غلاة الشيعة:
الإسماعيلية ، والنصيرية، القرامطة الباطنية
بنو عبيد القداح الذين أقاموا بالمغرب مدة، وبمصر نحو مائتي سنة- هؤلاء باتفاق أهل العلم والدين ملاحدة، ونسبهم باطل، فلم يكن لهم بالرسول نسب في الباطن ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب وأظهروا التشيع ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة إذ كانت أقل الطوائف عقلاً ودينًا وأكثرها جهلاً.
وإلا فأمر هؤلاء العبيديين المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفى على مسلم.
ولهذا جميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرءون منهم- فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين (١) .
وأئمة الإسماعيلية كالمعز والحاكم وأمثالهما يدعون من علم الغيب وكشف باطن الشريعة وعلو الدرجة أعظم مما تدعيه الاثنا عشرية لأصحابهم، ويضمنون لهم هذا مع استحلال المحرمات وترك الواجبات- فيقولون له: قد أسقطنا عنك الصلاة والصوم والحج والزكاة، وضمنا لك بموالاتنا الجنة ونحن قاطعون بذلك.
وحقيقة قول الإسماعيلية التعطيل.
стр. 142
أما أصحاب الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم (١) الذي هو آخر المراتب عندهم فهم من الدهرية القائلين بأن العالم لا فاعل له ولا علة ولا خالق.
ويقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا واجب الوجود فإنهم يثبتونه وهو شيء لا حقيقة له، ويستهزءون باسم الله ولا سيما هذا الاسم الذي هو الله؛ فإن منهم من يكتبه في أسفل قدميه ويطؤه.
وأما من دون هؤلاء فيقولون بالسابق والتالي الذين عبَّروا بهما عن العقل والنفس عند الفلاسفة والنور والظلمة عند المجوس. والإسماعيلية ملاحدة أكفر من النصيرية (٢) .
النصيرية
النصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدعون إلهية علي، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين.
ومن شرع النصيرية:
أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين
|
أشهد أن لا إله إلا ... سلمان ذو القوة المتين
ويقولون إن شهر رمضان أسماء ثلاثين رجلاً- إلى أنواع من الكفر الشنيع يطول وصفها.
والنصيرية يعظمون القائلين بوحدة الوجود كالتلمساني شيخ القائلين بالوحدة، فقد ذهب إلى النصيرية وصنف لهم كتابًا وهم يعظمونه جدًا (٣) .
стр. 143
القرامطة الباطنية
وشر من الإسماعيلية قرامطة البحرين أصحاب أبي سعيد الجنابي؛ فإن أولئك لم يكونوا يتظاهرون بدين الإسلام بالكلية، بل قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وجرى فيه عبرة حتى أعيد (١) ومع هذا فلم يسلطوا على الكعبة بإهانة بل كانت معظمة مشرفة وهم كفار من أكفر خلق الله (٢) .
стр. 144
التعطيل أعظم من الشرك
الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته وخلق فيهم الشهوات ليتناولوا بها ما يستعينون به على عبادته، ومن لم يعبد الله فإنه فاسد هالك والله لا يغفر أن يشرك به فيعبد معه غيره؛ فكيف بمن عطل عبادته فلم يعبده البتة كفرعون وأمثاله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ، والتعطيل ليس دون الشرك؛ بل أعظم منه؛ فالمستكبر عن عبادته أعظم جرمًا من الذين يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهو لا يغفر لهم فأولئك أَوْلَى (٢) .
стр. 145
العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة
كل من العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة متعددة، أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى؛ بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري ضروري معروف في الجبلَّة.
وأيضًا فنفس حدوث الإنسان يعلم به صانعه، وكذلك حدوث كل ما يشاهد حدوثه. وهذه الطريقة المذكورة في القرآن.
وأما حدوث العالم فيمكن أن يستدل عليه بالسمع وبالعقل، فإنه يمكن العلم بالصانع إما بالضرورة والفطرة وإما بمشاهدة حدوث المحدثات وإما بغير ذلك ثم يعلم صدق الرسول بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة.
ودلالة المعجزات طريق من الطرق.
وطريق التصديق لا ينحصر في المعجزات.
ثم يعلم بخبر الرسول حدوث العالم.
وإما بالعقل فمثل أن يقال: لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع والشجر وحدوث الشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان وحدوث الليل والنهار وغير ذلك- ومعلوم بضرورة العقل أن المحدَث لابد له من مُحدِث وأنه يمتنع تسلسل المحدِثات بأن يكون للمحدِث محدث وللمحدث محدث إلى غير نهاية وهذا يسمى تسلسل المؤثرات والعلل والفاعلية وهو ممتنع باتفاق العقلاء.
وكذلك إذا قيل: الموجود إما أن يكون مخلوقًا وإما أن لا يكون
стр. 146
مخلوقًا والمخلوق لابد له من موجود غير مخلوق، فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: الموجود إما غني عن غيره وإما فقير إلى غيره والفقير المحتاج إلى غيره لا تزول حاجته وفقره إلا بغني عن غيره، فيلزم وجود الغني على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: الحي إما حي بنفسه وإما حي حياته من غيره وما كانت حياته من غيره فذلك الغير أولى بالحياة، فثبت وجود الحي بنفسه على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: العالم إما عالم بنفسه وإما عالم علَّمه غيره ومن علَّم غيره فهو أوْلى أن يكون عالمًا وإذا لم يتعلم من غيره كان عالمًا بنفسه فثبت وجود العالم بنفسه على التقديرين الحاصرين فإنه لا يمكن سوى هذين التقديرين والقسمين.
فإذا كان لا يمكن إلا أحدهما وعلى كل تقدير العالم بنفسه موجود والحي بنفسه موجود والغني بنفسه موجود والقديم الواجب بنفسه موجود لزم وجوده في نفس الأمر وامتنع عدمه في نفس الأمر وهو المطلوب (١) .
المطر معروف عند السلف والخلف أن الله يخلقه من الهواء ومن البخار المتصاعد- لكن خلقه للمطر من هذا كخلق الإنسان من نطفة وخلقه للشجرة والزرع من الحب والنوى فهذا معرفته بالمادة التي خلق منها ونفس المادة لا توجب ما خلق منها باتفاق العقلاء؛
стр. 147
بل لابد مما به يخلق تلك الصورة على ذلك الوجه وهذا هو الدليل على القادر المختار الحكيم الذي يخلق المطر على قدر معلوم وقت الحاجة إليه.
والبلد الجرز يسوق إليها الماء من حيث أمطر كما قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ فالأرض الجرز لا تمطر ما يكفيها كأرض مصر لو أمطرت المطر المعتاد لم يكفها فإنها أرض إبليز (١) وإن أمطرت مطرًا كثيرًا مثل مطر شهر خربت المساكن فكان من حكمة الباري ورحمته أن أمطر أرضًا بعيدة ثم ساق ذلك الماء إلى أرض مصر.
فهذه الآية يستدل بها على علم الخالق وقدرته ومشيئته وحكمته وإثبات المادة التي خلق منها المطر والشجر والإنسان والحيوان (٢) .
стр. 148
الفرقة الناجية وصف أهل السنة والجماعة
لا وصف الرافضة ولا غيرها من الفرق
حديث الفرقة الناجية رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجه، ورواه أهل الأسانيد كالإمام أحمد وغيره (١) .
والحديث روي تفسيره فيه من وجهين: أحدهما أنه ﷺ سُئل عن الفرقة الناجية فقال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، والرواية الأخرى قال: «هم الجماعة» .
وكل من التفسيرين يناقض قول الإمامية، ويقتضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة الجماعة كأبي بكر وعمر وعثمان دع معاوية وملوك بني أمية وبني العباس، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء الجماعة وعبادهم كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء.
стр. 149
وهم أبعد الناس عن معرفة سير الصحابة والاقتداء بهم في حياة النبي ﷺ ؛ فإن هذا لا يعرفه إلا أهل العلم بالحديث والمنقولات والمعرفة بأخبار الثقات.
وهم من أعظم الناس جهلاً بالحديث لفظًا له ومعاداة لأهله.
فإذا كان وصف الفرقة الناجية اتباع الصحابة على عهد رسول الله ﷺ وذلك شعار السنة والجماعة كانت الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة.
فالسنة ما كان ﷺ هو وأصحابه عليها في عهده مما أمرهم به أو أقرهم عليه أو فعله هو.
وأما الجماعة فهم المجتمعون الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.
وأما الذين فرقوا دينهم وكانوا خارجين عن الفرقة الناجية قد برأ الله نبيه منهم.
فعلم بذلك أن هذا وصف أهل السنة والجماعة لا وصف الرافضة، وأن الحديث وصف الفرقة الناجية باتباع السنة التي كان عليها هو وأصحابه وبلزوم جماعة المسلمين.
فإن قيل: فقد قال في الحديث: «على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» فمن خرج عن تلك الطريقة بعده لم يكن على طريقة الفرقة الناجية، وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية.
قلنا نعم. وأشهر الناس بالردة خصوم أبي بكر الصديق ﵁ وأتباعه كمسيلمة الكذاب وأتباعه وغيرهم. وهؤلاء تتولاهم الرافضة، ويقولون إنهم كانوا على الحق وأن الصديق قاتلهم بغير حق.
ثم أظْهَرُ الناس ردةً الذين حرقهم علي ﵁ بالنار لما
стр. 150
ادعوا فيه الإلهية وهم السبأية أتباع عبد الله بن سبأ الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر.
وأول من ظهر عنه دعوى النبوة من المنتسبين إلى الإسلام المختار بن أبي عبيد وكان من الشيعة.
فعلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف، ولهذا لا تعرف ردة أسوأ حالاً من ردة الغالية كالنصيرية ومن ردة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم.
فدل على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين على أعقابهم هم بالرافضة أوْلى منهم بأهل السنة والجماعة إن كان فيهم مرتد.
ويدل الحديث على أنه لابد أن تفارق هذه الواحدة سائر الثنتين والسبعين.
ويدل على مفارقة الثنتين والسبعين بعضها بعضًا كما فارقت هذه الواحدة. فليس في الحديث ما يدل على اشتراك الثنتين والسبعين في أصول العقائد؛ بل ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى. وحينئذ فمعلوم أن جهة الافتراق جه ذم لا جهة مدح؛ فإن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) الآيات.
стр. 151
وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة وافتراقًا في نفسها أوْلى الطوائف بالذم؛ وأقلها افتراقًا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق.
وإذا كانت الإمامية أوْلى بمفارقة سائر الطوائف فهم أبعد من الحق لا سيما وهم في أنفسهم أكثر اختلافًا من جميع فرق الأمة حتى يقال إنها ثنتان وسبعون فرقة.
وقد صنف الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة.
وأما أهل الجماعة فهم أقل اختلافًا في أصول دينهم من كل طائفة إلى ضدها فهم الوسط في أهل الإسلام، كما أن أهل الإسلام هم الوسط في أهل الملل.
وهم في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، وقد قال رسول الله ﷺ : «خير الأمور أوساطها» وحينئذ أهل السنة والجماعة خير الفرق.
وفي باب القدر بين أهل التكذيب به وأهل الاحتجاج به.
وفي باب الأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة.
وفي باب الصحابة بين الغلاة والجفاة.
فلا يغلون في علي غلو الرافضة، ولا يكفرونه تكفير الخوارج.
ولا يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان كما تفكرهم الرافضة.
ولا يكفرون عثمان وعليًا كما تكفرهما الخوارج.
وأبعد الناس عن هذه الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة لأنهم أجهل وأظلم طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة ...
стр. 152
فليس الضلال والبغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة الذين لا ينتصرون إلا للرسول ﷺ فإنهم خاصته وهو إمامهم المطلق الذين لا يغضبون لقول غيرهم إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله.
وإن كان الصحابة ثم أهل الحديث والسنة المحضة أوْلى بالهدى ودين الحق أبعد الطوائف عن الضلال والبغي فالرافضة بالعكس.
ودعوى الرافضة أو غيرهم من أهل الأهواء الكفر في كثير ممن سواهم كالخوارج وكثير من المعتزلة والجهمية أنهم هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من سواهم كقول اليهود والنصارى:
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) وهذا عام لكل من عمل لله بما أمره الله فالعمل الصالح هو المأمور به، وإسلام الوجه لله إخلاص وجهه.
ولفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.
وقد يراد به أهل الحديث وأهل السنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول إن القرآن غير مخلوق وأن الله يُرى في الآخرة ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة (٢) .
стр. 153
حكم الفرق الثنتين والسبعين إذا لم تقع في كفر أو شرك (١)
ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضًا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن مسائل وحديثه في البخاري (٢) ، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان ومازالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قالتهم الصديق ﵁.
هذا مع أمر رسول الله ﷺ بقتالهم في الأحاديث الصحيحة ...
وهكذا سائر فرق أهل البدع والأهواء من الشيعة والمعتزلة وغيرهم فمن كفر الثنتين والسبعين فرقة كلهم فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وليس قوله: «ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» (٣) بأعظم من قوله تعالى:
стр. 154
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٢) وأمثال ذلك من النصوص الصريحة بدخول من فعل ذلك النار.
ومع هذا فلا نشهد لمعين بالنار لإمكان أنه تاب أو كانت له حسنات ماحية أو كفر الله عنه بمصائب أو غير ذلك.
الرافضة كثير منهم ليسوا منافقين ولا كفارًا؛ بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يرجى له مغفرة الله، لكن الجهل بمعنى القرآن والحديث شامل لهم كلهم؛ فليس فيهم إمام من أئمة المسلمين في العلم والدين.
الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق كثير مسلمون ظاهرًا وباطنًا ليسوا زنادقة منافقين لكنهم جهلوا واتبعوا أهواءهم.
والردة قد تكون عن أصل الإسلام كالغالية من النصيرية والإسماعيلية فهؤلاء مرتدون باتفاق أهل السنة والشيعة.. وقد تكون الردة عن بعض الدين كحال أهل البدع الرافضة وغيرهم. والله تعالى يقيم قومًا يحبهم ويحبونه يجاهدون من ارتد عن الدين أو بعضه كما يقيم من يجاهد الرافضة المرتدين عن الدين في كل زمان (٣) .
стр. 155
أهل البدع أهل الشبهات
أهل البدع ابتدعوا بدعًا خلطوها بما جاءت به الرسل، وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فكان في كل فريق منهم حق وباطل، وهم يكذبون بالحق الذي مع الفريق الآخر، ويصدقون بالباطل الذي معهم، وبسبب ذلك وقعت الشبهة، وإلا فالباطل المحض لا يشتبه على أحد. وهذا حال أهل البدع كلهم فإن معهم حقًا وباطلاً فهم فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل فريق يكذب بما مع الآخر من الحق بما معه من الباطل كالخوارج والشيعة.
والخوارج يكذبون بما ثبت من فضائل أمير المؤمنين عليّ ﵁؛ ويصدقون بما روي في فضائل أبي بكر وعمر ﵄، ويصدقون بما ابتدعوه من تكفيره وتكفير من يتولاه ويحبه.
والشيعة يصدقون بما روي في فضائل عليّ ﵁. ويكذبون بما روي في فضائل أبي بكر وعمر ﵄ ويصدقون بما ابتدعوه من التكفير والطعن في أبي بكر وعمر وعثمان.
وأهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع أمورهم، فهم في علي وسط بين الخوارج والروافض، وكذلك في عثمان هم وسط بين المروانية والزيدية، وكذلك في سائر الصحابة وسط بين الغلاة فيهم والطاعنين عليهم (١) .
стр. 156
أصول فقه الشيعة
الرافضة لهم في دينهم عقليات وشرعيات (١)
الرافضة لهم في دينهم عقليات وشرعيات فالعقليات متأخروهم فيها على مذهب المعتزلة، إلا من تفلسف منهم فيكون إما فيلسوفًا أو ممتزجًا من فلسفة واعتزال ويضم إلى ذلك الرفض.
وأما شرعياتهم فعمدتهم فيها على ما ينقل عن أهل البيت ...
لكن كثيرًا مما ينقل عن أهل البيت كذب، والرافضة لا خبرة لها بالأسانيد والتمييز بين الثقات وغيرهم (٢) .
عمدتهم في التفسير
الرافضة لا تعتني بحفظ القرآن ومعرفة معانيه وتفسيره وطلب الأدلة الدالة على معانيه.
ومن صنف منهم في تفسير القرآن فمن تفاسير أهل السنة يأخذ كما فعل الطوسي والموسوي والمراد بأهل السنة في هذا الموضع من يقر بخلافه الثلاثة. فالمعتزلة داخلون في أهل السنة وهم إنما يستعينون في التفسير والمنقولات بكلام المعتزلة، وكذلك بحوثهم العقلية فما كان فيها من صواب فإنما أخذوه عن أهل السنة، والذي يمتازون به هو كلامهم في ثلب الصحابة والجمهور ودعوى
стр. 157
النص ونحو ذلك مما هم به أخلق وهو بهم أشبه (١) .
عمدتهم في الحديث
وأما في الحديث فهم من أبعد الناس عن معرفته لا إسناده ولا متنه، ولا يعرفون الرسول وأحواله، ولهذا إذا نقلوا شيئًا من الحديث كانوا من أجهل الناس به، وأي كتاب وجدوا فيه ما يوافق هواهم نقلوه من غير معرفة بالحديث.
ولو أنهم ينقلون ما لهم وما عليهم من الكتب التي ينقلون منها مثل تفسير الثعلبي وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل وفضائل الصحابة لأبي نعيم وما في كتاب أحمد من زيادات القطيعي وزيادات ابن أحمد لانتصف الناس منهم، لكن لا يصدقون إلا بما يوافق قلوبهم (٢) .
عمدتهم في الفقه
وأما الفقه فهم من أبعد الناس عن الفقه، وأصل دينهم في الشريعة هي مسائل ينقلونها عن بعض علماء أهل البيت كعلي بن الحسين وابنه أبي جعفر محمد وجعفر بن محمد وهؤلاء ﵃ من أئمة الدين وسادات المسلمين، لكن لا ينظرون في الإسناد إليهم هل ثبت النقل عنهم أم لا؛ فإنه لا معرفة لهم بصناعة الحديث والإسناد، ثم الواحد من هؤلاء إذا قال قولاً لا يطلبون دليله من الكتاب والسنة ولا ما يعارضه ولا يردون ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله كما أمر الله به ورسوله، بل قد أصَّلوا لهم ثلاثة أصول:
стр. 158
١-أن كل واحد من هؤلاء إمام معصوم بمنزلة النبي لا يقول إلا حقًا، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، ولا يرد ما ينازعه فيه غيره إلى الله والرسول فيقولون عنه ما كان هو وأهل بيته يتبرءون منه.
٢-أن كل ما يقوله واحد من هؤلاء فإنه قد علم منه أنه قال أنا أنقل كل ما أقوله عن النبي ﷺ (١) وياليتهم قنعوا بمراسيل التابعين كعلي بن الحسين؛ بل يأتون إلى من تأخر زمانه كالعسكريين فيقولون كل ما قاله واحد من أولئك فالنبي قد قاله.
وكل من له عقل يعلم أن العسكريين بمنزلة أمثالهما ممن كانوا في زمانهما من الهاشميين ليس عندهم من العلم ما يمتازون به عن غيرهم ... فيريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول ﷺ الذي بعثه الله إلى جميع العالمين بمنزلة القرآن والمتواتر من السنن، وهذا مما لا يبني عليه دينه إلا من كان من أبعد الناس عن طريقة أهل العلم والإيمان.
٣-أن إجماع الرافضة هو إجماع العترة، وإجماع العترة معصوم. والعترة عندهم هم الاثنا عشر. ويدَّعون أن ما نقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه.
فصارت هذه الأقوال التي فيها صدق وكذب على أولئك بمنزلة القرآن لهم وبمنزلة السنة المسموعة من الرسول وبمنزلة إجماع الأمة
стр. 159
وحدها (١) .
وكل عاقل يعرف دين الإسلام وتصور هذا فإنه يمجه أعظم مما يمج الملح الأجاج والعلقم، لا سيما من كان له خبرة بطرق أهل العلم، لا سيما مذاهب أهل الحديث وما عندهم من الروايات الصادقة التي لا ريب فيها عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ...
والمدعون إجماع العترة يدعون ذلك في مسائل لا نص فيها، بل النص على خلافها، فصاروا لذلك لا ينظرون إلى دليل ولا تعليل؛ بل خرجوا عن الفقه في الدين، كخروج الشعرة من العجين.
ومن توابع ذلك أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين وكان أحد القولين يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله فالصواب عندهم القول الذي لا يعرف قائله. قالوا لأن قائله إذا لم يعرف كان من أقوال المعصوم فهل هذا إلا من أعظم الجهل؟!
وكذلك لا يعتمدون على القياس وإن كان جليًا (٢) .
стр. 160
مصنفاتهم في الخلاف وأصول الفقه، والأحوال والزهد
والرقائق والعبادات والدعوات وغير ذلك
وإذا صنف واحد منهم كتابًا في الخلاف وأصول الفقه كالموسوي وغيره؛ فإن كانت المسألة فيها نزاع بين العلماء أخذوا حجة من يوافقهم واحتجوا بما احتج به أولئك، وأجابوا عما يعارضهم بما أجاب به أولئك، فيظن الجاهل أن هذا قد صنف كتابًا عظيمًا في الخلاف والفقه والأصول، ولا يدري الجاهل أن عامته استعارة من كلام علماء أهل السنة الذين يكفرهم ويعاديهم.
وما انفردوا به فلا يساوي مداده، فإن المداد ينفع ولا يضر، وهذا يضر ولا ينفع.
وإذا كانت المسألة مما انفردوا به اعتمدوا على تلك الأصول الثلاثة التي فيها من الجهل والضلال ما لا يخفى.
وكذلك كلامهم في الأحوال والزهد والرقائق والعبادات والدعوات وغير ذلك.
وكذلك إذا نظرت ما فيهم من العبادات والأخلاق المحمودة تجده جزءًا مما عليه الجمهور (١) .
стр. 161
الشيعة كل ما خالفو فيه أهل السنة كلَّهم فهم مخطئون فيه
الله تعالى قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن يجعل عددًا من العلماء إذا أخطأ الواحد في شيء كان الآخر قد أصاب فيه حتى لا يضيع الحق؛ ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل كان الصواب في قول الآخر؛ فلم يتفق أهل السنة على ضلالة أصلاً.
وأما الشيعة فكل ما خالفوا فيه أهل السنة كلهم فهم مخطئون فيه، كما أخطأ اليهود والنصارى في كل ما خالفوا فيه المسلمين.
فالإمامية لا يرجعون في شيء عما ينفردون به عن الجمهور إلى حجة أصلاً لا عقليه ولا سمعية ولا نص ولا إجماع (١) .
стр. 162
أهل السنة هم الذين حفظ الله بهم الدين
المسلمون الذين يقيمون دين الإسلام في الشرق والغرب قديمًا وحديثًا هم الجمهور.
والرافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام ونقض عراه وإفساد قواعده.
والقدر الذي عندهم من الإسلام إنما قام بسبب قيام الجمهور به.
ولهذا قراءة القرآن فيهم قليلة، ومن يحفظه حفظًا جيدًا فإنما تعلمه من أهل السنة.
وكذلك الحديث إنما يعرف ويصدق فيه أهل السنة.
وكذلك الفقه والعبادة والزهد والجهاد والقتال إنما هو لعساكر أهل السنة، وهم الذين حفظ الله بهم الدين علمًا وعملاً بعلمائهم وعُبَّادهم ومقاتليهم.
والرافضة من أجهل الناس بدين الإسلام، وليس للإنسان منهم شيء يختص به إلا ما يسر عدو الإسلام ويسوء وليه فأيامهم في الإسلام كلها سود (١) .
стр. 163
فقه الشيعة
أحكامهم الفروعية أقسام ثلاثة
شيوخ الرافضة يزعمون أنهم تلقوا عن الأئمة الشرائع، وقولوهم في الشرائع غالبه موافق لمذهب أهل السنة، ولهم مفردات عن المذاهب الأربعة قال بها غيرهم من السلف وأهل الظاهر وفقهاء المعتزلة وغير هؤلاء فهذه ونحوها من مسائل الاجتهاد التي يهون الأمر فيها.
ولهم مفردات شنيعة لم يوافقهم عليها أحد ولا يعرف لها أصل لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا سبقهم إليها أحد (١) .
من مفرداتهم الشنيعة والتي شابهوا فيها اليهود أو النصارى:
ليس في الطوائف المنتسبين إلى الإسلام أبعد من الرافضة فلهذا تجد ما انفردوا به عن الجماعة أقوالاً في غاية الفساد مثل تأخيرهم صلاة المغرب حتى يطلع الكوكب مضاهاة لليهود. وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بتعجيل المغرب (٢) .
стр. 164
ومثل صومهم قبل الناس بيومين مضاهاة لمبتدعة أهل الكتاب الذين عدلوا عن الصوم بالهلال إلى الاجتماع وجعلوا الصوم بالحساب. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» (١) «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» (٢) ، «فإن غمَّ عليكم فاقدروا له» (٣) وفي رواية «فأكملوا العدة» (٤) .
ومثل تحريمهم لبعض أنواع السمك مضاهاة لليهود في تحريم الطيبات.
ومثل معاونة الكفار على قتال المسلمين، وترغيب الكفار في قتال المسلمين. وهذا لا يعرف لأحد من فرق الأمة.
ومثل تنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة. وهذا من جنس دين السامرة وهم رافضة اليهود، هم في اليهود كالرافضة في المسلمين.
والرافضة تشابههم في وجوه كثيرة، فإن السامرة لا تؤمن بنبي بعد موسى وهارون غير يوشع، وكذلك الرافضة لا تقر لأحد من الخلفاء والصحابة بفضل ولا إمامة إلا لعلي.
والسامرة تنجس وتحرم ما باشره غيرهم من المائعات، وكذلك
стр. 165
الرافضة.
والسامرة لا يأكلون إلا ذبائح أنفسهم، وكذلك الرافضة فإنهم يحرمون ذباح أهل الكتاب، ويحرم أكثرهم ذبائح الجمهور لأنهم مرتدون وعندهم ذبيحة المرتد لا تباح.
والسامرة فيهم كبر وروعونة وحمق ودعاو كاذبة مع القلة والذلة وكذلك الرافضة.
والرافضة تجعل الصلوات الخمس ثلاث صلوات، فيصلون دائمًا الظهر والعصر وجميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، وهذا لم يذهب إليه غيرهم من فرق الأمة، وهو يشبه دين اليهود فإن الصلوات عندهم ثلاث.
وغلاة العباد يوجبون على أصحابهم صلاة الضحى والوتر وقيام الليل فتصير الصلاة عندهم سبعًا وهو دين النصارى.
والرافضة لا تصلي جمعة ولا جماعة لا خلف أصحابهم ولا غير أصحابهم ولا يصلون إلا خلف المعصوم ولا معصوم عندهم وهذا لا يوجد في سائر الفرق أكثر مما يوجد في الرافضة فسائر أهل البدع سواهم لا يصلون الجمعة والجماعة إلا خلف أصحابهم كما هو دين الخوارج والمعتزلة وغيرهم، وأما أنهم لا يصلون ذلك بحال فهذا ليس إلا للرافضة.
ومن ذلك أنهم لا يؤَمِّنون في الصلاة أو بعضهم، وهذا ليس لأحد من فرق الأمة؛ بل هو دين اليهود، فإن اليهود حسدوا المؤمنين على التأمين.
وقد حكى طائفة عن بعضهم أنه يحرم لحم الإبل، وذلك
стр. 166
لركوب عائشة على الجمل وهذا من أظهر الكفر فهو من جنس دين اليهود، وكثير من عامتهم يقولون: إن الطلاق لا يكون إلا برضى المرأة وعلماؤهم ينكرون هذا. وهذا لم يقله أحد من غيرهم، وهم يقولون بإمام منتظر موجود غائب لا يعرف له عين ولا أثر، ولا يعلم بحس ولا خبر، لا يتم الإيمان إلا به.
وكذلك إقامة المأتم والنوائح ولطم الخدود وشق الجيوب وفرش الرماد وتعليق المسوح وأكل المالح حتى يعطش ولا يشرب ماء تشبها بمن ظلم وقتل ... (١) . لا يعرف لغيرهم من طوائف الأمة. ومفاريد الرافضة التي تدل على غاية الجهل والضلال كثيرة.
وكل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين لآثار النبي ﷺ لا ينفردون عن سائر الطوائف بحق والرافضة أبلغ في ذلك من غيرهم (٢) .
стр. 167
لا يغسلون الرجلين ولا يمسحون على الخفين
قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) .
لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة؛ فإن المسح جنس تحته نوعان: الإٍسالة، وغير الإسالة. كما تقول العرب: تمسحت للصلاة. فما كان بالإسالة فهو الغسل ...
وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بالمسح على الخفين وغسل الرجلين (٢) .
والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة كما تخالف الخوارج نحو ذلك مما يتوهمون أنه مخالف لظاهر القرآن؛ بل تواتر غسل الرجلين والمسح على الخفين أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عشرة دراهم أو نحو ذلك.
وفي ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل فإن السرف يعتاد فيها كثيرًا، وفيه اختصار للكلام؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفي بذكر أحد النوعين.
стр. 168
وهذه الآية فيها قراءتان مشهورتان الخفض والنصب.
فالذين قرءوا بالنصب قال غير واحد منهم أعاد الأمر إلى الغسل أي وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والقراءتان كالآيتين.
ومن قال: إنه عطف على محل الجار والمجرور يكون المعنى واسمحوا برءوسكم وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين.
وقولك مسحت الرجل. ليس مرادفًا لقولك: مسحت بالرجل. فإنه إذا عدى بالباء أريد به معنى الإلصاق. أي ألصقت به شيئًا.
وإذا قيل: مسحته لم يقتض ذلك أن يكون ألصقت به شيئًا وإنما يقتضى مجرد المسح باليد بالإجماع.
فتعين إذن أنه مسحه بالماء وهو مجمل فسرته السنة كما في قراءة الجر.
وفي الجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل؛ بل فيه إيجاب المسح فلو قدر أن السنة أوجبت قدرًا زائدًا على ما أوجبه القرآن لم يكن في هذا رفع لموجب القرآن، فكيف إذا فسرته وبينت معناه (١) ؟!
стр. 169
والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ولا أعقابها
في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «وددت أنَّا رأينا إخواننا» قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» ، قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله فقال: «أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» (١) الحديث.
فهذا يبين أن كل من توضأ وغسل وجهه ويديه ورجليه فإن من الغر المحجلين، وهؤلاء جماهيرهم إنما يقدمون أبا بكر وعمر.
والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ولا أعقابها فلا يكونون محجلين في الأرجل.
وقد ثبت في الصحيحن في النبي ﷺ أنه قال: «ويل للأعقاب وبطون الأرجل من النار» (٢) .
стр. 170
خُمس مكاسب المسلمين يؤخذ منهم ويصرف إلى نائب
المعصوم عند الرافضة
الخُمس اختلف اجتهاد العلماء فيه فقالت طائفة سقط بموت النبي ﷺ ، ولا يستحق أحد من بني هاشم شيئًا بالخمس إلا أن يكون فيهم يتيم أو مسكين فيعطى لكونه يتيمًا أو مسكينًا. وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره.
وقالت طائفة: بل هو لقربى ولي الأمر بعده، فكل ولي أمر يعطى أقاربه. وهذا قول طائفة منهم الحسن وأبو ثور فيما أظن، وقد نقل هذا القول عن عثمان ﵁.
وقالت طائفة: بل الخمس يقسم خمسة أخماس بالسوية، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه.
وقالت طائفة بل الخمس إلى اجتهاد الإمام يقسمه بنفسه في طاعة الله ورسوله كما يقسم الفيء، وهذا قول أكثر السلف، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره، وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة.
وأما ما تقوله الرافضة من أن خمس مكاسب المسلمين يؤخذ منهم ويصرف إلى من يرونه هو نائب المعصوم أو إلى غيره فهذا قول لم يقله قط أحد من الصحابة لا علي ولا غيره ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من القرابة لا بني هاشم ولا غيرهم.
стр. 171
وكل من نقل هذا عن علي أو علماء أهل بيته كالحسن والحسين وعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد فقد كذب عليهم فإن هذا خلاف المتواتر من سيرة علي ﵁ فإنه قد تولى الخلافة أربع سنين وبعض أخرى ولم يأخذ من أموالهم شيئًا، بل لم يكن في ولايته قط خمس مقسوم.
أما المسلمون فما خمَّس هو ولا غيره أموالهم وأما الكفار فإذا غنمت منهم أموال خمست بالكتاب والسنة؛ لكن في عهده لم يتفرغ المسلمون لقتال الكفار بسبب ما وقع بينهم من الفتنة والاختلاف.
وكذلك من المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يخمس أموال المسلمين ولا طالب أحدًا قط من المسلمين بخمس ماله، بل إنما كان يأخذ منهم الصدقات (١) ويقول ليس لآل محمد منها شيء (٢) ، وكان يأمرهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم، وكان ﷺ يقسم ما أفاء الله على المسلمين يقسم الغنائم بين أهلها ويقسم الخمس والفيء (٣) .
стр. 172
الرافضة تبيح المتعة وهي محرمة حتى عند أهل البيت
ثبت عن النبي ﷺ أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد ابن الحنفية عن علي بن أبي طالب ﵁ (١) وأنه قال لابن عباس ﵁ لما أباح المتعة:
стр. 173
«إنك امرؤ تائه إن رسول الله ﷺ حرم المتعة وحرم الحُمُر الأهلية عام خيبر» رواه الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها وأئمة الإسلام في زمنهم مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما ممن اتفق على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح يتلقى بالقبول ليس في أهل العلم من طعن فيه.
وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة ... والصواب أنها بعد أن حرمت عام الفتح لم تحل بعد ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنها (١) .
وأهل السنة يتبعون عمرَ وعليًا ﵄ وغيرهما من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي ﷺ .
والشيعة خالفوا عليًا فيما رواه عن النبي ﷺ واتبعوا قول من خالفه.
стр. 174
وأيضًا فإن الله سبحانه إنما أباح في كتابه الزوجة وملك اليمين.
والتمتع بها ليست واحدة منهما، فإنها لو كانت زوجة لتوارثا ولوجب عليها عدة الوفاة ولحقها الطلاق الثلاث؛ فإن هذه أحكام الزوجة في كتاب الله تعالى قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١) والمستمتَعُ بها بعد التحريم ليست زوجة ولا ملك يمين فتكون حرامًا بنص القرآن.
أما كونها ليست مملوكة فظاهر.
وأما كونها ليست زوجة فلانتفاء لوازم النكاح فيها، فإن من لوازم النكاح كونه سببًا للتوارث وثبوت عدة الوفاة فيه والطلاق الثلاث وتنصيف المهر بالطلاق قبل الدخول وغير ذلك من اللوازم.
وأما قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال؛ فإنه لم يقل وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى؛ بل قال: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع سواء كان حلالاً أو وطيء شبهة؛ ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق، والمتمتع إذا اعتقد حل المتعة وفعلها فعليه المهر. وأما الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية فإنه
стр. 175
لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها لكان زنًا ولا مهر فيه، وإن كانت مستكرهة ففيه نزاع مشهور (١) .
стр. 176
زيادتهم في الأذان حي على خير العمل
وهم قد زادوا في الأذان شعارًا لم يكن على عهد النبي ﷺ ولا نقل أحد أن النبي ﷺ أمر بذلك في الأذان، وهو قولهم (حي على خير العمل) وغاية ما ينقل إن صح النقل أن بعض الصحابة كابن عمر ﵄ كان يقول ذلك أحيانًا على سبيل التوكيد.
كما كان بعضهم يقول بين الندائين: (حين على الصلاة حي على الفلاح) وهذا يسمى نداء الأمراء، وبعضهم يسميه التثويب- رخص فيه بعضهم وكرهه أكثر العلماء ورووا عن ابن عمر وابنه وغيرهما كراهية ذلك.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان الذي كان يؤذن به بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة وأبو محذورة بمكة وسعد القرظ في قباء لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي، ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه كما نقلوا ما هو أيسر منه، فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذكر هذه الزيادة علم أنها بدعة باطلة.
وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي ﷺ ، ومنه تعلموا الأذان، وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد قباء، وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة.
ومعلوم أن نقل المسلمين للأذان أعظم من نقلهم إعراب آية كقوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ونحو ذلك.
ولا شيء أشهر في شعائر الإسلام من الأذان فنقله أعظم من نقل
стр. 177
سائر شعائر الإسلام.
وإن قيل فقد اختلف في صفته.
قيل: بل كل ما ثبت به النقل فهو صحيح سنة.
ولا ريب أن تعليم النبي ﷺ أبا محذورة الأذان وفيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان (١) ، (٢) .
ذكر غير الشهادتين في الأذان من أعظم الضلال
كما أن الشهادتين ليس فيهما إلا ذكر الله ورسوله لا في الأذان ولا في الصلاة ولا غير ذلك- فلو ذكر غير الله ورسوله من الأئمة كان ذلك من أعظم الضلال (٣) .
стр. 178
تخصيص علي بالصلاة عليه دون غيره خطأ
الشيعة تخص عليًا بالصلاة عليه دون غيره ويجعلون ذلك كأنه مأمور في حقه بخصوصه دون غيره وهذا خطأ بالاتفاق، فالله تعالى أمر بالصلاة على نبيه ﷺ وقد فسر النبي ﷺ ذلك بالصلاة عليه وعلى آله- فيصلي على جميع آله تبعًا له، وآل محمد عند الشافعي وأحمد الذين حرمت عليهم الصدقة.
وذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنهم أمة محمد ﷺ .
وقالت طائفة من الصوفية: إنهم الأولياء من أمته وهم المؤمنون المتقون.
والذي قالته الحنفية وغيرهم أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إلا عليّ دون الصحابة فإذا صلى على عليّ ظن أنه منهم فيكره لئلا يظن به أنه رافضي.
فإما إذا علم أنه يصلي على عليّ وعلى سائر الصحابة لم يكره ذلك. وهذا القول يقوله سائر الأئمة فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبًا. ومن هنا ذهب مَنْ ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارًا لهم. فإنه وإن لم يكن الترك واجبًا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب.
لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع
стр. 179
دائمًا. ولم يوجب أهل السنة الصلاة على غير النبي ﷺ لا أئمتهم ولا غيرهم لأن إيجاب هذا من البدع المضلة المخالفة لشريعة الله تعالى (١) .
стр. 180
الترضي عن علي وحده أو الاثني عشر بدعة منكرة
أو نقشهم على حائط أو تلقينهم لميت. قصدهم من ذلك
أهل السنة لا يقولون إن ذكر الخلفاء في الخطبة فرض؛ بل يقولون إن الاقتصار على عليّ وحده أو ذكر الاثنى عشر هو البدعة المنكرة التي لم يفعلها أحد لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بني أمية ولا من بني العباس.
كما يقولون: إن سب علي أو غيره من السلف بدعة منكرة. وأعظم من ذلك نقشهم على حائط أو تلقينهم لميت فهذا هو البدعة المنكرة التي تعلم بالاضطرار من دين الإسلام، لأنها من أعظم الأمور المبتدعة في دين الإسلام.
مع أن الذين يذكرونهم قصدهم معاداة سائر المسلمين، والاستعانة على ذلك بالكفار والمنافقين، وإطفاء ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق الذي وعد الله أن يظهره على الدين كله، وفتح باب الزندقة والنفاق لمن يريد إفساد الملة.
ولو ترك الخطيب ذكر الأربعة لم ينكر عليه.
وإنما المنكر الاقتصار على واحد دون الثلاثة السابقين الذين كانت خلافتهم أكمل، وسيرتهم أفضل، كما أنكر عمر على أبي موسى ذكره دون أبي بكر مع أن عمر كان هو الحي خليفة الوقت (١) .