← Акыда

Акыда · id 7339

القول المفيد على كتاب التوحيد

ابن عثيمين

Полный текст (1 122 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... القول المفيد على كتاب التوحيد شرح فضيلة الشيخ، محمد بن صالح العثيمين المجلد الأول: المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق أن طبع لنا كتاب ((القول المفيد على كتاب التوحيد)) ، وكان منقولا من الأشرطة المسجلة من الدرس، وقد حصل فيه بعد خروجه تعديل بزيادة أو حذف تدعو الحاجة إليه، وها نحن نعيد طبعه لأول مرة بعد مراجعته في دار (ابن الجوزي) . فلتكن هذه هي النسخة المعتمدة؛ ولذا جرى التنبيه والله الموفق. حرر في ٢٩/١٠/١٤١٧ ? أملاه الفقير إلى الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: فقد سبق لنا- ولله الحمد والمنة- أن قمنا بشرح كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب على الطلبة، أثناء جلساتنا في الجامع الكبير بعنيزة، وقام بعض الطلبة بتسجيل ما تكلمنا به. وقد بادر الأخوان الكريمان/ الدكتور سليمان العبد الله أبا الخيل، والدكتور: خالد العلي المشيقح بتفريغ المسجل كتابة، وقاما بطبعه، وسمياه: القول المفيد على كتاب التوحيد. فأسأل الله تعالى أن يجزل لهما المثوبة وينفع بذلك. ومن المعلوم أن ما نقل تسجيلا من الشرح على الطلاب لا يساوي ما كتب تحريرا، بل سيكون فيه نقص أو زيادة، أو تقديم أو تأخير أو تكرار، أو نحو ذلك من الخلل.

стр. 2

يشمل إلا شيئا يسيرا من هذه المخلوقات; فالإنسان يملك ما تحت يده، ولا يملك ما تحت يد غيره، وكذا هو ملك قاصر من حيث الوصف; فالإنسان لا يملك ما عنده تمام الملك، ولهذا لا يتصرف فيه إلا على حسب ما أذن له فيه شرعا. فمثلا: لو أراد أن يحرق ماله، أو يعذب حيوانه؟ قلنا: لا يجوز، أما الله- سبحانه-، فهو يملك ذلك كله ملكا عاما شاملا. وأما إفراد الله بالتدبير: فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣١، ٣٢] . وأما تدبير الإنسان; فمحصور بما تحت يده، ومحصور بما أذن له فيه شرعا. وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بل كانوا مقرين به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] .

стр. 3

فهم يقرون بأن الله هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض. ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم، فلم يقل أحد من المخلوقين: إن للعالم خالقين متساويين. فلم يجحد أحد توحيد الربوبية، لا على سبيل التعطيل ولا على سبيل التشريك، إلا ما حصل من فرعون; فإنه أنكره على سبيل التعطيل مكابرة، فإنه عطل الله من ربوبيته وأنكر وجوده، قال تعالى حكاية عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: من الآية٣٨] . وهذا مكابرة منه لأنه يعلم أن الرب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: من الآية١٤] وقال تعالى حكاية عن موسى وهو يناظره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الاسراء: من الآية١٠٢] فهو في نفسه مقر بأن الرب هو الله- . وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس، حيث قالوا: إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، ومع ذلك لم يجعلوا هذين الخالقين متساويين.

стр. 4

فهم يقولون: إن النور خير من الظلمة؟ لأنه يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، والذي يخلق الخير خير من الذي يخلق الشر. وأيضا; فإن الظلمة عدم لا يضيء، والنور وجود يضيء، فهو أكمل في ذاته. ويقولون أيضا بفرق ثالث، وهو: أن النور قديم على اصطلاح الفلاسفة، واختلفوا في الظلمة: هل هي قديمة، أو محدثة; على قولين. دلالة العقل على أن الخالق للعالم واحد: قال الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: من الآية٩١] إذ لو أثبتنا للعالم خالقين; لكان كل خالق يريد أن ينفرد بما خلق، ويستقل به كعادة الملوك; إذ لا يرضى أن يشاركه أحد. وإذا استقل به; فإنه يريد أيضا أمرا آخر، وهو أن يكون السلطان له لا يشاركه فيه أحد. وحينئذ، إذا أرادا السلطان؛ فإما أن يعجز كل واحد منهما عن الآخر، أو يسيطر أحدهما على الآخر; فإن سيطر

стр. 5

ولما ظهرت طبعته الأولى وجد فيها شيء من ذلك، فحرر ونقح، ثم أعيد طبعه مرة ثانية، فاحتاج إلى إعادة النظر؛ لخلل يسير غالبه في الطباعة. وها هو يعاد للمرة الثالثة، وقد رأيت أن يحذف من الكتاب جميع الحواشي، ما عدا عزو الآيات والأحاديث، أسأل الله تعالى أن يكون خالصا لوجهه، موافقا لمرضاته، نافعا لعباده، إنه جواد كريم. وهذا أوان الشروع في المقصود مستعينين بالله تعالى. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب التوحيد. لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ، وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة؛ لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد. والكتاب: بمعنى مكتوب، أي مكتوب بالقلم، أو بمعنى مجموع، من قولهم كتيبة، وهي المجموعة من الخيل. أما التوحيد فهو في اللغة: مصدر وحَّد الشيء إذا جعله واحدا. وفي الشرع: إفراد الله- تعالى- بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

стр. 6

أقسامه: ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: ١. توحيد الربوبية ٢. توحيد الألوهية. ٣. توحيد الأسماء والصفات. وقد اجتمعت في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: الآية ٦٥] . * القسم الأول: توحيد الربوبية: هو إفراد الله بالخلق، والملك، والتدبير. فإفراده بالخلق: أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق إلا الله. قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر﴾ [الأعراف: من الآية٥٤] فهذه الجملة تفيد الحصر لتقديم الخبر، إذ إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض﴾ [فاطر: من الآية٣] فهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله لأن الاستفهام فيها مشرب معنى التحدي.

стр. 7

أما ما ورد من إثبات خالق غير الله; كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: من الآية١٤] وكقوله ﷺ في المصورين يقال لهم: ((أحيوا ما خلقتم)) ١. فهذا ليس خلقا حقيقة، وليس إيجادا بعد عدم، بل هو تحويل للشيء من حال إلى حال، وأيضا ليس شاملا، بل محصور بما يتمكن الإنسان منه، ومحصور بدائرة ضيقة; فلا ينافي قولنا: إفراد الله بالخلق. وأما إفراد الله بالملك: فأن نعتقد أنه لا يملك الخلق إلا خالقهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ [آل عمران: من الآية١٩٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء﴾ [المؤمنون: من الآية٨٨] . وأما ما ورد من إثبات الملكية لغير الله; كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦] ، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: من الآية٦١] ؛ فهو ملك محدود لا

стр. 8

أحدهما على الآخر ثبتت الربوبية له، وإن عجز كل منهما عن الآخر زالت الربوبية منهما جميعا; لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربا. القسم الثاني: توحيد الألوهية: ويقال له: توحيد العبادة باعتبارين; فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة. وهو إفراد الله- بالعبادة. فالمستحق للعبادة هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِل﴾ [لقمان: من الآية٣٠] . والعبادة تطلق على شيئين: الأول: التعبد بمعنى التذلل لله- بفعل أوامره واجتناب نواهيه; محبة وتعظيما. الثاني: المتعبد به; فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. مثال ذلك: الصلاة; ففعلها عبادة، وهو التعبد.

стр. 9

ونفس الصلاة عبادة، وهو المتعبد به. فإفراد الله بهذا التوحيد: أن تكون عبدا لله وحده تفرده بالتذلل; محبة وتعظيما، وتعبده بما شرع. قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ [الإسراء:٢٢] . وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فوصفه سبحانه بأنه رب العالمين كالتعليل لثبوت الألوهية له; فهو الإله لأنه رب العالمين، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: من الآية٢١] فالمنفرد بالخلق هو المستحق للعبادة. إذ من السفه أن تجعل المخلوق الحادث الآيل للفناء إلها تعبده; فهو في الحقيقة لن ينفعك، لا بإيجاد ولا بإعداد ولا بإمداد، فمن السفه أن تأتي إلى قبر إنسان صار رميما تدعوه وتعبده، وهو بحاجة إلى دعائك، وأنت لست بحاجة إلى أن تدعوه; فهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فكيف يملكه لغيره؟! وهذا القسم كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل عليهم الكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 10

أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] . ومع هذا، فأتباع الرسل قلة، قال ﵊: " فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد" ١. تنبيه: من العجب أن أكثر المصنفين في علم التوحيد من المتأخرين يركزون على توحيد الربوبية، وكأنما يخاطبون أقواما ينكرون وجود الرب -وإن كان يوجد من ينكر الرب- لكن ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة!! ولهذا ينبغي أن يركز على هذا النوع من التوحيد؛ حتى نخرج إليه هؤلاء المسلمين الذين يقولون بأنهم مسلمون، وهم مشركون ولا يعلمون. القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله- بما له من الأسماء والصفات. وهذا يتضمن شيئين:

стр. 11

الأول: الإثبات، وذلك بأن نثبت لله- جميع أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الثاني: نفي المماثلة، وذلك بأن لا نجعل لله مثيلا في أسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: من الآية١١] . فدلت هذه الآية على أن جميع صفاته لا يماثله فيها أحد من المخلوقين; فهي وإن اشتركت في أصل المعنى، لكن تختلف في حقيقة الحال، فمن لم يثبت ما أثبته الله لنفسه; فهو معطل، وتعطيله هذا يشبه تعطيل فرعون، ومن أثبتها مع التشبيه؛ صار مشابها للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ومن أثبتها بدون مماثلة صار من الموحدين. وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية، وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة: فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل ونفى الصفات زاعما أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفى عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلا، فإذا قال: إن الله ليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة، لم ينزه الله، بل وصمه بأعيب العيوب، ووصم كلامه بالتعمية والتضليل; لأن الله يكرر

стр. 12

ذلك في كلامه ويثبته، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإذا أثبته في كلامه وهو خال منه؛ كان في غاية التعمية والتضليل، والقدح في كلام الله- . ومنهم من سلك مسلك التمثيل، زاعما بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا؛ لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، إذ وصموه بالعيب والنقص; لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه. وإذا كان اقتران تفضيل الكامل على الناقص يحط من قدره; كما قيل: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا فكيف بتمثيل الكامل بالناقص؟ ! هذا أعظم ما يكون جناية في حق الله- ، وإن كان المعطلون أعظم جرما، لكن الكل لم يقدر الله حق قدره. فالواجب: أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم. فالتحريف في النصوص، والتعطيل في المعتقد، والتكييف في الصفة، والتمثيل في الصفة، إلا أنه أخص من التكييف; فكل ممثل. مكيف، ولا عكس.

стр. 13

فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه الأمور الأربعة. ونعني بالتحريف هنا: التأويل الذي سلكه المحرفون لنصوص الصفات، لأنهم سموا أنفسهم أهل التأويل، لأجل تلطيف المسلك الذي سلكوه، لأن النفوس تنفر من كلمة تحريف، لكن هذا من باب زخرفة القول وتزيينه للناس، حتى لا ينفروا منه. وحقيقة تأويلهم: التحريف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره، فنقول: هذا الصرف إن دل عليه دليل صحيح، فليس تأويلا بالمعنى الذي تريدون، لكنه تفسير. وإن لم يدل عليه دليل، فهو تحريف، وتغيير للكلم عن مواضعه، فهؤلاء الذين ضلوا بهذه الطريقة، فصاروا يثبتون الصفات لكن بتحريف، قد ضلوا، وصاروا في طريق معاكس لطريق أهل السنة والجماعة. وعليه لا يمكن أن يوصفوا بأهل السنة والجماعة، لأن الإضافة تقتضي النسبة، فأهل السنة منتسبون للسنة; لأنهم متمسكون بها، وهؤلاء ليسوا متمسكين بالسنة فيما ذهبوا إليه من التحريف. وأيضا الجماعة في الأصل: الاجتماع، وهم غير مجتمعين في آرائهم; ففي كتبهم التداخل، والتناقض، والاضطراب، حتى إن بعضهم يضلل بعضا، ويتناقض هو بنفسه.

стр. 14

وقد نقل شارح "الطحاوية" عن الغزالي- وهو ممن بلغ ذروة علم الكلام- كلاما إذا قرأه الإنسان تبين له ما عليه أهل الكلام من الخطأ والزلل والخطل، وأنهم ليسوا على بينة من أمرهم١. وقال الرازي وهو من رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية; فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: من الآية١٠] يعني: فأثبت، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: من الآية١١] ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه: من الآية١١٠] ، يعني: فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علما، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي٢.

стр. 15

فتجدهم حيارى مضطربين، ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنا منشرح الصدر، هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات؛ فيثبت، إذ لا أحد أعلم من الله بالله، ولا أصدق خبرا من خبر الله، ولا أصح بيانا من بيان الله; كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: من الآية٢٦] ، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: من الآية١٧٦] ، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء﴾ [النحل: من الآية٨٩] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: من الآية١٢٢] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: من الآية٨٧] . فهذه الآيات وغيرها؛ تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه ما يتعلق بالله تعالى، وبأسماء الله وصفاته، حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لم نعلم صفاته، أو من ليس له صفة: أمرٌ لا يتحقق أبدا، فلا بد أن تعلم من صفات المعبود ما تجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقا. ولا يتجاوز الإنسان حده إلى التكييف أو التمثيل; لأنه إذا كان عاجزا عن تصور نفسه التي بين جنبيه; فمن باب أولى أن

стр. 16

يكون عاجزا عن تصور حقائق ما وصف الله به نفسه، ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال ب "لم" و "كيف" فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته. وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية. وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرا، وهذه حال السلف ﵏، ولهذا لما جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس ﵀ قال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، كيف استوى؟ فأطرق برأسه وقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا". أما في عصرنا الحاضر، فنجد من يقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدنيا; لأن الليل يمشي على جميع الأرض، فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى المكان الآخر! وهذا لم يقله الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن; لبينه الله إما ابتداء أو على لسان رسوله ﷺ ، أو يقيض من يسأله عنه فيجاب، كما سأل الصحابة رسول الله ﷺ : أين كان الله قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فأجابهم١.

стр. 17

فهذا السؤال العظيم يدل على أن كل ما يحتاج إليه الناس فإن الله يبينه بأحد الطرق الثلاثة. والجواب عن الإشكال في حديث النزول١ أن يقال: ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيا، فالنزول فيها محقق، وفي غيرها لا يكون نزول قبل ثلث الليل الأخير أو النصف، والله عزوجل ليس كمثله شيء، والحديث يدل على أن وقت النزول ينتهي بطلوع الفجر. وعلينا أن نستسلم، وأن نقول: سمعنا، وأطعنا، واتبعنا، وآمنا; فهذه وظيفتنا لا نتجاوز القرآن والحديث.

стр. 18

كتاب التوحيد ... [شرح قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ] وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:٥٦] الآية.

стр. 19

................................................................................... قوله: ﴿الجن﴾ هم عالم غيبي مخفي عنا، ولهذا جاءت المادة من الجيم والنون، وهما يدلان على الخفاء والاستتار ومنه: الجَنة، والجِنة، والجُنَّة. قوله: ﴿الإنس﴾ سموا بذلك، لأنهم لا يعيشون بدون إيناس، فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم إلى بعض. قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ فسر: إلا ليوحدون، وهذا حق، وفسر: بمعنى يتذللون لي بالطاعة فعلا للمأمور، وتركا للمحظور، ومن طاعته أن يوحد ، فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس. ولهذا أعطى الله البشر عقولا، وأرسل إليهم رسلا، وأنزل عليهم كتبا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم، لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: من الآية٨٥] فلا بد أن يردك إلى معاد تجازى على عملك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وليست الحكمة من خلقهم نفع الله، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذريات:٥٧] . وأما قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَه﴾ [البقرة: من الآية٢٤٥] فهذا ليس إقراضا لله سبحانه، بل هو غني عنه، لكنه سبحانه شبه معاملة عبده له بالقرض; لأنه لا بد من وفائه، فكأنه التزام من الله سبحانه أن يوفي العامل أجر عمله، كما يوفي المقترض مَنْ أقرضه.

стр. 20

[شرح قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية٣٦] .

стр. 21

.................................................................................. ج- بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى، لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلا عن طريق الرسل. قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ "أن": قيل: تفسيرية، وهي التي سبقت بما يدل على القول دون حروفه، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْك﴾ [المؤمنون: من الآية٢٧] والوحي فيه معنى القول دون حروفه، والبعث متضمن معنى الوحي; لأن كل رسول موحى إليه. وقيل: إنها مصدرية على تقدير الباء، أي: بأن اعبدوا، والراجح: الأول; لعدم التقدير. قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: تذللوا له بالعبادة وسبق تعريف العبادة. قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهو في جانب. والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو صفة مشبهة، والطغيان: مجاوزة الحد; كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] أي: تجاوز حده. وأجمع ما قيل في تعريفه هو ما ذكره ابن القيم ﵀ بأنه: ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع. ومراده من كان راضيا بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه، لأنه تجاوز به حده؛ حيث نزله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته

стр. 22

.................................................................................. لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغيانا لمجاوزته الحد بذلك. فالمتبوع مثل: الكهان، والسحرة، وعلماء السوء. والمعبود مثل: الأصنام. والمطاع مثل: الأمراء الخارجين عن طاعة الله، فإذا اتخذهم الإنسان أربابا يحل ما حرم الله من أجل تحليلهم له، ويحرم ما أحل الله من أجل تحريمهم له، فهؤلاء طواغيت، والفاعل تابع للطاغوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: من الآية٥٠] . ولم يقل: إنهم طواغيت. ودلالة الآية على التوحيد: أن الأصنام من الطواغيت التي تعبد من دون الله. والتوحيد لا يتم إلا بركنين، هما: ١- الإثبات. ٢- النفي. إذ النفي المحض: تعطيل محض، والإثبات المحض: لا يمنع المشاركة، مثال ذلك: زيد قائم، يدل على ثبوت القيام لزيد، لكن لا يدل على انفراده به. ولم يقم أحد، هذا نفي محض. ولم يقم إلا زيد، هذا توحيد له بالقيام، لأنه اشتمل على إثبات ونفي. وقوله: "الآية": أي: إلى آخر الآية، وتقرأ بالنصب، إما على أنها

стр. 23

وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] الآية.

стр. 24

................................................................................... وقوله: ﴿ألا تعبدوا﴾ "أن" هنا: مصدرية بدليل حذف النون من "تعبدوا"، والاستثناء هنا مفرغ، لأن الفعل لم يأخذ مفعوله، فمفعوله ما بعد إلا. وقوله: ﴿إلا إياه﴾ ضمير نصب منفصل واجب الانفصال، لأن المتصل لا يقع بعد إلا، قال ابن مالك: وذو اتصال منه ما لا يبتدا ... ولا يلي إلا اختيارا أبدا١ إشكال وجوابه: إذا قيل: ثبت أن الله قضى كونا ما لا يحبه، فكيف يقضي الله ما لا يحبه؟ فالجواب: أن المحبوب قسمان: ١- محبوب لذاته. ٢- محبوب لغيره. فالمحبوب لغيره قد يكون مكروها لذاته، ولكن يحب لما فيه من الحكمة والمصلحة، فيكون حينئذ محبوبا من وجه، مكروها من وجه آخر. مثال ذلك: الفساد في الأرض من بني إسرائيل في حد ذاته مكروه إلى الله; لأن الله لا يحب الفساد، ولا المفسدين، ولكن للحكمة التي يتضمنها يكون بها محبوبا إلى الله- من وجه آخر. ومن ذلك: القحط، والجدب، والمرض، والفقر، لأن الله رحيم لا يحب أن يؤذي عباده بشيء من ذلك، بل يريد بعباده اليسر، لكن يقدره للحكم المترتبة عليه، فيكون محبوبا إلى الله من وجه، مكروها من وجه آخر.

стр. 25

............................................................ قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] . فإن قيل: كيف يتصور أن يكون الشيء محبوبا من وجه مكروها من وجه آخر؟ فيقال: هذا الإنسان المريض يعطى جرعة من الدواء مرة كريهة الرائحة واللون، فيشربها، وهو يكرهها لما فيها من المرارة واللون والرائحة، ويحبها لما فيها من الشفاء، وكذا الطبيب يكوي المريض بالحديدة المحماة على النار، ويتألم منها، فهذا الألم مكروه له من وجه، محبوب له من وجه آخر. فإن قيل: لماذا لم يكن قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] من باب القضاء القدري؟ أجيب: بأنه لا يمكن; إذ لو كان قضاء قدريا لعبد الناس كلهم ربهم، لكنه قضاء شرعي قد يقع وقد لا يقع. والخطاب في الآية للنبي ﷺ لكن قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] ولم يقل: "أن لا تعبد"، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: من الآية١] فالخطاب الأول للرسول ﷺ والثاني عام، فما الفائدة من تغيير الأسلوب؟ أجيب: إن الفائدة من ذلك: ١. التنبيه؛ إذ تنبيه المخاطب أمر مطلوب للمتكلم، وهذا حاصل هنا بتغيير الأسلوب. ٢. أن النبي ﷺ زعيم أمته، والخطاب الموجه إليه موجه لجميع الأمة.

стр. 26

................................................................................... ٣. الإشارة إلى أن ما خوطب به الرسول ﷺ فهو له ولأمته; إلا ما دل الدليل على أنه مختص به. ٤. وفي هذه الآية خاصة الإشارة إلى أن النبي ﷺ مربوب لا رب، عابد لا معبود، فهو داخل في قوله: ﴿تعبدوا﴾ وكفى به شرفا أن يكون عبدا لله- ، ولهذا يصفه الله تعالى بالعبودية في أعلى مقاماته، فقال في مقام التحدي والدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: من الآية٢٣] ، وقال في مقام إثبات نبوته ورسالته إلى الخلق: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: من الآية١] ، وقال في مقام الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: من الآية١] ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] . أقسام العبودية: تنقسم العبودية إلى ثلاثة أقسام: ١.عامة: وهي عبودية الربوبية، وهي لكل الخلق، قالت تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] ويدخل في ذلك الكفار. ٢. عبودية خاصة: وهي عبودية الطاعة العامة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: من الآية٦٣] وهذه تعم كل من تعبد لله بشرعه. ٣. خاصة الخاصة: وهي عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء: من الآية٣] وقال عن محمد: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: من الآية٢٣] وقال في

стр. 27

....................................................................... آخرين من الرسل: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [صّ:٤٥] . فهذه العبودية المضافة إلى الرسل خاصة الخاصة، لأنه لا يباري أحد هؤلاء الرسل في العبودية. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي: قضى ربك أن نحسن بالوالدين إحسانا. والوالدان: يشمل الأم، والأب، ومن فوقهما، لكنه في الأم والأب أبلغ، وكلما قربا منك كانا أولى بالإحسان، والإحسان بذل المعروف، وفي قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ بعد قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ دليل على أن حق الوالدين بعد حق الله- . فإن قيل: فأين حق الرسول ﷺ ؟ أجيب: بأن حق الله متضمن لحق الرسول ﷺ ؛ لأن الله لا يعبد إلا بما شرع الرسول ﷺ وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] أي: كف الأذى عنهما، ففي قوله: ﴿إحسانا﴾ بذل المعروف، وفي قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ كف الأذى، ومعنى ﴿أف﴾ أتضجر، لأنك إذا قلته، فقد يتأذيان بذلك، وفي الآية إشارة إلى أنهما إذا بلغا الكبر صارا عبئا على ولدهما، فلا يتضجر من الحال، ولا ينهرهما في المقال إذا أساءا في الفعل أو القول. وقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: من الآية٢٣] أي: لينا حسنا بهدوء وطمأنينة، كقولك: أعظم الله أجرك، أبشري يا أمي، أبشر يا أبي، وما

стр. 28

وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء: من الآية٣٦] الآية.

стр. 29

وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام: من الآية١٥٠] الآيات.

стр. 30

....................................................................... وقوله: ﴿ألا تشركوا﴾ "أن": تفسيرية، تفسر ﴿أتل ما حرم﴾ أي: أتلو عليكم ألا تشركوا به شيئا، وليست مصدرية، وقد قيل به، وعلى هذا القول تكون "لا" زائدة، ولكن القول الأول أصح، أي: أتل عليكم عدم الإشراك، لأن الله لم يحرم علينا أن لا نشرك به، بل حرم علينا أن نشرك به، ومما يؤيد أن "أن" تفسيرية أن "لا" هنا ناهية لتتناسب الجمل، فتكون كلها طلبية. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي: وأتلو عليكم الأمر بالإحسان إلى الوالدين. وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم﴾ بعد أن ذكر حق الأصول ذكر حق الفروع. والأولاد في اللغة العربية: يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية١١] . وقوله: ﴿من إملاق﴾ الإملاق: الفقر، و (من) للسببية والتعليل؛ أي: بسبب الإملاق. وقوله: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي: إذا أبقيتموهم، فإن الرزق لن يضيق عليكم بإبقائهم; لأن الذي يقوم بالرزق هو الله. وبدأ هنا برزق الوالدين، وفي سورة الإسراء بدأ برزق الأولاد، والحكمة في ذلك أنه قال هنا: ﴿من إملاق﴾ فالإملاق حاصل، فبدأ بذكر الوالدين اللذين أملقا، وهناك قال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: من الآية٣١] ١ فهما غنيان، لكن يخشيان الفقر، فبدأ برزق الأولاد قبل رزق الوالدين. وتقييد النهي عن قتل الأولاد بخشية الإملاق بناء على واقع المشركين غالبا; فلا مفهوم له.

стр. 31

................................................................................... وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ ١ لم يقل: لا تأتوا، لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الإتيان; لأن النهي عن القرب نهي عنها، وعما يكون ذريعة إليها، ولذلك حرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية، وأن يخلو بها، وأن تسافر المرأة بلا محرم; لأن ذلك يقرب من الفواحش. وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢ قيل: ما ظهر فحشه، وما خفي; لأن الفواحش منها شيء مستفحش في نفوس جميع الناس، ومنها شيء فيه خفاء. وقيل: ما أظهرتموه، وما أسررتموه، فالإظهار: فعل الزنا- والعياذ بالله- مجاهرة، والإبطان فعله سرا. وقيل: ما عظم فحشه، وما كان دون ذلك، لأن الفواحش ليست على حد سواء، ولهذا جاء في الحديث: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ "٣،وهذا يدل على أن الكبائر فيها أكبر وفيها ما دون ذلك. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٤ النفس التي حرم الله: هي النفس المعصومة، وهي نفس المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، بكسر الميم. والحق: ما أثبته الشرع. والباطل: ما نفاه الشرع. فمن الحق الذي أثبته الشرع في قتل النفس المعصومة أن يزني المحصن فيرجم حتى يموت، أو يقتل مكافئه، أو يخرج على الجماعة، أو يقطع الطريق، فإنه

стр. 32

................................................................................... يقتل، قال ﷺ " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"١ وقال هنا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ ٢ وقال قبلها: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ ٣ فيكون النهي عن قتل الأولاد مكررا مرتين: مرة بذكر الخصوص، ومرة بذكر العموم. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ ٤ المشار إليه ما سبق، والوصية بالشيء هي العهد به على وجه الاهتمام، ولهذا يقال: وصيته على فلان، أي: عهدت به إليه ليهتم به. وقوله: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ العقل هنا: حسن التصرف، وأما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٥ فمعناه: تفهمون. وفي هذا دليل على أن هذه الأمور إذا التزم بها الإنسان، فهو عاقل رشيد، وإذا خالفها، فهو سفيه ليس بعاقل. وقد تضمنت هذه الآية خمس وصايا: الأولى: توحيد الله. الثانية: الإحسان بالوالدين. الثالثة: أن لا نقتل أولادنا. الرابعة: أن لا نقرب الفواحش. الخامسة: أن لا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.

стр. 33

....................................................................... وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ هذا حماية لأموال اليتامى أن لا نقربها إلا بالخصلة التي هي أحسن، فلا نقربها بأي تصرف إلا بما نرى أنه أحسن، فإذا لاح للولي تصرفان أحدهما أكثر ربحا، فالواجب عليه أن يأخذ بما هو أكثر ربحا لأنه أحسن. والحسن هنا يشمل: الحسن الدنيوي، والحسن الديني، فإذا لاح تصرفان أحدهما أكثر ربحا وفيه ربا، والآخر أقل ربحا وهو أسلم من الربا، فنقدم الأخير، لأن الحسن الشرعي مقدم على الحسن الدنيوي المادي. وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (حتى) : هنا: حرف غاية، فما بعدها مخالف لما قبلها. أي: إذا بلغ أشده، فإننا ندفعه إليه بعد أن نختبره، وننظر في حسن تصرفه، ولا يجوز لنا أن نبقيه عندنا، ومعنى أشده: قوته العقلية والبدنية، والخطاب هنا لأولياء اليتامى، أو للحاكم على قول بعض أهل العلم، وبلوغ الأشد يختلف، والمراد به هنا الأشد الذي يكون به التكليف، وهو تمام خمس عشرة سنة أو إنبات العانة أو الإنزال. وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٢ أي: أوفوا الكيل إذا كلتم فيما يكال من الأطعمة والحبوب. وأوفوا الميزان: إذا وزنتم فيما يوزن، كاللحوم مثلا والأمر بالإيفاء شامل لجميع ما تتعامل به مع غيرك; فيجب عليك أن توفي بالكيل والوزن وغيرهما في التعامل. وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. ولما كان قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ قد

стр. 34

....................................................................... يشق بعض الأحيان; لأن الإنسان قد يفوته أن يوفي الكيل أو الوزن أحيانا، أعقب ذلك بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١ أي: طاقتها، فإذا بذل جهده وطاقته، وحصل النقص، فلا يعد مخالفا؛ لأن ما خرج عن الطاقة معفو عنه فيه، وكما أن هذه الجملة تفيد العفو من وجه، وهو ما خرج عن الوسع، فإنها تفيد التغليظ من وجه، وهو أن على المرء أن يبذل وسعه في الإيفاء بالقسط، ولكن متى تبين الخطأ وجب تلافيه؛ لأنه داخل في الوسع. وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ ٢ معناه: أي قول تقوله، فإنه يجب عليك أن تعدل فيه، سواء كان ذلك لنفسك على غيرك، أو لغيرك على نفسك، أو لغيرك على غيرك، أو لتحكم بين اثنين، فالواجب العدل، إذ العدل في اللغة الاستقامة، وضده الجور والميل، فلا تمل يمينا ولا شمالا، ولم يقل هنا: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣ لأن القول لا يشق فيه العدل غالبا. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٤ أي: المقول له ذا قرابة، أي: صاحب قرابة، فلا تحابيه لقرابته؛ فتميل معه على غيره من أجله، فاجعل أمرك إلى الله- الذي خلقك، وأمَرك بهذا، وإليه سترجع، ويسألك عزوجل ماذا فعلت في هذه الأمانة. وقد أقسم أشرف الخلق، وسيد ولد آدم، وأعدل البشر، محمد ﷺ وقال: " وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت; لقطعت يدها " ٥. وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ ٦ قدم المتعلَّق، للاهتمام به. وعهد الله:

стр. 35

....................................................................... ما عهد به إلى عباده، وهي عبادته والقيام بأمره، كما قال عزوجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ١ [المائدة: ١٢] . هذا ميثاق من جانب المخلوق، وقوله تعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٢ [المائدة: ١٢] هذا من جانب الله- . وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣: هذه الآية الكريمة فيها أربع وصايا من الخالق عزوجل: الأولى: أن لا نقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. الثانية: أن نوفي الكيل والميزان بالقسط. الثالثة: أن نعدل إذا قلنا. الرابعة: أن نوفي بعهد الله. والآية الأولى فيها خمس وصايا. صار الجميع تسع وصايا. ثم قال عزوجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٤ هذه هي الوصية العاشرة، فقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ ٥ يحتمل أن المشار إليه ما سبق، لأنك لو تأملته وجدته محيطا بالشرع كله، إما نصا، وإما إيماء، ويحتمل أن المراد به ما علم من دين الله، أي: هذا الذي جاءكم به الرسول ﷺ هو صراطي، أي: الطريق الموصل إليه . والصراط يضاف إلى الله- ، ويضاف إلى سالكه; ففي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٦ هنا أضيف إلى

стр. 36

....................................................................... سالكه، وفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ١ هنا أضيف إلى الله- فإضافته إلى الله لأنه موصل إليه، ولأنه هو الذي وضعه لعباده- جل وعلا-، وإضافته إلى سالكه لأنهم هم الذين سلكوه. وقوله: ﴿مُسْتَقِيماً﴾ هذه حال من: ﴿صِرَاطُ﴾ أي: حال كونه مستقيما لا اعوجاج فيه فاتبعوه. وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢ السبل، أي: الطرق الملتوية الخارجة عنه، وتفرق: فعل مضارع منصوب بأن بعد فاء السببية، لكن حذفت منه تاء المضارعة، وأصلها: "تتفرق"، أي أنكم إذا اتبعتم السبل تفرقت بكم عن سبيله، وتشتت بكم الأهواء وبعدت. وهنا قال: (السبل) : جمع سبيل، وفي الطريق التي أضافها الله إلى نفسه قال: (سبيله) سبيل واحد، لأن سبيل الله- واحد، وأما ما عداه، فسبل متعددة، ولهذا قال النبي ﷺ " وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة " ٣، فالسبيل المنجي واحد، والباقية متشعبة متفرقة، ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ٤ لأن: ﴿سُبُلَ﴾ في الآية الكريمة، وإن كانت مجموعة، لكن أضيفت إلى السلام فكانت منجية، ويكون المراد بها شرائع الإسلام.

стр. 37

قال ابن مسعود: " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ

стр. 38

التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ ٢ "٣ الآية. وعن معاذ بن جبل ﵁ ، قال: " كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: يا معاذ! أتدري

стр. 39

ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟. قلت، الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.

стр. 40

وحق العباد على الله، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا؟. قلت، يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟......
следующие страницы →