آل رسول الله ﷺ وأولياؤه
مَوقف أهل السُنَّة وَالشِّيعَة
من عقائدهم، وفضائلهم، وفقههم، وفقهَائهم
أصول فِقه الشِّيعَة وَفقهِهم
بَحث لخصَهُ ورَتَّبَهُ
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسِم
من
منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية
قدس الله روحه
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله الذي بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما شهد هو أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي ختم به أنبياءه، وهدى به أولياءه وبعثه بقوله في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ صلى الله (عليه) أفضل صلاة وأكمل تسليم (١) .
أما بعد:
فهذا بحث جمعت أصوله من (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀ يتعلق ببيان موقف أهل السنة والشيعة من عقائد آل رسول الله ﷺ وأوليائه وفضائلهم وفقههم وفقهائهم وأصول فقه الشيعة وفقههم.
وقد قمت بهذا العمل رغبة في تبصير الناس بحقائق عقائدهم، ودلالة
стр. 3
لهم على الطريق الأسلم الذي ينجو سالكه، ورغبة في أن يجد شباب الشيعة فيه ما يدلهم على الحق ويكشف لهم الباطل. وحاملي على ذلك كله النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ .
وعملي في هذا البحث يتمثل في الآتي:
١- ترتيب مسائله.
٢- أبرزت المسائل بعنوانات توضحها.
٣- وضعت أرقام الآيات وسورها.
٤- خرجت ما فيه من الأحاديث، واعتمدت طبعة المكتبة الإسلامية- استانبول- تركيا بالنسبة إلى الصحيحين.
٥- أحلت على المراجع التي نقلت منها.
٦- اعتمدت على طبعتين من منهاج السنة النبوية: طبعة مكتبة الرياض الحديثة في الجزئين الأول والثاني، وطبعة المطبعة الأميرية ببولاق مصر عام ١٣٢٢هـ وراجعت في بعض ما أشكل منها على طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.
محمد بن عبد الرحمن بن قاسم
١٤٠٧هـ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
آل محمد ﷺ
الصحيح أن آل محمد هم أهل بيته. وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد وهو اختيار الشريف أبي جعفر وغيرهم.
جميع بني هاشم داخلون في هذا كالعباس وولده والحارث بن عبد المطلب وكبنات النبي ﷺ .
وكذا بنو المطلب في أحد القولين.
والصحيح أن أزواجه من آله فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه علمهم الصلاة عليه: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» (١) ولأن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته وامرأة لوط من آله وأهل بيته بدلالة القرآن (٢) فكيف لا يكون أزواج محمد من آله وأهل بيته؛ ولأن هذه الآيات:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
стр. 5
وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب ليس مختصًا بأزواجه بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك، ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم.
والعترة هم بنو هاشم كلهم، وسيد العتر هو رسول الله ﷺ (٢) .
стр. 6
أولياء محمد ﷺ -
أقاربه ﷺ فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر، فإن كان فاضل منهم كعلي ﵁ وجعفر والحسن والحسين ففضلهم بما فيهم من الإيمان والتقوى، فهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النسب.
وأولياؤه أعظم درجة من آله، وإن صلي على آله تبعًا لم يقتض ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه الذين لم يصل عليهم؛ فإن الأنبياء والمرسلين هم من أوليائه وهم أفضل من أهل بيته وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعًا.
فالمفضول قد يختص بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل.
ودليل ذلك أن أزواجه هم ممن يصلى عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين (١) . وقد ثبت باتفاق الناس كلهم أن الأنبياء أفضل منهن كلهن.
وأما الأتقياء من أمته فهم أولياؤه كما ثبت في الصحيحين: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء وإنما وليِي الله وصالح المؤمنين» (٢) .
فبين أن أولياءه صالح المؤمنين، وكذلك في حديث آخر: «إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا» (٣) وقد قال تعالى:
стр. 7
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ، وفي الصحيح عنه أنه قال: «وددت أني رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني» (٢) .
وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الدين والإيمان والتقوى، وهذه القرابة الدينية أعظم من القرابة الطبيعية، والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان (٣) .
стр. 8
عقائد الصحابة والقرابة
وموقف أهل السنة والشيعة منها
عقائد الصحابة ﵃ -
الصحابة رضوان الله عليهم لم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام: لا في التوحيد، ولا في القدر، ولا في الإمامة، ولا في مسائل الأحكام- لم يختلفوا في شيء من ذلك بالاختصام بالأقوال فضلاً عن الاقتتال بالسيف؛ بل كانوا مثبتين لصفات الله التي أخبر بها عن نفسه، نافين عنها تمثيلها بصفات المخلوقين.
مثبتين للقدر كما أخبر الله به ورسوله. مثبتين للأمر والنهي والوعيد والوعد، مثبتين لحكمة الله في خلقه، وأمره، مثبتين لقدرة العبد واستطاعته ولفعله مع إثباتهم للقدر.
ثم لم يكن في زمنهم من يحتج للمعاصي بالقدر، ويجعل القدر حجة لمن عصى أو كفر، ولا من يكذب بعلم الله وإحسانه ومَنِّه على أهل الإيمان والطاعة وأنه هو الذي أنعم عليهم بالإيمان والطاعة وخصهم بهذه النعمة دون أهل الكفر والمعصية.
ولا من ينكر افتقار العبد إلى الله في كل طرفة عين، وأنه لا حول ولا قوة إلا به في كل دق وجل.
ولا من يقول إنه يجوز أن يأمر بالكفر والشرك وينهى عن عبادته وحده، ويجوز أن يدخل إبليس وفرعون الجنة، ويدخل الأنبياء النار، وأمثال ذلك.
стр. 9
فلم يكن فيهم من يقول بقول القدرية النافية، ولا القدرية الجبرية الجهمية.
ولا كان فيهم من يقول بتخليد أحد من أهل القبلة في النار، ولا من يكذب بشفاعة النبي ﷺ ، في أهل الكبائر.
ولا من يقول إيمان الفساق كإيمان الأنبياء.
بل ثبت عنهم بالنقول الصحيحة القول بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بشفاعة النبي، وأن إيمان الناس يتفاضل، وأن الإيمان يزيد وينقص.
ولا كان في الصحابة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا أئمة، ولا كانت خلافتهم (١) صحيحة، ولا من يقول: إن خلافتهم ثابتة بالنص، ولا من يقول: إن بعد مقتل عثمان كان غير علي أفضل منه ولا أحق منه بالإمامة.
فهذه القواعد التي اختلف فيها من بعد الصحابة لم يختلفوا فيها بالقول ولا بالخصومات فضلاً عن السيف. ولا قاتل أحد منهم على قاعدة في الإمامة. فقبل علي لم يكن قتال في الإمامة ولا في الولاية.
فمن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقًا على الهدى والرشد وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك إذ يقول:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 10
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) .
كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعًا على الهدى وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة؛ لأنهم أكمل اعتصامًا بحبل الله الذي هو كتابه المنزل وما جاء به نبيه المرسل.
وكل من كان أقرب إلى الاعتصام بحبل الله وهو اتباع الكتاب والسنة كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح، وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة (٢) .
стр. 11
عقائد أئمة أهل البيت ﵃
وأئمة أهل البيت كعلي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس ومن بعدهم كلهم متفقون على ما اتفق عليه سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان من إثبات الصفات والقدر. والكتب المشتملة على المنقولات الصحيحة مملوءة بذلك.
وليس في أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد من ينكر الرؤية ولا من يقول بخلق القرآن، ولا ينكر القدر، ولا يقول بالنص على عليّ، ولا بعصمة الأئمة الاثني عشر، ولا يسب أبا بكر وعمر.
والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة وكانت مما يعتمد عليه أهل السنة (١) .
وشيوخ الرافضة معترفون بأن هذا الاعتقاد في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة ولا عن أئمة أهل البيت، وإنما يزعمون أن العقل دلهم عليه، كما يقول ذلك المعتزلة.
وإنما يزعم الرافضة أنهم تلقوا عن الأئمة الشرائع (٢) .
стр. 12
التوحيد - أقسامه الثلاثة
التوحيد ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء. وهذا هو التوحيد الذي كان يقر به المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) .
وإقرار المشرك بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله، ولا يصير الرجل بمجرده مسلمًا فضلاً عن أن يكون وليًا لله أو من سادات الأولياء إن لم يقترن به إقراره بأن لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة إلا هو وأن محمدًا رسول الله.
الثاني توحيد الأسماء والصفات: وهو يتضمن إثبات نعوت الكمال لله بإثبات أسمائه الحسنى وما تتضمنه من صفاته.
الثالث توحيد الألوهية: المتضمن توحيد الربوبية بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا فيكون الدين كله لله، ولا يخاف إلا الله، ولا يدعو إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ويكون الله أحب إلى العبد من كل شيء.
стр. 13
كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه، كما بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن.
فالقسمان الأولان براءة من التعطيل. والثالث براءة من الشرك.
وأصل الشرك إما تعطيل مثل تعطيل فرعون موسى والذي حاج إبراهيم في ربه والدجال مسيح الضلال خصم مسيح الهدى عيسى ابن مريم ﷺ .
وإما الإشراك وهو كثير في الأمم أكثر من التعطيل، وأهله خصوم الأنبياء، وفي خصوم إبراهم ومحمد ﷺ معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل. وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال وهو مستلزم لتعطيل الذات (١) .
стр. 14
مذهب السلف في توحيد الأسماء والصفات
وفي القرآن ، والرؤية (١)
مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل- يثبتون لله ما أثبته من الصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) رد على المعطلة. ومن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المذموم.
وفي القرآن
وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليمًا، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ (٣) وأن لله علمًا وقدرة ونحو ذلك ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة، حتى إن أبا القاسم الطبري
стр. 15
الحافظ لما ذكر في كتابه في «شرح أصول السنة» (١) مقالات السلف والأئمة في الأصول ذكر من قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الأعصار ومُضِيِّ السنين والأعوام وفيهم من نحو مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم (٢) .
وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ من وجهين أنهم قالوا لله يوم صفين: حكمت رجلين: فقال: ما حكمت مخلوقًا، ما حكمت إلا القرآن (٣) .
وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قال رجل: اللهم رب القرآن اغفر له. فوثب إليه ابن عباس فقال: مه؟! القرآن منه (٤) .
وعن جعفر الصادق وهو مشهور عنه أنهم سألوه عن القرآن أخالق هو، أو مخلوق؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام
الله ... (٥) .
وكفَّر الشافعي حفصًا الفرد لما قال: القرآن مخلوق (٦) .
стр. 16
وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
وفي الرؤية
وكان السلف يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وأن الله لا يُرى في الآخرة جهميًا؛ فإن جهمًا أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك.
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد- فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة أو أنه يُرى في الآخرة وأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق يقولون إنه مشبه ليس بموحد (١) .
стр. 17
الشيعة مخالفون لإجماع أهل البيت مع مخالفتهم
لإجماع الصحابة في عامة أصولهم التي فارقوا فيها
أهل السنة والجماعة
لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت لا الاثنى عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي ﵁ وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة: توحيدهم، وعدلهم، وإمامتهم.
فإن الثابت عن علي ﵁ وأئمة أهل البيت من إثبات الصفات لله وإثبات القدر وإثبات خلافة الخلفاء الثلاثة وإثبات فضيلة أبي بكر وعمر ﵄ وغير ذلك من المسائل كلها يناقض مذهب الرافضة. والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم (١) بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل اليبت يوجب علمًا ضروريًا بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون.
لا ريب أن الإمامية متفقون على مخالفة إجماع العترة النبوية مع مخالفة إجماع الصحابة؛ فإنه لم يكن في العترة النبوية بني هاشم على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعثمان وعلي ﵃ من يقول بإمامة اثني عشر ولا بعصمة أحد بعد النبي ﷺ ولا يكفر الخلفاء الثلاثة، بل ولا من يطعن في إمامتهم؛ بل ولا من ينكر الصفات ولا من يكذب بالقدر (٢) .
стр. 18
توحيد الإمامية
أصول الدين عند الإمامية أربعة:
التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة (١)
اختلاف الشيعة الإمامية في توحيدهم
قدماء الإمامية غلوا في التشبيه والتجسيم؛ فإن التشبيه والتجسيم المخالف للعقل والنقل لا يعرف في أحد من طوائف الأمة أكثر منه في طوائف الشيعة. وهذه كتب المقالات كلها تخبر عن أئمة الشيعة المتقدمين من المقالات المخالفة للعقل والنقل في التشبيه والتجسيم بما لا يعرف نظيره عن أحد من سائر الطوائف.
ومتأخروهم غلوا في النفي والتعطيل وأدخلوا في التوحيد نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة، وزعموا أن ذلك تنزيه.
وما ذكروه من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيص لله.
بيان ذلك أن قول الجهمية نفاة الصفات يتضمن وصف الله بسلب صفات الكمال التي يشابه فيها الجمادات والمعدومات.
فإذا قالوا: إنه لا يقوم به حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام
стр. 19
ولا مشيئة ولا حب ولا بغض ولا رضا ولا سخط ولا يرى ولا يفعل بنفسه فعلاً ولا يقدر أن يتصرف بنفسه كانوا قد شبهوه بالجمادات المنقوصات، وسلبوه صفات الكمال؛ فكان هذا تنقيصًا وتعطيلاً لا تنزيهًا.
وإنما التنزيه أن ينزه عن النقائص المنافية لصفات الكمال- فينزه عن الموت والسِّنَة والنوم والعجز والجهل والحاجة كما نزَّه نفسه في كتابه؛ فيجمع له بين إثبات صفات الكمال ونفي النقائص المنافية للكمال، وينزه في صفات الكمال أن يكون له فيها مثل من الأمثال (١) .
متى حدث هذا الغلو وهذا التعطيل فيهم؟
كان متكلمو الشيعة كهشام بن الحكم وهشام الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين وزرارة بن أعين وأبى مالك الحضرمي وعلي بن ميثم وطوائف كثيرين هم أئمة الإمامية قبل المفيد والطوسي والموسوي والحلي ... يزيدون في إثبات الصفات على مذهب أهل السنة بما يقوله أهل السنة والجماعة، فلا يمنعون بأن القرآن غير مخلوق؛ وأن الله يُرى في الآخرة وغير ذلك من مقالات أهل السنة والحديث حتى يبتدعون في الغلو في الإثبات والتجسيم والتنقيص والتمثيل ما هو معروف من مقالاتهم التي ذكرها الناس ويحكى عنهم فيه شناعات ...
ولكن في أواخر المائة الثالثة دخل مَنْ دخل مِن الشيعة في أقوال المعتزلة كابن النوبختي صاحب كتاب «الآراء والديانات» وأمثاله.
стр. 20
وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعه كالموسوي الملقب بالمرتضى والطوسي.
ولهذا نجد المصنفين في المقالات- كالأشعري- لا يذكرون عن أحد من الشيعة أنه وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم إلا عن بعض متأخريهم؛ وربما يذكرون عن قدمائهم إثبات التجسيم وإثبات القدر وغيره.
وأول من عرف في الإسلام أنه قال: إن الله جسم له طول وعرض وعمق هو هشام بن الحكم وهشام بن سالم كما تقدم ذكره (١) .
وقد كان ابن الراوندي وأمثاله من المعروفين بالزندقة والإلحاد صنفوا لهم كتبًا أيضًا عن أصولهم.
فإن كان هذا هو الحق فقدماؤهم كلهم ضُلاَّل، وإن كان ضلالاً فمتأخروهم هم الضلال (٢) .
стр. 21
متأخرو الرافضة أشبهوا النصارى في الشرك (١)
الرافضة أشبهوا النصارى؛ فإن الله أمر بطاعة الرسل فيما أمروا به وتصديقهم فيما أخبروا به ونهى الخلق عن الغلو والإشراك بالله تعالى فبدلت النصارى دين الله تعالى فغلوا في المسيح فأشركوا به، وبدلوا دينه فعصوه، فصاروا خارجين عن أصلي الدين: وهما الإقرار لله بالوحدانية؛ ولرسله بالرسالة.
فالغلو أخرجهم عن التوحيد حتى قالوا بالتثليث والاتحاد، وأخرجهم عن طاعة الرسول وتصديقه حيث أمرهم أن يعبدوا الله ربه وربهم فكذبوه في قوله إن الله ربه وعصوه فيما أمرهم به.
وكذلك الرافضة غلوا في الرسل بل في الأئمة حتى اتخذوهم أربابًا من دون الله- فتركوا عبادة الله وحده لا شريك له التي أمرهم بها الرسل، وكذبوا الرسول فيما أخبر به من توبة الأنبياء واستغفارهم- فتجدهم يعطلون المساجد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فلا يصلون فيها جماعة ولا جمعة، وليس لها عندهم كبير حرمة، وإن صلوا فيها صلوا فيها وحدانا.
ويعظمون المشاهد المبنية على القبور فيعكفون عليها مشابهة للمشركين، ويحجون إليها كما يحج الحاج إلى البيت العتيق. ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم من الحج إلى الكعبة؛ بل يسبون من لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرضه الله تعالى على عباده ومن لا يستغني
стр. 22
بها عن الجمعة والجماعة، وهذا من جنس دين المشركين الذين يفضلون عبادة الأوثان على عبادة الرحمن، قال الله تعالى:
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (١) .
وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا» (٢) .
وقد قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» [رواه مسلم] (٣) وقال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٤) وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) .
وقد صنف شيخهم ابن النعمان المعروف عندهم بالمفيد وهو شيخ الموسوي والطوسي كتابا سماه: «مناسك حج المشاهد» جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة البيت الحرام الذي جعله الله قيامًا للناس وهو أول بيت وضع للناس فلا يطاف إلا به ولا يصلى إلا
стр. 23
إليه ولا يؤمر إلا بحجه.
وساق الإمام ابن تيمية أحاديث إلى أن قال: والإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع.
فالنصارى خرجوا عن الأصلين: وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم (١) .
ويوجد بعض هذا الغلو في طائفة من أهل النسك والزهد والعبادة.
فإن قيل: ما وصفت به الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في كثير من المنتسبين إلى السنة، فإن في كثير منهم غلوًّا في مشايخهم وإشراكًا بهم وابتداعًا لعبادات غير مشروعة، وكثير منهم يقصد قبر من يحسن الظن به إما ليسأله حاجاته وإما ليسأل الله تعالى به، وإما لظنه أن الدعاء عند قبره أجوب منه في المساجد، ومنهم من يفضل زيارة قبور شيوخهم على الحج، ومنهم من يجد عند قبر من يعظمه من الرقة والخشوع ما لا يجده في المساجد والبيوت وغير ذلك مما يوجد في الشيعة، ويروون أحاديث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قولهم: لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه الله به، وقولهم: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور. وقولهم: قبر فلان الترياق المجرب. وروي عن بعض شيوخهم أنه قال لصاحبه: إذا كانت لك حاجة فتعال إلى قبري واستغث بي ونحو ذلك فإن في المشايخ من يفعل بعد مماته كما كان يفعل في حياته.
وقد يستغيث الشخص بواحد منهم فيتمثل له الشيطان في صورته إما حيًا وإما ميتًا وربما قضى حاجته أو يقضي بعض حاجاته كما يجري
стр. 24
نحو ذلك للنصارى مع شيوخهم ولعباد الأصنام من العرب والهند والترك وغيرهم.
قيل: هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله، وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم منهي عنه سواء كان فاعله منتسبًا إلى سنة أو إلى تشيع، ولكن الأمور المذمومة المخالفة للكتاب والسنة في هذا وغيره هي في الرافضة أكثر منها في أهل السنة- فما يوجد في أهل السنة من الشر ففي الرافضة أكثر منه. وما يوجد في الرافضة من الخير ففي أهل السنة أكثر منه.
وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين- فما يوجد في المسلمين شر إلا وفي أهل الكتاب أكثر منه، ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي المسلمين أعظم منه.
ولهذا يذكر الله سبحانه مناظرة الكفار من المشركين وأهل الكتاب بالعدل، فإذا ذكروا عيبًا في المسلمين لم يبرئهم منه، لكن يبين أن عيوب الكفار أعظم، كما قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ
стр. 25
سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (١) . أي من لعنه الله وجعل منهم الممسوخين وعبد الطاغوت.
ولهذا أكثر ما يوجد الغلو في طائفتين في النصارى والرافضة ويوجد أيضًا في طائفة ثالثة من أهل النسك والعبادة الذين يغلون في شيوخهم ويشركون بهم (٢) .
стр. 26
القدر
الإيمان به، ومذهب أهل السنة وأهل البيت الشامل فيه
مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره هو ما دل عليه الكتاب والسنة وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد.
وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، ولا يشاء شيئًا إلا وهو قادر عليه.
وأنه سبحانه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها.
وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها، وكتابته إياها قبل أن تكون.
والمنقول عن أهل البيت في إثبات الصفات والقدر لا يكاد يحصى، قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد
стр. 27
فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض توحيده تكذيبه (١) .
اختلاف الشيعة في القدر
أثبته متقدموهم، ونفاه متأخروهم وأدخلوا نفيه في (عدلهم) فأشبهوا المجوس
غالب الشيعة الأولى كانوا مثبتين للقدر؛ وإنما ظهر إنكاره في متأخريهم، وأدخلوا في (العدل) التكذيب به (٢) .
فمذهب هؤلاء الإمامية وشيوخهم القدرية أنه ليس على كل شيء قدير.
ومن قولهم أيضًا: إن الله لا يقدر أن يهدي ضالاً ولا يقدر أن يضل مهتديًا، ولا يحتاج أحد من الخلق إلى أن يهديه الله، بل الله قد هداهم هدى البيان.
ومن قولهم: إن هدى الله المؤمنين والكفار سواء ليس له على المؤمنين نعمة في الدين أعظم من نعمته على الكافرين، بل قد هدى علي بن أبي طالب كما هدى أبا جهل، بمنزلة الذي يعطى أحد بنيه دراهم ويعطي الآخر مثلها لكن هذا أنفقها في طاعة الله وهذا أنفقها في معصيته؛ فليس للأب من الإنعام على هذا في دينه أكثر مما له من الإنعام على الآخر.
стр. 28
ومن أقوالهم: إنه يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء.
ولا يقدر أن يقيم قاعدًا باختياره ولا يقعد قائمًا باختياره، ولا يجعل أحدًا مسلمًا مصليًا ولا صائمًا ولا حاجًا ولا معتمرًا، ولا يجعل الإنسان لا مؤمنًا ولا كافرًا، ولا برًا ولا فاجرًا، ولا يخلقه هلوعًا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا.
ومن تمام قول الإمامية الذي وافقوا فيه المعتزلة في توحيدهم وعدلهم من متأخري الشيعة أن الله لم يخلق شيئًا من أفعال الحيوان لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، بل هذه الحوادث تحدث بغير قدرته ولا خلقه.
فهؤلاء يشبهون المجوس في كونهم أثبتوا غير الله يحدث أشياء من الشر بغير مشيئته وقدرته وخلقه.
قال ابن عباس ﵄: الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده ومن وحد الله وكذب بالقدر نقض توحيده تكذيبه.
فقول القدرية يتضمن الإشراك والتعطيل؛ فإنه يتضمن إخراج بعض الحوادث عن أن يكون لها فاعل، ويتضمن إثبات فاعل مستقل غير الله. وهاتان شعبتان من شعب الكفر.
وبيان ذلك أنهم يقولون: إن الإنسان صار مريدًا فاعلًا بإرادته بعد أن لم يكن كذلك بدون محدث أحدث ذلك، وهذا أصل التعطيل.
وأما الشرك فلأنهم يقولون: إن العبد مستقل بإحداث هذا الفعل من غير أن يكون الله جعله محدثًا له.
стр. 29
وهذان «التعطيل، والإشراك في الربوبية» لازم لكل من أثبت فاعلاً مستقلاً غير الله.
وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه، وفعل العبد من جملة الحوادث. وكل ممكن يقبل الوجود والعدم فإن شاء الله كان وإن لم يشأ لم يكن، وفعل العبد من جملة الممكنات، وذلك أن العبد إذا فعل الفعل فنفس الفعل حادث بعد أن لم يكن فلا بد من سبب. وإذا قيل: حدث بالإرادة فالإرادة أيضًا حادثة فلا بد لها من سبب.
فمن قال: إن شيئًا من الحوادث أفعال الملائكة والجن والإنس لم يخلقها الله تعالى فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع السلف والأدلة العقلية.
ولهذا قال بعض السلف: من قال إن كلام الآدميين أو أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن سماء الله وأرضه غير مخلوقة.
وفي الجملة القوم لا يثبتون لله مشيئة عامة، ولا خلقًا متناولاً لكل حادث. وهذا القول أخذوه عن المعتزلة وهم أئمتهم فيه.
ولهذا كانت الشيعة في هذا على قولين: منهم من يقول ذلك، ومنهم من يقول: إنه يخص بعضهم (١) .
الزيدية
والزيدية مقرون بخلافة الخلفاء الثلاثة، وهم من الشيعة، وفيهم قدرية، وغير قدرية (٢) .
стр. 30
اختلاف القدرية في الظلم والعدل. والتحقيق فيه
اختلفت القدرية (١) والجهمية الجبرية في الظلم:
فقالت القدرية: الظلم في حقه هو ما نعرفه من ظلم الناس بعضهم بعضًا. فإذا قيل إنه خالق أفعال العباد وإنه مريد لكل ما وقع وقيل مع ذلك: إنه يعذب العاصي كان هذا ظلمًا كظلمنا، وسموا أنفسهم (العدلية) .
وقالت الجهمية: الظلم في حقه هو ما يمتنع وجوده. فأما كل ما يمكن وجوده فليس بظلم؛ فإن الظلم إما مخالفة أمرِ مَنْ تجب طاعته، وإما التصرف في ملك الغير بغير إذنه والرب ليس فوقه آمر ولا لغيره ملك بل إنما يتصرف في ملكه فكل ما يمكن فليس بظلم؛ بل إذا نعَّمَ فرعون وأبا جهل وأمثالهما ممن كفر به وعصاه، وعذب موسى ومحمدًا ممن آمن به وأطاعه فهو مثل العكس فالجميع بالنسبة إليه سواء.
والقدرية يقولون: إن الله سوَّى بين المكلفين في القدرة ولم يخص المؤمنين بما فضلهم به على الكفار حتى آمنوا، ولا فضل المطيعين بما فضلهم به على العصاة حتى أطاعوا. وهذا من أقوال القدرية والمعتزلة وغيرهم التي خالفوا بها الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح.
ومن اعتقد أن مِنَّته على المؤمنين بالهداية دون الكافرين ظلم منه فهذا جهل لأن هذا تفضل منه كما قال تعالى:
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 31
صَادِقِينَ﴾ (١) ، فتخصيص هذا بالإيمان كتخصيص هذا بمزيد صحة وعلم وقوة وحال ومال، قال تعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢) ، ولهذا قيل: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل.
والظلم الذي هو ظلم أن يعاقب الإنسان على ظلم غيره قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٣) .
قال المفسرون: الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره. والهضم أن ينقص من حسناته، فجعل سبحانه عقوبته بذنب غيره ظلمًا ونزه نفسه عنه.
فأما عقوبته على فعله الاختياري وإنصاف المظلومين من الظالمين فهو من كمال عدل الله تعالى.
وقول الجمهور من مثبتي القدر ونفاته: إن الظلم مقدور لله ممكن، والله سبحانه لا يفعله لعدله، فهو منزه عنه؛ ولهذا مدح نفسه حيث أخبر أنه لا يظلم الناس شيئًا؛ والمدح يكون بترك المقدور عليه لا بترك الممتنع.
ولا نزاع بين المسلمين أن الله عادل ليس ظالمًا؛ لكن ليس كل
стр. 32
ما كان ظلمًا من العبد يكون ظلمًا من الرب، ولا ما كان قبيحًا من العبد يكون قبيحًا من الرب؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (١) .
стр. 33
النبوة
عصمة الأنبياء، وغلو الرافضة الإمامية فيها
الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة؛ فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ.
وتنازعوا هل يجوز أن يسبق على لسانه ما يستدركه الله تعالى ويبينه له بحيث لا يقره على الخطأ كما نقل أنه ألقى على لسانه (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ثم إن الله نسخ ما ألقاه الشيطان وأحكم آياته. فمنهم من لم يجوز ذلك، ومنهم من جوزه، إذ لا محذور فيه.
ولا يقرون على فسق ولا كذب.
ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه.
وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها فلا يصدر منهم ما يضرهم كما جاء في الأثر: كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة. والله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإن العبد ليفعل السيئة فيدخل بها الجنة.
وقد ذكر الله في القرآن أن لوطًا آمن لإبراهيم وبعثه الله نبيًّا.
وقال شعيب:
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ
стр. 34
مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (١) . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِنَا﴾ (٢) وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر ثم نبأهم بعد توبتهم وهم الأسباط الذين أمرنا أن نؤمن بما أوتوا في سورة البقرة وآل عمران والنساء.
وإذا كان في هؤلاء من صار نبيًا فمعلوم أن الأنبياء أفضل من غيرهم. وهذا مما تُنَازِعُ فيه الرافضة وغيرهم، ويقولون: من صدر منه ذنب لا يصير نبيًا؛ لكن الاعتبار بما دل عليه الكتاب والسنة.
وعمدتهم أن التائب من الذنب يكون مذمومًا ناقصًا لا يستحق النبوة ولو صار من أعظم الناس طاعة. وهذا هو الأصل الذي نوزعوا فيه. والكتاب والسنة يدلان على بطلان قولهم فيه.
فإنهم سلبوهم ما أعطاهم الله من الكمال وعلو الدرجات بحقيقة التوبة والاستغفار والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه، وكذبوا ما أخبر الله به من ذلك، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وظنوا أن انتقال الآدمي من الجهل إلى العلم ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشاد تنقصًا، ولم يعلموا أن هذا من أعظم نعم الله وأعظم قدرته حيث ينقل العباد من النقص إلى الكمال، وأنه قد يكون الذي يذوق الشر والخير ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير، كما قال عمر ﵁: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» .
فالإمامية الاثنا عشرية يقولون: إن أصول الدين أربعة:
стр. 35
التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة. وهم مختلفون في التوحيد والعدل والإمامة.
فأما النبوة فغايتهم أن يكونوا مقرين بها كإقرار سائر الأمة.
لكن غلوهم في الأنبياء لم يوافقهم عليه أحد، اللهم إلا أن يكون من غلاة جهال النساك فإن بينهم وبين الرافضة قدرًا مشتركًا في الغلو، وفي الجهل وفي الانقياد لما لا تعلم صحته. والطائفتان يشبهان النصارى في ذلك (١) .
стр. 36
الإمامية
الإمام المعصوم هو الرسول
ولا مصلحة في عصمة إمام إلا وهي حاصلة بعصمته
الإمام المعصوم هو رسول الله ﷺ ، وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد، والأمة تعرف أمره ونهيه.
وورثته الذين ورثوا علمه يصدقون في الإخبار عنه.
والعلم الديني الذي تحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان:
«علم كلي» كإيجاب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والحج وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك.
و «علم جزئي» كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا ونحو ذلك.
فأما الأول فالشريعة مستقلة به لا تحتاج فيه إلى الإمام؛ فإن النبي ﷺ إما أن يكون نص على كليات الشريعة التي لابد منها أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس.
فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني فذلك القدر يحصل بالقياس.
وأما «الجزئيات» فهذا لا يمكن النص على أعيانها؛ بل لابد فيها من الاجتهاد المسمى «بتحقيق المناط» كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، ونفقة هذه الزوجة، ووقوع الطلاق بهذا الزوج، وإقامة
стр. 37
الحد على هذا المفسد، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يمكن نبي ولا أحد من الخلق أن ينص على كل فرد منه، لأن أفعال بني آدم وأعيانهم يعجز عن معرفة أعيانها الجزئية علم واحد من البشر وعبارته.
وإن اكتفي بالكليات فالنبي يمكنه أن ينص على الكليات كما جاء به نبينا ﷺ إذ ذكر ما يحرم من النساء وما يحل ...
وكذلك في الأشربة حرم ما يسكر دون ما لا يسكر، وأمثال ذلك. بل حصر المحرمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وجميع الواجبات في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) الآية.
والواجب محصور في حق الله وحق عباده.
ثم إنه سبحانه فصل أنواع الفواحش والبغي وأنواع حقوق العباد في مواضع أخر.
فتبين بذلك أنه لا مصلحة في عصمة الإمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول ولله الحمد والمنة والواقع يوافق هذا.
ورأينا كل من كان إلى اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كانت مصلحتهم في الدنيا والدين أكمل، وكل من كان أبعد من ذلك كان بالعكس (٣) .
стр. 38
الشيعة من أبعد الناس عن اتباع المعصوم محمد ﷺ
فهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم
بخلاف أهل السنة
ولما كانت الشيعة أبعد الناس عن اتباع المعصوم الذي لا ريب في عصمته وهو رسول الله ﷺ الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد الذي فرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والنور والظلمة وأهل السعادة وأهل الشقاوة وجعله القاسم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد- فأهل السعادة من آمن به، وأهل الشقاوة من كذب به وتولى عن طاعته.
فالشيعة القائلون بالإمام المعصوم ونحوهم من أبعد الطوائف عن اتباع هذا المعصوم؛ فلا جرم تجدهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم، حتى يوجد ممن هو تحت سياسة أظلم الملوك وأضلهم من هو أحسن حالاً منهم، ولا يكون في خير إلا تحت سياسة من ليس منهم.
ولهذا يشبهون اليهود في أحوال كثيرة- ومنها هذا أنه ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وضربت عليهم المسكنة، فلا يعيشون في الأرض إلا بأن يتمسكوا بحبل بعض ولاة الأمور الذي ليس بمعصوم.
стр. 39
ولابد لهم من نسبة إلى الإسلام يظهرون بها ما في قلوبهم، فالرافضة وحدهم لا يقوم أمرهم قط، كما أن اليهود لا يقوم أمرهم قط.
مدائن كثيرة من أهل السنة يقومون بدينهم ودنياهم لا يحوجهم الله إلى كافر ولا رافضي، والخلفاء الثلاثة فتحوا الأمصار وأظهروا الدين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن معهم رافضي.
بل بنو أمية بعدهم مع انحراف كثير منهم عن عليّ وسب بعضهم له غلبوا على مدائن الإسلام كلها من مشرق الأرض إلى مغربها، وكان الإسلام في زمنهم أعز منه فيما بعد ذلك بكثير، ولم ينتظم بعد انقراض دولتهم العامة لما جاءتهم الدولة العباسية صار إلى الغرب عبد الرحمن الداخل إلى المغرب الذي يسمى «صقر قريش» واستولى هو ومن بعده على بلاد المغرب، وأظهروا الإسلام فيها وأقاموه، وقمعوا من يليهم من الكفار، وكانت لهم من السياسة في الدين والدنيا ما هو معروف عند الناس، وكانوا أبعد الناس عن مذاهب أهل العراق فضلاً عن أقوال الشيعة، وإنما كانوا على مذاهب أهل المدينة.
وكان أهل العراق على مذهب الأوزاعي وأهل الشام، وكانوا يعظمون مذهب أهل الحديث، وينصره بعضهم في كثير من الأمور، وهم من أبعد الناس عن مذهب الشيعة.
وقد صار إلى المغرب طوائف من الخوارج والروافض كما كان هؤلاء في المشرق وفي بلاد كثيرة من بلاد الإسلام، ولكن قواعد هذه المدائن لا تستمر على شيء من هذه المذاهب؛ بل إذا ظهر فيها شيء من هذه المذاهب مدة أقام الله ما بعث به محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق يظهر على باطلهم.
стр. 40
وبنو عبيد يتظاهرون بالتشيع واستولوا من المغرب على ما استولوا عليه ثم جاءوا إلى مصر واستولوا عليها مائتي سنة واستولوا على الحجاز والشام نحو مائة سنة وملكوا بغداد في فتنة البساسيري وانضم إليهم الملاحدة في شرق الأرض وغربها، وأهل البدع والأهواء تحب ذلك منهم، ومع هذا فكانوا محتاجين إلى مصانعتهم والتقية لهم.
فإذا علم أن مصلحة غير الشيعة في كل زمان خير من مصلحة الشيعة واللطف لهم أعظم من اللطف للشيعة علم أن ما ذكروه من إثبات العصمة باطل.
قيل لبعض شيوخ الرافضة: إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم؟
فقال: لا. المذهب أنا لا نغزو إلا مع المعصوم.
فقال ذلك المستفتي مع عاميته: والله إن هذا لمذهب نجس. فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا (١) .