بَابُ الْفِعْلِ:
وَالْفِعْلُ مَا يَدْخُلُ قَدْ وَالسِّينُ ... عَلَيْهِ مِثْلُ: بَانَ أَوْ يَبِينُ
(قد) حَرْفٌ يدخل على الماضي والمضارِع؛ فإذا دخل على الماضي قيل فيه: حرفُ تَقْرِيْبٍ، وإنْ دخل على المضارِع١؛ فلا يخلو من الوجوب والإمكان، فإنْ كان مُمْكِنًا٢، قيل٣: حرف تقليل، كقولك: (قد يقع المطر) ، وإن كان واجبًا، كقولك: (قد تغرب الشَّمسُ) ، فهو٤ حرف تحقيقٍ٥.
(والسِّين وسَوْفَ) حرفا تنفيسٍ، يختصّان بالمضارِع المستقبل٦،
стр. 72
وقد يستعملان في الوعد والوعيد ١.
أَوْ لَحِقَتْهُ تَاءُ مَنْ يُحَدِّثُ ... كَقَوْلِهِمْ فِي لَيْسَ: لَسْتُ أَنْفُثُ
من علائم الفعل: دخول الضّمائر على آخره؛ كتاء المتكلّم، وهي إذا كانت لمتكلّم مبنيّة على الضّمّ، ويستوي٢ فيها المذكّر والمؤنّث؛ فإن كانت لمخاطبٍ فُتِحَتْ مع المذكّر وكُسِرَتْ مع المؤنَّث؛ فإن كان المؤنَّث غائبًا كانت ساكنة٣، [٥/أ] كقولك: (بئست الفاجرة) ، وكذلك المشار إليه٤.
стр. 73
ومنها: دخول ضمير الاثنين وهو الألف، كقولك: (الرجلان قاما) ، وكذلك ضمير الجمع، كقولك: (النّاس قاموا) .
ومنها: دخول حرف الجزْم على أوّله ونون التّوكيد على آخره، كقولك: (لم يقم زيدٌ) و (لا تُخْدَعنَّ بالباطل) وكقولك: (لم يَضْرِبَنْ) .
أَوْ كَانَ أَمْراً ذَا اشْتِقَاقٍ نَحْوَ: قُلْ ... وَمِثْلُهُ: ادْخُلْ وَانْبَسِطْ وَاشْرَبْ وَكُلْ
من أنواع الفعل: الأمر، وشرطه: أن يكون مُشتقًّا من مصدر١، كقوله: (ادخل وانبسط) فهما مشتقّان من الدّخول والانبساط؛ احترازًا من أسماء الأفعال الّتي هي: (صَهْ) و (مَهْ) لدلالتهما على اهتمام السَّامع بالسّكوت والكفّ مع خُلوّهما من الاشتقاق.
واشتقاق الفعل عند البصريّين من المصدر؛ ومذهب الكوفيّين أنّ المصدر مشتقّ منه. والاعتماد على القول الأوّل؛ لدلالة الفرع على ما في أصله مع الزّيادة عليه٢.
стр. 74
وحَدُّهُ: كَلِمَةٌ دلّت على معنىً في نفسها مقترنةٌ بزمنٍ مُحَصَّل١.
стр. 75
[٥/ب] باب الحرف
وَالْحَرْفُ مَا لَيْسَتْ لَهُ عَلاَمَهْ ... فَقِسْ عَلَى قَوْلِي تَكُنْ عَلاَّمَهْ
مِثَالُهُ: حَتَّى وَلاَ وَثُمَّا ... وَهَلْ وَبَلْ وَلَوْ [وَلَمْ] ١ وَلَمَّا
علامة الحرف: سَلْبُه ممّا تقدّم من علائم الأسماء والأفعال٢؛ فتجريده من٣ العلامة عَلاَمَةٌ له
وَحَدُّهُ ٤: كلمةٌ٥ لا تدلّ على معنىً إلاَّ في غيرها٦.
стр. 76
والعَلاَّمَةُ ١ هو: الكثير العلم؛ فالهاء إلحاقها٢ بالمذكّر٣ للمبالغة٤.
والحرف٥ سُمَّي حَرْفًا لاستغناء الاسم والفعل عنه في انعقاد الجُمل؛ فصار بمنزلة الأخير، وآخر كلِّ شيءٍ حَرْفُهُ؛ فهو مأخوذٌ من الطَّرَف؛ والطَّرَف٦ هو المبتدأ به والمنتهى إليه.
والفرق بين حرف المعنى وحرف الهجاء: أنّ حرف الهجاء [جزء] ٧ من الكلمة، وحرف المعنى كلمةٌ بذاتها.
والحرف ينقسم إلى: مُعْمَلٍ، ومُهْمَل.
فالمُعْمَلُ٨ هو: المختصّ بتأثيرٍ؛ كحرف الجرّ، وحرف الجزم.
والمُهْمَلُ٩: كحرف الاستفهام، وحرف العطف١٠.
стр. 77
باب النكرة والمعرفة:
وَالاِسْمُ ضَرْبَانِ فَضَرْبٌ نَكِرَهْ ... وَالآخَرُ اَلْمَعْرِفَةُ الْمُشْتَهِرهْ
[٦/أ] النَّكرة هو١ الأصل٢، والمعرفة فرع عليه.
والنَّكرة هو٣: الاسم الشّائع في جنسه، وهو كلّ اسمٍ يقبل دخول الألِف واللاّم عليه٤، أو يقع٥ موقع ما يقبل الألِف واللاّم٦.
وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهْوَ مَعْرِفَهْ ... لاَ يَمْتَرِيْ فِيهِ الصَّحِيْحُ الْمَعْرِفَهْ
مِثَالُهُ: الدَّارُ وَزَيْدٌ وَأَنَا ... وَذَا وَتِلْكَ وَالَّذِيْ وَذُو الْغِنَى
المعرفة: ما خصَّ واحدًا بعينه؛ وهو أقسام:
منها المضمر١ وهو: مَا دَلَّ على مسمًّى [٦/ب] مُشْعِرًا بحضوره أو غيبته٢.
وهو متَّصلٌ ومُنْفَصِلٌ.
فالمتّصل: الضّمائر المتّصلة بالأفعال؛ وهي: (التّاء) و (الألِف) و (الواو) على ما يقتضي حُكمها لاختلاف الفاعلين.
ومنها (كاف المخاطب) ، و (هاء الغائب) ، و (ياء المتكلّم) ، و (النّون والألف) الدّالاّن على الجمع٣؛ فهذه إذا اتّصلت بالاسم كانت
стр. 81
مُضافًا١ [إليها] ٢، وإذا اتّصلت بالحرف [كانت] ٣ مجرورةً٤، كقولك: (عملك لك) ، و (عمله له) ، و (عملي لي) ، و (عملنا لنا) .
وإذا اتّصلت بالفعل كانت مفعولةً إلاَّ ضمير الجمع فإنّه يكون تارةً فاعلاً، وتارةً مفعولاً٥، لقولك: (الله خلقني وَخَلَقَكَ، وخَلَقَهُ، وهدانا فاتّبعنا الحقَّ) ، وما يتصرّف٦ من ذلك.
والمنفصل؛ مثل: (أنا) ، و (أنت) ، و (نحن) ، و (هو) ، و (هي) ، و (هم) ، و (هُنَّ) ، و (إيّاكَ) ، و (إيّايَ) ؛ وما تصرّف منه؛ وهذه أعرف المعارف عند الأكثر٧.
стр. 82
والعلم هو: ما عُلِّقَ على شيءٍ بعينه، غير مُتَناولٍ١ مَا أشبهه.
وهو لا يخلو من٢ أنْ يكون مفردًا كـ (زيد) ، أو مضافًا كـ (عبد الله) ، أو كنيةً كـ (أبي الحسن) ، أو لقبًا كـ (تأبّط شرًّا) ؛ وهذا عند بعض٣ النّحويّين أعرف المعارف٤.
وأسماء الإشارة وهي المبهمة، نحو: (هذا) ، و (ذاك) ، و (هذه) ، و (تلك) ، و (ذان) ، و (تان) ، و (أولى) ؛ وهذه [٧/أ] عند ابن السّرَّاج٥
стр. 83
أعرف المعارف ١.
و (الَّذي) وفروعه في أسماء الإشارة ٢.
والمعرّف بالألف واللاّم، نحو: (الرّجل) ؛ وهذه تكون تارةً للعهد، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُوْلاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُوْلَ﴾ ٣؛ وتكون تارةً للجنس، كقولك: (الرّجل خيرٌ من المرأة) .
стр. 84
وتكون بمعنى (الّذي) ، كقولك: (مررت بالضّارب زيد) أي: بالّذي ضربه.
وتكون للتّفخيم، وهي لا تفارِق اسم١ الله تعالى٢.
والمضاف إلى أحد هؤلاء [الأربعة] ٣ المتقدّم٤ ذكرها، كقولك: (غُلاَمي) ، و (غُلامُ زَيْدٍ) ، و (غلام هذا) ، و (غُلام الأمير) .
والمنادى٥ كقولك: (يا رجل) فهو٦ معرفة لِمَا عرض له
стр. 85
من تخصيص النّداء، كقول كُثَيِّر١:
حَيَّتْكَ عَزَّةُ يَوْمَ النَّفْرِ٢ وَانْصَرَفَتْ ... فَحَيِّ وَيْحَكَ مَنْ حَيَّاكَ يَا جَمَلُ
مَا ضَرَّهَا لَوْ أَشَارَتْ في تَحَيَّتِهَا ... مَكَانَ يَا جَمَلٌ حُيِّيتَ يَا رَجُلُ٣
وَآلَةُ التَّعْرِيْفِ [أَلْ] ٤ فَمَنْ يُرِدْ ... تَعْرِيفَ كَبْدٍ مُبْهَمٍ قَالَ: الكَبِدْ
[٧/ب] إذا أردتّ تعريف الاسم النّكرة أدخلت عليه الألف واللاّم/ فيصير معرفة، ويكون على ما يراد به من اختلاف المعنى - كما تقدّم فيه الكلام -.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا اللاَّمُ فَقَطْ ... إِذْ أَلِفُ الوَصْلِ مَتَى يُدْرَجْ سَقَطْ
стр. 86
ذهب الخليل١ إلى أنّ الألف واللاّم آلة التَّعْريف، وقال: (إنّ (أَل) حَرْفٌ كهل) .
وقال غيره٢: "إنّ (اللاّم) آلة التَّعْريف لخلوّ اللّفظ من همزة الوصل عند إدراج الكلام".
وقال: "التّعريف نقيض التّنكير، والتّنكير يدخله التّنوين؛ وهو حرْفٌ واحد؛ فلزم أن يكون التّعريف شيئًا٣ واحدًا؛ لأنّ الشّيء يُحْمَلُ على نقيضه كما يُحمل على نظيره"٤.
باب قسمة الأفعال:
وَإِنْ أَرَدْتَ قِسْمَةَ الأَفْعَالِ ... لِيَنْجَلِي عَنْكَ صَدَى الإِشْكَالِ
فَهْيَ ثَلاَثٌ مَا لَهُنَّ رَابِعُ ... مَاضٍ وَفِعْلُ الأَمْرِ وَالْمُضَارِعُ
الفِعْلُ: حَدَثٌ؛ وهو لا يقع إلاّ في زمان، ويختلف باختلافه.
والزّمانُ على ثلاثة أقسام: ماضٍ، وحالٍ، ومستقبل.
فكلّ [فعل] ١ يقع في زمانٍ فهو مختصّ به؛ فالماضي يُعْتَبَرُ بأمس٢، والمضارِع يُعْتَبَرُ بالآن، وهو [بدخول] ٣ السِّين أو سوف للمستقبَل، وفعل الأمر يُسْتَدعى به من المأمور أن يُحْدِثَ الفعلَ فلا يقع إلاَّ [٨/أ] في المستقبَل.
стр. 89
ومن ذلك قولُ زُهَيْر١:
وَأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... [وَلَكِنَّنِي] ٢عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ٣
فقسَّم الزّمان على ثلاثة أَقْسَامٍ مَجَازًا.
فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ فِيهِ أَمْسِ ... فَإِنَّهُ مَاضٍ بِغَيْرِ لَبْسِ
وَحُكْمُهُ فَتْحُ الأَخِيرِ مِنْهُ ... كَقَوْلِهِمْ: سَارَ وَبَانَ عَنْهُ
الماضي يُعْتَبَرُ وقوعُه في زمنٍ مَاضٍ قَرُبَ أو بَعُدَ؛ فإنْ دخل عليه حرفُ شرطٍ نَقَل معناه إلى الاستقبال٤، كقولك: (إِنْ وصلَ زيدٌ أَكْرَمْتُهُ) لِمَا يقتضيه الشَّرْط من وقوع الجزاءِ في المستقبل.
стр. 90
وهو مبنيّ ١ على الفتح، وكان مبنيًّا على حركةٍ لوُقوعه موقع الفعل المضارِع في مواضع:
أحدها: أَنْ يكون خبرًا لمبتدأٍ، كقولك: (زيدٌ قام) ، كما تقول: (يقوم) .
وأن يقع خبرًا لحرفٍ عاملٍ، كقولك: (ليت عَمْرًا ذَهَبَ) كما تقول: (يذهب) .
وأن يقع به الشّرط كما يقع بالمضارِع، كقولك: (إنْ قام زيدٌ قمتُ) كما تقول: (إن تقم ٢ أقم) .
[٨/ب] وَبُني على الفتح طلبًا٣ للخِفّة، ما لم يكن معتلّ اللاّم٤؛ وذلك
стр. 91
إن كان ثلاثيًّا كـ (ضَرَبَ) ١،
أورُباعيًّا كـ (أَقْبَلَ) ، أو خُماسيًّا كـ (انْعَطَفَ) ، أو سُداسيًّا٢ كـ (اسْتَخْرَجَ) .
стр. 92
باب الأمر:
وَالأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ ... مِثَالُهُ: احْذَرْ صَفْقَةَ الْمَغْبُونِ
وَإِنْ تَلاَهُ أَلِفٌ وَلاَمُ ... فَاكْسِرْ وَقُلْ: لِيَقُمِ الْغُلاَمُ
أفعال الأمر مَبْنيّاتُ١ الأواخر على السّكونِ٢ ما لم يلها٣ حرف ساكنٌ، فإن وليها كُسِرت، كقولك: (اتَّقِ الله) .
ويجرى على هذا الحكم كُلُّ كَلمةٍ ساكنةٍ الآخِر؛ لامتناع الجمع بين ساكنين؛ فمِن ذلك الفِعْلُ المضارع المجزوم، كقولك: (لِيَقُمِ الغُلاَمُ) ؛
стр. 93
أو كانت اسمًا، كقولك: (كَمِ المالُ؟) ؛ أو كانت حرف معنىً، كقولك: (رميتُ عنِ القوس) .
وفَتْحُ (مِنْ) شاذّ١؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٢، وقد تُكْسَرُ٣.
стр. 94
فَصْلٌ:
ودخول الهمزة على بعض أفعال الأَمر تَوصُّلٌ إلى النّطق بالسَّاكن إذْ١ هو غيرُ مُمْكِن ٢؛ ويُعلم ذلك بدخول حرف المضارعة على الفعل وتنْظَر٣، فإنْ كان ما بعدَه٤ متحرِّكًا كقولك: (هو يَسِيْرُ) فتقول منه: (سِرْ) ، وإِنْ كان ما بعده ساكنًا كقولك: (يَذْهَبُ) فتقول منه: (اِذْهَبْ) .
وهذه الهمزة تُعْتَبَرُ حركتها من حركة ثالث الفعل المضارع؛ فإنْ كان مضمومًا كانت الهمزة مضمومة، فَتَأمُرُ مَنْ يَسْكُنُ فتقول: (اُسْكُنْ) بالضّمّ.
[٩/أ] وإِنْ كان ثالثة مكسورًا نحو: (يَضْرِب) أو مفتوحًا كـ (يَذْهَبْ) فتكسر الهمزة، كقولك: (اِضْرِبْ) و (اِذْهَبْ) .
стр. 95
وكذلك الخُماسيُّ والسُّداسيّ نحو: (انْطَلَقَ) و (اسْتَخْرَجَ) ، تقول منه: (اِنْطَلِق) و (اِسْتَخْرِجْ) .
وأمّا الموضع الّذي تفتح فيه فهو إذا كان الفعل الماضي رُباعيًّا فتقول مِن أَكْرَم: (يُكْرِم) ، (أَكْرِم) ، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ ١.
فَصْلٌ:
وإنْ أمرت من فِعْلٍ مُضاعَفٍ لمذكّر كـ (شُدَّ) و (غُضّ) فلك فيه وجهان:
فَكُّ التّضعيف٢؛ تقول: (اشْدُدْ) و (اغْضُضْ) بسكون آخره.
وإبقاؤه على٣تشديده؛ فتقول: (غُضَّ البصر) .
وفي آخره وُجوهٌ:
الأَوّل: كسره لالتقاء السّاكنين كما تقدّم.
الثّاني: إتباع حركة ما قَبْلَهُ - وهي الضّمّ -، فتقول: (غُضُّ البَصَر) .
الثّالث: الفتحة طلبًا للخِفّة؛ فتقول: (غُضَّ) ؛ وعلى [٩/ب] هذا٤ يُنْشَد بيتُ جرير٥:
стр. 96
فَغُضَّ الطّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلاَ كَعْبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا١
وهذا الفعلُ يُضمُّ أوّله إذا كان من مُتَعَدٍّ٢، ويُكْسَرُ إذا كان من لازمٍ؛ فتقول: (فِرَّ من الفِتْنَة) ، قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ ٣؛ وهذا إذا كان لِمُفْرَدٍ مُذكّرٍ يُكْسَر آخِرُهُ ويُفتح ولا يُضمُّ٤.
стр. 97
وَإِنْ أَمَرْتَ مِنْ سَعَى وَمِنْ غَدَا ... فَأَسْقِطِ الْحَرْفَ الأَخِيرَ أَبَدَا
تَقُولُ: يَا زَيْدُ اْغْدُ فِي يَوْمِ الأَحَدْ ... وَاسْعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ لُقِّيْتَ الرَّشَدْ
وَهَكَذَا قَوْلُكَ: إرْمِ١مِنْ رَمَى ... فَاحْذُ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا اسْتَبْهَمَا
[فَصْلٌ٢] :
[١٠/أ] الأمر من المعتلّ إذا كان آخر الفعل المضارِع حرف عِلَّةٍ حذفته في الأمر؛ فإنْ كان ألِفًا أبقيتَ بعد حذفها فتحةً لطيفةً تدلّ عليها، كقولك في الأمر من يسعى٣: (اسعَ يا زيدُ) بِرَوْمِ٤ الفتحة، قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ٥.
стр. 98
وإنْ كان واوًا فتقول مِنْ يغدو: (اغْدُ) بِرَوْمِ الضّمّة، كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
وإنْ كان ياءً أبقيت بعدها كسرة، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٢ بِرَوْم الكسرة.
فإنْ وقفت على شيءٍ من ذلك فلك أن تقف عليه بالسّكون: (اخشْ) و (اغدْ) و (ارمْ) ؛ ولك أن تزيد عليه هاءً لبيان الحركة فتقول: (اخشه) ، (اغده) ، [ارمه٣] ، كقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٤.
وَالأَمْرُ٥ مِنْ خَافَ خَفِ الْعِقاَبَا ... وَمِنْ أَجَادَ أَجِدِ الْجَوَابَا
إذا كان الفعل معتلّ٦ العين فهو يسقط في حال الأمر لوجوب سكون آخره؛ لئلاّ يجتمع ساكنان؛ وذلك إذا أمرت به المفرد٧ المذكّر، كقولك:
стр. 99
(خَف) و (بِعْ) و (قُلْ) ١؛ وكذلك إذا أمرت به جمع المؤنّث فتقول: (خَفْنَ) و (بِعْنَ) و (قُلْنَ) .
والمقرَّرُ من ذلك: أنّه متى التقى ساكنان أحدهما حَرفُ علّةٍ كان هو المحذوف٢.
وَإِنْ يَكُنْ أَمْرُكَ لِلْمُؤَنَّثِ ... َقُلْ لَهَا: خَافِي رِجَالَ الْعَبَثِ
فإنْ كان الأمر لمؤَنَّثٍ مفردٍ، أو لمثنّى، أو لجماعة مذكّرٍ، أو اتّصل بالفعل [١٠/ب] نونا التّوكيد
الخفيفة أو الثّقيلة فتثبت حروف العلّة؛ لوجود المتحرّكات بعدها، فتقول: (خافي ياهذه) و (قولا) و (بيعا) و (خافوا يا هؤلاء) و (خافَنَّ الله يا زيد) و (خافَنَّ يا عمرو) .
فإنْ أمرت مِن (وَعَدَ) ومِنْ (وَزَنَ) فمضارِع هذين: (يَوْعِدُ) و (يَوْزِنُ) ؛ ولكنّهم لم يجمعوا بين الياء والواو فحذفوا فاء الفعل، فقالوا: (يَعِدُ) و (يَزِنُ) ؛ فالأمرُ من ذلك بسقوط حرف المضارعة، فتقول للمفرد المذكّر من (يَعِد) : (عِدْ) ، وللمؤنَّثِ المفرد: (عِدي يا هِنْدُ) ، وللمثنّى: (عِداني) ، والجمع: (عِدُوني يا رجال) و (عدنني يا نِسَاء) .
стр. 100
باب الفعل المضارع:
وَإِنْ وَجَدْتَ هَمْزَةً أَوْ تَاءَ ... أَوْ نُونَ جَمْعٍ مُخْبِرٍ أَوْ يَاءَ
قَدْ أُلْحِقَتْ أَوَّلَ كُلِّ فِعْلِ ... فَإِنَّهُ المُضَارِعُ المُسْتَعْلِى
حروف المضارعة هي: الهمزة، والنّون، والتّاء، والياء.
فإذا اتَّصل أَحَدُهَا بأَوّل فعلٍ ماضٍ سُمّيَ مُضارِعا وَعَادَ مَعَهَا. [مُعْرَباً١] .
فالهمزة تختصّ بالمتكلّم، ويستوي فيه المذكّر والمؤنَّث، كـ (أَنَا أَفْعَلُ) .
والنّون إذا كان معه [١١/أ] غيره، كـ (نَحْنُ نَفْعَلُ) ، أو يكون معظّماً نَفْسَهُ.
والتّاء للمذكّر الحاضر، كـ (أَنْتَ تَفْعَلُ) .
والياء للمذكّر الغائب، كـ (هُوَ يَفْعَلُ) .
ونون العظمة تختصّ باسم الله تعالى.
وأمّا قولُ الملوك: (نَحْنُ نَفْعَلُ) ؛ قيل: لَمّا كانت تصاريف أقضية الله تعالى تجري على أيدي خَلْقِهِ نُزِّلَتْ أفعالهم منزلة فِعْلِه مجازًا؛ وعلى هذا الحكم يجوز أن يَنطق بالنّون مَن لا يباشِر الأمر بنفسه.
وأمّا قولُ العَالِم: (نَحْنُ نبيِّنُ) ؛ فهو مُخْبِرٌ عن نفسه وأَهْلِ مقالته.
وَلَيْسَ فِي الأَفْعَالِ فِعْلٌ يُعْرَبُ ... سِوَاهُ والتِّمْثَالُ فِيهِ: يَضْرِبُ٢
هذا الفعل شابه الاسم.
стр. 101
والمضارعة هي: المشابَهة؛ فلذلك أُعْرِبَ١.
وتوجيه ذلك: أنّه يكون مُبْهما زمني الحال والاستقبال، كما يكون الاسم مُبْهما في حال تنكيره.
ويكون مُخْتَصا بدخول حرف التَّنفيس عليه، كما يختصّ الاسم بدخول حرف التّعريف عليه.
وتدخلُه لام الابتداء، كقولك: (لزيدٌ قائم) ٢.
وهو جَارٍ على حركات الاسم وسَكَنَاته وعدد حروفه في قولك: (هو يَضْرِبُ) ، (زَيْدٌ ضَارِبٌ) ، فلمَّا شابه المُعْرَبَ أُعْرِبَ.
стр. 102
[١١/ب]
وَالأَحْرُفُ الأَرْبَعَةُ المُتَابَعَهْ ... مُسَمَّيَاتٌ أَحْرُفَ المُضَارَعَهْ
وَسِمْطُهَا الْحَاوِي لَهَا نَأَيْتُ ... فَاسْمَعْ وَعِ الْقَوْلَ كَمَا وَعَيْتُ
السِّمْطُ١: الشّيءُ المنظوم كالقلادة والعِقْد.
قال: هذه يَجْمَعُهَا كلمةُ: (نَأَيْتُ) ؛ ويجمعها - أيضا -: (أنيت) و (أَتَيْنَ) و (تَنْأَي) .
وَضَمُّهَا مِنْ أَصْلِهَا الرُّبَاعِي ... مِثْلُ: يُجِيْبُ مِنْ أَجَابَ الدَّاعِي
يقول: إنّ هذه الحروف تكون مضمومةً إذا كان ماضي٢ما اتّصلت به رُباعيا، كـ (يُجِيْبُ) مْن (أَجَابَ) ، و (يُصِيْبُ) مِن (أَصَابَ) .
وَمَا سِوَاهُ فَهْيَ مِنْهُ تُفْتَتَحْ ... وَلاَ تُبَلْ أَخَفَّ وَزْنٌ أَمْ رَجَحْ
يقول: إِنَّ المضارِع إن نقص ماضيه عن هذه الأربعة أحرف، كقولك: (ذَهَبَ) فلا يُضمّ أوّله بل يكون مفتوحا، كقولك: (يَذْهَبُ) ؛ وكذلك إذا زاد عليه؛ كالخُماسيّ والسُّداسيّ.
[١٢/ أ]
مِثَالُهُ: يَذْهَبُ زَيْدٌ وَيَجِي ... وَيَسْتَجِيْشُ تَارَةً وَيَلْتَجِيِ
стр. 103
قد مَثَّل ما نَقَصَ من الرُّباعيّ بفعلين:
أحدهما: سالم١؛ وهو: (يذهب) .
والآخرُ: مهموز٢؛ وهو: (يجيء) .
وممّا زاد عليه بفعلين:
أحدهما: سُداسيّ،
والآخَر: خُماسيّ؛ فتقول: (يستجيش زيدٌ) ، مِن (استجاش) ، و (يلتجيء) مِن (التجأ) .
стр. 104
باب الإعراب
وَإِنْ تُرِدْ أَنْ تَعْرِفَ الإِعْرَابَا ... لِتَقْتَفِي فِي نُطْقِكَ الصَّوَابَا
الإعراب في اللّغة١: هو البيانُ؛ يُقال: (أَعْرَبَ الرّجلُ عمَّا في نفسه) أي: أَبَانَ عَنْهُ.
وقيل: هو التّحسين، من قوله تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ٢؛ لأنّ العَرُوْبَ المُتحسِّنة٣.
وقيل فيه: التّغييرُ، من قولهم: (عَرِبَتْ مَعِدَةُ الفَصِيْلِ) إِذا تَغَيَّرت؛ وأعْرَبْتُها٤: إذا أَزَلْتُ فَسَادَهَا٥.
стр. 105
فالمُعْرَبُ: يتغيّر بتغيّر العوامِل الدّاخلة عليه لاختلاف المعاني من حَالٍ إلى حَال؛ وهو أحسنُ في اللّفظ من العاري من الحركات الموجِبَةِ له. وذلك التّغييرُ يكون لفظًا في السّالم، وتقديرًا في المعتلّ١.
فَإِنَّهُ بِالرَّفْعِ ثُمَّ الْجَرِّ ... وَالنَّصْبِ وَالْجَزْمِ جَمِيْعًا يَجْرِي
[١٢/ ب] وألقَابُه أَرْبَعَةٌ؛ وهي: رَفْعٌ، وَنَصْبٌ، وَجَرٌّ، وَجَزْمٌ.
والبِنَاءُ٢: ضِدُّ الإعرابِ، وهو مثله في اللّفظ٣.
وألقابُه أَرْبَعَةٌ؛ وهي: ضَمٌّ، وَفَتْحٌ، وَكَسْرٌ، وَوَقْفٌ.
وَذُكِرَ البِنَاءُ هاهُنا وإنْ لم يكن في بابه؛ للاحتياج٤إلى ذكره في سائر الأبواب.
والمُعْرَبُ من الكلام كلمتان؛ وهما: الاسم المتمكّنُ٥، والفعل المضارع.
стр. 106
فالرَّفْعُ هُوَ أَتمُّ ألقاب الإعراب؛ ولهذا كان إعرابًا لِمَا هو عُمدةٌ في الكلام وهو الفاعل وما حُمِلَ عليه، والنّصب والجرّ لا يُوْجَدَان١حتَّى يتقدَّمهما الرّفعُ، كقولك: (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا) وَ (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ) .
والنّصبُ عُمْدَةُ المفعولِ وما حُمِل عليه، والجرُّ عُمْدَةُ الإضافة وما جرى مَجْراهَا.
فَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ بِلاَ مُمَانِعِ ... قَدْ دَخَلاَ فِي الاسْمِ وَالمُضَارِع
وَالْجَرُّ يَسْتَأْثِرُ بِالأَسْمَاءِ ... وَالْجَزْمُ فِي الْفِعْلِ٢بِلاَ امْتِرَاءِ
الاسم المُعْرَبُ: هو المتمكّن؛ وهو ما لم يشابه الحرف، ولم يتضمّن معناه، ولم يَقَعْ مَوْقِعَ المبنيّ؛ فهو والمضارع يشتركان في الرّفع والنّصب، كقولك: (زَيْدٌ يَذْهَبُ) ، و (إِنَّ عَمْرًا لن يَرْكَبَ) .
[١٣/ أ] ويختلفان٣في الاختصاص؛ فالاسم يختصّ بالجرّ، والفعل يختصّ بالجَزْمِ
واختصاص الاسم بالجرِّ إمّا بإضافة حَرْفٍ إلى اسمٍ، [أ] وْ٤ بإضافة اسمٍ إلى اسم؛ ويُعْلَمُ من ذلك إمَّا مِلْكٌ، أو اسْتِحْقَاقٌ.
стр. 107
فامتنع الجرُّ من الأفعال١؛ لأنَّها لا تُملَكُ ولا تُستَحقّ لكَوْنَها٢ ليست من الذّوات.
امتنع الجزْم من الاسم٣؛ لأنّه حَذْفٌ٤، ولو حُذِفَ بعضُ الاسم كما يحذف فاءُ الفعل، أو عينُه، أو لامُه، لتغيَّرتْ صيغة الاسم عمَّا كانت عليه، والفعل ليس هُوَ كَذَلِكَ.
стр. 108
فَالرَّفْعُ١ ضَمُّ آخِرِ الحُرُوفِ ... وَالنَّصْبُ بِالْفَتْحِ بِلاَ وُقُوفِ
وَالْجَرُّ بِالْكَسْرَةِ لِلتَّبْيِينِ ... وَالْجَزْمُ فِي السَّالِمِ بِالتَّسْكِيْنِ
حَرْفُ الإعراب من كُلّ معرب: آخِرُهُ كـ (دالِ زَيْدٍ) و (ميم يقوم) ؛ وذلك لأنَّهُ كالصِّفَةِ؛ والصِّفَةُ لا تأتي إلاَّ بعد كَمَالِ المَوْصُوفِ، ولا سَبِيْلَ إلى معرفته إلاَّ بعد كَمَالِ صيْغَتِهِ.
وأصلُ الاسم الإعرابُ٢؛ وذلك لدلالته بصِيغةٍ واحدةٍ على مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فاحتيج إلى إعرابه، لتبيين تلك المعاني٣؛ والبناءُ فيه [١٣/ ب] فَرْعٌ
والفعل أصله البناءُ؛ لدلالته بالصِّيغ المختلفة على المعاني المختلفةِ؛
стр. 109
فأغنى اختلاف صيغه عن إعرابه١، والإعراب فيه فَرْعٌ
وسُمِّيَ الضَّمُّ رَفْعًا؛ لانضمام الشّفتين به، إذْ هُمَا أرفع الفَمِ٢.
وسُمِّيَ الفَتْحُ نَصْبًَا؛ لأنَّ الفتحة إذا أُشْبِعتْ صارت ألفًا؛ والنُّطْقُ به انتصابٌ إلى أعلى الحَنَكِ٣.
وسُمِّيَتْ الكسرةُ جَرًّا؛ لِهُوِيِّ النّطق بها سُفْلاً؛ فكأنَّهُ مَأخُوذٌ من جَرِّ الجبل وهو سَفْحُهُ٤.
وسُمِّيَ الجَزْمُ جَزْمًا؛ لقطع الحركة أو الحرفِ؛ لأنَّهُ في اللّغة: القَطْعُ٥.
стр. 110
وأصل الإعراب الحركة١؛ وأصل البناءُ السُّكون٢؛ والحرفُ مبنيٌّ ولا حظَّ له في الإعراب٣.