زيادتهم في الأذان حي على خير العمل
وهم قد زادوا في الأذان شعارًا لم يكن على عهد النبي ﷺ ولا نقل أحد أن النبي ﷺ أمر بذلك في الأذان، وهو قولهم (حي على خير العمل) وغاية ما ينقل إن صح النقل أن بعض الصحابة كابن عمر ﵄ كان يقول ذلك أحيانًا على سبيل التوكيد.
كما كان بعضهم يقول بين الندائين: (حين على الصلاة حي على الفلاح) وهذا يسمى نداء الأمراء، وبعضهم يسميه التثويب- رخص فيه بعضهم وكرهه أكثر العلماء ورووا عن ابن عمر وابنه وغيرهما كراهية ذلك.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان الذي كان يؤذن به بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة وأبو محذورة بمكة وسعد القرظ في قباء لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي، ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه كما نقلوا ما هو أيسر منه، فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذكر هذه الزيادة علم أنها بدعة باطلة.
وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ ، ومنه تعلموا الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد قباء، وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة.
ومعلوم أن نقل المسلمين للأذان أعظم من نقلهم إعراب آية كقوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ونحو ذلك.
ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان فنقله أعظم من نقل
стр. 177
سائر شعائر الإسلام.
وإن قيل فقد اختلف في صفته.
قيل: بل كل ما ثبت به النقل فهو صحيح سنة.
ولا ريب أن تعليم النبي ﷺ أبا محذورة الأذان وفيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان (١) ، (٢) .
ذكر غير الشهادتين في الأذان من أعظم الضلال
كما أن الشهادتين ليس فيهما إلا ذكر الله ورسوله لا في الأذان ولا في الصلاة ولا غير ذلك- فلو ذكر غير الله ورسوله من الأئمة كان ذلك من أعظم الضلال (٣) .
стр. 178
تخصيص علي بالصلاة عليه دون غيره خطأ
الشيعة تخص عليًا بالصلاة عليه دون غيره ويجعلون ذلك كأنه مأمور في حقه بخصوصه دون غيره وهذا خطأ بالاتفاق، فالله تعالى أمر بالصلاة على نبيه ﷺ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بالصلاة عليه وعلى آله- فيصلي على جميع آله تبعًا له، وآل محمد عند الشافعي وأحمد الذين حرمت عليهم الصدقة.
وذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنهم أمة محمد ﷺ .
وقالت طائفة من الصوفية: إنهم الأولياء من أمته وهم المؤمنون المتقون.
والذي قالته الحنفية وغيرهم أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إلا عليّ دون الصحابة فإذا صلى على عليّ ظن أنه منهم فيكره لئلا يظن به أنه رافضي.
فإما إذا علم أنه يصلي على عليّ وعلى سائر الصحابة لم يكره ذلك. وهذا القول يقوله سائر الأئمة فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبًا. ومن هنا ذهب مَنْ ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارًا لهم. فإنه وإن لم يكن الترك واجبًا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب.
لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع
стр. 179
دائمًا. ولم يوجب أهل السنة الصلاة على غير النبي ﷺ لا أئمتهم ولا غيرهم لأن إيجاب هذا من البدع المضلة المخالفة لشريعة الله تعالى (١) .
стр. 180
الترضي عن علي وحده أو الاثني عشر بدعة منكرة
أو نقشهم على حائط أو تلقينهم لميت. قصدهم من ذلك
أهل السنة لا يقولون إن ذكر الخلفاء في الخطبة فرض؛ بل يقولون إن الاقتصار على عليّ وحده أو ذكر الاثنى عشر هو البدعة المنكرة التي لم يفعلها أحد لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بني أمية ولا من بني العباس.
كما يقولون: إن سب علي أو غيره من السلف بدعة منكرة. وأعظم من ذلك نقشهم على حائط أو تلقينهم لميت فهذا هو البدعة المنكرة التي تعلم بالاضطرار من دين الإسلام، لأنها من أعظم الأمور المبتدعة في دين الإسلام.
مع أن الذين يذكرونهم قصدهم معاداة سائر المسلمين، والاستعانة على ذلك بالكفار والمنافقين، وإطفاء ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق الذي وعد الله أن يظهره على الدين كله، وفتح باب الزندقة والنفاق لمن يريد إفساد الملة.
ولو ترك الخطيب ذكر الأربعة لم ينكر عليه.
وإنما المنكر الاقتصار على واحد دون الثلاثة السابقين الذين كانت خلافتهم أكمل، وسيرتهم أفضل، كما أنكر عمر على أبي موسى ذكره دون أبي بكر مع أن عمر كان هو الحي خليفة الوقت (١) .
стр. 181
ما كان مشروعًا لم يترك لأجل فعل أهل البدع
لا الرافضة ولا غيرهم
الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعًا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع لا الرافضة ولا غيرهم.
منها مسألة التسطيح (١) .
والاستظلال بالمحمل وإن كان ذلك قول الرافضة.
وكذلك قال مالك: إن السجود يكره على غير جنس الأرض، والرافضة يمنعون السجود على غير الأرض.
وكذلك أحمد بن حنبل يستحب المتعة متعة الحج ويأمر بها. ويستحب هو وغيره من الأئمة أئمة الحديث لمن أحرم مفردًا أو قارنًا أن يفسخ ذلك إلى العمرة ويصير متمتعًا؛ لأن الأحاديث الصحيحة جاءت بذلك، حتى قال سلمة للإمام أحمد: يا أبا عبد الله قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة (متعة الحج) فقال: يا سلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدفع عنك والآن ثبت عندي أنك أحمق، عندي أحد عشر حديثًا صحيحًا عن النبي ﷺ أتركها لقولك.
ولا كل ما أنكره الناس عليهم يكون باطلاً؛ بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعض، والصواب مع من وافقهم.
لكن ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها (٢) .
стр. 182
فقهاء أهل البيت
علماء أهل البيت أئمة أهل السنة أيضًا
لم تأتم الشيعة بإمام ذي علم وزهد إلا وأهل السنة يأتمون به وبجماعة آخرين شاركوهم في العلم والزهد؛ بل هم أعلم منه وأزهد (١) .
علم عليّ رضي الله عليه
أدرك النبي ﷺ وهو مميز، وهو الثقة الصدوق فيما يخبر به عن النبي ﷺ وأصحاب النبي ﷺ من أصدق الناس حديثًا عنه لا يعرف عنهم من يتعمد عليه كذبًا.
وعلي ﵁ له من العلم والبيان والدين والإيمان والسابقية ما هو أعظم من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله؛ فإن السيف خاصته القتال.
وعليّ ﵁ تعلم من أبي بكر بعض السنة.
وعلماء الكوفة الذي صحبوا عمر وعليًا كعلقمة والأسود وشريح وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول علي، وأما تابعو المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يُذكر، وإنما ظهر علمه وفقهه في الكوفة بحسب مقامه فيها عندهم مدة خلافته. ومع هذا فأهل الكوفة كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان.
стр. 183
وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من عليّ، ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر مما رووا عن عليّ، وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل، ولما قدم عليّ الكوفة كان شريح فيها قاضيًا وهو وعبيدة السلماني تفقها على غيره (١) .
مما روي في علمه
وأما قوله «أقضاكم علي» فهذا الحديث لم يثبت وليس له إسناد تقوم به الحجة ...
وقول عمر: علي أقضانا. إنما هو في فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون في الباطن بخلافه ...
وحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» أضعف وأوهى؛ ولهذا إنما يعد في الموضوعات وإن رواه الترمذي، وذكره ابن الجوزي وبين أن سائر طرقه موضوعة. والكذب يعرف من نفس متنه؛ فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد فسد أمر الإسلام ...
فعلم أن الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنه مدحًا وهو يطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام إذا لم يبلغه إلا واحد.
ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير عليّ. أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما ظاهر، وكذلك الشام والبصرة؛ فإن هؤلاء لم يكونوا يروون عن عليّ إلا شيئًا قليلاً، وإنما كان غالب علمه في الكوفة، ومع هذا فأهل
стр. 184
الكوفة كانوا يعلمون القرآن والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلاً عن علي.
وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر (١) .
ما نسب إليه من العلوم الباطلة
والقرامطة الباطنية ينسبون قولهم إليه وأنه أعطى علمًا باطنًا مخالفًا للظاهر. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلي النبي ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس إلا ما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في الكتاب» (٢) .
ومن الناس من ينسب إليه الكلام في الحوادث كالجفر وغيره (٣) وآخرون ينسبون إليه البطاقة (٤) وأمور أخرى يعلم أن عليًا
стр. 185
بريء منها (١) .
الحسن والحسين ﵄: روايتهما: وعلمهما، وزهدهما
أما الحسن والحسين فمات النبي ﷺ وهما صغيران في سن التمييز فروايتهما عنه ﷺ قليلة.
وأما كونهما أزهد الناس في زمانهما وأعلمهم فهذا قول بلا دليل.
وكان الحسن يأخذ عن أبيه وغيره حتى أخذ عن التابعين. وهذا من علمه ودينه ﵁ (٢) .
ابن عباس ﵁ روايته وفتاويه
ابن عباس يروي عن غير واحد من الصحابة- يروي عن عمر
стр. 186
وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار. وروايته عن علي قليلة جدًا، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئًا من حديث عن علي، وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم.
وأيضًا فالتفسير أخذ عن عمر، وابن عباس أخذ عن ابن مسعود وغيره من الصحابة الذين لم يأخذوا عن علي شيئًا، وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عنه.
وهذه كتب التفسير والحديث مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين والذي فيها عن عليّ قليل جدًّا.
وكان ابن عباس يفتي بقول أبي بكر وعمر، ونازع عليًا في مسائل مثل ما أخرج البخاري في صحيحه قال أتى علي بقوم زنادقة فحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال أما لو كنت لم أحرقهم لنهي النبي ﷺ أن يعذب بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه» (١) فبلغ ذلك عليًا فقال ويح ابن عباس ما أسقطه على الهَنَّات (٢) .
стр. 187
علي بن الحسين: روايته، وما روي عنه، ومناقبه
أخذ العلم عن غير الحسين أكثر مما أخذ عن الحسين، فإن الحسين قتل سنة إحدى وستين وعلي صغير، فلما رجع إلى المدينة أخذ عن علماء أهل المدينة، فإن علي بن الحسين أخذ عن أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة وصفية وأخذ عن ابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي رافع مولى النبي ﷺ ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وغيرهم.
وأما ثناء العلماء على علي بن الحسين ومناقبه فكثيرة. وقال الزهري: لم أدرك بالمدينة أفضل من علي بن الحسين. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: هو أفضل هاشمي رأيته بالمدينة. وقال حماد بن زيد: سمعت عليّ بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته يقول: أيها الناس أحبونا بحب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا. ذكره محمد بن سعد في الطبقات: أنبأنا عارم، أنبأنا حماد. ثم قال ابن سعد قالوا: وكان عليّ بن الحسين ثقة مأمونًا كثير الحديث عاليًا رفيعًا. وروى عن شيبة بن نعامة قال كان عليّ بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يعول أهل مائة بيت بالمدينة في السر.
وله من الخشوع وصدقة السر وغير ذلك من الفضائل ما هو معروف، حتى إنه كان من صلاحه ودينه يتخطى مجالس أكابر الناس ويجالس زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب وكان من خيار أهل العلم والدين من التابعين، فيقال له: تدع مجالس قومك وتجالس هذا فيقول: إنما يجلس الرجل حيث يجد صلاح قلبه.
وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وأبو الزناد وزيد بن أسلم وابنه وأبو جعفر.
стр. 188
محمد بن علي الباقر: مَنْ أخذ عنه،
ومَنْ روى عنه، وعلمه
محمد بن علي الباقر من خيار أهل العلم والدين. وقيل إنما سمي الباقر لأنه بقر العلم، لا لأجل بقر السجود جبهته.
أخذ العلم عن جابر وأنس بن مالك، وروى أيضًا عن ابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. وعن سعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن أبي رافع كاتب علي.
وروى عنه أبو إسحاق الهمداني وعمرو بن دينار والزهري وعطاء بن أبي رباح وربيعة بن أبي عبد الرحمن والأعرج وهو أسن منه وابنه جعفر وابن جريج ويحيى بن أبي كثير والأوزاعي وغيرهم.
وأما كونه أعلم أهل زمانه- فهذا يحتاج إلى دليل، والزهري من أقرانه وهو عند الناس أعلم منه بأحاديث النبي ﷺ وأحواله وأقواله (١) .
стр. 189
جعفر بن محمد (الصادق)
جعفر الصادق ﵁ من خيار أهل العلم والدين- أخذ العلم عن جده أبي أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعن محمد بن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وعطاء بن أبي رباح.
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وحاتم بن إسماعيل، وحفص بن غياث، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين.
ومالك لم يروِ عن أحد من ذريته إلا عن جعفر تسعة أحاديث وجعفر هو من أقران أبي حنيفة، ولم يكن أبو حنيفة يأخذ عنه مع شهرته بالعلم.
وبالجملة فهؤلاء الأئمة الأربعة- مالك والشافعي وأبو يوسف وأحمد- ليس فيهم من أخذ عن جعفر شيئًا من قواعد الفقه.
لكن رووا عنه أحاديث كما رووا عن غيره أضعاف أحاديثه، وليس بين حديث الزهري وحديثه نسبة لا في القوة ولا في الكثرة، وقد استراب البخاري في بعض حديثه لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام فلم يخرج له (١) .
стр. 190
ما كذب عليه
والآفة وقعت في الكذابين عليه لا منه؛ ولهذا نسبت إليه أنواع من الأكاذيب مثل كتاب البطاقة والهفت والكلام في النجوم وفي مقدمة المعرفة من جهة الرعود والبروق واختلاج الأعضاء وغير ذلك (١) ، حتى نقل عنه أبو عبد الرحمن السلمي في «حقائق التفسير» من الأكاذيب ما نزه الله جعفرًا عنه. وحتى إن من أراد أن يحقق أكاذيب نسبها إلى جعفر، حتى إن طائفة من الناس يظنون أن «رسائل إخوان الصفا» مأخوذة عنه، وهذا من الكذب المعلوم فإن جعفر توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، وهذه الرسائل صنفت بعد ذلك بنحو مائتي سنة لما ظهرت دولة الإسماعيلية الباطنية الذين بنوا القاهرة المعزِّية سنة بضع وخمسين وثلاثمائة، وفي تلك الأوقات صنفت هذه الرسائل بسبب ظهور هذا المذهب الذي ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض.
وإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه- فأي فائدة للناس في العلم المكتوم ...
وإن قال كانوا يبينون ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة قيل: أولاً هذا كذب عليهم؛ فإن جعفر بن محمد لم يجئ بعده مثله وقد أخذ العلم عن هؤلاء الأئمة كمالك وابن عيينة وشعبة والثوري وابن جريج ويحيى بن سعيد وأمثالهم من العلماء المشاهير الأعيان. ثم من ظن أن هؤلاء السادة يكتمون العلم عن مثل هؤلاء ويخصون به قومًا مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق فقد أساء الظن بهم (٢) .
стр. 191
أما موسى بن جعفر
أما موسى بن جعفر فقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة أمين صدوق من أئمة المسلمين.
قلت: موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى بغداد، ثم ردَّه إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفًا من عمرة فحمل موسى معه إلى بغداد وحبسه بها إلى أن توفي في حبسه.
وليس له كثير رواية؛ روى عن أبيه جعفر، وروى عنه أخوه علي، وروى له الترمذي وابن ماجه (١) .
стр. 192
علي بن موسى
له من المحاسن والمكارم المعروفة والممادح المناسبة للحالة اللائقة به ما يعرفه بها أهل المعرفة.
وفي زمانه من هو أعلم وأزهد منه كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء.
هذا ولم يأخذ عنه أحد من أهل العلم بالحديث شيئًا ولا روى له شيء في كتب السنة.
وإنما يروي له أبو الصلت الهروي وأمثاله نسخًا عن آبائه فيها من الأكاذيب ما نزه الله عنه الصادقين منهم (١) .
стр. 193
محمد بن علي الجواد
كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد ولهذا سمي (الجواد) ومات وهو ابن خمس وعشرين سنة.
وكان المأمون زوجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتضد إلى بغداد ومات بها ﵁.
وقال الشيخ ﵀: وأما موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي- فلا يستريب من له من العلم نصيب أن مالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والليث بن سعد والأوزاعي ويحيى بن سعيد ووكيع بن الجراح وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثالهم أعلم بحديث رسول الله ﷺ من هؤلاء. وهذا أمر تشهد به الآثار التي تعاين وتسمع.
ومما يبين ذلك أن القدر الذي ينقل عن هؤلاء من الأحكام المسندة إلى النبي ﷺ ينقل عن أولئك ما هو أضعافه.
وأما دعوى المدعي أن كل ما أفتى به الواحد من هؤلاء فهو منقول عنده عن النبي ﷺ فهذا كذب على القوم؛ فإنهم كانوا يميزون بين ما يروونه عن النبي ﷺ وبين ما يقولون من غير ذلك، وكان علي ﵁ يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فوالله لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة (١) .
стр. 194
علي بن محمد الهادي ويقال له العسكري
ذكر عنه حكاية منقطعة الإسناد مع أنه ليس فيها من الفضيلة إلا ما يوجد في كثير من عامة المسلمين ويوجد فيهم ما هم أعظم منها (١) .
стр. 195
الحسن بن علي العسكري
العلماء المعروفون بالرواية الذين كانوا في زمن هذا الحسن بن علي العسكري ليست لهم عنه رواية مشهورة في كتب أهل العلم وشيوخ كتب أهل السنة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كانوا موجودين في ذلك الزمان وقريبًا منه قبله وبعده.
وقد جمع الحافظ أبو القاسم بن عساكر أسماء شيوخ الكل- يعني شيوخ هؤلاء الأئمة. فليس في هؤلاء من روى عن الحسن بن علي العسكري مع روايتهم عن ألوف مؤلَّفة من أهل الحديث (١) .
стр. 196
محمد بن الحسن العسكري (المنتظر)
المنتظر لا وجود له، ومفقود لا منفعة لهم فيه (١) .
стр. 197
خلاصة في فضل وعلم أئمة الاثني عشرية
الأئمة الاثنا عشرية- منهم عليّ ﵁، والثلاثة أفضل منه وأكمل خلافة وإمامة.
وأما سائر الاثني عشر فهم أصناف: منهم من هو من الصحابة المشهود لهم بالجنة كالحسن والحسين وشركهما في ذلك خلق كثير من الصحابة المشهود لهم بالجنة.
وفي السابقين الأولين من هو أفضل منهما مثل أهل بدر، وهما وإن كانا سيدا شباب أهل الجنة فأبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة، وهذا الصنف أكمل من هذا الصنف.
وفي الاثنى عشر من هو مشهور بالعلم والدين كعلي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفر بن محمد- وهؤلاء لهم حكم أمثالهم- ففي الأمة خلق كثير مثل هؤلاء وأفضل منهم.
وفيهم المنتظر لا وجود له ومفقود ولا منفعة لهم فيه.
وأما سائرهم ففي بني هاشم من العلويين والعباسيين جماعات مثلهم في العلم والدين ومن هو أعلم وأدين منهم (١) .
стр. 198
الشافعي المطلبي
الشافعي لما كان عنده من العلم والفقه ما يستفاد منه عرف المسلمون له ذلك واستفادوا منه وظهر ذكره بالعلم والفقه (١) .
стр. 199
بنو هاشم في زمن الشيخ
واعتبر ذلك بما تجده في زمانك من أهل العلم بالقرآن والحديث والفقه فإنك تجد كثيرًا من بني هاشم لا يحفظ القرآن ولا يعرف من حديث النبي ﷺ إلا ما شاء الله ولا يعرف معاني ذلك.
فإذا قال هذا: روى جدنا، عن جبريل، عن الباري.
قيل: نعم. وهؤلاء أعلم منكم بما روى جدكم عن جبريل، وأنتم ترجعون في ذلك إليهم.
وإن قال: مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر.
قيل له: ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم فمقبول منهم كما يرويه أمثالهم.
ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء (١) .