← Джавами‘

Джавами‘ · id 73354

مجلة «المعرفة» السورية

عادل العوا

Полный текст (608 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

العدد ١ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩٤٦

стр. 2

هذه المجلة بين قطبي الفكر والإخلاص تحيا هذه المجلة! وهى تنبعث من الحاجة الشديدة إلى وجودها. ففد شعر القائمون عليها، وآمنوا، بأن المعرفة جوهر الكون الإنساني ورأوا أن المدرسة ليست سوى تنظيم الحياة الاجتماعية في أسسها، وفي مستقبلها، على ضوء المعرفة والفكر، وكأنهم يرون المجتمع أصلاً وغاية، أصلاً لنزعة الإنسان نحو النجاح والتكامل، وغاية للسمو الإنساني الماثل في العقل والتمييز مع الدراية والتوي. ولولا هذا الاعتقاد لما أقدمنا على جمع الأمر وتأكيد العزم، بغية تحقيق حاجة بيئتنا العربية والسورية، ولما سمحنا لأنفسنا بجرأة افتتاح الطريق النافعة حتى يتسنى لأهل الفكر من مثقفي البلاد أن يعبروا فيها عن آرائهم، وعن أهدافهم، ويفصحوا عن آمالهم وعن جهودهم ويعبروا عن اقتراحاتهم وعن معضلاتهم، وعن ألامهم أيضاً. فهذه الجملة نشأة عن شعور بالحاجة صادق، ولا بد لها من الازدهار إذا استطاعت إرضاء الهدف السامي النبيل الذي تنشده. إن الأمة العربية استمرار تاريخي، وحقيقة غنية، وواقع مجيد ممتاز. عرفت من عشق الخلود كل ما يصيب المتيمين. فكانت لها أيام ناصعات، وكان لها بريق وضاء. ثم رقدت. وهي تنهض اليوم عن وعي وقوة. وتريد أن تستعيد خيراً من مجدها الباهر، وجوهره ومادته لأنها تفيء إلى شخصيتها الجديدة وترى أن ناموس البقاء حقل تبغي بناء مدرستها_بالمعنى الواسع_في ربوعه. وهذه المدرسة هي رسالة المثقفين من أبنائها أنفسهم. والحق الجلي أن ننصف أسرة التعليم خاصةً، رجالاً ونساءً، أساتذة وطلاباً، ونسمهم بصفة إحقاق النهضة العربية، وأداء هذا الواجب الرائع. فهم حلقت الاتصال، وجسر التقدم. الجاهلون، بل البسطاء، بل المنكرون والمنعوتون، يعبدون اللفظ ويمجدون المعنى. يحسبون الجسم روحاً، والمدرسة بناءً وأحجارا. ينظرون إلى المعلم ليروا فيه صورة جهلهم وجنايتهم. فيرمقوه بالنقص والعجز، ويتخذونه بمثابة العضو لأشل المبتور. وفي وهمهم أن المدرسة كيمياء العذاب. فيها التجارب الاتفاقية، وفيها الفشل المقبول. وفيها الغموض والسحر. يزدرون الصانع وما صنع ويهملون كرامة الإستاد ومستواه وحجاته المعنوية والمادية وكأنه في رأيهم أدنى من العامل والقروي والبائع والزعيم. ذنبه أن تعلم فصبا عن الجهل، وأخلص فعوقب بالحرمان والكفاف. ونحن نريد مقاومة هؤلاء جميعاً،

стр. 3

لأنهم أعداء الصواب، وجرثومة التقهقر وعنصر التأخر ودعاة الهزيمة. هذه المجلة تحترم الفكر والثقافة، وتقدس ما تحترم. وهي تحب المعلم وتحترمه وتناصره، فتدفع عنه الظلم والجور والعدوان. وهي لسان المثقفين عامة، والمساهمين في حقل التربية والتعليم خاصة. تقول كلمة الحق بوضوح وتعمل في سبيل تحقيقه بثبات وجرأة وإخلاص. وهي أخيراً مجلة الرقي لأنها وجدت كميا تحيى بالمعرفة، وتشيد الغد وتنشئ الجيل والقوم! أهدافنا تظهر في الإنتاج، لا في النظر والادعاء. ولعل أية ذلك مثال أسرة تعليم ذاتها. فأفرادها مطلقة نصبوا أمام أعينهم خدمة المجتمع عن طريق المدرسة. ورأوا الابتعاد عن جعجعة الفراغ. وأقسموا أمام التاريخ جهد إيمانهم صبراً ويقيناً. حتى يتفوق التلميذ على معلمه والطالب على أستاذه. وتتقدم الأمة والوطن. فترقى بتقدمها الإنسانية كلها. ولسنا نود الغلو والإفراط في التمني، ولا نرغب في المبالغة في رسم المناهج، وتنمية المشاريع. لأننا لن نجعل هدفنا الأوحد التحليق في السماء المثل النظرية، ولا الإبحار في عالم القيم المجردة، البديعة، الزاهية الفاتنة نريد التقرب من الواقع النير، نعرفه كما هو من جهة، ونعرفه كما يجب أن يكون من جهة أخرى. دون مزج غامض بين الناحيتين. وسنجعل هذا النظرة التحليلية انتقاديه أيضاً. هدفنا يقين الإنساني ولذا لا تخشى التبصر، ولا التجنب النقد والانتقاد. بل نسعى السعي الحثيث إلى ذكر سيئات الواقع، وأن قبحت، لتلافيها. ونحاول تبيان الهدف الأمثل وأن ندى من شدة جماله ما يبهر الأبصار ويتركها حصيرة تخال فيه المستحيل، أو البعيد الإمكان. وإلى جانب هذه الروح التحليلية الانتقادين، ترمي مجلتنا إلى البناء الايجابي، والإنشاء المنتج، وتود أن تسير خطاها بانتظام جلي، ولذلك فأنها تجهر بخطتها منذ الآن. وترى أن ترتكز جهود المساهمين فيها حول حاجات البيئة العربية في مختلف أقطارها، على أن تكون سوريا الحبيبة نقطة الاتساع الجغرافي، ولولب الاتصال بين بلدان الأمة العربية الكبرى حتى إذا نمت الأمواج التي تحملها هذه المجلة، اقترنت بما تلقاه من إصدار مماثل في الأقطار العربية الأخرى، وكان أن تداخلت أمواج الفكر التربوي والاجتماعي في البلاد العربية قاطبة، وتماسكت، واتسعت. وبذا يتسق جهد الأمة العربية في الوجود والإبداع، وينسجم اشتراكها في التطور العالمي أجمع وإننا سنأخذ الحكمة أين وجدناها، فهي ضالتنا

стр. 4

وإن سطرت في لغات أجنبية، ولن نفرق من هذا الاعتبار بين لغة وأخرى من لغات الأمم الراقية في مضمار التربية والتعليم. لقد رأينا أن ندعو في سبيل هذا كل ذي نية سليما، فيساعدنا ويؤازرنا وهو يساعد فعلاً أخاه وابن عمه أولا، ويساعد ابنه وابن أخيه ومواطنه ثانياً. والأجيال كلها تعاقب في صعيد الوطن العربي، بيد أن سلامتها ومصيرها وكمالها يتوقف جميعاً على نجاح الآباء ونبل المدرسين.

стр. 5

التربية والمجتمع للدكتور عادل عواد منذ أن وجدت الإنسانية وعيها، أبدعت مفهوم المدينة واتخذته هدفاً أعلى لها، وغاية قصوى، بما آمنت، وفي سبيل تحقيقها بذلت، ولا تزال تبذل، كل جهد وعناء. المجتمع ومن تعهد تاريخ الأفكار البشرية بالبحث، والإمعان، عرف أن الإنسان كان ينعم بالعمل ويحيا حياة الطبيعة الأولى، تقوده غرائزه، وتسيره قناعته بالوجود فحسب، شأنه الحيوان الأعجم، لا فرق بين هنائهما الطبيعي، ولا اختلاف في وسائلهما الابتدائية الرامية إلى تأمين الغذاء والدفء والسكن. غير أن ممارسة الحياة_صيما الحياة الاجتماعية_نقل الإنسان تدريجيا من نعيم السذاجة إلى شقاء الفكر. وتفصيل ذلك أن اشتراك الناس في اجتماعياً بتأمين حاجاتهم دفعهم إلى التنافس والنزاع والاختلافات. ولولا اختلاف البشر وتنازعهم منذ القدم لما تم انفصالهم عن سائر الحيوانات الراقية أولا_وفيها أنواع تعيش بصورة اجتماعية_ولولا اختلافهم وتنازعهم لما صح انقسامهم إلى أمم وقبائل وشعوب وأسر، ولولا هذا وذاك لما امتازت البشرية بأفراد عظام. . . . وأن كان العقل البشري لا يطمئن سارعاً لصحة هذا التفسير إلا إذا اطلعنا على السر الخفي فيه، فإننا نجهر بهذا السر دون إبطاء. فنقول أن أفراد الجماعات الإنسانية كانوا_وما زالوا_يتساوون من حيث طبيعة التركيب العضوي والحاجات العامة والوظائف الحيوية المشتركة. وكان سلاح كل واحد منهم اليد ثم الفكر. ولم تكن الفروق الفردية بين الناس ذات أثر يفوق ما نشاهده اليوم من فروق بين الأفراد. وهذا التساوي في الحاجات وفي الوسائل جعل قاموس حياة الإنسان يدور حول تنمية ما يفرق به أحدهم عن أخيه ضمن الإطار الاجتماعي العام، إلى أن غدت غريزة الوجود والبقاء عاجزة_وحدها عن أرضاء الإنسان الاجتماعي، فمال كل واحد إلى الاستثمار بالوجود، والحرص على البقاء الجيد، وصبا الناس عن القناعة بالوجود فحسب وأخذوا يتبارون في التفوق، وأبدعوا في التفكير مفاهيم مجردة للحياة تعلو على الطراز الحيواني

стр. 6

وتستند إليه. وبعبارة أخرى أخذت الاجتماعية تدرك وعيها، وتسرف في استعمال الفكر والنظر وخاصة الخيال، وأصبحت تتصور أمثلة أكثر من الوجود سعة وتنميقاً من الحياة النباتية والحيوانية قد يكون التفكير الإنساني_في أشده_أصل شقاء الإنسان، وجرثومة النزاع القائم بين الناس حتى يومنا هذا، ولكن من الثابت الراهن أن نشأة المثل العليا ووعي الإنسان لها إنما يرتكز إلى هذا التفكير، وهو ذاته ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية، وعنصر من عناصر الوجود المشترك. المجتمع والمدينة وقد تعددت التأويلات المتفاوتة، واختلف المفكرون والمفسرون. وكلهم يحاور في ظهور الإنسان على الأرض، وسببه أو أسبابه، وتاريخه أو تواريخه غير أن الباحثين جميعاً يقررون إنصاف البشر بالصفة الاجتماعية، منذ عرف الشر. فما وجد الإنسان الواعي المفكر إلا ووجدت معه الحياة المشتركة بين الناس. وعلى ضوء المجتمع اتقد سراج المثل الأعلى، واتضحت مفاهيم الأهداف السامية، ومن ذلك إيمان الإنسانية بما تسميه المدينة. وهي الشعلة القصوى التي تجمع الآن أبناء النوع الإنساني مهما أمنعوا في التأخر، أو بالغوا في التقدم. فهي غايته وأن طالت إليها الطريق أو قصرت. روح المدينة والمدينة هي غير الحضارة على كل حال، ولسنا نود هنا إظهار الفوارق بينهما، وبلغتنا الإشارة إلى تفاوت المفاهيم الإنسانية في التركيب والتعقد، وليس مفهوم أكثرهم بساطة وسهولة. وعندنا أن روح المدينة تلخص في استباق الفكر للعمل عن طريق التنظيم. وهذه الروح هي التي تربط_في رأينا_الغاية بالوسيلة، والنهاية بالطريق. فإذا كانت المدينة غاية الإنسانية اجتماعياً، فإنا روحها تقوم على التنظيم، ومن وسائلها الفعالة علمياً، بل وسيلتها الوحيدة بوجه عام، التربية بالمعنى الذي تشير هذه الكلمة في رأس هذا المقال. طبيعة المجتمع ألف الإنسان فهم طبيعة المجتمع على أساس الموازنة بين شعور الفرد وشعور الجماعة. وأبسط الأقوال في هذا المضمار أن تنظر إلى الحياة الاجتماعية نظرتك إلى الحياة ألنفسيه. وهذا أصل الرأي القائل بان المجتمع عبارة عن وجدان وشعور، كما أن حياة النفس وجدان

стр. 7

وشعور. ومن الباحثين من يتابع الموازنة القياسية فيقول أن الحياة الاجتماعية ذات عقل وعاطفة وإرادة، مثل الحياة الفردية ألشخصيه. وكما اللاشعور النفسي حقيقة تعمل عملاً هاماً في حياة العقل الواعي، والعواطف الظاهرة، والعزيمة الصادقة، فكذلك يعتقدون أن المجتمع يتمتع بمعجزات اللاشعور ألاشعور الاجتماعي، وكأن له عقلاً باطناً يأتي المعرفة بالسحر والعجائب ويكاد من حيث هو يفلت من ربكة الدراسة والبحث. غير أن التحريات ألعلميه ألحديثه تنمو نمواً جديداً، فتنظر إلى المجتمع نظرتها إلى موجود حي له خصائص مميزة وسلوك خاص، وقوانين. وعلى ذلك فأن المجتمع متماسكة من الوظائف الناشئة عن الحياة المشتركة. ولا مجال لإنكار هذه الوظائف، إذ لا يمكن تجاهلها، والتعامي عن الاعتراف بها وعند أصحاب الرأي السديد من العلماء تظهر فكرة الوظائف الاجتماعية بثوب البداهة واليقين. فهي لا تقبل الشك ولا تتعرض لضعف الاحتمال. خصائص المجتمع ومن خصائص الحقيقة الاجتماعية أن الحادث ذاته يكون نتيجة في اعتبار، ويكون سبباً في اعتبار آخر. وهذا دأب الوظائف الاجتماعية كلها. فالدولة مثلاً نتيجة الحياة المشتركة، وهي بوجودها ذاته سبب مباشر لإحداث الوظائف الخاصة بها، والناتجة عنها. ومثل ذلك مفهوم الوطن والأمة والقومية. . . . ونحن نقتصر في هذا المقال على بيان ما يربط وجوه الحياة الاجتماعية بعضها ببعض، وعندنا أن أشكال التنظيم الاجتماعي هي أحسن معيار يدل على درجة مجتمع ما من الرقي والتمدن، فالجماعة الابتدائية، والجماعة القديمة، والجماعة المعاصرة، والجماعة المتمدنة. كلها تختلف لا من حيث الطبيعة والنوع، بل من حيث الدرجة والشكل. الوطن ولكن ما يجمع هذه الأشكال كلها، ويبقى مستمراً ما دامت، هو مفهوم الوطن، فهو وحده أصل لها، وهي تجسده وتجعله محسوساً وملموساً، وبهذا المعنى يسوغ لنا اعتبار الوطن، والعاطفة الوطنية، أساساً ترتكز إليه الوظائف الاجتماعية، والوطن هو مصدر تعلون الأفراد وتنافسهم، وفي حدوده يكون الناس، وعلى ضوء المجتمع اتقد سراج المثل الأعلى.

стр. 8

واتضحت مفاهيم الأهداف السامية، ومن ذلك إيمان الإنسانية بما تسميه المدينة. وهي الشعلة القصوى التي تجمع الآن أبناء النوع الإنساني مهما أمعنوا في التأخر، أو بالغوا في التقدم. فهي غايتهم وإن طالت إليها الطريق أو قصرت. روح المدينة والمدينة هي غير الحضارة على كل حال، ولسنا نود هنا إظهار الفوارق بينهما، وبلغتنا الإشارة إلى تفاوت المفاهيم الإنسانية في التركيب والتعقد، وليس مفهوم المدينة أكثرها بساطة وسهولة. وعندنا أن روح المدينة تلخص في استباق الفكر للعمل عن طريق التنظيم. وهذه الروح هي التي تربط_في رأينا_الغاية بالوسيلة، والنهاية بالطريق، فإذا كانت المدينة غاية الإنسانية اجتماعياً، فإن روحها تقوم على التنظيم، ومن وسائلها الفعالة عملياً، بل وسيلتها الاجتماعية بوجه عام، التربية بالمعنى الذي تشير إليه هذه الكلمة في رأس هذه المقالة. طبيعة المجتمع ألف الإنسان فهم طبيعة المجتمع على أساس إقامة الموازنة بين شعور الفرد وشعور الجماعة، وأبسط الأقوال في هذا المضمار أن تنظر إلى الحياة الاجتماعية نظرتك إلى الحياة النفسية. وهذا أصل الرأي القائل بأن المجتمع عبارة عن وجدان وشعور، كما أن حياة النفس وجدان وشعور. ومن الباحثين من يتابع الموازنة القياسية فيقول أن الحيات الاجتماعية ذات عقل وعاطفة وإرادة، مثل الحياة الفردية الشخصية. وكما أن اللاشعور النفسي حقيقة تعمل عملاً هاماً في حياة العقل الوعي والعواطف الظاهرة، والعزيمة الصادقة، فكذلك يعتقدون أن المجتمع يتمتع بمعجزات اللاشعور الاجتماعية، وكان له عقلاً باطناً يأتي بالسحر والعجائب ويكاد من حيث هو يلفت من ريقه الدراسة والبحث. غير أن التحريات العلمية والحديثة تنموا نمو جديداً، فتنظر إلى المجتمع نظرتها إلى موجود حي له خصائص مميزة وسلوك خاص، وقوانين. وعلى ذلك فإن المجتمع جملة متماسكة من الوظائف الناشئة عن الحياة المشتركة. ولا مجال لإنكار هذه الوظائف، إذ لا يمكن تجاهلها، والتعامي عن الاعتراف بها. وعند أصحاب الرأي السديد من العلماء تظهر فكرة الوظائف الاجتماعية بثوب البداهة واليقين. فهي لا تقبل الشك ولا تتعرض لضعف الاحتمال.

стр. 9

خصائص المجتمع ومن خصائص الحقيقة الاجتماعية أن الحادثة ذاته يكون نتيجة في اعتبار، ويكون سبباً في اعتبار أخر. وهذا دأب الوظائف الاجتماعية كلها. فالدولة مثلاً نتيجة الحياة المشتركة، وهي بوجودها ذاته سبب مباشر لإحداث الوظائف الخاصة بها، والناتجة عنها. ومثل ذلك مفهوم الوطن والأمة والقومية و. . . ونحن نقتصر في هذا المقال على بيان ما يربط وجوه الحياة الاجتماعية بعضها ببعض، وعندنا أن أشكال التنظيم الاجتماعي هي أحسن معيار يدل على درجة مجتمع ما من الرقي والتمدن. فالجماعة الابتدائية، والجماعة القديمة، والجماعة المعاصر، والجماعة المتمدنة، كلها تختلف لا من حيث الطبيعة والنوع، بل من حيث الدرجة والشكل. الوطن ولكن ما يجمع هذه الأشكال كلها، ويبقى مستمراً مادامت، هو مفهوم الوطن، فهو وحده أصل لها، وهي تجسده وتجعله محسوساً ملموساً، وبهذا المعنى يسوغ لنا اعتبار الوطن، والعاطفة الوطنية، أساساً ترتكز إليه الوظائف الاجتماعية، والوطن هو مصدر تعلون الأفراد وتنافسهم، وفي حدود يكون التعاون واجباً، والتنافس مشروع. أما إذا قصر التعاون عن أرضاء غاية الوطن أو غلا التنازع حتى مزق الوطن، فنيت الجماعة وباد أهلوها من الوجود، فذهبت ريحهم بذهابه، وأصبحوا أثراً بعد عين. الأمة فلا غرو أن يكون الوطن أكثر ألاعتبارات الاجتماعية ذيوعاً_وقدسية_بين مختلف الجماعات الإنسانية، وهو أيضاً أكثرهم اتصالاً بالواقع المشخص المستمر. غير أن مفهوم الوطن حين ينظر إليه من الواجهة العلمية والتاريخية يلبس حلة الأمة، ويمثل في الأفراد أنفسهم، ومن قضى منهم. ومن لا يزال على قيد الحياة، ومن يتحمل له الوجود اجتماعية لها وجوه متعددة، كاللغة القومية دائماً، والدين قديما، والقانون من الدستور إلى النظام حتما، فضلا في ذلك عن التاريخ والأرض والمادة البشرية التي يجمعها أبناء الأمة الواحدة، وأفراد الوطن ذاته. القومية والدولية

стр. 10

ولعل الفكر الإنساني لا يعالج مرحلة تزيد في خطرها وخطورتها على قضية القومية والدولية. والإنسانية لا تزال في دور التمخض، فقد تجهض أو تلد رجعية في اعتبا آخر، أو تلد تقدما في اعتبار آخر، ومهما يكن في الأمر فأن الحياة الاجتماعية تتأثر كل التأثر من هذه العناصر، آية ذلك الحروب التي يشنها قوم على قوم، والغزوات التي تحققها أمة ضد أمة ونحن لا نحكم هنا على الحقيقة القومية والاتجاهات الدولية، بل نريد الإشارات أولاً إلى معنى المنظمات الدولية المتتابعة، تنتقل مراكزها من لاهاي إلى جنيف إلى سان فرانسيسكو أو نيويورك احتمالاً. وهدفنا ثانياً إظهار ما يعرض لبعض مسائل التربية من حلول موقوتة، بعضها يعالج في المنظمات الدولية، وبعضها يترك للجامعات الدولية الضيقة أو الواسعة، وبعضها الأخر يحل على أسس القومية المستقلة الخالصة. الواقع والتربية بيد إن الجماعات الإنسانية تشترك اليوم في صفة ثابتة من الجهة الواقعية، إلا وهو وجود الدول الكثيرة على وجه الأرض، بعضها أقوى من بعض، إن ماديا وإن فكريا، وقد ألفوا وألفنا أن ندعو القوي منها باسم الدولة الكبيرة، كأن القوة والعظمة صنوان. والى جانب الدول الكبرى التي لا تستأثر بالوجود حتى الآن، وان كانت إلى ذلك تميل، وقي سبياه تسعى، عن شعور ولا شعور، يوجد دول نسميها بالدول الصغرى، ومن المنطق الرياضي تمييز دول متأرجحة نعرف بالدول المتوسطة، ونصيبا غريب عجيب! إن الفكر الأنساني الذي يقر وجود الدولة في كل مجتمع واقعي، يقر ذاته إن التربية وظيفة من وظائف المجتمع، ما دامت الدولة تنظم الحياة الاجتماعية بوجه عام، فيجدر بالدولة إحقاق التربية، ولا يحسن ذلك بغيرها. أغراض التربية ومهما تفاوتت صفات التربية في الأمم المختلفة، فأنها تتقارب في بعض الخطوط العلمية ولكنها تتحد في أصلها الاجتماعي، وهدفها الاجتماعي ووسائلها الاجتماعية. فالتربية وظيفة لا تنفصل عن المجتمع، وهي ضرورة إنسانية في الدرجة الأولى. ومن المعلوم إن الطفولة عند الإنسان اكبر مدة منها عند صغار الحيوانات. وكأن الطبيعة تمهد للحياة الاجتماعية ذاتها، فلذلك جعلت الآباء والأمهات يجهدن في العناية بالطفل، ويغرزون عنده الميل

стр. 11

الاجتماعي، إلى إن يبلغ أشده فيؤمن بالمدينة الإنسانية ويحيا من أجل تحقيقها وفقا للمثل العليا الناتجة عنها، والسائدة في المجتمع. وأما وسائل التربية فهي ذاتها تتنوع وتختلف من وسط اجتماعي إلى وسط آخر وأساليب التربية تتفاوت في الأسرة عنها في مستوى المهنة والسوق والشارع والوطن والأمة. وتفاوتها لا يقف عند زمان أو مكان ولكنها تستمد من البيئة الاجتماعية، ولا توجد إلا فيها. فالتربية وظيفة اجتماعية معقدة دائمة متصلة، وفي قدرتنا أن ننظر إليها فنجدها في كل مرحلة وآن. هناك تربية يكون الأطفال موضوعا لها، وهناك تربية تكون الأسرة مادة تفعل فيها. وهناك تربية تتناول الطبقات الاجتماعية المختلفة سيان في تمييز هذه الطبقات المالية أو الشعبية أو السلكية. والتربية في رأينا أعداد الأفراد والجماعات للاشتراك في الحيات الاجتماعية اشتراكا متكاملاً وهذا التعريف يظهر أن القائمين بوظيفة التربية هم ينوبون عن المجتمع في إحقاق ضرورة لابد منها وكل من ساهم في بالتربية بمعناها الواسع يضيف إلى صفته الشخصية صفة اجتماعية مميزة، فباسم المجتمع يمارس المهربون جهدهم، وتحقيقاً لأحدى_وأهم_وظائف المجتمع يبذل الأفراد والمؤسسات ذات الاختصاص العناية الممكنة، والعناء الشريف. التربية والدولة ولسنا ننكر تضارب الآراء حول استقلال الدولة وحدها بوظيفة التربية ونحب أن نفصح سبب هذا الاختلاف العميق، وعندنا أنه يرجع إلى جهل بالحقائق الاجتماعية، فليس الدول تتمتع الآن بدرجة واحدة من التطور، ونحن إذا انتقلنا إلى مستوى الحق والواجب، وجدنا أن ما يعارض تضلع الدولة بأمور التربية يسمى الأسرة أولاً ويسمى المؤسسات الدينية ثانيا. التربية والأسرة فمن قائل أن الطفل ملك أسرته، لها عليه حق التصرف والتوجيه والخلق والتنشئة، وله عليها بهذا القدر واجب القيام بوظيفة التربية والتعليم، وتكون الدولة متمتعة بأكبر قسط من الراحة. فلا يحق لها التدخل في أمور الأبناء إلا قليلاً، وفي حالات شاذة نادرة، وخاصةً

стр. 12

حينما يعجز الإباء عن القيام بهذه الرسالة. ويرى أصحاب النظرية أن يقتصر أثر الدولة على المساعدة المالية فتفتح الحكومة المدارس ويترك شأنها وتشرف عليها كما تشاء. التربية والمؤسسات الدينية ومن قائل أن التربية عمل هام، له الأثر الكبير في سلوك الأشخاص كباراً، وفي توجيههم صغاراً. المؤسسات الدينية وحدها تختص بالسهر على التربية والتعليم، فالأفكار والعادات والتقاليد التي تحمل إلى النشء إنما يجب أن تصطبغ بالصبغة الدينية. ولأصحاب هذا الرأي نظرة عامة تجعلهم يعتقدون بتماسك الحياة الدنيا والحياة الآخرة، فإن فاعلية الإنسان النظرية العملية، والفكرية والأخلاقية، عاجلاً أو أجلاً، وقف على نجاح التربية وإخلاصها ديانا السائدة. التربية والتاريخ وإذا شئنا الأنصاف أن كلاً من القولين مصيب في دائرته ومخطئ خارجها. والطريق الصحيحة المستقيمة تظهر لنا خلال التاريخ الإنساني. لقد ارتدت وظيفة التربية أثواباً مختلفة، وسراويل عدة متنوعة. ولا يكاد يجهل باحث اليوم أن التربية كانت في السابق وقفاً على رجال الدين، يعاونهم في أدائها أحياناً أفراد الأسرة من الراشدين الذكور، يمتنع اجتماع الصفة الدينية والصفة العائلية في الشخص المربى. تجد التربية منوطا بالكهنة من قدماء المصريين، وكانت اتجاهها عملية نفعية. أما التربية عند اليونانيين الأقدمين فكانت تختلف في إسبارطة عنها في أثينية. تستهدف خلق الجنود الشجعان في الأولى، وهي في الثانية أكبر عناية بتنمية المعارف والمدارك والشعور بالجمال والانسجام، ولكنها كانت في الحالتين إخضاع الفرد لأوامر الجماعة، وجعله قابلا لنزعات الحكومة، يتلقاها دون مقاومة، ويقبلها قبولا أعمى. أما في روما، وإمبراطوريتها الواسعة، فقد كان اتجاه التربية عمليا يقدس الشرف العسكري في الدرجة الأولى، وبهمل حياة الفنون والآداب. وكانت الصبغة الدينية تبدو هنا وهناك في مختلف أقطار العالم القديم. وفي القرن الوسطى الأوربية كانت التربية دينية مسيحية، ولما أشرق عصر النهضة انتشرت المبادئ العلمانية في التربية، وأخذت الناحية الأدبية الإنسانية تسود بانتظام وما

стр. 13

برحت الحركة العلمية والفنية في نمو وازدهار حتى أصبحت اليوم بمثابة التوجيه العالمي لقضايا التربية والتعليم الحياديين من الناحية الدينية. وفي هذا الاتجاه تجد الدولة أصلاً في تأمين وظيفة التربية والتعليم اجتماعيا فلا تكاد تدع للأسرة مجالاً، أو للمؤسسات الدينية فسحة، محدود للتدخل في شؤون إعداد أبناء الأمة للحياة. وفي بعضها لازال أمر التعليم متروكا للمؤسسات الدينية من الناحية الروحية فحسب، على أن تكون هذه المؤسسات موضعاً لمراقبة حقيقية، لا تغفل ولا تماري. التربية العربية ونختم هذا البحث بالإشارة إلى ما كانت عليه التربية عند العرب منذ أقدم العصور وكما وصلت إلينا، ففي العصر الجاهلي كانت أهداف التربية تقتصر على إعداد الأبناء لتأمين أسباب الحياة المادية الضرورية. وكان العرب يقسمون إلى بدو وحضر. وكان تحصيل العيش واللباس ومدافعة الأعداء وقهر عوارض الطبيعة أكثر ما يرمي إليه البدو في تنشئته الأطفال، حتى تشتد سواعدهم، وتقوى أجسامهم، وكان الحضر من العرب يعملون إلى جانب ذلك بالصناعات والمهن كالطب والهندسة والنجارة والتجارة. والعرب جميعاً كانوا جد حريصين على غرس الخصال الحميدة والخصال النبيلة في النفوس، مما شهروا به، واشتهر بهم. وكانت الأسرة أو العشيرة هي التي تقوم إجمالاً بوظيفة التربية والتعليم. وكانت أسواق العرب تغني عن المدن الجامعية وكان للمرأة في كل ذلك شأن أساسي عظيم، ونصيب وافر كاف. ولما وجد الإسلام وذاعت تعاليمه في الجزيرة العربية وسوريا والعراق ومصر وأفريقيا الشمالية والأندلس وأنتشر شرقاً حتى عم فارس وقسماً كبيراً من الهند وغيرهما. . . . اتسعت آفاق التربية والتعليم، واختلطت ثقافات عديدة في ظل المملكة العربية الإسلامية، وكانت التربية آنئذ تجمع إلى أغراض الدنيوية، غرضاً أخروياً، في جميع أوساط المجتمع العربي على السواء. وكانت معاهد التعليم تتمركز في الجوامع والمساجد والمستشفيات ثم ظهرت المدارس ذات الاختصاص، ووجدت دور الكتب والمطالعة ولكن تنظيم التعليم والتربية كان يتفاوت من

стр. 14

قطر إلى قطر، ولم يتبع أسساً شعورية موحدة، ومن المؤسف الاعتراف بأن موضوع التربية والتعليم لم يدرس بعد في اللغة العربية دراسة علمية تامة، فهناك أبحاث متفرقة، وجهود تحليلية أولى، لم تتناول مذاهب التربية وأساليب التعليم في نظرة جامعة، كما تجدها في المجتمع آنئذ، وكما نجدها في مؤلفات الغزالي وابن خلدون، وكما تظهر على أكمل وجه وأتم وضوح في أبحاث إخوان صفا التي أودعوها رسائلهم الشهيرة الإحدى والخمسين. التربية في سوريا والتربية في سوريا تصلح_إلى حد ما_أن تكون مثالاً على ما وصلت إليه التربية في البلاد العربية بعد انفصالها عن الدولة العثمانية. وأن كنا لا ننكر الفوارق التي أخذت تميز الأقطار العربية بعضها عن بعض من الناحية التربوية ما بين الحربين العالميتين. تملك الدولة السورية_مبدئياً_حق القيام بوظيفة التربية والتعليم، وتشرف بواجب أداء هذه الوظيفة على أفضل وجه، وقد مرت الدولة السورية إبان تاريخها الحديث بأدوار مختلفة، بأدوار مختلفة، وأزمات متعددة، وحالا من عدم الاستقرار ليست بالشيء اليسير أو القليل. ومن الواضح أن الدولة السورية تسير في ذلك وفق أصح الاتجاهات التربوية العالمية، فالتربية عمل اجتماعي ووظيفة تحققها الحكومة التي تنشأ في ظل الدولة، ولا خلاف في مشروعية هذا الوضع من حيث المبدأ والأصل. كتاب مقدس غير أن الحكومة السورية_في مستوى الواقع_لا تتمتع باستئثار شامل لوظيفة التربية والتعليم. وليس في نيتنا أن نتحرى هنا أسباب هذا الوضع، وهي موجودة في الحالة الراهنة، كما أننا لن نذكر اليوم التفاصيل ما كان وما هو وما يرجى، وقد أناط القائمون على الحكم مسألة البت في هذه الأمور بمشاور فني وضع لها كتاباً مقدساً تفاوت فيه البحث حالة المعارف السورية واقتراحات لإصلاحها وقد جمعها في جملة من التقارير شهيرة تعمل الحكومة على تنفيذها بدقة وثبات. ونحن إذ نرجو لهذا الكتاب حياة مستمرة، نحب أن نلفت الأنظار إلى أن وظيفة التربية والتعليم في سورية لا تصلح كلها إذا صلحت قضايا المعارف الرسمية فحسب. فهناك

стр. 15

حاجات تربوية لا تغني بها المعارف اليوم، ولكن البلاد تشعر بها شعوراً شديداً، فمن هذه الحاجات، إلى جانب المعرفة، التربية الوطنية الشاملة التي يجب ألا تقتصر منذ الآن على المدارس الرسمية، وعلى الأطفال والشباب، بل تتناول القروي في حقله، والبائع في حانوته، والبدوي في صحرائه بين السماء والرمل. وهناك. . . وهناك. . . . وبكلمة واحدة، نحن لا نزال نشكو_كالشقيقة المصرية_من الجهل والفقر والمرض. وعندي أكثر ما ينقصنا في المسائل التربية بكلمة التوجيه. فالتوجيه الصحيح_أن كان موجوداً عندنا_فهو ضعيف خجولا، حيران. وإحدى آيات ذلك الكتاب المشار إليه. ففيه حديث رائع ووصف ممتاز لماكينة ١ المعارف السورية ببيوتها ودويلاتها وزيوتها ودخانها ولكن الروح الشاملة الواعية، الجريئة الواضحة، لا تكاد تلمس خلال الأسنان والأمشاط والمحركات!. . ربما عدنا إلى بحث هذا الموضوع في عدد قادم، بحثاً تفصيلياً كافياً. خاتمة ومهما يكن في الأمر، ومهما صلحت الناحية الفنية الخالصة، فأن أهداف التربية السورية تستمد حياتها_فعلاً ووجوباً_من حاجات البيئة ذاتها، بيئتنا اليوم. ولا بد من أن ينظر إلى هذه الحاجات بإخلاص، واعتبار ما يربط بلادنا بماضيها من جهة أخرى، وبوجه خاص. لا يشذ ذلك عن نطاق الوطن العربي، لا يستهدف سوى صالح الأمة العربية ونفعها، وبقائها، ونجاحها. فما لا بد من وضعه دوماً في طليعة الأبحاث التربوية، حقيقة علاقة التربية بالمجتمع، والمدرسة بالوطن، وعلى نجاح التربية وصلاحها تتوقف حياة الوظائف الاجتماعية الأخرى الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وقد تؤمن الحكومة واجب التربية والتعليم، وقد تتدخل في ذلك_إلى حد ما_الأسرة والمؤسسات الدينية كما هو موجود فعلاً في بلادنا الحبيبة اليوم، والأصل في كل ذلك أن تتضافر الجهود، وتتعاون الأسرة والمدارس الأهلية والحكومة على القيام بعبء التربية الأقدس. ولسنا نعالج هنا قضية المدارس الأجنبية التي تضرب بسهم في الموضوع، ضمن شروط وظروف تدعو إلى التفكير. بل إن غايتنا من تباين هذا الواقع إنما هي استنهاض الهمم، واستفزاز العزائم الصادقة، في تدارك مسائل التربية والتعليم في بلادنا من الناحية. وعندما تصح ويصح لسائر البلاد العربية تحقيق

стр. 16

وظيفة التربية اجتماعيا على أحسن وجه من ناحية أخرى، يبلغ العالم العربي شأوه، ويكتب له الوجود والفوز والبقاء. وعلى هذا الأصل، وبهذا القدر، تساهم الأمة العربية في المدينة العالمية وتعمل على تقريب الإنسان من الكمال، حتى يبلغ المجد! عادل عوا

стр. 17

قصة هذا الجيل للأستاذ عزة النص مدير التعليم الإبتائي في الرياضة الفكر على النقاش والجدل متعة وفائدة. وإذا لم نجن منها فائدة قريبة فنحن نستمتع بعض الوقت بما تتركه في نفوسنا من نشوة ولذة، فتعالوا نتناقش. . . ولعل خير أسلوب للمناقشة أن نسوق المقدمات ونتفق على صحتها ثم نتدرج منها إلى النتائج، فهلم نسلك معاً هذا الطريق، طريق السادة المناطق. . . ومن أوليات المنطق أن يكون هنالكقضيةتوضع موضع البحث، وقد فرض علينا القائمون على هذه المجلة موضوعاً معيناً وهوالمدرسة والمجتمع. وهي_كما ترى_قضية لا يبت فيها برأي قاطع بل تحتمل ألجدل والحجاج، فليس في المسألة هنا قولان. . . بل أقول وأقول. ولعل في حصر الموضوع وتحديده ما يعين على بحثه ومعالجته، فلا أراني بحاجة لأن آتيك بالبينات التواضع على أثر المدرسة في المجتمع. . . فهذا أمر مفروغ منه وقد اتفق عليه جلة أهل الفكر وإنما المهم أن نعمل الرأي في أمور ثلاثة هي: ١_هل كل شيء في مجتمعناً يجريعلى أحسن ما يرام في أحسن عالم ممكن؟! أم يبدو لك أنه يحتاج إلى قدر يسير أو كبير من هذه المادة العجيبة التي يسمونها الإصلاح؟! ٢_هل تقوم مدارسنا بأداء نصيبهم_ولو قليلاً_من هذا الإصلاح؟ ٣_كيف تستطيع مدارسنا الاضطلاع برسالتهم في المجتمع على وجه أكمل؟ وشرطنا في البحث حرية معقولة في الرأي، فلك أن تدلوا بدلوك في عدد ثان من هذه المجلة وتزعم أن مجتمعنا مثل فذ في المجتمعات، وجيلنا آية فريدة في الأجيال. . . ووردت لو استطع تصدقك ولكن الحقيقة المائلة تجذبني بعنف من علياء القمر إلى سطح الأرض، أن لم يكن تحت سطحها بأمتار. . . أنا أزعم أن مجتمعنا سديمي لم يتكتل وتبرز عناصره ويستقر على فلك معلوم. فلست أرى فيه صخرة ثم تكوينها بل لا أشاهد فيه بعد مظهراً من مظاهر التضاريس الثابتة. . . ولا

стр. 18

يعكس المنظار إلا هواء وأهواء. . . وما يكون حالة مجتمع قضى قروناً أربعة في ليل برم؟! ولما غمرته موجة النور كانت نواظره قد الفت الظلمات فغدا يفتح الجفن على خوف وحذر ثم يغلقه وينعم بالظلام المألوف! أربعة قرون ظالمة مظلمة تمخضت فولدت أبناء هذا الجيل. . . وحسبي أن أقص عليك سيرة واحدة منهم لتعرف قصتهم جميعاً. فهم سواسية كأسنان المشط، خلقهم الله من فصيلة واحدة على نموذج موحد، أن لم يتشابهوا في الخلقة وبنية الجسم فهم متشابهون في الخلق وبنية العقل، وأن تفاوتوا في السن فأعمارهم العقلية متقاربة على كل حال. أنا أزعم أن مجتمعنا يتميز_أكثر مما يتميز_بالنزعة التجارية. . فنحن مضرب المثل في معرفة مأتي الربح والغنيمة مما كان السبيل إليها. . ولو وقف الأمر هنا لهان الخطب، ولكن غريزتنا التجارية النامية تسيطر على ألبابنا ومشاعرنا فأصبحت لنا أخلاق تجارية عريقة وعقلية تجارية مهنية. أنا أزعم أن إنسان هذا الجيل تاجر مراب في كل شيء. . . في حبه وبغضه، ووده، وكرهه، وتدينه، وإلحاده، وحزبيته، وحياده وعلمه_وكدت أقول وجهله أيضاً. . . فالمدرسة والبيت والوظيفة والحانوت والحياة كلها. . عند الإنسان هذا الجيل، تجارة ترتكز إلى أساس صلد مكين من الأثرة وحب الذات. وصاحبنا_إنسان هذا الجيل_مولع بالغزو والسطو فأن لم يستطع بيده فبقلبه ولسانه، ونحمد الله على أن القوانين الوضيعة قد حدث الغزو باليد وبقي الغزو باللسان والقلب. هذا الكائن الحي لا تستسيغ نفسه فضيلة التعاون. . وهو حسود كنود سباب عياب مغتاب شتام هدام. . وما شئت أن تضيف إلى ذلك. . . وكان إلى عهد قريب يعيش مع ذويه ضمن إطار الأسرة فكان له من فضائل التعاون الاجتماعي نصيب العصبية القبلية على الأقل. . . فلما أخذ بالمدينة الحديثة وتحلل من قيود الأسرة أضاف إلى الأسرة التجارية الموروئة ميزة الانفرادي، فكان يقولنحنويريد أسرته وذويه فأصبح ألان لا يعرف إلاأنا. . . هذا الكائن الحي يسألك بلهفة أين كنت؟ وماذا أكلت؟ إلى أين أنت ذاهب؟ وكيف حالك؟ فلا

стр. 19

تحسبن ذلك منه دليلاً على الود والولاء. . . وإنما هو يتحرى في قرار نفسه أن يعرف إذا كنت أحسن منه وأوفر مالاً وهو يألم غي قرار نفسه أن تكون أحسن منه حالاً وأوفر مالاً. ووليد هذا المجتمع يتحدر من قوم آلفوا_في عهد بني عثمان_إظهار الفقر وارتاحوا إلى الشكوى، لئلا يتهموا بجريمة الثروة أو يظن بهم اليسار فيعرف ذلك الجابي والوالي. . . رحم الله بني عثمان، ما أشد مذاجتهم، فلقد كان أجدادنا يتملصون من دفع الإتاوة بلبس الرث من الثياب، ودنانيرهم الابريزية مدفونة في التراب أو في حنايا الجدران: أين بنو عثمان من الملك الغربي الذي كان يقول لمن ينفق عن سعة: أنك تصرف فأنت إذن غني، فيجب أن تدفع، ويقول لمن لا ينفق: إنك لا تصرف فأنت إذن تدخر فيجب إذن أن تدفع، فما كان ينجو منه غني فقير! وصاحبنا من قوم أولعوا بالإمارة ولو على الحجارة. . . صغيرهم ككبيرهم زعيم حاكم يأمره يأبي ويطلب أن يطاع. وهو بعد من أمة لا تعرف التوسط في الحب والخصام ولا تقف بعنفها عند حد معقول مقبول، الحب عندها كالبغض يرغي ويزيد وينقم ويهدد ويشتم ويهدم. ولا تسلني كيف ولد صاحبنا_إِنسان هذا الجيل_ومتى ولد؟ فقد حملت به أمه في جو محموم مسموم وقذفت به لهذا العالم في جو محموم مسموم: ضيق يد ومجاعة وخوف وهلع وحروب وثورات على الترك والإفرنج. وجو مثل هذا حليق بأن يخرج جيلاً عصيباً سوداوياً مضطرباً مكتئباً مهموماً. . إِنه جيل زئبقي ينتقل بسرعة الكهرباء من قطب الخير إلى قطب الشر، وهو إلى الشر أسرع. جرب مرة أن تحصي عناصر الخير والشر فيما يدور حديث بين أبناء هذا الجيل واعمل (نسبة مئوية) ثم احكم. . لقد خرج هؤلاء الأبناء إلى عالم الكون والفساد وهو في بحران مد لهم: أجنبي أحمق يدعي انه جاء ليعلم الكياسة، أجنبي لص يزعم انه جاء لينشر الحضارة ويفرض الكرامة. . إنه نشر الجهل والفقر والمرض. ومهما يكن من أمر فلقد كان من لهذا الأجنبي البغيض فضل على الأبناء هذا الجيل لم يقصد إليه عن طوع فقد جمعهم على عداوته ووحد بين قلوبهم على كرهه فتعاونوا على

стр. 20

طرده وخذلانه، تسلقه ألسنتهم تدمير حجارتهم وتصم آذانه أصوات حناجرهم: وآل التعاون إلى ما يؤول إليه كل تعاون على البر، فزال الأجنبي ولكن الغرائز المكبوتة لم تزل والعضلات الضامرة لا تنفك بحاجة إلى رياضة، والحناجر الغضة لا بد لها من الاستمرار في المران. . . لقد تمرد هؤلاء الأبناء على آبائهم وتحللوا من طاعتهم، ومن آباؤهم؟ جهلة لا يعرفون العلوم العصرية ولا يوطنون بالغة الأجنبية، وهم بعد في شغل عنهم: الآباء في المقاهي والأمهات في الحفلات، والجو المنزلي لا حب فيه ولا تعاون. وبعد أتحسب أنني استعرضت لك جميع عيوب الجيل؟ لا، أنا لم أذكر إلا أهونها. قيل أن (روسو) فكر في خير السبل لتحقيق مبادئه في الإصلاح الاجتماعي والسياسي فوجد أنجحها تهيئة جيل مستعد لهذا الإصلاح عن طريق التربية، فهل مدارسنا تعمل على ذلك؟ لقد ذهب أبن الجيل إلى المدرسة_وقد رأيت تراثه الضخم بالعلل الخفية والظاهرة_فماذا وجد فيها؟ وجد فيها الحساب والهندسة والجبر والفلك والمثلثات والفيزياء والتاريخ الطبيعي والتاريخ والجغرافية الخ. . . . لكنه لم يجد لم يجد ما يقوم نقائصه ويسدد خطاه. أن كل شيء يسير في مدارسنا كما لو كان التلميذ فيها سوياًً حلوقا بريئاً معتدل المزاج. . . . يحتاج فقط إلى كمية لا بأس بها من المعلومات، وكأن مشاكل المجتمع لا وجود لها وكأن جميع تلك العلل لا أثر لها. أنا أفهم المدرسة بأنها (تأخذ الطفل كما هو وترده كما يجب أن يكون). أنا أفهم المدرسة بأنها مكان يصلح فيه ما أفسده المجتمع فتدرس فيه أخلاق كل تلميذ ومواهبه وميوله وعواطفه وتوجه الوجهة الحسنة. مجتمعنا بعوزه التعاون ونحن نعود الأبناء في المدارس على التنافس والتزاحم وكان بوسعنا أن نعلمهم التضامن المبدع في الألعاب الرياضية والأشغال والمشاريع المشتركة. مجتمعنا يعوزه الحب الصحيح فهل في مدارسنا آثر لهذه الحب بين التلميذ ورفاقه وبين المعلم وتلاميذه؟

стр. 21

إن مدارسنا تحوي على مقاعد وألواح ومناضد وخزن وكتب ودفاتر. . . . وفيها معلم يتكلم ويسمع وتلامذته يتكلمون ويسمعون، وأي شيء من ذلك يمت إلى الحياة بصلة؟ إننا اليوم نعلم (بالجملة) لا (بالمفرق)، نسوق تلامذتنا كالقطيع بعصا واحدة، مدارسنا_في وضعها الراهن_معامل لإخراج أصحاب شهادات أي تجار علم لكنها لا تخرج علماء ومفكرين، لم تعجب لعقمنا في الإنتاج الأدبي والعلمي؟ هل يكون الإنتاج إلا بالمطالعة المستمرة وهل أساليبنا في التعليم تعود على ذلك؟ من المقبول أن تكون الجامعات مركزاً (لتعليم البحث) ومن المقبول أيضاً أن يكون (نصيب التعليم) أكبر من (نصيب التربية) في المدارس الثانوية أما في المدارس الابتدائية فيحسن أن يكون رائدنا فيها قليلاً من التعليم مع كثير من التربية)، بل يمكن أن نكتفي بالمدارس الابتدائية بالمهنتين الأساسيتين: القضاء على (الأمية الأخلاقية). نحن نبالغ جداً في فائدة التعليم في المرحلة الابتدائية فنفرض على الطفل أن يتعلم فيها الأسس الأولى لجميع العلوم، فمت إذن نتفرغ لمراقبة نمو ملكاته ونزعاته وتكون عاداته وأخلاقه؟ لقد أخذنا أمداً طويلاً بالحكمة القائلة (العلم في الصغر كالنقش على الحجر)، فهل أنت معي قي زيادة كلمة واحدة على هذه الحكمة فنقول (العلم في الصغر كالنقش بالماء على الحجر)!؟ لست أميل إلى التربية_روسو_السلبية فأرغب في ترك الطفل للطبيعة حتى سن الثانية العشر، وإنما أحسب إننا نحسن صنعاً في إهمال التعليم المحض إهمالا كبيراً حتى سن التاسعة على الأقل. . . . أيها السادة المعلمون أنا أعرف حق المعرفة صفوفكم المكتظة بمئات الكتل البشرية التي نسمها الأطفال. وأعرف حق المعرفة تعزر القيام بعمل تربوي في صفوف كهذه يمكن أن نسميها كل شيء إلا أنها صفوف مدرسة. وهذا موضوع المناقشة، فهل تستمر على سياسة (الكم) في التعليم أم نجنح إلى سياسة (الكي_ف)؟ يزيد أطفال سورية سنوياً خمسة وأربعين ألفاً، وتعليمهم يقتضي كل عام زيادة ألف معلم وفتح مائة مدرسة على الأقل، فكيف السبيل إلى تعميم التعليم مع تطبيق الأساليب التربوية الحديثة؟

стр. 22

لكل مشكلة حل أو عدة حلول، فهل ترى فرض ضرائب غير مباشرة جديدة باسم التعليم أم عندك حل أخر؟ المهم أن نعرف ما نريد ثم نحاول معرفة السبل الموصلة إليه، إننا نريد مدارس حية تعد التلميذ لحياة أمثل ومدارسنا اليوم لا تفي بهذه الغاية. يقول (ديوي) في كتاب (التربية والاجتماع): أن مركز الجاذبية في التعليم الحاضر هو خارج الولد أي في المعلم والكتاب وأن شئت وفي أي شيء شئت، عدا كونه في غرائز الولد وقواه وحياته، فيجدر بنا تحويل مركز تلك الجاذبية، وعلينا أن نقوم بالانقلاب الذي قام به (كوبر نيكوس) بنقله مركز العالم الفلكي من الأرض إلى الشمس، فيصبح التلميذ شمساً تدور عليه عوامل التهذيب. عزة النص

стр. 23

توجيه للأستاذ رشدي بركات مدير معارف دمشق المدارس والمجتمع كلمتان لينتان. هينتا للفظ، خفيفتا الوقع، ولكنهم، في ضمير الوعي العقلي وأغوار التفكير الصحيح، وحقائق الحياة الإنسانية والقومية، وبناء الشعوب والأمم، هما كل شيء ولا يكاد يعد لهما في خطورتهما أمر. فالمدارس أم الجميع الرؤوم بل الدعامة الوحيدة التي لا يقوم كيان المجتمع إلا عليها: بعيشها يعيش، وبرقها يرقى، وكيفما وجهتها توجه. والمجتمع هو الشعب بمجموعة، والأمة بكاملها، والدولة بقضها القضيض. فإنشاء أمة طيبة، حرة، سعيد، وبناء دولة مستحضرة، سيدة، مجيدة، خالدة، يجب أن يبدأ بتشييد مجتمع صالح بتكوين مجتمع صالح. والمجتمع الصالح لا يمكن أن توجده إلا مدرسة صالحة، إذن فيناء الأمة والدولة يجب أن يبدأ بالمشروع في بناء المدرسة وإصلاحها. والمدرسة بل الحيات الحضرية كلها تقوم على: معلم يبذل، ومتعلم يأخذ ويتقدم، وغذاء فكري وروحي بينهما تتداول العقول والقلوب والجوارح، ويزداد نضج وسمواً على مر الأيام، وكلما تكررت علمياً التبادل بين معلمين ومتعلمين وطلاب علم. وإني لأرجو أن تكون هذه المجلة آمن وسيط، وأكفى وثاق وأكثر منابع النور تألقاً وهداية، حول أضوائها تتكتل قوى العلم، وتتجمع عناصرها الخير، ويتساند جنود الثقافة، وتشحذ عزائم بناة الوطن، وتنبعث الفضائل العربية، وبعد إن هذه المجلة قد سدت ثلمه في عالم الفكر، وملأت فراغاً في ميدان التقدم في البناء، وأكملت نقصاً جسماً كنا نلمسه بحزن. وأوجدت صلات كانت مفقودة أو شبه مفقودة، بين أفراد التعليم، فعليها يعول في العمل على رفع شأن العلم وأهله، وبث شكواهم العادلة، وتحسين طرائق الجهل والجهالة. وختاماً، كلنا آمال في أن يهب الله لهذه المجلة عمراً مديداً، في أغزو مادة، وأقوم منهج، وأرشد سبيل، فتساهم في تكوين مستقبل زاهر بسام، تتفيأ هذه الأمة إلى السؤدد والكرامة ظلاله الوارفة، بعد طول بلاء وعناء، وبناء.

стр. 24

رشدي بركات

стр. 25

الثقافة الأثرية للدكتور سليم عادل عبد الحق محافظ دار الآثار الوطنية في دمشق متحف اللوفر من أحب الأماكن إلى باريس. وقد زرته للمرة الأخيرة لما رحلت منذ شهرين إلى هذه المدينة. فلفت نظري كثيرة الزحام وتدفق الناس في قاعدته وأبهائه وجلهم من الرجال التعليم والطلاب، وأدهشني الجهد الكبير الذي يبذلونه والانتباه العميق الذي يصرفونه في تفهم آثار الحضارات الماضية ومخلفات القرون الخالية. ففي الآثار الأشورية رأيت أستاذاً يشرح لطلابه خصائص النحت في عصر صارغون وبالقرب من المصطبة المصرية شاهدت مربية مسنة تحدث طالبتها عن طريقة التحنيط والدفن لدى المصريين القدماء، أمام الدرج الكبير المنتصب وسط القاعات الإغريقية_الرومانية التقيت بفئة من الأحداث قد أحاطوا بتمثال ربة النصر المعروف باسم ساموتراس يرسمونه على دفاترهم ليبقى وضعه الجميل مائلاً دوماً في خيالهم. وكذلك كان الأمر في قاعات التصوير الحديث، فهنا سمعت ملاحظة من أحد المحضرين وهم كثر، عن فنرفائيل، وأفدت نادرة عن الحياة ليونار دوفيس، وهناك طرقت مسامعي قصة أعرفها عن روبنس والتقطت المعلومات عن رامبرانت ذكرتني بما كان يحدثنا به أحد أساتذتنا عن تصوير الهولندي، في معهد الفن والآثار الباريسي منذ سنوات مضت. ولم تنته الزيارة حتى شعرت أن المتحف كبير ينبع لثقافة أثرية وفنية كبيرة وأنه مدرسة دائمة يجد فيها المثقفون لذة فكرية لا تعادلها لذة أثناء تفرجهم على نفائس الماضي. ذكرت بأسف مرير عجز متاحفنا السورية عن مجارات المتاحف الأوربية لضعف وسائلها المادية، وخلوها في أكثر أيام الأسبوع إلا من موظفيها ومن محتوياتها. يطلع علينا في كل بضعة أيام زائر أجنبي، وفي كل شهرين تلاميذ صف من صفوف الثانوية أو الابتدائية يملئون المتحف بضجيجهم وضوضائهم. ولا يكادون يصغون إلى الدليل الوحيد المكلف بتعريفهم ما لدينا من ماديات. واهتمامنا بآثارنا غير النقولة لا يفوق اهتمامنا بما في متاحفنا، فينذر أن يسمع عن شخوص أعضاء نوادينا وجمعياتنا الثقافية إلى مناطقنا الأثرية عن عمد وعلى غبر نية النزهة وقد حدثني أحد زملائي وهو مكلف بالعناية بآثار بصرى

стр. 26

أن طلاب مدرسة عالية من دمشق قصدوا مدينتنا للتفرج على آثارها النبطية والعربية وغيرها. فلم يكن لهم في برنامجنا رحلتهم إلا دقائق معدودة يقضونها داخل القلعة. ويعلل زهد الناس في زيارة متحفنا وعدم اندفاعهم إلى رؤية أبنيتنا الأثرية التي تملأ مدننا وقرانا، بنقص الثقافة الأثرية في بلادنا وقلة شيوع النتائج العلمية التي وصلت إليها الباحثون والمنقبون بين الطبقات المتعلمين، وأنصرف عامتنا حتى يومنا هذا عن دراسة مخلفات أجدادنا المادية فإذا كان لنا عذر في تقصيرنا هذا أثناء العهد السياسي الذي سبق عهدنا الاستقلالي والذي صرفنا معتمداً عن الاهتمام بهذه الناحية، فلزام علينا وقد أصبحنا نسير دفة سفينتنا بأنفسنا أن نسعى بأقرب ما يمكن لتدارك النقص فنولي الآثار شطراً كبيراً من عنايتنا، لأن بلادنا غنية جداً بها فأطلال تدمر وبعلبك ومخلفات المدينة البيزنطية وقصور الأمويين ومساجد وقلعت الحصن والأوابد الأيوبية والجوامع التركية مضاف إلى الآثار التي تحويها متاحف دمشق وحلب والسويد وغيرها تؤلف مجموعا كبيرة يندر وجودها في بلد أخر. ومن الضروري أن ينشر باللغة العربية جميع ما عرف عنها وأن تعرف جميع خصائصها وميزاتها. وفي الحقيقة أن الثقافة الأثرية من مقومات المدينة الحديثة وأن الفوائد المرتجاة من تعميمها بين أفراد الشعب من جانب كبير على أهمية. فهي تقدم إلى الفنانين والصناع المعاصرين مجموعة من الأشكال والنماذج جديرة بأن توحي إلى خيالهم وأن تحسن إنتاجهم بما تحتويه من دروس وعظات بالغة. ورجوع أصحاب الفن إلى الماضي لاستنطاق مألوف لدى كل الشعوب وفي كل العصور نسرد للتذكر أمثلة يعرفها كل الناس. فقد استلهم فنانو النهضة الأوربية من آثار المدينة الإغريقية_الرومانية في إيجاد فنهم العظيم الذي عاشت عليه أوربا قروناً عديدة، واستوحى إبداعيو القرن التاسع عشر في تكوين فنهم الرومانطيقي من مخلفات القرون المتوسطة، ونستفيد نحن الآن في فن بنائنا المعاصر من الآثار الأيوبية والأندلسية والتركية. وأخيراً فإن تقليد صناع الزجاج والفخار والمجوهرات والحلي والثياب وغيرهم ما أنتجه من تقدمهم في الماضي القريب والبعيد معروف شائع منذ القديم الزمان وحتى يومنا هذا. على أن الغاية من الثقافة الأثرية ليست فحسب اجتباء نفع مادي مباشر. لأن الاشتمال

стр. 27

والاهتمام بالآثار فاعلية غير مادية من أهم خصائصها أنها تشبع في النفس الرجل المثقف حب الاطلاع والخيال والرغبة الملحة في معرفة ما كانت عليه حياة الأمم في الأزمنة الماضية، وما قدمه المصريين القدماء والكلدانيون والإغريق والرومان والعرب وغيرهم إلى المدنية التي تنعم اليوم بثمراتها. وفي الواقع إن حياتنا الحاضرة ما هي إلا خاتمة للعهود التي سبقتنا. فالمخترعات الحديثة التي تقوم عليها مدنية العصر الحاضر نتيجة لمحاولات قام بها البشر من أنفع الأشياء لنا. لأن ذكائنا وأحاسيسنا وإراداتنا كلها قد تأثرت بذكاء وأحاسيس وإرادة آبائنا وأجدادنا. ونحن نحتفظ بفكرنا بآثار أفكارهم ولزام علينا إذا أردنا أن نعرف أنفسنا وأن نلقي نوراً على أشكال فاعليتنا المادية والمعنوية أن نرجع دوماً إلى الماضي. ويقول (ديونا) العالم الأثري السويسري: إن البشرية مؤلفة من أموات وأحياء، والأموات أكثر بكثير من الأحياء. وهم أقوى منا لذلك فأنهم يوجهوننا دوماً. ونحن نعيش في ظل المبادئ الحقوقية والقوانين التي أوجدها ونسكن المنازل التي بنوها أو التي اهتدوا إلى نظريات بنائها، ونستعمل الأدوات التي ابتكروها. لقد كانوا أحياءً مثلنا وكان لهم نفس الحاجات التي تعتلج في نفوسنا، وقد خضعوا لنفس الضرورات الجسمية والروحية التي نخضع لها. وفي الحقيقة إِن جيلاً واحداً من الأحياء لا يعد شيئاً بالنسبة إلى الأجيال التي سبقته إذا فكرنا أن الإنسان ظهر في حوض البحر التوسط وبدأ يصنع مدينته منذ ١٠٠،. . . سنة قبل المسيح وربما أكثر. فما هي إرادتنا اليومية بالنسبة إلى الإرادة العالمية البشرية التي عمرها آلاف القرون؟ ويقول برغسون متكلماً عن التطورات الطارئة على حياة البشر والبادئة بالمبتكرات الفنية التي يهتم بها علم الآثار: بعد آلاف السنين عندما لا تترك أنقاض عصرنا إلا خطوطاً عامة في تاريخ الإنسان فإن حروبنا وثوراتنا سوف تنسى ولن يحسب لها إلا حساب ضئيل، ولكن الآلة البخارية مع ما يؤلف موكبها من المخترعات الجديدة سوف تجعل الأجيال الجديدة تتكلم عنصرنا كما نتكلم نحن عن العصر الحجري أو النحاسي أنها ستؤلف عصراً جديداً. . ولو عاش برغسون حتى يومنا هذا وسمع بالقنبلة الذرية لأبدل وأعلن انبثاق عصر الذرة الجديدة. ومهما يكن فأن علم الآثار وتاريخ الفن لا ينفصلان عن التاريخ الإنساني الواسع، وهما

стр. 28

الأساس الضروري الذي يبنى عليه. فليس إبطال التاريخ الحقيقي، السياسيون والملوك ورجال الحروب. أنهم مبتكرون والمبدعون في كل المرافق الفنية الذين يستطيعون بعبقرية تفكيرهم أن يجعلوا الفنون الإنسانية تتقدم وتتطور. ومنهم رجال العلوم المصرفون لذكاء الإنسان الذي ساعد الرجل الابتدائي أن يرتفع فوق مستوى الحيوان ومنهم الذين يكتشفون نظريات في العمل جديدة أو يطبقون نظريات غيرهم فيتوصلون إلى طريق جديدة للسيطرة على المادة ويستطيعون أن ينقلوها بآثارهم إلى غيرهم. وعلى هذا فأن العالم يوقظه المشتغلون بالآثار هو عالم حي فالمعابد آلهتها والقصور المتهدمة التي يسعى، في الاحتفاظ بها أو إعادة تشييدها كما نفعل في إعادة تشييد جناح من قصر الحير في متحف دمشق، والتماثيل المحطمة والمجبورة والتي لم يبقى إلا جزء منها، والأدوات القديمة المختلفة التي تجمع في المتاحف، تحوي كلها وراء موتها الظاهري حياة الماضي الذي أوجدها في مظاهر المختلفة الفردية والاجتماعية، وفي حاجاتها المتواضعة والمرتفعة. فإن كان التعليم بشكله الحالي عندما يمجد العمل الإنساني ويمنحه عناية فائقة، فكم تزداد الفائدة منه عندما تمجد برامجه ورجاله الماضي أوسع مما هي عليه الآن، فيوضح إلى التلاميذ المراحل التي اجتازها الإنسان منذ الآفة السنين في تطور منتجات عمله من منشآت وفنون وأشكال وأدوات وما إلى ذلك. فالثقافة الثرية تصبح بتماسها مع التربية ذات دور اجتماعي خطير ويزداد بل الغاية المتوخاة منها. فهي ليست دراسة سلسلة من الأعمال الخاصة من الحجر والفخار والمرمر والبرونز والعاج وغيرها. إنها تمجيد العمل الإنساني في كل العصور والأزمنة عندما ينعكس في المادة الصماء ويجعلها حية ملائمة لانفعالات نفسه ولحاجاته العملية. أضف إلى كل ما تقدم أن من شأن الثقافة الأثرية تغذيه الشعور الوطني. فحي الوطن يبدأ بحب المنزل وكما يقول (فيستل دو كولانج): إن الوطنية تقدس الماضي وتعلم احترام الأجيال التي سبقتنا والأشياء المادية المتوارثة من عصر إلى عصر بما فيها من أحجار منحوتة وأبنية قديمة وأوابد من جميع الأصناف تتكلم بإفصاح أمام النضر الذي يعرف كيف يرى وكيف يقدر، وتبعث ماضي الأمة فتجعله جزأً من أنفسنا. وليس من بلاد تتراكم فيها أثار الماضي كسورية. فكم من مدنيات نشأت في ربوعها منذ ما سكنها البشر في

стр. 29

العصر الحجري القديم وكم من عهود زاهرة مرت عليها كانت فيهالا متزعمةً حركات التطور العالمي، بل كم كان حظها، وافراً وإنتاجها رائعاً، خلال العهود الهلنستية والرومانية والبيزنطية والأموية والأيوبية. إن في تربتها غريزة الخلق والإبداع التي أنتجت مدنيات على مواسم متوالية بحصاد رائع وافر. وهل غير علم الآثار ما يعرفنا بميراث هذا الإبداع ويصل شخصيتنا الحاضرة بالشخصيات أجدادنا الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ. لقد أعارت الجنة الثقافية في الجامعة العربية، الناحية الأثرية ما تستحقه من عناية فاقترحت لإكمال ثقافة الرجل العربي المعاصر وللمحافظة على الآثار جملة اقتراحات منها إتباع نظام تكون أسسه العامة واجدة في قوانين الحكومة العربية المشتركة في الجامعة العربية، وتعميم الثقافة الأثرية عن طريق الدعاية بالأفلام السينمائية والمحاضرات والمجلات والنشرات والإذاعات وتنظيم الرحلات وتبادل البعثات والعلماء الأثريين وإصلاح الدراسات الأثرية والتاريخية، وتبادل واستعارة الآثار. وقد أقرتها لجنتنا الثقافية وأضافت إليها مقترحات أخرى ولا بد أن كل ذلك قد أصبح من جملة مواد المعاهدة الثقافية التي وقعها ممثلو الأقطار العربية والتي لم تنصلنا نصوصها بعد. فلكي لا تبقى هذه المقترحات حبراً على ورق نتمنى أن توضع في القريب العاجل موضع التنفيذ، ويرجو كل المشتغلين في مصلحة الآثار القديمة السورية من كل المثقفين ولا سيما رجال التربية والتعليم منهم أن يساعدوهم على تطبيق هذا البرنامج الكبير الذي يرجى منه خير عميم. سليم عادل عبد الحق

стр. 30

لماذا ندرس التاريخ للدكتور نور الدين حاطوم يختلف الكثير من أهل العلم والأدب في مفهوم التاريخ هل هو علم أو فن، ولقد كان هذا الاختلاف وما زال محور نقاش طويل ومثاراًُ لجدل كثير، ولكل من الفريقين حججه. وسبب هذا الاختلاف ناجم عن أن تقدم العلوم في أواخر القرن التاسع عشر قد أدى إلى أتساع الدراسات التاريخية على أساس علمي وحبا التاريخ مفهوماً علمياً وجعل منه علماً له موضوعه وطرقه وأدوات بحثه. على أن الصحيح الثابت، مهما بالغ أنصار التاريخ كعلم، أن التاريخ أي دراسة الحوادث البشرية الماضية لا بد له، ليرتفع إلى مصاف العلوم بمعناه الحقيقي، من أن يخضع إلى جميع مراتب المعرفة العلمية كما هي الحال في العلوم الطبيعية. غير أن هذه الصفة لا تتأتى لتاريخ إذ لا تمكن دراسة الحوادث التاريخية مباشرة، كما أن الاختبار والملاحظة والتجريب أمور غير ممكنة أثناء الدراسة التاريخية. وإذا فهم من التاريخ أنه أعادت بناء الماضي وبعثه من جديد فليس بالإمكان أن تتكرر نفس الظروف التي وقع فيها الحادث التاريخي، أضف إلى ذلك أن هذه الدراسة لا تصلنا إلى وضع قوانين عامة كالقوانين الطبيعية، ولذا فأن فهم التاريخ، على النحو الذي تفهم فيه العلوم الطبيعية فهم ضيق. وشتان بين العالم الطبيعي المؤرخ، فبين الأول يدرس الحوادث الطبيعية مباشرة في مخبره المجهز بأحسن أدوات الفن، يجرب المادة ويختبرها، نرى المؤرخ مجبراً على العمل في دراسة الحوادث التاريخية بطرق غير مباشرة خلال الوثائق التي أن سلمت من أيدي الحدثان صدفة فوصلت إليه، فلم تسلم من التغيير والتحريف والتلاعب الألفاظ والميول والأهواء. ولذا فليس ثمة علوم تاريخية كما يقال علوم طبيعية وإنما هنالك علم يمسى علم التاريخ وليس المقصود من كلمة علم هنا أن نفهم منها ما نفهمه من العلوم الطبيعية مثلاً وإنما نفهم منها أنه يتقرب من العلم من حيث موضوعه وطريقته الإنتقادية وغايته، إلى أنه ما زال علم نقد وإيضاح لا علم ملاحظة وتجربة فهو أذن علم قاصر ألا أن له مزاعم يرمي إلى تحقيقها من حيث اكتشاف القوانين ووضع المبادئ العامة.

стр. 31

إن غاية التربية تهيئة الطفل للحياة في هذا العالم. وهذا العالم الذي نعيش فيه معقد التراكيب ولمعرفته وفهمه والاهتمام به والاستعداد للعمل به لا بد لكل فرد من قسط معين من معارف مختلفة النسب أذا اجتمعت ألفت مزيجاً علمياً هو ما يسمى عادة الثقافة العامة. ويدخل تحت هذا المركب كثير من ضروب العلم والأدب والفن واللغات الخ. . . ولعلنا أن تأملنا ملياً في هذه العناصر الثقافية وجدنا أن كل منها فائدة علمية في الحياة، ولكن ما هي فائدة العلمية التي نرجوها من دراسة التاريخ؟ قد تكون الإجابة على فائدة العلوم وتعلم اللغات أسهل من الإجابة على فائدة التاريخ لأن دراسة التاريخ لا تجدي نفعاً بصورة مباشرة. وإذا كان المقصود من ذلك الوصول إلى هذه النتيجة فلماذا ندرس التاريخ ونحشو أدمغة التلاميذ بحوادث هم أشد الناس غنى عن معرفتها. غير أنه من العبث أن نتقول أن التاريخ لا يفيد شيئاً ولا لما درس في المدارس وفي جميع مراحل التحصيل. فالفائدة التي نرجوها من تعليم التاريخ في الحقيقة هي فائدة غير مباشرة. ما هي الغاية التي نرمي إليها من تدريس التاريخ؟ أن أحرى الناس بالإجابة على السؤال هم الأساتذة نفسهم لأن إيمانهم بالفائدة التي يرجوها من تدريس التاريخ هو الذي يزيد في ارتياحهم ونشاطهم لعملهم ويعين لهم الخطة التي يجب إتباعها في تدريسهم هذه المادة. هناك مفهومان قديم وحديث في قيم تدريس التاريخ والفائدة المرجوة منه وأقصد من هذه الفائدة، الفائدة العلمية التي نريدها في الحياة لا التي يريدها المؤرخ أذان هذا الأخير لا يرمي من بحثه سوى الكشف عن الحقيقة ومعرفتها ولذا فبحثه مجرد عن طلب الفائدة. المفهوم القديم._الغاية التي يرمي إليها المفهوم القديم من تدريس التاريخ غاية التعليمية إذ يظن أن التاريخ يلقى علينا درساً في الأخلاق: إن التلميذ باطلاعه على حوادث العالم الغبرة يرى أن منحنى التاريخ لكل أمة من الأمم لا بد وأن يكون تارة في صعود وطوراً في هبوط. يرى فيه الغث والسمين ويرى العوامل التي أدت إلى التقدم والعوامل التي آلت إلى الانهيار فيأخذ من كل ذلك عبرة ويحتذي الحسن ويطرح السيئ ويعين له منهجاً يسلكه في حياته. غير أن الممعن في دراسة التاريخ يرى أنه لا يعطينا عبراً نسترشد بها فالتاريخ لا يفيد

стр. 32

نفسه وليست غاية التاريخ حل المشاكل وتفادي الأخطاء وهو أن يدرس الحوادث البشرية الماضية فهو يدرس كل حادث بنفسه في شروطه الخاصة وظروفه الخاصة. ومن الخطاء أن نتخذ من الحادث الواقع في زمان معين ومكان معين درساً نحل به المستقبل ولنضرب لذلك مثلاً: إن الاعتقاد الذي ولدته الحرب العامة الأولى ١٩١٤_١٩١٨ في نفوس الجنود المحاربين هوان هذه الحرب يجب أن تكون الأخيرة واعتقادهم هذا أدى بهم إلى التفاني مؤثرين أن يموتوا لتحيا أبناؤهم. وهم وأن تألوا وذاقوا صنوف الجوع والبرد وما تجره الحرب من بؤس فليس أحب إليهم من أن يخرجوا من ساحات الوغى وأبنائهم سالمون من التعرض لحرب ثانية تبيدهم. وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى تهيأ العالم للحرب ثانية أشد اضطهاداً للنفوس وأكثر سفحاً للدماء، وزاد الأمر شقاً اشترك في هذه الحرب العالمية الثانية جيلان من الآباء والأبناء أو قل أنها جندت ثلاث أجيال. أن هذه الحرب الأخيرة قد حطمت الآمال. ولم تفد دراسة التاريخ الحرب الأولى في منع الثانية ولو أن دراسة التاريخ عبرة لدعت الإنسانية أن تحول دون وقوع الكارثة الكبرى. وبعضهم يفهم أن التاريخ يلقى علينا درساً في الوطنية. قد يكون في هذا القول نوع من الصحة: أن تسرب القومية من أوربة إلى بلادنا في أواخر القرن التاسع عشر عن طريق البعثات الأجنبية كان أكبر عامل في قيام رجال الرعيل الأول في وجه الأتراك. كما أن تدريس الوحدات القومية وتنبه الشعور القومي كان من أهم الدوافع التي دعت طلابنا إلى مقاومة النفوذ الفرنسي في فترة الربع الماضي من القرن. وإن كثيراً من الأساليب التي جرى عليها الطلاب في مظاهراتهم وخطبهم وحركاتهم التحررية كانت ولاشك مقتبس إلى حد ما من دراسة التاريخ. أما وأن التاريخ ينمي فينا الشعور القومي والواجب الوطني فهذا صحيح نسبياً ولكن يجب ألا نغالي في قيمته لأن هذا التاريخ الذي يلهب العاطفة القومية هو الذي يخفف من اشتعال الحماس الوطني ولا سيما عند الطبقة المثقفة ويولد عندها خيبة أمل يرافقها شعور بالضعف قد يؤدي إلى التخاذل والاقتناع بعدم تكافؤ القوى.

стр. 33

ومنهم من يقول أن في التاريخ قدوة حسنة: وفي الحقيقة أن دراسة التاريخ تكشف لنا سير الأبطال وقادة الرأي وعظماء الرجال الذين كان لحياتهم وأعمالهم تأثير حاسم في مجرى الحوادث. يرى التلميذ فيهم مثالاً صالحاً فيقلدهم وينسج على منوالهم. غير أن يجب ألا يغرب عن البال الشروط والظروف التي أحاطت بعمر ومعاوية وخالد ليست هي التي تحيط الآن بعدنان ووائل وأسامة، أن التاريخ ضنين أن جاد بالحادث مرة فلمن يجود به مرة أخرى. وفريق يرى أن التاريخ خير مكتب لدعاية ويهتم كذلك كثير من الرجال السياسة والدين ليجعلوا من المدارس ألسنة تفضل ديانة على أخرى أو مذهباً سياسياً على أخر كل تحبيب بالجمهورية وترغيب بالشيعية الفاشيتية ويحاولون أن يضغطوا على المدرسين ليضربوا على الوتر نفس النغمة مرات ومرات وليس أكره إلى التمييز من أمور تلقاها في صغره وكان يعتقد فيها الخير والصلاح ثم أخذ يشك في قيمتها إذ ما تقدمت به السن أنه ينفر منها ويزدري الداعين لها وكثيراً ما يؤدي به هذا الانفعال إلى رد فعل شديد وحري بالأساتذة ألا يورطوا أنفسهم بالوقود في مثل هذا الخطأ إذ أن واجب المربي قبل كل شيء أتن يجعل من التلميذ مواطن صالحاً ومفكراً حراً وآخرين يريدون من تدريس التاريخ غاية بديعة ويقصدون من هذا التاريخ دراسة أدبية وإلهية شريفة ومن الممكن أن يتخذ التاريخ كمسلات ولاسيما إذ أوتيا الكاتب ملكة سحرية تصور مأسية التاريخ أو دراما ته الإبداعية تصوير ييسر القارئ ويثير عواطفه ومواطن اهتمامه فيقضي وقته في سرور ولذة فكرية ما نظن أننا في حاجة إلى رد على هذا الزعم فمفهوم التاريخ بمعناه العلمي الحديث بعيد عن الأدب وصناعة الألفاظ وتلاعب الخيال وما نعتقد أن دراسة التاريخ هذا المعنى وسيلة من وسائل التسلية بل هي أقرب إلى إعمال الذهن وحمله على التفكير. مفهوم الحديث_لا شك أن دراسة التاريخ تنمي فينا بعض العواطف وتثير منا مكامن الاهتمام غير أن الغاية التي نتوخاها من تدريسه لهذا الغرض وإلا أنفقد التاريخ واستقلاله وحال عن غايته الأساسية وهي البحث عن الحقيقة ما هي الفائدة العلمية التي نحصل عليها من دراسة التاريخ دراسة مجردة أي من دراسته كعلم مستقل لا كأداة لتحقيق بعض الأغراض أو وسيلة لجذب بعض المنافع؟ الفائدة التي نرجوها من التاريخ فائدة غير

стр. 34

مباشرة هي: الرياضة الذهنية التي تساعد التلميذ على تعلم معارف مجهولة لديه وتفهمه إياها كما تحبب إليه وتولد فيه رغبة للقيام ببعض الأعمال فهي إذاً فائدة فكرية من شأنها تنمية الذكاء وزيادة النشاط ولذا كان التاريخ عنصراً من عناصر الثقافة الفاعلة، عنصراً لا غنا عنه لكل مثقف يريد أن يعيش في هذا العالم ويتفهمه ويساهم في العمل به. اكتساب المعارف_ما هي المعارف التي يكتسبها التلميذ من دراسة التاريخ وكيف تعمل في نمو ذكائه وزيادة نشاطه؟ التاريخ يدرس الحوادث البشرية الماضية من حروب وثورات وانقلابات وإصلاحات وما إليها تعلم التلميذ خلالها هذه الحوادث كلمات يرددها كالشعب والأمة والدولة والحكومة والجيش والوحدة القومية والعادات والتقاليد والتشريع والمجالس ومصالح والطبقات الاجتماعية وأشكال الحكم إلا غير ذلك مما له علاقة مباشرة للهيئة الاجتماعية أن هذه المعارف تدخل في ذهن التلميذ بشكل صور مختلطة مبهمة متشابكة وهي ليست في الحقيقة سوى معاني غامضة أو تجريديات ولعلة التلميذ أن ترك وشأنه لا يستطيع أن يفهم منها شيئاً غير أن الأستاذ إذا أحسن استعمال الأمثلة وقايس بين الحاضر والماضي أستطاع التلميذ أن يجعل لهذه المعاني المجردة قوام مشخصة تساعده على تصور هذه المعارف التي تسره عليه أو يقرؤها ولا يراها، واكتسابه لهذه المعارف وحسن تصوره له يجعلانه أهلاً يتفهمه الهيئة الاجتماعية أي معرفة العلاقات التي تربط الأفراد يبعضهم سواءً أكانت هذه الهيئة الاجتماعية ماضيه أو حاضره وكذا الاعتياد على هذا التحليل يؤثر في نشاط التلميذ إذ يظهر أنه ليس بغريب عن الحوادث التي يدرسها فيتأملها كحادثه طبيعية ويؤلفها وقد تدفعه هذه الألفة إلى العمل في الحقل الذي يراه ملائماً برغباته من سياسة واجتماع واقتصاد. الإيمان بالتطوع وضرورة الإصلاح_يدرس التلميذ خلال التاريخ المراحل المتعاقبة التي مرت بها كل أمة ويرى أن التاريخ هذه الأمة ليس سوى مسرح يمثل فيه جميع الأدوار لهذه الأمة. فإذا ترك التلميذ وقواه الفردية لا يرى سوى أعمال وأقوال، غير أن الأستاذ يريده ما هو أبعد من ذلك. أنه يريد الأسباب التي دعت لهذه الأعمال والأقوال والنتائج التي نجمت عنها ويعوده على تفهم هذه الأسباب والنتائج. وهو بدراسته تاريخ أمة على سلسلة من العصور يستطيع أن يدرك متا تطورات التي ألت إليها هذه الأمة ويرى خلالها

стр. 35

ذلك أنه في هذه التطورات منها ما هو بطيء ومنها ما هو سريع ومنها ما هو سطحي ومنها ما هو عميق أنه يستطيع بعد ذلك أن يحلل الحاضر الذي يعيش فيه ويعرفه إلى أي حد هو مثقل بأعباء الماضي. ولعل ما يسترعي انتباه التلميذ في البادئ الحوادث والتغيرات المفاجئة والفتوحات والثورات والانقلابات غير أن الأستاذ يبين له أن هناك تطورات تدريجية أقل ظهور وربما كان لها أثر فعال أكثر من غيرها. إن محصلة هذه الدراسة تترك في فكر التلميذ أن الجماعات البشرية في تطور دائم مستمر إذا ليس هنالك هيئة اجتماعية ثابتة كطبيعة لا تتغير: فالقوانين والأنظمة والأوضاع وأشكال الحكم ليست سوى تسويات واتفاقات يمكن أن تتحول تحت ظروف وشروط خاصة. وكذا يرى أن بين التقاليد والعادات منها ما يتغير ببطء وصعوبة ومنها ما يتغير بسرعة وسهولة فإذا ما ساهم في العمل ضمن الهيئة الاجتماعية وهو راشد، عرف ما يؤمل تغييره بسرعة وما تمكن إزالته إلا مع الصبر وطول الأناة. ولذ تكسبه هذه المعرفة سقا بعمله وتفاؤلاً بنجاحه. وكذا يعلم من دراسة التاريخ أن النظام السائد عند الشعب من الشعوب، إن ما وضعه أُناس قد ماتوا، ون هذا التراث الذي خلفه الأموات وتخضع له الأحياء وقد أعتمد في بنائه على شروط الحياة في عصر مضى وإنه ليس من الضروري أن يتبقى الشروط نفسها في الوقت الحاضر إذ أن منها مادية وما زالت باقية وليس في الوسع تغييرها ومنها ما هم مجرد أوهام وعادات ومصالح ومطامع وامتيازات من الممكن تبديلها ولهذا فهو يعرف مناهج التي الذي أتبعها حصل على تغيرات فعلية ويعلم أيضاً أن التغيير العقلية لا يحدث سواء وفجأة عند السواد الأعظم من أبناء الأمة، أن فكرت الإصلاح والتجديد لا تحدث ألا عند فئة مختارة يطلق عليها اسم مجددين ومصلحين، ولأن كل فكرة من هذا النوع لا بد وأن تلقى عناصر مقاومة وعناصر تحبيذ، وأنه هؤلاء المصلحين أن تركوا وحدهم كانوا غير قادرين على دفع الآخرين إلى تبني فكرتهم ولذا لا بد من نجاح الإصلاح من تهيئة وتخمير ودعاة ووسطاء. وهو بمعرفته هذه يستطيع أن ينفي عن فكرة الوقود في الأخطاء الناجم عن الاعتقاد بالتقدم العفوي للكتل البشري وبعبادة الأصنام التي اعتاد الناس أن يقدسوا ويسموها أبطالاً. وكذا

стр. 36

يستطيع أن يدرأ عن نشاطه أشد خطرين أولهما الشعور. أن الفرد غير قادر أن يحرك ساكناً في الجماعة وهذا الشعور بالضعف يؤدي على التخاذل والنكوص، وثانيهما شعوره أن الكتل البشرية تتطور بالغريزة ولذا فالتقدم حاصل ولا حاجة للعمل في المجتمع، وكمحصلة لكل ذلك جمود في الحركة وركود في الفاعلية. غير أن التاريخ يرينا أن الأفكار الثابتة من الممكن مكافحتها وأن للهيئة الاجتماعية رأياً يسمى الرأي العام وهذا الرأي لا يتبدل وحده وإن شخصاً بمفرده قادر على تغييره، إلا أن تكتل الأفراد وتنظيم جهودهم وتوجيهها في اتجاه معين تغير هذا الرأي. إن هذه المعرفة تمنحنا الشعور بالقوة وتدفعنا إلى القيام بالواجب وتعين لنا الطريق التي نسلكها في توجيه الرأي توجيهاً مفيداً ونافعاً. إنها التفاهم والتعاون مع أقراننا ممن أشبعوا بنفس النوايا مثلنا للعمل سوية في تحويل الرأي وتوجيه سواء بتربية الجيل الناشئ أو الدعاية بين الراشدين. وخاصة الشباب الذين يكونون عادة أكثر استعداداً لقبول الأفكار الحديثة. اتساع أفق التفكير._إن الحوادث التي يدرسها التاريخ كثيراً ما تكون معقدة مبهمة ولفهمها وجب تحليلها وبيان جميع الشروط التي أوجدتها. والتاريخ يوضح أن ليس هناك حوادث منعزلة وإنما سلسلة من الحوادث تتوالى وتتشابك مع بعضها وتؤلف مل يسمى قضايا. والفائدة التي تعود علينا من هذه الدراسة هي أن التاريخ يعودنا إلا ننظر إلى قضية من القضايا التي تعرض علينا في حياة زاوية خاصة أو ضمن نطاق يضق بمنظار مكبر يستجمع العناصر التي تدخل في تركيب القضية. النزاهة الفكرية._أن دراسة الحوادث البشرية الماضي ترمي إلى البحث عن الحقيقة وحكمنا على الماضي يكون أكثر تجدداً وأكثر موضوعية أما حكمنا على الحاضر فكثيراً ما يكون مشوباً بالهواء ومصطبغاً بصبغة نفعية. ولذا فان التاريخ يفيد في الاعتياد على الحياة وعدم التحيز أي ما نسيه بالنزاهة الفكرية. نمو الفكر ألانتقادي._أن مزاولة الطريقة الخاصة بالتاريخ أي الطريقة ألانتقاديه تنقي الفكر من جرثومة التصديق العامي وتجعله لا يقبل بما يعرض عليه ألا بعد الانتقاد والتمحيص. وليس من الضروري مثلاً في التدريس أن يلقن الأستاذ التلميذ مبادئ الانتقاد التاريخي ليحسن استعمالها ولكنه ينهز الفرصة لتطبيقها عملياً دون الالتجاء إلى أي تغيير فني.

стр. 37

إن أبسط طريقة لتدريس التاريخ هي القصة. وهذه القصة قد تكون صحيحة أو أسطورة وواجب الأستاذ هنا أن يعرف التلميذ هنا أن من القصص ما هو صحيح ومنها ما هو خطأ فتبدأ عنده يقظة الفكر ألانتقادي. وقد يرى التلميذ أن من الحوادث ما يروى بقصتين متناقصتين فيعلم أن كل قصاص لا يقول الحقيقة. يستفيد الأستاذ من هذا التنبيه فيبين للتلميذ فكرة اختلاف المصادر وقيمة كل منها ويجعله يتثبت أن الشاهد العيان أفضل من المخبر الذي يعتمد على التواتر. وبهذه الطريقة يكتسب التلميذ عادة الشك الذي هو بدء التمرن على الانتقاد. وعادة الشك هذه تفيد في الحياة الخاصة لأنها تدفع إلى الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ إذا ما استسلم المرء إلى ضجيج الأخبار، وفي الحياة العامة لأنها تقي من الثقة بشهادة الشهود وبأخبار الصحف وتصريحات رجال السياسة. يتضح لنا مما تقدم أن الفائدة التي نحصل عليها من دراسة التاريخ هي الفائدة لها أثرها في التربية الفرد والجماعة. ولذا يمكن القول أن التاريخ من هذه الناحية يستطيع أن يهيئ للحياة. ولسنا بحاجة إلى الإلحاح أن هذا الواجب ملقى على عاتق الأساتذة قبل غيرهم إذ لا يخفى أن بين تلاميذهم من سيكون منهم العالم والأديب والمصلح ورجل السياسة والإدارة وكل هؤلاء أهل ثقافة وكل مثقف لا بد له من معرفة التاريخ. إن من يتأمل في وضع بلادنا الحاضر يرى أنه زاخر بالشذوذ من بقايا الأتراك ومخلفات الفرنسيين. وإن خير وسيلة لانتشالنا مما نتخبط فيه من تقاليد بالية ومحافظة ضيقة وبلبلة فكرية هو إصلاح جزري يتناول جميع مرافق الحياة ولعل رجال الإصلاح يهتدون في أصلاحهم على نور التاريخ. حلب نور الدين حاطوكم

стр. 38

تذوق الجمال للأستاذ نعيم الحمصي لا بد من تربية الذوق الفني العام لدا الطفل صغيراً ليتذوق الأدب وينتجه كبيراً، إذا كان الأدب هو القول الجميل، فمهمة مدرس الأدب هي أن يأخذ بيد طلابه فيجعلهم يتلمسون مواطن الجمال في القول، وأسبابها بما عندهم من استعداد فطري وذوق فني، حتى يشعروا في أعماق نفوسهم بهذا الجمال المؤثر، تمهيداً لأن يخطو بعد ذلك الخطوة التالية، فينشئوا هم أنفسهم أدباً قوياً، يستطيعون به أن ينقلوا تجاربهم النفسية ويعبروا عن خلجات ضمائرهم، وهذا يكون برياضة أقلامهم على الكتابة في الموضوع الذي يروق لهم اعتمادهم على تجاربهم النفسية خاصة منذ سني الدراسة. ولكن مدرس الأدب الآن لا يحاول أن يطلعهم على مواطن الحسن في الكلام، حتى يصطدم بما يشعره بالحيرة والعجز. وذلك لأنه يدرك بأن الطلاب لا يستجيبون له استجابة فنية تتسم بالصحة والقوة وبالعمق والصدق، وإنما يقفون أمامه مشبوهين، حائرين، فإن استجاب له نفر منهم بعض الاستجابة، فاستجابة سطحية، ضعيفة، مريضة، كاذبة، وهي من النوع التقليدي الذي لا يقوم على شخصية أصبح فيها التذوق الفني العميق طبعاً ودياً. وعبثا يحاول المدرس أن يبين لهم ما في الأثر الفني من دقة في التصوير، وجمال في التعبير، وخيال رائع، وموسيقى أخاذة، ومهارة فائقة في وضع الكلمات والجمل والفقرات مواضعها، فهم لا يستجيبون له إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، وقد يغرر كثير من المدرسين بأنفسهم، فيزعمون بأن الطلاب قد شاركوا الأديب في أثره الفني المشاركة الضرورية الكافية لأنهم يسمعون الطلاب يعيدون جملهم أو جمل المؤلفين الذين كتبوا عن الأديب كما هي، بما تحمل من أعجاب وتقدير أو نقد لاذع أو تهكم أو لأنهم فهموا ما في أثر الأديب من أفكار رئيسية أو جزئية هي العنصر العقلي في أثر الأديب وليست كل ما فيه من عناصر يجب مشاركته فيها، وأوجه الطلاب تنطق في غالب الأحيان بأنهم فهموا النص، ولكنهم لم يتذوقوه ولم تترنم روحهم به ترنما يدل أنه أصبح قطعة من أنفسهم، وإذا كان الطلاب عاجزين عن تزوق الأثر الفني، فهم عن فقده أعجز، والنقد مرحلة تأتي بعد المشاركة والتذوق، أما الإنتاج الأدبي فلا ينتظر منهم على أية حال لان

стр. 39

أول سمات المفتش المنتج هو عمق الإحساس الفني عمقاً يصل به غالباً على الذهول عن ما حوله والاستغراق في سكرته الفنية الخصبة وحلمه المنتج. فلا ينتظر من المدرسة الثانوية والحالة كما ترى أن تؤتي أكلا وتكون أدباء بفضل مناهجها وأصول التدريس فيها والفضل في ظهور أدباء فينا لا يرجع إلى حالة تدريس الأدب بل إلى قوة موهبتهم الفنية وإلى بيئتهم الخاصة التي لا دخل للمدرسة بها، والتي توفر لهم فيها نمو ذوق فني كاف في مظاهره المختلفة من ذوق تصويري أو موسيقي وغالباً لا يبلغ هذا الذوق الذروة التي كان يمكن أن يبلغها لو أن مدارسنا كانت أكثر عناية بتنمية الأذواق الفنية وغرس حب الفنون في نفوسنا. وضعف التذوق الفني والإدراك البديعي لدى الطلاب لا يرجع إلى أنهم لا يفهمون معاني المفردات أو الجمل أو المعنى العام، وإنما يرجع_في نظري_أولاً وقبل كل شيء إلى ضعف الطلاب في تذوق الفنون الجميلة الأخرى من رسم وموسيقى ورياضة، وقد يعجب القارئ من وضعي الرياضة في زمرة الفنون الجميلة، ولكن لا داعي إلى هذا العجب إذا أدركنا أهمية الرياضة البدنية الصالحة في تكوين الذوق البديعي الصحيح وسأوضح هذا بعد قليل، ونحن لا نستطيع أن نثير في نفس الطالب نفس الإحساس الفني الذي كان يخضع له الأديب حين إنتاجه أو نثير صورة مصغرة عنه إلى إذا كان الطالب بذور القوى والمؤهلات التي أجمعت، فساعدت الأديب على تصوير تجربته النفسية ودقائق حسه بعناصر كثيرة كلها تتصل بالأذواق الفنية من موسيقية وتصويرية وغيرها. وليس عند الطالب هذه القوى والمؤهلات لتذوق الأدب والمشاركة فيه، وهم لا يستطيعون بعث تجربة الأديب جديدة في نفوسهم، لأنه لم تتح لهم التربية الذوقية الفنية الضرورية منذ صغرهم، ولم يسبق لهم أن يستشفوا بعيونهم الجمال العميق الكامن في تناسب أقسام الزهرة، وتناسق ألوانها بصورة عميقة، كما لم يوجهوا لأن يتغلغلوا بعيونهم، فيستجلوا بها ما وراء الجمال السذج السطحي الذي يدركه رجل عادي لم ينل أي نصيب بين تهذيب الذوق العام، ولو أن الطالب كان يحسن التصوير والرسم، ونميت ملكته فيها لكان له شأن آخر في إدراك الجمال، وما تقول في الجمال المدرك بالعين، والذي يمكنه أن يراضي الذوق فيه وينميه بممارسة الرسم، تقوله أيضاً في الجمال المدرك بالأذن الذي تتخذ

стр. 40

الموسيقى طريقاً لتنمية الذوق فيه، فالطالب قد يقطع البيت من الشعر، ويعرف وزنه، ولكنك لا تشعر أنه متأثر بموسيقاه، وأنه أدرك الصلة الموسيقية بين المعاني بين الألفاظ، ومقدار توفيق الشاعر في انتخاب الألفاظ ذات الجرس الملائم للمعنى المقصود، ونحن لا نريد منه من أن يدرك هذا إدراكاً عقلياً، وأن يبرهن عليه، وإنما نريد أن يستطيع إدراكه بحدس الفني المكتسب بالمران، وأن تظهر عليه المشاركة العاطفية والفنية للأديب. وما ندركه من ضعف في الذوقين التصويري والموسيقي، ندركه أيضاً في تصوير الجمال البديعي المتعلق بجسم الإنسان، فالطالب لا يزال عنده بعض التأثر بمقاييس الجمال القديمة في العهد التركي التي رضعها مع لبن أمه، فترى الطالب_أو الطالبة_ميالاً لأن يكون ممتلئ الجسم امتلاء يبعد عن الرشاقة والتناسق في الحركات وإن كان قد حصل في هذه الناحية بعض التحسن فلم تعد الأجسام الممتلئة كثير مما يجمل في الأعين، إلا أن ما يعده الطالب من الأجسام رشيقاً ويعد وسطنا الاجتماعي معه، كذلك، ل يعد رشيقاً في نظر غيرنا ممن سما ذوقهم ونما أكثر منا. ول تخفى الرابطة القوية بين نمو الذوق العام لدى الإنسان مبين ذوقه في الحسن الجسماني، فكلاهما يؤثر في الآخر وليس من سبيل إلى تحسين ذوقنا البديعي المتعلق بالجمال الجسماني إلا الرياضة العلمية التي تقضي على مخلفات الذوق المريض القديم الذي أكتسبنا إياه عصور الاستعباد الماضية، بما كان سودها من كسل، ويفشو فسها من ترهل في الأجسام. وأنا مع القائلين بأن الذوق في الإنسان يؤلف وحده عامة منسجمة، وأن ضعف الذوق أو مرضه في ناحية ما مدعاة للضعف في الناحية الثانية، وأن السبيل إلى تقويم الذوق العام وتحسينه، هو العناية بالفنون الجميلة جميعها، وحمل الطالب منذ دور الحضانة على تذوق الجمال، والعمل على تنمية ميوله البديعة، وتقوية إحساسه بالألوان، والتفريق بينها، وإدراك المؤتلف منها، والمتنافر، وعلى تغذية ميله الموسيقي بإسماعه القطع الرائعة، وتعلميه العزف على الآلات الموسيقية، وبدون هذه التربية الذوقية المنظمة لا يمكن أن يكون لدى الطالب أحساس بالجمال، وإدراك لجمال القول في نص أدبي لم ينتجه إحساساً عميقاً جعله يستشف بعينه، ويشمع بأذنه ما لا تراه عين الرجل العادي ولا تسمعه أذنه.
следующие страницы →