Полный текст (1 122 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) · الآية الأولى: قوله تعالى: " أولئك ". أولاء: مبتدأ. " الذين ": اسم موصول بدل منه.
" يدعون ": صلة الموصول. وجملة " يبتغون ": خبر المبتدأ; أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب; فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟! فهذا سفه في الحقيقة، وهذا ينطبق على كل من دعي، وهو داع; كعيسى بن مريم، والملائكة، والأولياء، والصالحين. وأما الشجر والحجر; فلا يدخل في الآية.
فهؤلاء الذين زعمتم أنهم أولياء من دون الله لا يملكون كشف الضر ولا تحويله من مكان إلى مكان; لأنهم هم بأنفسهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وقد قال تعالى مبينا حال هؤلاء المدعوين: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢.
قوله: " يدعون " ; أي: دعاء مسألة; كمن يدعو عليا عند وقوعهم في الشدائد، وكمن يدعو النبي ﷺ يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
وقد يكون دعاء عبادة; كمن يتذلل لهم بالتقرب، والنذر، والركوع، والسجود.
_________
١ سورة الإسراء آية: ٥٧.
٢ سورة فاطر آية: ١٣-١٤.стр. 142
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ١. الآية.
الحواشي
(١) قوله: " يبتغون ": يطلبون.
قوله: " الوسيلة " ; أي: الشيء الذي يوصلهم إلى الله; يعني: يطلبون ما يكون وسيلة إلى الله أيهم أقرب إلى الله، وكذلك أيضا يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وجه مناسبة الآية للباب، باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
أن التوحيد يتضمن البراءة من الشرك، بحيث لا يدعو مع الله أحدا; لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل هم واقعون فيه، ومن العجب أنهم يدعون من هم في حاجة إلى ما يقربهم إلى الله تعالى; فهم غير مستغنين عن الله بأنفسهم; فكيف يغنون غيرهم؟!
·الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ الآيتين.
قوله: " براء ": على وزن فعال، وهي صفة مشبهة من التبرؤ، وهو التخلي; أي: إنني متخل غاية التخلي عما تعبدون إلا الذي فطرني، وإبراهيم ﵊ قوي في ذات الله، فقال ذلك معلنا به لأبيه وقومه، وأبوه هو آزر٢.
_________
١ سورة الزخرف آيتان: ٢٦-٢٧.
٢ انظر: (ص ٩٤) .стр. 143
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: " تعبدون ": العبادة هنا التذلل والخضوع; لأن في قومه من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب.
قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جمع بين النفي والإثبات; فالنفي: ﴿بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ والإثبات: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فدل على أن التوحيد لا يتم إلا بالكفر بما سوى الله والإيمان بالله وحده: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهؤلاء يعبدون الله ويعبدون غيره; لأنه قال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والأصل في الاستثناء الاتصال إلا بدليل، ومع ذلك تبرأ منهم.
وكذا يوجد في بعض البلدان الإسلامية من يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ومع ذلك يذهبون إلى القبور يسجدون لها ويركعون; فهم كفار غير موحدين، ولا يقبل منهم أي عمل، وهذا من أخطر ما يكون على الشعوب الإسلامية; لأن الكفر بما سوى الله عندهم ليس بشيء، وهذا جهل منهم، وتفريط من علمائهم; لأن العامي لا يأخذ إلا من عالمه، لكن بعض الناس - والعياذ بالله - عالم دولة لا عالم ملة.
وفي قول إبراهيم ﷺ : ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل إلا الله فائدتان:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة; لأنه كما أنه منفرد بالخلق; فيجب أن يفرد بالعبادة.
الثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام; لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها; ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم ﵇.стр. 144
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من إخلاصه لله، والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم يعبد الله وحده.
وقسم يعبد غيره فقط.
وقسم يعبد الله وغيره.
والأول فقط هو الموحد.
·الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
قوله: " أحبارهم ": والمعطوف عليها المفعول الأول ل " اتخذوا "، والثاني: " أربابا "; أي: هؤلاء اليهود والنصارى جعلوا أحبارهم ورهبانهم أربابا.
والأحبار: جمع حبر، وهو العالم، ويقال للعالم أيضا بحر لكثرة علمه.
والحبر; بفتح الحاء، وكسرها يقال: حبر، وحبر.
قوله تعالى: " ورهبانهم " ; أي: عبادهم.
وقوله: " أربابا ": جمع رب، أي يجعلونهم أربابا من دون الله;
_________
١ سورة التوبة آية: ٣١.стр. 145
.......................................................................
الحواشي
(١) فجعلوا الأحبار أربابا؛ لأنهم يأتمرون بأمرهم في مخالفة أمر الله، فيطيعونهم في معصية الله.
وجعلوا الرهبان أربابا باتخاذهم أولياء يعبدونهم من دون الله.
قوله: " من دون الله " ; أي: من غير الله.
قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ١ معطوف على أحبارهم; أي: اتخذوا المسيح ابن مريم أيضا ربا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة.
قوله: " إلا ليعبدوا " ; أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض. قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ أي: لا معبود حق إلا هو.
قوله: " سبحانه ": تنزيه لله عما يشركون. وجه كون هذه الآية تفسيرا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف ﵀; فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا. إذا; فتفسير التوحيد أيضا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي ﷺ لطاعة ولاة الأمر; قال: " إنما الطاعة في المعروف "٣.
_________
١ سورة التوبة آية: ٣١.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٣.
٣ من حديث علي, رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي, ٣/١٦٠) , ومسلم (كتاب الإمارة, باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية, ٣/١٤٦٩) .стр. 146
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية. ١
الحواشي
(١) الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢ الآية.
قوله: " ومن الناس ": من للتبعيض، وعلامتها أن يصح أن يحل محلها بعض، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و " من يتخذ " مبتدأ مؤخر. أي من يجعل لله أندادا ومفعولها الأول " أندادا " مؤخرا ومفعولها الثاني " من دون الله " مقدما.
وقوله: " يتخذ ": جاءت بالإفراد مراعاة للفظ "من". وقوله: " يحبونهم " أو بالجمع مراعاة للمعنى.
وقوله: " أندادا ": جمع ند، وهو الشبيه والنظير، ولهذا قال النبي ﷺ لمن قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده "٣.
وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ هذا وجه المشابهة; أي: الندية في المحبة؛ يحبونهم كحب الله. واختلف المفسرون في قوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ .
فقيل: يجعلون محبة الأصنام مساوية لمحبة الله، فيكون في قلوبهم محبة لله ومحبة للأصنام، ويجعلون محبة الأصنام كمحبة الله; فيكون المصدر مضافا إلى مفعوله. أي يحبون الأصنام كحبهم الله.
_________
١ سورة البقرة آية: ١٦٥.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.
٣ سبق (ص ٥٨) .стр. 147
.......................................................................
الحواشي
(١) وقيل: يحبون هذه الأصنام محبة شديدة كمحبة المؤمنين لله.
وسياق هذه الآية يؤيد القول الأول.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ على الرأي الأول يكون معناها: والذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لله; لأن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة هؤلاء فيها شرك بين الله وبين أصنامهم. وعلى الرأي الثاني معناها: والذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لأصنامهم; لأن محبة المؤمنين ثابتة في السراء والضراء على برهان صحيح، بخلاف المشركين; فإن محبتهم لأصنامهم تتضاءل إذا مسهم الضر.
فما بالك برجل يحب غير الله أكثر من محبته لله؟! وما بالك برجل يحب غير الله ولا يحب الله؟! فهذا أقبح وأعظم، وهذا موجود في كثير من المنتسبين للإسلام اليوم; فإنهم يحبون أولياءهم أكثر مما يحبون الله، ولهذا لو قيل له: احلف بالله; حلف صادقا أو كاذبا، أما الولي; فلا يحلف به إلا صادقا. وتجد كثيرا منهم يأتون إلى مكة والمدينة، ويرون أن زيارة قبر الرسول ﷺ أعظم من زيارة البيت; لأنهم يجدون في نفوسهم حبا لرسول الله ﷺ كحب الله أو أعظم، وهذا شرك; لأن الله يعلم أننا ما أحببنا رسول الله ﷺ إلا لحب الله، ولأنه رسول الله، ما أحببناه لأنه محمد بن عبد الله، لكننا أحببناه لأنه رسول الله ﷺ فنحن نحبه بمحبة الله، لكن هؤلاء يجعلون محبة الله تابعة لمحبة الرسول ﷺ إن أحبوا الله.
فهذه الآية فيها محنة عظيمة، لكثير من قلوب المسلمين اليوم؛ الذين يجعلون غير الله مثل الله في المحبة، وفيه أناس أيضا أشركوا بالله في محبة غيره، لا على وجه العبادة الشرعية; لكن على وجه العبادة المذكورةстр. 148
.......................................................................
الحواشي
(١) في الحديث١، وهي محبة الدرهم والدينار والخميصة والخميلة، يوجد أناس لو فتشت عن قلوبهم; لوجدت قلوبهم ملأى من محبة متاع الدنيا، وحتى هذا الذي جاء يصلي، هو في المسجد لكن قلبه مشغول بما يحبه من أمور الدنيا.
فهذا نوع من أنواع العبادة في الحقيقة، ولو حاسب الإنسان نفسه لماذا خلق؟ لعلم أنه خلق لعبادة الله، وأيضا خلق لدار أخرى ليست هذه الدار; فهذه الدار مجاز يجوز الإنسان منها إلى الدار الأخرى، الدار التي خلق لها والتي يجب أن يعنى بالعمل لها، يا ليت شعري متى يوما من الأيام فكر الإنسان ماذا عملت؟ وكم بقي لي في هذه الدنيا؟ وماذا كسبت؟ الأيام تمضي، ولا أدري هل ازددت قربا من الله أو بعدا من الله؟ هل نحاسب أنفسنا عن هذا الأمر؟ فلا بد لكل إنسان عاقل من غاية; فما هي غايته؟ نحن الآن نطلب العلم للتقرب إلى الله بطلبه، وإعلام أنفسنا، وإعلام غيرنا; فهل نحن كلما علمنا مسألة من المسائل طبقناها؟ نحن على كل حال نجد في أنفسنا قصورا كثيرا وتقصيرا، وهل نحن إذ علمنا مسألة ندعو عباد الله إليها؟ هذا أمر يحتاج إلى محاسبة، ولذلك; فإن على طالب العلم مسؤولية ليست هينة، عليه أكثر من زكاة المال; فيجب أن يعمل ويتحرك ويبث العلم والوعي في الأمة الإسلامية، وإلا انحرفت عن شرع الله. قال ابن القيم ﵀: كل الأمور تسير بالمحبة; فأنت مثلا لا تتحرك لشيء إلا وأنت تحبه، حتى اللقمة من الطعام لا تأكلها إلا لمحبتك لها.
ولهذا قيل: إن جميع الحركات مبناها على المحبة; فالمحبة أساس العمل، فالإشراك في المحبة إشراك بالله.
_________
١ سبق (ص ٣٥) .стр. 149
...................................................................
الحواشي
(١) والمحبة أنواع:
الأول: المحبة لله وهذه لا تنافي التوحيد، بل هي من كماله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله. والمحبة لله هي أن تحب هذا الشيء; لأن الله يحبه، سواء كان شخصا أو عملا، وهذا من تمام التوحيد. قال مجنون ليلى:
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكنْ حُبُّ مَن سكن الديارا
الثاني: المحبة الطبيعية التي لا يؤثرها المرء على محبة الله; فهذه لا تنافي محبة الله; كمحبة الزوجة، والولد، والمال، ولهذا لما سئل النبي ﷺ من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها"١. ومن ذلك محبة الطعام والشراب واللباس.
الثالث: المحبة مع الله التي تنافي محبة الله، وهي أن تكون محبة غير الله كمحبة الله أو أكثر من محبة الله، بحيث إذا تعارضت محبة الله ومحبة غيره قدم محبة غير الله، وذلك إذا جعل هذه المحبة ندا لمحبة الله يقدمها على محبة الله أو يساويها بها٢.
الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادا.
_________
١ من حديث عمرو بن العاص, رواه البخاري (كتاب فضائل الصحابة, باب قول النبي ﷺ ولو كنت متخذا خليلا , ٣/٩) , ومسلم (كتاب الفضائل, باب فضائل أبي بكر, ٤/١٨٥٦) .
٢ انظر: باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا﴾ .стр. 150
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله; حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عزوجل "١.
الحواشي
(١) قوله: "وفي الصحيح": لم يفصح المؤلف ﵀ بمراده بالصحيح; أهو "صحيح البخاري" أم "صحيح مسلم"، أم أن المراد به الحديث الصحيح; سواء كان في "الصحيحين" معا، أم في أحدهما، أم في غيرهما، وليس له اصطلاح في ذلك يحمل عليه عند الإطلاق، وعلى هذا يبحث عن الحديث في مظانه، وقد ورد هذا التعبير في سياق المؤلف للحديث في مواضع أخرى، والمراد به هنا "صحيح مسلم".
قوله: ﷺ " من قال لا إله إلا الله ": أي لا معبود حق إلا الله; فلفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر، ومن يرى أن "لا" تعمل في المعرفة يقولون: هو الخبر.
قوله: " وكفر بما يعبد من دون الله ": أي: بعبادة من يعبد من دون الله، قلنا ذلك; لأن عيسى بن مريم كان يعبد من دون الله، ونحن نؤمن به، لكن لا نؤمن بعبادته ولا بأنه مستحق للعبادة; كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ٢.
وفي قوله: " وكفر بما يعبد من دون الله ": دليل على أنه لا يكفي مجرد التلفظ بلا إله إلا الله، بل لا بد أن تكفر بعبادة من يعبد من
_________
١ رواه: مسلم (كتاب الإيمان, باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, ١/٥٣) .
٢ سورة آية: ١١٦-١١٧.стр. 151
وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
·فيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد...........................
الحواشي
(١) دون الله، بل وتكفر أيضا بكل كفر، فمن يقول: لا إله إلا الله، ويرى أن النصارى واليهود اليوم على دين صحيح; فليس بمسلم، ومن يرى الأديان أفكارا يختار منها ما يريد; فليس بمسلم، بل الأديان عقائد مفروضة من قبل الله عزوجل يتمشى الناس عليها، ولهذا ينكر على بعض الناس في تعبيره بقوله: الفكر الإسلامي، بل الواجب أن يقال: الدين الإسلامي أو العقيدة الإسلامية، ولا بأس بقول المفكر الإسلامي; لأنه وصف للشخص نفسه لا للدين الذي هو عليه.
قوله: "وشرح هذه الترجمة": المراد بالشرح هنا: التفصيل، والترجمة: هي التعبير بلغة عن لغة أخرى، ولكنها تطلق باصطلاح المؤلفين على العناوين والأبواب، فيقال: ترجم على كذا; أي: بوب له.
قوله: "فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد": فتفسير التوحيد أنه لا بد فيه من أمرين:
الأول: نفي الألوهية عن سوى الله عزوجل
الثاني: إثبات الألوهية لله وحده; فلا بد من النفي والإثبات لتحقيق التوحيد; لأن التوحيد جعل الشيء واحدا بالعقيدة والعمل، وهذا لا بد فيه من النفي والإثبات.
فإذا قلت: زيد قائم; أثبتَّ له القيام ولم توحده، لكن إذا قلت: لا قائم إلا زيد; أثبت له القيام ووحدته به.стр. 152
وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
منها آية الإسراء: بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين ; ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
الحواشي
(١) وإذا قلت: الله إله أثبت له الألوهية، لكن لم تنفها عن غيره; فالتوحيد لم يتم.
وإذا قلت لا إله إلا الله أثبت الألوهية لله ونفيتها عما سواه.
قوله: "تفسير الشهادة": الشهادة: هي التعبير عما تيقنه الإنسان بقلبه; فقول: أشهد أن لا إله إلا الله; أي: أنطق بلساني معبرا عما يكنه قلبي من اليقين، وهو أنه لا إله إلا الله.
قوله: "منها آية الإسراء": وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ١ الآية; فبين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، وبين أن هذا هو الشرك الأكبر; لأن الدعاء من العبادة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢ فدل على أن الدعاء عبادة، لأن آخر الكلام تعليل لأوله، فكل من دعا أحدا غير الله حيا أو ميتا; فهو مشرك شركا أكبر. ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة; فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال ﷺ " وإذا دعاك فأجبه " ٣.
الثاني: أن تدعو مخلوقا مطلقا، سواء كان حيا أو ميتا فيما لا يقدر عليه إلا الله; فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا.
_________
١ سورة الإسراء آية: ٥٧.
٢ سورة غافر آية: ٦٠.
٣ من حديث أبي هريرة, رواه: مسلم (كتاب السلام, باب من حق المسلم للمسلم رد السلام, ٤/١٧٠٤) .стр. 153
ومنها آية براءة: بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ١ فاستثنى من المعبودين ربه.
الحواشي
(١) الثالث: أن تدعو مخلوقا ميتا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة; فهذا شرك أكبر أيضا لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفا خفيا في الكون.
قوله: "ومنها: آية براءة: بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله": وهذا شرك الطاعة، وهو بتوحيد الربوبية ألصق من توحيد الألوهية; لأن الحكم شرعيا كان أو كونيا إلى الله تعالى; فهو من تمام ربوبيته، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
والشيخ ﵀ جعل شرك الطاعة من الأكبر، وهذا فيه تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب من أطاع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو بالعكس.
قوله: "ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فاستثنى من المعبودين ربه" فدل هذا على أن
_________
١ سورة الزّخرف آية: ٢٦.
٢ سورة الشورى آية: ١٠.
٣ سورة القصص آية: ٧٠.стр. 154
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١، ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٢، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام ;.............................................................
الحواشي
(١) التوحيد لا بد فيه من نفي وإثبات: البراءة مما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده
وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله; فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهي لا إله إلا الله; فكان معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٣ هو معنى قول: لا إله إلا الله.
قوله: "ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ؛ فجعل الله المحبة شركا إذا أحب شيئا سوى الله كمحبته لله; فيكون مشركا مع الله في المحبة، ولهذا يجب أن تكون محبة الله خالصة لا يشاركه فيها أحد، حتى محبة الرسول ﷺ ؛ فلولا أنه رسول ما وجبت طاعته ولا محبته إلا كما نحب أي مؤمن، ولا يمنع الإنسان من محبة غير الله، بل له أن يحب كل شيء تباح محبته; كالولد، والزوجة، ولكن لا يجعل ذلك كمحبة الله.
_________
١ سورة الزخرف آية: ٢٨.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٧.
٣ سورة آية: ٢٦-٢٧؟стр. 155
فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
ومنها قوله ﷺ : " م ن قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله; حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " ١.
الحواشي
(٢٣) , وأحمد (٣/٤٧٢) .
٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.
٣ سورة البقرة آية: ٢٥٦.стр. 156
وهذا من أعظم ما يبين معنى (لا إله إلا الله) ; فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف; لم يحرم ماله ولا دمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!
الحواشي
(١) تكون عبادتها حقا; فلا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد صنما، بل لا بد أن يقول: الأصنام التي تعبد من دون الله أكفر بها وبعبادتها. فمثلا لا يكفي أن يقول: لا إله إلا الله ولا أعبد اللات، ولكن لا بد أن يكفر بها، ويقول: إن عبادتها ليست بحق، وإلا; كان مقرا بالكفر.
فمن رضي دين النصارى دينا يدينون الله به; فهو كافر؛ لأنه إذا ساوى غير دين الإسلام مع الإسلام; فقد كذب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١.
وبهذا يكون كافرا، وبهذا نعرف الخطر العظيم الذي أصاب المسلمين اليوم باختلاطهم مع النصارى، والنصارى يدعون إلى دينهم صباحا ومساء، والمسلمون لا يتحركون، بل بعض المسلمين الذين ما عرفوا الإسلام حقيقة يلينون لهؤلاء،: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ٢، وهذا من المحنة التي أصابت المسلمين الآن، وآلت بهم إلى هذا الذل الذي صاروا فيه.
_________
١ سورة آل عمران آية: ٨٥.
٢ سورة القلم آية: ٩.стр. 157
باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
........................................................................
الحواشي
(١) قوله: "من الشرك": من هنا للتبعيض; أي: أن هذا بعض الشرك، وليس كل الشرك، والشرك: اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها، وكان لبس هذه الأشياء من الشرك; لأن كل من أثبت سببا لم يجعله الله سببا شرعيا ولا قدريا; فقد جعل نفسه شريكا مع الله. فمثلا: قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء. وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن، وهو قدري; لأنه يعلم بالتجارب.
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله; كالجبرية، والأشعرية.
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببا شرعيا أو كونيا.
ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانا حقيقيا، وآمنواстр. 158
.......................................................................
الحواشي
(١) بحكمته; حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.
ولبس الحلقة ونحوها: إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله; فهو مشرك شركا أكبر في توحيد الربوبية; لأنه اعتقد أن مع الله خالقا غيره.
وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرا بنفسه; فهو مشرك شركا أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببا; فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببا. وطريق العلم بأن الشيء سبب:
إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ١، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وإما عن طريق القدر، كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعا في هذا الألم أو المرض، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرا مباشرا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلا; فهذا سبب ظاهر بين، وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرا; كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينتفع لأن للانفعال النفسي للشيء أثرا بينا; فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق ويربطون الخيوط، قد يحسون بخفة الألم، أو اندفاعه، أو ارتفاعه، بناء على اعتقادهم نفعها. وخفة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي، والشعور النفسي ليس طريقا شرعيا لإثبات الأسباب، كما أن الإلهام ليس طريقا للتشريع.
_________
١ سورة النحل آية: ٦٩.
٢ سورة الإسراء آية: ٨٢.стр. 159
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) قوله: " لبس الحلقة والخيط": الحلقة: من حديد أو ذهب أو فضة أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.
قوله: "ونحوهما": كالمرصعات، وكمن يصنع شكلا معينا من نحاس أو غيره لدفع البلاء، أو يعلق على نفسه شيئا من أجزاء الحيوانات. والناس كانوا يعلقون القرب البالية على السيارات ونحوها لدفع العين، حتى إذا رآها الشخص نفرت نفسه فلا يعين.
قوله: "لرفع البلاء، أو دفعه": الفرق بينهما: أن الرفع بعد نزول البلاء، والدفع قبل نزول البلاء.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما ينكر السبب غير الصحيح.
وقوله الله تعالى: " أفرأيتم " ; أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم; لأن من رأى أخبر، وإلا; فهي استفهام عن رؤية، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ٢ ; أي: أخبرني ما حال من كذب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين الأول مفرد، والثاني جملة استفهامية.
وقوله: "ما": المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: " إن أرادني الله بضر ".
وقوله: " تدعون ": المراد بالدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة; فهم
_________
١ سورة الزمر آية: ٣٨.
٢ سورة الماعون آية: ١.стр. 160
.......................................................................
الحواشي
(١) يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبدون لها بالنذر والذبح والركوع والسجود، ويدعونها دعاء مسألة لدفع الضرر أو جلب النفع. فالله سبحانه إذا أراد بعبده ضرا لا تستطيع الأصنام أن تكشفه، وإن أراده برحمة لا تستطيع أن تمسك الرحمة عنه; فهي لا تكشف الضر ولا تمنع النفع; فلماذا تعبد؟!
وقوله: " كاشفات ": يشمل الدفع والرفع; فهي لا تكشف الضر بدفعه وإبعاده، ولا تكشفه برفعه وإزالته.
قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ ١ أي: كافيني، والحسب: الكفاية، ومنه قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً﴾ ٢ من الحسب، وهو الكفاية، وحسبي: مبتدأ، ولفظ الجلالة: خبر، وهذا أبلغ. وقيل العكس، والراجح الأول; لوجهين:
الأول: أن الأصل عدم التقديم والتأخير.
الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر الحسب في الله; أي حسبي الله لا غيره فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله، بخلاف قولك: الله حسبي; فليس فيه الحصر المذكور; فلا يدل على حصر الحسب في الله.
قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر; لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والمعنى: أن المتوكل حقيقة هو المتوكل على الله، أما الذي يتوكل على الأصنام والأولياء والأضرحة; فليس بمتوكل على الله تعالى. وهذا لا ينافي أن يوكل الإنسان إنسانا في شيء ويعتمد عليه; لأن هناك فرقا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل لك شيئا بأمرك، وبين توكلك على الله; لأن توكلك
_________
١ سورة التوبة آية: ١٢٩.
٢ سورة النبأ آية: ٣٦.стр. 161
عن عمران بن حصينرضي الله عنه" أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها; فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك; ما أفلحت أبدا "١.
الحواشي
(٣٥٣١) , وأحمد (٤/٤٤٥) .стр. 162
.......................................................................
الحواشي
(١) هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة; لأن هذا الرجل لبس حلقة من صفر; إما لدفع البلاء أو لرفعه، والظاهر أنه لرفعه، لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا"، والزيادة تكون مبنية على أصل.
ففي هذا الحديث دليل على عدة فوائد:
١- أنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولا عن الحال; لأنه قد يظن ما ليس بمنكر منكرا، ودليله أن الرسول ﷺ قال: " ما هذه ". والاستفهام هنا للاستعلام فيما يظهر وليس للإنكار، وقوله الرجل: " من الواهنة ": من للسببية; أي: لبستها بسبب الواهنة، وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه، قد يكون في الجسم كله، وقد يكون في بعض الأعضاء كما سبق.
٢- وجوب إزالة المنكر; لقوله: " انزعها "، فأمره بنزعها; لأن لبسها منكر، وأيد ذلك بقوله: " إنها لا تزيدك إلا وهنا "، أي: وهنا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنا في الجسم، أما وهن النفس; فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها، ونسيت الاعتماد على الله عزوجل والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان; فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض، وأحيانا يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحا; فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا; فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الموهوم حقيقة. فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة لا تزيده إلا وهنا; لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم، فإذا نزعها عاد إليه الوهن، وهذا بلا شك ضعف في النفس.стр. 163
رواه أحمد بسند لا بأس به١.
وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من تعلق تميمة; فلا أتم الله له،..........
الحواشي
(١٤١٠) بلفظ: "إنك إن تمت وهي عليك وكلت إليها". ومن طريق أبي عامر الخراز عن الحسن عن عمران بنحوه, رواه: ابن حبان برقم(١٤١١) , والحاكم (٤/٢١٦) . وصححه ووافقه الذهبي.
٢ أحمد (٤/٤٤٥) .стр. 164
ومن تعلق ودعة; فلا ودع الله له " ١.
وفي رواية: " من تعلق تميمة; فقد أشرك " ٢.
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: " أنه رأى رجلا في يده خيط
الحواشي
(١) تكون خبرية محضة، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة سواء نفى الرسول ﷺ أن يتم الله، له أو دعا بأن لا يتم الله له; فإن كان الرسول ﷺ أراد به الخبر; فإننا نخبر بما أخبر به النبي ﷺ ، وإلا; فإننا ندعو بما دعا به الرسول ﷺ ومثل ذلك قوله ﷺ " ومن تعلق ودعة; فلا ودع الله له " والودعة: واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلقونها لدفع العين، ويزعمون أن الإنسان إذا علق هذه الودعة؛ لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن.
قوله: " لا ودع الله له ": أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم. وقيل: لا ترك الله له خيرا; فعومل بنقيض قصده. وقوله: " فقد أشرك ": هذا الشرك يكون أكبر؛ إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون أمر الله، وإلا; فهو أصغر.
_________
١ رواه: أحمد في "المسند" (٤/١٥٤) , والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/٣٢٥) , والحاكم (٤/٢١٦) . وصححه ووافقه الذهبي. وفيه: خالد بن عبيد المعافري, لم يوثقه غير ابن حبان; كما في "التعجيل" (ص ١١٤) , وقال المنذري في "الترغيب" (٤/٣٠٦) : "إسناده جيد", وقال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٠٣) : "رجاله ثقات", وقال الحافظ في "التعجيل" (ص ١١٤) : "ورجاله موثقون".
٢ رواه: أحمد (٤/١٥٦) , والحاكم (٤/٢١٩, كتاب الطب) . وقال المنذري في "الترغيب" (٤/٠٣٧) والهيثمي في "المجمع" (٥/١٠٣) : "ورواة أحمد ثقاتстр. 165
من الحمى، فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الحواشي
(١) قوله: " من الحمى ": "من" هنا للسببية; أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه أو يشفى منها.
قوله: " فقطعه": أي: قطع الخيط، وفعله هذا من تغيير المنكر باليد، وهذا يدل على غيرة السلف الصالح وقوتهم في تغيير المنكر باليد وغيرها.
وقوله: وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢ أي وتلا حذيفة هذه الآية٣ والمراد بها المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية.
وقوله: " وهم مشركون " في محل نصب على الحال من أكثر; أي: وهم متلبسون بالشرك، وكلام حذيفة في رجل مسلم لبس خيطا لتبريد الحمى أو الشفاء منها وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر; لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم.
قوله: "فيه مسائل": أي: في هذا الباب مسائل:
· الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك:
_________
١ سورة يوسف آية: ١٠٦.
٢ سورة يوسف آية: ١٠٦.
٣ وفي "النهج السديد" (ص ٥٧) : "ضعيف, رواه ابن أبي حاتم, وقد أورد سنده في "تيسير العزيز الحميد" من طريق عروة بن الزبير عن حذيفة, ولا يعرف لعروة سماع من حذيفة".стр. 166
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه; ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الحواشي
(٣٥٣١) , وأحمد (٤/٤٤٥) .
٢ رواه: عبد الرزاق في "المصنف" (٨/٤٦٩) , والطبراني في "الكبير" برقم(٨٩٠٢) . قال المنذري في "الترغيب" (٣/٦٠٧) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/١٧٧) : "رواته رواة الصحيح".
٣ أحمد (٤/٤٤٥) .
٤ أحمد (٤/٤٤٥) .стр. 167
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة; بل تضر، لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا ".
الحواشي
(١) تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم; فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو في المعاصي. وما كان ناشئا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط ولم يقم المقتضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام; فإنه يعذر فيه، فإن كان منتسبا إلى الإسلام; لم يضره، وإن كان منتسبا إلى الكفر; فهو كافر في الدنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله على القول الراجح، يمتحن; فإن أطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار. فعلى هذا من نشأ ببادية بعيدة ليس عنده علماء ولم يخطر بباله أن هذا الشيء حرام، أو أن هذا الشيء واجب; فهذا يعذر، وله أمثلة:
منها: رجل بلغ وهو صغير، وهو في بادية ليس عنده عالم، ولم يسمع عن العلم شيئا، ويظن أن الإنسان لا تجب عليه العبادات إلا إذا بلغ خمس عشرة سنة، فبقي بعد بلوغه حتى تم له خمس عشرة سنة وهو لا يصوم ولا يصلي ولا يتطهر من جنابة; فهذا لا نأمره بالقضاء؛ لأنه معذور بجهله الذي لم يفرط فيه بالتعلم ولم يطرأ له على بال، وكذلك لو كانت أنثى أتاها الحيض وهي صغيرة، وليس عندها من تسأل، ولم يطرأ على بالها أن هذا الشيء واجب إلا إذا تم لها خمس عشرة سنة; فإنها تعذر إذا كانت لا تصوم ولا تصلي.
وأما من كان بالعكس، كالساكن في المدن يستطيع أن يسأل، لكن عنده تهاون وغفلة; فهذا لا يعذر; لأن الغالب في المدن أن هذه الأحكام لا تخفى عليه، ويوجد فيها علماء يستطيع أن يسألهم بكل سهولة; فهو مفرط، فيلزمه القضاء ولا يعذر بالجهل.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة، بل تضر; لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا ": والمؤلف استنبط المسألة وأتى بوجه استنباطها.стр. 168
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا، وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة; فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
стр. 169
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر; كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له; أي: ترك الله له.
الحواشي
(١) التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر كما ذكر ابن عباس في آية البقرة: أي أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١ في الشرك الأكبر، لكنهم يستدلون بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الأصغر; لأن الأصغر شرك في الحقيقة وإن كان لا يخرج من الملة، ولهذا نقول: الشرك نوعان: أصغر وأكبر.
وقوله: "كما ذكر ابن عباس في آية البقرة": وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٢ الآية; فجعل المحبة التي تكون كمحبة الله من اتخاذ الند لله عزوجل
العاشرة: أن تعليق الودع من العين من ذلك: وقوله: "من ذلك"; أي: من تعليق التمائم الشركية لأنه لا أثر لها ثابت شرعا ولا قدرا.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة; فلا ودع الله له; أي: ترك الله له: تؤخذ من دعاء النبي ﷺ على هؤلاء الذين اتخذوا تمائم وودعا، وليس هذا بغريب أن
_________
١ سورة يوسف آية: ١٠٦.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٥.стр. 170
.......................................................................
الحواشي
(١٧٦) , والدارمي(١٤٠٨) , وابن حبان (٣١٣- موارد) , والحاكم (٢/٥٦) , والبيهقي (٢/٤٤٧) . وحسنه الترمذي, وصححه الحاكم, ووافقه الذهبي.стр. 171
باب ما جاء في الرقى والتمائم
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاريرضي الله عنهأنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره،................................................................
الحواشي
(١) قول المؤلف: باب ما جاء في الرقى والتمائم.
لم يذكر المؤلف أن هذا الباب من الشرك; لأن الحكم فيه يختلف عن حكم لبس الحلقة والخيط، ولهذا جزم المؤلف في الباب الأول أنها من الشرك بدون استثناء، أما هذا الباب; فلم يذكر أنها شرك لأن من الرقى ما ليس بشرك، ولهذا قال: "باب ما جاء في الرقى والتمائم ".
قوله: "الرقى": جمع رقية، وهي القراءة; فيقال: رقى عليه - بالألف - من القراءة، ورقي عليه - بالياء - من الصعود.
قوله: "التمائم": جمع تميمة، وسميت تميمة; لأنهم يرون أنه يتم بها دفع العين.
قوله: "أسفاره": السفر: مفارقة محل الإقامة، وسمي سفرا; لأمرين:
الأول: حسي، وهو أنه يسفر ويظهر عن بلده لخروجه من البنيان.
الثاني: معنوي، وهو أنه يسفر عن أخلاق الرجال; أي: يكشف عنها، وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم إلا بالأسفار.стр. 172
فأرسل رسولا: " أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت "١.
الحواشي
(١) قوله: " قلادة من وتر، أو قلادة ": شك من الراوي، والأولى أرجح; لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد; لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك; لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي ﷺ أن تقطع هذه القلائد. أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام; فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعملون ذلك كثيرا من الصوف أو غيره.
قوله: " في رقبة بعير ": ذكر البعير; لأن هذا هو الذي كان منتشرا حينذاك; فهذا القيد بناء على الواقع عندهم; فيكون كالتمثيل، وليس بمخصص.
يستفاد من الحديث:
١- أنه ينبغي لكبير القوم أن يكون مراعيا لأحوالهم; فيتفقدهم وينظر في أحوالهم.
٢- أنه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشريعة; فإذا فعلوا محرما منعهم منه، وإن تهاونوا في واجب حثهم عليه.
٣- أنه لا يجوز أن تعلق في أعناق الإبل أشياء؛ تجعل سببا في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهي ليست كذلك لا شرعا ولا قدرا; لأنه شرك.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الجهاد, باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل, ٢/٣٥٩) , ومسلم (كتاب اللباس, باب كراهة الكلب والجرس في السفر, ٣/١٦٧٢) .стр. 173
وعن ابن مسعودرضي الله عنهقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرقى والتمائم
الحواشي
(١) ولا يلزم أن تكون القلادة في الرقبة، بل لو جعلت في اليد أو الرجل; فلها حكم الرقبة; لأن العلة هي هذه القلادة، وليس مكان وضعها; فالمكان لا يؤثر.
٤- أنه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيره بيده.
قوله: " إن الرقى ": جمع رقية، وهذه ليست على عمومها، بل هي عام أريد به خاص، وهو الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع; فليست من الشرك، قال ﷺ في الفاتحة: " وما يدريك أنها رقية "١.
وهل المراد بالرقى في الحديث ما لم يرد به الشرع ولو كانت مباحة، أو المراد ما كان فيه شرك؟
الجواب: الثاني; لأن كلام النبي ﷺ لا يناقض بعضه بعضا; فالرقى المشروعة التي ورد بها الشرع جائزة. وكذا الرقى المباحة التي يرقى بها الإنسان المريض بدعاء من عنده ليس فيه شرك جائزة أيضا.
قوله: " التمائم ": فسرها المؤلف بقوله: "شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين"، وهي من الشرك، لأن الشارع لم يجعلها سببا تتقى به العين.
وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفا من العين; فهل هذا جائز؟ الظاهر أنه لا بأس به; لأنه لم يفعل شيئا، وإنما ترك شيئا، وهو التحسين والتجميل، وقد ذكر ابن القيم في "زاد المعاد" أن عثمان رأى صبيا مليحا، فقال: دسموا نونته، والنونة: هي التي تخرج في الوجه عندما يضحك الصبي كالنقرة، ومعنى دسموا; أي: سودوا.
_________
١ سبق (ص ٩٩) .стр. 174
والتولة.................................................................
الحواشي
(١) وأما الخط: وهي أوراق من القرآن تجمع وتوضع في جلد ويخاط عليها، ويلبسها الطفل على يده أو رقبته; ففيها خلاف بين العلماء.
وظاهر الحديث: أنها ممنوعة، ولا تجوز. ومن ذلك أن بعضهم يكتب القرآن كله بحروف صغيرة في أوراق صغيرة، ويضعها في صندوق صغير، ويعلقها على الصبي، وهذا مع أنه محدث; فهو إهانة للقرآن الكريم; لأن هذا الصبي سوف يسيل عليه لعابه، وربما يتلوث بالنجاسة، ويدخل به الحمام والأماكن القذرة، وهذا كله إهانة للقرآن.
ومع الأسف؛ إن بعض الناس اتخذوا من العبادات نوعا من التبرك فقط; مثل ما يشاهد من أن بعض الناس يمسح الركن اليماني، ويمسح به وجه الطفل وصدره، وهذا معناه أنهم جعلوا مسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: " إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك "١.
قوله: " التولة ": شيء يعلقونه على الزوج، يزعمون أنه يحبب الزوجة إلى زوجها والزوج إلى امرأته، وهذا شرك; لأنه ليس بسبب شرعي ولا قدري للمحبة. ومثل ذلك الدبلة.
والدبلة: خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج; قالت المرأة: إنه لا يحبها; فهم يعتقدون فيه النفع والضر، ويقولون: إنه ما دام في يد الزوج; فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة،
_________
١ رواه: البخاري في (كتاب الحج, باب تقبيل الحجر, ١/٤٩٥) , ومسلم في (كتاب الحج, باب استحباب تقبيل الحجم, ١/٩٢٥) .стр. 175
شرك " رواه أحمد وأبو داود١.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا:" من تعلق شيئا;.......................
الحواشي
(١٤١٢) , والطبراني في "الكبير" برقم(١٠٥٠٣) .
٢ سورة الطلاق آية: ٣.стр. 176
وكل إليه ". رواه أحمد والترمذي١.
" التمائم ": شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين.
الحواشي
(١) عند المصائب والشدائد: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد وأصحابه حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٢.
قوله: " وكل إليه ": أي: أسند إليه، وفوض.
أقسام التعلق بغير الله:
الأول: ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير، ويعتمد عليه اعتمادا معرضا عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الضراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا; فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة.
الثاني: ما ينافي كمال التوحيد، وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبب، وهو الله عزوجل وعدم صرف قلبه إليه; فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر; لأن هذا السبب جعله الله سببا.
الثالث: أن يتعلق بالسبب تعلقا مجردا لكونه سببا فقط، مع اعتماده الأصلي على الله; فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل
_________
١ رواه: أحمد (٤/٣١٠) , والترمذي (أبواب الطب, باب ما جاء فى كراهة التعليق, ٦/ ٢٦٣) - قال: "حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى"-, والحاكم في (كتاب الطب, ٤/٢١٦) . وسكت عنه هو والذهبي, وقال ابن البنا في "الفتح الرباني" (١٧/١٨٨) : "قلت: هذا الحديث لا تقل درجته عن الحسن لاسيما وله شواهد تؤيده".
٢ رواه: البخاري عن ابن عباس (كتاب التفسير, باب الدين قال لهم الناس , ٣/ ٢١١) .стр. 177
لكن إذا كان المعلق من القرآن; فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
الحواشي
(١) أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله عزوجل؛ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالا ولا أصلا، وعلى هذا لا إثم فيه.
ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة، ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله. فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقا كاملا، مع الغفلة عن المسبب، وهو الله، قد وقع في نوع من الشرك. أما إذا اعتقد أن المرتب سبب، والمسبب هو الله ، وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب; فهذا لا ينافي التوكل. وقد كان الرسول ﷺ يأخذ بالأسباب مع اعتماده على المسبب، وهو الله عزوجل
وجاء في الحديث: " من تعلق "، ولم يقل: من علق; لأن المتعلق بالشيء يتعلق به بقلبه وبنفسه، بحيث ينزل خوفه ورجاءه وأمله به، وليس كذلك من علق.
قوله: "إذا كان المعلق من القرآن ... " إلخ: إذا كان المعلق من القرآن أو الأدعية المباحة، والأذكار الواردة; فهذه المسألة اختلف فيها السلف ﵏; فمنهم من رخص في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ ولم يذكر الوسيلة التي نتوصل بها إلى الاستشفاء بهذا القرآن; فدل على أن كل وسيلة يتوصل بها إلى ذلك فهي جائزة، كما لو كان القرآن دواء حسيا.
_________
١ سورة الإسراء آية: ٨٢.стр. 178
.......................................................................
الحواشي
(١) ومنهم من منع ذلك وقال: لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به; لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به; فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد; فمعنى ذلك أننا فعلنا سببا ليس مشروعا، وقد نقله المؤلف ﵀ عن ابن مسعود (. ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء; لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرا ظاهرا; فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم; فإنه يتأثر بذلك.
ولهذا نقول: الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن; كالغيبة مثلا، ودخول بيت الخلاء، وأيضا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة; فمثلا: علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغني بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره. وإن كان صبيا، فربما بال ووصلت الرطوبة إلى هذا المعلق، وأيضا لم يرد عن النبي ﷺ فيه شيء. فالأقرب أن يقال: إنه لا يفعل، أما أن يصل إلى درجة التحريم; فأنا أتوقف فيه، لكن إذا تضمن محظورا; فإنه يكون محرما بسبب ذلك المحظور.стр. 179
و" الرقى": هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك; فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة١.
الحواشي
(٣) رواه البخاري من حديث عائشة (كتاب فضائل القرآن, باب فضل المعوذات, ٣/٣٤٤) وأصله عند مسلم كتاب السلام (باب رقية المريض بالمعوذات والنفث, ٤/١٧٢٣) .
٣ الترمذي: الطب(٢٠٥٧) , وأبو داود: الطب(٣٨٨٤) , وأحمد (٤/٤٣٦ ,٤/٤٣٨ ,٤/٤٤٦) .стр. 180
و " التولة": هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
الحواشي
(١) وهو "العائن" - يطلب منه أن يقرأ على المعيون. وكذلك الحمة يطلب الإنسان من غيره أن يقرأ عليه; لأنه مفيد كما في حديث أبي سعيد في قصة السرية١.
شروط جواز الرقية:
الأول: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله; فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله.
الثاني: أن لا تكون مما يخالف الشرع; كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك; فإنها محرمة، بل شرك.
الثالث: أن تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة; فإنها لا تجوز.
أما بالنسبة للتمائم; فإن كانت من أمر محرم، أو اعتقد أنها نافعة لذاتها، أو كانت بكتابة لا تفهم; فإنها لا تجوز بكل حال.
وإن تمت فيها الشروط الثلاثة السابقة في الرقية; فإن أهل العلم اختلفوا فيها كما سبق٢.
_________
١ سبق (ص ٩٩) .
٢ انظر: (ص ١٨٤) .следующие страницы →