← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 1051–1078 · переход к 1056.

стр. 1051

إلا الإمام ما أجلبوا به من مال وآله حرب ولو مستعارا لذلك إلا غصبا ولا يجوز ما عدا ذلك لكن للإمام فقط تضمينهم وأعوانهم حتى يستوفي الحقوق ولا ينقض له ما وصفوه من أموالهم في قربة أو مباح مطلقا أو محظور وقد تلف وللمسلم أخذ ما ظفر به من مال لله معهم لنفسه مستحقا أو ليصرف] . قوله: "فصل: والباغي من يظهر أنه محق" الخ. أقول: قد جاء القرآن والسنة بتسمية من قاتل المحقين باغيا فقال الله عزوجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، وثبت في الصحيح أن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية فالباغي هو من خرج من طاعة الإمام التى أوجبها الله على عباده ويقدح عليه في القيام بمصالح المسلمين ودفع مفاسدهم من غير بصيرة ولا على وجه المناصحة فإن انضم إلى ذلك المحاربة له والقيام في وجهه فقد تم البغي وبلغ إلى غايته وصار كل فرد من أفراد المسلمين مطالبا بمقاتلته لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، الآية وليس القعود عن نصرة المحق من الورع بعد قول الله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ . والحاصل أنه إذا تبين الباغي ولم يلتبس ولا دخل في الصلح كان القعود عن مقاتلته خلاف ما أمر الله به وأما مع اللبس فلا وجوب حتى يتبين المحق من المبطل لكن يجب السعي في الصلح كما أمر الله به وليس من البغي إظهار كون الإمام سلك في اجتهاده في مسألة أو مسائل طريقا مخالفة لما يقتضيه الدليل فإنه ما زال المجتهدون هكذا ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ويعصيه في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأما قوله: "أو منع منه" فوجهه أن المأمور إذا لم يدفع إلى الإمام ما يجب دفعه إليه فهو باغ من هذه الحيثية وهكذا إذا لم يطعه في واجب أوجبه الله عليه للإمام من جهاد أو ولاية بالحق أو نصيحة وهكذا إذا قام بما أمره إلى الإمام فإنه أقعد نفسه في المقعد الذي لا يصلح له إلا من ثبتت له الإمامة بمبايعة المسلمين فيكون من هذه الحيثية باغيا. قوله: "وحكمهم جميع ما مر". أقول: هذه الإحالة غير حسنة فإنه إذا لم يغنم من أهل البغي نفوسهم ولا أموالهم ولا يجوز فيهم الأحكام التي سيتذكرها كان غالب أحكامهم المخالفة لما مر في أحكام الكفار فلم يكن لهذه الكلية وجه لأنه لم يبق تحتها بعد الاستثناء إلا النادر من الأحكام.

стр. 1052

وأما قوله: "إلا أنهم لا يسبون" فهذا معلوم لا يخالف فيه أحد من المسلمين أجمعين. وأما قوله: "ولا يقتل جريحهم ولا مدبرهم" فقد أخرج الحاكم وصححه البيهقي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "يا ابن أم عبد: ما حكم من بغى من أمتي؟ " قال: الله ورسوله أعلم فقال رسول الله ﷺ : "لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم"، وفي إسناده كوثر بن حكيم وهو ضعيف قال البيهقي هذا الحديث ضعيف انتهى ولكنه يقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير عن علي بلفظ نادى منادي علي يوم الجمل ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم وأخرج سعيد بن منصور عن مروان بن الحكم قال صرخ صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن قال ابن حجر قد صح عن علي من طرق وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وأخرج أيضا عن أبي فاختة أن عليا أتي بأسير يوم صفين فقال: لا تقتلني صبرا فقال: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين ثم خلى سبيله وفي الباب آثار كثيرة عن علي لأنه ابتلي بقتال البغاة على اختلاف أنواعهم. قوله: "إلا ذا فئة أو لخشية العود". أقول: ظاهر الحديث المتقدم قريبا والآثار عن علي أنه لا يتبع مدبرهم ولم يثبت التقييد بأن لا يكون ذا فئة أو يخشى عوده فالواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة وإن كان الباغي هاربا إلى فئة أو خشي عوده وتخصيص الدليل بمجرد الرأي غير مقبول على أنه لا يحتاج إلى الاستدلال على عدم جواز قتل الهارب من البغاة بما ذكرناه بل يكفي في ذلك العصمة الإسلامية الثابتة بمثل قوله ﷺ : "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" والباغي مسلم معصوم الدم والمال وإنما جاز قتاله ما دام باغيا مقاتلا لقوله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، فلا يجوز قتال الباغي ولا مقاتلته إلا حال الحرب لا بعد الهرب رجوعا إلى العصمة الإسلامية. قوله: "كلكل مبغي عليه". أقول: ليس معنى البغي مختصا بنوع منه دون نوع أو بطائفة دون طائفة بل يشمل كل من حصل منه البغي سواء كان البغي منه على الإمام أو على طائفة من المسلمين أو على فرد من أفرادهم فإن ذلك يندرج تحت قوله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ . قوله: "ولا يغنم من أموالهم" الخ. أقول: البغاة مسلمون فاموالهم من غير فرق بين ما حضروا به معهم في القتال وما لم يحضروا به معصومة بالعصمة الإسلامية فمن ادعى أن شيئا منها قد خرج عن العصمة

стр. 1053

الإسلامية فعليه الدليل على أنه قد تقدم عن أبي أمامة أنه قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريحهم ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وأما ما روي عن علي أنه قال يوم الجمل وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثتهم فقد قال البيهقي إنه منقطع قال: والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا انتهى وأخرج البيهقي أيضا عن علي أنه كان لا يأخذ سلبا وبهذا تعرف أنه لا فرق بين ما أجلبوا به وما لم يجلبوا به وبين آلة الحرب وغيرها وبين المغصوب وغيره. قوله: "ولكن للإمام فقط تضمينهم وأعوانهم" الخ. أقول: هذا صواب لأنهم أخذوا هذه الأموال من غير حلها فجاز للإمام أن يأخذها منهم أو مثلها لأنه مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم وهذا منه ولا فرق بين أن يكون الذي أخذوه من أموال بني آدم أو من الأموال التي لبيت مال المسلمين لأن الكل مظلمة ومن استشكل مثل هذا وأورد في تأييد بحثه فيه ما لا يسمن ولا يغني من جوع فلم يصب. قوله: "ولا ينقض له ما وضعوه من أموالهم" الخ. أقول: قد قدمنا أن تضمينهم لما أخذوه ظلما وعدوانا حق ولكن ما تقربوا به من أملاكهم وأخرجوه عنهم قد وقع موقعه فليس للإمام أن ينقضه ويجعله عوضا عما أتلفوه لأن ذلك قد خرج عن أملاكهم وصار لمصرفه فلا يحل نقضه بحال وهكذا ما أخرجوه عن أملاكهم في مباح أو محظور لأن الذي أخرجوه لم يبق لهم فيه ملك وصار ملكا لمن قد صار في يده والخطاب عليهم في الضمان إنما هو في أملاكهم الباقية تحت أيديهم. وأما قوله: "وللمسلم أخذ ما ظفر به من مال الله معهم لنفسه" فلا وجه له بل يأخذه ويرده إلى بيت مال المسلمين ليصرفه الإمام في مصارفه وليس له أن يصرف في نفسه مع وجوده وإن كان مستحقا. [فصل ومن أرسل أو أمنه قبل نهي الإمام مكلف مسلم متمنع منهم دون سنة ولو بإشارة أو تعال لم يجز خرمه فإن اختل قيد رد مأمنه غالبا ويحرم للغدر ولا يمكن المستأمن من شراء آلة الحرب إلا بأفضل والبينة على المؤمن بعد الفتح إلا الإمام فالقول له] . قوله: "فصل: ومن أرسل" الخ. أقول: وجهه أن تأمين الرسل ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتا معلوما فقد كان رسول الله ﷺ يصل إليه الرسل من الكفار فلا يتعرض لهم أحد من أصحابه وكان ذلك طريقة مستمرة وسنة ظاهرة

стр. 1054

وهكذا كان الأمر عند غير أهل الإسلام من ملوك الكفر فإن النبي ﷺ كان يراسلهم من غير تقدم أمان منهم لرسله فلا يتعرض لهم متعرض. والحاصل أنه لو قال قائل: إن تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع لم يكن ذلك بعيدا وقد كان أيضا معلوما ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عبدة الأوثان ولهذا أن النبي ﷺ يقول: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقهما"، قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد "٣/٤٨٧"، وأبو داود "٢٧٦١"، فقوله: "لولا أن الرسل لا تقتل"، فيه التصريح بأن شأن الرسل أنهم لا يقتلون في الإسلام وقبله ومثل هذا ما ثبت في حديث آخر أنه ﷺ قال لرسولي مسيلمة: "لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما"، أخرجه أحمد "١/٣٨٤"، وأبو داود "٢٧٦٢"، والنسائي والحاكم وفيه ابن مسعود قال فمضت السنة أن الرسل لا تقتل. وقوله: "أو أمته قبل نهي الإمام مكلف مسلم". أقول: الأدلة في هذا كثيرة جدا فمن ذلك حديث علي عند أحمد "١/١٢٢"، وأبي داود "٤٥٣٠"، والنسائي "٨/٢٤"، والحاكم عن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"، ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٢/١٩١، ١٩٢، ٢١١"، وأبو داود "٢٧٥١"، وابن ماجه ٢٦٨٥، ٢٦٥٩"، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: "يد المسلمين على من عداهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم"، وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولا وأخرجه ابن ماجه من حديث معقل بن يسار مختصرا وأخرجه أيضا مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وهو أيضا متفق عليه من حديث علي بأول من هذا وأخرجه البخاري من حديث أنس وفي الباب أحاديث وقد دخل في قوله: "أدناهم" العبد والمرأة والصبي لكنه حكى ابن المنذر الإجماع على أن أمان الصبي غير جائز فكان هذا الإجماع مخرجا له من الدخول تحت ذلك اللفظ وأما المرأة فقال ابن المنذر أيضا أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة انتهى ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير على المسلمين"، وأخرج أبو داود ٢٧٦٤"، والنسائي عن عائشة قالت إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز وثبت في الصحيحين [البخاري "٣٥٧"، مسلم "٣٣٦"، وغيرهما أبو داود "٢٧٦٣"، الترمذي "٢٧٣٥"، النسائي "١/١٢٦"، أحمد "٦/٣٤٣، ٤٢٣، ٤٢٥"، من حديث أم هانىء وأنها أجارت رجلا يقال له فلان بن هبيرة فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانى". وأما العبد فهو داخل أيضا في قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" وقد أجاز أمانة الجمهور وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانة وإلا فلا وأما اشتراط الإسلام فلكون الأدلة إنما دلت على

стр. 1055

الأمان الصادر من المسلمين أو أحدهم وهكذا اشتراط أن يكون ممتنع منهم لأنه لو كان تحت حكمهم لم يجز أمانة لأنه في حكم أن المكره ولا بد في صحة الأمان من الاختيار. قوله: "دون سنة". أقول: لا دليل على هذا التوقيف بل المتعين الرجوع إلى ما في الأدلة من الإطلاق وقد جاءت بتصحيح الأمان ولم يقيد بوقت لكن يجوز للمسلمين أذا كان الأمان الواقع من أحدهم مطلقا أن يوقتوه وإن كان لمدة طويلة أن يجعلوه للمدة التي تقتضيها المصلحة فإن رضي من وقع له التأمين بذلك وإلا رد إلى مأمنه. وأما قوله: "ولو بإشارة" أو تعال فظاهر لأن المراد الإشعار بالتأمين بكل شيء يحصل به الشعور. وأما قوله: "لم يجز خرمه" فليس في هذا خلاف بين أهل الإسلام بل هو من ضروريات الدين وقد تكرر الأمر بالوفاء به والنهي عن عدم الوفاء به في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة وصح الذم للغادر والوعيد له في غير حديث. وأما قوله: "فإن اختل قيد رد مأمنه" فوجهه أن الأمان لم يصح والذي قد وقع الأمان له قد اعتقد صحته ولولا ذلك لم يأت إلينا فوجب على المسلمين إرجاعه إلى مأمنه ولا يحل لهم استحلال شيء من دمه أو ماله ولو كان التأمين له بعد نهي الإمام عن التأمين إذا كان من وقع له التأمين جاهلا للنهي. وأما قوله: "ويحرم للغدر" فقد أغنى عنه قوله لم يجز خرمه والوجه في هذا التحريم هو ما قدمنا. وأما قوله: "ولا يمكن المستأمن من شراء آلة الحرب" فوجه ذلك أنه يعود بها إلى دار الحرب فتكون قوة للكافرين على المسلمين إلا بأفضل فلا بأس لأن المصلحة في مثل ذلك كائنة وأما بما كان مماثلا له فالظاهر أنه لا بأس بذلك لأنها قد اندفعت المفسدة. قوله: "والبينة على المؤمن". أقول: أي على الذي وقع له التأمين ووجه ذلك أن الأصل عدم الأمان فالقول قول المنكر والبينة على المدعي ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الفتح أو بعده إلا أن يظهر من القرائن ما يثبت به الظاهر لمن وقع له التأمين فإن الظاهر مقدم على الأصل فيكون القول قوله كما تقدم. وأما قوله: "إلا الإمام فالقول له" فوجهه أن له أن ينشيء الأمان متى شاء فيكون القول قوله في تأمين من قد أمنه على كل حال.

стр. 1056

[فصل وللإمام عقد الصلح لمصلحة مدة معلومة فيفي بما وضع ولو على رد من جاءنا مسلما ذكرا تخلية لا مباشرة أو بذل رهائن او أمال منا أو منهم ولا يرتهن مسلم وتملك رهائن الكفار بالنكث ويرد ما أخذ السارق وجاهل الصلح وبدي من قتل فيه ويؤذن في دارنا أنه إن تعدى السنة منع الخروج وصار ذميا فإن تعداها جاهلا خير الإمام] . قوله: "فصل: ويجوز للإمام عقد الصلح لمصلحة" الخ. أقول: وجه هذا أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] ، فدل ذلك على جواز المصالحة إذا طلبها الكفار وجنحوا إليها وقيل لا يحوز ذلك لقوله سبحانه: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ ولا يخفاك أنه لا معارضة بين الآيتين فإن الآية الأولى دلت على أن الكفار إذا جنحوا للسلم جنحنا لها والآية الأخرى دلت على عدم جواز الدعاء من المسلمين إلى السلم فالجمع بينهما بأنه يجوز عقد الصلح إذا طلب ذلك الكفار ولا يجوز طلبه من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر وقد أوضحنا الكلام على الآيتين في تفسيرنا فليرجع إليه وقيل لا يجوز المصالحة أصلا وأن ما ورد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، ونحوها ولا وجه لدعوى النسخ وأيضا الجمع ممكن بأنهم يقتلون ويقاتلون ما لم يجنحوا إلى السلم. وأما كون المدة معلومة فوجهه أنه لو كان الصلح مطلقا أو مربدا لكان ذلك مبطلا للجهاد الذي هو من أعظم فرائض الإسلام فلا بد من أن يكون مدة معلومة على ما يرى الإمام من الصلاح فإذا كان الكفار مستظهرين وأمرهم مستعلنا جاز له أن يعقده على مدة طويلة ولو فوق عشر سنين وليس في ذلك مخالفة لعقدة صلى الله عليهو آله وسلم للصلح الوقع مع قريش عشر سنين فإنه ليس في هذا ما يدل على أنه لا يجوز أن تكون المدة أكثر من عشر سنين إذا اقتضت ذلك المصلحة. وأما قوله: "فيفي بما وضع" فهذا معلوم لا خلاف فيه والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في هذا المعنى أكثر من أن تحصر. قوله: "ولو على رد من جاءنا مسلما". أقول: وجهه ما وقع منه ﷺ في صلح الحديبية مع قريش فإنهم شرطوا عليه أن يرد من جاء منهم مسلما فوفى لهم بذلك ووصل إليه بعد عقد الصلح وهو في الحديبية أبو جندل وأبو بصير فردهما كما هو في الصحيح وثبت أيضا في هذا الحديث أنهم أجازوا للنبي ﷺ أبا جندل فلم يرده إليهم وثبت في هذا الحديث أنه ﷺ لم يرد غليهم النساء لقوله عزوجل: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتجنة: ١٠] ، إلى آخر الآية وهكذا لم يرد إليهم العبيد كما أخرجه أبو داود "٢٧٠٠"،والترمذي "١٠/٢١٧، ٢١٨"، وقال حسن صحيح من حديث

стр. 1057

علي قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: والله يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك وإنما خرجوا هربا من الرق فقال ناس: صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال: "ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا"، وأبى أن يردهم وقال: "هم عتقاء الله " فقوله ﷺ : "هم عتقاء الله"، يدل على أنهم يصيرون حرارا بفرارهم إلى المسلمين وهكذا لم يرد ﷺ من هرب إليه من عبيد المشركين يوم الطائف ومنهم أبو بكرة كما في صحيح البخاري "٨/٤٥"، ومسند أحمد ١٤/١١٢"، وغيرهما. وأما قوله: "تخلية لا مباشرة" فوجهه ظاهر لأن في المباشرة إعانة على منكر سوغته الضرورة فيجب التوقف على مجرد التخلية. واعلم أن إرجاع من فر من المشركين إلى المسلمين وأراد الدخول في الإسلام فيه من المخالفة لما تقتضيه الشريعة وتوجبه العزة الإسلامية ما لا يخفى فلا يجوز ذلك إلا عند أن يغلب على ظن الإمام أنه إذا لم يفعل ذلك وقع بالمسلمين من ضرر الكفار ما هو أعظم من ذلك واشد إضعافا للشوكة الإسلامية قواها الله سبحانه. وأما قوله: "أو على بذل رهائن أو مال" إلخ فإذا رأى الإمام في ذلك صلاحا فعله. وأما قوله: "ويرد ما أخذه السارق" إلخ فهذا ظاهر لأن مقتضى الصلح أن لا يقع شيء من ذلك. وأما قوله: "ويؤذن من في دارنا" إلخ فلا وجه للتوقيف بالسنة بل يجوز للإمام أن يصالحه على ما يرى فيه صلاحا وإن طالت المدة وغذا انقضت المدة رد إلى مأمنه وإذا تعدى المدة عامدا كان الإمام مخيرا في شأنه إذا تعداها جاهلا فإن جهله عذر له فيرد إلى مأمنه هكذا ينبغي أن يقال. [فصل ويجوز فك أسراهم بأسرانا ط لا بالمال ورد الجسد مجانا ويكره حمل الرؤوس وتحرم المثلة قيل ورد الأسير حربيا] . قوله: "فصل: ويجوز فك أسراهم بأسرانا". أقول: قد قال الله عزوجل: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، والفداء أعم من أن يكون بالمال أو بفك الأسرى منهم بالأسرى منا فإن ذلك كله فداء وقد وقع منه ﷺ فك أسير من بني عقيل بأسيرين من أصحابه كانا عند ثقيف كما في صحيح مسلم "١٦٤١"، وغيره الترمذي.

стр. 1058

وأما قوله: "لا بالمال" فهذا مدفوع بما وقع منه ﷺ في يوم بدر من أخذا لفداء من أسراء المشركين وهو أيضا مدفوع بالقرآن ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، ولا يعارضه قوله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ، فإن غاية ما في هذه الآية تقديم الإثخان على الفداء وليس فيها أنه لا يجوز الفداء. وأما قوله: "ويجوز رد الجسد مجانا" فلا وجه للتقييد بقوله مجانا لأن أموال الكفار يجوز التسلف لها بكل ممكن وليس هذا من باب المبايعة حتى تدخل في بيع الميتة وبيع النجس. قوله: "ويكره حمل الرؤوس". أقول: إذا كان في حملها تقوية لقلوب المسلمين أو إضعاف لشوكة الكافرين فلا مانع من ذلك بل هو فعل حسن وتدبير صحيح ولا وجه للتعليل بكونها نجسة فإن ذلك ممكن بدون التلوث بها والمباشرة لها ولا يتوقف جواز هذا على ثبوت ذلك عن النبي ﷺ فإن تقوية جيش الإسلام وترهيب جيش الكفار مقصد من مقاصد الشرع ومطلب من مطالبه لا شك في ذلك وقد وقع في حمل الرؤوس في أيام الصحابة وأما ما روي من حملها في أيام النبوة فلم يثبت شيء من ذلك. قوله: "وتحرم المثلة". أقول: الأحاديث في النهي عنها كثيرة جدا وقد قدمنا طرفا من ذلك وقد كان رسول الله ﷺ يوصي من يبعثه من جيوش المسلمين للجهاد بالوصايا المشهورة ومنها أن لا تمثلوا. وأما قوله: "قيل: ويحرم رد الأسير حربيا" فلا وجه له فقد رد رسول الله ﷺ أسرى بدر وهم باقون على كفرهم وقد خير الله عباده بين المن والفداء كما في قوله: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، ومقتضى جواز أخذ الفداء أن يرجعوا على دينهم الذي كانوا عليه لأنهم لو أسلموا لم يؤخذ منهم الفداء بل يجوز للإمام أن يرد الأسير حربيا بدون فداء إذا رأى في ذلك صلاحا وهو مقتضى التخيير بين المن والفداء فإن المن هو أن يمن عليه بفك أسره وإرجاعه إلى قومه إلى ما كان عليه وقد وقع ذلك مع النبي ﷺ في غير موطن. [فصل ويصح تأبيد صلح العجمي والكتابي بالجزية ولا يردون حربيين ويلزمون زيا يتميزون به فيه صغار من زنار ولبس غيار وجز وسط الناجية ولا يركبون على الأكف إلا عرضا ولا يظهرون شعارهم إلا في الكنائس ولا يحدثون بيعة ولهم تجد يد ما

стр. 1059

خرب ولا يسكنون في غير خططهم إلا بإذن المسلمين لمصلحة ولا يظهرون الصلبان في أعيادهم إلا في البيع ولا يركبون الخيل ولا يرفعون دورهم على دور المسلمين ويبيعون رقا مسلما شروه ويعتق بإدخالهم إياه دار الحرب قهرا] . قوله: "فصل: ويصح تأبيد صلح العجمي والكتابي بالجزية". أقول: ظاهر الأدلة يقتضي أن بذل الجزية من أي كافر يوجب الكف عن مقاتلته وقد كان رسول الله ﷺ يبعث الأمراء من أصحابه بالجيش على الطوائف المختلفة فيذكر في جملة ما يوصيهم به أنهم إذا بذلوا الجزية قبل منهم ذلك كما في حديث بريدة عند مسلم وغيره قال كان رسول الله ﷺ إذا مر أميرا على جيش أو سرية ثم ذكر فيه: "فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، فإن قوله كان رسول الله ﷺ إذا امر أميرا على جيش أو سرية يدل عى أن هذا كان شأنه في كل جيش يبعثه ولا ينافي هذا قوله تعالى في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فإن أهل الكتاب هم نوع من أنواع الكفار الذين يجب الكف عن قتالهم إذا أعطوا الجزية ولا ينافي ذلك أيضا ما ورد من الأمر بقتال المشركين في آية السيف وغيرها فإن قتالهم واجب إلا أن يعطوا الجزية فإنه يجب الكف عنهم كما يجب الكف عنهم إذا أسلموا ولا ينافي هذا التعميم ما وقع منه ﷺ من الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب لأن غايته أنها لا تجوز مصالحتهم بالجزية في جزيرة العرب وذلك لا ينافي جواز المصالحة لهم بضرب الجزية عليهم إذا كانوا في غير جزيرة العرب. والحاصل أن من ادعى أن طائفة من طوائف الكفار لا يجوز ضرب الجزية عليهم بل يخيرون بين الإسلام والسيف فعليه الدليل ولا دليل تقوم به الحجة إلا ما ورد في المرتد كما قدمنا وكما سيأتي إن شاء الله. وأما قوله: "ولا يردون حربيين" فقد تقدم قريبا أن التخيير بين المن والفداء يفيد أنه يجوز ردهم حربيين بعد المن عليهم أو بعد أخذ الفداء منهم ولم يرد ما يدل على المنع من هذا وغاية ما هنا أنهم عند تسليم الجزية في أمان أهل الإسلام بتسليم ما يستحقون به عصمة دمائهم وأموالهم وهو الجزية وقد تقدم أن المؤمن يرد إلى مأمنه فإذا أراد الإمام ردهم إلى دار الحرب كان له ذلك لمصلحة يراها كما كان له أن يرد الأسرى حربيين. قوله: "ويلزمون زيا يتميزون به فيه صغار" الخ. أقول: وجهه أن الله سبحانه قد قال في كتابه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فهذه الجملة الحالية قد أفادت أنه ينزل بهم ما فيه صفار في ملبوسهم وبيوتهم ومركوبهم ونحو ذلك من شؤونهم ويمنعون مما يخالف الصغار وهو التشبه بالمسلمين في ملبوسهم وبيوتهم ومركوبهم ونحو ذلك وقد أخذ عليهم عمر بن الخطاب ﵁ عهدا ذكر فيه ما يعتمدون عليه في حالهم ومالهم وكنائسهم ومن جملته أنهم لا يتشبهون بالمسلمين في ملبوساتهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر وفيه أنهم يجزون

стр. 1060

مقاديم رؤوسهم وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهرون صليبا ولا شيئا من كتبهم في طريق المسلمين وفيه أنهم لا يضربون ناقوسا إلا ضربا خفيفا ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة في شيء من حضرة المسلمين وهذا العهد العمري أخرجه ابن حزم عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها ديرا ولا كنيسة وفيه أنهم لا يجدون ما خرب منها. والحاصل أن إلزامهم بما ذكره المصنف وما ذكره غيره من الفقهاء قد دلت عليه الآية القرآنية المتقدمة وكفى بها. قوله: "ولا يسكنون في غير خططهم إلا بإذن المسلمين لمصلحة". أقول: الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما [البخاري "٦/١٧٠"، ٨/١٣٢"، مسلم "٢٠/١٦٣٧"، أبو داود "٣٠٣٠"، الترمذي "١٦٠٧"] ، عن جماعة من الصحابة قد تضمنت الأمر للأمة بإخراج اليهود من جزيرة العرب فلا وجه لمنعهم من سكون غيرها وإلزامهم أن يسكنوا في خططهم فإنهم قد صاروا بتسليم الجزية والتزام الصغار أهل ذمة ووجب على المسلمين رعايتهم وحفظ دمائهم وأموالهم وتركهم يسكنون حيث أرادوا في غير جزيرة العرب ولا ينافي الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب ما ورد في حديث آخر من الأخر بإخراجهم من الحجاز كما أخرجه أحمد "١/١٩٥"، من حديث أبي عبيدة بلفظ: "أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب"، فإن ذلك هو من التنصيص لعى بعض أفراد العام وقد تقرر في الأصول أنه لا يصلح للتخصيص وهو الحق وغاية ما فيه الدلالة على تأكيد الأمر في ذلك الخاص لتخصيصه بالنص عليه وحده ومثل هذا لا يوجب إهمال دلالة الدليل على ما عداه. وأما قوله: "إلا لمصلحة" فهو من التخصيص للدليل الصحيح بنوع من أنواع المناسب المذكورة في علم الأصول ولا يصلح لذلك فقد قرر أهل الأصول أنفسهم أن من شرط العمل به أن لا يصادم دليلا وهو هنا قد صادم الدليل. وأما قوله: "ولا يظهرون الصلبان في أعيادهم إلا في البيع" فقد تقدم في العهد العمري أنهم لا يظهرون صليبا ولا شيئا من كتبهم في طريق المسلمين ولا منع من إظهار ذلك كنائسهم حيث لم يحضرهم أحد من المسلمين. وأما قوله: "ولا يركبون الخيل" فوجهه أنه يخالف الصغار وفي العهد العمري أنهم لا يركبون سراجا ولا يتقلدون سيفا ولا يتخذون شيئا من السلاح. وأما قوله: "ولا يرفعون دورهم على دور المسلمين" فوجهه أيضا أن ذلك يخالف الصغار. واما قوله: "ويبيعون رقا مسلما شروه" فوجهه أيضا أن ثبوت ملكهم للعبد المسلم يخالف الصغار أيضا لأنه واحد من المسلمين وللمالك على ملكه من العزة والعلو ما هو عكس معنى

стр. 1061

الصغار وأيضا هو من سبيل على المؤمنين وقد قال عزوجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، وأما قوله: "ويعتق بإدخالهم إياه دار الحرب قهرا" فوجهه ما تقدم من أن دار الحرب دار إباحة يملك كل فيها ما تثبت يده عليه فإذا ثبتت يده على نفسه صار حرا ووجه التقييد بقوله قهرا أنه إذا دخلها راضيا مختارا كان ذلك قادحا في إسلامه مبطلا لحرمته. [فصل وينتقض عهدهم بالنكث من جميعهم أو بعضهم إن لم يبايتهم الباقون قولا وفعلا وعهد من امتنع من الجزية إن تعذر إكراهه قيل أو نكح مسلمة أو زنا بها أو قتل مسلما أو فتنة أو دل] .على عورته أو قطع طريقا قوله: "فصل: وينتقض عهدهم بالنكث" الخ. أقول: ثبوت الذمة لهم مشروط بتسليم الجزية والتزام ما ألزمهم به المسلمون من الشروط فإذا لم يحصل الوفاء بما شرط عليهم عادوا إلى ما كانوا عليه من إباحة الدماء والأموال وهذا معلوم ليس فيه خلاف وفي آخر العهد العمري فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل العناد والشقاق انتهى وهذا الانتقاض لعهدهم إذا كان من جميعهم فأمره واضح وأما إذا كان من بعضهم فليس على الآخرين إلا مباينتهم كما قال المصنف فإن لم يفعلوا لم تكن مجرد المخالطة نقضا لعهد من لم ينكث إلا أن يظهر منهم الرضا بذلك النكث والموافقة للناكثين. وأما قوله: "وعهد من امتنع من الجزية" فوجهه ظاهر فإنها هي السبب الأكبر في حقن دمائهم وعصمة أموالهم ولا وجهه للتقييد بقوله إن تعذر إكراهه لأنه قد صار بالامتناع من الجزية غير ذمي فيحل منه ما يحل من الحربي وهو قد صار بهذا الامتناع كما قال الشاعر: فكنت كالساعي إلى متعب ... موائلا من سبل الراعد قوله: "قيل أو نكح مسلمة" الخ. أقول: إذا فعل الذمي ما يستباح به دم المسلم كان دمه حلالا بفحوى الخطاب وذلك كأن يطعن في الإسلام أو يسب نبينا ﷺ وأما هذه الأمور التي ذكرها المصنف حاكيا لها عن الغير فإن كان قد أخذت على الذمي في عهده فقد حل دمه بمجرد المخالفة للعهد المأخوذ عليه وإن لم يؤخذ عليه في عهده كان مستحقا لما يوجبه عليه الشرع في ذلك الفعل فيقتل إن قتل مسلما ويحد إن زنا بمسلمة ويحد حد المحارب إن قطع طريقا ويفرق بينه وبين المسلمة التي نكحها

стр. 1062

مع التعزير له ولها إن كانا معتقدين صحة ذلك وكذلك يعزر إن فتن مسلما إذا لم تكن الفتنة له بشيء مما يرجع إلى الطعن في الدين فهكذا ينبغي أن يقال. [فصل ودار الإسلام ما ظهرت فيه الشهادتان والصلاة ولم تظهر فيها خصلة كفرية ولو تأويلا إلا بجوار وإلا فدار كفر وإن ظهرتا فيها خلاف م وتجب الهجرة عنها وعن دار الفسق إلى خلي عما هاجر لأجله أو ما فيه دونه بنفسه وأهله إلا لمصلحة أو عذر ويتضيق بأمر الإمام] . قوله: "فصل ودار الإسلام" الخ. أقول: الاعتبار بظهور الكلمة فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره إلا لكونه مأذونا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية وإذا كان الأمر العكس فالدار بالعكس. وأما قوله: "ولو تأويلا" فباطل من القول وخطل من الرأي فإن هذه المسائل التي اختلف فيها أهل الإسلام وكفر بعضهم بعضا تعصبا وجرأة على الدين وتأثيرا للأهوية لو كان ظهورها في الدار مقتضيا لكونها دار الكفر لكانت الديار الإسلامية بأسرها ديار كفر فإنها لا تخلوا مدينة من المدائن ولا قرية من القرى من ذاهب إلى ما تذهب إليه الأشعرية أو المعتزلة أو الماتريدية وقد اعتقدت كل طائفة من هذه الطوائف ما هو كفر تأويل عند الطائفة الأخرى وكفاك من شر سماعه والحق أنه لا كفر تأويل أصلا وليس هذا موضع البسط لهذه المسألة فخذها كلية تنج بها من موبقات لا تحصى ومهلكات لا تحصر وسيأتي عند الكلام على قوله والمتأول كالمرتد ما ينبغي أن يضم إلى ما هنا لتكمل الفائدة. واعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدا لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب وأن الكافر الحربي مباح الدم والمال على كل حال ما لم يؤمن من المسلمين وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها وإن كانت الفائدة هي ما تقدم من كونهم يملكون علينا ما دخل دراهم قهرا فقد أوضحنا لك هنالك أنهم لا يملكون علينا شيئا وإن كانت الفائدة وجوب الهجرة عن دار الكفر فليس هذا الوجوب مختصا بدار الكفر بل هو شريعة قائمة وسنة ثابتة عند استعلان المنكر وعدم الاستطاعة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم وجود من يأخذ على أيدي المنتهكين لمحارم الله فحق على العبد

стр. 1063

المؤمن أن ينجو بنفسه ويفر بدينه إن تمكن من ذلك ووجد أرضا خالية عن التظاهر لمعاصي الله وعدم التناكر على فاعلها فإن لم يجد فليس في الإمكان أحسن مما كان وعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه كما أرشد إلى ذلك الصادق المصدوق فيما صح عنه وإذا قدر على أن يغلق على نفسه بابه ويضرب بينه وبين العصاة حجابه كان ذلك من أقل ما يجب عليه وقد أوضحت أمر الهجرة وما هو باق منها وما قد نسخ في شرحي للمنتقى فليرجع إليه. وأما ما ذكره المصنف من إثبات دار الفسق تقليدا لمن شذ من المعتزلة فلا وجه لذلك أصلا ولا تتعلق به فائدة قط وإن زعم ذلك من لم يكن مستبصرا. واما قوله: "إلا خلى عما هاجر لأجله" فوجهه ظاهر لأن الانتقال من شر إلى شر ومن دار عصاة إلى دار عصاة ليس فيه إلا إتعاب النفس بقطع المفاوز فإن كان التظاهر بالمعاصي في غير بلده أقل مما هو ببلده كان ذلك وجها للهجرة وفي الشر خيار. وأما قوله: "إلا لمصلحة" فوجهه ظاهر فإنها إن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في تعليمه معالم الخير بحيث يكون ذلك راجحا على هجرته وفراره بدينه فإنه يجب عليه ترك الهجرة رعاية لهذه المصلحة الراجحة لأن هذه المصلحة الحاصله له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة. وأما كون الهجرة تتضيق بأمر الإمام بها فوجهه ما قدمنا من وجوب طاعة الأئمة فيما يأمرون به من الطاعة والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا. [فصل والردة باعتقاد أو فعل أو زي أو لفظ كفري وإن لم يعتقد معناه إلا حاكيا أو مكرها ومنها السجود لغير الله وبها تبين الزوجة وإن تاب لكن ترثه إن مات أو لحق في العدة وباللحوق في تعتق أم ولده ومن الثلث مدبرة ويرثه ورثته المسلمون فإن عاد رد له ما لم يستهلك حسا أو حكما. وحكمهم أن يقتل مكلفهم إن لم يسلم ولا تغنم أموالهم ولا يملكون علينا إلا ذوي شوكة وعقودهم قبل اللحوق لغو في القرب وصحيحة في غيرها موقوفة وتلغو بعده إلا الاستيلاد ولا تسقط بها الحقوق ويحكم لمن حمل به في الإسلام به وفي الكفر به ويسترق ولد الولد وفي الولد تردد والصبي مسلم بإسلام أحد أبويه وبكونه

стр. 1064

في دارنا دونهما ويحكم للملتبس بالدار والمتأول كالمرتد وقيل كالذمي وقيل كالمسلم] . قوله: "فصل: والردة باعتقاد" الخ. أقول: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن: "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" هكذا في الصحيح [البخاري "١٠/٥١٤"] ، وفي لفظ آخر في الصحيحين [البخاري "٦٠٤٥"، مسلم "٦١"] ، وغيرهما: "من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه"، أي رجع وفي لفظ في الصحيح: "فقد كفر أحدهما"، ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير وقد قال الله عزوجل: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل: ١٠٦] ، فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشر لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر ولا اعتبار بلفظ تلفظ به المسلم يدل على الكفر وهو لا يعتقد معناه فإن قلت قد ورد في السنة ما يدل على كفر من حلف بغير ملة الإسلام وورد في السنة المطهرة ما يدل على كفر من كفر مسلما كما تقدم وورد في السنة المطهرة إطلاق الكفر على من فعل فعلا يخالف الشرع كما في حديث: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"، [البخاري "٣/٥٧٣"] ، ونحوه مما ورد مورده وكل ذلك يفيد أن صدور شيء من هذه الأمور يوجب الكفر وإن لم يرد قائله أو فاعله الخروج من الإسلام إلى ملة الكفر؟ قلت: إذا ضاقت عليك سبل التأويل ولم تجد طريقا تسلكها في مثل هذه الأحاديث فعليك أن تقرها كما وردت وتقول من أطلق عليه رسول الله ﷺ اسم الكفر فهو كما قال ولا يجوز إطلاقه على غير من سماه رسول الله ﷺ من المسلمين كافرا إلا من شرح بالكفر صدرا فحينئذ تنجو من معرة الخطر وتسلم من الوقوع في المحنة فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يشح على دينه ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة فكيف إذا كان يخشى على نفسه إذا أخطأ أن يكون في عداد من سماه رسول الله ﷺ كافرا فهذا يقود إليه العقل فضلا عن الشرع ومع هذا فالجمع بين أدلة الكتاب والسنة واجب وقد أمكن هنا بما ذكرناه فتعين المصير إليه فحتم على كل مسلم أن لا يطلق كلمة الكفر إلا على من شرح بالكفر صدرا ويقصر ما ورد مما تقدم على موارده وهذا الحق ليس به خفاء فدعني من بنيات الطريق: يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح وأما قوله: "إلا حاكيا أو مكرها" فالأمر فيه واضح ووجهه بين وكيف يحكم بالكفر على من حكى قولا كفريا صدر من كافر فإن القرآن الكريم قد اشتمل على ما لا يأتي عليه الحصر من حكاية ما هو كفر بواح من أقوال الكفار وهكذا لا يحكم بكفر من كفر مكرها فقد

стр. 1065

استثناه القرآن الكريم بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وكفى به. وأما قوله: "ومنها السجود لغير الله" فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصدا لربوبية من سجد له فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عزوجل وأثبت معه آلاها آخر وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيرا لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيما له فليس هذا من الكفر في شيء وقد علم كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام فمن أراد المخاطرة بدينه فعلى نفسه تجنى براقش. قوله: "وبها تبين الزوجة". أقول: وجه ذلك اختلاف الملتين وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بما يدل على ذلك على تفصيل في ذلك قد تقدم في النكاح عند قول المصنف وينفسخ بتجدد اختلاف الملتين فليرجع إليه. وأما قوله: "لكن يرثه صاحبه إن مات أو لحق" فالظاهر أن مال المرتد باق على ملكه ولم يرد ما يدل على أنه يخرج عن ملكه بمجرد الردة فإن مات كان ماله لمن يستحق ميراثه في حال كفره وإن لحق بدار الحرب صار له مال كأموال أهل دار أهل الحرب في الإباحة ومن زعم أن ماله يخرج عن ملكه بمجرد الردة من غير لحوق فعليه الدليل. وأما كونها تعتق أم ولده ومدبرة فوجهه ظاهر لأنه قد أوقع سبب عتقها في حال إسلامه فاستحاق تنجيز ذلك. وأما كونه يرثه ورثته المسلمون فلا أعرف لهذا وجها ولا أجد عليه دليلا والأدلة مصرحة بأنه لا توارث بين مسلم وكافر على العموم ولا يصلح للتخصيص إلا دليل تقوم به الحجة ولا حجة فيما يروى عن بعض الصحابة فإن ذلك محمول على الاجتهاد واجتهاد الصحابي لا يخصص ما ثبت عن رسول الله ﷺ بإجماع المسلمين. وأما قوله: "فإن عاد رد ما لم يستهلك حسا أو حكما" فلا وجه لهذا الرد فقد خرج المال عن ملكه باللحوق فإن كان قد ثبتت عليه يد أحد المسلمين فقد استحقه وصار ملكا له فلا ينزع عنه إلا بوجه يوجب رفع ما دخل به في ملكه وأما إذا عاد المرتد إلى الإسلام قبل لحوقه فقد عرفناك أن ماله باق على ملكه فمن أتلف شيئا منه ضمنه وما كان باقيا فهو باق على ملكه. قوله: "وحكمهم أن يقتل مكلفهم إن لم يسلم". أقول: وجهه ما أخرجه البخاري "٦/١٤٩"، وأحمد "١/٢١٧، ٢٨٢"، وأهل السنن أبو داود "٤٣٥١"، الترمذي "١٤٥٨"، النسائي "٧/١٠٤"، ابن ماجة "٢٥٣٥"، من حديث ابن عباس بلفظ: "من بدل دينه فاقتلوه"، وما في الصحيحين [البخاري "١٢/٢٦٨"، مسلم "١٧٣٣"] ، من حديث أبي موسى في بعض المرتدين أنه قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ومن أدلة قتل المرتد حديث: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث"، وقد تقدم وفي الباب أحاديث وقتل المرتد إن لم يرجع إلى الإسلام مجمع عليه ويؤيد هذا قوله عزوجل: ﴿وَمَنْ

стр. 1066

يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آلا عمران: ٥٨] ، فإن مقتضى هذه الآية أنه لا يقبل منه إلا الإسلام فإن لم يفعل قتل لأنه لو ترك مرتدا لكان قبل قبل منه غير دين الإسلام ولا فرق بين الذكر والأنثى لعموم قوله ومن يبتغ وقوله من بدل دينه ولم يثبت ما يدل على تخصيص الإناث. واما قوله: "ولا تغنم أموالهم" فقد عرفناك مما قدمنا أنها قبل اللحوق باقية في ملكهم وبعد اللحوق يصير فيئا لمن يسبق إليهم. وأما قوله: "ولا يملكون علينا" إلخ فقد قدمنا أن أهل الحرب لا يملكون علينا والمرتدون مع اللحوق حكمهم حكمهم. وأما قوله: "وعقودهم قبل اللحوق لغو في القرب" فوجه ذلك أنه صار بالردة كافرا قبل لحوقه ولا قربة لكافر. وأما قوله: "صحيحة في غيرها موقوفة" فلا وجه لقوله موقوفة لأن ماله باق على ملكه قبل لحوقه فيصح منه كل تصرف فيه. وأما قوله: "فيلغو بعده" فصحيح لأن ماله قد خرج عن ملكه باللحوق. وأما قوله: "إلا الاستيلاد" فمراد المصنف أنه إذا كان قد استولد أمة له قبل أن يرتد فإن هذا لا يلغي لأنه قد فعل السبب مسلما فلا وجه لإلغائه وقد أغنى عنه ما تقدم من قوله: "وباللحوق تعتق أم ولد". قوله: "ولا يسقط بها الحقوق". أقول: الحقوق الثابتة عن المرتد من دين أو نحوه باقية في ذمته وهي باقية في ملك مالكها فلا يجوز الحكم عليه بأنها قد خرجت عن ملكه بارتداد من هي عليه لأن المرتد وإن فارق دينه فهو لم يتخلص مما هو عليه بوجه يقتضي السقوط فيدفع ذلك من ماله الذي تركه ببلاد الإسلام فإن لم يكن له مال كان لمن له الحق مطالبته به متى ظفر به. قوله: "ويحكم لمن حمل به في الإسلام به" الخ. أقول: لا فرق بين من حمل به في الإسلام ومن حمل به في الكفر أنهما يولدان على الإسلام لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية فالمولود من الكفار مطلقا يولد على الفطرة الإسلامية حتى يعرب عنه لسانه فإن كفر فأبواه هما اللذان كفراه وقد أخرج أحمد عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإن أعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا". وأما قوله: "ويسترق ولد الولد" الخ فلا وجه له بل هذاالولد الذي حمل به في الإسلام

стр. 1067

أو الكفر إذا اختار الكفر جاز استرقاقه فضلا عن استرقاق ولده ولا وجه للتردد وقد قدمنا البحث عن هذا في استرقاق كل كافر من غير فرق بين عربي وعجمي. قوله: "والصبي مسلم بإسلام أحد أبويه". أقول: إذا كان مولودا على الفطرة الإسلامية وكان ذلك كافيا في الحكم له بالإسلام فإسلامه مع إسلام أحد أبويه أظهر وأظهر ولا يحتاج إلى الاستدلال بدليل يخص هذه الصورة وهكذا لا يحتاج إلى الاستدلال بدليل يخص قوله وبكونه في دارنا دونهما لأنه قد اجتمع له الولادة على الفطرة والكون في دار الإسلام فكان من جملة من يحكم له بالإسلام بالسببين المذكورين كما استحق من أسلم أحد أبويه أن يحكم له بالإسلام بالسبيين وهما الولادة على الإسلام مع إسلام أحد أبويه وقد كان أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فمع إسلام أحدهما قد صار داعيا إلى الإسلام كما صار بدعوة الآخر إلى الكفر وداعي الإسلام أرجح وأقدم لأن الإسلام يعلو ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. وأما قوله: "وللملتبس بالدار" فلا وجه له بل ينبغي الحكم للملتبس بالإسلام لأنه مولود على الفطرة كما قال الصادق المصدوق ﷺ . قوله: "والمتأول كالمرتد" الخ. أقول: ها هنا تسكب العبرات ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لسنة ولا لقرآن ولا لبيان من الله ولا لبرهان بل لما غلت مراجل العصبية في الدين وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء والسراب البقيعة فيا لله وللمسلمين من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين والرزية التي ما رزىء بمثلها سبيل المؤمنين وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل وبقية من مراقبة الله عزوجل وحصة من الغيرة الإسلامية قد علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام [مسلم "١/٨"] ، قال في بيان حقيقته وإيضاح مفهومه: "أنه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وشهادة أن لا إله إلا الله"، والأحاديث بهذا المعنى متواترة فمن جاء بهذه الأركان الخمسة وقام بها حق القيام فهو المسلم على رغم أنف من أبى ذلك كائنا من كان فمن جاءك بما يخالف هذا من ساقط القول وزائف العلم بل الجهل فاضرب به في وجهه وقل له قد تقدم هذيانك هذا برهان محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه: دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر وكما أنه قد تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام فقد حكم لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره بالإيمان وهذا منقول عنه نقلا متواترا فمن كان هكذا فهو المؤمن حقا وقد قدمنا قريبا ما ورد من الأدلة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين والأدلة الدالة على وجوب صيانة عرض المسلم واحترامه

стр. 1068

يدل بفحوى الخطاب على تجنب القدح في دينه بأي قادح فكيف إخراجه عن الملة الإسلامية إلى الملة الكفرية فإن هذه جناية لا تعدلها جناية وجرأة لا تماثلها جرأة وأين هذا المجترىء على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وهو ثابت في الصحيح [البخاري "١٣"، مسلم "٤٥"] ، ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح [مسلم "٣٢/٢٥٦٤"، أيضا: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، ومن قول رسول الله ﷺ الثابت عنه في الصحيح أيضا: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، ومن قول رسول الله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"، وهو أيضا في الصحيح وكم يعاد العاد من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية والهداية بيد الله عزوجل: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . [فصل وعلى كل مكلف مسلم الأمر بما علمه معروفا والنهي عما علمه منكرا ولو بالقتل إن ظن التأثير والتضيق ولم يؤد إلى مثله أو أنكر منه أو تلفه أو عضو منه أو مال مجحف فيقبح غالبا ولا يخشن إن كفى اللين ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه ولا غير ولي على صغير بالإضرار إلا عن إضرار] . قوله: "فصل: ويجب على كل مكلف الأمر بما علمه معروفا والنهي عما علمه منكرا". أقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين والركنان الكبيران من أركانه ولا يتسع لما ورد في ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة النبوية إلا مؤلف مستقل وهو مجمع على وجوبهما إحماعا من سابق هذه الأمة ولاحقها لا يعلم في ذلك خلاف وإنما وقع الخلاف بينهم في قيود قيدوا بها هذا الوجوب وسيأتي الكلام عليها. وإذا عرفت هذا كان كل مسلم يجب عليه إذا رأى منكرا أن يغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ وظهور كون هذا الشيء منكرا يحصل بكونه مخالفا لكتاب الله سبحانه أو لسنة رسوله ﷺ أو لإجماع المسلمين ثم إذا كان قادرا على تغييره بيده كان ذلك فرضا عليه ولو بالمقاتلة وهو إن قتل فشهيد وإن قتل فاعل المنكر فبالحق والشرع قتله ولكنه يقدم الموعظة بالقول اللين فإن لم يؤثر ذلك جاء بالقول الخشن فإن لم يؤثر ذلك انتقل إلى التغيير باليد ثم المقاتلة إن لم يمكن التغيير إلا بها فإن كان غير قادر على الإنكار باليد أنكر باللسان فقط وذلك فرضه فإن لم يستطع الإنكار باللسان

стр. 1069

أنكر بالقلب وهذا يقدر عليه كل أحد وهو أضعف الإيمان كما قاله الصادق المصدوق ﷺ وبهذا تعرف أن اشتراط ظن التأثير إنما هو في الإنكار باليد ثم في الإنكار باللسان وأما الإنكار بالقلب فهو فرض على كل مسلم ولا يحتاج إلى تقييده بظن التأثير لأنه أمر كائن في القلب لا يظهر في الخارج ولا يحصل به تأثير. وأما قوله: "والتضيق" إلخ فوجه ذلك أنه لا يكون الشيء منكرا من فاعله إلا عند فعله أو عند الشروع في مقدماته ولكنه إذا ظن أن المنكر لا محالة واقع من فاعله ولو بعد حين كان عليه أن ينكر وإن لم يحضر وقت فعله لأن الكف عنه قبل الشروع فيه أو الانتهاء لفعله أقطع لعرقه وأحسم لمادته. قوله: "إن لم يؤد إلى مثله أو أنكر منه". أقول: اعتبار هذا الشرط منه فإنه إذا كان القيام في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى تجريء من وقع الأمر أو النهي له كما يفعل ذلك كثير من الظلمة الذين لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا ينزجرون بزواجر الله بل يجاوزون ما هم فيه إلى ما هو أشد منه قمعا لمن ينكر عليهم وسدا لباب إقامة حجة الله عليهم وحسما لمادة موعظة الواعظين لهم وقطعا لذريعة المناصحة من الناصحين وتأييسا للمظلومين على الفرج فلا يطمعون بعدها في الالتجاء إلى أهل العلم والفضل فها هنا يحق السكوت والرجوع إلى الإنكار بالقلب لأن التعرض للإنكار باليد واللسان ينشأ عنه اتساع دائرة المنكر على المظلومين ويحل بهم زيادة على ما هم فيه من المصيبة النازلة بهم وفي الشر خيار وقد ارتفع الوجوب بل ارتفع الجواز لأنه يوجب حدوث مظلمة مع تلك المظلمة ومنكمع ذلك المنكر ومن أعظم ما يؤدي إليه الإنكار أن يفضي إلى تلف نفس المنكر أو عضو منه أو يذهب بماله مع عدم حصول التأثير الذي هو المطلوب بالإنكار وأي تأثير وقد تضاعف بسببه الشر وتزايد لأجله الظلم وانتهكت حرمة مع الحرمة وانضمت مصيبة إلى مصيبة بخلاف ما قدمنا من أنه يجب عليه المقاتلة إذا لم يمكن التقيد إلا بها فإنه هنالك على ثقة من التأثير وتمام ما تصدى له وأقل الأحوال أن يحصل معه الاحتمال وأما هنا فقد انقطع طمعه وارتفع رجاؤه مع ما انضم إلى ذلك من التأدية إلى ما هو أنكر منه. قوله: "ولا يخشن إن كفى اللين". أقول: وجه هذا أنه يجب التوقف في الإنكار على قدر الحاجة وقد حصل المطلوب هنا بدون التخشين فالانتقال إلى التخشين مع تأثير التليين انتقال لم يأذن الله به ولا اقتضته الضرورة وقد أشار إلى سلوك هذا المسلك قول الله عزوجل: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، فإذا كان الله سبحانه قد أرشد رسله إلى التأدب بهذا الأدب مع أكفر الكفرة وأعظم العتاة المتمردين عليه فسلوكه مع القائمين مقام الإنكار الذين هم غير رسل مع بعض العصاة أو الظلمة من المسلمين أولى وأحق وأقدم وألزم.

стр. 1070

قوله: "ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه". أقول: هذه المقالة قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما بالمثابة التي عرفناك والمنزلة التي بيناها لك وقد وجب بإيجاب الله عزوجل وبإيجاب رسوله ﷺ على هذه الأمة الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع والنهي عما هو منكر من منكراته ومعيار ذلك الكتاب والسنة فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفا وينهي عما هو فيهما أو في أحدهما منكرا وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاثم على العامل به ثانيا وهذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعروفها والنهي عن منكرها هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة وأما ما حدث من المذاهب فليست بشرائع مستجدة ولا هي شرائع ناسخة لما جاء به خاتم النبيين ﷺ وإنما هي بدع ابتدعت وحوادل في الإسلام حدثت فما كان فيها موافقا للشرع الثابت في الكتاب والسنة فقد سبق إليه الكتاب والسنة وما كان منها مخالفا للكتاب والسنة فهو رد على قائله مضروب به في وجهه كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة التي منها: "كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد" فالواجب على من علم بهذه الشريعة ولديه حقيقة من معروفها ومنكرها أن يأمر بما علمه معروفا وينهى عما علمه منكرا فالحق لا يتغير حكمه ولا يسقط وجوب العمل به والأمر بفعله والإنكار على من خالفه بمجرد قول قائل أو اجتهاد مجتهد أو ابتداع مبتدع. فإن قال تارك الواجب أو فاعل المنكر قد قال بهذا فلان أو ذهب إليه فلان أجاب عليه بأن الله لم يأمرنا باتباع فلانك بل قال لنا في كتابه العزيز: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، فإن لم يقنع بهذا حاكمه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالرد إليهما عند التنازع. قوله: "ولا غير ولي على صغير بالإضرار إلا لإضرار". أقول: وجه هذا أن قلم التكليف مرفوع عن الصغير فإذا رآه يعمل معصية من المعاصي فتلك إنما هي معصية بالنسبة إلى المكلفين لا إلى من لا تكليف عليه لكنه يحول بينه وبينها لأنه إذا اعتاد الإقدام عليها قبل التكليف هان عليه مقارنتها بعد التكليف والولي أقدم من غيره ثم أهل الولايات ثم سائر الناس وأما إذا أقدم الصغير والمجنون على بدن الغير أو على ماله وجب علينا الدفع عنه لأن بدنه وماله معصومان بعصمة الإسلام وترك الصبي أو المجنون يفعلان ذلك منكر لا بالنسبة إليهما بل بالنسبة إلينا ونحن مأمورون بإنكار المنكر بل يجب ذلك علينا ولو كان فاعله من غير بني آدم فإن الدابة إذا أقدمت على بدن المسلم أو ماله كان حقا علينا أن ندفعها عنه ونحول بينها وبينه حفظا لحرمته وحرمة ماله وقياما بما أوجب الله له علينا فإن لم يندفع الصبي أو المجنون أو الدابة إلا بالإضرار بهم كان ذلك واجبا علينا.

стр. 1071

[فصل ويدخل الغصب للإنكار ويهجم من غلب في ظنه المنكر ويريق عصيرا ظنه خمرا ويضمن إن أخطأ وخمرا رآها له أو لمسلم ولو بنية الخل وخلا عولج من خمر ويزال لحن غير المعنى في كتب الهداية وتحرق دفاتر الكفر إن تعذر تسويدها وردها وتضمن وتمزق وتكسر آلات الملاهي اللاتي لا توضع في العادة إلا لها وإن نفعت في مباح ويرد من المكسور ماله قيمة إلا عقوبة وبغير تمثال حيوان كامل مستقل مطلقا أو منسوج أو ملحم إلا فراشا أو غير مستعمل لا المطبوع مطلقا وينكر غيبة من ظاهره الستر وهي أن تذكر الغائب بما فيه لنقصه بما لا ينقص دينه قيل أو ينقصه إلا إشارة أو جرحا أو شكا ويعتذر المغتاب إليه إن علم ويؤذن من علمها بالتوبة ككل معصية] . قوله: "فصل: ويدخل الغصب للإنكار". أقول: وجه هذا أن النهي عن المنكر فرض وإذا لم يم إلا بدخول المنزل وجب ذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه وهذا المنزل الذي فيه المنكر إن كان لفاعلي المنكر فلا حرج في دخوله قط وإن كان لغيرهم فليس في دخوله من المعصية ما يوازن بعض ما في ترك إنكار المنكر من المعصية ولا شك ولا ريب أن مفسدة ترك إنكار المنكر يجب تقديمها على مفسدة دخول المكان الغصب لإجماع أهل العلم على تأثير أعظم المفسدتين على اخفهما فالقول بأن إنكار المنكر بالدخول معارض بمثله من دخول الغصب جمود وغفلة. قوله: "ويهجم من غلب في ظنه المنكر". أقول: أما مجرد الظن فلا يكفي في مثل هذا بل لا بد من العلم على ما فيه من التجسس المنهي عنه بنص القرآن الكريم ولكن لمصلحة إنكار المنكر أرجح من مصلحة ترك التجسس ومفسدة ترك إنكار المنكر أشد من مفسدة التجسس وأيضا يمكن الجمع بأن تحريم التجسس مقيد بعدم العلم بوقوع المنكر لأنه لا يسمى تجسسا إلا إذا كان فاعله على غير بصيرة من أمره وقد دخل ﷺ على حمزة لما جب أسنمة شارفي علي بن أبي طالب وقعد في بيته يشرب وتغنيه القينات كما هو ثابت في الصحيح. قوله: "ويريق عصير ظنه خمرا". أقول: وجهه كون ذلك مظنة للمنكر ولكن مجرد الظن لا يغني في مثل هذا بل لا يجوز الإقدام على الإراقة إلا بعلم فإذا علم بذلك وجبت عليه الإراقة لأن بقاء الخمر مع وجود من يجوز عليه شربها من الفسقة واجب وقد أمر رسول الله ﷺ بإراقة الخمور [البخاري "٥٥٨٢، ٥٥٨٣"] ، عند نزول تحريمها وفعل ذلك كل من عنده شيء منها فهذه سنة قائمة وشريعة ثابتة والقول بأن المحرم إنما هو شربها لا عينها كلام لا حاصل له ولا يدل عليه رواية ولا دراية

стр. 1072

وهذا القول بأن إراقتها عند نزول تحريمها إنما كان لقطع ذريعة شربها فإن هذا بعينه كائن في غير زمن الصحابة الذين هم خير القرون وهم أتقى لله من أن يكونوا مظنة لعدم امتثال ما قد نزل تحريمه عليهم من جهة الله سبحانه بل مثل هذه المظنة حاصل فيمن بعدهم من الفسقة المتمرئين على محارم الله عزوجل. واما قوله: "وخمرا رآها أو لمسلم" فوجهه ظاهر إذا كان على بصيرة ولم يكن ذلك بمجرد الظن. واما قوله: "ولو بنية الخل" فلا وجه له لأن هذا العصير لم يقصد به المعصية بل قصد به ما هو حلال جائز كما روي عنه ﷺ أن الخل خير الإدام [مسلم: "١٦٧/٢٠٥٢"، أبو داود "٢٨٢١"، النسائي "٣٨٠٥"] ، وهكذا قوله: "وخلا عولج من خمر"، فإنه لا وجه له لما ذكرناه والأمر في هذا ظاهر. قوله: "ويزال لحن غير المعنى في كتب الهداية". أقول: وجه هذا أن بقاءه لا سيما مع مظنة أن يعمل به عامل ممن ليس له بصيرة كاملة منكر يجب على الواقف عليه أن يغيره بحسب الإمكان ومثل هذا داخل تحت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه لم يخص صورة دون صورة ومن هذا قوله ويحرف دفاتر الكفر لأن بقاءها منكر لتجويز أن يقف عليها من يميل إلى شيء مما فيها وإذا أمكن تسويدها فقد حصل المطلوب ولم يبق فيها ما يجب قطع ذريعته وحسم مادته فإرجاعها لمالكها بعد التسويد متوجه لأنها باقية في ملكه وقد زال ما كان فيها من المنكر. قوله: "وتمزق وتكسر آلات الملاهي" الخ. أقول: وجه هذا هو ما قدمناه في إراقة الخمر وقد أخرج أحمد "٥/٢٥٧، ٢٦٨"، وغيره من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات - يعني البرابط - والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية"، ولا يخفاك أن محقها تكسيرها وتمزيقها وإذا كان هناك في مثل آلات هذه الملاهي التي هي أقل مفسدة من عين الخمر فإراقة الخمر ثابتة بالأولى كما قدمنا وفي إسناد هذا الحديث علي بن زيد الشامي وقد تكلم فيه بعض أهل العلم بما لا يوجب طرح روايته وترك العمل بما جاء من طريقه وأما كونه يرد من الكسور ماله قيمة فلا بد من تقييده بكونه لا يصلح لتجديد آلة أخرى لا كلا ولا بعضا. قوله: "وبغير تمثال حيوان كامل" الخ. أقول: الأدلة في تحريم التصوير كثيرة جدا وورد ما يدل على تغييرها على العموم سواء كانت تمثال حيوان أو غيره كما في حديث عائشة عند البخاري "١٠/٣٨٥"، وغيره قالت إن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئا فيها تصاليب إلا نقضه والتصاليب صور الصليب وفي لفظ في البخاري وغيره [أحمد "١٧/٢٨٥"] : "لم يكن يدع في بيته ثوبا فيه

стр. 1073

تصليب إلا نقضه"، وفي الصحيحين [البخاري "٥٩٥٤، ٥٩٥٧، ٥٩٦١"، مسلم "٢١٠٥"] ، وغيرهما من حديث عائشة أنها نصبت سترا وفيه تصاوير فدخل رسول الله ﷺ فنزعه قالت فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما وورد ما يدل على عدم تحريم تصوير غير الحيوان ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٢/٣٠٥، ٤٧٨"، وأبو داود "٤١٥٨"،والترمذي ٢٨٠٦"، وصححه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل الليلة فقال: إني كنت أتيتك الليلة البارحة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي في بابا لبيع يقطع حتى يصير كهيئة الشجرة"، الحديث فإن قوله: "حتى يصير كهيئة الشجرة"، يدل على جواز تصوير ما عدا الحيوان ومن ذلك ما في الصحيحين [البخاري "٢٢٢٥، ٥٩٦٣"، مسلم "٢١١٠"، وغيرهما من حديث ابن عباس وجاءه رجل فقال إني أصور هذه التصاوير فأفتني فيها؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل بكل صورة صورها نفسا يعذبه في جهنم فإن كنت لا بد فاعلا فاجعل الشجرة وما لا نفس له"، ولا يخفاك أن قوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفسا" يدل على أن هذا الوعيد هو في تصوير حيوان وأما قول ابن عباس فإن كنت لا بد فاعلا فاجعل الشجرة وما لا نفس له فليس هو من الرواية بل من قوله واقتصاره ﷺ في هذه الرواية على الوعيد على تصوير ما له نفس لا ينافي وجوب تقييد ما كان على غير صور الحيوانات من سائر المخلوقات كما يفيد ذلك ما تقدم من حديثي عائشة لكن حديث أبي هريرة المذكور قد دل على جواز تصوير الشجر فيمكن الجمع بأن التصالب فيها صورة حيوان وهكذا التصاوير المذكورة في حديث عائشة الآخر فيكون المنع متوجها إلى تصوير الحيوان فقط. وأما قوله: "أو منسوج أو ملحم" فوجهه أنه يصدق على ذلك أنه تصوير ولا يصلح لتخصيص بعض صور التصوير ما ورد عن بعض الصحابة من قوله إلا رقما من ثوب كما يصلح قول ابن عباس لتخصيص التحريم بما هو من الحيوانات. وأما قوله: "إلا فراشا" فوجهه ما تقدم في حديث عائشة أنها جعلت من الستر الذي نزعه رسول الله ﷺ وسادتين وكان رسول الله يرتفع عليهما وفي لفظ لأحمد ["٦/١٠٣"] : "فلقد رأيته متكئا على أحدهما وفيه صورة". قوله: "وينكر غيبة من ظاهره الستر" الخ. أقول: الغيبة قد تطابق على تحريمها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله عزوجل: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات: ١٢] ، فهذا نهي عام لكل ما يطلق عليه اسم الغيبة ثم ذكر الله سبحانه لذلك مثالا يؤكد تحريمها ويشدد إثمها فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات: ١٢] ، فإن لحم الإنسان مستكره من حيث الطبع للنوعية الواقعة بين الأفراد الإنسانية ولو كان لحم عدو فكيف وهو لحم أخ فكيف إذا كان ميتا. وأما السنة فإن الإحاديث الصحيحة القاضية بتحريم الغيبة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ومن ألفاظهما الثابتة في الصحيح [مسلم "٢٥٨٩"] ، أنه سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: "الغيبة ذكرك

стр. 1074

أخاك بما يكره"، فقال السائل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وأم لم يكن فقد بهته". وأما الإجماع على التحريم فقد نقله الثقات وإذا تقرر لك هذا فقد علمت أنها من أشد المنكرات وأعظم المحرمات فإنكارها على فاعلها واجب على كل مسلم وقد صحت أحاديث تحريم الأعراض كتحريم الدماء والأموال كما في حديث خطبة حجة الوداع [البخاري "١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧"، مسلم ١٦٧٩"، أبو داود ١٩٤٨"، ابن ماجة "٢٣٣"، أحمد "٥/٣٧، ٣٩، ٤٩" وغيره مسلم "٢٥٦٤"، الترمذي ط١٩٢٧"] ، وما لا يجوز من الغيبة وتكلمنا على كل صورة من الصور الست التي استثناها العلماء بما يشفي ويكفي مما لم يسبق إليه أحد فليرجع إلى ذلك إن شاء الله. وأما قوله: "لنقصه بما لا ينقص دينه" فلا يخفاك أن الأدلة قد دلت على تحريم ذكره بما يكره من غير فرق بين ما ينقص دينه وما لا ينقصه وما يزعمونه من أنه ورد حديث بجواز ذكر الفاسق بما فيه فليس لذلك أصل واستثناء بعض أهل العلم المجاهر بالمعاصي وعموم الأدلة وإطلاقاتها ترد عليه. وأما ما استدل به البعض وهو ما أخرجه الطبراني بلفظ: "حتى متى تورعون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يحذره الناس" فأين يقع هذا الحديث على فرض أن له إسنادا يثبت وكيف يخصص به الجبال الرواسي من الكتاب والسنة والإجماع على أنه لم يكن في لفظه ما يشابه ألفاظ النبوة التي أعطي صاحبها جوامع الكلم فلا يبعد أن يكون موضوعا ومن استروح إلى مثل هذا الدليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فقد استجره الشيطان إلى الوقوع في هذه المعصية العظيمة المعادلة لظلم الظالمين بسفك الدماء ونهب الأموال فهذا المغتاب قد صار في عداد الظالمين وفي المنزلة التي هم بها من الإثم والعقوبة بلا فائدة له ولا عائدة إلى غضب الله عليه وعقوبته له وأما الظلمة بسفك الدماء وأخذ الأموال فقد انتفعوا بظلمهم بالدنيا بالتشفي والانتفاع بالأموال وهذا البائس صار كما قال الشاعر: وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ... الأخرى ورحت عن الجميع بمعزل قوله: "الإشارة". أقول: وجه جواز ذلك أنه قد ثبت مشروعية المشاورة ثم مشروعية المناصحة وهي من جملة حقوق المسلم على المسلم كما ثبت ذلك في الصحيح ولكن ليس ها هنا ما يضطر هذا المشير إلى الغيبة فإنه يمكن القيام بذلك بدونها كأن يقول للمستشير لا أشير عليك بهذا أو لا تفعل كذا أو نحو ذلك وليس عليه زيادة على هذا فإن الدخول في اغتياب من وقعت فيه المشاورة فضول من المشير لم يوجبه الله عليه ولا تعبده به ولا ألجأته إليه الضرورة. قوله: "أو جرحا".

стр. 1075

أقول: وجه هذا إجماع المسلمين سابقهم ولاحقهم على جرح من يستحق الجرح من الرواة والشهود ولولا ذلك لوجد الكذابون إلى الكذب على رسول الله ﷺ مجالا واسعا وقالوا ما شاؤوا ووجد شهود الزور إلى أخذ أموال العباد طريقا قريبة ولكنه يجب التوقف من ذلك على قدر الحاجة فإن كفى الإجمال لم يجز للجارح أن يتعرض للتفصيل وإن لم يكف الإجمال كان له أن يأتيم أن التفصيل بما لا بد منه. قوله: "أو شكا". أقول: إن كان المشكو عليه ممن لا ينتفع به الشاكي ولا يرجو منه فائدة فليس ذلك بمسوغ للغيبة وإن كان ينتفع به ويرجو منه إراحته مما وقع فيه فهذا جائز وقد استثنى الله سبحانه ذلك في كتابه بقوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] . قوله: "ويعتذر المغتاب إليه إن علم". أقول: وجهه أن الغيبة مظلمة وجناية على عرض مسلم معصوم فالتوبة منها واجبة ولا يكون ذلك إلا بالتحلل من المظلوم والتضرع إليه بأن يعفو ولا وجه لقوله إن علم لأن المظلمة قد وقعت سواء علم أو لم يعلم فلا مخلص عنها إلا عفوه عنه. قوله: "ويؤذن من علمها بالتوبة ككل معصية". أقول: وجه ذلك أنه يدفع عن نفسه استمرار اعتقاد من علم منه ذلك بأنه ممن يجترىء على ما حرمه الله سبحانه من الغيبة تخليصا لهم من الاستمرار على اعتقاد قد زال سببه وتخليصا لنفسه من أن يكون محلا كذلك مخيرا عليه عاصيا لله بسببه وهكذا سائر المعاصي ومما يرشد إلى هذا ما ثبت ثبت في الصحيح [البخاري "٢٠٣٥، ٢٠٣٨، ٣١٠١"، مسلم "٢٤/٢١٧٥"، أبو داود "٢٤٧٠"] ، عنه ﷺ أنه قال لرجلين رأياه وهو يمشي مع بعض نسائه فقال لهما: "إنها فلانة"، فاستنكرا هذه المقالة منه ﷺ لأنه المعصوم عن كل ذنب المبرأ من كل شين فقال لهما: "خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما"، يعني فتظنان ظن السوء. [فصل ويجب إعانة الظالم على إقامة معروف أو إزالة منكر والأقل ظلما على إزالة الأكثر مهما وقف على الرأي ولم يود إلى قوة ظلمه ويجوز إطعام الفاسق وأكل طعامه والنزول عليه وإنزاله وإعانته وإيناسه ومحبته لخصال خير فيه أو لرحمة لا لما هو عليه وتعظيمه والسرور بمسرته في حال والعكس في حال لمصلحة دينية. وتحرم الموالاة وهي أن تحب له كل ما تحب وتكره له كل ما تكره فيكون

стр. 1076

كفرا أو فسقا بحسب الحال "ص بالله" أو يحالفه ويناصره انتهى. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين] . قوله: "فصل: ويجب إعانة الظالم على إقامة معروف أو إزالة منكر". أقول: قد قررنا فيما سبق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض الإسلامية وأهم الواجبات الدينية والظالم إذا قام بذلك فقد قام بحق وإذا احتاج إلى من يعينه على ذلك كانت إعانته واجبة لأنها إعانة على حق وقيام لأجل الحق لا لأجل الظالم نفسه ومعلوم أن الحق لا يخفى فهذا المعين للظالم على الحق قد دخل تحت قول المصنف فيما سبق فصل ويجب على كل مكلف الأمر بما علمه معروفا والنهي عما علمه منكرا لأنه مع حاجة الظالم القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى إعانته قد صار مكلفا بذلك لتكليفه به ابتداء فلا حاجة إلى ذكر هذه الصورة بخصوصها ها هنا ومن هذا القبيل إعانة الأقل ظلما من الفسقة على الأكثر ظلما إذا كان يندفع بهذه الإعانة ظلم الأكثر ظلما أو بعضه فإن هذا داخل تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما قوله: "مهما وقف على الرأي" فوجهه أنه إذا لم يقف على رأي المعينين له من المؤمنين خبط في الضلالة لكن ليس المطلوب إلا توقفه على رأيهم في نفس دفع ظلم الأكثر ظلما إلا في جميع أموره فإن المفروض أنه ظالم وعليهم الإنكار عليه في ظلمه الخاص به بما يجب عليهم وما يستطيعونه. وأما قوله: "ما لم يؤد إلى قوة ظلمه" فليس له كثير فائدة لأن المفروض أنه أقل ظلما وأنه يندفع بقيامه وإعانة المعينين له ظلم الأكثر ظلما أو بعضه فلو كانت هذه الإعانة مؤدية إلى قوة ظلمه بحيث يصير مثل الظالم الآخر أو أكثر ظلما منه كان في إعانته إنشاء ظلم لم يكن وإحداث منكر لم يقع وترك التعرض لذكر مثل هذا أقوم من التعرض لدفع منكر هو واقع لا بسبب إعانتهم لفاعله لأنهم مشاركون في هذا الظلم من التعرض لدفع منكر هو واقع لا بسبب إعانتهم لفاعله لأنهم مشاركون في هذا الظلم لا في ذاك. قوله: "ويجوز إطعام الفاسق وأكل طعامه". أقول: هذا الجواز معلوم لا شك فيه وقد جاز في الكفار قال الله عزوجل: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وقد أكل النبي ﷺ من طعام الكفار كما في الشاة التي أهدتها له اليهودية بعد أن طبختها لكن إذا كانت مؤاكلة الفاسق تؤدي إلى فتور المؤمن عن القيام بما يجب عليه إنكاره على الفاسق أو تؤدي إلى تجريء الفاسق على فسقه كان هذا وجها للمنع من هذه الحيثية لا من حيثية كونه فاسقا. قوله: "والنزول عليه" الخ. أقول: الدليل على من زعم أنه لا يجوز النزول على الفاسق ولا إنزاله ولا محبته فإنه رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم وما هو فيه من الفسق يجب إنكاره عليه بما

стр. 1077

يقتضيه الشرع باليد ثم باللسان ثم بالقلب وليس الممنوع إلا أن يحبه لأجل فسقه ومعصيته لا لأجل كونه رجلا من المسلمين ولا لأجل كونه رحما له وإذا كان مجرد الأخوة الإسلامية كافيا في جواز المحبة كان جوازها لخصال الخير والرحامة مما لا ينبغي أن يتردد فيه ولا يحتاج إلى النص عليه وقد قال الله سبحانه في الكفار: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحمة: ٨] ، الآية. قوله: "وتعظيمه والسرور بمسرته" الخ. أقول: هذا يكفي في جواز كون الفاسق رجلا من المسلمين كما قدمنا ومعلوم وجود الأخوة الإسلامية بين المطيع والعاصي من المسلمين وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، [البخاري "٢٤٤٢"، مسلم ط٢٥٨٠"، أبو داود "٤٨٩٣"، الترمذي "١٤٢٦"] ، والأحاديث [البخاري "٦٠٧٦"، مسلم ط٢٥٥٩"، أبو داود "٤٩١٠"، الترمذي "١٩٣٥"] ، في هذا الباب كثيرة وكذلك العمومات القرآنية. وبهذا تعرف أنه لا وجه لتقييد الجواز بقوله: "لمصلحة دينية" وإنما الممنوع أن يعظمه لمعصيته وفسقه أو يسر بما يسر من خصال الشر التي هي من معاصي الله سبحانه. قوله: "وتحرم الموالاة". أقول: هذه الموالاة للفاسق هي واجبة من حيث كونه رجلا من المسلمين ومن حيث كونه أخا للمؤمنين كما يدل على هذا الحديث المتقدم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وهو في الصحيح ومعناه ثابت في الكتاب والسنة ثبوتا لا يخفى ولا يتحقق عدم جواز الموالاة إلا في موالاته لأجل ما هو عليه من الفسق والفجور. وأما قول المصنف: "فيكون كفرا أو فسقا فتسرع إلى التكفير والتفسيق على غير بصيرة وهكذا لا تحرم محالفة الفاسق على حق ومناصرته حيث تحق المناصرة وذلك بأن يكون محقا فيما حولف به أو نوصر عليه وإنما الممنوع محالفته في باطل ومناصرته على ما هو عليه من الفسق, وبهذا تعرف أنه لا بد من التفصيل في جميع ما ذكره المصنف ها هنا فإن قلت: إذا التبس علينا ما هو المقصود من هذه المداخلة للفسقة والمحبة والموالاة والمحالفة والمناصرة؟ قلت: يجب علينا حمل ذلك على المحمل الحسن والمقصد الصالح فإن هذا مع كونه الواجب علينا بأدلة الكتاب والسنة هو أيضا من أسباب الفوز بخير الدنيا والآخرة. [وإلي هنا انتهي هذا المؤلف المسمي بالسيل الجرار المتدفق علي حدائق الأزهار بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله له وكان الفراغ منه في ضحوة يوم الجمعة لعله سلخ شهر محرم من شهور سنة خمس وثلثين بعد المئتين والألف من الهجرة النبوية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على رسوله خاتم المرسلين وعلي آله وصحبه الطاهرين] .

стр. 1078

[وكان فراغي من رقمه بعناية مؤلفه حماه الله تعالى وجزاه ثواب ما ابتغاه في آخر نهار الجمعة المبارك لعله تاسع شهر حمادي الآخرة من شهور سنة خمس وثلاثين. وأنا الفقير إلي رحمة الله الغني الرزاق، أحمد بن محسن إسحاق غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين. آمين] .