Полный текст (1 122 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
......................................................................
الحواشي
(١) فيستفاد من الحديث:
١- تحريم التصوير، وأنه من الكبائر لثبوت الوعيد عليه، وأن الحكمة من تحريمه المضاهاة بخلق الله .
٢- وجوب احترام جانب الربوبية وأن لا يطمع أحد في أن يخلق كخلق الله لقوله: " يضاهئون بخلق الله "، ومن أجل هذا حرم الكبر; لأن فيه منازعة للرب وحرم التعاظم على الخلق; لأن فيه منازعة للرب ، وكذلك هذا الذي يصنع ما يصنع فيضاهي خلق الله فيه منازعة لله في ربوبيته في أفعاله ومخلوقاته ومصنوعاته; فيستفاد من هذا الحديث وجوب احترام جانب الربوبية.
قوله: " أشد الناس عذابا ": فيه إشكال; لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبا; كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن الحديث على تقدير "من"; أي: من أشد الناس عذابا بدليل أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: "إن من أشد الناس عذابا".
الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ١ ولكن يشكل على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط; فكيف يسوى مع من هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!
الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها أشدهم عذابا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.
_________
١ سورة غافر آية: ٤٦.стр. 1017
ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم "١.
الحواشي
(٥٩٦٣) , ومسلم(٢١١٠) .стр. 1018
ولهما عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا; كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ " ١.
ولمسلم عن أبي الهياج; قال: قال لي علي:...........................
الحواشي
(١) عند المعتزلة والخوارج كينونة خلود; لأن فاعل الكبيرة عندهم مخلد في النار، وعند المرجئة أن المراد بالمصور الكافر; لأن المؤمن عندهم لا يدخل النار أبدا، وعند أهل السنة والجماعة أنه مستحق لدخول النار وقد يدخلها وقد لا يدخلها، وإن دخلها لم يخلد فيها.
وقوله: "بكل صورة صورها ": يقتضي أنه لو صور في اليوم عشر صور ولو من نسخة واحدة; فإنه يجعل له في النار عشر صور يقال له: انفخ فيها الروح، وظاهر الحديث أنه يبقى في النار معذبا حتى تنتهي هذه الصور.
قوله: "كلف": أي: ألزم، والمكلف له هو الله .
قوله: " وليس بنافخ ": أي: كلف بأمر لا يتمكن منه زيادة في تعذيبه، وعذب بهذا العذاب ليذوق جزاء ما عمل، وبهذا تزداد حسرته وأسفه، حيث إنه عذب بما كان في الدنيا يراه راحة له; إما باكتساب، أو إرضاء صاحب، أو إبداع صنعة.
قوله: "عن أبي الهياج": هو من التابعين.
_________
١ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب من لعن المصور, ٤/٨٣) , ومسلم في اللباس, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٧١) .стр. 1019
" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة ;
الحواشي
(١) قوله: "قال لي علي": هو علي بن أبي طالب ﵁.
قوله: "ألا أبعثك": البعث: الإرسال بأمر مهم; كالدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ١.
قوله: "على ما بعثني": يحتمل أن تكون "على" على ظاهرها للاستعلاء; لأن المبعوث يمشي على ما بعث عليه، كأنه طريق له، وهذا هو الأولى; لأن ما وافق ظاهر اللفظ من المعاني فهو أولى بالاعتبار، ويحتمل أن "على" بمعنى الباء; أي: بما بعثني عليه. وقد بعث النبي ﷺ عليا إلى اليمن بعد قسمة غنائم حنين، وقدم على النبي ﷺ وهو في مكة في حجة الوداع٢.
قوله: "أن لا تدع": "أن": مصدرية، "لا": نافية، "تدع": منصوب بأن المصدرية وهي بدل بعض من كل من "ما" في قوله: "على ما بعثني"; لأن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب بأكثر من ذلك، لكن هذا مما بعثه النبي ﷺ .
قوله: "صورة": نكرة في سياق النفي فتعم. وجمهور أهل العلم: أن المحرم هو صور الحيوان فقط; لما ورد في "السنن" من حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: " فمر برأس التمثال يقطع، فيصير كهيئة الشجرة "٣ وسبق بيان ذلك قريبا.
_________
١ سورة النحل آية: ٣٦.
٢ أخرجه: البخاري في (المغازي, باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن, ٣/١٦٢) , ومسلم في (الحج, باب بيان وجوه الإحرام, ٢/٨٨٣) .
٣ أخرجه: أحمد (٢/٣٠٥) , وأبو داود في (اللباس, باب في الصور, ٤/٣٨٨) , والترمذي في (الأدب, باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة, ٨/٣٥) - وقال: "حسن صحيح"-.стр. 1020
إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا; إلا سويته "١.
الحواشي
(١) قوله: "إلا طمستها": إن كانت ملونة فطمسها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالا فإنه يقطع رأسه، كما في حديث جبريل السابق، وإن كانت محفورة فيحفر على وجهه حتى لا تتبين معالمه; فالطمس يختلف، وظاهر الحديث سواء كانت تعبد من دون الله أو لا.
قوله: "ولا قبرا مشرفا": أي: عاليا.
قوله: "إلا سويته" له معنيان: الأول: أي سويته بما حوله من القبور. الثاني: جعلته حسنا على ما تقتضيه الشريعة، قال تعالى: ﴿الذي خلق فسوى﴾ ٢ أي: سوى خلقه أحسن ما يكون، وهذا أحسن، والمعنيان متقاربان.
والإشراف له وجوه:
الأول: أن يكون مشرفا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب) ، ونصائب أصح لغة من نصائل.
الثاني: أن يبني عليه، وهذا من كبائر الذنوب; لأن النبي ﷺ " لعن المتخذين عليها المساجد والسرج "٣.
الثالث: أن تشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة.
الرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله فيكون بينا ظاهرا. فكل شيء مشرف; أي: ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره، لئلا
_________
١ أخرجه: مسلم في (الجنائز, دار الأمر بتسوية القبر, ٢/ ٦٦٦) .
٢ سورة الأعلى آية: ٢.
٣ سبق (١/٤٢٨) .стр. 1021
......................................................................
الحواشي
(١) يؤدى ذلك إلى الغلو في القبور والشرك. ومناسبة ذكر القبر المشرف مع الصور:
أن كلا منهما قد يتخذ وسيلة إلى الشرك، فإن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوروا صور رجال صالحين، فلما طال عليهم الأمد عبدوها، وكذلك القبور المشرفة قد يزداد فيها الغلو حتى تجعل أوثانا تعبد من دون الله، وهذا ما وقع في بعض البلاد الإسلامية، وقد أطال الشارح ﵀ في هذا الباب في البناء على القبور، وذلك لأن فتنتها في البلاد الإسلامية قديمة وباقية، ما عدا بلادنا ولله الحمد; فإنها سالمة من ذلك، نسأل الله أن يديم عليها وأن يحمي بلاد المسلمين من شرها.
عقوبة المصور ما يلي:
١- أنه أشد الناس عذابا أو من أشدهم عذابا.
٢- أن الله يجعل له في كل صورة نفسا يعذب بها في نار جهنم.
٣- أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.
٤- أنه في النار.
٥- أنه ملعون; كما في حديث أبي جحيفة في "البخاري" وغيره.
فائدتان:
الأولى: "كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" يقتضي أن المراد التصوير تصوير الجسم كاملا وعلى هذا; فلو صور الرأس وحده بلا جسم أو الجسم وحده بلا رأس فالظاهر الجواز، ويؤيده ما سبق في الحديث: " مر برأس التمثال فليقطع "، ولم يقل: فليكسر، لكن تصويرстр. 1022
......................................................................
الحواشي
(١) الرأس وحده عندي فيه تردد، أما بقية الجسم بلا رأس; فهو كالشجرة لا تردد فيه عندي.
الثانية: تؤخذ من حديث علي ﵁ وهو قوله: " أن لا تدع صورة إلا طمستها " أنه لا يجوز اقتناء الصور، وهذا محل تفصيل; فإن اقتناء الصور على أقسام:
القسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور; لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوه أو نحو ذلك; فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتا فيه هذه الصورة; لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثلم في جانب الربوبية، وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثلم في جانب الألوهية.
القسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها; فهذا حرام أيضا; لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق.
القسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانا أو تلطفا، كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر فهذا أيضا حرام للحوق الوعيد به في قوله ﷺ "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة "١.
القسم الرابع: أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقا، ولكنها تأتي تبعا لغيرها; كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك; فالظاهر أن هذا لا بأس به; لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة; فهو أولى.
_________
١ أخرجه: البخاري في (اللباس, باب من لم يدخل بيتا فيه صورة, ٤/٨٣) , ومسلم في (اللباس, باب تحريم تصوير صورة الحيوان, ٣/١٦٦٩) ; عن عائشة ﵂.стр. 1023
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.
الحواشي
(١) القسم الخامس: أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مهانة ملقاة في الزبل، أو مفترشة، أو موطوءة; فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟
الجواب: نقول: لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه; لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصا أو سراويل أم عمامة أم غيرها. وقد ظهر أخيرا ما يسمى بالحفائظ; وهي خرقة تلف على الفرجين للأطفال والحائض لئلا يتسرب النجس إلى الجسم أو الملابس; فهل تلحق بما يلبس أو بما يمتهن؟ هي إلى الثاني أقرب، لكن لما كان امتهانا خفيا وليس كالمفترش والموطوء صار استحباب التحرز منها أولى.
القسم السادس: أن يلجأ إلى اقتنائها إلجاء; كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين تؤخذ من قوله: "أشد الناس عذابا ... " الحديث.
_________
١ سورة الحج آية: ٧٨.стр. 1024
الثانية: التنبيه على العلة، وهي ترك الأدب مع الله; لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي".
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم; لقوله: " فليخلقوا ذرة أو شعيرة ".
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم.
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.
الحواشي
(١) الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله، تؤخذ من قوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي": فمن ذهب يخلق كخلق الله; فهو مسيء للأدب مع الله لمحاولته أن يخلق مثل خلق الله تعالى، كما أن من ضاده في شرعه فقد أساء الأدب معه.
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم; لقوله: " فليخلقوا ذرة أو شعيرة ": لأن الله خلق أكبر من ذلك وهم عجزوا عن خلق الذرة أو الشعيرة.
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا: لقوله: "أشد الناس عذابا ... " الحديث.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم: لقوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم".
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح: لقوله: "كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ"، وهذا نوع من التعذيب من أشق العقوبات.стр. 1025
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
الحواشي
(١) السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت: لقوله: "أن لا تدع صورة إلا طمستها": ويؤخذ من حديث الباب أيضا: الجمع بين فتنة التماثيل وفتنة القبور; لقوله: " أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته "; لأن في كل منهما وسيلة إلى الشرك. ويؤخذ منه أيضا: إثبات العذاب يوم القيامة، وأن الجزاء من جنس العمل; لأنه يجعل له بكل صورة صورها نفس فتعذبه في جهنم.
ويؤخذ منه: وقوع التكليف في الآخرة بما لا يطاق على وجه العقوبة.стр. 1026
باب: ما جاء في كثرة الحلف
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١.
الحواشي
(١) الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي: الباء، والواو، والتاء.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله، وتعظيم الله تعالى من تمام التوحيد.
قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ٢ هذه الآية ذكرها الله في سياق كفارة اليمين، وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط; فالابتداء الحلف، والانتهاء الكفارة، والوسط الحنث، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، وعلى هذا كل يمين على شيء ماض فلا حنث فيه، وما لا حنث فيه فلا كفارة فيه، لكن إن كان صادقا; فقد بر، وإلا; فهو آثم; لأن الكفارة لا تكون إلا على شيء مستقبل.
وهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟
_________
١ سورة المائدة آية: ٨٩.
٢ سورة المائدة آية: ٨٩.стр. 1027
......................................................................
الحواشي
(١) الجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله ﷺ : والله; ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. لكن إن حلفت على مستقبل بناء على غلبة الظن ولم يحصل; فقيل: تلزمك كفارة، وقيل: لا تلزمك، وهو الصحيح، كما لو حلفت على ماض.
مثاله: فلو قلت: والله; ليقدمن زيد غدا. بناء على ظنك، فلم يقدم; الصحيح أنه لا كفارة عليك; لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله; إن هذا هو ظني، لكن هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟ سبق ذلك قريبا.
إذن قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١ بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث; فما المراد بحفظ اليمين: هل هو الابتداء أو الانتهاء أو الوسط; أي: هل المراد: لا تكثروا الحلف بالله؟ أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا; أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟
الجواب: المراد كلها; فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب; لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا، وهي أن النص من قرآن أو سنة إذا كان يحتمل عدة معاني لا ينافي بعضها بعضا ولا مرجح لأحدها; وجب حمله على المعاني كلها. والمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودا ومقصودا، أما ما يجري على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله; وبلى والله; في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه، لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ٢ وكذلك من حفظ اليمين عدم الحنث فيها، وهذا فيه تفصيل; لأن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها; فكفر عن يمينك، وائت الذي هو
_________
١ سورة المائدة آية: ٨٩.
٢ سورة المائدة آية: ٨٩.стр. 1028
......................................................................
الحواشي
(١٦١٠٢) , والبيهقي (١٠/٦٠) . وإسنادها صحيح; كما في "الإرواء" (٨/٢٠٣) .стр. 1029
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقوله: " الحلف منفقة للسلعة،...............................................................
الحواشي
(١) ٢- حفظها وسطا، وذلك بعدم الحنث فيها، إلا ما استثني كما سبق.
٣- حفظها انتهاء في إخراج الكفارة بعد الحنث.
ويمكن أن يضاف إلى ذلك معنى رابع، وهو أن لا يحلف بغير الله; لأن الرسول ﷺ سمى القسم بغير الله حلفا.
قوله: "الحلف": المراد به الحلف الكاذب; كما بينته رواية أحمد: "اليمين الكاذبة١ "، أما الصادقة; فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق.
قوله: " منفقة للسلعة ": أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النفاق وهو مضي الشيء ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها.
الذات: كأن يحلف أنها من المصنع الفلاني المشهور بالجودة وليست منه.
النوع: كأن يحلف أنها من الحديد، وهي من الخشب.
الصفة: كأن يحلف أنها طيبة، وهي رديئة.
القيمة: كأن يحلف أن قيمتها بعشرة، وهي بثمانية.
_________
١ أخرجه: أحمد في "المسند" (٢/ ٢٣٥- ٢٤٣, ٤١٣) .стр. 1030
ممحقة للكسب "١ أخرجاه.
وعن سلمان; أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله.........
الحواشي
(١) قوله:" ممحقة للكسب ": أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه في العلاج، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به لا دينا ولا دنيا، وكم من إنسان عنده مال قليل، لكن نفعه الله به ونفع غيره ومن وراءه، وكم من إنسان عنده أموال لكن لم ينتفع بها صار -والعياذ بالله- بخيلا يعيش عيشة الفقراء وهو غني; لأن البركة قد محقت.
قوله: "ثلاثة": مبتدأ، وسوغ الابتداء بها أنها أفادت التقسيم.
قوله: "لا يكلمهم الله ": التكليم: هو إسماع القول، وأما ما يقدره الإنسان في نفسه; فلا يسمى كلاما على سبيل الإطلاق، وإن كان يسمى قولا بالتقييد بالنفس; كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ ٢ وقال عمر ﵁ -في قصة السقيفة-: "زورت في نفسي كلاما"٣ أي: قدرته. فالكلام عند الإطلاق لا يكون إلا بحرف وصوت مسموع. واختلف الناس في كلام الله إلى ثمانية أقوال كما ذكره ابن القيم في "الصواعق المرسلة".
_________
١ أخرجه: البخاري في (البيوع, باب يمحق الله الربا, ٢/ ٨٤) , ومسلم في (المساقاة, باب النهي عن الحلف في البيع, ٣/١٢٢٨) .
٢ سورة المجادلة آية: ٨.
٣ أخرجه: البخاري في (الحدود, باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت, ٤/ ٢٥٨) .стр. 1031
......................................................................
الحواشي
(١) لكن إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأخذنا منهما عقيدتنا صافية، وقطعنا النظر عن هذه المجادلات لأنه ما أوتي الجدل قوم إلا ضلوا; علمنا أن كلام الله حقيقي يسمع، ولكن الصوت ليس كأصوات المخلوقين، أما ما يسمع من كلام الله; فلا شك أنه بحرف يفهمها المخاطب; إذ لو كان يتكلم بحروف لا تشبه الحروف التي يتكلم بها المخاطب لم يفهم كلامه أبدا، فالحروف التي تسمع هي حروف اللغة التي يخاطب الله بها من يخاطبه، والله يخاطب كل أحد بلغته. ونفي الكلام هنا دليل على إثبات أصله، لأنه لما نفاه عن قوم دل على ثبوته لغيرهم. وبهذه الطريقة استدل بعض أهل العلم على إثبات رؤية الله يوم القيامة للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١ فما حجب الفجار عن رؤيته إلا ورآه الأبرار; إذ لو امتنعت الرؤية مطلقا لكان الفجار والأبرار سواء فيها، كذلك هنا لو انتفى كلام الله عن كل أحد; فلا وجه للتخصيص بنفي الكلام عن هؤلاء. ولا يلزم من كلامه -سبحانه- أن يكون له آلة كالآدمي; كاللسان، والأسنان، والحلق، وما أشبه ذلك، كما لا يلزم من سماع الله أن يكون له أذن; فالأرض مثلا تسمع وتحدث وليس لها لسان ولا آذان، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٢ وكذا الجلد ينطق يوم القيامة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣ وكذا الأيدي والأرجل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ فالأيدي والأرجل والألسن والجلود والسمع والأبصار ليس لها لسان ولا شفتان، هذا هو المعلوم لنا.
_________
١ سورة المطففين آية: ١٥.
٢ سورة آية: ٤-٥.
٣ سورة فصلت آية: ٢٠.
٤ سورة النور آية: ٢٤.стр. 1032
ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر،
الحواشي
(١) فإن قيل: إن الله يكلم من هو أعظم منهم جرما وهم أهل النار؟
فالجواب: أن المراد بنفي الكلام هنا كلام الرضا، أما كلام الغضب والتوبيخ; فإن هذا الحديث لا يدل على نفيه.
وقوله: "ولا يزكيهم": التزكية: بمعنى التوثيق والتعديل; فيوم القيامة لا يوثقهم، ولا يعدلهم، ولا يشهد عليهم بالإيمان; لما فعلوه من هذه الأفعال الخبيثة.
وقوله: "ولهم عذاب أليم": "عذاب": عقوبة، و"أليم"; أي: شديد موجع مؤلم.
وقوله: "أشيمط": هو الذي اختلط سواد شعره ببياضه لكبر سنه، وكبير السن قد بردت شهوته، وليس فيه ما يدعوه إلى الزنى، ولكنه زنا مما دل على خبث في إرادته; ولأنه عادة قد بلغ أشده واستوى وعرف الحكمة، وملكه عقله أكثر من هواه; فالزنى منه غريب; إذ ليس عن شهوة ملحة، ولكن عن سوء نية وقصد وضعف إيمان بالله، فصار السبب المقتضي لزناه ضعيفا، والحكمة التي نالها ببلوغ الأشد كبيرة، وكأن تقادم سنه يستلزم أن يغلب جانب العقل، ولكنه خالف مقتضى ذلك، ولهذا صغره تحقيرا لشأنه، فقال: "أشيمط" تصغير أشمط.
قوله: "زان": صفة لأشيمط، وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، والحركة التي على النون ليست حركة إعراب.
والزنى: فعل الفاحشة في قبل أو دبر، وقد نهى الله عنه وبين أنه فاحشة; فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ١.
قوله: "عائل مستكبر": أي: فقير، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً
_________
١ سورة الإسراء آية: ٣٢.стр. 1033
ورجل جعل الله بضاعته; لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه (٢ رواه الطبراني بسند صحيح.
الحواشي
(٦١١١) , و "الصغير" (٢/٢١) , و"الأوسط"; كما في "المجمع". وقال المنذري في "الترغيب" (٢/٥٨٧) , والهيثمي في "المجمع" (٤/٧٨) : "ورواته محتج بهم في الصحيح".
٣ أخرجه: مسلم في (الإيمان, باب تحريم الكبر, ١/٩٣) ; عن ابن مسعود ﵁.
٤ مسلم: البر والصلة والآداب(٢٥٦٩) .
٥ سبق (ص ٣٤٤) .стр. 1034
......................................................................
الحواشي
(١) تفسيرية; لقوله: " جعل الله بضاعته "، ومعناها: أنه كلما اشترى حلف، وكلما باع حلف طلبا للكسب، واستحق هذه العقوبة; لأنه إن كان صادقا; فكثرة إيمانه تشعر باستخفافه واستهانته باليمين ومخالفته قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١ وإن كان كاذبا جمع بين أربعة أمور محذورة:
١- استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.
٢- كذبه.
٣- أكله المال بالباطل.
٤- أن يمينه يمين غموس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "٢.
وكل ما في هذا الحديث يجب الحذر منه والبعد عنه، لأن هذا ما يريده النبي ﷺ من الإخبار به، وإلا; فما الفائدة من سماعنا له إذا لم تظهر مقتضيات النصوص على معتقداتنا وأقوالنا وأفعالنا؟ فنحن والجاهل سواء; بل نحن أعظم، ولذلك لا ينبغي أن تمر علينا بلا فائدة فنعرف معناها فقط، بل يجب أن نعرف معناها ونعمل بمقتضاها، ثم يجب علينا أيضا بوصفنا ممن آتاهم الله العلم أن نحذر الناس منها لنكون وارثين للرسول ﷺ فالنبي ﷺ كان عالما عاملا داعيا، أما طالب العلم; فإنه ليس وارثا للرسول ﵊ حتى يقوم بما قام به من العمل
_________
١ سورة المائدة آية: ٨٩.
٢ أخرجه: البخاري في (الأيمان, باب قول الله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا, ٤/ ٢٢) , ومسلم في (الأيمان, باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة, ١/ ١٢٢) ; عن ابن مسعود ﵁.стр. 1035
وفي " الصحيح " عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير أمتي قرني،......................................................
الحواشي
(١) والدعوة، فعلينا أن نحذر إخواننا المسلمين من هذا العمل الكثير بين الناس، وهو جعل الله بضاعة لهم; لا يبيعون إلا بأيمانهم، ولا يشترون إلا بأيمانهم.
مناسبة الحديث للباب
أن من جعل الله بضاعته; فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله .
قوله: "وفي الصحيح": أي: "الصحيحين"، وانظر كلامنا: في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله١.
قوله: " خير أمتي قرني ": "خير": مبتدأ، و"قرني": خبر. وفي لفظ لهما: "خيركم قرني٢ "، وفي حديث ابن مسعود عند البخاري: " خير الناس قرني "، وهذا هو المراد; إذ المراد بالخيرية هنا الخيرية المضافة إلى الناس عموما وليس للأمة فقط، ولهذا ثبت عنه ﷺ أنه قال: " بعثت من خير قرون بني آدم "٣ وعليه; فالخيرية في القرن الأول خيرية عامة على جميع الناس وليس على هذه الأمة فقط.
وأما قوله: "خير أمتي": فإنه يقال: إن الخيرية إذا كانت مضافة إلى
_________
(ص ١/١٥٧) .
٢ أخرجه: البخاري في (الشهادات, باب لا يشهد على شهادة جور, ٢/٢٥١) , ومسلم في (فضائل الصحابة, باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم, ٤/١٩٦٣) .
٣ أخرجه: البخاري في (المناقب, باب صفة النبي ﷺ , ٢/٥١٧) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 1036
......................................................................
الحواشي
(١) عموم الناس دخل فيها هذه الأمة، لكن إذا خصصناها بهذه الأمة خرج بقية الناس، والأخذ بالعموم الداخل فيه الخاص أولى، وقد يقال: إن معنى اللفظين واحد، فإن هذه الأمة خير الأمم، فإذا كان الصحابة خير قرونها لزم أن يكونوا خير الناس. والقرن مأخوذ من الاقتران، والمراد: الطائفة المقترنون بشيء من الأشياء; كالملة، أو السن، أو ما أشبه ذلك. فمن العلماء عرفه: بالطائفة كما سبق، ومنهم من عرفه بالزمن، وهؤلاء اختلفوا فيه على أقوال: فمنهم من حده بأربعين، ومنهم من حده بثمانين، ومنهم من حده بمئة، ومنهم من حده بمئة وعشرين سنة.
فعلى الأول يكون معنى: " خير أمتي قرني ": خير أمتي الصحابة، سواء بلغوا مئة سنة أم لا، والمعروف أن آخر من مات من الصحابة مات سنة مئة وعشرة أو مئة وعشرين، فإذا قلنا: مئة وعشرين; فهذه المدة زائدة على المئة، وإذا اعتبرناها من البعثة تكون مئة وثلاثا وثلاثين سنة; لأن التقويم مبتدأ من الهجرة، والهجرة كانت بعد البعثة بثلاث عشرة سنة، وهذا القرن الأول، أما التابعون; فإن آخرهم مات سنة مائة وثمانين، فيكون بينهم وبين الصحابة ستون سنة، وأما تابعو التابعين; فإن آخرهم مات سنة مئتين وعشرين، وهذا منتهى القرن الثالث. فقرن الصحابة إن ابتدأته من البعثة صار ثلاثا وثلاثين ومئة سنة، وإن ابتدأته من الهجرة صار عشرين ومئة سنة. وقرن التابعين ستون سنة. وقرن تابعي التابعين أربعون سنه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القرن معتبر بمعظم الناس، فإذا كان معظم الناس الصحابة; فالقرن قرنهم، وإذا كان معظم الناس التابعين; فالقرن قرنهم، وهكذا.стр. 1037
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟، ثم إن بعدكم قوم.....................................
الحواشي
(١) قوله: "أمتي": المراد أمة الإجابة; لأن أمة الدعوة إذا لم يؤمنوا فليس فيهم خير.
قوله: "فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا": وإذا كان عمران لا يدري; فالأصل أنه ذكر مرتين، فتكون القرون المفضلة ثلاثة، وهذا هو المشهور.
قوله: "ثم إن بعدكم قوم": وفي رواية البخاري: "ثم إن بعدكم قوما" بنصب "قوما"، وهذا لا إشكال فيه، لكن في هذه الرواية برفع "قوم١ " فيه إشكال; لأن "قوم" اسم إن، وقد اختلف العلماء في هذا:
فقيل على لغة ربيعة: الذين لا يقفون على المنصوب بالألف، فلم يثبت الكاتب الألف، فصارت "قوم". وهذا جواب ليس بسديد; لأن الرواية ليست مكتوبة فقط، بل تكتب وتقرأ باللفظ عند أخذ التلاميذ الرواية من المشايخ، ولأن هذا ليس محل وقف.
وقيل: إن "إن" اسمها ضمير الشأن محذوف، إلحاقا لها بإن المخففة; لأن "إن" المخففة تعمل بضمير الشأن، قال الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن
فإن المشددة هنا حملت على إن المخففة، فاسمها ضمير الشأن محذوف، وعليه يكون "بعدكم": خبر مقدم، و"قوم": مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "إن".
_________
١ انظر: "فتح الباري" (٧/ ٧) .стр. 1038
يشهدون ولا يستشهدون،.............................................
الحواشي
(١٧١٩) , والترمذي: الشهادات(٢٢٩٥) , وأبو داود: الأقضية(٣٥٩٦) , وابن ماجه: الأحكام(٢٣٦٤) , وأحمد (٤/١١٥ ,٤/١١٦ ,٤/١١٧ ,٥/١٩٢ ,٥/١٩٣) , ومالك: الأقضية(١٤٢٦) .
٣ أخرجه: مسلم في (الأقضية, باب خير الشهود, ٣/ ١٣٤٤) .стр. 1039
ويخونون ولا يؤتمنون،.................................................
الحواشي
(١) حقوق الله تعالى; لأن حقوق الله تعالى ليس لها مطالب، فيؤدي الشهادة من غير أن يسألها، فيكون المراد بهم رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوهم. وجمع بعضهم: بأن المراد بحديث زيد بن خالد أنه كناية عن السرعة بأداء الشهادة، فكأنه لشدة إسراعه يؤديها قبل أن يسألها. وبعض العلماء رجح حديث عمران; لأنه في "الصحيحين" على حديث زيد بن خالد; لأنه في "مسلم". ولكن إذا أمكن الجمع; فلا يجوز الترجيح لأن مقتضاه إلغاء أحد النصين، والجمع هنا ممكن كما تقدم.
قوله: " يخونون ولا يؤتمنون ": هذا هو الوصف الثاني لهم; أي: أنهم أهل خيانة وليسوا أهل أمانة، فلا يأتمنهم الناس، وليس المعنى أنه تقع منهم الخيانة بعد الائتمان حتى يقال: لماذا لم يقل: يؤتمنون ويخونون؟ فكأن الخيانة طبيعة لهم; فلخيانتهم لا يؤتمنون.
الخيانة: الغدر والخداع في موضع الائتمان، وهي من الصفات المذمومة بكل حال. وأما المكر والخديعة; فهي مذمومة في حال دون حال، فقد تكون محمودة إذا كانت في مقاتلة عدو ماكر خادع لدلالتها على القوة والإيقاع بالعدو من حيث لا يشعر، ولهذا يوصف الله بالمكر والخداع في الحال التي يكون فيها مدحا، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١ وقال تعالى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٢ وأما الخيانة; فلا يوصف الله بها أبدا; لأنها ذم بكل حال، ولهذا كان قول العامة: خان الله من خان، حراما; لأنهم وصفوا الله بما لا يصح أن يوصف به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ٣ ولم يقل: فخانهم.
_________
١ سورة الأنفال آية: ٣٠.
٢ سورة النساء آية: ١٤٢.
٣ سورة الأنفال آية: ٧١.стр. 1040
وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن "١.
الحواشي
(١) قوله: "ولا يؤتمنون": أي: ليسوا أهلا للأمانة; فلا يؤتمنون على الدماء، ولا الأموال، ولا الأعراض، ولا أي شيء، والظاهر أن هذا في القرن الرابع; فما بالك بالقرن الخامس عشر؟! وفي حديث آخر: "ويفشو بينهم الكذب".٢
قوله: "وينذرون ولا يوفون": هذا هو الوصف الثالث لهم. النذر: إلزام الإنسان نفسه بالشيء وقد يكون للآدمي، وهذا بمعنى العهد الذي يوقعه الإنسان بينه وبين غيره، وقد يكون لله; كنذر العبادة يجب الوفاء به، فهم ينذرون لله ولا يوفون له، ويعاهدون المخلوق ولا يوفون له، وهذا من صفات النفاق.
قوله: " ويظهر فيهم السمن ": هذا هو الوصف الرابع لهم. "السمن": كثرة الشحم واللحم، وهذا الحديث مشكل; لأن ظهور السمن ليس باختيار الإنسان; فكيف يكون صفة ذم؟!
قال أهل العلم: المراد أن هؤلاء يعتنون بأسباب السمن من المطاعم والمشارب والترف، فيكون همهم إصلاح أبدانهم وتسمينها. أما السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه; فلا يذم عليه، كما لا يذم الإنسان على كونه طويلا أو قصيرا أو أسود أو أبيض، لكن يذم على شيء يكون هو السبب فيه.
_________
١ أخرجه: البخاري في (الشهادات, باب لا يشهد على شهادة جور, ٢/٢٥١) , ومسلم في (فضائل الصحابة, باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم, ٤/١٩٦٢) .
٢ أخرجه: أحمد (١/١٨) , والترمذي في (الفتن, باب ما جاء في لزوم الجماعة, ٦/٣٣٣) - وقال: "حسن, صحيح, غريب"-, وابن ماجه في (الأحكام, باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد, ٢/٧٩١) ; عن عمر بن الخطاب ﵁.стр. 1041
وفيه عن ابن مسعود; أن النبي ﷺ قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "١.
الحواشي
(٣٦٥١) , ومسلم: فضائل الصحابة(٢٥٣٣) , والترمذي: المناقب(٣٨٥٩) , وابن ماجه: الأحكام(٢٣٦٢) , وأحمد (١/٣٧٨ , ٤١٧ , ٤٣٤, ٤٣٨, ٤٤٢ , ٢٦٧ , ٢٧٦ , ٢٧٧) .стр. 1042
"قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار"١.
الحواشي
(١) يناله أحد غير الصحابة ولا أحد يسبقهم فيه، وأما العلم والعبادة; فقد يكون فيمن بعد الصحابة من هو أكثر من بعضهم علما وعبادة.
تنبيه:
ساق المؤلف ﵀ الحديث في بعض النسخ بتكرار قوله: "ثم الذين يلونهم" ثلاث مرات، وهو في "الصحيحين" بتكرارها مرتين.
قوله: "وقال إبراهيم": هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم.
قوله: "كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار": في نسخة: "على الشهادة والعهد"، والظاهر أن الذي يضربهم ولي أمرهم.
وقوله: "على الشهادة": أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، ويحتمل أن المراد بذلك ضربهم على المبادرة بالشهادة والعهد، وبه فسره ابن عبد البر.
وقوله: "والعهد": أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد.
قوله: "ونحن صغار": الجملة حالية، وإنما يضربونهم وهم صغار للتأديب.
ويستفاد من كلام إبراهيم أن الصبي تقبل منه الشهادة لأن قوله: "ونحن صغار"; أي: لم يبلغوا، وهذا محل خلاف بين أهل العلم. فقال
_________
١ أخرجه: البخاري في (الشهادات, باب لا يشهد على جور, ٢/٢٥١) , وأيضا أخرجه في (فضائل الصحابة, ٣٦٥١, وفي الرقاق, ٦٤٢٩, وفي الأيمان, ٦٦٥٨) , ومسلم في (فضائل الصحابة, باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم, ٤/١٦٩٢, ١٦٩٣) .стр. 1043
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه.
الحواشي
(١) بعضهم: يشترط لأداء الشهادة أن يكون بالغا، فإذا تحمل وهو صغير، لم تقبل منه حتى يبلغ. وقال بعضهم: شهادة الصغار بعضهم على بعض مقبولة تحملا وأداء; لأن البالغ يندر أن يوجد بين الصغار. وقال بعضهم: تقبل شهادة الصغار بعضهم على بعض إن شهدوا في الحال; لأنه بعد التفرق يحتمل النسيان أو التلقين، ولا يسع العمل إلا بهذا، وإلا; لضاعت حقوق كثيرة بين الصبيان.
ويستفاد من هذا الأثر جواز ضرب الصبي على الأخلاق إذا لم يتأدب إلا بالضرب.
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١ والأمر وصية.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة: تؤخذ من قوله ﷺ "الحلف منفقة للسلعة ... " إلخ.
الثالثة: الوعيد الشديد لمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه تؤخذ
_________
١ سورة المائدة آية: ٨٩.стр. 1044
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
الحواشي
(١) من قوله ﷺ "ورجل جعل الله بضاعته; لا يشتري إلا بيمينه ... " إلخ في ضمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي تؤخذ من حديث سلمان، حيث ذكر الأشيمط الزاني والعائل المستكبر، وغلظ في عقوبتهم; لأن الداعي إلى فعل المعصية المذكورة ضعيف عندهما.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون لقوله ﷺ " ورجل جعل الله بضاعته; لا يشتري إلا بيمينه ... ". ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل النبي ﷺ حلف ولم يستحلف في مواضع عديدة، بل أمره الله - سبحانه- أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن بدون أن يستحلف: في قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ ١ [يونس: ٥٣] وفي قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ٢ [التغابن: ٧] وفي قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ٣ [سبأ: ٣] .
وعليه; فإن الحلف إذا دعت الحاجة إليه أو اقتضته المصلحة; فإنه جائز، بل قد يكون مندوبا إليه; كحلف النبي ﷺ في قصة المخزومية، حيث قال: " وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "٤ فقد وقع موقعا عظيما من هؤلاء القوم الذين أهمهم شأن المخزومية وممن يأتي بعدهم.
_________
١ سورة يونس آية: ٥٣.
٢ سورة التغابن آية: ٧.
٣ سورة سبأ آية: ٣.
٤ أخرجه: البخاري في (الحدود, باب كراهة الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان, ٤/٢٤٨) , ومسلم في (الحدود, باب قطع السارق الشريف, ٣/١٣١٥) ; عن عائشة ﵂.стр. 1045
السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم.
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
الحواشي
(١) السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة وذكر ما يحدث بعدهم: تؤخذ من قوله: "خير الناس قرني ... "، وقوله: "أو الأربعة" بناء على ثبوت ذكر الرابع، وأكثر الروايات وأثبتها على حذفه.
قوله: "وذكر ما يحدث": لو جعلت هذه المسألة مستقلة; لكان أبين وأوضح; لأن الإخبار عن شيء مستقبل ووقوعه كما أخبر دليل على رسالته ﷺ .
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون تؤخذ من حديث عمران، وكذا ذم الذين يخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، والذين يتعاطون أسباب السمن ويغفلون عن سمن القلب بالإيمان والعلم.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد تؤخذ من قول إبراهيم النخعي: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد" فيؤخذ منه تعظيم شأن العهد والشهادة وضرب الصغار على ذلك، ويؤخذ منه أيضا عناية السلف بتربية أولادهم، وأن من منهجهم الضرب على تحقيق ذلك استنادا إلى إرشاد نبيهم ﷺ حيث أمر بضرب من بلغ عشر سنين على الصلاة، لكن يشترط لجواز الضرب:
الأول: أن يكون الصغير قابلا للتأديب; فلا يضرب من لا يعرف المراد بالضرب.стр. 1046
......................................................... ...
الحواشي
(١) الثاني: أن يكون التأديب ممن له ولاية عليه.
الثالث: أن لا يسرف في ذلك كمية أو كيفية أو نوعا أو موضعا أو غير ذلك.
الرابع: أن يقع من الصغير ما يستحق التأديب عليه.
الخامس: أن يقصد تأديبه لا الانتقام لنفسه، فإن قصد الانتقام; لم يكن مؤدبا، بل منتصر.стр. 1047
باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١٨٤٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.стр. 1048
......................................................................
الحواشي
(١) قوله تعالى: "وأوفوا": أمر من الرباعي من أوفى يوفي، والإيفاء إعطاء الشيء تاما، ومنه إيفاء المكيال والميزان.
قوله: "بعهد الله": يصلح أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله; أي: بعهدكم الله، أو بعهد الله إياكم; لأن الفعل إذا كان على وزن فاعل اقتضى المشاركة من الجانبين غالبا، مثل: قاتل ودافع.
قوله: ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ فائدتها التوكيد والتنبيه على وجوب الوفاء; أي: إذا صدر منكم العهد; فإنه لا يليق بكم أن تدعوا الوفاء، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ١ نقض الشيء هو حل إحكامه، وشبه العهد بالعقدة، لأنه عقد بين المتعاهدين.
قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والتوكيد مصدر وكد، يقال: وكد الأمر وأكده تأكيدا وتوكيدا، والواو أفصح من الهمزة.
قوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ٢ الجملة حالية فائدتها قوة التوبيخ على نقض العهد واليمين. ووجه جعل الله كفيلا: أن الإنسان إذا عاهد غيره قال: أعاهدك بالله، أي أنه جعل الله عليه كفيلا.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٣ ختم الله الآية بالعلم تهديدا عن نقض العهد; لأن الإنسان إذا علم بأن الله يعلم كل ما يفعل; فإنه لا ينقض العهد.
ومناسبة الآية للترجمة واضحة جدا; لأن الله قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ٥.
والعهد: الذمة.
_________
١ سورة النحل آية: ٩١.
٢ سورة النحل آية: ٩١.
٣ سورة النحل آية: ٩١.
٤ سورة النحل آية: ٩١.
٥ سورة النحل آية: ٩١.стр. 1049
وعن بريدة; قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية; أوصاه بتقوى الله،..............................................
الحواشي
(١) ومناسبة الباب للتوحيد
أن عدم الوفاء بعهد الله تنقص له، وهذا مخل بالتوحيد.
قوله: "إذا أمر": أي: جعله أميرا، والأمير في صدر الإسلام يتولى التنفيذ والحكم والفتوى والإمامة.
قوله: "أو سرية": هذه ليست للشك، بل للتنويع; فإن الجيش ما زاد على أربعمائة رجل والسرية ما دون ذلك.
والسرايا ثلاثة أقسام:
أ- قسم ينفذ من البلد، وهذا ظاهر، ويقسم ما غنمه، كقسمة ما غنم الجيش.
ب- قسم ينفذ في ابتداء سفر الجهاد، وذلك بأن يخرج الجيش بكامله ثم يبعث سرية تكون أمامهم.
ج- قسم ينفذ في الرجعة، وذلك بعد رجوع الجيش.
وقد فرق العلماء بينهما من حيث الغنيمة; فلسرية الابتداء الربع بعد الخمس; لأن الجيش وراءها، فهو ردء لها وسيلحق بها، ولسرية الرجعة الثلث بعد الخمس; لأن الجيش قد ذهب عنها; فالخطر عليها أشد. وهذا الذي تعطاه السريتان راجع إلى اجتهاد الإمام: إن شاء أعطى وإن شاء منع حسبما تقتضيه المصلحة.
قوله: "أوصاه": الوصية: العهد بالشيء إلى غيره على وجه الاهتمام به.
قوله: "بتقوى الله": التقوى: هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيهстр. 1050
وبمن معه من المسلمين خيرا١، فقال:
"اغزوا باسم الله..................................................
الحواشي
(١٧٣١) , والترمذي: الديات(١٤٠٨) والسير(١٦١٧) , وأبو داود: الجهاد(٢٦١٢) , وابن ماجه: الجهاد(٢٨٥٨) , وأحمد (٥/٣٥٢ ,٥/٣٥٨) , والدارمي: السير(٢٤٣٩) .стр. 1051
في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله.
الحواشي
(١) مستعينين بالله، ويحتمل أنه أراد أن يفتتح الغزو باسم الله. والأول أظهر، والثاني أيضا محتمل، لأن بعث الجيوش من الأمور ذات البال، وكل أمر لا يبدأ فيه باسم الله; فهو أبتر.
قوله: "في سبيل الله": متعلق ب "اغزوا"، وهو تنبيه من الرسول ﷺ على حسن النية والقصد; لأن الغزاة لهم أغراض، ولكن الغزو النافع الذي تحصل به إحدى الحسنيين ما كان خالصا لله، وذلك بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لحمية أو شجاعة أو ليرى مكانه أو لطلب دنيا. فإن قاتل لأجل الوطن: فمن قاتل لأنه وطن إسلامي تجب حمايته وحماية المسلمين فيه; فهذه نية إسلامية صحيحة، وإن كان للقومية أو الوطنية فقط; فهو حمية وليس في سبيل الله.
وقوله: "في سبيل الله": تشمل النية والعمل; فالنية سبقت. والعمل: أن يكون الغزو في إطار دينه وشريعته، فيكون حسبما رسمه الشارع.
قوله: " قاتلوا من كفر بالله ": "قاتلوا": فعل أمر وهو للوجوب، أي: يجب علينا أن نقاتل من كفر بالله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ٢ فإذا قاتلنا الذين يلوننا، فأسلموا، نقاتل من وراءهم، وهكذا إلى أن نخلص إلى مشارق الأرض ومغاربها.
و"من": اسم موصول، وصلته "كفر"، واسم الموصول وصلته يفيد العلية; أي: لكفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية أو قومية أو وطنية، نقاتلهم لكفرهم لمصلحتهم وهي إنقاذهم من النار. والكفر مداره على أمرين الجحود، والاستكبار.
_________
١ سورة التحريم آية: ٩.
٢ سورة التوبة آية: ١٢٣.стр. 1052
اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا،.........................................
الحواشي
(١) أي: الاستكبار عن طاعته، أو الجحود لما يجب قبوله وتصديقه.
قوله: "اغزوا": تأكيد، وأتى بها ثانوية كأنه يقول: لا تحقروا الغزو واغزوا بجد.
قوله: "ولا تغلوا": الغلول: أن يكتم شيئا من الغنيمة فيختص به، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ أي: معذبا به; فهو يعذب بما غل يوم القيامة ويعزر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغال بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه روح; لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.
قوله: "ولا تغدروا": الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا; فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد; فلنا ذلك لأن الحرب خدعة، وقد ذكر أن "علي بن أبي طالب ﵁ خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي ﵁".
وليعلم أن لنا مع المشركين ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد; فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه; فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم; لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢ وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ٣.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٦١.
٢ سورة التوبة آية: ٧.
٣ سورة التوبة آية: ٤.стр. 1053
ولا تمثلوا،...........................................................
الحواشي
(١) الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه; فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم; لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ١.
قوله: "ولا تمثلوا": التمثيل: التشويه بقطع بعض الأعضاء كالأنف واللسان وغيرهما، وذلك عند أسرهم; لأنه لا حاجة إليه; لأنه انتقام في غير محله، واختلف العلماء فيما لو كانوا يفعلون بنا ذلك.
فقيل: لا يمثل بهم للعموم، والنبي ﷺ لم يستثن شيئا، ولأننا إذا مثلنا بواحد منهم; فقد يكون لا يرضى بما فعل قومه; فكيف نمثل به؟!
وقيل: نمثل بهم كما مثلوا بنا; لأن هذا العموم مقابل بعموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢.
وإذا لم نمثل بهم مع أنهم يمثلون بنا; فقد يفسر هذا بأنه ضعف، وإذا مثلنا بهم في هذه الحال; عرفوا أن عندنا قوة ولم يعودوا للتمثيل بنا ثانية.
والظاهر القول الثاني.
فإن قيل: قد نمثل بواحد لم يمثل بنا ولا يرضى بالتمثيل؟ فيقال: إن الأمة الواحدة فعل الواحد منها كفعل الجميع، ولهذا كان الله يخاطب اليهود في عهد الرسول ﷺ بأمور جرت في عهد موسى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ ٤ وما أشبه ذلك.
_________
١ سورة الأنفال آية: ٥٨.
٢ سورة البقرة آية: ١٩٤.
٣ سورة البقرة آية: ٧٢.
٤ سورة البقرة آية: ٩٣.стр. 1054
ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك.....................................
الحواشي
(١) قوله: " ولا تقتلوا وليدا ": أي: لا تقتلوا صغيرا; لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم وورد في أحاديث أخرى: أنه لا يقتل راهب ولا شيخ فإن ولا امرأة١ إلا أن يقاتلوا، أو يحرضوا على القتال، أو يكون لهم رأي في الحرب، كما قتل دريد بن الصمة في غزوة ثقيف مع كبره وعماه٢.
واستدل بهذا الحديث أن القتال ليس لأجل أن يسلموا، ولكنه لحماية الإسلام، بدليل أننا لا نقتل هؤلاء، ولو كان من أجل ذلك لقتلناهم إذا لم يسلموا، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وله رسالة في ذلك اسمها "قتال الكفار".
قوله: " وإذا لقيت عدوك ": أي: قابلته أو وجدته، وبدأ بذكر العداوة تهييجا لقتالهم; لأنك إذا علمت أنهم أعداء لك; فإن ذلك يدعوك
_________
١ حديث ابن عمر ﵄: "أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة; فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان". أخرجه: البخاري في (الجهاد, باب قتل الصبيان, ٢/٣٦٢) , ومسلم في (الجهاد, باب تحريم قتل النساء, ٣/١٣٦٤) . وحديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: انطلقوا باسم الله, وبالله, وعلى ملة رسول الله, ولا تقتلوا شيخا فانيا, ولا طفلا, ولا صغيرا, ولا امرأة ... ". أخرجه: أبو داود في (الجهاد, باب في دعاء المشركين, ٣/٨٦) . وقال الشوكاني في "النيل" (٧/٢٤٦) : "وحديث أنس في إسناده خالد الفِزْر, وليس بذلك". وحديث ابن عباس ﵄, وفيه أن النبي ﷺ قال: لا تغدروا, ولا تغلوا, ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع أخرجه: أحمد (١/٣٠٠) , والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/٢٢٥) . وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/١٠٣) : "وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة, وهو ضعيف".
٢ أخرجه: البخاري في (المغازي, باب غزوة أوطاس, ٣/١٥٦) .стр. 1055
من المشركين; فادعهم إلى ثلاث خصال (أو: خلال) ، فأيتهن ما أجابوك; فاقبل منهم، وكف عنهم:
ثم ادعهم إلى الإسلام،.................................................
الحواشي
(١) إلى قتالهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ وهذا أبلغ وأعم من قوله في آية أخرى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ٢ لكن خص في هذه الآية باليهود والنصارى; لأن المقام يقتضيه. والعدو ضد الولي، والولي من يتولى أمورك ويعتني بك بالنصر والدفاع وغير ذلك، والعدو يخذلك ويبتعد عنك ويعتدي عليك ما أمكنه.
قوله: "من المشركين": يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.
قوله: "خصال أو خلال": بمعنى واحد، وعليه; ف "أو" للشك في اللفظ، والمعنى لا يتغير.
قوله: "فأيتهن ما أجابوك": "أيتهن": اسم شرط مبتدأ، "ما": زائدة، وهي تزاد بالشرط تأكيدا للعموم، كقوله تعالى: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ والكاف مفعول به، والعائد إلى اسمها الشرط محذوف، والتقدير: فأيتهن ما أجابوك إليه; فاقبل منهم وكف عنهم فلا تقاتلهم.
قوله: "ثم ادعهم": "ثم": زائدة; كما في رواية أبي داود، ولأنه ليس لها معنى، ويمكن أن يقال: إنها ليست من كلام الرسول ﷺ بل من كلام الراوي على تقدير ثم قال ادعهم.
وقوله: "إلى الإسلام": أي: المتضمن للإيمان; لأنه إذا أفرد شمل
_________
١ سورة الممتحنة آية: ١.
٢ سورة المائدة آية: ٥١.
٣ سورة الإسراء آية: ١١٠.следующие страницы →