Полный текст (1 122 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله.
الحواشي
(١) مستعينين بالله، ويحتمل أنه أراد أن يفتتح الغزو باسم الله. والأول أظهر، والثاني أيضا محتمل، لأن بعث الجيوش من الأمور ذات البال، وكل أمر لا يبدأ فيه باسم الله; فهو أبتر.
قوله: "في سبيل الله": متعلق ب "اغزوا"، وهو تنبيه من الرسول ﷺ على حسن النية والقصد; لأن الغزاة لهم أغراض، ولكن الغزو النافع الذي تحصل به إحدى الحسنيين ما كان خالصا لله، وذلك بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لحمية أو شجاعة أو ليرى مكانه أو لطلب دنيا. فإن قاتل لأجل الوطن: فمن قاتل لأنه وطن إسلامي تجب حمايته وحماية المسلمين فيه; فهذه نية إسلامية صحيحة، وإن كان للقومية أو الوطنية فقط; فهو حمية وليس في سبيل الله.
وقوله: "في سبيل الله": تشمل النية والعمل; فالنية سبقت. والعمل: أن يكون الغزو في إطار دينه وشريعته، فيكون حسبما رسمه الشارع.
قوله: " قاتلوا من كفر بالله ": "قاتلوا": فعل أمر وهو للوجوب، أي: يجب علينا أن نقاتل من كفر بالله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ٢ فإذا قاتلنا الذين يلوننا، فأسلموا، نقاتل من وراءهم، وهكذا إلى أن نخلص إلى مشارق الأرض ومغاربها.
و"من": اسم موصول، وصلته "كفر"، واسم الموصول وصلته يفيد العلية; أي: لكفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية أو قومية أو وطنية، نقاتلهم لكفرهم لمصلحتهم وهي إنقاذهم من النار. والكفر مداره على أمرين الجحود، والاستكبار.
_________
١ سورة التحريم آية: ٩.
٢ سورة التوبة آية: ١٢٣.стр. 1052
اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا،.........................................
الحواشي
(١) أي: الاستكبار عن طاعته، أو الجحود لما يجب قبوله وتصديقه.
قوله: "اغزوا": تأكيد، وأتى بها ثانوية كأنه يقول: لا تحقروا الغزو واغزوا بجد.
قوله: "ولا تغلوا": الغلول: أن يكتم شيئا من الغنيمة فيختص به، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ أي: معذبا به; فهو يعذب بما غل يوم القيامة ويعزر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغال بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه روح; لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.
قوله: "ولا تغدروا": الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا; فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد; فلنا ذلك لأن الحرب خدعة، وقد ذكر أن "علي بن أبي طالب ﵁ خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي ﵁".
وليعلم أن لنا مع المشركين ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد; فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه; فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم; لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢ وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ٣.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٦١.
٢ سورة التوبة آية: ٧.
٣ سورة التوبة آية: ٤.стр. 1053
ولا تمثلوا،...........................................................
الحواشي
(١) الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه; فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم; لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ١.
قوله: "ولا تمثلوا": التمثيل: التشويه بقطع بعض الأعضاء كالأنف واللسان وغيرهما، وذلك عند أسرهم; لأنه لا حاجة إليه; لأنه انتقام في غير محله، واختلف العلماء فيما لو كانوا يفعلون بنا ذلك.
فقيل: لا يمثل بهم للعموم، والنبي ﷺ لم يستثن شيئا، ولأننا إذا مثلنا بواحد منهم; فقد يكون لا يرضى بما فعل قومه; فكيف نمثل به؟!
وقيل: نمثل بهم كما مثلوا بنا; لأن هذا العموم مقابل بعموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢.
وإذا لم نمثل بهم مع أنهم يمثلون بنا; فقد يفسر هذا بأنه ضعف، وإذا مثلنا بهم في هذه الحال; عرفوا أن عندنا قوة ولم يعودوا للتمثيل بنا ثانية.
والظاهر القول الثاني.
فإن قيل: قد نمثل بواحد لم يمثل بنا ولا يرضى بالتمثيل؟ فيقال: إن الأمة الواحدة فعل الواحد منها كفعل الجميع، ولهذا كان الله يخاطب اليهود في عهد الرسول ﷺ بأمور جرت في عهد موسى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ٤ وما أشبه ذلك.
_________
١ سورة الأنفال آية: ٥٨.
٢ سورة البقرة آية: ١٩٤.
٣ سورة البقرة آية: ٧٢.
٤ سورة البقرة آية: ٩٣.стр. 1054
ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك.....................................
الحواشي
(١) قوله: " ولا تقتلوا وليدا ": أي: لا تقتلوا صغيرا; لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم وورد في أحاديث أخرى: أنه لا يقتل راهب ولا شيخ فإن ولا امرأة١ إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا على القتال، أو يكون لهم رأي في الحرب، كما قتل دريد بن الصمة في غزوة ثقيف مع كبره وعماه٢.
واستدل بهذا الحديث أن القتال ليس لأجل أن يسلموا، ولكنه لحماية الإسلام، بدليل أننا لا نقتل هؤلاء، ولو كان من أجل ذلك لقتلناهم إذا لم يسلموا، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وله رسالة في ذلك اسمها "قتال الكفار".
قوله: " وإذا لقيت عدوك ": أي: قابلته أو وجدته، وبدأ بذكر العداوة تهييجا لقتالهم; لأنك إذا علمت أنهم أعداء لك; فإن ذلك يدعوك
_________
١ حديث ابن عمر ﵄: "أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة; فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان". أخرجه: البخاري في (الجهاد, باب قتل الصبيان, ٢/٣٦٢) , ومسلم في (الجهاد, باب تحريم قتل النساء, ٣/١٣٦٤) . وحديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: انطلقوا باسم الله, وبالله, وعلى ملة رسول الله, ولا تقتلوا شيخا فانيا, ولا طفلا, ولا صغيرا, ولا امرأة ... ". أخرجه: أبو داود في (الجهاد, باب في دعاء المشركين, ٣/٨٦) . وقال الشوكاني في "النيل" (٧/٢٤٦) : "وحديث أنس في إسناده خالد الفِزْر, وليس بذلك". وحديث ابن عباس ﵄, وفيه أن النبي ﷺ قال: لا تغدروا, ولا تغلوا, ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع أخرجه: أحمد (١/٣٠٠) , والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/٢٢٥) . وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/١٠٣) : "وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة, وهو ضعيف".
٢ أخرجه: البخاري في (المغازي, باب غزوة أوطاس, ٣/١٥٦) .стр. 1055
من المشركين; فادعهم إلى ثلاث خصال (أو: خلال) ، فأيتهن ما أجابوك; فاقبل منهم، وكف عنهم:
ثم ادعهم إلى الإسلام،.................................................
الحواشي
(١) إلى قتالهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ وهذا أبلغ وأعم من قوله في آية أخرى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ٢ لكن خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه. والعدو ضد الولي، والولي من يتولى أمورك ويعتني بك بالنصر والدفاع وغير ذلك، والعدو يخذلك ويبتعد عنك ويعتدي عليك ما أمكنه.
قوله: "من المشركين": يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.
قوله: "خصال أو خلال": بمعنى واحد، وعليه; ف "أو" للشك في اللفظ، والمعنى لا يتغير.
قوله: "فأيتهن ما أجابوك": "أيتهن": اسم شرط مبتدأ، "ما": زائدة، وهي تزاد بالشرط تأكيدا للعموم، كقوله تعالى: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ والكاف مفعول به، والعائد إلى اسمها الشرط محذوف، والتقدير: فأيتهن ما أجابوك إليه; فاقبل منهم وكف عنهم فلا تقاتلهم.
قوله: "ثم ادعهم": "ثم": زائدة; كما في رواية أبي داود، ولأنه ليس لها معنى، ويمكن أن يقال: إنها ليست من كلام الرسول ﷺ بل من كلام الراوي على تقدير ثم قال ادعهم.
وقوله: "إلى الإسلام": أي: المتضمن للإيمان; لأنه إذا أفرد شمل
_________
١ سورة الممتحنة آية: ١.
٢ سورة المائدة آية: ٥١.
٣ سورة الإسراء آية: ١١٠.стр. 1056
فإن أجابوك، فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين،............................................................
الحواشي
(١) الإيمان، وإذا اجتمعا; افترقا، كما فرق النبي ﷺ بينهما في حديث جبريل.
والإيمان عند أهل السنة تدخل فيه الأعمال قال ﷺ " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيم ان"١ فإن أجابوا للإسلام; فهذا ما يريده المسلمون، فلا يحل لنا أن نقاتلهم، ولهذا قال النبي ﷺ "فأقبل منهم".
قوله: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين": هذه الجملة تشير إلى أن الذين قوتلوا أهل بادية، فإذا أسلموا; طلب منهم أن يتحولوا إلى ديار المهاجرين ليتعلموا دين الله; لأن الإنسان في باديته بعيد عن العلم; كما قال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ٢ وهذا أصل في توطين البوادي.
وقوله: "إلى دار المهاجرين": يحتمل أن المراد بها العين; أي: المدينة النبوية، ويحتمل أن المراد بها الجنس; أي: الدار التي تصلح أن يهاجر إليها لكونها بلد إسلام، سواء كانت المدينة أو غيرها. ويقوي الاحتمال الثاني -وهو أن المراد بها الجنس-: أنه لو كان المراد المدينة; لكان الرسول ﷺ يعبر عنها باسمها ولا يأتي بالوصف العام، ويقوي
_________
١ أخرجه: البخاري في (الإيمان, باب أمور الإيمان, ١/٢٠) - ولفظه: "الإيمان بضع وستون شعبة, الحياء شعبة من الإيمان"-, ومسلم في (الإيمان, باب بيان عدد شعب الإيمان, ١/٦٣) ; عن أبي هريرة ﵁.
٢ سورة التوبة آية: ٩٧.стр. 1057
وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك; فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها; فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين "١.
الحواشي
(١٧٣١) , والترمذي: السير(١٦١٧) , وأبو داود: الجهاد(٢٦١٢) , وابن ماجه: الجهاد(٢٨٥٨) , وأحمد (٥/٣٥٢ ,٥/٣٥٨) .стр. 1058
" فإن هم أبوا; فاسألهم الجزية،.....................................
الحواشي
(١) ٢- البقاء في أماكنهم مع الجهاد; فلهم ما للمجاهدين من الغنيمة، وفي الفيء الخلاف.
٣- البقاء في أماكنهم مع ترك الجهاد; فليس لهم من الغنيمة والفيء شيء.
قوله: "فإن هم أبوا": "هم" عند البصريين: توكيد للفاعل المحذوف مع فعل الشرط، والتقدير: فإن أبوا هم، وعند الكوفيين: مبتدأ خبره الجملة بعده. والقاعدة عندنا إذا اختلف النحويون في مسألة: أن نتبع الأسهل، والأسهل هنا إعراب الكوفيين.
قوله: "فاسألهم الجزية": سؤال عطاء لا سؤال استفهام، والفرق بين سؤال الاستفهام وسؤال العطاء: أن سؤال الاستفهام يتعدى إلى المفعول الثاني ب "عن"، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ١ وقد يكون المفعول الثاني جملة استفهامية; كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ٢ وأما سؤال الإعطاء; فيتعدى إليه بنفسه; كقولك: سألت زيدا كتابا.
قوله: "الجزية" فعلة من جزى يجزي، وظاهر فيها أنها مكافأة على شيء، وهي عبارة عن مال مدفوع من غير المسلم عوضا عن حمايته وإقامته بدارنا. والذمي معصوم ماله ودمه وذريته مقابل الجزية، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٣ أي: يسلموها بأيديهم، لا يقبل أن يرسل بها خادمه أو ابنه، بل لا بد أن يأتي بها هو.
وقيل: "عن يد": عن قوة منكم، والصحيح أنها شاملة للمعنيين. وقيل: "عن يد": أن يعطيك إياها فتأخذها بقوة بأن تجر يده حتى يتبين له قوتك، وهذا لا حاجة إليه.
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٨٧.
٢ سورة المائدة آية: ٤.
٣ سورة التوبة آية: ٢٩.стр. 1059
فإن هم أجابوك; فاقبل منهم وكف عنهم.
فإن هم أبوا; فاستعن بالله، وقاتلهم.
وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك; فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون...........................
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ أي: يجب أن يتصفوا بالذل والهوان عند إعطائها، فلا يعطوها بأبهة وترفع مع خدم وموكب ونحو ذلك، وجعل بعض العلماء من صغارهم أن يطال وقوفهم عند تسلمها منهم.
قوله: "فاستعن بالله وقاتلهم ": بدأ النبي ﷺ بطلب العون من الله; لأنه إذا لم يعنك في جهاد أعدائه; فإنك مخذول، والجملة جواب الشرط.
قوله: " وإدا حاصرت أهل حصن، فأرادوك ": الحصر: التضييق; أي: طوقتهم وضيقت عليهم بحيث لا يخرجون من حصنهم ولا يدخل عليهم أحد. والحصن: كل ما يتحصن به من قصور أو أحواش وغيرها.
قوله: "أرادوك": أي: طلبوك، وضمن الإرادة معنى الطلب، وإلا; فإن الأصل أن تتعدى ب "من"; فيقال: أرادوا منك.
قوله: "فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه": الذمة: العهد، فإذا قال أهل الحصن المحاصرون: نريد أن ننزل على عهد الله ورسوله; فإنه لا يجوز أن ينزلهم على عهد الله ورسوله، وعلل النبي ﷺ ذلك بقوله: " فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون ... ".
_________
١ سورة التوبة آية: ٢٩.стр. 1060
من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله; فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك،
الحواشي
(١) قوله: "أن تخفروا ": بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي; أي: غدر، وأما خفر يخفر الثلاثي فهي بمعنى أجار والمتعين الأول.
وقوله: " أن تخفروا ": "أن"; بفتح الهمزة مصدرية بدليل رفع "أهون" على أنها خبر، وأن وما دخلت عليه محلها من الإعراب النصب على أنها بدل اشتمال من اسم "إن"، والتقدير: فإن إفخاركم ذممكم، والبدل يصح أن يحل محل المبدل منه، ولهذا قدرتها بما سبق.
قوله: " أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه ": لأن الغدر بذمة الله وذمة نبيه أعظم، وقوله: "أهون" من باب اسم التفضيل الذي ليس في المفضل ولا في المفضل عليه شيء من هذا المعنى; لأن قوله: "أهون" يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه بالهون، والأمر ليس كذلك; لأن إخفار الذمم سواء كان لذمة الله وذمة رسوله أو ذمة المجاهدين; كله ليس بهين، بل هو صعب، لكن الهون هنا نسبي وليس على حقيقته.
فهنا أرادوا أن ينزلوا على العهد بدون أن يحكم عليهم بشيء، بل يعاهدون على حماية أموالهم وأنفسهم ونسائهم وذريتهم فنعطيهم ذلك.
قوله: " وإذا حاصرت ": أي: ضربت حصارا يمنعهم من الخروج من مكانهم. "أهل الحصن": أهل بلد أو مكان يتحصنون به. "فأرادوك": طلبوا منك. "حكم الله"; أي: شرع الله.
قوله: " ولكن أنزلهم على حكمك ": فإذا أرادوا أن ينزلوا على حكم الله; فإنهم لا يجابون; فإنا لا ندري أنصيب فيهم حكم الله أم لا؟стр. 1061
فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا" رواه مسلم١.
الحواشي
(١) ولهذا قال: " أنزلهم على حكمك "، ولم يقل: وحكم أصحابك كما قال في الذمة; لأن الحكم في الجيش أو السرية للأمير، وأما الذمة والعهد; فهي من الجميع، فلا يحل لواحد من الجيش أن ينقض العهد
وقوله: " لا تدري ": أي: لا تعلم "أتصيب فيهم حكم الله أم لا"، وذلك لأن الإنسان قد يخطئ حكم الله تعالى.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: إن أهل الحصن لا ينزلون على حكم الله لأن قائد الجيش وإن اجتهد; فإنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟ فليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: بل ينزلون على حكم الله، والنهي عن ذلك خاص في عهد النبي ﷺ فقط; لأنه العهد الذي يمكن أن يتغير فيه الحكم; إذ من الجائز بعد مضي هذا الجيش أن يغير الله هذا الحكم، وإذا كان كذلك; فلا تنزلهم على حكم الله; لأنك لا تدري أتصيب الحكم الجديد أو لا تصيبه؟
أما بعد انقطاع الوحي; فينزلون على حكم الله، واجتهادنا في إصابة حكم الله يعتبر صوابا إذا لم يتبين خطؤه; لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢ وهذا أصح; لأنه يحكم للمجتهد بإصابته الحكم ظاهرا شرعا وإن كان قد يخطئ، وإن حصل الاحتراز بأن يقول: ننزلك على ما نفهم من حكم الله ورسوله; فهو أولى; لأنك إذا قلت على ما نفهم صار الأمر واضحا أن هذا حكم الله بحسب فهمنا، لا بحسب الواقع فيما لو اتضح خلافه.
_________
١ أخرجه: مسلم في (الجهاد, باب تأمير الإمام الأمراء, ٣/١٣٥٦) .
٢ سورة التغابن آية: ١٦.стр. 1062
......................................................................
الحواشي
(١) واخترنا هذه العبارة، لأنه قد يتغير الاجتهاد، ويأتي أمير آخر فيحارب هؤلاء أو غيرهم ثم يتغير الحكم; فيقول الكفار: إن أحكام المسلمين متناقضة.
ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
١- تحريم التمثيل، والغلول، والغدر، وقتل الوليد وقد سبق الكلام عليه.
٢- يشرع للإمام بعث الجيوش والسرايا
٣- لا يجوز القتال قبل الدعوة لأنه جعل القتال آخر مرحلة. وأما ما ورد في "الصحيح" أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون١ فقد أجيب: أن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة، ودعوة من بلغتهم الدعوة سنة لا واجبة، ويرجع فيها للمصلحة.
٤- جواز أخذ الجزية من غير اليهود والنصارى والمجوس لأن أهل الكتاب نص القرآن على أخذها منهم، والمجوس وردت به السنة، وأما ما عدا هؤلاء; فاختلف أهل العلم:
فقيل: لا تأخذ من غير هؤلاء، وقيل: لا تؤخذ من مشركي العرب; لأن فيها إذلالا. والصحيح أنها تؤخذ من جميع الكفار; لعموم قوله ﷺ " من كفر بالله "، ولم يقل: اليهود والنصارى.
٥- الإشارة إلى أن القتال ليس لإكراه الناس على أن يدخلوا في
_________
١ أخرجه: البخاري في (العتق, باب من ملك من العرب رقيقا, ٢/٢١٨) , ومسلم في (الجهاد, باب جواز الإغارة على الكفار, ٣/١٣٥٦) ; من حديث ابن عمر ﵁.стр. 1063
......................................................................
الحواشي
(١) الإسلام، ولو كان كذلك ما شرعت الجزية; لأنه على هذا التقدير يجب أن يدخلوا في الدين أو يقاتلوا، وهذا هو الراجح الذي يؤيده القرآن والسنة، وأما قوله ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس ... "١ الحديث; فهو عام مخصوص بأدلة الجزية.
٦- عظم العهود، ولا سيما إذا كانت عهدا لله ورسوله.
٧- جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش.
٨- أنه لا يجوز أن ينزلهم على حكم الله; إما في عهد الرسول ﷺ أو مطلقا حسب الخلاف السابق.
٩- أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ لقوله ﷺ " فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ "، وقال النبي ﷺ " إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب; فله أجران، وإن أخطأ; فله أجر واحد "٢ وعليه; فهل نقول: إن المجتهد مصيب ولو أخطأ؟
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب. وقيل: ليس كل مجتهد مصيبا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول; حذرا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
والصحيح أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث
_________
١ أخرجه: البخاري في (الإيمان, باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة, ١/٢٤) , ومسلم في (الإيمان, باب من قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, ١/٩٥) ; من حديث ابن عمر ﵁.
٢ أخرجه: البخاري في (الاعتصام, باب أجر الحاكم إذا اجتهد, ٤/٣٧٢) , ومسلم في (الأقضية, باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد, ٣/١٣٤٢) ; عن عمرو بن العاص ﵁.стр. 1064
......................................................................
الحواشي
(١) موافقته للحق; فإنه يخطئ ويصيب، ويدل له قوله ﷺ " فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطأ "; فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع والأصول، حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين، لأنه لا يمكن أن يكون مصيبا والسلف غير مصيبين، سواء في علم الأصول أو الفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئا من أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف، يقولون: إنها من الفروع; لأنها ليست من العقيدة، ولكن فرع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة; فكل الدين أصول; لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة; فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها. والصحيح أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف; فليس بمقبول مطلقا.
١٠- أن باب الاجتهاد باق لقوله: " لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا؟ "، وبهذا يتبين ضعف قول من قال، إن باب الاجتهاد قد أنسد، والواجب التقليد للأئمة، وهذا يترتب عليه الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال، وهذا خطأ، بل الواجب على من تمكن من أخذ الحكم من الكتاب والسنة أن يأخذه منهما، لكن لكثرة السنن وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثا في هذا الحكم حتىстр. 1065
......................................................................
الحواشي
(١) يتثبت لأن هذا الحكم قد يكون منسوخا أو مقيدا أو عاما وأنت تظنه بخلاف ذلك.
وأما أن نقول: لا تنظر في القرآن والسنة لأنك لست أهلا للاجتهاد; فهذا غير صحيح، ثم إنه على قولنا: إن باب الاجتهاد مفتوح، لا يجوز أبدا أن تحتقر آراء العلماء السابقين، أو أن تنزل من قدرهم; لأن أولئك تعبوا واجتهدوا وليسوا بمعصومين، فكونك تقدح فيهم أو تأخذ المسائل التي يلقونها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم; فهذا أيضا لا يجوز، وإذا كانت غيبة الإنسان العادي محرمة; فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها، ثم يأتي في آخر الزمان من يقول: إن هؤلاء لا يعرفون، وهؤلاء يفرضون المحال ويقولون: كذا وكذا، مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادره قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها؟!
١١- فيه إثبات الحكم لله وحكم الله ينقسم إلى قسمين:
أ- حكم كوني، وهو ما يتعلق بالكون، ولا يمكن لأحد أن يخالفه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ ١.
ب- حكم شرعي، وهو ما يتعلق بالشرع والعبادة، وهذا من الناس من يأخذ به ومنهم من لا يأخذ به، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ ٢.
_________
١ سورة يوسف آية: ٨٠.
٢ سورة الممتحنة آية: ١٠.стр. 1066
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين لو قال: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وبين ذمة المسلمين; لكان أوضح; لأنك عندما تقرأ كلامه تظن أن الفروق بين الثلاثة كلها، وليس كذلك; فإن ذمة الله وذمة نبيه واحدة، وإنما الفرق بينهما وبين ذمة المسلمين. والفرق أن جعل ذمة الله وذمة نبيه للمحاصرين محرمة، وجعل ذمة المحاصرين -بكسر الصاد- ذمة جائزة.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا: لقوله: "ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ... " إلخ، وهذه قاعدة مهمة، وتقال على وجه آخر هو: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما وقد دل عليها الشرع، قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١ ; فسب آلهة المشركين مطلوب، لكن إذا تضمن سب الله صار منهيا عنه; لأن مفسدة سب الله أعظم من مفسدة السكوت عن سب آلهتهم، وإن كان في هذا السكوت شيء من المفسدة، ولكن نسكت لئلا نقع في مفسدة أعظم، وأيضا العقل دل عليها.
وفيه قاعدة مقابلة، وهي: ترك أدنى المصلحتين لنيل أعلاهما، إذا كان لا بد من ترك إحداهما فإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن الأخذ بهما جميعا; فخذ بأعلاهما، وإذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن تركهما; فخذ بأدناهما.
_________
١ سورة الأنعام آية: ١٠٨.стр. 1067
الثالثة: قوله: " اغزوا بسم الله في سبيل الله ".
الرابعة: قوله: " قاتلوا من كفر بالله ".
الخامسة: قوله: " استعن بالله وقاتلهم ".
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
الحواشي
(١) الثالثة: قوله: " اغزوا بسم الله في سبيل الله ": يستفاد منها وجوب الغزو مع الاستعانة بالله والإخلاص والتمشي على شرعه.
الرابعة: قوله: " قاتلوا من كفر بالله ": يستفاد منها وجوب قتال الكفار، وأن علة قتالهم الكفر، وليس المعنى أنه لا يقاتل إلا من كفر، بل الكفر سبب للقتال; فمن منع الزكاة يقاتل، وإذا ترك أهل بلد صلاة العيد قوتلوا، وكذا الأذان والإقامة، مع أنهم لا يكفرون بذلك. وإذا اقتتلت طائفتان وأبت إحداهما أن تفيء إلى أمر الله; قوتلت، فالقتال له أسباب متعددة غير الكفر.
الخامسة: قوله: " استعن بالله وقاتلهم ": يفيد وجوب الاستعانة بالله، وأن لا يعتمد الإنسان على حوله وقوته.
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء وفيه فرقان:
١- أن حكم الله مصيب بلا شك، وحكم العلماء قد يصيب وقد لا يصيب.
٢- تنزيل أهل الحصن على حكم الله ممنوع إما في عهد الرسول ﷺ فقط أو مطلقا، وأما على حكم العلماء ونحوه; فهو جائز.
فائدة: لا ينبغي أن يقال لمفت: ما حكم الإسلام في كذا، أو ما رأي الإسلام في كذا; فإنه قد يخطئ فلا يصيب حكم الإسلام، ولا يقولстр. 1068
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟
الحواشي
(١) مفت: حكم الإسلام كذا; لأنه قد يخطئ، ولكن يقيد; فيقول: حكم الإسلام فيما أرى كذا وكذا إلا فيما هو نص واضح صريح; فلا بأس.
مثل أن يقال: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فيقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنه حرام.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ وهذا ليس خاصا بالصحابة، بل حتى من بعدهم; فإن له أن يحكم بما يرى أنه حكم الله عند الحاجة.стр. 1069
باب: ما جاء في الإقسام على الله
.......................................................................
الحواشي
(١) الإقسام: مصدر أقسم يقسم إذا حلف. والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ١ وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ٢ ; أي: يحلفون، وقال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ٥.
واختلف أهل العلم في "لا" في قوله: "لا أقسم" ; فقيل: إنها نافية على الأصل، وإن معنى الكلام: لا أقسم بهذا الشيء على المقسم به; لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف; لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي. وقيل: إن "لا" زائدة، والتقدير أقسم. وقيل: إن "لا" للتنبيه، وهذا بمعنى الثاني; لأنها من حيث الإعراب زائدة. وقيل: إنها نافية لشيء مقدر; أي: لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٦ فيه شيء من التكلف، والصواب أنها زائدة للتنبيه.
والإقسام على الله: أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل: والله; ليفعلن الله كذا، أو والله; لا يفعل الله كذا.
والقسم على الله ينقسم إلى أقسام:
الأول: أن يقسم بما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات; فهذا لا
_________
١ سورة الواقعة آية: ٧٥.
٢ سورة البقرة آية: ٢٢٦.
٣ سورة البقرة آية: ٢٢٥.
٤ سورة التوبة آية: ٦٢.
٥ سورة النور آية: ٥٣.
٦ سورة القيامة آية: ١.стр. 1070
......................................................................
الحواشي
(١) بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل: والله; ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله; لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه; فهذا جائز لإقرار النبي ﷺ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك ﵄، ""حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع، وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي فقال الرسول ﷺ يا أنس! كتاب الله القصاص " يعني: السن بالسن. قال: والله; لا تكسر ثنية الربيع"، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.
فلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا; فقال النبي ﷺ " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "١ فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع; فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول ﷺ على القصاص; فعفوا وأخذوا الأرش.
فثناء الرسول ﷺ عليه شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد، ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو
_________
١ أخرجه: البخاري في (الصلح, باب الصلح في الدية, ٢/٢٦٩) , ومسلم في (القسامة, باب إثبات القصاص في الأسنان, ٣/١٣٠٢) ; عن أنس ﵁.стр. 1071
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان،................................................
الحواشي
(١) طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه١ وهي الربيع هذه، رضي الله عن الجميع وعنا معهم.
ويدل أيضا لهذا القسم قوله ﷺ "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"٢.
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله وسوء الظن به تعالى; فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله.
مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد
أن من تأَلَّى على الله فقد أساء الأدب معه وتحجر فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد; فالتالي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه.
قوله: "قال رجل"- يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي هريرة الآتي أو غيره-: "والله; لا يغفر الله لفلان": هذا يدل على
_________
١ أخرجه: البخاري في (الجهاد, باب قول الله- : من المؤمنين رجال صدقوا , ٦/٢١) , ومسلم في (الإمارة, باب ثبوت الجنة للشهيد, ٣/١٥١٢) .
٢ أخرجه: مسلم في (البر والصلة, باب فضل الضعفاء والخاملين, ٤/٢٠٢٤) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 1072
فقال الله من ذا الذي يتألَّى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني
الحواشي
(٢٦٢١) .
٢ سيأتي (ص٥٠٢) .
٣ سورة النساء آية: ١١٦.стр. 1073
قد غفرت له وأحبطت عملك " رواه مسلم١.
الحواشي
(١) قوله: " وأحبطت عملك ": ظاهر الإضافة في الحديث: أن الله أحبط عمله كله; لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عاما. ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم -حسب فهمنا والعلم عند الله-: أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإذلال بما عمل على الله كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنا عظيما من أركان العبادة; لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع; فلا بد أن تكون عبدا لله بما تعبدك به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، لأنه قد يصعب عليهم أن يرجعوا عن رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعا كاملا حتى تحقق العبودية.
ويحتمل معنى " أحبطت عملك "; أي: عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، وهذا أهون; لأن العمل إذا حصلت فيه إساءة بطل وحده دون غيره، لكن ظاهر حديث أبي هريرة يمنع هذا الاحتمال، حيث جاء فيه أن الله تعالى قال: اذهبوا به إلى النار.
ونظير هذا مما يحتمل العموم والخصوص قوله ﷺ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فيمن منع الزكاة: " فإنا آخذوها وشطر ماله عزمه من عزمات ربنا "٢ فقوله: " وشطر ماله "; هل المراد جميع ماله،
_________
١ أخرجه: مسلم في (البر والصلة, باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله, ٤/٢٠٢٣) .
٢ أخرجه: أحمد في "المسند" (٥/٢, ٤) , وأبو داود في (الزكاة, باب زكاة السائمة, ٢/٢٣٣) , والنسائي في (الزكاة, باب عقوبة مانع الزكاة, ٥/١٥) , والدارمي في (الزكاة, باب ليس في عوامل الإبل صدقة, ١/٣٩٦) , والحاكم في (الزكاة, ١/٣٩٨) - وصححه على شرطهما, ووافقه الذهبي-. وقال ابن قدامة في "المغني" (٤/٧) : "وسئل -أي أحمد- عن إسناده; فقال: هو عندي صالح الإسناد) .стр. 1074
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته"١.
الحواشي
(٩٠٠) , وأحمد (٢/٣٢٣) , وأبو داود في (الأدب, باب في النهي عن البغي, ٥/٢٠٧) , والبغوي في "شرح السنة" (١٤/٣٨٤, ٣٨٥) , وابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله"(٤٥) . وفي "شرح الطحاوية" (٢/٤٣٦) : "وإسناده حسن".
٢ سبق (١/٥٠٥) .стр. 1075
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
стр. 1076
الرابعة: فيه شاهد لقوله: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ... " إلى آخره.
الحواشي
(٦٤٨٨) , وأحمد (١/٣٨٧ ,١/٤١٣ ,١/٤٤٢) .
٢ أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٧, ٣٥٥) , والترمذي في (الزهد, باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس, ٧/٧٦) - وقال: "حسن غريب", وابن ماجه في (الفتن, باب كف اللسان في الفتنة, ٢/١٣١٣) ; عن أبي هريرة ﵁.
٣ حديث أبي هريرة, ولفظه عند مسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب". أخرجه: البخاري في (الرقاق, باب حفظ اللسان, ٤/١٨٦) , ومسلم في (الزهد, باب التكلم بكلمة يهوي بها في النار, ٤/٢٢٩٠) .
٤ أخرجه: البخاري في الموضع السابق (٤/١٨٦) ; عن سهل بن سعد ﵁.
٥ أخرجه: البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ٧٣) , والحاكم (٤/٢٨٦, ٢٨٧) - وصححه على شرطهما, ووافقه الذهبي-; عن عبادة بن الصامت. وأخرجه: أحمد (٥/٢٣١) , والترمذي في (الإيمان, باب ما جاء في حرمة الصلاة, ٧/٢٧٠) - وقال: "حسن صحيح"-, وابن ماجه في (الفتن, باب كف اللسان في الفتنة, ٢/١٣١٤) , والجصاص في "أحكام القرآن" (٣/٣٥٣) ; من طريق أبي وائل, عن معاذ. وأخرجه: أحمد (٥/٢٣٣) , والطيالسي(٥٦٠) , والنسائي في "الكبرى"; كما في "تحفة الأشراف" (٨/٤١٠) ; من طريق الحكم بن عتيبة, عن عروة بن النزال, عن معاذ. وأخرجه: أحمد (٥/٢٣٦) ; من طريق شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم, عن معاذ. وانظر: "جامع العلوم والحكم" شرح حديث (رقم ٢٩) , و "الترغيب" للمنذري (٣/٥٢٩) .стр. 1077
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
الحواشي
(١) ولا سيما إذا كانت هذه الزلة ممن يقتدى به; كما يحدث من دعاة الضلال والعياذ بالله; فإن عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه: فإنه قد غفر له بسبب هذا التأنيب، وهذه لم تظهر لي من الحديث ولعلها تؤخذ من قوله: "قد غفرت له". ولا شك أن الإنسان قد يغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ ١.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢١٦.стр. 1078
باب: لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال،.............
الحواشي
(١) استشفع بالشيء; أي: جعله شافعا له، والشفاعة في الأصل: جعل الفرد شفعا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه; إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن يشفع عنده، بل يأمره أمرا والله لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد; لأنه أَجَلّ وأعظم من أن يكون شافعا، ولهذا أنكر النبي ﷺ ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد.
قوله: "أعرابي": واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجفاء; لأنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله.
قوله: "نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال" "نهكت"; أي: ضعفت. و"جاع العيال، وهلكت الأموال"; أي: من قلة المطر والخصب، فضعف الأنفس بسبب ضعف القوة النفسية والمعنوية التي تحصل فيما إذا لم يكن هناك خصب، وجاع العيال لقلة العيش، وهلكت الأموال; لأنها لم تجد ما ترعاه.стр. 1079
فاستسق لنا ربك; فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبي ﷺ سبحان الله! سبحان الله! ...............................................
الحواشي
(١) قوله: "فاستسق لنا ربك": أي: اطلب من الله أن يسقينا، وهذا لا بأس به; لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء.
قوله: "نستشفع بالله عليك": أي: نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول ﷺ .
قوله: "ونستشفع بك على الله": أي: نطلب منك أن تكون شافعا لنا عند الله، فتدعو الله لنا، وهذا صحيح.
قوله: "سبحان الله! سبحان الله": قاله ﷺ استعظاما لهذا القول، وإنكارا له، وتنزيها لله عما لا يليق به من جعله شافعا بين الخلق وبين الرسول ﷺ . و"سبحان": اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق من سبح يسبح تسبيحا، وإذا جاءت الكلمة بمعنى المصدر وليس فيها حروفه; فهي اسم مصدر، مثل: كلام اسم مصدر كَلّم والمصدر تكليم، ومثل: سلام اسم مصدر سَلّم والمصدر تسليم. و"سبحان": مفعول مطلق، وهو لازم النصب وحذف العامل أيضا، فلا يأتي مع الفعل، فلا تقول: سبحت الله سبحانا إلا نادرا في الشعر ونحوه. والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به من نقص، أو عيب، أو مماثلة للمخلوق، أو ما أشبه ذلك.
وإن شئت أدخل مماثلة المخلوق مع النقص والعيب; لأن مماثلة الناقص نقص، بل مقارنة الكامل بالناقص تجعله ناقصا; كما قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره
... إذا قيل إن السيف أمضى من العصاстр. 1080
فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: " ويحك!.....
الحواشي
(١) قوله: "فما زال": إذا دخلت "ما" على زال الذي مضارعها يزال; صار النفي إثباتا مفيدا للاستمرار; كقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ ١ الآية، وكقوله تعالى في المضارع: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ٢. وجملة "يسبح": خبر زال.
قوله: " حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ": أي: عرف أثره في وجوه أصحابه، وأنهم تأثروا بذلك; لأنهم عرفوا أنه ﷺ لا يسبح في مثل هذا الموضع ولا يكرره إلا لأمر عظيم، ووجه التسبيح هنا أن الرجل ذكر جملة فيها شيء من التنقص لله تعالى; فسبح النبي ﷺ ربه تنزيها له عما توهمه هذه الكلمة، ولهذا كان الرسول ﵊ وأصحابه في السفر إذا هبطوا واديا سبحوا; تنزيها لله تعالى عن السفول الذي كان من صفاتهم، وإذا علوا نشزا كبروا; تعظيما لله عز وجل٣ وأن الله تعالى هو الذي له الكبرياء في السماوات والأرض.
قوله: "ويحك": ويح: منصوب بعامل محذوف، تقديره: ألزمك الله ويحك. وتارة تضاف; فيقال: ويحك، وتارة تقطع عن الإضافة; فيقال: ويحا لك، وتارة ترفع على أنها مبتدأ; فيقال: ويحه أو ويح له. وهي وويل وويس كلها متقاربة في المعنى. ولكن بعض علماء اللغة قال: إن ويح كلمة ترحم، وويل كلمة وعيد. فمعنى ويحك: إني أترحم لك وأحن عليك. ومنهم من قال: كل هذه الكلمات تدل على
_________
١ سورة الأنبياء آية: ١٥.
٢ سورة آية: ١١٨-١١٩.
٣ أخرجه: البخاري في (الجهاد, باب التسبيح إذا هبط واديا, وباب التكبير إذا علا شرفا, ٢/٢٥٧) ; عن جابر بن عبد الله ﵄.стр. 1081
أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ... "" وذكر الحديث. رواه أبو داود١.
الحواشي
(٥٧٥) , ومحمد بن أبي شيبة في "العرش"(١١) , والطبراني في "الكبير"(١٥٤٧) , والدارقطني في "الضعفاء" (٣٨, ٣٩) , والبيهقي في "الأسماء" (٤١٧, ٤١٨) , والبغوي في "شرح السنة" (١/١٧٥, ١٧٦) , والمزي في "تهذيب الكمال" (١/ ١٨٤, ١٨٥) , والذهبي في "العلو" (ص ٣٧- ٣٩) . والحديث استغربه ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٣١٠) . وفي الحديث عنعنة ابن إسحاق, وجهالة جبير بن محمد; فإنه لم يوثقه غير ابن حبان, وللحافظ ابن عساكر جزء سماه: "بيان وجوه التخليط في حديث الأطيط".стр. 1082
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: " نستشفع بالله عليك".
الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة.
стр. 1083
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: " نستشفع بك على الله".
الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله!) .
الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء.
الحواشي
(٤٧٢٦) .
٢ سورة الأعراف آية: ٢٨.
٣ سورة الأعراف آية: ٢٨.
٤ سورة الأعراف آية: ٢٨.
٥ سورة الكهف آية: ٢٢.
٦ سورة الكهف آية: ٢٢.стр. 1084
............................................................
الحواشي
(١) عنه استسقى بالعباس، فقال: "اللهم! إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا". وتوسلهم بالنبي ﷺ كان بطلبهم الدعاء منه، ولهذا جاء في بعض الروايات: أن عمر كان يأمر العباس فيقوم فيدعو.
وبهذا نعرف أن القصة المروية عن الرجل العتبي الذي كان جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي، فقال: السلام عليكم يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ١، وإني قد جئت مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، قال العتبي: فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: يا عتبي! بشر الأعرابي أن الله قد غفر له.
فهذه الرواية باطلة لا صحة لها; لأن صاحبها مجهول، وكذلك من رواها عنه مجهولون، ولا يمكن أن تصح; لأن الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: إذا ظلموا، و"إذ" لما مضى بخلاف "إذا"، والصحابة ﵃ لما لحقهم الجدب في زمن عمر لم يستسقوا بالرسول ﷺ وإنما استسقوا بالعباس بن عبد المطلب بدعائه وهو حاضر فيهم٢.
_________
١ سورة النساء آية: ٦٤.
٢ أخرجه: البخاري في (الاستسقاء, باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء, ١/٣١٨) ; عن أنس ﵁.стр. 1085
............................................................
الحواشي
(١) ومن فوائد الحديث:
١- أنه ينبغي أن يقدم الإنسان عند الطلب الأوصاف التي تستلزم العطف عليه; لقوله: "نهكت الأنفس".
٢- الترحم على المذنب إذا قلنا: إن "ويح" للترحم.стр. 1086
باب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله.......................
الحواشي
(١) مناسبة الباب للتوحيد
لما تكلم المؤلف ﵀ فيما مضى من كتابه على إثبات التوحيد، وعلى ذكر ما ينافيه أو ينافي كماله; ذكر ما يحمي هذا التوحيد، وأن الواجب سد طرق الشرك من كل وجه حتى في الألفاظ ليكون خالصا من كل شائبة.
قوله: "انطلقت في وفد بني عامر": الظاهر أن هذا الوفد قدم على النبي ﷺ في العام التاسع; لأن الوفود كثرت في ذلك العام، ولذلك يسمى عام الوفود.
قوله: "أنت سيدنا": السيد: ذو السؤدد والشرف، والسؤدد معناه: العظمة والفخر وما أشبهه. وسيد: صفة مشبهة على وزن فيعل; لأن الياء الأولى زائدة.
قوله: "السيد الله": لم يقل ﷺ سيدكم كما هو المتوقع، حيث إنه رد على قولهم سيدنا لوجهين:стр. 1087
تبارك وتعالى ".........................................................
الحواشي
(١) الوجه الأول: إرادة العموم المستفاد من (أل) ; لأن (أل) للعموم، والمعنى: أن الذي له السيادة المطلقة هو الله ولكن السيد المضاف يكون سيدا باعتبار المضاف إليه، مثل: سيد بني فلان، سيد البشر، وما أشبه ذلك.
الوجه الثاني: لئلا يتوهم أنه من جنس المضاف إليه; لأن سيد كل شيء من جنسه. والسيد من أسماء الله تعالى، وهي من معاني الصمد; كما فسر ابن عباس الصمد بأنه الكامل في علمه وحلمه وسؤدده١ وما أشبه ذلك. ولم ينههم ﷺ عن قولهم: "أنت سيدنا"، بل أذن لهم بذلك; فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان فيترقوا من السيادة الخاصة إلى السيادة العامة المطلقة; لأن سيدنا سيادة خاصة مضافة، و"السيد" سيادة عامة مطلقة غير مضافة.
قوله: "تبارك": قال العلماء: معنى تبارك; أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله; فلا يقال: تبارك فلان; لأن هذا الوصف خاص بالله. وقول العامة: (أنت تباركت علينا) لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان إذا كان أهلا لذلك، قال أسيد بن حضير حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: " ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ".٢
_________
١ أخرجه: ابن جرير (٣٠/ ٧٤٤) . وأورده السيوطي في "الدر المنثور" وعزاه لابن المنذر, وابن أبي حاتم, وأبي الشيخ في "العظمة", والبيهقي في "الأسماء والصفات".
٢ أخرجه: البخاري في (التيمم, باب حدثنا عبد الله بن يوسف, ١/١٢٥) , ومسلم في (الحيض, باب التيمم, ١/٢٧٩) ; عن عائشة ﵂.стр. 1088
قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان " رواه أبو داود بسند جيد١.
الحواشي
(١) قوله: "وأفضلنا": أي: فضلك أفضل من فضلنا.
قوله: "وأعظمنا طَولا": أي: أعظمنا شرفا وغنى، والطول: الغنى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ٢ ويكون بمعنى العظمة، قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ ٣ ; أي: ذي العظمة والغنى.
قوله: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم": الأمر للإباحة والإذن كما سبق.
وقوله: "قولوا بقولكم": يعني: قولهم: أنت سيدنا أو أنت أفضلنا، وما أشبه ذلك.
وقوله: "أو بعض قولكم": يحتمل أن يكون شكا من الراوي، وأن يكون من لفظ الحديث; أي: اقتصروا على بعضه.
قوله: "ولا يستجرينكم الشيطان": استجراه بمعنى: جذبه وجعله يجري معه; أي: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولا منكرا; فأرشدهم ﷺ إلى ما ينبغي أن يفعل، ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يفعل; حماية للتوحيد من النقص أو النقض. وقال في النهاية: "لا يستجرينكم الشيطان"; أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جريا; أي: رسولا ووكيلا.
_________
١ سبق (ص٣٤١) .
٢ سورة النساء آية: ٢٥.
٣ سورة غافر آية: ٣.стр. 1089
......................................................................
الحواشي
(١) وعلى التفسيرين، فمراد النبي ﷺ حماية التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، والحماية من المنكر تعظم كلما كان المنكر أعظم وأكبر أو كان الداعي إليه في النفوس أشد. ولهذا تجد أن باب الشرك حماه النبي ﵊ حماية بالغة حتى سد كل طريق يمكن أن يكون ذريعة إليه; لأنه أعظم الذنوب، وأيضا باب الزنا حمي حماية عظيمة، حتى منعت المرأة من التبرج وكشف الوجه وخلوتها بالرجل بلا محرم وما أشبه ذلك; لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الزنا; لأن النفوس تطلبه، وفي باب الربا أيضا حمي الربا بحماية عظيمة، حتى إن الرجل ليعطي الرجل صاعا طيبا من البر بصاعين قيمتهما واحدة، ويكون ذلك ربا محرما، مع أنه ليس فيه ظلم. فالشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليه النفوس كثيرا لكنه أعظم الظلم; فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك بكل وسيلة; فحماه النبي ﷺ حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه من حيث لا يشعر، وهذا هو معنى الباب الذي ذكره المؤلف.
تنبيه: جرى شراح هذا الحديث على أن النبي ﷺ نهاهم عن قول سيدنا; فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ " أنا سيد ولد آدم "١ وقوله: " قوموا إلى سيدكم "٢ وقوله في الرقيق: " وليقل سيدي ومولاي "٣ بواحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز.
_________
١ سبق (١/٢٦٩) .
٢ أخرجه: (البخاري في المغازي , باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب, ٣/١١٩) ; عن أبي سعيد الخدري ﵁.
٣ سبق (ص٣٤١) .стр. 1090
......................................................................
الحواشي
(٧٦٠) , وأبو داود في (الأدب, باب لا يقول المملوك ربي وربتي, ٥/ ٢٥٧) , والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(٢٤٤) , وابن السني في "عمل اليوم والليلة", والحاكم (٤/ ٣١١) - وقال: "صحيح الإسناد, ولم يخرجاه"-; عن بريدة ﵁. وقال النووي في "الرياض"(١٧٢٨) : "رواه أبو داود بإسناد صحيحследующие страницы →