← Акыда

Акыда · id 7335

آل رسول الله وأولياؤه

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (199 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإمامية الإمام المعصوم هو الرسول ولا مصلحة في عصمة إمام إلا وهي حاصلة بعصمته الإمام المعصوم هو رسول الله ﷺ ، وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد، والأمة تعرف أمره ونهيه. وورثته الذين ورثوا علمه يصدقون في الإخبار عنه. والعلم الديني الذي تحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان: «علم كلي» كإيجاب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والحج وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك. و «علم جزئي» كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا ونحو ذلك. فأما الأول فالشريعة مستقلة به لا تحتاج فيه إلى الإمام؛ فإن النبي ﷺ إما أن يكون نص على كليات الشريعة التي لابد منها أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس. فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني فذلك القدر يحصل بالقياس. وأما «الجزئيات» فهذا لا يمكن النص على أعيانها؛ بل لابد فيها من الاجتهاد المسمى «بتحقيق المناط» كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، ونفقة هذه الزوجة، ووقوع الطلاق بهذا الزوج، وإقامة

стр. 37

الحد على هذا المفسد، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يمكن نبي ولا أحد من الخلق أن ينص على كل فرد منه، لأن أفعال بني آدم وأعيانهم يعجز عن معرفة أعيانها الجزئية علم واحد من البشر وعبارته. وإن اكتفي بالكليات فالنبي يمكنه أن ينص على الكليات كما جاء به نبينا ﷺ إذ ذكر ما يحرم من النساء وما يحل ... وكذلك في الأشربة حرم ما يسكر دون ما لا يسكر، وأمثال ذلك. بل حصر المحرمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) . وجميع الواجبات في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) الآية. والواجب محصور في حق الله وحق عباده. ثم إنه سبحانه فصل أنواع الفواحش والبغي وأنواع حقوق العباد في مواضع أخر. فتبين بذلك أنه لا مصلحة في عصمة الإمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول ولله الحمد والمنة والواقع يوافق هذا. ورأينا كل من كان إلى اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كانت مصلحتهم في الدنيا والدين أكمل، وكل من كان أبعد من ذلك كان بالعكس (٣) .

стр. 38

الشيعة من أبعد الناس عن اتباع المعصوم محمد ﷺ فهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم بخلاف أهل السنة ولما كانت الشيعة أبعد الناس عن اتباع المعصوم الذي لا ريب في عصمته وهو رسول الله ﷺ الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا الذي أخرج به الناس من الظلمات إلى النور وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد الذي فرق بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والنور والظلمة وأهل السعادة وأهل الشقاوة وجعله القاسم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد- فأهل السعادة من آمن به، وأهل الشقاوة من كذب به وتولى عن طاعته. فالشيعة القائلون بالإمام المعصوم ونحوهم من أبعد الطوائف عن اتباع هذا المعصوم؛ فلا جرم تجدهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم، حتى يوجد ممن هو تحت سياسة أظلم الملوك وأضلهم من هو أحسن حالاً منهم، ولا يكون في خير إلا تحت سياسة من ليس منهم. ولهذا يشبهون اليهود في أحوال كثيرة- ومنها هذا أنه ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وضربت عليهم المسكنة، فلا يعيشون في الأرض إلا بأن يتمسكوا بحبل بعض ولاة الأمور الذي ليس بمعصوم.

стр. 39

ولابد لهم من نسبة إلى الإسلام يظهرون بها ما في قلوبهم، فالرافضة وحدهم لا يقوم أمرهم قط، كما أن اليهود لا يقوم أمرهم قط. مدائن كثيرة من أهل السنة يقومون بدينهم ودنياهم لا يحوجهم الله إلى كافر ولا رافضي، والخلفاء الثلاثة فتحوا الأمصار وأظهروا الدين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن معهم رافضي. بل بنو أمية بعدهم مع انحراف كثير منهم عن عليّ وسب بعضهم له غلبوا على مدائن الإسلام كلها من مشرق الأرض إلى مغربها، وكان الإسلام في زمنهم أعز منه فيما بعد ذلك بكثير، ولم ينتظم بعد انقراض دولتهم العامة لما جاءتهم الدولة العباسية صار إلى الغرب عبد الرحمن الداخل إلى المغرب الذي يسمى «صقر قريش» واستولى هو ومن بعده على بلاد المغرب، وأظهروا الإسلام فيها وأقاموه، وقمعوا من يليهم من الكفار، وكانت لهم من السياسة في الدين والدنيا ما هو معروف عند الناس، وكانوا أبعد الناس عن مذاهب أهل العراق فضلاً عن أقوال الشيعة، وإنما كانوا على مذاهب أهل المدينة. وكان أهل العراق على مذهب الأوزاعي وأهل الشام، وكانوا يعظمون مذهب أهل الحديث، وينصره بعضهم في كثير من الأمور، وهم من أبعد الناس عن مذهب الشيعة. وقد صار إلى المغرب طوائف من الخوارج والروافض كما كان هؤلاء في المشرق وفي بلاد كثيرة من بلاد الإسلام، ولكن قواعد هذه المدائن لا تستمر على شيء من هذه المذاهب؛ بل إذا ظهر فيها شيء من هذه المذاهب مدة أقام الله ما بعث به محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق يظهر على باطلهم.

стр. 40

وبنو عبيد يتظاهرون بالتشيع واستولوا من المغرب على ما استولوا عليه ثم جاءوا إلى مصر واستولوا عليها مائتي سنة واستولوا على الحجاز والشام نحو مائة سنة وملكوا بغداد في فتنة البساسيري وانضم إليهم الملاحدة في شرق الأرض وغربها، وأهل البدع والأهواء تحب ذلك منهم، ومع هذا فكانوا محتاجين إلى مصانعتهم والتقية لهم. فإذا علم أن مصلحة غير الشيعة في كل زمان خير من مصلحة الشيعة واللطف لهم أعظم من اللطف للشيعة علم أن ما ذكروه من إثبات العصمة باطل. قيل لبعض شيوخ الرافضة: إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم؟ فقال: لا. المذهب أنا لا نغزو إلا مع المعصوم. فقال ذلك المستفتي مع عاميته: والله إن هذا لمذهب نجس. فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا (١) .

стр. 41

ولم يقل بعصمة الأئمة إلا الرافضة الإمامية ولم يشركهم فيه إلا من هو شر منهم وأما قوله (١) : وإن الأئمة معصومون كالأنبياء في ذلك، فهذه خاصة الرافضة الإمامية لم يشركهم فيها أحد لا الزيدية الشيعة ولا سائر طوائف المسلمين إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر القائلين بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر. وأولئك ملاحدة منافقون والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير. فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون ظاهرًا وباطنًا ليسوا زنادقة منافقين؛ لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعواهم الباطنية زنادقة منافقون. وأما عوامهم الذين لم يعرفوا باطن أمرهم فقد يكونون مسلمين. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) . ولو كان للناس معصوم غير الرسول ﷺ لأمرهم بالرد إليه. فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول ﷺ . ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة؛ فإن المعصوم يجب اتباعه في كل ما يقول لا يجوز أن يخالف في شيء، وهذه خاصة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم (٣) .

стр. 42

الرافضة أشبهوا النصارى في تفضيل أئمتهم وتسليم الدين لهم النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين، ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب؛ لأنهم يقولون إن الله هو المسيح، ويقولون أيضًا: إن المسيح ابن الله. والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وغاليتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء؛ لأنهم يعتقدون فيهم الإلاهية كما اعتقدته النصارى في المسيح. والنصارى يقولون إن الدين مسلم للأحبار والرهبان- فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه. والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة- فالحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه، والدين ما شرعوه. وأما من دخل في غلو الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم يقولون إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك من المقالات التي هي في الغالية من الرافضة فهؤلاء أشر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذهبهم (١) .

стр. 43

طاعة أهل السنة لولاة الأمور مقيدة وأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) فأمر بطاعة الله مطلقًا، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله. وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك ولم يذكر لهم طاعة ثالثة؛ لأن ولي الأمر لا يطاع طاعة مطلقة وإنما يطاع في المعروف كما قال النبي ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» (٢) ، وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣) ، وقال: «من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» (٤) . وقول هؤلاء الرافضة المنسوبين إلى شيعة علي ﵁: إنه تجب طاعة غير الرسول ﷺ مطلقًا في كل ما أمر به أفسد من قول من كان منسوبًا إلى شيعة عثمان ﵁ من أهل الشام إنه يجب طاعة ولي الأمر مطلقًا، فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود، وهؤلاء يوجبون طاعة معصوم مفقود (٥) .

стр. 44

اشتراط العصمة في الأئمة ليس بمقدور ولا مأمور ضمان العصمة للأمة الله أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس؛ لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سطان ولا قدرة على شيء أصلاً. كما أمر النبي ﷺ بالاجتماع والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقًا، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون معصيته. وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة. إلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى ولا ينزعن يدًا من طاعة» (١) . وفي صحيح مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما

стр. 45

صلوا» (١) . وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور، وأنه يكره وينكر ما يأتونه من معصية الله، ولا ينزعن اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خيارًا وشرارًا، من يُحب ويُدعى له ويحب الناس ويدعو لهم، ومن يبغض ويدعو على الناس ويبغضونه ويدعون عليه. واشتراط العصمة في الأئمة ليس بمقدور ولا مأمور ولم يحصل به منفعة في الدين ولا في الدنيا. والله قد ضمن العصمة للأمة فمن تمام العصمة أن يجعل عددًا من العلماء وإذا أخطأ الواحد في شيء كان الآخر قد أصاب فيه حتى لا يضيع الحق- ومَثَّلَ الشيخ بالمذاهب الأربعة وغيرها (٢) .

стр. 46

وليس الأئمة محصورين في عدد معين وذلك أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) ولم يوقتهم بعدد معين. وكذلك النبي ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه المستفيضة لم يوقت ولاة الأمور في عدد معين- ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف» (٢) . وفي صحيح مسلم عن أم الحصين أنها سمعت النبي ﷺ بمنى أو عرفات في حجة الوداع يقول: «ولو استعمل عليكم أسود مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا» (٣) وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (٤) وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان» (٥) ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم» (٦) وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الناس تبع لقريش في الخير

стр. 47

والشر» (١) ، وفي البخاري عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» (٢) أخرجه في (باب الأمراء من قريش) (٣) .

стр. 48

وعلي لم يدَّع الإمامة قبل قتل عثمان ولا أنه معصوم، أو منصوص عليّ ﵁ لم يدَّع الإمامة قط حتى قتل عثمان، ولم يقل: إني معصوم، ولا أن الرسول جعلني الإمام بعده، ولا أنه أوجب على الناس متابعتي، ولا نحو هذه الألفاظ؛ بل نحن نعلم بالاضطرار أن من نقل هذا ونحوه عنه فهو كاذب عليه، ونحن نعلم أن عليًا كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر الذي تعلم الصحابة كلهم أنه كذب (١) . ولا نص عليه والنص على عليّ ليس في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وأجمع أهل الحديث على بطلانه، حتى قال أبو محمد بن حزم: ما وجدنا قط رواية عن أحد في هذا النص المدعى إلا رواية واهية عن مجهول إلى مجهول يكنى أبا الحمراء لا نعرف من هو في الخلق (٢) . ونقل النص على خلافة عليّ كذب من طرق كثيرة؛ فإن هذا النص لم يبلغه أحد بإسناد صحيح فضلاً عن أن يكون متواترًا، ولا نقل أن أحدًا ذكره على جهة الخفاء، مع تنازع الناس في الخلافة وتشاورهم فيها يوم السقيفة وحين موت عمر وحين جعل الأمر بينهم شورى في ستة، ثم لما قتل عثمان واختلف الناس على عليّ؛ فمن المعلوم أن مثل هذا النص لو كان كما تقوله الرافضة من أنه نص على عليٍّ نصًا جليًا قاطعًا للعذر علمه المسلمون لكان من المعلوم بالضرورة أنه لابد أن ينقله الناس نقل مثله، وأنه لابد أن يذكره كثير من الناس نقل مثله،

стр. 49

بل أكثرهم في مثل هذه المواطن التي تتوفر الهمم على ذكره فيها غاية التوفر، فانتفاء ما يعلم أنه لازم يقتضي انتفاء ما يعلم أنه ملزوم (١) . ولم يشتغل بدفن النبي عن الإمامة وقول القائل: إن عليًا كان مشغولاً بما أمره النبي ﷺ من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره كذب ظاهر، وهو مناقض لما يدعونه، فإن النبي ﷺ لم يدفن إلا بالليل لم يدفن بالنهار. وقيل: إنه إنما دفن الليل المقبلة، ولم يأمر أحدًا بملازمة قبره، ولا لازم عليّ قبره؛ بل قبر في بيت عائشة وعليّ أجنبي منها. ثم كيف يأمره بملازمة قبره وقد أمر بزعمهم أن يكون إمامًا بعده. ولم يشتغل بتجهيزه عليّ وحده بل عليّ والعباس وبنو العباس ومولاه شقران وبعض الأنصار، وأبو بكر وعمر وغيرهما على باب النبي حاضرون غسله وتجهيزه لم يكونوا حينئذ في بني ساعدة. لكن السنة أن يتولى الميت أهل فتولى أهله غسله وتجهيزه، وأخروا دفنه ليصلي عليه المسلمون، فإنهم صلوا عليه أفرادًا واحدًا بعد واحد رجالهم ونساؤهم خلق كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء (٢) . و لم يكن أبو بكر في جيش أسامة لئلا ينازع عليًا وأهل الفرية يزعمون أن الجيش كان فيه أبو بكر وعمر، وأن مقصود الرسول كان إخراجهما لئلا ينازعا عليًا. وهذا إنما يكذبه

стр. 50

ويفتريه من هو أجهل الناس بأحوال الرسول والصحابة وأعظم الناس تعمدًا للكذب، وإلا فالرسول طول مرضه يامر أبا بكر أن يصلي بالناس والناس كلهم حاضرون، ولو ولى رسول الله ﷺ على الناس من ولاه لأطاعوه، وكان المهاجرون والأنصار يحاربون من نازع أمر الله ورسوله وهم الذين نصروا دينه أوَّلاً وآخرًا ... فياليت شعري ممن كان يخاف الرسول فقد نصره الله وأعزه وحوله المهاجرون والأنصار الذين لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا (١) .

стр. 51

مذهب الزيدية في إمامة علي ومن بعده والزيدية خير من الإمامية. وأشبههم بالإمامية هم الجارودية أتباع ابن الجارود الذين زعموا أن النبي ﷺ نص على عليّ بالوصف لا بالتسمية فكان هو الإمام من بعده، وأن الناس ضلوا أو كفروا بتركهم الاقتداء به بعد رسول الله ﷺ ، ثم الحسن هو الإمام، ثم الحسين. ثم من هؤلاء من يقول إن عليًا نص على إمامة الحسن، والحسن نص على إمامة الحسين، ثم هي شورى في ولدهما- فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربه وكان فاضلاً فهو إمام. والفرقة الثانية من الزيدية السليمانية أصحاب سليمان بن جرير يزعمون أن الإمامة شورى، وأنها تعلم بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح للمفضول وإن كان الفاضل أفضل في كل حال، ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر. وقد قيل: إنها كانت خطأ لا يفسق صاحبها لأجل التأويل. والثالثة الكثيرية يزعمون أن عليًا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن عليًا ترك ذلك لهما. ويقفون في عثمان وقتله ولا يقدمون عليه بإكفار (١) كما يحكى عن السليمانية. وهذه الطائفة أمثل الشيعة

стр. 52

ويسمون أيضًا الصالحية. ثم كل من كان أعلم بالرسول وأحواله كان أعلم ببطلان مذهب الزيدية وغيرهم ممن يدعي نصًا خفيًا وأن عليًا كان أفضل من الثلاثة أو يتوقف في التفضيل؛ فإن هؤلاء إنما وقعوا في الجهل المركب أو البسيط لضعف علمهم بما علمه أهل العلم بالأحاديث والآثار (١) .

стр. 53

ولا نص على بقية الاثني عشر دعوى الاثني عشرية أن النبي ﷺ قال للحسن: «هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم» ... والجواب من وجوه: أحدها: أن سائر فرق الشيعة تكذب هذا النص إلا الاثني عشرية وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. الثاني: أن يقال: هذا معارض بما نقله غير الاثني عشرية من الشيعة من نص آخر يناقض هذا كالقائلين بإمامة غير الاثنى عشر، وبما نقله الراوندية أيضًا؛ فإن كلاً من هؤلاء يدعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية. الثالث: أن يقال: إن علماء الشيعة المتقدمين ليس فيهم من نقل هذا النص ولا ذكره في كتاب، ولا احتج به في خطاب، وإنما اختلق هذا لما مات الحسن بن علي العسكري وقيل: إن ابنه محمدًا غائب، فحينئذ ظهر هذا النص بعد موت النبي ﷺ بنحو مائتين وخمسين سنة. الرابع: أن يقال: أهل السنة وعلماؤهم أضعاف أضعاف الشيعة كلهم يعلمون أن هذا كذب على رسول الله ﷺ علمًا يقينيًا لا يخالطه الريب ويباهلون على ذلك. الحادي عشر: أن المنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذب مثل هذا النقل، وأنهم لم يكونوا يدعون أنه منصوص عليهم؛ بل يكذبون من يقول ذلك فضلاً عن أن يثبتوا النص على اثنى عشر (١) .

стр. 54

وحديث الاثني عشر لا ينطبق عليهم (١) الذي ثبت عن النبي ﷺ في عدد الاثنى عشر ما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: «لا يزال أمر الناس ماضيًا ولهم اثنا عشر رجلاً» ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني فسألت أبي ماذا قال النبي ﷺ قال: «قال: كلهم من قريش» (٢) . وفي لفظ: «لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثنى عشر خليفة» (٣) وهؤلاء هم المذكورون في التوراة حيث قال في بشارته بإسماعيل: (وسيلد اثنى عشر عظيمًا) . وهذا النص لا يجوز أن يراد به هؤلاء الاثنا عشر؛ لأنه قال: «لا يزال الإسلام عزيزًا» (٤) و «لا يزال هذا الأمر عزيزًا» ، و «لا يزال أمر الناس ماضيًا» وهذا يدل على أنه يكون أمر الناس قائمًا في زمن ولايتهم ولا يكون قائمًا إذا انقضت ولايتهم. وعند الاثنى عشرية لم يقم أمر الأمة في مدة أحد من هؤلاء الاثني عشر؛ بل ما زال أمر الأمة فاسدًا منتقضًا يتولى عليهم الظالمون

стр. 55

المعتدون؛ بل المنافقون الكافرون وأهل الحق أذل من اليهود. فمن ظن أن هؤلاء الاثنى عشر هم الذين يعتقد الرافضة إمامتهم فهو في غاية الجهل؛ فإن هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلا عليّ بن أبي طالب، ومع هذا فلم يتمكن في خلافته من غزو الكفار ولا فتح مدينة ولا قتل كافرًا؛ بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض حتى طمع فيهم الكفار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب. وأيضًا فالشيعة لم يستقيموا معه فإذا لم يستقيموا معه كانوا ألا يستقيموا مع غيره أوْلى وأحرى. وأما سائر الأئمة غير عليّ فلم يكن لأحد منهم سيف لا سيما المنتظر بل هو عند من يقول بإمامته إما خائف عاجز وإما هارب مختف، ولا أفتى أحدًا في مسألة، ولا حكم في قضية، ولا يعرف له وجود فأي فائدة في الدين والدنيا حصلت من هذا لو كان موجودًا فضلاً عن أن يكون الإسلام به عزيزًا ... ولا فائدة من إمامته إلا الاعتقادات الفاسدة، والأماني الكاذبة، والفتن بين الأمة. وأيضًا فالإسلام عن الإمامية هو ما هم عليه وهم أذل فرق الأمة فليس في أهل الأهواء أذل من الرافضة، ولا أكتم لقوله منهم، ولا أكثر استعمالاً للنفاق منهم، وهم على زعمهم شيعة الاثنى عشر. وأيضًا فإن عندهم ولاية المنتظر دائمًا إلى آخر الدهر وحينئذ فلا يبقى زمان يخلو عندهم من الاثنى عشر. وإذا كان كذلك لم يبق الزمان نوعين: نوع يقوم فيه أمر الأمة ونوع لا يقوم بل هو

стр. 56

قائم في الأزمان كلها وهو خلاف الحديث الصحيح (١) . والثاني عشر منهم مفقود فامتنع أن يكون إمامًا وهو محمد بن الحسن العسكري (منتظر الرافضة) وأما الإمامة فالرافضة أبعد الناس عنها فإنهم قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين؛ فإنهم يحتالون على مجهول أو معدوم لا يرى له عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر. ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. والإمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدعون أنه دخل السرداب بسامراء وهو صغير منهم من قال عمره سنتان. ومنهم من قال: ثلاث. ومنهم من قال: خمس سنين. وهذا لو كان موجودًا معلومًا لكان الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون محضونًا عند من يحضنه في بدنه كأمه وأم أمه ونحوهما من أهل الحضانة، وأن يكون ماله عند من يحفظه إما وصي أبيه إن كان له وصي وإما غير الوصي ... فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إمامًا لجميع المسلمين معصومًا لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟! ثم هذا باتفاق منهم سواء قدر وجوده أو عدمه لا ينتفعون به لا في الدين ولا في الدنيا ولا علَّم أحدًا شيئًا ولا عرف له صفة من صفات الخير ولا الشر فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة

стр. 57

ومصالحها لا الخاصة ولا العامة. بل إن قدر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلاً؛ فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به أصلاً ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة. والمكذبون به يعذبون عندهم على تكذيبهم به فهو شر محض لا خير فيه، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل. فأي شيء أضل من سعي من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل، ويعتضد بشهود الزور، ويدلي أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه ويعرفه ما يقربه إلى الله تعالى. ثم إنه لما علم اسم ذلك الإمام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ونهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرداب ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجودًا بيقين، لم حصل به منفعة لهؤلاء المساكين. فكيف وعقلاء الناس، يعلمون أنه ليس معهم إلا الإفلاس؟ ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإمامة يدخلون في طاعة كافر أو ظالم لينالوا به بعض مقاصدهم. فبينما هم يدعون إلى طاعة إمام معصوم، أصبحوا يرجعون إلى طاعة كفور ظلوم (١) .

стр. 58

(وهم مختلفون فيمن ادعوا النص عليه من أئمتهم وفي المنتظر منهم) قد عُلم أن الشيعة مختلفون اختلافًا كثيرًا في مسائل الإمامة، والصفات، والقدر، وغير ذلك من مسائل دينهم ... قد علم اضطرابهم فيها- في النص، وفي المنتظر منهم على أقوال: منهم من يقول ببقاء جعفر بن محمد. ومنهم من يقول ببقاء ابنه موسى. ومنهم من يقول ببقاء عبد الله بن معاوية. ومنهم من يقول نص عليّ على الحسن والحسين، وهؤلاء يقولون على محمد بن الحنفية. وهؤلاء يقولون أوصى عليّ بن الحسين إلى ابنه أبي جعفر. وهؤلاء يقولون إلى ابنه عبد الله. وهؤلاء يقولون: أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين. وهؤلاء يقولون إن جعفرًا أوصى إلى ابنه إسماعيل. وهؤلاء يقولون أوصى إلى ابنه محمد بن إسماعيل. وهؤلاء يقولون إلى ابنه محمد. وهؤلاء يقولون إلى ابنه عبد الله. وهؤلاء يقولون إلى ابنه موسى. وهؤلاء يسوقون النص إلى محمد بن الحسن. وهؤلاء يسوقون النص إلى بني ميمون القداح الحاكم في شيعته. وهؤلاء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس (١) . (مقاصد الإمامة: السلطان، والعلم) الإمام يحتاج إلى شيئين: إما في العلم لتبليغه وتعليمه، وإما في العمل ليعين الناس على ذلك بقوته وسلطانه. والذين ادعوا عصمتهم ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة

стр. 59

فإذا لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلي خلفهم جمعة ولا جماعة ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج ولا تقام بهم الحدود ولا تفصل بهم الخصومات ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال ولا يؤمن بهم السبيل فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها، ولا يكون قادرًا إلا من له أعوان على ذلك وهؤلاء لم يكونوا قادرين على ذلك، بل القادر على ذلك كان غيرهم وكان في أعصارهم من هؤلاء أعلم منهم وأدين؛ إذ العلم المنقول عن غيرهم أضعاف العلم المنقول عنهم، وظهور آثار غيرهم في الأمة أعظم من ظهور آثارهم في الأمة. والمتقدمون منهم كعلي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابنه جعفر بن محمد قد أخذ عنهم من العلم قطعة معروفة وأخذ عن غيرهم أكثر من ذلك بكثير كثير. وأما من بعدهم فالعلم المأخوذ عنهم قليل جدًا، ولا ذِكْرَ لأَحدٍ منهم في رجال أهل العلم المشاهير بالرواية والحديث والفتيا ولا غيرهم من المشاهير بالعلم. وما يذكر لهم من المناقب والمحاسن فمثله يوجد لكثير غيرهم من الأمة. وتلك الفضائل غايتها أن يكون صاحبها أهلاً أن تعقد له الإمامة لكنه لا يصير إمامًا بمجرد كونه أهلاً، كما أنه لا يصير الرجل قاضيًا بمجرد كونه أهلاً لذلك. وأهلية الإمامة ثابتة لآخرين من قريش كثبوتها لهؤلاء، وهم أهل أن يتولوا الإمامة، فلا موجب للتخصيص، ولم يصيروا بذلك أئمة (١) .

стр. 60

(فضائل الصحابة والقرابة) (وموقف أهل السنة والشيعة منها) الثناء في القرآن بالإيمان والأعمال، لا بمجرد النسب والمصاهرة لم يثن الله على أحد في القرآن بنسبه أصلاً لا على ولد نبي ولا على أبي نبي، وإنما أثنى على الناس بإيمانهم وأعمالهم. وإذا ذكر صنفًا وأثنى عليهم فلما فيهم من الإيمان والعمل لا لمجرد النسب. ولهذا لما ذكر الأنبياء ذكرهم في الأنعام، وهم ثمانية عشر قال: ﴿وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) . فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائهم وهدايته إياهم إلى صراط مستقيم لا بنفس القرابة. وفي القرآن الثناء والمدح للصحابة بإيمانهم وأعمالهم في غير آية كقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) . وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ

стр. 61

الْحُسْنَى﴾ (١) . وهكذا الثناء على المؤمنين من الأمة أولها وآخرها على المتقين والمحسنين والمقسطين والصالحين، وأمثال هذه الأنواع. وأما النسب ففي القرآن إثبات حق لذوي القربى، وفي القرآن آية الخمس والفيء، وفيه أمر لهم بما يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا. وفي القرآن الأمر بالصلاة على النبي ﷺ وقد فسر ذلك بأن يصلى عليه وعلى آله. وفي القرآن الأمر بمحبة الله ومحبة رسوله، ومحبة أهله من تمام محبته. وفي القرآن أن أزواجه أمهات المؤمنين. وليس في القرآن مدح أحد لمجرد كونه من ذوي القربى وأهل البيت ولا الثناء عليهم بذلك ولا ذكر استحقاقه الفضيلة عند الله بذلك ولا تفضيله على من يساويه في التقوى بذلك، وإن كان قد ذكر ما ذكره من اصطفاء آل إبراهيم واصطفاء بني إسرائيل فذاك أمر ماض فأخبر بأن في جعله عبرة لنا فبين مع ذلك أن الجزاء والمدح بالأعمال ولهذا ذكر ما ذكره من اصطفاء بني إسرائيل وذكر ما ذكره من كفر من كفر منهم وذنوبهم وعقوبتهم فذكر فيهم النوعين الثواب والعقاب وهذا من تمام تحقيق أن النسب الشريف قد يقترن به المدح تارة إن كان صاحبه من أهل الإيمان والتقوى، وإلا فإن ذم صاحبه أكثر. وكذلك المصاهرة قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا

стр. 62

تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) . ... وهكذا في الشجاعة والكرم والزهد والدين. فالفضائل الخارجية لا عبرة بها عند الله تعالى إلا أن تكون سببًا في زيادة الفضائل الداخلية، وحينئذ تكون الفضيلة بالفضائل الداخلية. وأما الفضائل البدنية فلا اعتبار بها إن لم تكن صادرة عن الفضيلة الداخلية (٢) .

стр. 63

حق آل محمد ﷺ على الأمة زيادة المحبة والموالاة عن غيرهم لا ريب أن لآل محمد ﷺ حقًا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشًا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم. وهذا على مذهب الجمهور الذين يرون فضل العرب على غيرهم، وفضل قريش على سائر العرب، وفضل بني هاشم على سائر قريش، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وعلى هذا دلت النصوص كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله اصطفى قريشًا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» (١) ، وكقوله في الحديث الصحيح: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٢) ، وأمثال ذلك (٣) . رعاية الخليفتين أبي بكر وعمر لحقوق قرابة النبي ﷺ ولفاطمة أبو بكر وعمر ما زالا مكرمين لعليّ غاية الإكرام بكل طريق

стр. 64

ومقدمين له بل ولسائر بني هاشم على غيرهم في العطاء، مقدمين له في المرتبة والحُرمة والمحبة والموالاة والثناء والتعظيم كما يفعلان بنظرائه، ويفضلانه بما فضله الله به على من ليس مثله. ولم يعرف عنهم كلمة سوء في عليّ قط، بل ولا في أحد من بني هاشم. كان عمر يقدم أهل بيت النبي ﷺ في العطاء على جميع الناس ويفضلهم في العطاء على جميع الناس، حتى إنه لما وضع الديوان للعطاء وكتب أسماء الناس قالوا: نبدأ بك. قال: لا. ابدءوا بأقارب رسول الله ﷺ وضعوا عمر حيث وضعه الله. فبدأ ببني هاشم، وضم إليهم بني المطلب؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» (١) فقدم العباس وعليًا والحسن والحسين وفرض لهم أكثر مما فرض لنظرائهم من سائر القبائل، وفضل أسامة بن زيد على ابنه في العطاء فغضب ابنه وقال: تفضل علي أسامة؟ قال فإنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وهذا الذي ذكرناه من تقديم بني هاشم وتفضيلهم أمر مشهور عند جميع العلماء بالسير لم يختلف فيه اثنان. فمن تكون هذه مراعاته لأقارب رسول الله ﷺ وعترته أيظلم أقرب الناس إليه وسيدة نساء أهل الجنة، وهي مصابة في يسير من المال وهو يعطي أولادها أضعاف ذلك المال ويعطي من هو أبعد عن النبي ﷺ منها (٢) .

стр. 65

محبة أهل السنة لعلي ﵁ وذمهم لمن يسبونه وأما علي ﵁ فأهل السنة يحبونه ويتولونه ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين المهديين، وكتب أهل السنة من جميع الطوائف مملوءة بذكر فضائله ومناقبه وبذم الذين يظلمونه من جميع الفرق، وهم ينكرون على من سبه وكارهون لذلك. وفي فضائله الثابتة رد على النواصب، كما أن في فضائل الثلاثة ردًا على الروافض. ومودة الثلاثة أوجب عند أهل السنة من مودته، لأن وجوب المودة على مقدار الفضل؛ فكل من كان أفضل كانت مودته أكمل (١) . رعاية القرابة لحقوق أبي بكر وعمر وكذلك علي ﵁ تواتر عنه من محبتهما وموالاتهما وتعظيمهما وتقديمهما على سائر الأمة ما يعلم به حاله في ذلك، ولم يعرف عنه قط كلمة سوء في حقهما، ولا أنه كان أحق بالأمر منهما- هذا هو المعروف عند من عرف الأخبار الثابتة المتواترة عند الخاصة والعامة والمنقولة بأخبار الثقات. وأما من رجع إلى مثل ما ينقله أجهل الناس بالمنقولات وأبعد الناس عن معرفة أمور الإسلام ومن هو معروف بافتراء الكذب الكثير الذي لا يروج إلا على البهائم، ويروج كذبه على قوم لا يعرفون الإسلام إما قوم سكان البوادي أو رءوس الجبال أو بلد من أقل الناس علمًا

стр. 66

وأكثرهم كذبًا فهذا هو الذي يضل. وأئمة العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر، وفيهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية. والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسن بن عليّ وولد الحسين وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على عليّ، والنقول عنهم ثابتة متواترة. وقد صنف الحافظ أبو الحسن الدراقطني كتاب «ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة» وذكر فيه من ذلك قطعة (١) وكذلك كل من صنف من أهل الحديث في السنة مثل «كتاب السنة» لعبد الله بن أحمد (٢) و «السنة» للخلال (٣) و «السنة» لابن بطة (٤) و «السنة» للآجري (٥) واللالكائي (٦)

стр. 67

والبيهقي (١) وأبي ذر الهروي، والطلمنكي (٢) وأبي حفص بن شاهين (٣) وأضعاف هذه الكتب ... ومثل كتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد (٤) وأبي نعيم (٥) وتفسير الثعلبي (٦) فيها من ذكر فضائل الثلاثة ما هو من أعظم الحجج عليه، فإن كان هذا القدر حجة فهو حجة له وعليه وإلا فلا يحتج به (٧) .

стр. 68

عز الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة إلى اثني عشر خليفة وهم: «أبو بكر، وعمر، عثمان، عليّ، معاوية، يزيد، عبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز» في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش» ولفظ البخاري «اثني عشر أميرًا» وفي لفظ «لا يزال أمر الناس ماضيًا ولهم اثنا عشر رجلاً» وفي لفظ «لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش» (١) . وهكذا كان فإن الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عز ومنعة معاوية وابنه يزيد، ثم عبد الملك وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز. وبعد ذلك حصل في دولة الإسلام من النقص ما هو باق إلى الآن. فإن بني أمية تولوا على جميع أرض الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عربية، والخليفة يدعى باسمه عبد الملك وسليمان لا يعرفون عضد الدولة وعز الدين وبهاء الدين وفلان الدين. وكان أحدهم هو الذي يصلي بالصلوات الخمس (٢) ، وفي المسجد يعقد الرايات ويؤمر الأمراء، وإنما يسكن داره لا يسكنون الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية، وكان من أسباب ذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام في القرون

стр. 69

المفضلة قرن الصحابة والتابعين وتابيعهم. وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان: أحدهما تكلمهم في عليّ، والثاني تأخير الصلاة عن وقتها. وهؤلاء الاثنا عشر هم المذكورون في التوراة حيث قال في بشارته بإسماعيل (وسيلد اثنى عشر عظيمًا) . ثم كان من نعمة الله سبحانه ورحمته بالإسلام أن الدولة لما انتقلت إلى بني هاشم صارت في بني العباس وكانوا يعرفون قدر الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فلم يظهر في دولتهم إلا تعظيم الخلفاء الراشدين وذكرهم على المنابر والثناء عليهم وتعظيم الصحابة، وإلا فلو تولى والعياذ بالله رافضي يسب الخلفاء والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لقلب الإسلام، ولكن دخل في غمار الدولة من كانوا لا يرضون باطنه ومن كان لا يمكنهم دفعه كما لم يمكن عليًّا قمع الأمراء الذين هم أكابر عسكره؛ كالأشعث بن قيس والأشتر النخعي وهاشم المرقال وأمثالهم. ودخل من أبناء المجوس ومن في قلبه غل على الإسلام من أهل البدع والزنادقة وتتبعهم المهدي بقتلهم حتى اندفع بذلك شر كثير، وكان من خيار خلفاء بني العباس، وكذلك كان فيه من تعظيم العلم والجهاد والدين ما كانت به دولته من خيار دول بني العباس، وكأنها كانت تمام سعادتهم فلم ينتظم بعدها الأمر لهم، مع أن أحدًا من العباسيين لم يستول على الأندلس ولا على أكثر المغرب وإنما غلب بعضهم على إفريقيا مدة ثم أخذت منهم، بخلاف أولئك فإنهم استولوا على جميع المملكة الإسلامية وقهروا جميع أعداء الدين. وأيضًا فإنه قال في الحديث: «كلهم من قريش» ولو كانوا مختصين بعليّ وأولاده لذكر ما يميزون به، ألا ترى أنه لم يقل كلهم

стр. 70

من ولد إسماعيل ولا من العرب وإن كانوا كذلك؛ لأنه قصد القبيلة التي يمتازون بها- فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم أو من قبيل عليّ لذكروا بذلك، فلما جعلهم من قريش مطلقًا على أنهم من قريش؛ بل لا يختصون بقبيلة، بل بنو تميم وبنو عدي وبنو عبد شمس وبنو هاشم، فإن الخلفاء الراشدين كانوا من هذه القبائل (١) .

стр. 71

دلالة القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن معهم زمن الاستخلاف والتمكين، والذين كانوا معهم زمن الاستخلاف والتمكين وأدركوا زمن الفتنة؛ بخلاف الذين حدثوا في زمن الفتنة كالرافضة والخوارج قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) . فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف كما وعدهم في تلك الآية ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) والله لا يخلف الميعاد فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه لهم كما قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) وبدلهم بعد خوفهم أمنًا لهم المغفرة والأجر العظيم. وهذا يستدل به من وجهين: على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات لن الوعد لهم لا لغيرهم. ويستدل به علىب أن هؤلاء مغفور لهم ولهم أجر عظيم؛ لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات

стр. 72

فتناولتهم الآيتان آية النور وآية الفتح. ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان فإنه إذا ذاك حصل الاستخلاف وتمكن الدين والأمن بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام، والعراق ومصر وخراسان وإفريقيا. ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئًا من بلاد الكفار بل طمع فيهم الكفار بالشام وخراسان وكان بعضهم يخاف بعضًا. وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن وأدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص دخلوا في الآية؛ لأنهم استخلفوا ومكنوا وأمنوا. وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام في زمن الفتنة والافتراق وكالخوارج المارقين فهؤلاء لم يتناولهم النص فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح المذكورين في هذه الآية، لأنهم أولاً ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا، ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة؛ بل لا يزالون خائفين مقلقين غير ممكنين (١) .

стр. 73

طعن الرافضة على أبي بكر وعمر وسائر الصحابة والأمة سوى طائفتهم (١) الرافضة عمدوا إلى خيار أهل الأرض من الأولين والآخرين بعد النبيين والمرسلين وإلى خير أمة أخرجت للناس فجعلوهم شرار الناس وافتروا عليهم العظائم، وجعلوا حسناتهم سيئاتهم. وجاءوا إلى شر من انتسب إلى الإسلام من أهل الأهواء- وهم الرافضة بجميع أصنافها غاليها وإماميها وزيديها- والله يعلم وكفى به عليمًا. ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم، لا أجهل ولا أكذب ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان وأبعد عن حقائق الإيمان منهم- فزعموا أن هؤلاء هم صفوة الله من عباده؛ فإن ما سوى أمة محمد كفار، وهؤلاء كفروا الأمة كلها أو ضللوها، سوى طائفتهم التي يزعمون أنها الطائفة المحقة وأنها لا تجتمع على ضلالة فجعلوهم صفوة بني آدم. فكان مثلهم كمن جاء إلى غنم كثيرة فقيل له: أعطنا خير هذه الغنم لنضحي بها. فعمد إلى شر تلك الغنم إلى شاة عوراء عجفاء عرجاء مهزولة لا نقي لها فقال: هذه خيار هذه الغنم، لا تجوز الأضحية إلا بها، وسائر هذه الغنم ليست غنمًا، وإنما هي خنازير يجب قتلها، ولا تجوز الأضحية بها (٢) .

стр. 74

وزعمهم أن الصحابة ومن اتبعهم كفار مرتدون ثم إن الرافضة لفرط جهلهم وضلالهم يقولون: إنهم ومن اتبعهم كانوا كفارًا مرتدين، وأن اليهود والنصارى خير منهم؛ لأن الكافر الأصلي خير من المرتد. وقد رأيت هذا في عدة من كتبهم. وهذا القول من أعظم الأقوال افتراءً على أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين. وهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول ﷺ كما قال مالك وغيره: إنما أراد هؤلاء الرافضة الطعن في الرسول ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين. ومن الدلائل الدالة على فساده أن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه؟!! وأما الشهوة فسواء كانت شهوة رياسة أو مال أو نكاح أو غير ذلك كانت في أول الإسلام أولى بالاتباع- فمن خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعز حُبَّا لله ورسوله طوعًا غير إكراه كيف يعادون الله ورسوله طلبًا للشرف والمال؟ ثم هم في حال قدرتهم على المعاداة وقيام المقتضى للمعاداة لم يكونوا معادين لله

стр. 75

ورسوله، بل موالين لله ورسوله، فحين قوي المقتضى للموالاة وضعفت القدرة على المعاداة يفعلون نقيض هذا؟! هل يظن هذا إلا من هو من أعظم الناس ضلالاً؟ ... فعلم علمًا يقينيًا أن القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم البتة، والذين ارتدوا بعد موته إنما كانوا ممن أسلم بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد (١) . من يطعن على أبي بكر وعمر لا يطعن على أبي بكر وعمر ﵄ إلا أحد رجلين: إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلم الأول للرافضة أول من ابتدع الرفض، وحال أئمة الباطنية. وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا في الباطن مسلمين (٢) . جميع ما يطعن به فيهم أكثره كذب ... أصحاب رسول الله ﷺ ما يطعن به فيهم أكثره كذب والصدق منه غايته أن يكون ذنبًا أو خطأً والخطأ مغفور. والذنب له أسباب متعددة توجب المغفرة (٣) ولا يمكن أحد أن يقطع بأن واحدًا منهم فعل من الذنوب ما يوجب النار لا محالة. وكثير مما يطعن به على أحدهم يكون من محاسنه وفضائله- فهذا جواب مجمل (٤) .
следующие страницы →