مهنا بلقب الحياري كما لقب أعقابه من بعدة بالحياريين. والثابت عندي أن في الأمر تصحيف ناخ جعل هؤلاء المؤرخين يقرأون كلمة جبار (حيار) ويصل الوهم بالشهابي إلى إلصاقها بأسلاف جبار أي بأبيه مهنا وبجده عيسى بن مهنا، بينما لا القلقشندي ولا ابن خلدون ولا أبو الفداء ولا غيرهم استعملوا هذا اللقب لهؤلاء الأسلاف فإذا كان هؤلاء المتقدمون الثقاة الذين عاصروا آل عيسى في القرن الثامن والتاسع لم يذكروا هذه الكلمة فحري بنا أن ننسب للمتأخرين الوهم وعدم الانتباه للتصحيف ونحكم بأن كلمة الحيار لا أصل لها وأن أولاد أبي ريشة فخذ من آل جبار، الذين هم بطن من آل عيسى بن مهنا آل فضل بن ربيعة الطائي. وظل حيدر الشهابي يردد أسماء وأحداث الأمراء الحياريين الذين نشأوا في القرن الحادي عشر وصوابه أن يقول الجبارين وهو مع ذكره إياهم بالحيارين - كما كان يذكر من قبل عيسى بن مهنا وأعقابه - صار يلقبهم بأبي ريشة كما لقبهم الجغرافي التركي كاتب جلبي والمؤرخ التركي نعيما في تاريخه أيضاً - وقد عد منهم أسماء الأمير فياض المتوفي سنة

стр. 772

١٠٢٩ وابنه حسين وابن عمه سلطان وابن أخيه مدلج. ذكر نعيما في تاريخه (ج٣ ص٦) أن فياضاً هذا شق عصا الطاعة في عهد السلطان أحمد الأول وحارب أحمد باشا الذي تولى إمارة الأمراء في مصر. وذكر الشهابي أن الإمارة انتقلت بعد فياض إلى ابن أخيه مدلج فقام ينازعه فيها حسين بن فياض وانضم إلى كل منهما فريق من قبيلتهما وجرت بينهما وقائع عديدة وبسبب ذلك اضطر مدلج في أحداها أن يستنجد بالأمير فخر الدين المعني الثاني سيد جبل لبنان في ذلك العهد وقد كانت سيطرته تمتد من القدس إلى حمص وحماة وسلمية ويتصل بأمراء الأعراب ويتخذهم أعواناً له. فجاء الأمير فخر الدين سنة١٠٢٣ بعسكر وفير لنجدة مدلج فلاقاه في مكان بين حمص وحماة وأكرمه وأهداه الفرس سعدة المشهورة. لكن حسين فر مرتاعاً إلى حلب فرجع الأمير فخر الدين دون أن يخوض حرباً. ولم يزل مدلج يقتفي أثر حسين ويكيد له حتى وشى بقتلة مراد باشا الكوسا والي حلب فقتله واستقرت الإمارة بيد مدلج على أنه بقي تابعاً للأمير فخر الدين ولائذاً به يقدم إليه الضرائب والهدايا. وبينما كان الشهابي يلقب هؤلاء بالحياريين وبآل أبي ريشة إلى سنة ١٠٣٤ وإذا به في أحداث سنة ١٠٣٥ يذكرهم باسم الموالي لما طلب الأمير فخر الدين المعني منهم الذخيرة وتمنعوا ورحلوا فلحق بهم حتى عبرهم النهرين. قلت لعل هذه الذخيرة هي الضريبة التي كان يقدمها مدلج ورأى أن يقطعها إذ لم يعد بعد موت رقيبه حسين بحاجة إلى الحماية والمعونة ولما طولب بها رحل بقبيلته خوفاً من الأمير فخر الدين ثم عاد بعد رجوعه أو بعد أن أزالت الدولة وجوده. فاسم الموالي لم يذكره الشهابي إلا هذه المرة فهل نبتت هذه القبيلة سنة ١٠٣٥ وهل كانت تذكر لو لم تكن هي القبيلة التي كانت وما برحت ملتفة حول الأمراء آل أبي ريشة منذ القرن السابع الذي نشأ فيه جدهم عيسى بن مهنا وأفرادها يلقبون بالموالي لأنهم أما عبيد معتقون من الذين ذكرهم كاتب جلبي في جغرافيته أو صنائع أو حلفاء منضمون إليهم. وفي تاريخ نعيما (ج٣ ص٦٠) أن مدلج المذكور استقر في إمارة البادية سنين عديدة واتسعت سلطته حتى صارت تشمل أعراب بلاد بغداد والموصل. على أنه لم يخل من الموارية فتارة كان يمالئ الإيرانيين الذين استولوا على بغداد في تلك الحقبة وتارة العثمانيين يماشي الأقوى منهما. (على سنة أحد أجداده مهنا بن عيسى الذي قدمنا ذكره)

стр. 773

ولما افتضح أمره وزاد عيثه لاسيما بعد أن فشل الوزير الأعظم خسرو باشا من استرداد بغداد ورجع عنها خائباً اعتزم الوزير المذكور على استئصال شأفة مدلج فأرسل عليه في سنة ١٠٤٠ عسكراً وفيراً فكسروه ونهبوا بلاده وقتلوا من لقوا من أتباعه ففر مدلج مع حاشيته. وبينما هو فار سقط عن فرسه ومات فطلبت الأعراب الأمان وأخلدت إلى الطاعة. ولما كان لابد لهؤلاء من أمير يسوسهم أقام الوزير الأعظم المذكور سعيد بن فياض الذي تقدم ذكره وتاريخ وفاته أميراً عليهم. وصفي زكريا

стр. 774

شقاء العالم للكاتب الإيطالي الكبير جيوفاني بابيني لقد هبط مدينتنا، على غير موعد، معلم اسمه آريل آتياً من إحدى الجزر البعيدة تلك الجزر التي لا يرسمها الجغرافيون على الخرائط بل تظهر من حين إلى حين على سطح البحار، كما تظهر في مخيلة الشعراء. ويقال أن آريل كان منذ زمن بعيد في خدمة أحد الأمراء المنفيين، وإن هذا الأمير المنفي قد باح له بأسرار ليس في وسع الإنسان سماعها أكثر من مرة واحدة. ولعله بسبب ذلك اعتاد ما نستغربه منه كثيراً وهو أنه لا يسمح لأي كان بحضور درسه أكثر من مرة واحدة. لأنه كان يقبل كل من يتقدم إليه بشرط أن لا يكون قد جاءه من قبل. ويطرد كل من يعود إليه مرة أخرى، وليس هناك من يستطيع المفاخرة فيزعم بأنه حضر درسه أكثر من مرة واحدة. وكنت أقول لنفسي في كل يوم: لاشك أن الأستاذ قد علم أشياء جديدة وغريبة لأن جميع الذين يخرجون من القاعة التي يلقى بها دروسه يسيرون في شوارع المدينة وأزقتها مفكرين تائهين، كأنهم عائدون من عالم جديد أو كان الله بعث بهم أحياء بعد أن كانوا أمواتاً. ولعل ما سيقوله في الغد من الأقوال ويلقيه من الدروس يكون أعظم وأهم. ولو أني ذهبت لما سمعته غداً ولفاتني اليوم الذي سيعلن فيه أهم تعاليمه وأغربها. لأن هذا الرجل ليس بالمعلم العادي، فيستطيع الإنسان سماع دروسه في كل يوم وحضورها إن كل واحد من تلاميذه عرضة لعذاب الأسف على المجهول الذي لا يعوض. ولذلك فقد تركت أياماً كثيرة تمر دون أن أحضر درس آريل. فقد كنت أقف على بابه ساعات طويلة، مرتجفاً، قلقاً، متردداً في الدخول. وعندما كان تلاميذ ذلك اليوم يخرجون، كنت أسألهم عما قال المعلم، فلا أظفر منهم بجواب لأنهم كانوا ينظرون إلي نظرات تائهة كالخارج من الحلم ويبتعدون بخطى متثاقلة مضطربة. وهكذا فقد مضت أيام كثيرة تغير في خلالها مجرى حياتي، إذ أنني أضعت وساوس كتبي وعادتي بتقبيل أمي في كل صباح ومساء. حتى أني نسيت مراقبة طلائع النجوم عندما يصل الليل. وأخيراً بعد أن نفد صبري، وأصبحت عاجزاً عن مقاومة رغبتي أكثر من

стр. 775

ذلك، عزمت على لقاء الأستاذ وصباح الأمس دخلت مدرسته كالكثيرين غيري من المنتظرين على بابه. وكانت القاعة واسعة، لا شيء من الرياش فيها ولها نوافذ ترمي إلى أروقة طويلة وكان آريل واقفاً ومسنداً ظهره إلى الحائط، متدثراً، رغم الحر الشديد، برداء سميك وضخم. ولعله يرتديه ليخفي تحته جناحيه الطويلين، لأن عينيه كانتا ترسلان دائماً نحو السماء ومن فوق الجبال الرمادية العالية، نظرات جامدة، باردة خرساء. ومنذ دخلنا جميعاً، نظر إلينا واحداً واحداً، ثم أمر بطرد شابين أخوين كانا قد حاولا الاختفاء بين صفوفنا ولكن قوة نظراته في معرفة حالت دون ذلك فبعد أن خرجا وأمر بإقفال الباب، بقي صامتاً مدة غير وجيزة. لقد كنا جميعاً وقوفاً مثله ولم يكن يسمع في القاعة التي لا رياش فيها غير صوت أنفاسنا. وفجأة بدأ آريل في الكلام، فكان صوته ينحت الألفاظ نحتاً: اليوم، سأتكلم عن الإنسان وشقائه الأكبر! كم من مرة شفق عليكم! كم من مرة حذرتم! وكم من لعنات صبت عليكم! قد وصف البعض في كتبهم جراحكم الخفية، واحتقركم البعض وازدراكم. من شقائكم تولدت مراثي الشعراء، ونواح الباكين ومواعظ القديسين، وآراء الفلاسفة المتشائمين ولكن واحداً من هؤلاء لم يدرك شقاءكم الكبير العميق، شقاءكم الأبدي، الذي لا حد لا نهاية له. لعلكم تعساء لأنكم تموتون؟ ولكن كل شيء يموت ليولد من جديد في هذا العالم. لعلكم تعساء لأن أفراحكم قصيرة وآلامكم طويلة أبدية؟ ولكن الألم ينقذكم من التخمة، ويطهركم ويرفعكم إلى المعرفة. لعلكم تعساء لأن قدرتكم لها حدود؟ ولكنكم ستكونون أتعس وأشقى بكثير، لو أنكم ملكتم القدرة المطلقة. كلا! ليست هذه أسباب بؤسكم الحقيقي، إن شقاءكم غير هذا، وإلى الآن ما من أحد استطاع إظهار حقيقته لكم، وها هي: الإنسان أبكم! هذا شقاؤه الوحيد، وهنا مصيبته الأبدية الكبرى.
следующие страницы →