Полный текст (1 122 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
باب الخوف من الشرك
وقول الله عزوجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
الحواشي
(١) مناسبة الباب للبابين قبله
في الباب الأول ذكر المؤلف ﵀ تحقيق التوحيد، وفي الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى; لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص"، وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخرة في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف ﵀ ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين:
·الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢ " لا ": نافية، " أن يشرك به ": فعل مضارع، مقرون بأن المصدرية; فيحول إلى مصدر تقديره: إن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكا به; فالشرك لا يغفره الله أبدا; لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد.
أما المعاصي; كالزنى والسرقة; فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس
_________
١ سورة النساء آية: ٤٨.
٢ سورة النساء آية: ٤٨.стр. 107
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١.
الحواشي
(١) بما نال من شهوة، أما الشرك; فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟ قال بعض العلماء: إنه مطلق يشمل كل شرك ولو أصغر; كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب; كالسرقة، والخمر; فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل، اختلف كلامه في هذه المسألة; فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر. وعلى كل حال; فيجب الحذر من الشرك مطلقا; لأن العموم يحتمل أن يكون داخلا فيه الأصغر; لأن قوله: " أن يشرك به " أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكا به; فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ المراد بالدون هنا: ما هو أقل من الشرك، وليس ما سوى الشرك.
الآية الثانية: قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ قيل: المراد ببنيه: بنوه لصلبه، ولا نعلم له من صلبه سوى إسماعيل وإسحاق. وقيل: المراد ذريته وما توالد من صلبه، وهو الأرجح، وذلك للآيات التي
_________
١ سورة إبراهيم آية: ٣٥.стр. 108
.......................................................................
الحواشي
(١) دلت على دعوته للناس من ذريته، ولكن كان من حكمة الله أن لا تجاب دعوته في بعضهم، كما أن الرسول ﷺ دعا الله أن لا يجعل بأس أمته بينهم١ فلم يجب الله دعاءه.
وأيضا يمنع من الأول: أن الآية بصيغة الجمع، وليس لإبراهيم من الأبناء سوى إسحاق وإسماعيل. ومعنى: " اجنبني " ; أي: اجعلني في جانب والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني وبني من عبادة الأصنام; لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد.
فإبراهيم ﵇ يخاف الشرك على نفسه، وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء; فما بالك بنا نحن إذن؟! فلا تأمن الشرك، ولا تأمن النفاق; إذ لا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولهذا قال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه "٢.
وها هو عمر بن الخطابرضي الله عنهخاف على نفسه النفاق; فقال لحذيفة بن اليمانرضي الله عنهالذي أسر إليه النبي ﷺ بأسماء أناس من المنافقين; فقال له عمررضي الله عنه" أنشدك الله; هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين؟ فقال حذيفةرضي الله عنهلا، ولا أزكي بعدك أحدا "٣ أراد عمر بذلك زيادة الطمأنينة، وإلا; فقد شهد له النبي ﷺ بالجنة.
_________
١ يأتي تخريجه (ص ٤٧١) .
٢ رواه: البخاري (كتاب الإيمان, باب خوف المؤمن أن يحبط عمله, ١/٣٢) .
٣ انظر: "طريق الهجرتين" لابن القيم آخر الطبقة الخامسة عشرة.стр. 109
وفي الحديث:............................................................
الحواشي
(١) ولا يقال: إن عمررضي الله عنهأراد حث الناس على الخوف من النفاق ولم يخفه على نفسه; لأن ذلك خلاف ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، ومثل هذا القول يقوله بعض العلماء فيما يضيفه النبي ﷺ إلى نفسه في بعض الأشياء، يقولون: هذا قصد به التعليم، وقصد به أن يبين لغيره، كما قيل: إن الرسول ﷺ لم يقل: رب اغفر لي؛ لأن له ذنبا، ولكن لأجل أن يعلم الناس الاستغفار، وهذا خلاف الأصل، وقول بعضهم: إنه جهر بالذكر عقب الفريضة ليعلم الناس الذكر، لا لأن الجهر بذلك من السنة ونحو ذلك.
قوله: ﴿أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ أن والفعل بعدها في تأويل مصدر مفعول ثان لقوله: اجنبني.
والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره؛ يعبد من دون الله. أما الوثن: فهو ما عبد من دون الله، على أي وجه كان، وفي الحديث: " لا تجعل قبري وثنا يعبد "١. فالوثن أعم من الصنم.
ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد; لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقيا على التوحيد.
الشاهد من هذه الآية: أن إبراهيم خاف الشرك، وهو إمام الحنفاء، وهو سيدهم ما عدا رسول الله ﷺ
قوله: "وفي الحديث"، الحديث: ما أضيف إلى الرسول من قول أو
_________
١ يأتي (ص ٤٢٣) .стр. 110
" أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه؟ فقال: الرياء "١.
الحواشي
(١) فعل أو إقرار أو وصف والخبر: ما أضيف إليه وإلى غيره والأثر: ما أضيف إلى غير الرسول ﷺ أي: إلى الصحابي فمن بعده، إلا إذا قيد فقيل: وفي الأثر عن رسول الله ﷺ فيكون على ما قيد به.
قوله: " أخوف ما أخاف عليكم ": الخطاب للمسلمين; إذ المسلم هو الذي يخاف عليه الشرك الأصغر، وليس لجميع الناس.
قوله: " الرياء ": مشتق من الرؤية، مصدر راءى يرائي، والمصدر رياء; كقاتل يقاتل قتالا.
والرياء: أن يعبد الله ليراه الناس؛ فيمدحوه على كونه عابدا، وليس يريد أن تكون العبادة للناس; لأنه لو أراد ذلك; لكان شركا أكبر، والظاهر أن هذا على سبيل التمثيل، وإلا; فقد يكون رياء، وقد يكون سماعا، أي يقصد بعبادته أن يسمعه الناس فيثنوا عليه، فهذا داخل في الرياء; فالتعبير بالرياء من باب التعبير بالأغلب. أما إن أراد بعبادته أن يقتدي الناس به فيها; فليس هذا رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله عزوجل، والرسول ﷺ يقول: " فعلت هذا لتأتموا بي وتعلموا صلاتي " ٢.
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
_________
١ من حديث محمود بن لبيد, رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/٤٢٨) . قال ابن حجر في "بلوغ المرام" (ص ٣٠٢) : "أخرجه أحمد بإسناد حسن", وقال المنذري في "الترغيب" (١/٦٩) : "إسناده جيد", وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢٢٢) : "رجاله رجال الصحيح; غير عبد الله بن شبيب بن خالد, وهو ثقة".
٢ من حديث سهل بن سعد الساعدي, رواه البخاري (كتاب الجمعة, باب الخطبة على المنبر, ١/٢٩٠) , ومسلم (كتاب المساجد, باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة, ١/٣٨٦) .стр. 111
.......................................................................
الحواشي
(١) الأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء; فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في "الصحيح" مرفوعا، قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " ١.
الثاني: أن يكون الرياء طارئا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء; فهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يدافعه; فهذا لا يضره. مثاله: رجل صلى ركعة، ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء؛ بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه; فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.
القسم الثاني: أن يسترسل معه; فكل عمل ينشأ عن الرياء، فهو باطل; كما لو أطال القيام، أو الركوع، أو السجود، أو تباكى; فهذا كل عمله حابط، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟ نقول: لا يخلو هذا من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها; فهذه كلها فاسدة. وذلك مثل الصلاة; فالصلاة مثلا لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، وحينئذ تبطل الصلاة كلها؛ إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه.
الحالة الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء; فهو صحيح، وما كان بعده; فهو باطل. مثال ذلك: رجل عنده مئة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم
_________
١ سبق تخريجه (ص ٤٩) .стр. 112
.......................................................................
الحواشي
(١) تصدق بخمسين بقصد الرياء; فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة; لأن آخرها منفك عن أولها.
فإن قيل: لو حدث الرياء في أثناء الوضوء; هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط.
فالجواب: يحتمل هذا وهذا; فيلحق بالصلاة لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني بعضها على بعض، ليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة لأنه ليس كالصلاة من كل وجه، ولا الصدقة من كل وجه; لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء، فأعاد تطهيره وحده لم يضر; لأن تكرار غسل العضو لا يبطل الوضوء ولو كان عمدا، بخلاف الصلاة; فإنه إذا كرر جزءا منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي; بطلت صلاته، فلو أنه بعد أن غسل يديه رجع وغسل وجهه; لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع; لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطله، والرجوع مثلا إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضا، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءا؛ لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال: الأحسن أن أكمل الثلاث في الوجه أفضل، فغسل وجهه مرتين، وهو سيرتب أي سيغسل وجهه ثم يديه; فوضوءه صحيح.
ولو ترك التسبيح ثلاث مرات في الركوع، وبعدما سجد قال: فوت على نفسي فضيلة، سأرجع لأجل أن أسبح ثلاث مرات; فتبطل صلاته; فالمهم أن هناك فرقا بين الوضوء والصلاة، ومن أجل هذا الفرق لا أبت فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله تعالى.стр. 113
وعن ابن مسعودرضي الله عنهأن رسول الله ﷺ قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا؛............................................................
الحواشي
(١) قوله: " من ": هذه شرطية تفيد العموم للذكر والأنثى.
قوله: " يدعو من دون الله ندا ": أي: يتخذ لله ندا سواء دعاه دعاء عبادة أم دعاء مسألة; لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين:
الأول: دعاء عبادة، مثاله: الصوم، والصلاة، وغير ذلك من العبادات، فإذا صلى الإنسان أو صام; فقد دعا ربه بلسان الحال أن يغفر له، وأن يجيره من عذابه، وأن يعطيه من نواله، وهذا في أصل الصلاة، كما أنها تتضمن الدعاء بلسان المقال. ويدل لهذا القسم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١ ; فجعل الدعاء عبادة، وهذا القسم كله شرك، فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله؛ فقد كفر كفرا مخرجا له عن الملة، فلو ركع لإنسان، أو سجد لشيء يعظمه كتعظيم الله في هذا الركوع أو السجود; لكان مشركا، ولهذا منع النبي ﷺ من الانحناء عند الملاقاة؛ لما سئل عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: "لا"٢.
خلافا لما يفعله بعض الجهال إذا سلم عليك انحنى لك; فيجب على كل مؤمن بالله أن ينكره; لأنه عظمك على حساب دينه.
الثاني: دعاء المسألة; فهذا ليس كله شركا، بل فيه تفصيل، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك; فليس بشرك; كقولك: اسقني ماء لمن
_________
١ سورة غافر آية: ٦٠.
٢ من حديث أنس, رواه: الترمذي (كتاب الاستئذان, باب ما جاء في المصافحة, ٧/٣٥٦) - وقال: "حديث حسن"-, وابن ماجه (كتاب الأدب, باب في المصافحة, ٢/١٢٢٠) , وأحمد في "المسند" (٣/١٩٨) .стр. 114
دخل النار " رواه البخاري١.
الحواشي
(١) يستطيع ذلك، قال ﷺ : " من دعاكم فأجيبوه "٢ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ٣. فإذا مد الفقير يده، وقال: ارزقني; أي: أعطني; فليس بشرك، كما قال تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ وأما إن دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله; فإن دعوته شرك مخرج عن الملة. مثال ذلك: أن تدعو إنسانا أن ينزل الغيث معتقدا أنه قادر على ذلك.
والمراد بقوله الرسول ﷺ " من مات وهو يدعو من دون الله ندا " المراد الند في العبادة، أما الند في المسألة; ففيه التفصيل السابق. ومع الأسف; ففي بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن فلانا المقبور الذي بقي جثة، أو أكلته الأرض؛ ينفع أو يضر، أو يأتي بالنسل لمن لا يولد لها، وهذا - والعياذ بالله - شرك أكبر مخرج من الملة، وإقرار هذا أشد من إقرار شرب الخمر، والزنا، واللواط، لأنه إقرار على كفر، وليس إقرارا على فسوق فقط.
قوله: " دخل النار ": أي: خالدا، مع أن اللفظ لا يدل عليه; لأن دخل فعل، والفعل يدل على الإطلاق.
وأيضا قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٤، وإذا حرمت الجنة; لزم أن يكون خالدا في النار أبدا، فيجب أن نخاف من الشرك ما
_________
١ رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا﴾ , ٣/ ١٩٦) .
٢ أخرجه: أحمد (٢/٦٨) , وأبو داود (٣/١٧) , والنسائي (٥/٢٨) , والحاكم (١/٤١٢) , والبيهقي (٤/٩٩) . وصححه الحاكم والحافظ في "تخريج الأذكار"; كما في "الفتوحات" (٥/٢٥٠) .
٣ سورة النساء آية: ٨.
٤ سورة المائدة آية: ٧٢.стр. 115
ولمسلم عن جابر; أن رسول الله ﷺ قال: " من لقي الله
الحواشي
(٦٥١٤) , ومسلم(٢٩٦٠) .стр. 116
لا يشرك به شيئا; دخل الجنة،...........................................
الحواشي
(١) وكذلك أيضا من المهم: أن الإنسان لا يفرحه أن يقبل الناس قوله لأنه قوله، لكن يفرحه أن يقبل الناس قوله إذا رأى أنه الحق لأنه الحق، لا أنه قوله، وكذا لا يحزنه أن يرفض الناس قوله لأنه قوله; لأنه حينئذ يكون قد دعا لنفسه، لكن يحزنه أن يرفضوه لأنه الحق، وبهذا يتحقق الإخلاص. فالإخلاص صعب جدا، إلا أن الإنسان إذا كان متجها إلى الله اتجاها صادقا سليما على صراط مستقيم; فإن الله يعينه عليه، وييسره له.
قوله: " من ": شرطية تفيد العموم، وفعل الشرط: " لقي "، وجوابه قوله: " دخل الجنة "، وهذا الدخول لا ينافي أن يعذب بقدر ذنوبه إن كانت عليه ذنوب; لدلالة نصوص الوعيد على ذلك، وهذا إذا لم يغفر الله له; لأنه داخل تحت المشيئة.
قوله: " لا يشرك ": في محل نصب على الحال من فاعل "لقي".
قوله: " شيئا ": نكرة في سياق الشرط; فيعم أي شرك حتى ولو أشرك مع الله أشرف الخلق، وهو الرسول ﷺ دخل النار; فكيف بمن يجعل الرسول ﷺ أعظم من الله، فيلجأ إليه عند الشدائد، ولا يلجأ إلى الله بل ربما يلجأ إلى ما دون الرسول ﷺ ! وهناك من لا يبالي بالحلف بالله صادقا أم كاذبا، ولكن لا يحلف بقوميته إلا صادقا، ولهذا اختلف فيمن لا يبالي بالحلف بالله، ولكنه لا يحلف بملته أو بما يعظمه إلا صادقا، فلزمته يمين; هل يحلف بالله أو يحلف بهذا؟
فقيل: يحلف بالله ولو كذب، ولا يعان على الشرك، وهو الصحيح.
وقيل: يحلف بغير الله; لأن المقصود الوصول إلى بيان الحقيقة،стр. 117
ومن لقيه يشرك به شيئا; دخل النار "١.
·فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الحواشي
(١٢٣٧) , ومسلم: الإيمان(٩٤) , والترمذي: الإيمان(٢٦٤٤) , وأحمد (٥/١٦٦) .
٣ مسلم: الإيمان(٩٣) , وأحمد (٣/٣٧٤) .
٤ سورة النساء آية: ٤٨.
٥ سورة إبراهيم آية: ٣٥.стр. 118
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
الحواشي
(١) ·الثانية: أن الرياء من الشرك؛ لحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء "١ وقد سبق بيان أحكامه بالنسبة إلى إبطال العبادة.
·الثالثة: أنه من الشرك الأصغر; لأن النبي ﷺ لما سئل عنه قال:"الرياء"، فسماه شركا أصغر.
وهل يمكن أن يصل إلى الأكبر؟ ظاهر الحديث لا يمكن; لأنه قال: "الشرك الأصغر"، فسئل عنه; فقال: " الرياء ". لكن في عبارات ابن القيم ﵀ أنه إذا ذكر الشرك الأصغر قال: كيسير الرياء; فهذا يدل على أن كثيره ليس من الأصغر، لكن إن أراد بالكمية; فنعم; لأنه لو كان يرائي في كل عمل؛ لكان مشركا شركا أكبر لعدم وجود الإخلاص في عمل يعمله، أما إذا أراد الكيفية; فظاهر الحديث أنه أصغر مطلقا.
·الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين؛ وتؤخذ من قوله ﷺ : " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر "؛ ولأنه قد يدخل في قلب الإنسان من غير شعور؛ لخفائه وتطلع النفس إليه، فإن كثيرا من النفوس تحب أن تمدح بالتعبد لله.
·الخامسة: قرب الجنة والنار؛ لقوله: " من لقي الله لا يشرك به شيئا; دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا; دخل النار ".
_________
١ أحمد (٥/٤٢٩) .стр. 119
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه يشرك به شيئا; دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتبارة بحال الأكثر; لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١.
الحواشي
(٩٣) , وأحمد (٣/٣٢٥ ,٣/٣٤٤ ,٣/٣٧٤ ,٣/٣٩١) .
٣ سورة المائدة آية: ٧٢.
٤ سورة إبراهيم آية: ٣٥.
٥ سورة إبراهيم آية: ٣٦.стр. 120
النَّاسِ﴾
العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
الحواشي
(١) ، وفرق بين كثير وأكثر، ولهذا قال تعالى في بني آدم: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ١ ; فلم يقل على أكثر الخلق، ولا على الخلق; فالآدميون فضلوا على كثير ممن خلق الله، وليسوا أكرم الخلق على الله، ولكنه تعالى كرمهم.
·العاشرة: فيه تفسير لا إله إلا الله كما ذكره البخاري: الظاهر أنها تؤخذ من جميع الباب; لأن لا إله إلا الله فيها نفي وإثبات.
·الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك: لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٢ وقوله: " من لقي الله لا يشرك به شيئا; دخل الجنة ".
_________
١ سورة الإسراء آية: ٧٠.
٢ سورة النساء آية: ٤٨.стр. 121
باب الدعاء إلي شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون; لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك; لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٢. فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه، وإلا كان ناقصا، ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل، وإذا كان صادقا في اعتقاده; فلا بد أن يكون داعيا إليه، والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به.
قوله: " قل هذه سبيلي ": المشار إليه ما جاء به النبي ﷺ من الشرع عبادة ودعوة إلى الله. سبيلي: طريقي.
قوله: " أدعوا ": حال من الياء في قوله: " سبيلي "، ويحتمل أن تكون استئنافا لبيان تلك السبيل.
وقوله: " إلى الله " ; لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
١- داع إلى الله.
_________
١ سورة يوسف آية: ١٠٨.
٢ سورة آية: ١-٣.стр. 122
......................................................................
الحواشي
(١) ٢- داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى. والداعي إلى غيره قد يكون داعيا إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمر به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهيا أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه. وقد يكون داعيا إلى رئيسه؛ كما يوجد في كثير من الدول من علماء الضلال من علماء الدول، لا علماء الملل، يدعون إلى رؤسائهم. من ذلك لما ظهرت الاشتراكية في البلاد العربية قام بعض علماء الضلالة بالاستدلال عليها بآيات وأحاديث بعيدة الدلالة، بل ليس فيها دلالة; فهؤلاء دعوا إلى غير الله.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه; فلا ييأس، ويترك الدعوة، فإن الرسول ﷺ قال لعلي: " انفذ على رسلك; فوالله; لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "١، يعني: أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب; فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع، لا لأنه لم يجب، فإذا كان يغضب لهذا; فمعناه أنه يدعو إلى الله، فإذا استجاب واحد; كفى، وإذا لم يستجب أحد; فقد أبرأ ذمته أيضا، وفي الحديث: " والنبي وليس معه أحد "٢.
ثم إنه يكفي من الدعوة إلى الحق، والتحذير من الباطل: أن يتبين للناس أن هذا حق وهذا باطل; لأن الناس إذا سكتوا عن بيان الحق، وأقر الباطل مع طول الزمن; ينقلب الحق باطلا، والباطل حقا.
_________
١ يأتي (ص ١٣٨) .
٢ سبق تخريجه (ص ١٠٦) .стр. 123
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: " على بصيرة ": أي: علم; فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم; لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص، أو عدم العلم، وليس المقصود بالعلم في قوله: " على بصيرة " العلم بالشرع فقط، بل يشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة. فيكون بصيرا بحكم الشرع، وبصيرا بحال المدعو، وبصيرا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ: " إنك تأتي قوما أهل كتاب "١.
وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي; لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع; كقوله ﷺ " من قتل قتيلا; فله سلبه "٢ أو بالتأليف; فالنبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مئة بعير٣. فهذا كله من الحكمة; فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محمودا، وليست طريقته طريقة الرسول ﷺ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ٣/١٦٠) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب الدعاء إلى الشهادتين ١/٥٠) . ورواية: "فليوحدوا" رواها: البخاري (كتاب التوحيد, باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته, ٤/٣٧٨) .
٢ من حديث أبي قتادة; أن النبي ﷺ قال: ﴿من قتل قتيلا له عليه بينة; فله سلبه﴾ , رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم ... ﴾ , ٣/ ١٥٤) , ومسلم (كتاب الجهاد, باب استحقاق القاتل سلب القتيل, ٣/١٣٧٠) .
٣ من حديث أنس, رواه: البخاري (كتاب الخمس, باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة, رقم ٣١٤٧) , ومسلم (كتاب الزكاة, باب إعطاء المؤلفة, رقم ١٠٥٩) .стр. 124
وعن ابن عباس ﵄; " أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن...............................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ١ ذكروا فيها رأيين:
الأول: "أنا" مبتدأ، وخبرها " على بصيرة "، " ومن اتبعني " معطوفة على "أنا"; أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة; أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني: "أنا" توكيد للضمير المستتر في قوله: " أدعو " ; أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضا; أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: " وسبحان الله ": أي: وسبحان الله أن أكون أدعو على غير بصيرة! وإعراب "سبحان": مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح. قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ محلها مما قبلها في المعنى توكيد; لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
قوله: (أي: قول ابن عباس) : "بعث معاذا": أي: أرسله، وبعثه على صفة المعلم والحاكم والداعي، وبعثه في ربيع الأول سنة عشر من الهجرة، وهذا هو المشهور، وبعثه هو وأبا موسى الأشعري ﵄، بعث معاذا إلى صنعاء وما حولها، وأبا موسى إلى عدن وما حولها، وأمرهما: ﴿أن اجتمعا وتطاوعا ولا تفترقا، ويسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا﴾ ٣.
_________
١ سورة يوسف آية: ١٠٨.
٢ سورة الأنعام آية: ٧٩.
٣ رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن, ٣/١٦٠) .стр. 125
قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب; فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة
الحواشي
(١) قوله: "لما": إعرابها شرطية، وهي حرف وجود لوجود، و "لو": حرف امتناع لامتناع، و "لولا": حرف امتناع لوجود. قوله: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ": قال ذلك مرشدا له، وهذا دليل على معرفته ﷺ بأحوال الناس، وما يعلمه من أحوالهم; فله طريقان:
١- الوحي.
٢- العلم والتجربة.
قوله: "من": بيانية، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل; فيكون المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وهم أكثر أهل اليمن في ذلك الوقت، وإن كان في اليمن مشركون; لكن الأكثر اليهود والنصارى، ولهذا اعتمد الأكثر وأخبره النبي ﷺ بذلك; لأمرين:
الأول: أن يكون بصيرا بأحوال من يدعو.
الثاني: أن يكون مستعدا لهم; لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.
قوله: "فليكن": الفاء للاستئناف أو عاطفة، واللام للأمر، و "أول": اسم يكن، وخبرها "شهادة"، وقيل العكس، يعني "أول" خبر مقدم و "شهادة" اسم يكن مؤخرا. والظاهر أنه يريد أن يبين أن أول ما يكون هي الشهادة، وإذا كان كذلك; يكون "أول" مرفوعا على أنه اسم يكن; أي: أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: " شهادة ": الشهادة هنا من العلم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَстр. 126
بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
أن لا إله إلا الله (وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله) ، فإن هم
الحواشي
(١) ١ ; فالشهادة هنا العلم والنطق باللسان; لأن الشاهد مخبر عن علم، وهذا المقام لا يكفي فيه مجرد الإخبار، بل لا بد من علم وإخبار وقبول وإقرار وإذعان; أي: انقياد.
فلو اعتقد بقلبه، ولم يقل بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه ليس بمسلم بالإجماع حتى ينطق بها; لأن كلمة أشهد تدل على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، فلا بد من النطق; فالنية فقط لا تجزئ، ولا تنفعه عند الله حتى ينطق، والنبي ﷺ قال لعمه أبي طالب: "قل"٢ ولم يقل: اعتقد أن لا إله إلا الله.
قوله: " لا إله ": أي: لا معبود; فإله بمعنى مألوه; فهو فعال بمعنى مفعول، وعند المتكلمين: إله بمعنى آله; فهو اسم فاعل، وعليه يكون معنى لا إله; أي: لا قادر على الاختراع، وهذا باطل٣ ولو قيل بهذا المعنى; لكان المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ موحدين لأنهم يقرون به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٥.
فإن قيل: كيف يقال: لا معبود إلا الله، والمشركون يعبدون أصنامهم؟!
أجيب: بأنهم يعبدونها بغير حق; فهم وإن سموها آلهة; فألوهيتها باطلة، وليست معبودات بحق، ولذلك إذا مسهم الضر; لجؤوا إلى الله
_________
١ سورة الزخرف آية: ٨٦.
٢ يأتي (ص ٣٥٣) .
٣ انظر: (ص ٦٤) .
٤ سورة الزخرف آية: ٨٧.
٥ سورة لقمان آية: ٢٥.стр. 127
أطاعوك لذلك; فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك; فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك; فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أخرجاه١.
ولهما عن سهل بن سعد ﵁ : " أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين الراية.................................................
الحواشي
(١) تعالى، وأخلصوا له الدين، وعلى هذا لا تستحق أن تسمى آلهة. فهم يعبدونها ويعترفون بأنهم لا يعبدونها إلا لأجل أن تقربهم إلى الله فقط; فجعلوها وسيلة وذريعة، وبهذا التقدير لا يرد علينا إشكال في قول الرسل لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢; لأن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد، بل الإله المعبود حقا هو الله .
وفي قوله: " لا إله إلا الله " نفي الألوهية لغير الله، وإثباتها لله ولهذا جاءت بطريق الحصر.
قوله: " لأعطين ": هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لأعطين.
قوله: " الراية ": العلم، وسمي راية، لأنه يرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه.
_________
١ تقدم تخريجه (ص ١٣٠) .
٢ سورة الأعراف آية: ٥٩.стр. 128
غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله; يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون ليلتهم; أيهم يعطاها، فلما أصبحوا; غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها.
الحواشي
(١) واللواء; قيل: إنه الراية، وقيل: ما لوي أعلاه، أو لوي كله; فيكون الفرق بينهما: أن الراية مفلولة لا تطوى، واللواء يطوى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يسمى علما.
قوله: "غدا": يراد به ما بعد اليوم، والأمس يراد به ما قبله. والأصل أنه يراد بالغد ما يلي يومك، ويراد بالأمس الذي يليه يومك، وقد يراد بالغد ما وراء ذلك، قال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ١; أي: يوم القيامة. وكذلك الأمس قد يراد به ما وراء ذلك; أي: ما وراء اليوم الذي يليه يومك.
قوله: " يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ": أثبت المحبة لله من الجانبين، أي أن الله تعالى يحب ويحب، وقد أنكر هذا أهل التعطيل، وقالوا: المراد بمحبة الله للعبد إثابته أو إرادة إثابته، والمراد بمحبة العبد لله محبة ثوابه، وهذا تحريف للكلام عن ظاهره مخالف لإجماع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى من بعدهم، ومحبة الله تعالى ثابتة له حقيقة، وهي من صفاته الفعلية، وكل شيء من صفات الله يكون له سبب; فهو من الصفات الفعلية، والمحبة لها سبب; فقد يبغض الله إنسانا في وقت، ويحبه في وقت لسبب من الأسباب.
قوله: "على يديه": أي: يفتح الله خيبر على يديه، وفي ذلك بشارة بالنصر.
قوله: "يدوكون": أي: يخوضون، وجملة يدوكون خبر بات.
قوله: "غدوا على رسول الله": أي: ذهبوا إليه في الغدوة مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها؛ لينال محبة الله ورسوله.
_________
١ سورة الحشر آية: ١٨.стр. 129
فقال: أين علي بن أبي طالب؟. فقيل هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم..............................
الحواشي
(١) قوله: " فقال: أين علي؟ ": القائل: الرسول ﷺ
قوله: "يشتكي عينيه": أي: يتألم منهما، ولكنه يشتكي إلى الله; لأن عينيه مريضة.
وقوله: "فأرسلوا إليه": بأمر الرسول ﷺ قوله: " فأتي به ": كأنهرضي الله عنهقد عمم على عينيه; لأن قوله: " أتي به " ; أي: يقاد.
وقوله: " كأن لم يكن به وجع ": أي: ليس بهما أثر حمرة ولا غيرها.
قوله: "فبرأ": هذا من آيات الله الدالة على قدرته وصدق رسوله ﷺ وهذا من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (، أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله; لتخصيص النبي ﷺ له ذلك من بين سائر الصحابة.
قوله: " انفذ على رسلك ": أي مهلك، مأخوذ من رسل الناقة; أي: حليبها يحلب شيئا فشيئا، والمعنى: امش هوينا هوينا; لأن المقام خطير; لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر.
قوله: " حتى تنزل بساحتهم ": أي: ما يقرب منهم وما حولهم،стр. 130
ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من
الحواشي
(١) والنبي ﷺ يقول: " إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين "١ وهذا إذا كنا على الوصف الذي عليه الرسول ﷺ وأصحابه، أما إذا كنا على وصف القومية، فإننا لو نزلنا في أحضانهم; فمن الممكن أن يقوموا ونكون في الأسفل. قوله: " ثم ادعهم ": أي: أهل خيبر، " إلى الإسلام "; أي: الاستسلام لله.
قوله: " وأخبرهم بما يجب عليهم ": أي: فلا تكفي الدعوة إلى الإسلام فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه؛ حتى يقتنعوا به ويلتزموا. لكن على الترتيب الذي في حديث بعث معاذ. وهذه المسألة يتردد الإنسان فيها: هل يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام قبل أن يسلموا أو بعده؟ فإذا نظرنا إلى ظاهر حديث معاذ وحديث سهل هذا; فإننا نقول: الأولى أن تدعوه للإسلام، وإذا أسلم تخبره. وإذا نظرنا إلى واقع الناس الآن، وأنهم لا يسلمون عن اقتناع; فقد يسلم، وإذا أخبرته ربما يرجع، قلنا: يخبرون أولا بما يجب عليهم من حق الله فيه; لئلا يرتدوا عن الإسلام بعد إخبارهم بما يجب عليهم، وحينئذ يجب قتلهم لأنهم مرتدون. ويحتمل أن يقال: تترك هذه المسألة للواقع، وما تقتضيه المصلحة من تقديم هذا أو هذا.
قوله: " لأن يهدي الله ": اللام واقعة في جواب القسم، وأن بفتح
_________
١ من حديث أنس, رواه: البخاري (كتاب الصلاة, باب ما يذكر في الفخذ, ١/١٣٩) , ومسلم (كتاب الجهاد, باب غزوة خيبر, ٣/١٣٩) .стр. 131
حمر النعم " ١ (يدوكون) ; أي: يخوضون.
· فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) الهمزة مصدرية، ويهدي مؤول بالمصدر مبتدأ، و "خير": خبر، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢.
قوله: " حمر النعم ": بتسكين الميم: جمع أحمر، وبالضم: جمع حمار، والمراد الأول. وحمر النعم: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.
وقوله: " لأن يهدي الله بك "، ولم يقل: لأن تهدي; لأن الذي يهدي هو الله. والمراد بالهداية هنا هداية التوفيق والدلالة.
وهل المراد الهداية من الكفر إلى الإسلام، أو يعم كل هداية؟ نقول: هو موجه إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، وهل نقول: إن القرينة الحالية تقتضي التخصيص، وأن من اهتدى على يديه رجل، في مسألة فرعية من مسائل الدين، لا يحصل له هذا الثواب بقرينة المقام; لأن عليا موجه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام؟ الله أعلم.
فيه مسائل:
· الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله ﷺ :
_________
١ رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب غزوة خيبر, ٣/١٣٤) , ومسلم (كتاب فضائل الصحابة, باب من فضائل علي, ٤/١٨٧٢) .
٢ سورة البقرة آية: ١٨٤.стр. 132
الثانية: التنبيه على الإخلاص; لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله تعالى عن المسبة.
الحواشي
(١) وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ١ والأشمل من ذلك والأبلغ في مطابقة الآية أن يقال: إن الدعوة إلى الله طريق الرسل وأتباعهم.
·الثانية: التنبيه على الإخلاص: وتؤخذ من قوله: ﴿أدعو إلى الله﴾ ، ولهذا قال: "لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق; فهو يدعو إلى نفسه"; فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقا كان أم باطلا.
·الثالثة: أن البصيرة من الفرائض: وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ٢ ووجه كون البصيرة من الفرائض; أنه لا بد للداعية من العلم بما يدعو إليه، والدعوة فريضة; فيكون العلم بذلك فريضة.
·الرابعة: من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله عن المسبة وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ فسبحان الله دليل على أنه واحد لكماله.
ومعنى عن المسبة، أي: وعن مماثلة الخالق للمخلوق; إذ تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصا. قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
_________
١ سورة يوسف آية: ١٠٨.
٢ سورة يوسف آية: ١٠٨.
٣ سورة آية: ١٠٨.стр. 133
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: وهي من أهمها: إبعاد المسلم عن المشركين; لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب
الثامنة: أنه يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: " أن يوحدوا الله ": معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
الحواشي
(١) · الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله: وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١ بعد قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾
·السادسة: وهي من أهمها -: إبعاد المسلم عن المشركين; لئلا يصير منهم، ولو لم يشرك: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ ولم يقل: "وما أنا مشرك"; لأنه إذا كان بينهم، ولو لم يكن مشركا; فهو في ظاهره منهم، ولهذا لما قال الله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ ٣ توجه الخطاب له ولهم.
·السابعة: كون التوحيد أول واجب: تؤخذ من قوله ﷺ : " فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله ". وفي رواية: " أن يوحدوا الله ". وقال بعض العلماء: أول واجب النظر، لكن الصواب أن أول واجب هو التوحيد; لأن معرفة الخالق دلت عليها الفطرة.
·الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء: تؤخذ من قوله ﷺ " ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ".
·التاسعة: أن معنى أن يوحدوا الله؛ معنى شهادة أن لا إله إلا الله:
_________
١ سورة الأنعام آية: ٧٩.
٢ سورة الأنعام آية: ٧٩.
٣ سورة البقرة آية: ٣٤.стр. 134
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الحواشي
(١) تؤخذ من تعبير الصحابي حيث عبر في رواية بقوله: " شهادة أن لا إله إلا الله "، وفي رواية عبر بقوله: " أن يوحدوا الله ".
·العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها أو يعرفها ولا يعمل بها: ومراده بقوله: " لا يعرفها، أو يعرفها" شهادة أن لا إله إلا الله، وتؤخذ من قوله: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " إذ لو كانوا يعرفون (لا إله إلا الله) ويعملون بها؛ ما احتاجوا إلى الدعوة إليها.
·الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج: تؤخذ من قوله ﷺ لمعاذ: " ادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك; فأعلمهم أن الله افترض عليهم ... " إلخ الحديث.
·الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم: تؤخذ من أمره ﷺ معاذا بالتوحيد ليدعو إليه أولا، ثم الصلاة، ثم الزكاة.
·الثالثة عشرة: مصرف الزكاة: تؤخذ من قوله: " فترد على فقرائهم ".
·الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم: المراد بالشبهةстр. 135
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
الحواشي
(١) هنا: شبهة العلم; أي: يكون عنده جهل. تؤخذ من قوله: " إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ".
فبين أن هذه الصدقة تؤخذ من الأغنياء، وأن مصرفها الفقراء.
·الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال: تؤخذ من قوله: " فإياك وكرائم أموالهم "; إذ إياك تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي.
·السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم: تؤخذ من قوله: " واتق دعوة المظلوم ".
·السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب: تؤخذ من قوله: " فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "; فقرن الترغيب أو الترهيب بالأحكام، مما يحث النفس إن كان ترغيبا، ويبعدها ويزجرها إن كان ترهيبا; لقوله: " اتق دعوة المظلوم "؛ فالنفس قد لا تتقي، لكن إذا قيل: ليس بينها وبين الله حجاب; خافت ونفرت من ذلك.
·الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء: والظاهر أن المؤلف ﵀ يريد الإشارة إلى قصة خيبر; إذ وقع فيها في عهد النبي صلى الله عليه وسلمстр. 136
التاسعة عشرة: قوله: " لأعطين الراية ... " إلخ: علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا.
·الحادية والعشرون: فضيلة علي (.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح.
الحواشي
(١) جوع عظيم، حتى إنهم أكلوا الحمير والثوم١، وأما الوباء; فهو ما وقع في عهد عليرضي الله عنهوأما المشقة; فظاهرة. ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور؛ يدل على إخلاص الإنسان في توحيده، وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء.
·التاسعة عشرة: قوله: " لأعطين الراية " علم من أعلام النبوة: لأن هذا حصل; فعلي بن أبي طالب يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
·العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا: لأنه بصق في عينيه; فبرأ كأن لم يكن به وجع.
·الحادية والعشرون: فضيلة علي بن أبي طالب (: وهذا ظاهر; لأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
·الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم
_________
١ أكل لحوم الحمر من حديث سلمة بن الأكوع, رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب غزوة خيبر, ٣/١٣٥) , ومسلم (كتاب الجهاد, باب غزوة خيبر, ٣/١٤٢٧) . وأكل الثوم رواه: البخاري في (الكتاب والباب السابقين, ٣/١٣٨) من حديث ابن عمر ﵄.стр. 137
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: " على رسلك ".
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة; لقوله: " أخبرهم بما يجب عليهم ".
الحواشي
(١) عن بشارة الفتح: لأنهم انشغلوا عن بشارة الفتح بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
·الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى: لأن الصحابة غدوا على رسول الله ﷺ مبكرين، كلهم يرجو أن يعطاها ولم يعطوها، وعلي بن أبي طالب مريض ولم يسع لها ومع ذلك أعطي الراية.
·الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: " على رسلك ": ووجهه: أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع.
·الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال؛ لقوله: " انزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام ".
·السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
·السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة; لقوله: " أخبرهم بما يجب عليهم ": لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولا،стр. 138
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
الحواشي
(١) ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام; لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به وقد لا يطبقه، بل لا بد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر.
·الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام: تؤخذ من قوله ﷺ : " وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ".
·التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد: لقوله: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم: خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
·الثلاثون: الحلف على الفتيا؛ لقوله: " فوالله لأن يهدي الله ... " إلخ; فأقسم النبي ﷺ وهو لم يستقسم، والفائدة هي حثه على أن يهدي الله به، والتوكيد عليه. ولكن لا ينبغي الحلف على الفتيا إلا لمصلحة وفائدة; لأنه قد يفهم السامع أن المفتي لم يحلف إلا لشك عنده. والإمام أحمد ﵀ أحيانا يقول في إجابته: إي والله، وقد أمر الله رسوله بالحلف في ثلاثة مواضع من القرآن: في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ١.
_________
١ سورة يونس آية: ٥٣.стр. 139
.......................................................................
الحواشي
(١) وفي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ١. وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ٢ فإذا كان في القسم مصلحة ابتداء، أو جوابا لسؤال; جاز وربما يكون مطلوبا.
_________
١ سورة التغابن آية: ٧.
٢ سورة سبأ آية: ٣.стр. 140
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
........................................................................
الحواشي
(١) التفسير معناه: الكشف والإيضاح، مأخوذ من قولهم: فسرت الثمرة قشرها، ومن قول الإنسان: فسرت ثوبي; فاتضح ما وراءه، ومنه تفسير القرآن الكريم.
والتوحيد تقدم تعريفه١ والمراد به هنا اعتقاد أن الله واحد في ألوهيته. وقوله: " وشهادة أن لا إله إلا الله ": معطوف على التوحيد; أي: وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله.
والعطف هنا من باب عطف المترادفين; لأن التوحيد حقيقة هو شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الباب مهم; لأنه لما سبق الكلام على التوحيد وفضله والدعوة إليه، كأن النفس الآن اشرأبت إلى بيان ما هو هذا التوحيد الذي بوب له هذه الأبواب (وجوبه، وفضله، والدعوة إليه) .
فيجاب بهذا الباب، وهو تفسير التوحيد، وقد ذكر المؤلف خمس آيات:
_________
١ انظر: (ص ١٠) .стр. 141
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) · الآية الأولى: قوله تعالى: " أولئك ". أولاء: مبتدأ. " الذين ": اسم موصول بدل منه.
" يدعون ": صلة الموصول. وجملة " يبتغون ": خبر المبتدأ; أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب; فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟! فهذا سفه في الحقيقة، وهذا ينطبق على كل من دعي، وهو داع; كعيسى بن مريم، والملائكة، والأولياء، والصالحين. وأما الشجر والحجر; فلا يدخل في الآية.
فهؤلاء الذين زعمتم أنهم أولياء من دون الله لا يملكون كشف الضر ولا تحويله من مكان إلى مكان; لأنهم هم بأنفسهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وقد قال تعالى مبينا حال هؤلاء المدعوين: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢.
قوله: " يدعون " ; أي: دعاء مسألة; كمن يدعو عليا عند وقوعهم في الشدائد، وكمن يدعو النبي ﷺ يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقد يكون دعاء عبادة; كمن يتذلل لهم بالتقرب، والنذر، والركوع، والسجود.
_________
١ سورة الإسراء آية: ٥٧.
٢ سورة فاطر آية: ١٣-١٤.стр. 142
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ١. الآية.
الحواشي
(١) قوله: " يبتغون ": يطلبون.
قوله: " الوسيلة " ; أي: الشيء الذي يوصلهم إلى الله; يعني: يطلبون ما يكون وسيلة إلى الله أيهم أقرب إلى الله، وكذلك أيضا يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وجه مناسبة الآية للباب، باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدا; لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل هم واقعون فيه، ومن العجب أنهم يدعون من هم في حاجة إلى ما يقربهم إلى الله تعالى; فهم غير مستغنين عن الله بأنفسهم; فكيف يغنون غيرهم؟!
·الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ الآيتين.
قوله: " براء ": على وزن فعال، وهي صفة مشبهة من التبرؤ، وهو التخلي; أي: إنني متخل غاية التخلي عما تعبدون إلا الذي فطرني، وإبراهيم ﵊ قوي في ذات الله، فقال ذلك معلنا به لأبيه وقومه، وأبوه هو آزر٢.
_________
١ سورة الزخرف آيتان: ٢٦-٢٧.
٢ انظر: (ص ٩٤) .стр. 143
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: " تعبدون ": العبادة هنا التذلل والخضوع; لأن في قومه من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب.
قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جمع بين النفي والإثبات; فالنفي: ﴿بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ والإثبات: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فدل على أن التوحيد لا يتم إلا بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهؤلاء يعبدون الله ويعبدون غيره; لأنه قال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والأصل في الاستثناء الاتصال إلا بدليل، ومع ذلك تبرأ منهم.
وكذا يوجد في بعض البلدان الإسلامية من يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ومع ذلك يذهبون إلى القبور يسجدون لها ويركعون; فهم كفار غير موحدين، ولا يقبل منهم أي عمل، وهذا من أخطر ما يكون على الشعوب الإسلامية; لأن الكفر بما سوى الله عندهم ليس بشيء، وهذا جهل منهم، وتفريط من علمائهم; لأن العامي لا يأخذ إلا من عالمه، لكن بعض الناس - والعياذ بالله - عالم دولة لا عالم ملة.
وفي قول إبراهيم ﷺ : ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل إلا الله فائدتان:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة; لأنه كما أنه منفرد بالخلق; فيجب أن يفرد بالعبادة.
الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام; لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها; ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم ﵇.стр. 144
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من إخلاصه لله، والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم يعبد الله وحده.
وقسم يعبد غيره فقط.
وقسم يعبد الله وغيره.
والأول فقط هو الموحد.
·الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
قوله: " أحبارهم ": والمعطوف عليها المفعول الأول ل " اتخذوا "، والثاني: " أربابا "; أي: هؤلاء اليهود والنصارى جعلوا أحبارهم ورهبانهم أربابا.
والأحبار: جمع حبر، وهو العالم، ويقال للعالم أيضا بحر لكثرة علمه.
والحبر; بفتح الحاء، وكسرها يقال: حبر، وحبر.
قوله تعالى: " ورهبانهم " ; أي: عبادهم.
وقوله: " أربابا ": جمع رب، أي يجعلونهم أربابا من دون الله;
_________
١ سورة التوبة آية: ٣١.стр. 145
.......................................................................
الحواشي
(١) فجعلوا الأحبار أربابا؛ لأنهم يأتمرون بأمرهم في مخالفة أمر الله، فيطيعونهم في معصية الله.
وجعلوا الرهبان أربابا باتخاذهم أولياء يعبدونهم من دون الله.
قوله: " من دون الله " ; أي: من غير الله.
قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ١ معطوف على أحبارهم; أي: اتخذوا المسيح ابن مريم أيضا ربا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة.
قوله: " إلا ليعبدوا " ; أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض. قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ أي: لا معبود حق إلا هو.
قوله: " سبحانه ": تنزيه لله عما يشركون. وجه كون هذه الآية تفسيرا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف ﵀; فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا. إذا; فتفسير التوحيد أيضا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي ﷺ لطاعة ولاة الأمر; قال: " إنما الطاعة في المعروف "٣.
_________
١ سورة التوبة آية: ٣١.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٣.
٣ من حديث علي, رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي, ٣/١٦٠) , ومسلم (كتاب الإمارة, باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية, ٣/١٤٦٩) .следующие страницы →