وقول بشامة بن الغدير:
مِنْ عَهْدِ عَادٍ كَانَ مَعْرُوفًا لَنَا ... أَسْرُ المُلُوكِ وَقَتْلُهَا وَقِتَالُهَا١
وقول الشّاعر:
وَلَقَدْ أَعْطِفُهَا كَارِهَةً ... حَيْث ُلِلنَّفْسِ مِن المَوْت هَرِيْرُ٢
ومن النّوع الثّاني:
قول الشّاعر:
فَاقْر ِالهُمُوم َقَلاَئِصًا عَبْدِيّةً ... تَطْوِي الفَيَافِي بِالْوَجِيْفِ الْمُعْنِقِ٣
وقول الرّاجز:
وَلاَ تُخَالِفْ ثِقَةً فَتَنْدَمَا٤
ومن ملامح منهجه في إيراد الشّواهد الشّعريّة ما يلي:
١- يورد البيت كاملاً، وفي بعض الأحيان يورد شطْرًا منه.
٢- لا ينسب البيت إلى صاحبه غالبًا، وإنّما يكتفي بقوله: "كقول الشّاعر"٥ أو: "كقول الآخر"٦ أو: "ومنه قول الشّاعر"٧.
стр. 37
أو "ومنه قول الآخر"١.
٣- لا يبيّن وجه الاستشهاد من البيت الّذي أورده؛ معتمدًا على فهم القارئ من خلال السّياق.
٢- أقوال العرب وأمثالهم:
كان لأقوال العرب وأمثالهم في هذا الكتاب نصيبٌ موفور؛ إذْ بلغت خمسة وأربعين قولاً ومثلاً.
стр. 38
المبحث الخامس: موازنة بين اللّمحة وشرح الحريريّ على الملحة
في هذا المبحث سأعقد موازنة بين شرحي الصّايغ والحريريّ للملحة، لتبيّن ما امتاز به كلّ منهما عن صاحبه في المنهج، والأسلوب، والاستشهاد، وما إلى ذلك.
وإنّما اخترتُ الحريريّ من بين الشرّاح؛ لأنّه صدر هذا الشأن وصاحبه، فهو ناظم (الملحة) ، وهو أوّل من شرح هذه المنظومة فيما يظهر لي، كما أنّ شرحه أفضل الشّروح الّتي وقفت عليها قبل شرح الصّايغ.
أوّلاً- موازنة عامّة:
بعد القراءة المتأنّية لكلٍّ من (شرح ملحة الإعراب) للحريريّ و (اللّمحة في شرح الملحة) للصّايغ خرجتُ بما يلي:
١- اتّفق الشّرحان في خلوّهما من مقدّمة يُبيّن فيها المنهج الّذي سارا عليه، والمعالم الأساسيّة لذلك.
٢- توخّى الحريريّ في شرحه للملحة الاختصار، بينما اتّسم شرح الصّايغ بالتّوسّع؛ ويمكن معرفة هذا من خلال النّقاط التّالية:
أ- استشهد الحريريّ بتسع عشرة ومائتي آية بما في ذلك الآيات المكرّرة، واستشهد الصّايغ بثلاث وأربعين ومائتي آية بما في ذلك الآيات المكرّرة.
ب- استشهد الحريريّ بثلاثة أحاديث، ولم يستشهد بأي أثرٍ
стр. 39
من الآثار المرويّة عن أحد الصّحابة ﵃.
واستشهد الصّايغ باثني عشر حديثا، وثلاثة آثار من آثار الصّحابة رضوان الله عليهم.
ج- استشهد الحريريّ بثلاثة وثمانين بيتا من الشّعر، واستشهد الصّايغ بتسعة وخمسين وأربعمائة بيت، بما في ذلك الأبيات المكرّرة.
د- استشهد الحريريّ بخمسة أقوال من الأقوال المرويّة عن العرب، واستشهد الصّايغ بخمسة وأربعين قوْلاً.
هـ- شَرْح الصّايغ تكثُر فيه الخلافات النّحويّة، وأقوال النّحاة؛ أمّا شرح الحريريّ فقد ندر فيه التّعرّض للخلافات النّحويّة.
٣- التزم الحريريّ التزاما تاما بترتيب أبواب (الملحة) ، والحديث عن كلّ حكم عند ذكره للبيت الّذي يتناوله.
أمّا الصّايغ فقد التزم بترتيب أبواب (الملحة) ، إلاّ أنّه أضاف بعض الأبواب، كدمجه (باب أفعل التّفضيل) مع (حبّذا) تحت باب واحد هو (باب حبّذا وأفعل الّذي للتّفضيل) ، وقسّم ما سمّاه الحريريّ (باب حروف الجرّ) إلى ثلاثة أبواب؛ وهي: (باب حروف الجرّ) ، وبعده (باب رُبَّ) ، وبعده (باب القسَم) . وكذلك لم يلتزم دائما بشرح الأحكام في كلِّ بيتٍ من أبيات (الملحة) .
٤- اقتصر الحريريّ على ما ورد في (الملحة) ، وتعرّض لإعراب بعض الكلمات الواردة فيها، وفسّر بعض الكلمات الغريبة.
стр. 40
أمّا الصّايغ فقد توسّع توسعا كبيرًا في الشّرح، إلى درجة أنّ القارئ لهذا الكتاب لا يتصوّر أنّه شرحٌ لـ (ملحة الإعراب) بل هو شرحٌ لـ (ألفيّة ابن مالك) ؛ إذْ إنّه نقل من ابن النّاظم في شرحه على (الألفيّة) نقولاً كثيرة دون التّصريح بذلك.
وكذلك لم يذكر الصّايغ إعراب أيّ كلمة من كلمات (الملحة) ، لكنّه فسّر بعض الكلمات، وترك كثيرًا ممّا يحتاج إلى ذلك.
٥- لم يهتمّ الحريريّ اهتماما واضحا بالتّعليلات النّحويّة، بخلاف الصّايغ الّذي اهتمّ بها.
٦- يتّضح في شرح الحريريّ متانة الأسلوب، وجمال العبارة، ونصاعتها؛ لتوخِّيه الإيجاز من ناحية، ولأنّه من فرسان البيان العربيّ. أمّا الصّايغ فقد تفاوت أسلوبه من حين لآخر؛ فبينما تراه قويا سلسا في موضع، تجده واهنا ركيكا في موضع آخر.
ثانيا- موازنة خاصّة في بعض الأبواب:
لزيادة البيان والإيضاح رأيتُ أن أقدِّم بين يدي القارئ الكريم موازنة في بعض الأبواب بين هذين الشّرحين؛ بغية التّوصّل من خلالها إلى إبراز قيمة هذا الشّرح؛ وقد اخترت لذلك الأبواب التّالية:
١- باب حروف١الجرّ:
قسّم الصّايغ هذا الباب إلى ثلاثة أبواب؛ فجعل ما يتعلّق بـ (رُبَّ)
стр. 41
في باب سمّاه (باب رُبَّ) ، وجعل ما يتعلّق بالقسَم في باب آخر سمّاه (باب القسَم) ، ومرادُه به حروف القسَم.
أمّا الحريريّ فجعل هذه الأبواب تحت بابٍ واحدٍ هو باب حروف الجرّ.
وقد خرجت من هذه الموازنة بما يلي:
١- بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ أربعا وثلاثين آية، على حين بلغت عند الحريريّ اثنتي عشرة آية.
٢- استشهد الصّايغ في هذا الباب بخمسة أقوال من أقوال العرب، على حين لم يستشهد الحريريّ بشيء من ذلك.
٣- بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب تسعة وخمسين بيتا، على حين بلغت عند الحريريّ سبعة أبيات.
٤- بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء الّذين ذكرهم الصّايغ في هذا الباب خمسة وعشرين علَما، على حين ذكر الحريريّ ثلاثة شعراء فقط.
٥- توسّع الصّايغ في تناوُله لمعاني حروف الجرّ توسّعا كبيرًا، فأورد لكلّ حرف ما يتعلّق به من معان، مستشهدًا لمعظم تلك المعاني، أمّا الحريريّ فقد اقتصر على المعاني المشهورة لكلّ حرف فقط.
٦- ذكر الصّايغ بعض المسائل الخلافيّة المتعلّقة بحروف الجرّ، بخلاف الحريريّ.
٧- يحسُن بنا أن نورِد نصا من كلام الصّايغ في هذا الباب، وما يقابله عند الحريريّ؛ لتبيين معالم المنهج الّذي سلكاه في معالجة مسائل هذا الباب.
стр. 42
قال الصّايغ١ في معاني (من) : "وابتدأ بذكر (من) لأنّها أمّ الباب، وهو حرف جرّ يدخُل على الظّاهر وعلى المضمَر، تقول: أخذت من زيدٍ، وسمعتُ منه؛ وله معانٍ:
أحدها: ابتداء الغاية في المكان، كقوله: قمت من الدّار، وللتّبعيض، كقولك: أنفقت من المال، ولتمييز الشّيء من غيره، كقولك: أحبّ الحمام من الطّير؛ وتكون سببيّة، كقولك: من أجل السّلامة أطلتُ الصّمت، ومنه قولُ الفرزدق:
يُغْضِي حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِه ... فَلاَ يُكَلَّمُ إِلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ
وتقع مكان باء القسَم، كقولهم: من ربّي ما فعلتُ ذلك، أي: بربّي أقسمتُ.
وتكون زائدة، ويُشترط لذلك أن تكون بعد حرف نفي، كقوله- تعالى-: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ، أو بعد استفهام كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ ؛ وتكون زائدة في الموجب، وهو مذهب الأخفش، وسيبويه لا يرى ذلك، ومنه قول إياس بن الأرتّ:
فَإِنْ يَكُ خَيْرٌ أَوْ يَكُنْ بَعْضُ رَاحَةٍ ... فَإِنَّكَ لاَقٍ مِنْ هُمُومٍ وَمِنْ كَرْبِ
وتقع مكان (على) كقوله - تعالى -: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: على القوم.
وتكون مكان (الباء) كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
стр. 43
أي: بأمر الله.
وقد تكون دالاًّ على ضرْبٍ من النّعت، كقوله - تعالى -: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ أي: الرّجس الوثنيّ.
وتكون بمعنى (في) كقوله - تعالى -: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ .
وتقع لابتداء الغاية في الزّمان، كقول امرئ القيس:
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ؟ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ
وكقول الآخر:
مِنْ عَهْدِ عَادٍ كَانَ مَعْرُوفا لَنَا ... أَسْرُ المُلُوكِ وَقَتْلُهَا وَقِتَالُهَا".
وقال الحريريّ١: "و (من) تأتي في الكلام على أربعة معانٍ:
أحدها: أن تقع بمعنى الابتداء المختصّ بالمكان الّتي تقابلها (إلى) الّتي يختصّ بها انتهاء الغاية، كقولك: سرتُ من البصرة إلى مكّة.
والثّاني: أن تكون للتّبعيض، كقولك: شربت من النّهر.
والثّالث: أن تأتي لتبيين الجنس، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ .
الرّابع: أن تأتي زائدة، كقولك: ما جاءني من أحد؛ فإنْ قلتَ: "ما جاءني من رجل" فليست زائدة في هذا الموضع، بل هي جاعلة اسم الشّخص للنّوع، وتنزل منزلة قولك: "ما جاءني أحد" الّذي معناه نفي النّوع.
стр. 44
والفائدة في دخولها في هذا الكلام: استغراقُ النّفي؛ لأنّ الكلام كان يحتمل قبل دخولها أن يكون: ما جاءك رجل بل جاءك اثنان أو جماعة".
فقد تبيّن من خلال هذين النّصّين أنّ الصّايغ قد أورد أحد عشر معنا ل (من) ، بينما اقتصر الحريريّ على أربعة معان.
كما أنّ الصّايغ قد أولى الشّواهد عناية واضحة، خلافا للحريريّ الّذي لم يعن عناية كبيرة بالاستشهاد لما ذكره من معان.
كما تعرّض الصّايغ لشيء من الخلاف بين النّحاة في بعض تلك المعاني، أمّا الحريريّ فلم يتعرّض لشيء من ذلك.
٢- باب الاستثناء١:
١- بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب ثلاث آيات، بينما بلغت عند الحريريّ أربع آيات.
٢- استشهد الصّايغ في هذا الباب بثلاثة أحاديث، بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ حديث في هذا الباب.
٣- استشهد الصّايغ في هذا الباب بقولٍ واحدٍ من أقوال العرب، بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ قولٍ من أقوال العرب.
٤- بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب اثني عشر بيتا، بينما بلغت عند الحريريّ بيتين.
стр. 45
٥- بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء الّذين ذكرهم الصّايغ تسعة أعلام، بينما ذكر الحريريّ شاعرين فقط.
٦ للوقوف على طرفٍ من منهج الرّجلين في معالجة هذا الباب نورِد بعضا ممّا ذكراه في شرح هذين البيتين:
وَكُلُّ مَا اسْتَثْنَيْتَهُ مِنْ مُوْجَبِ ... تَمَّ الكَلاَمُ عِنْدَهُ فَلْيُنْصَبِ
تَقُولُ: جَاءَ القَوْمُ إِلاَّ سَعْدَا ... وَقَامَتِ النِّسْوَةُ إِلاَّ هِنْدَا١
إذْ قال الصّايغ٢: "الاستثناء هو: إخراج شيءٍ ممّا دخل فيه غيرُه، أو إدخال شيء فيما خرج منه غيرُه، والاسم المستثنى ضدّ المستثنى منه. والاستثناء نوعان: متّصل، ومنقطع.
فالمتّصل: إخراج مذكور بـ (إلاّ) أو ما في معناها من حكم شامل، أو ملفوظٍ به، أو مقدّر.
فـ (الإخراج) جنس يشمل نوعي الاستثناء، ويخرج الوصف بـ (إلاّ) ، كقوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ؛ فقوله: "إخراج مذكور" ولم يقل: إخراج اسم: ليعمّ استثناء المفرد، نحو: (قام القوم إلاَّ زيدًا) ، واستثناء الجملة لتأوّلها بالمشتقّ، نحو: (ما مررت بأحدٍ إلاّ زيدٌ خيرٌ منه) ".
وقوله: "? (إلاّ) أو ما في معناها) ليخرج التّخصيص ونحوه، ويدخل
стр. 46
الاستثناء بـ (غير) و (سوى) و (حاشا) و (خلا) و (عدا) و (ليس) و (لا يكون) .
وقوله: "من حكم شامل له" ليخرج الاستثناء المنقطع.
وقوله: "ملفوظ به أو مقدّر" ليتناول الحدّ الاستثناء التّامّ والمفرّغ.
والاستثناء التّامّ هو: أن يكون المخرج منه مذكورًا، نحو: (قام القوم إلاّ زيدًا) .
والمفرّغ هو: أن يكون المخرج منه مقدّرًا في قوّة المنطوق به، نحو: (ما قام إلاّ زيد) ، التّقدير: ما قام أحدٌ إلاَّ زيدٌ.
والمنقطع هو: الإخراج ب (إلاّ) أو (غير) أو (بيد) لما دخل في حكم دلالة المفهوم....
والنّاصب هو: (إلاّ) لا ما قبلها بتقويتها، ولا به مستقلاًّ، ولا باستثني مضمَرًا، خلافا لزاعمي ذلك. والسّيرافيّ يذهب إلى أنّ النّاصب هو ما قبل (إلاّ) من فعل أو غيره بتعدية (إلاّ) .
وذهب ابن خروف إلى أنّ النّاصب هو ما قبل (إلاّ) على سبيل الاستقلال.
وذهب الزّجّاج إلى أنّ النّاصب (استثني) مضمرًا".
وقال الحريريّ١: "معنى الاستثناء: إخراج الشّيء ممّا دخل فيه
стр. 47
غيرُه، أو إدخاله فيما خرج منه غيره؛ فالاسم المستثنى أبدًا ضدّ المستثنى منه. وللاستثناء عدّة أدوات، إلاّ أنّ حرفه المستولي عليه: (إلاّ) ، ولا يخلو حال الكلام قبل أن ينطق المتكلِّم ب (إلاّ) من قسمين:
أحدهما: أن يكون منقطعا.
الثاني: أن يكون تاما.
فإن كان منقطعا مرتبطا بما بعد (إلاّ) لم تعمل (إلاّ) شيئا من الإعراب، بل يكون إعراب ما بعدها كإعرابه لو لم تذكر، وذلك كقولك: (ما قام إلاّ زيد) و (ما ضربت إلاّ زيدًا) و (ما مررت إلاّ بزيد) ؛ ف (إلاّ) هاهنا أفادت إثبات القيام لزيد، وإيقاع الضّرب به، وحصول المرور به، من غير أن تحدث إعرابا.... وأمّا إذا كان ما قبل (إلاّ) كلاما تاما فلا يخلو من قسمين:
أحدهما: أن يكون موجبا.
والثّاني: أن يكون غير موجب.
فإنْ كان موجبا كقولك: (جاء القوم إلاّ سعدًا) نصبت ما بعد (إلاّ) ، وكان النّاصب له الفعل الّذي هو: (جاء) ، لكن نصبه بواسطة (إلاّ) كما ينصب الفعل المفعول معه بواسطة الواو.
وعند بعضهم: أنّ (إلاّ) هي النّاصبة، وأنّ تقدير الكلام: جاء القوم أستثني زيدًا، أو: لا أعني زيدًا".
فواضح من خلال هذين النّصّين أنّ الصّايغ عني بتعريف المصطلحات، وإخراج محترزات كلّ تعريف، بخلاف الحريريّ الّذي اقتصر على تعريف الاستثناء.
стр. 48
واتّفقا في ذكر أقسام الاستثناء، وذكر الخلاف في ناصب المستثنى، لكنّ الصّايغ توسّع في بيان الخلاف ناسبا كلّ قول إلى صاحبه.
٣- باب نواصب الفعل١:
١- بلغت الآيات القرآنيّة الّتي استشهد بها الصّايغ إحدى وعشرين آية، بينما بلغت عند الحريريّ سبع آيات.
٢- أورد الصّايغ ثلاث قراءات، ناسبا كلّ قراءة إلى مَن قرأ بها؛ أمّا الحريريّ فقد ذكر قراءة واحدة، دون ذكر مَنْ قرأ بها، وإنّما اكتفى بقوله: (وقرىء) .
٣- استشهد الصّايغ في هذا الباب بقولين من أقوال العرب؛ بينما لم يستشهد الحريريّ بأيّ قولٍ من أقوال العرب.
٤-بلغت الشّواهد الشّعريّة الّتي استشهد بها الصّايغ في هذا الباب ستّة عشر بيتا، بينما بلغت عند الحريريّ ثلاثة أبيات.
٥- بلغ عدد أسماء النّحاة والشّعراء والقرّاء الّذين ذكرهم الصّايغ في هذا الباب عشرة أعلام، بينما ذكر الحريريّ شاعرين فقط.
٦- أورد الصّايغ بعض المسائل الخلافيّة في هذا الباب، بينما لم يورد الحريريّ أيّ مسألة.
٧- ينبغي أن نورد نصا من كلام الصّايغ في هذا الباب، وما يقابله عند الحريريّ؛ للوُقوف على طريقة تناولهما لمسائل هذا الباب.
стр. 49
فقد قال الصّايغ١ في الحرف النّاصب (لن) : "وأمّا (لن) فهي عند سيبويه مفردة، وعند الخليل مركّبة، وأصلُها عنده: (لا أن) ، فحذفت الهمزة تخفيفا والتقى ساكنان؛ وهما: الألف والنّون؛ فحذفت الألف لذلك، وبقي (لن) ؛ والصّحيح ما ذهب إليه سيبويه.
وهي لفظة نفي وضعت لجواب الفعل المقترن بأحد حرفي التنفيس؛ وهما: السّين وسوف، ف (لن يخرج زيد) جواب من قال: سوف يخرج، أو سيخرج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بأن يتقدّم عليها مفعول الفعل الّذي نصبته، كقولك: (زيدًا لن أضرب) ، وأجمعوا على ذلك، وعلى أنّ معناها نفي الفعل المستقبل".
وقال الحريريّ٢: "وأمّا (لن) فهي لفظة نفي وُضعت لجواب حرفي التّنفيس اللّذين هما: السّين، وسوف؛ فكأنّ قولك: (لن يخرج زيد) هو جواب مَن قال: سوف يخرج، أو سيخرُج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بجواز أن يتقدّم عليها مفعول الفعل الّذي نصبته، كقولك: (زيدًا لن أضرب) ".
فالنّاظر لهذين النّصّين يرى أنّ الصّايغ والحريريّ قد اتّفقا في ذكر وظيفة هذه الأداة، وخصوصيّتها على بقيّة أخواتها، وزاد الصّايغ عليه
стр. 50
بذكر أصل بنيتها: أهي مركّبة أم بسيطة؟ مع التّرجيح.
وبعد؛ فمن خلال هذه الموازنات يتبيّن تفوّق الصّايغ في شرحه ل (ملحة الإعراب) على الحريريّ؛ ليس في جانب واحد فحسْب، بل في سائر مقوّمات الشّرح الوافي. والحمد لله أوّلاً وآخرًا.
стр. 51
المبحث السادس: تقويم الكتاب
الكلام في هذا المبحث يتناول شيئين؛ وهما: مميّزات الكتاب، والمآخذ عليه.
فأقول - بعد الاستعانة بالله-:
أوّلاً- مميّزات الكتاب:
تميّز هذا الشّرح عن بقيّة شروح (ملحة الإعراب) الّتي وقفتُ عليه بأكثر من ميزة؛ وأهمّ هذه المميّزات ما يلي:
١- التّوسّع في الشّرح قياسا على نظائره من شروح (ملحة الإعراب) ؛ فبالرّغم من أنّ (ملحة الإعراب) منظومة مختصرة ألّفها الحريريّ للمبتدئين، إلاّ أن شرح الصّايغ لها جعل منها عملاً علمياً حافلاً؛ وخيرُ دليلٍ على هذا: كثرة شواهده، فلقد استشهد بقدر كبير من جميع الشّواهد - كما تقدّم -
وممّا يدلّ على توسّع الصّايغ أيضا: كثرة إيراده المسائل الخلافيّة، ومناقشته لكثيرٍ من القضايا النّحويّة؛ فلقد تردّد في هذا الكتاب أسماء أشهر النّحاة منذ بدء النّحو إلى عصر المؤلِّف.
ويُضاف إلى ذلك أيضا: إيرادُه بعض لغات القبائل العربيّة.
٢- الدّقّة في نسبته الأقوال إلى أصحابها غالبا.
٣- تفرد الكتاب ببعض الشّواهد الشّعريّة الّتي لم أجدها في غيره،
стр. 52
وببعض الشّواهد قليلة الذّكر في كتب النّحو المتداولة١.
ثانيا- المآخذ عليه:
لا يسلَم أيّ عملٍ بشري في الغالب من الخطأ والنّقص والخلَل، ولا غرابة في هذا؛ لأنّ الإنسان يتعرّض للسّهو والنّسيان والخطأ.
والصّايغ في أثناء تأليفه لهذا الكتاب وقع في بعض هذه الأشياء؛ وها أنذا أعرضها فيما يلي، رجاءَ أن ينفع الله بها، وأن يغفر لنا الزّلل، وأن يصلح لنا الخلَل.
١- اعتمد في شرحه على (شرح ملحة الإعراب) للحريريّ، و (شرح الألفيّة) لابن النّاظم اعتمادًا كبيرًا، وكان الأولى أن يصرّح بما نقله منهما، وبخاصّة أنّه ينقُل أحيانا نصوصا كاملة دون تصرّف فيها، ومع ذلك لا يُشير إلى المنقول منه.
٢- أخطأ في نسبة بيت إلى امرئ القيْس؛ وهو قولُه:
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ؟ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ٢
والصّحيح: أنّه لزُهير بن أبي سُلمى.
وكذلك أخطأ في نسبة بيتٍ إلى الطّرمّاح؛ وهو قولُه:
لاَ يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إِلَى الإِحْجَامِ ... يَوْمَ الْوَغْى مُتَخَوِّفا لِحِمَامِ٣
стр. 53
والصّحيح: أنّه لقطريّ بن الفجاءة؛ وهو تابعٌ في هذا الخطأ لابن النّاظم١ رحمه الله تعالى.
٣- منهجه لم يكن على وتيرة واحدة؛ فتارةً يكون قويا في منهجه، ويستقصي كلّ الشّواهد في المسألة، وتارة أُخرى نراه يقتضب الحديث ويختصر فيه.
٤- يُلحظ في منهج الصّايغ أنّه عندما يقوم بتقسيم المسائل فإنّه يذكُر أحد الأقسام، ثمّ يُغفِل باقي الأقسام؛ وهذا ظاهرٌ كثير الانتشار في الكتاب.
٥- عدم الاهتمام بأبيات (ملحة الإعراب) ؛ فلا يفسّر الكلمات الغامضة، ولا يعرب الكلمات المشكلة.
٦- عدم الدقة في شرح كلام الحريريّ؛ فأحيانا يذكُر أبياتا من (الملحة) ، ويتكلّم عن موضوعها بشكل عامّ، ولا يتطرّق إلى المسائل الّتي ذكرها الحريريّ؛ ومن الأمثلة على ذلك: طريقة تناوله لمباحث باب الحال٢، وكذلك باب الاستثناء٣.
стр. 54
القسم الثاني: قسم التحقيق
وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق
...
وصف النّسخ الخطّيّة المعتمدة في التّحقيق:
بعد البحث عن نسخ هذا الكتاب تمكّنت من الحصول على نسختين خطّيّتين، اعتمدتّ عليهما في تحقيق هذا الكتاب؛ وفيما يلي وصفهما:
النّسخة الأولى:
مصوّرة من نسخة موجودة بدار الكتب الوطنيّة بتونس، تحت رقم (٦٧١) وعدد لوحاتها أربع وستّون ومائة لوحة، وعدد الأسطر ثلاثة عشر سطرًا، في السّطر الواحد ثلاث عشرة كلمة.
وقد كتبت بخطّ مشرقيّ، واضح مشكول، وميّزت أبيات (الملحة) للحريريّ من الشّرح بخطّ كبير، وعناوين الأبواب كلّها، وكلمة (فصل) مكتوبة بخط أحمر، وبعض الأبيات مكتوب بخطّ أحمر، وبعضها مكتوب بخطّ أسود وهو الأكثر.
وهذه النّسخة روجعت من قِبل ناسخها؛ فكان يستدرك ما سقط منها فيكتبه في الهامش، ثم يضع في نهايته كلمة (صح) .
وفي هوامشها إشارات توضّح أنّها قوبلت مع نسخة أخرى.
واسم النّاسخ: إبراهيم بن عبد العالي محمود؛ وقد نُسخت في القرن التّاسع الهجريّ سنة ٨٦٤هـ.
وكُتب على غلاف هذه النّسخة: (كتاب شرح الملحة لابن
стр. 55
الصّائغ) . وقد رمزت لها بالحرف: (أ) .
٢- النّسخة الثّانية:
مصوّرة من نسخة موجودة بمكتبة جامعة إستانبول بتركيا، تحت رقم (١٠١٦) وعدد لوحاتها خمسون ومائة لوحة، وعدد الأسطر خمسة عشر سطرًا، في السّطر الواحد إحدى عشرة كلمة.
وقد كُتبت بخطّ معتاد، واضح، وبهوامشها بعض التّصويبات، وفيها سقْط مقدارُه إحدى عشرة لوحة، يقابل في (أ) : ١٠/أ - ٢١/أ.
واسم النّاسخ: عليّ بن صدَقة، وتأريخ نسخها سنة ٨٩٠هـ، وقد التزم النّاسخ بوضع رمز (ص) عند أوّل النّظم، و (ش) عند الشّرح.
وكُتب على غلاف هذه النّسخة: "كتاب اللّمحة في شرح الملحة للشّيخ، الإمام، العالم، وحيد دهره، وفريد عصره، شمس الدّين محمّد بن بدر الدّين بن سباع الصّايغ، عفا الله عنه، وأنار ضريحه، وأوسع ضريحه، إنّه على كلّ شيء قدير. آمين".
وقد رمزت لها بالحرف: (ب) .
стр. 56
منهجي في التّحقيق
كان منهجي في تحقيق الكتاب كالتّالي:
احترمتُ النّصّ؛ فلم أتدخّل فيه إلاّ بالقدر الّذي يقيم معوجًّا، أو يكمّل ناقصًا، وما أضفتُه جعلتُه بين معقوفين هكذا [] .
اخترت ما سمّي بمنهج التّلفيق بين النسخ، فقابلت بين نسختي المخطوط مقابلة دقيقة، وأشرتُ إلى مواضع الزّيادة، والاختلاف، والتّحريف في كلّ منهما، وأثبتّ ما رأيته أليق بالمقام من ذلك في الصّلب، وما لا يليق بالصّلب أثبته في الحاشية، كما أشرتُ إلى مواضع السّقط، وميزّت النّصّ السّاقط من إحدى المخطوطتين بوضعه بين معقوفين هكذا [] .
ميّزت أبيات النّظم بأن كتبتها بحرف كبير أسود.
كتبت النّصّ وفقًا للقواعد الإملائيّة الحديثة.
ضبطت الآيات القرآنيّة الكريمة، والأحاديث الشّريفة، والشّواهد الشّعريّة والنّثريّة، وأبيات النّظم، والكلمات الّتي تحتاج إلى ضبط.
عزوت الآيات القرآنيّة إلى سورها، ذاكرًا رقم الآية.
خرّجت القراءات القرآنيّة، ونسبتها إلى قرّائها من كتب القراءات.
خرّجت الأحاديث الشّريفة والآثار من كتب السّنّة المعتمدة.
خرّجت الأمثال من كتب الأمثال.
خرّجت الشّواهد الشّعريّة، مبيّنًا بحر البيت، وقائله - إنْ أمكن
стр. 57
ذلك -، مع الإحالة إلى ديوانه إنْ وُجد، أو إلى كتب المختارات الشّعريّة، ذاكرًا وجهَ الاستشهاد فيه، مع إيراد بعض الكتب النّحويّة الّتي استشهدت به، مراعيًا في ذلك التّسلسل التّأريخيّ لوفاة مؤلّفيها.
وثّقت الأقوال والآراء الواردة في الشّرح؛ بالرّجوع إلى مصنّفات أصحابها إنْ تيسّرت، وإلاّ فمن كتب النّحو المعتمدة.
عرّفت بالأعلام والأماكن والبُلدان الواردة في الشّرح.
شرحت الكلمات الغريبة الواردة في الشّرح؛ وذلك بالرّجوع إلى المعاجم اللّغويّة.
خرّجت المسائل النّحويّة، وذلك بالرّجوع إلى مظانّها من كتب النّحو.
بيّنت ما أبهمه الشّارح، وذكرتُ ما أغفله ممّا تدعو الحاجة إلى ذكره.
قمت بعمل الفهارس الفنّيّة اللاّزمة الّتي تيسّر الإفادة من الكتاب.
وضعت اختصاراً لأسماء بعض المصادر التي تتكرر كثيراً في التحقيق، وهي:
ابن عقيل- شرح الألفيّة لابن عقيل.
ابن النّاظم- شرح الألفيّة لابن النّاظم.
الإتحاف- إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر للبنّا.
الأشمونيّ- شرح الأشمونيّ على ألفيّة ابن مالك.
حاشية ياسين- حاشية ياسين على التّصريح.
стр. 58
الدّرر- الدّرر اللّوامع على همع الهوامع للشنقيطيّ.
شرح الجمل- شرح جمل الزّجّاجيّ لابن عصفور.
شرح الرّضيّ- شرح الكافية للرّضيّ الاستراباذيّ.
شرح الملحة- شرح ملحة الإعراب للحريريّ.
الصّبّان- حاشية الصّبّان على شرح الأشمونيّ على ألفيّة ابن مالك.
اللّباب- اللّباب في علل البناء والإعراب للعكبريّ.
النّكت- النّكت في تفسير كتاب سيبويه للأعلم الشّنتمريّ.
الهمع- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للسّيوطيّ.
стр. 59
النص المحقق
كتاب اللمحة في شرح الملحة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكّلت١.
[قال العبد الفقير إلى الله تعالى محمّد بن الحسن بن سِبَاع الصّايغ ـ عفا الله عنه -: أحمدُ الله، وأستعينه، وأصلِّي على رسوله محمّد وآله وصحبه] ٢.
قال الشّيخ، الإمام، العالِم، العلاّمة٣، حجّة العرب، ولسان الأدب، أبو محمّد القاسم٤ ابن عليّ بن محمّد٥ الحريريّ - رحمه الله تعالى٦، [وأثابه الجنَّة برحمته] ٧:
أَقُولُ مِنْ بَعْدِ افْتِتَاحِ الْقَوْلِ ... بِحَمْدِ ذِي الطَّوْلِ الشَّدِيدِ٨ الْحَوْلِ٩
стр. 60
يقول: إنّه قد ابتدأ بحمد الله تعالى قبل شُروعِه فيما قصده من الكلام.
والحول١: البَطْش، والطَّول: المَنُّ والكرم.
حَدًّا وَنَوْعًا وَ٢ إِلَى كَمْ يَنْقَسِمْ؟ ... يَا سَائِلِي عَنِ الْكَلاَمِ المُنْتَظِمْ
قال: أقول يا [سَائلي؛ فَأَقَامَ] ٣ مُخَاطَبًا له؛ كيْلا يكون مُلْقيًا كلامَه إلى غير سَامِعٍ.
والكلامُ: [ما حَصَلَ] ٤ به فائدةُ السَّامع، وحَسُنَ عليه سُكُوتُ المتكلِّم.
و [الحدُّ هو: الجامع] ٥ المانع؛ لأنَّه مُركَّب من جنسٍ وفصل؛ فهو بالجنس يَعُمُّ ويجمع، وبالفصل يخصُّ ويَمْنع. وهو في اللّغة: المنع، [قال الشّاعر: [٢/ب]
لاَ تَعْبُدُنَّ إِلَهًا دُوْنَ خَالِقِكُمْ ... فَإِنْ دُعِيْتُمْ فَقُولُوا دُوْنَهُ حَدَدُ٦
فهو يمنع الشّيء المحدود من الخروج إلى غيره، كما يمنع غيرَه من
стр. 61
الدخول إليه؛ ومنه قيل للبوّاب: حَدَّاد] ١، قال الشّاعر:
يَقُولُ لِيَ الْحَدَّادُ وَهْوَ يَقُودُنِي
إِلَى السِّجْنِ لاَ تَجْزَعْ فَمَا بِكَ مِنْ بَاسِ! ٢
والنّوع: ما كان تحت جنسٍ كالفرع من أصله، وقد يكون جنسًا إذا اشتمل على أنواعٍ بالنّسبة إلى ما تحته.
اسْمَعْ هُدِيْتَ الرُّشْدَ مَا أَقُولُ ... وَافْهَمْهُ فَهْمَ مَنْ لَهُ مَعْقُولُ
فالمعقول مصدر عَقَل، ومثله من المصادر: مَيْسُورٌ، ومَعْسُورٌ، ومَخْلُوق٣.
стр. 62
[بَابُ الكَلاَمِ] ١
حَدُّ الْكَلاَمِ مَا أَفَادَ اَلْمُسْتَمِعْ ... نَحْوُ: سَعَى زَيْدٌ وَعَمْروٌ مُتَّبِع
قد تقدّم الكلام في أنّه عِبَارةٌ عمّا يحسُن [السُّكوت] ٢ عليه، ولا يأتلف من أقلّ من كلمتين٣؛ أحدُ رُكني الإسناد [فيهما الاسم] ٤ عدا الحرف إلاّ في النِّداء؛ لتضمُّنه معنى الفعل٥.
وهو كما مَثَّل من قوله: [قام زيد، و] ٦ زيدٌ قائم؛ فالجملة الأولى تُسَمَّى الفعليّة، والثّانية تُسَمّى [الاسميّة؛ فإذا] ٧ انفصل [٣/أ] تركيب
стр. 63
الجملة عادَ كلّ واحدٍ منهما مُفْردًا، ويُسَمَّى كلمةً١.
والكلمةُ هي: اللّفظة الدّالّة على معنىً مفردٍ بالوضع عند النّحويّين٢. وعند اللّغويّين هي: كلامٌ مستقلّ بنفسه؛ ومن ذلك قولهم إذا أنشدوا بيتًا من قصيدة فيقولون: "من٣كلمة له"؛فتصدُق الكلمة على القصيدة٤، ومن ذلك قوله ﷺ : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَّاعِرٌ٥؛ كَلِمَةُ لَبِيْدٍ٦:
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ" ٧ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ٨
стр. 64
وقيل: هي اللّفظُ الدّالُّ بالوضع على معنىً مفرد١.
وقيل: اَلْجُزْءُ المفرد٢.
وقيل: اللّفظة الموضوعة بإزاء معنىً، فهي أحد أنواع اسْم جِنْسٍ٣ وهو الكلم، لقبوله٤: أن يصير٥ نوعًا بدخول حرف الهاء عليه.
والكلم: يطلق٦ على المفيد وغيره.
ولا ينعقد الكلام المفيد من فعلين، ولا من حرفين، ولا من فعل وحرف، ولا من اسم وحرف؛ إلاّ في باب النِّداء٧.
стр. 65
وَنَوْعُهُ الَّذِي عَلَيْهِ يُبْنَى ... اسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفُ مَعْنَى
أَنْواع الكلم ثلاثة؛ وهي: الاسم، والفعل، والحرف١.
لا يمكن أن تكون [٣/ب] أربعةً؛ لوصول النّفوس إلى أغراضها من العبارة بها؛ فوجب الاستغناء عن القسم الرّابع؛ وكذلك لا يمكن كونُها كلمتين؛ لاحتياجهم إلى القسم الثّالث.
فالاسم: بمنزلة الذّات؛ لأنّه لا يكون كلامًا إلاّ بوجوده٢؛ فلذلك تقدّم وَضْعًا، ومنه قولُ الشّاعر:
جَعَلَتْنِي٣ كَالْحَرْفِ [جَاءَ] ٤ لِمَعْنىً ... غَلَطًا مِنْ ضَلاَلِهَا وَشَقَاهَا
وَأَنَا٥ الاسْمُ لاَ يُتَمَّمُ٦ شَيءٌ ... بِسِوَى وَضْعِهِ وَلاَ يَتَنَاهى٧
стр. 66
وهو يُخبر به وعنه١.
والفعل: بمنزلة الحَدَث فهو مفتقرٌ إلى الإسناد إلى الاسم؛ لأنّه يخبر به لا عنه.
والحرف: واسطة بين الذّات والحدث؛ والمراد به معنىً٢ في غيره لا في ذاته؛ فهو لا يخبر به ولا عنه؛ فلذلك تأخّر وَلَزِمَ توسُّط الفعل.
стр. 67
بَابُ الاسْمِ:
فَالاسْمُ مَا يَدْخُلُهُ مِنْ وَإِلَى ... أَوْ كَانَ مَجْرُورًا بِحَتَّى وَعَلَى
مِثَالُهُ: زَيْدٌ وَخَيْلٌ وَغَنَمْ ... وَذَا وَتِلْكَ١ وَالَّذِيْ وَمَنْ وَكَمْ
اقتصر الشّيخ [رحمه الله تعالى] ٢ من علامات الاسم على حروف الجرّ؛ لكونها أعمّ [٤/أ] علاماته؛ لدخولها على المضمرات، كقولك: (أخذت منه) و (أقبلتُ عليه) ؛ وعلى أسماء الإشارة، كقولك:
(عجبتُ من هذا الأمر) و (سِرْتُ إلى تلك المدينة) ؛ وعلى الموصول، كقولك: (استعنتُ بالّذي لم يَخِبِ المستعينُ به) ؛ وعلى أسماء الاستفهام، كقولك: (إلى متى؟) و (من أين؟) و (إلى كم؟) و (على كيف؟) .
ومن علائم الاسم٣: أن يكون مُنوَّنًا، كقولك: (زيدٌ) ؛ مجرورًا، كقولك: (قمتُ مِنَ الدّار) ؛ مُعَرَّفًا بالألف واللاّم، كقولك: (الرَّجل) ؛ مُصَغَّرًا، كقولك في رَاجِل: (رُويجل) ؛ مُخْبِرًا عنه، كقولك: (اليوم٤ مبارك) ؛ مثنّى، كقولك: (الزّيدان) ؛ مجموعًا، كقولك: (الزّيدون) ؛ مضافًا، كـ (غلام زيد) ؛ منادًى، كقولك: (يا رجلاً) ؛
стр. 68
منعوتًا، كقولك: (زيدٌ الكريمُ) .
فالاسم١: ما أبان عن مُسَمًّى؛ شخصًا كان أو غير شخصٍ.
وَحَدُّه٢: كلمةٌ دَلّت على معنىً في نفسها٣، غير مقترنةٍ بزمن٤ مُحَصَّلٍ٥.
فَمُحَصَّلٌ٦: احترازٌ من٧ الصَّبُوح والغَبُوق؛ لوقوع كلّ واحدٍ منهما في وقتٍ لكنَّهُ غير مُحَصَّلٍ٨.
стр. 69
واشتقاقه عند البصريّين من السُّمُوّ١؛ لأنّه عَالٍ على مُسَمَّاهُ، ولأنَّه٢ سمَا على الفعل والحرف لاستغنائِه عنهما؛ وعند الكوفيّين [٤/ب] من السِّمَة٣.
والاعتمادُ على القول الأوَّل؛ لدلالة الجمع والتّصغير على أُصول٤ الأشياء، كقولهم في التّصغير: (سُمَيّ) ، وفي الجمع: (أسماء) ٥.
بَابُ الْفِعْلِ:
وَالْفِعْلُ مَا يَدْخُلُ قَدْ وَالسِّينُ ... عَلَيْهِ مِثْلُ: بَانَ أَوْ يَبِينُ
(قد) حَرْفٌ يدخل على الماضي والمضارِع؛ فإذا دخل على الماضي قيل فيه: حرفُ تَقْرِيْبٍ، وإنْ دخل على المضارِع١؛ فلا يخلو من الوجوب والإمكان، فإنْ كان مُمْكِنًا٢، قيل٣: حرف تقليل، كقولك: (قد يقع المطر) ، وإن كان واجبًا، كقولك: (قد تغرب الشَّمسُ) ، فهو٤ حرف تحقيقٍ٥.
(والسِّين وسَوْفَ) حرفا تنفيسٍ، يختصّان بالمضارِع المستقبل٦،
стр. 72
وقد يستعملان في الوعد والوعيد ١.
أَوْ لَحِقَتْهُ تَاءُ مَنْ يُحَدِّثُ ... كَقَوْلِهِمْ فِي لَيْسَ: لَسْتُ أَنْفُثُ
من علائم الفعل: دخول الضّمائر على آخره؛ كتاء المتكلّم، وهي إذا كانت لمتكلّم مبنيّة على الضّمّ، ويستوي٢ فيها المذكّر والمؤنّث؛ فإن كانت لمخاطبٍ فُتِحَتْ مع المذكّر وكُسِرَتْ مع المؤنَّث؛ فإن كان المؤنَّث غائبًا كانت ساكنة٣، [٥/أ] كقولك: (بئست الفاجرة) ، وكذلك المشار إليه٤.
стр. 73
ومنها: دخول ضمير الاثنين وهو الألف، كقولك: (الرجلان قاما) ، وكذلك ضمير الجمع، كقولك: (النّاس قاموا) .
ومنها: دخول حرف الجزْم على أوّله ونون التّوكيد على آخره، كقولك: (لم يقم زيدٌ) و (لا تُخْدَعنَّ بالباطل) وكقولك: (لم يَضْرِبَنْ) .
أَوْ كَانَ أَمْراً ذَا اشْتِقَاقٍ نَحْوَ: قُلْ ... وَمِثْلُهُ: ادْخُلْ وَانْبَسِطْ وَاشْرَبْ وَكُلْ
من أنواع الفعل: الأمر، وشرطه: أن يكون مُشتقًّا من مصدر١، كقوله: (ادخل وانبسط) فهما مشتقّان من الدّخول والانبساط؛ احترازًا من أسماء الأفعال الّتي هي: (صَهْ) و (مَهْ) لدلالتهما على اهتمام السَّامع بالسّكوت والكفّ مع خُلوّهما من الاشتقاق.
واشتقاق الفعل عند البصريّين من المصدر؛ ومذهب الكوفيّين أنّ المصدر مشتقّ منه. والاعتماد على القول الأوّل؛ لدلالة الفرع على ما في أصله مع الزّيادة عليه٢.
стр. 74
وحَدُّهُ: كَلِمَةٌ دلّت على معنىً في نفسها مقترنةٌ بزمنٍ مُحَصَّل١.
стр. 75
[٥/ب] باب الحرف
وَالْحَرْفُ مَا لَيْسَتْ لَهُ عَلاَمَهْ ... فَقِسْ عَلَى قَوْلِي تَكُنْ عَلاَّمَهْ
مِثَالُهُ: حَتَّى وَلاَ وَثُمَّا ... وَهَلْ وَبَلْ وَلَوْ [وَلَمْ] ١ وَلَمَّا
علامة الحرف: سَلْبُه ممّا تقدّم من علائم الأسماء والأفعال٢؛ فتجريده من٣ العلامة عَلاَمَةٌ له
وَحَدُّهُ ٤: كلمةٌ٥ لا تدلّ على معنىً إلاَّ في غيرها٦.