Полный текст (1 078 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
[فصل
وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه والمختلف فيه بعد الحكم مطلقا وقبله حيث تيقنه والوارث صغير أو موافق وإلا فلا وللموافق المرافعة إلى المخالف وما علمه وحده قضاه سرا فإن منع أو ضمن ضمن ويعمل باجتهاده ويصح الإيصاء منه لا النصب] .
قوله: "فصل: وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه" الخ.
أقول: وجه هذا أن الوصية من الموصي ليست بحكم على الغير يلزمه امتثاله فوصية كذلك لأنه مأمور من جهته فما كان مما لا نزاع فيه ولا خلاف ولا ضرار ولا مخالفة للشرع بوجه من الوجوه كان للوصي الإستقلال بفعله وما لم يكن كذلك لم يكن له إلا بحكم الحاكم لقطع الخلاف ودفع معرة النقض من بعد وليس كل مختلف فيه يحتاج إلى حكم الحاكم بل إذا كان مذهب الموصي والوصي هو وجوب التخلص من ذلك ولم يكن ثم منازع من وارث أو غيره كان له الإستقلال فهكذا ينبغي أن يقال وإذا كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه فإن لم يكن له ولي كان له عند بلوغه الدعوى على الوصي بماله فيه حق شرعي.
وأما كون للموافق المرافعة إلى المخالف فلا بد أن يكون على بصيرة بأن عند المخالف الصواب وبيده الحق وإن فعل ذلك كان الواجب علينا الأخذ على يده ومنعه من ذلك.
وأما قوله: "وما علمه وحده قضاه سرا" فوجهه أنه على بصيرة وقد أمره الوصي بالنيابة وأقامه مقامه فكان عليه أن يقضي ديونه الثابتة عليه بالشرع وأثبتها وأحقها بالقضاء ما كان الوصي يعلم به ويتيقنه وإذا نوزع رافع إلى الحاكم ليقطع عنه اللجج.
ولا وجه لقوله فإن منع أو ضمن ضمن بل ليس لأحد من الورثة منعه ولا تضمينه فيما هو معلوم لديه ومتيقن عنده وغاية ما يستحقه المخاصم له هو المرافعة إلى الحاكم فيحكم في ذلك بوجه الشرع ويقطع ما عرض بينهم من الخصومة.
قوله: "ويعمل باجتهاده".
أقول: إذا عرف للموصي قصد كان العمل عليه ووجب على الوصي امتثاله لأن التنجيز والتقييد هو عائد إلى أمره للوصي بالنيابة فليس له أن يفعل غير ما رسمه له الموصي إلا أن يأمره بما لا يحل فليس له الإمتثال كما تقدم ومع التباس الأمر عليه ووقوع الخلاف في الحادثة ترافع إلى حاكم الشرع فما قضى به عمل عليه وقد قدمنا ما يغني عن التكرار ها هنا.
وأما قوله: "ويصح الإيصاء منه" فوجهه أنه قد ثبت له التصرف فيما أقامه الموصي فيه مقامه فله أني جعله إلى الغير في حال حياته ويكون له بمنزلة الوكيل وله أيضا أن يوصي به بعد
стр. 1017
موته إلى وصيه وليس في الشرع ما يمنع من هذا فالأصل الجواز وبهذا تعرف أن له أن ينصب معه من يعينه على التنفيذ لأن الأمر قد صار إليه والتنفيذ قد تعين عليه وليس بهذا بأس ولا عنه مانع من رواية ولا دراية.
[فصل
ويضمن بالتعدي والتراخي تفريطا حتى تلف المال فإن بقي أخرج الصغير متى بلغ وعمل باجتهاد الوصي وبمخالفته ما عين من مصرف ونحوه ولو خالف مذهبه قيل إلا في وقت صرف أو في مصرف واجب أو شراء رقبتين بألف لعتق والمذكور واحدة به وبكونه أجيرا مشتركا وإنما يستحقها إن شرطها أو اعتادها أو عمل للورثة فقط وهي من رأس المال مطلقا ومقدمة على ما هو منه] .
قوله: "فصل: ويضمن بالتعدي".
أقول: التعدي سبب مستقل للضمان لأنه أمر بأمر فليس له أن يتعداه ولا يخالفه فإن فعل فقد اختار لنفسه ضمان ما تلف بسبب تعديه وهكذا إذا تراخى تفريطا لا لسبب من الأسباب فإن تراخيه تساهل منه ومخالفة لأمر الموصي يوجب عليه الضمان لأن التنجيز قد صار واجبا عليه وإن أراد الخلوص من الوصايا فعل قبل أن يفرط بالتراخي فيتلف مال الغير بسببه.
وأما قوله: "فإن فعل أخرج الصغير متى بلغ" فالذي ينبغي في هذا أن يقال قد بطلت وصايته بتعديه أو تفريطه فإن لم يتلف المال كان الأمر إلى الوارث كما سيأتي أن لكل وارث ولاية كاملة مع عدم الوصي فإن كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه وإلا ناب عنه الإمام أو الحاكم ولا وجه لانتظار لبلوغه ولا العمل باجتهاد الوصي وهكذا يضمن الوصي بمخالفة ما عين الموصي إذا تسبب عن ذلك تلف شيء من المال لأنه مأمور بأمر فمخالفته له سبب لضمانه.
وأما قوله: "وبكونه أجيرا مشتركا" فوجهه أنه قد صار بالأجرة أجيرا مع كونه وصيا فيضمن ضمان الأجير وقد قدمنا الكلام على ما صرح به المصنف من تقسيم الأجير إلى خاص ومشترك وإثبات أحكام لكل واحد منهما فليرجع إليه.
وأما كونه لا يستحق الأجرة إلا مع الشرط أو الإعتبار فذلك ظاهر أما مع الشرط فلكون الموصي قد رضي بذلك فكان عليه القدر المشروط من الأجرة وأما مع الإعتياد فلكون معاملته محمولة على ما جرت به عادته ولكن إذا لم يعلم بذلك الوصي لم يجب عليه ولا على وارثه دفع ما يعتاده من الأجرة بل يدفع إليه أجرة المثل.
وأما قوله: "أو عمل للورثة" فلا وجه له بل لا بد من الشرط عليهم أو الإعتياد للأجرة
стр. 1018
في مثل ذلك وإلا فالأصل عندهم في المنافع عدم العوض فكان عليهم هنا أن لا يجعلوا مجرد العمل للورثة سببا لاستحقاق الأجرة.
وأما دعوى أن أجرة الوصي من رأس المال ومقدمة على ما هو منه فكلام لم يربط بدليل ولا اقتضاه رأي صحيح وغاية ما هناك أن تكون أجرته من مخرج ما يباشر إخراجه وتنفيذه فما كان من الرأس كانت أجرته فيه من الرأس وما كان من الثلث كانت أجرته فيه من الثلث تنزيلا له منزلة المستحقين لشيء من التركة من دين لهم أو صرف إليهم.
[فصل
فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة في التنفيذ وفي القضاء والإقتضاء من جنس الواجب فقط ولا يستبد أحد بما قبض ولو قدر حصته ويملك ما شرى به ويرجعون عليه لا على أي الغريمين فإن لم يكونوا فالإمام ونحوه] .
قوله: "فصل: فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة".
أقول: القرابة لها زيادة اختصاص والورثة لهم أيضا مزيد خصوصية على سائر القرابة الذين لا يرثون ويدل على هذا ما أخرجه أحمد "٤/١٣٦، ٥/٧"، وابن ماجه "٢٤٣٣"، وابن سعد وعبد بن حميد وابن نافع والباوردي والطبراني في الكبير والضياء في المختارة بإسناد رجاله ثقات عن سعد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي ﷺ : "إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه"، فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة, قال: "فأعطها فإنها محقة".
وأما تقييد القضاء والإقتضاء والتنفيذ بكونه من جنس الواجب فوجهه ظاهر لأن في العدول عن الجنس مخالفة لقصد الموصي وقد يكون فيه مخالفة لغرض سائر الورثة.
وأما كونه لا يستبد أحد من الورثة بما قبض فوجهه واضح لأنه مشترك بين جميعهم ولا وجه لقوله ويملك ما شرى به ولكنه بنى على عدم تعين النقد فيملك ويغرم لهم مثله والظاهر أن لهم المطالبة بإرجاع عين النقد الذي قبضه لأنه فيما عدا نصيبه غاصب وقد قدمنا في الغصب ما قدمنا.
وأما قوله: "فإن لم يكونوا فالإمام والحاكم" فوجهه شمول ولايتهما بمثل هذا فإن تنفيذ وصايا الموصي بما يجب عليه التخلص عنه وبما يتقرب به من القرب حق عليهما لأن إهمال ذلك منكر والقيام به أمر بمعروف وهما أحق الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1019
[فصل
وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب ولو لوارث ومن المعدم بأن يبره الإخوان] .
قوله: "فصل: وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب".
أقول: التقرب إلى الله عزوجل بطاعاته مشروع لعباده في كل وقت وإليه وقع الترغيب بالآيات والأحاديث الكثيرة وحالة الوصية من جملة الأوقات التي تدخل تحت تلك الأدلة ولا سيما والموصى أحوج ما كان إلى التقرب بالبر والإحسان ومثل هذا لا يحتاج إلى الإستدلال عليه بمثل قوله: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم" الحديث المتقدم.
وأما اشتراط أن يكون ماله غير مستغرق بالدين فوجهه أن قضاء ما يجب قضاؤه أهم من التقرب بما لا يجب وألزم وأحق.
وأما التقييد بالثلث فإن كان له وارث فهو صحيح وإن لم يكن له وارث فله أن يجاوزه كما قدمنا تحقيقه.
قوله: "ولو لوارث".
أقول: إن كان الدليل على جواز الوصية للوارث هو ما ورد في القرآن من الوصية للوالدين والأقربين فقد وقع الإتفاق على أنه منسوخ غير ثابت الحكم والقول بأنه نسخ الوجوب وبقي الندب غير مسلم ولو سلمنا لكان ما ورد عنه ﷺ من أنه: "لا وصية لوارث"، رافعا لهذا الندب ودافعا له فإنه قد ثبت ذلك من طرق منها ما أخرجه أحمد "٤/١٨٢"، والنسائي "٦/٢٤٧"، والترمذي "٢١٢١"، وصححه وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لغامها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، ومنها ما أخرجه أحمد "٥/٢٦٧"، وأبو داود "٢٨٧٠"، والترمذي "٢١٢٠"، وابن ماجه "٢٧١٣"، وحسنه الترمذي من حديث أبي أمامة قال سمعت النبي ﷺ بقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، وما قيل من أن في إسناده إسماعيل بن عياش فقد تقرر عند الأئمة الحفاظ أنه قوي إذا روى عن الشاميين وهذا من روايته عن الشاميين لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة وقد صرح في روايته بالتحديث فلم يبق للحديث علة يعل بها ومنها ما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة"، وقد حسنه ابن حجر في التلخيص وقال في الفتح رجاله ثقات قال لكنه معلول فقد قيل أن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني وأخرج نحوه البخاري "٥/٣٧٢"، من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا قال: إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع انتهى. وقد تقرر أن الرفع
стр. 1020
زيادة غير منافية والعمل بها واجب فلا علة حينئذ للحديث ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة"، وفي إسناده مقال وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه "٢٧١٤"، وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد حكى ابن حجر عن الشافعي أنه قال وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث"، ويؤثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى.
ولا يخفاك أن هذا حكم على الحديث بأنه متواتر فلم يبق ما يوجب الإشتغال بالكلام على طرقه والعمل بالمتواتر واجب وهو ينسخ الكتاب العزيز إذا تأخر فلو قدرنا أن آية الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخها آية المواريث لكان هذا الحديث يكفي في نسخها وقد قدمنا لك أن الإتفاق كائن على أنها منسوخة إما بآية المواريق أو بالحديث وأيضا هذا الحديث يقيد ما ورد مطلقا في القرآن لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، وما ورد في السنة كالحديث الذي تقدم من قوله: "ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه"، وهكذا يقيد قوله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم"، وهكذا سائرها ورد في مشروعية الوصية مطلقا فلم يبق في المقام ما يقتضي التوقف عن إبطال الوصية للوارث وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة وكتبنا فيه أبحاثا مطولة في جوابات أسئلة
وذكرت في تفسيري ما ينبغي المراجعة له.
قوله: "ومن المعدم بأن يبره الإخوان".
أقول: وجه هذا أن ذلك قد يكون منشطا لهم إلى صلته بالدعاء وغيره وأيضا إذا قد وقعت منه الوصية لحقه ما وصل به لأن الوصية سعي فيدخل تحت قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وقد وردت الأدلة الكثيرة بأنه يلحق الإنسان أنواع من القرب وإن لم يوص وقد ذكرنا هذه الأنواع التي وردت بها الأدلة في شرحنا للمنتقى فليرجع إليه.
стр. 1021
كتاب السير
[فصل
ويجب على المسلمين شرعا نصب إمام مكلف ذكر حر علوي فاطمي ولو عتيقا لا مدعي سليم الحواس والأطراف مجتهد عدل سخي بوضع الحقوق في مواضعها مدبر
стр. 1022
أكثر رأيه الإصابة مقدام حيث يجوز السلامة لم يتقدمه مجاب وطريقها الدعوة ولا يصح إمامان] .
قوله: "فصل: يجب على المسلمين نصب إمام".
أقول: قد أطال أهل العلم الكلام على هذه المسألة في الأصول والفروع واختلفوا في وجوب نصب الإمام هل هو قطعي أو ظني؟ وهل هو شرعي فقط؟ أو شرعي وعقلي؟ وجاءوا بحجج ساقطة وأدلة خارجة عن محل النزاع والحاصل أنهم أطالوا في غير طائل ويغني عن هذا كله أن هذه الإمامة قد ثبت عن رسول الله ﷺ الإرشاد إليها والإشارة إلى منصبها كما في قوله: "الأئمة من قريش" وثبت كتابا وسنة الأمر بطاعة الأئمة ثم أرشد ﷺ الإستينان بسنة الخلفاء الراشدين فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين"، وهو حديث صحيح وكذلك قوله: "الخلافة بعدي ثلاثون عاما" [أحمد "٥/٢٢١"، الترمذي "٢٢٢٦"، أبو داود "٤٦٤٧"، ووقعت منه الإشارة إلى من سيقوم بعده ثم إن الصحابة لما مات رسول الله ﷺ قدموا أمر الإمامة ومبايعة الإمام على كل شيء حتى إنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه ﷺ ثم لما مات أبو بكر عهد إلى عمر ثم عهد عمر إلى النفر المعروفين ثم لما قتل عثمان بايعوا عليا وبعده الحسن ثم استمر المسلمون على هذه الطريقة حيث كان السلطان واحدا وأمر الأمة مجتمعا ثم لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الإختلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد بل هو إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله ﷺ إلى هذه الغاية فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم وتأمين سبلهم وإنصاف مظلومهم من ظالمه وأمرهم بما أمرهم الله به ونهيهم عما نهاهم الله عنه ونشر السنن وإماتة البدع وإقامة حدود الله فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية ودع عنك ما وقع في المسألة من الخبط والخلط والدعاوي الطويلة العريضة التي لا مستند لها إلا مجرد القيل والقال أو الإتكال على الخيال الذي هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ثم من أعظم الأدلة على وجوب نصب الأئمة وبذل البيعة لهم ما أخرجه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري بلفظ: "من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية"، ورواه الحاكم من حديث ابن عمر ومن حديث معاوية ورواه البزار من حديث ابن عباس.
وأما اشتراط أن يكون مكلفا فوجهه واضح لأن الصغير لا يصلح لتدبير أمور المسلمين بل لم يصلح لتدبير أمر نفسه فكيف يصلح لتدبير أمر غيره؟!
وأما كونه ذكرا فوجهه أن النساء ناقصات عقل ودين كما قال رسول الله ﷺ ومن كان كذلك لا يصلح لتدبير أمر الأمة ولهذا قال ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيح: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
стр. 1023
قوله: "حر".
أقول: أما الإمارة والسلطنة فلا مانع من ذلك ولا ورد في الشرع ما يدفعه بل ورد ما يقويه ويؤيده كما في الأحاديث الصحيحة المصرحة بطاعة السلطان كان عبدا حبشيا وقد أمر ﷺ مولاه زيد بن حارثة وكذلك ولده أسامة بن زيد على أكابر المهاجرين والأنصار كما ذلك معروف في كتب الحديث والسير وأما الإمامة فقد بين النبي ﷺ منصبها وصرح بما يصلح لها كما سيأتي.
قوله: "علوي فاطمي".
أقول: العلوي الفاطمي هو خيرة الخيرة من قريش وأعلاها شرفا وبيتا ولا ينفي ذلك صحتها في سائر بطون قريش كما تدل عليه الأحاديث المصرحة بأن: "الأئمة من قريش" وهي كثيرة جدا وإن لم تكن في الصحيحين بل عددها في كل مرتبة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم زيادة على عدد المتواتر والمتواتر قطعي ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين [مسلم ١٨١٩"، وغيرهما أحمد "٣/٣٨٣، ٣٧٩، ٣٨٣"] ، من طرق أن الناس تبع لقريش في الشر والخير وقد بين هذا الخير والشر بقوله ﷺ : "قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة"، كما في حديث عمرو بن العاص عند الترمذي "٢٢٢٧"، والنسائي وكما في حديث ابن عمر في الصحيحين [البخاري "٢١٩٥، ٧١٤٠"، مسلم "١٨٢٠"، وغيرهما أحمد "٢/٢٩، ٢/٩٣، ١٢٨"] ، بلفظ: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان"، وهو مروي من طريق غيره في الصحيح [البخاري "١٣/١١٣، ١١٤"] ، أيضا.
فهذه الألفاظ تدل على أن المراد الإمامة الإسلامية وأما أمر الجاهلية فقد انقرض ومن جملة ما يدل على هذا أحاديث: "الأئمة من قريش"، كما ذكرنا ومن جملة ما يدل على ذلك قوله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم ملك بعد ذلك"، وهو حديث حسن ومعنى الخلافة معنى الإمامة في عرف الشرع وهؤلاء الذين نص النبي ﷺ على خلافتهم هم الخلفاء الأربعة وليس المراد بالإمامة هنا هو المعنى اللغوي الشامل لكل من يأتم به الناس ويتبعونه على أي صفة كان بل المراد الإمامة الشرعية ومن هذا قول أبي بكر يوم السقيفة محتجا على الأنصار إن العرب لا تعرف هذا الأمر لغير هذا الحي من قريش [البخاري "٧/١٩، ٢٠"، أحمد "١/٥٥، ٥٦"] ، وقد حكى القاضي عياض والنووي الإجماع على أن الخلافة مختصة بقريش لا تجوز في غيرهم.
قوله: "سليم الحواس والأطراف".
أقول: وجهه أن المقصود بالولاية العامة هو تدبير أمور الناس على العموم والخصوص وإجراء الأمور مجاريها ووضعها مواضعها وهذا لا يتيسر ممن في حواسه خلل لأنها تقتضي نقص التدبير إما مطلقا أو بالنسبة إلى تلك الحاسة.
وأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها فإن الأعرج والأشل لا ينقص من تدبيره شيء
стр. 1024
ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك ومعلوم أنه لا يراد من مثل الإمام السباق على الأقدام ولا ضرب الصولجان ولا حمل الأثقال.
قوله: "مجتهد".
أقول: المقصود من نصب الأئمة هو تنفيذ أحكام الله عزوجل وجهاد أعداء الإسلام وحفظ البيضة الإسلامية ودفع من أرادها بمكر والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم وتأمين السبل وأخذ الحقوق الواجبة على اما اقتضاه الشرع ووضعها في مواضعها الشرعية فمن بايعه المسلمون وقام بهذه الأمور فقد تحمل أعباء الإمامة فإن انضم له إلى هذه الإمامة كونه إماما في العلم مجتهدا مطلقا في مسائله فلا شك ولا ريب أنه أنهض من الإمام الذي لم يبلغ رتبة الإجتهاد لأنه يورد الأمور ويصدرها عن علو ولكن لا دليل على أنه لا يولي الأمر إلا من كان بهذه المنزلة من الكمال وفي هذه الغاية القصوى من محاسن الخصال وليس النزاع في الأكمل ولا في الأفضل بل المراد فيمن يصلح لتولي هذا المنصب ومن قام بتلك الأمور ونهض بها فهو المراد من الإمامة والمراد بالإمام وعليه أن ينتخب من العلماء المبرزين المجتهدين المحققين من يشاوره في الأمور ويجريها على ما ورد به الشرع ويجعل الخصومات إلى أهل هذه الطبقة فما حكموا به كان عليه إنفاذه وما أمروا به فعله ومعرفة أهل هذه الطبقة لا يخفى على العقلاء الذين لا نصيب لهم في العلم فإنه لا بد أن يرفع الله لهم من الصيت والشهرة ما يعرف به الناس أنهم الطبقة العالية من جنس أهل العلم وليس للإمام إذا لم يكن مجتهدا أن يستبد بما يتعلق بأمور الدين ولا يدخل نفسه في فصل الخصومات والحكم بين الناس فيما ينوبهم لأن ذلك لا يكون إلا من مجتهد كما قدمنا من القضاء.
والحاصل أنه لا دليل في المقام يوجب علينا اشتراط اجتهاد الأئمة حتى يجب المصير إليه ولا إجماع حتى يكوت التعويل عليه وليس في المقام إلا مجرد المجادلة بمباحث راجعة إلى الرأي البحت كما يعرف ذلك من يعرفه وما أهون مثلها على المحققين من علماء الدين المتقيدين بالدليل المحكمين للشرع.
قوله: "عدل".
أقول: العدالة ملاك الأمور وعليها تدور الدوائر ولا ينهض بتلك الأمور التي ذكرنا أنها المقصودة من الإمامة إلا العدل الذي تجري أفعاله وأقواله وتدبيراته على مراضي الرب سبحانه فإن من لا عدالة له لا يؤمن على نفسه فضلا عن أن يؤمن على عباد الله ويوثق به في تدبير دينهم ودنياهم ومعلوم أن وازع الدين وعزيمة الورع لا تتم أمور الدين والدنيا إلا بها ومن لم يكن كذلك خبط في الضلالة وخلط في الجهالة واتبع شهوات نفسه وآثرها على مراضي الله ومراضي عباده لأنه مع عدم تلبسه بالعدالة وخلوه من صفات الورع لا يبالي بزواجر الكتاب والسنة ولا يبالي أيضا بالناس لأنه قد صار متوليا عليهم نافذ الأمر والنهي فيهم فليس لأهل الحل والعقد أن يبايعوا من لم يكن عدلا إذا قد اشتهر بذلك إلا أن يتوب ويتعذر عليهم العدول إلى غيره فعليهم أن يأخذوا عليه بأعمال العادلين والسلوك في مسالك
стр. 1025
المتقين ثم إذا لم يثبت على ذلك كان عليهم أمره بما هو معروف ونهيه عما هو منكر ولا يجوز لهم أن يطيعوه في معصية الله ولا يجوز لهم أيضا الخروج عليه ومحاكمته إلى السيف فإن الأحاديث المتواترة قد دلت على ذلك دلالة أوضح من شمس النهار ومن له اطلاع على ما جاءت به السنة المطهرة انشره صدره لهذا فإذا به يجتمع شمل الأحاديث الواردة في الطاعة مع ما يشهد لها من الآيات القرآنية وشمل الأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشمل الأدلة الواردة في أنه لا طاعة في معصية الله وهي كثيرة جدا لا تيسع لها إلا مولف بسيط.
قوله: "سخي بوضع الحقوق في مواضعها".
أقول: قد عرفناك أن هذا من مقاصد الإمامة ومن الأمور التي تراد بها ومثل هذا أن لا يأخذها إلا من مواضعها الشرعية ولا فائدة للتنصيص على جزئيات ما توحيه العدالة وتقتضيه فإنه إذا أخذ الشيء من غير موضعه كان ظالما والظالم ليس بعدل وإذا شح عن وضعه في موضعه كان أيضا ظالما لمن هو له والظالم ليس بعدل.
قوله: "مدبر أكثر رأيه الإصابة".
أقول: وجهه أن من لم يكن أكثر رأيه الإصابة هو في عداد الحمقى الذين لا يصلحون لتدبير أنفسهم فضلا عن تدبير سائر المسلمين.
والحاصل أنه إذا كان عاقلا متأنيا في الأمور متجنبا للعجل والحرد ومباشرة الأمور حال الغضب كان غالب تدبيره الإصابة ولا سيما إذا اقتدى بكتاب الله وسنة رسوله في المشاورة لأهل الرأي فإن الله سبحانه قد ندب إلى ذلك رسوله المعصوم فكيف لا يقتدي به غيره ويمتثل أمر الله سبحانه وثبت في الصحيح [مسلم "١٢/١٢٤"] ، "أن النبي ﷺ شاور الصحابة حين بلغه إقبال أبي سفيان"، وقد أطبق العقلاء حسن الإستشارة في الأمور ومعلوم أن اجتماع الرأي من رجلين أحزم من رأي الواحد نفسه فكيف إذا طابق على ذلك الرأي جماعة كما قال القائل:
ورأيان أحزم من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقض
وما أحسن قول القائل في المشورة:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أونصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي قوة للقوادم
قوله: "مقدام حيث تجوز السلامة".
أقول: لا بد أن يكون مع الإمام من قوة القلب وشدة البأس ما يحمله على مناجزة الأعداء ومثاغرة الخارجين على الإسلام فإن كان من الجبن بمكان يمنعه عن ذلك فقد أصيب بسبب هذه الغريزة التي يبغضها الله بفقدان أعظم المقاصد من إمامته لأنه يتنكب عن مواطن
стр. 1026
القتال ويضعف عن مصابرة النزال فيسري جبنه إلى غيره وتعم بذلك البلوى ويتسلط على المسلمين الأعداء ومع هذا فقد يحمله جبنه وضعف قلبه على عدم إقامة الحدود والقصاص والتنكيل بمن سعى في الأرض فسادا وضرب أعناق من أوجب الشرع ذلك عليه وإن كانوا عددا جما فمن كان معروفا بهذه الغريزة لا يجوز لأهل الحل والعقد أن يبايعوه وإذا ابتلوا بمبايعته فلا يجوز لهم أن يتابعوه في فشله وجبنه بل يقيمونه يوقومون معه فإن قعوده عن الحرب في الوقت الذي تحق فيه الحرب يفضي بالمسلمين إلى الضرر العظيم في أبدانهم وأموالهم وحرمهم.
قوله: "لم يتقدمه مجاب".
أقول: وجه هذا أنه إذا قد تقدمه من أجابه الناس وبايعوه فالثاني باغ خارج على الإمام وقد قدمنا أنها قد تواترت الأحاديث في النهي عن الخروج على الأئمة ما لم يظهر منهم الكفر البواح أو يتركوا الصلاة فإذا لم يظهر من الإمام الأول أحد الأمرين لم يجز الخروج عليه وإن بلغ في الظلم أي مبلغ لكنه يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الإستطاعة وتجب طاعته إلا في معصية الله سبحانه وقد ثبت في الصحيح [مسلم "٤٦/١٨٤٤"، عنه ﷺ الأمر بقتل الإمام الآخر الذي جاء ينازع الإمام الأول وكفى بهذا زاجرا وواعظا.
قوله: "وطريقها الدعوة".
أقول: طريقها أن يجتمع جماعة من أهل الحل والعقد فيعقدون له البيعة ويقبل ذلك سواء تقدم منه الطلب لذلك أم لا لكنه إذا تقدم منه الطلب فقد وقع النهي [البخاري "٦٦٢٢، ٦٧٢٢، ٧١٤٦، ٧١٤٧"، مسلم "١٦٥٢"] ، الثابت عنه ﷺ عن طلب الإمارة فإذا بويع بعد هذا الطلب انعقدت ولايته وإن أثم بالطلب هكذا ينبغي أن يقال على مقتضى ما تدل عليه السنة المطهرة ومن طريقها أيضا أن يعهد الخليفة الأول إلى الخليفة الآخر كما وقع من أبي بكر لعمر ولم ينكر ذلك الصحابة ومن طرقها أيضا أن ينص الإمام الأول على واحد من جماعة يتوالون عليه ويبايعونه كما فعل عمر إلى أولئك النفر من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه.
والحاصل أن المعتبر هو وقع البيعة له من أهل الحل والعقد فإنها هي الأمر الذي يجب بعده الطاعة ويثبت به الولاية وتحرم معه المخالفة وقد قامت على ذلك الأدلة وثبتت به الحجة.
قوله: "ولا يصح إمامان".
أقول: إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في
стр. 1027
أحدهما فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.
وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وف يالقطر الآخر أو الأقطار كذلك ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ولا يدرى من قام منهم أو مات فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمين وهكذا العكس فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها.
[فصل
وعلى من تواترت له دعوته دون كماله أن ينهض فيبحثه عما يعرفه وغيره عما لا يعرفه وبعد الصحة تجب طاعته ونصيحته أو بيعته إن طلبها وتسقط عدالة من أباها ونصيبه من الفيء ويؤدب من يثبط عنه أو ينفى ومن عاداه فبقلبه مخطىء وبلسانه فاسق وبيده محارب وله نصيبه من الفيء إن نصر.
والجهاد فرض كفاية ويخرج له ولكل واجب أو مندوب غالبا وإن كره الوالدان ما لم يتضررا] .
قوله: "فصل: وعلى من تواترت له دعوته" الخ.
أقول: قد أغنى الله عن هذا النهوض وتجشم السفر وقطع المغاوز ببيعة من بايع الإمام من أهل الحل والعقد فإنها قد ثبتت إمامته بذلك ووجبت على المسلمين طاعته وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين فإن هذا الإشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين أولهم وآخرهم سابقهم
стр. 1028
ولاحقهم ولكن التحكم في مسائل الدين وإيقاعها على ما يطابق الرأي المبني على غير أساس يفعل مثل هذا.
وإذا تقرر لك ما ذكرناه فهذا الذي قد بايعه أهل الحل والعقد قد وجبت على أهل القطر الذي تنفذ فيه أوامره ونواهيه طاعته بالأدلة المتواترة ووجبت عليهم نصيحته كما صرحت به أحاديث النصيحة لله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وأما قوله: "وبيعته" فقد عرفناك أنها السبب الذي ثبتت به الولاية ووجبت عنده الطاعة ولكن على كل مسلم في ذلك القطر أن يقبل إمامته بعد وقوع البيعة له ويطيعه في الطاعة ويعصيه في المعصية ولا ينازعه ولا ينصر من ينازعه فإن لم يفعل هكذا فقد خالف ما تواتر من الأدلة وصار باغيا ذاهب العدالة مخالفا لما شرعه الله ووصى به عباده في كتابه من طاعة أولي الأمر ومخالفا لما صح عن رسول الله ﷺ من إيجاب الطاعة وتحريم المخالفة كما عرفناك.
وأما كونه يسقط نصيبه من الفيء فلم يرد ما يرد على هذا لأنه رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم.
وأما قوله: "ويؤدب من يثبط عنه" فالواجب دفعه عن هذا التثبيط فإن كف وإلا كان مستحقا لتغليظ العقوبة والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط بحبس أو غيره لأنه مرتكب لمحرم عظيم وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء وتهتك عندها الحرم وفي هذا التثبيط نزع ليده من طاعة الإمام وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من نزع يده من طاعة الإمام فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت موتة جاهلية"، [مسلم "١٨٥١"، أحمد "٢/٧٠، ٨٢، ١٢٣، ١٣٣، ١٥٤"] .
وأما قوله: "ومن عاداه" إلخ فلا يخفاك أن الممنوع منه إنما هو المعصية له وترك الطاعة في غير المعصية والخروج عليه لما تواتر من الأحاديث كما عرفت ومن مقدمات الخروج عليه ما تقدم ذكره من التثبيط وتهييج الشر وإذكاء ناره وفتح أبوابه.
وأما كون له نصيبه من الفيء إن نصر فالظاهر أنه لا يسقط نصيبه وإن أثم بمجرد عدم النصرة وترك الطاعة كما تقدم.
قوله: "والجهاد فرض كفاية".
أقول: الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة أكثر من أن تكتب ها هنا ولكن لا يجب ذلك إلا على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عيني على كل مكلف وهكذا يجب على من استنفره الإمام أن ينفر ويتعين ذلك عليه ولهذا توعد الله سبحانه من لم ينفر مع رسوله الله ﷺ فقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩] . وعاتبهم لما تخلفوا عن رسول الله ﷺ فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، إلى آخر الآية وعلى استنفار الإمام يحمل قوله
стр. 1029
سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة: ٤١] ، ويدل على عدم وجوب الجهاد على الجميع قوله عزوجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] ، فتحمل هذه الآية على أنه قام بالجهاد من المسلمين من يكفي وأن الإمام لم يستنفر غير من قد خرج للجهاد وبهذا تعرف أن الجمع بين هذه الآيات ممكن فلا يصار إلى القول بالترجيح أو النسخ.
وأما قوله: "ولكل واجب" فوجه ذكره ها هنا استيفاء ما يجب الخروج له أو يندب وإن كره الولدان ما لم يتضررا ولا يخفاك أن الواجبات مختلفة فمنها ما لا يتم القيام به إلا بالخروج إليه كالجهاد والحج والهجرة ونحو ذلك وكل واحد من هذه وجوب الخورج له مقيد بقيود مشروطة بشروط هي مقررة في مواطنها وأما ضم الخروج للمندوبات إلى الخروج إلى الواجبات مع كراهة الأبوين فغير صواب لأن تجنب ما يكرهانه واجب فكيف يخرج للمندوب مع كراهتهما لخروجه وكيف يجوز ذلك وقد قال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه في صحيح [البخاري "٣٠٠٤"، وغيره مسلم "٢٥٤٩"، أحمد "٢/١٨٨، ٢/١٩٣، ١٩٧، ٢٢١"، النسائي "٦/١٠"، الترمذي "١٦٧١"] ، من حديث عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك؟ "، قال: نعم قال: "ففيهما فجاهد"، وأخرج أحمد "٢/١٦٠، ١٩٤، ٢٠٤"، وأبو داود ٢٥٢٨"، والنسائي "٧/١٤٣"،وابن حبان من حديثه أيضا أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أريد الجهاد معك ولقد أتيت وإن والدي يبكيان, قال: "فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما"، وأخرج أبو داود "٢٥٣٠"،وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال: "هل لك أحد باليمن؟ "، فقال: أبواي فقال: "أذنا لك"، قال: لا, قال: "ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما"، وأخرج أحمد "٣/٤٢٩"، والبيهقي والنسائي "٦/١١"، من حديث معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجيئتك أستشيرك, فقال: "هل لك من أم؟ "، قال: نعم فقال: "الزمها فإن الجنة عند رجليها".
وإذا كان هذا في الجهاد الذي هو سنام الدين وأساسه فما بالك بما عداه من الواجبات فضلا عن المندوبات وقد ذهب الجمهور إلى وجوب استئذان الوالدين للجهاد وجزموا بتحريمه إذا منعا منه أو أحدهما لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية.
[فصل
وإليه وحده إقامة الحدود والجمع ونصب الحكام وتنفيذ الأحكام وإلزام من عليه حق الخروج منه والحمل على الواجب ونصب ولاة المصالح والأيتام وغزو الكفار والبغاة إلى ديارهم وأخذ الحقوق كرها وله الإستعانة من خالص المال بما هو فاضل عن
стр. 1030
كفاية السنة حيث لا بيت مال ولا تمكن من شيء يستحقه أو استعجال الحقوق أو قرض يجد قضاءه في المستقبل وخشي استئصال قطر من أقطار المسلمين والإستعانة بالكفار والفساق حيث معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام وقتل جاسوس وأسير كافرين أو باغيين قتلا أو بسببهما والحرب قائمة وإلا حبس الباغي وقيد وأن يعاقب بأخذ المال وإفساده وعليه القيام بما إليه أمره وتسهيل الحجاب إلا في وقت أهله وخاصة أمره وتقريب أهل الفضل وتعظيمهم واستشارتهم وتهد الضعفاء والمصالح ولا يتنحى ما وجد ناصرا إلا لأنهض منه وأن يؤمر على السرية أميرا صالحا لها ولو فاسقا وتقديم دعاء الكفار إلى الإسلام غالبا والبغاة إلى الطاعة وندب أن يكرره عليهم ثلاثا وتنشر فيها الصحف وترتب الصفوف] .
قوله: "فصل: وإليه وحده إقامة الحدود".
أقول: لا شك أنه الأولى بذلك من غيره لعموم ولايته ولما كان عليه الأمر في أيام النبوة وأيام الخلفاء الراشدين وأما كونها إليه وحده لا يجوز لغيره إقامتها فغير مسلم وقد قدمنا في الحدود ما فيه كفاية وكذلك قدمنا في القضاء ما يغني عن الإعادة هنا.
وأما تنفيذ الأحكام فإن كان القاضي قادرا على إنفاذ ما حكم به فذلك إليه وإلا كان على الإمام بل وعلى كل قادر تنفيذ ما حكم به إذا كان جاريا على الحق موافقا للصواب لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا إلزام من عليه حق الخروج منه هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإمام أولى الناس بذلك ولكنه إذا تقاعد لم يسقط الوجوب على غيره من أهل القدرة على الإلزام.
قوله: "والحمل على الواجب".
أقول: أدلة الكتاب والسنة الكثيرة المتواترة قد دلت على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم وهذا هو أعظم أعمدة الدين وأقوى أساساته وأرفع مقاماته ولا شك أن الحمل على فعل الواجب يدخل تحت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا قام بذلك الإمام فهو رأس الأمة وصاحب الولاية العامة وكان قيامه مسقطا للوجوب على غيره وإن لم يقم فالخطاب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باق على كل مكلف يقدر على ذلك والعلماء والرؤساء لهم مزيد خصوصيته في هذا لأنهم رءوس الناس والمميزون بينهم بعلو القدر ورفعة الشأن وقد جاء الجلال في شرحه لهذا الكتاب في هذا الموضع بما هو سراب بقيعة وتعرض للكلام على ما كان له عنه مندوحة فإنه وقع في خلاف إجماع المسلمين وضرورة الدين.
وأما قوله: "ونصب ولاة المصالح والأيتام" فمثل هذا يكون إلى الحاكم كما يكون إلى الإمام بل يكون إلى كل صالح له من المسلمين ولم يرد ما يوجب اختصاصه بالإمام لا من دراية ولا رواية.
стр. 1031
قوله: "وغزو الكفار والبغاة إلى ديارهم".
أقول: أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله رسله وأنزل كتبه ومازال رسول الله ﷺ منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم.
وأما غزو البغاة إلى ديارهم فإن كان ضررهم يتعدى إلى أحد من أهل الإسلام إذا ترك المسلمون غزوهم إلى ديارهم فذلك واجب دفعا لضررهم وإن كان لا يتعدى فقد أخلوا بواجب الطاعة للإمام والدخول فيما دخل سائر المسلمين ولا شك أن ذلك معصية عظيمة لكن إذا كانوا مع هذا مسلمين للواجبات غير ممتنعين من تأدية ما يجب عليهم تركوا وشأنهم مع تكرير الموعظة لهم وإقامة الحجة عليهم وأما إذا امتنعوا من ذلك فقد تظاهروا بالبغي وجاهدوا بالمعصية وقد قال الله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، وقد أجمع الصحابة على العزيمة التي عزمها أبو بكر الصديق ﵁ من المقاتلة لمن فرق بين الصلاة والزكاة وسيأتي الكلام على صفة مقاتلة البغاة في الفصل الذي عقده المصنف لذلك.
وأما قوله: "وأخذ الحقوق كرها" فوجهه ظاهر واضح بل يجب عليه مقاتلتهم إذا لم يسلموها كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وهي قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" إلخ وقد دخل أخذ الحقوق كرها تحت ما تقدم من قوله وإلزام من عليه حق الخروج منه والحمل على الواجب لأنها أهم الحقوق الواجبة ومنعها ظلم لمن جعلهم الله مصرفا لها من الثمانية الأصناف.
قوله: "والإستعانة من خالص المال" الخ.
أقول: وجه هذا أن مع خشية استئصال الكفار لقطر من أقطار المسلمين مع وجود بيت مال المسلمين وعدم التمكن من الإقتراض واستعجال الحقوق قد صار الدفع عن هذا القطر الذي خشي استئصاله واجب على كل مسلم ومتحتم على كل من له قدرة على الجهاد أن يجاهدهم بماله ونفسه ومن الإستعداد له للجهاد كالباعة في الأسواق والحراثين تجب عليهم الإعانة للمجاهدين بما فضل من أموالهم فإن هذا من أهم ما أوجبه الله على عباده والأدلة الكلية والجزئية من الكتاب والسنة تدل عليه وعلى الإمام أن لا يدع في بيت المال صفراء ولا بيضاء ويعين بفاضل ماله الخالص ولكن الواجب أن يأخذ ذلك على جهة الإقتران ويقضيه من بيت مال المسلمين عند حصول ما يمكن القضاء منه لأن دفع ما ينوب المسلمين من النوائب يتعين إخراجه من بيت مالهم وهو مقدم على أخذ فاضل أموال الناس لأن أموالهم خاصة بهم
стр. 1032
وبيت المال مشتركا بينهم فإن كان لا يمكن القضاء من بيت المال في المستقبل فقد حق الوجوب على المسلمين كما قدمنا.
وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن هذه الإستعانة المقيدة بهذه القيود المشروطة باستئصال قطر من أقطار المسلمين هي غير ما يفعله الملوك في زمانك من أخذ أموال الرعايا زاعمين أن ذلك معونة لجهاد مؤلف قد منعوه ما هو مؤلف به من بيت مال المسلمين أو جهاد من أبي من الرعايا أن يسلم ما يطلبونه منه من الظلم البحت الذي لم يوجبه الشرع أو جهاد من يعارضهم في الإمامة وينازعهم في الزعامة فاعرف هذا فإن هذه المسألة قد صارت ذريعة لعلماء السوء يفتون بها من قربهم من الملوك وأعطاهم نصيبهم من الحطام ومع هذا ينسون أو يتناسون هذه القيود التي قيدها المصنف بها وفاء بأغراض من يرجون منه الأغراض والأمر لله العلي الكبير.
قوله: "والإستعانة بالكفار والفساق".
أقول: أما الإستعانة بالفساق فلا مانع منها لأنهم من جملة المسلمين ولم يرد ما يدل على أنه لا يستعان إلا بمن كان مؤمنا صحيح الإيمان غير ملابس للمعاصي وقد استعان النبي ﷺ بالمنافقين في كثير من حروبه وهم في الظاهر أشر من فساق المسلمين وفي البطان أضر من المعلنين بالشرك ولهذا كانوا في الدرك الأسفل من النار.
وأما الإستعانة بالكفار فلا تجوز على قتال المسلمين لأنه من تعاضد الكفر والإسلام على الإسلام وقبح ذلك معلوم ودفعه بأدلة الشرع لا يخفى وأما الإستعانة بالكفار على الكفار فقد وقع ذلك منه ﷺ في غير موطن ووقع منه الرد لمن أراد إعانته من المشركين على قتال المشركين وقال لهم: "إنه لا يستعين بمشرك"، [مسلم "١٥/١٨١٧"، أحمد "١٤/٤١"] ، ويمكن الجمع بأن الجواز مع الحاجة ورجاء النفع والرد مع عدمهما أو أحدهما فيكون ذلك مفوضا إلى نظر الإمام.
وأما قوله: "حيث معه مسلمون" إلخ فوجهه أنه ﷺ ما استعان بأحد من المشركين أو المنافقين إلا ومعه طائفة من خلص المسلمين.
قوله: "وقتل جاسوس وأسير كافرين أو باغيين".
أقول: أما الكفار فدماؤهم على الأصل الإباحة كما في آية السيف فكيف إذا نصبوا الحرب فظفر المسلمون بأسير أو جاسوس منهم فإنه يجوز للإمام قتلهما كما قتل ﷺ من قتل من أسرى بدر وكما فعل في بني قريظة [البخاري "٧/٤١١"] ، وحكما قال الله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ، وله المن أو الفداء كما قال الله عزوجل: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، فعرضت بهذا أنه لا وجه لقوله قتلا أو بسببهما فإنه لم يرد في الشرع ما يدل على هذا الإشتراط في حق الكفار أبدا وأما البغاة فدماؤهم معصومة بعصمة الإسلام لا يجوز قتلهم إلا دفاعا إذا صالوا على المسلمين وبغوا عليهم ولم يرد في الشريعة ما يدل على قتل أسيرهم ولا قتل جاسوسهم سواء كانت الحرب قائمة أم لا بل ورد ما يدل
стр. 1033
على أنه لا يقتل أسير البغاة كما سيأتي في الفصل الذي أفرده المصنف لذكر أحكام البغاة فإن كان الأسير أو الجاسوس من البغاة قد قتلا قتلا يوجب عليهما القصاص كان قتلهما قصاصا وهو باب آخر غير باب البغي.
وأما قوله: "أو بسببهما" فلا وجه له لأن التسبب للقتل لا يوجب القصاص كما تقدم في الجنايات.
والحاصل أن هذه المسألة مبنية على غير أساس من طرفيها جميعا والصواب ما ذكرناه فاعرفه.
وأما قوله: "وإلا حبس الباغي وقيد" فهذا إن رآه الإمام صلاحا كان ذلك جائزا لأنه قد استحق ببغيه ما يستحقه العصاة من التعزير ولو لم يكن إلا كفه عن البغي بحبسه حتى يصلح ويتوب.
قوله: "وأن يعاقب بأخذ المال أو فساده".
أقول: قد تقرر بالأدلة الثابتة في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة عصمة مال المسلم وتحريم أكله بالباطل وأنه لا يحل بطيبة من نفسه وأن أصل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم الحرمة فالواجب العمل على هذا الأصل والثبوت عليه وعدم الخروج عنه إلا بدليل ناهض يصلح للنقل فما ورد على وجه الصحة مما فيه العقوبة بأخذ المال أو إفساده كان مقصورا على محله لا يتعداه كما هو شأن ما ورد على خلاف القياس فضلا عن خلاف ما هو قطعي من قطعيات الشريعة هذا على فرض أنها لم تنسخ العقوبة بالمال وأنها ثابتة في تلك المواضع التي كان ورودها فيها وأما إذا كانت منسوخة فقد انقطع عرق مفسدتها وانهدمت ذريعتها وبطل حكمها وأراحنا الله من الإشتغال بها فإن هذه المسألة صارت ذريعة يتوصل بها إلى نهب أموال الرعايا ويصولون بها على من أنكر عليهم وقد تكررت مني الأبحاث فيها وأفردتها برسالة مستقلة فاشدد يديك على ما ذكرناه ولا تقبل إلا حجة صحيحة ثابتة عمن تقوم به الحجة فإنه لا يحجة فيما ورد عن بعض الصحابة ولا يجوز العمل به فيما لم يرد فيه دليل فكيف والدليل القطعي قائم بعصمة مال المسلم.
قوله: "وعليه القيام بما أمره إليه".
أقول: لما فرغ المصنف ﵀ من ذكر ما هو للإعلام من الرعية ذكر ما هو عليه ومن جملة ذلك القيام بما أمره إليه وقد تقدم ذكره مفصلا لأن ذلك هو الغرض المقصود من نصبه إماما.
وأما قوله: "وتسهيل الحجاب" فوجهه أنها لما كانت حوائج المسلمين متعلقة به وهم محتاجون إليه لدفع ما ينوبهم ورفع ما نزل بهم كان احتجابه إضرارا بهم وإهمالا لحوائجهم وهذا خلاف ما هو المقصود من إمامته والمطلوب من زعماته فلو لم يرد في النهي عن الإحتجاب شيء لكان هذا كافيا فكيف وقد وردت الأدلة المصرحة بأشد الوعيد عليه إذا احتجب
стр. 1034
عنهم كما في حديث أبي مريم الأزدي عند أبي داود والترمذي أن النبي ﷺ قال: "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتج دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة"، وأخرجه أيضا أحمد "٤/٢٣١"، والترمذي "١٣٣٢"، والحاكم من حديث عمرو بن مرة الجهني وهذا الوعيد عن الإحتجاب لا يختص بالإمام بل يعم كل من ولي شيئا من أمور المسلمين ولا يجب عليه استغراق الأوقات لأنه يحتاج إلى النظر في أمور المسلمين خاليا وتدبير ما يتعلق بهم ومفاوضة وقت طعامه وشرابه ونومه وما يمس حاجته إليه وقد أشار المصنف إلى بعض هذا بقوله: إلا في وقت حاجته وخاصة أمره.
قوله: "وتقريب أهل الفضل وتعظيمهم".
أقول: قد كان رسول الله ﷺ يجالس أكابر الصحابة ويشاورهم في أموره ويأذن لهم في أوقات لا يأذن لغيرهم فيها كما هو معروف بل كان رسول الله ﷺ يخلط نفسه بكثير من الصحابة ويجلس إلى أصل الصفة وهم فقراء المسلمين الذي لا أهل لهم ولا مسكن والأمر في هذا معلوم وفي تقريب أهل الفضل فوائد جليلة فيها أن الإمام يجري الأمور على ما عندهم من النظر فيما فيه صلاة المسلمين فإن فضلهم يقتضي ذلك وأما تعظيمهم فهو أيضا من حق المسلم على المسلم ومن تنزيل الناس منازلهم كما ورد بذلك الدليل الصحيح وأما استشارتهم فقد قدمنا الكلام على ذلك عند قوله أكثر رأيه الإصابة.
قوله: "وتعهد الضعفاء".
أقول: هذا من أهم الواجبات على الأئمة وأعظم معين عليه تسهيل الحجاب والبحث عن أحوالهم بثقات يرفعون حوائج المحتاجين إليه ويوصلون أغراضهم إلى مقامه وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يدور بالليل لمثل هذا المقصد فيأتي منازل الضعفاء والمحتاجين ويسألهم عن حالهم.
قوله: "ولا يتنحى ما وجد ناصرا إلا لأنهض منه".
أقول: الأنهضية هي باعتبار ما هو معظم المقصود من نصب الأئمة ومن ذلك حياطة المسلمين ودفع عدوهم والأخذ على يد ظالمهم وإنصاف مظلومهم وتأمين سبلهم وتفريق بيت مالهم فيهم على ما أوجبه الشرع فمن كان ناهضا بهذه الأمور ونحوها فيه يحصل مقصود الإمامة وينتفع الناس بولايته ويشملهم الأمن والدعة ويطيب عيشهم ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم وحرمهم وإن كان غيره أكثر علما منع أو أوسع عبادة أو أعظم ورعا فإنه إذا كان غير ناهض بهذه الأمور فلا يعود على المسلمين من علمه وعبادته وورعه فائدة ولا ينفعهم كونه مريدا للصلاح وإجراء الأمور مجاريها الشرعية مع عجزه عن ذلك وعدم قدرته على إنفاذه.
قوله: "وأن يؤمر على السرية أميرا صالحا لها".
أقول: صلاح أمير السرية أن يكون عارفا بقيادة الجيش بصيرا بترتيب المحاربين في مواطن
стр. 1035
الحرب ثابت القدم عند ملاحمة القتال قوي القلب واسع الصدر حسن التدبير خبيرا بالكيفية التي يكون بها رجاء انتصار الجيش يقدم إذا وجد الإقدام مغنما يحجم إذا رأى الإحجام حزما وقد كان رسول الله ﷺ لا يبعث سرية قليلة ولا كثيرة إلا وجعل عليها أميرا كما هو معلوم من كتب الحديث والسير.
وأما قوله: "ولو فاسقا" فإن اقتضت ذلك الضرورة ودفعت إليه الحاجة فلا بأس ويأخذ عليه الإمام ما يخشى على الجيش من جهة فسقه ويأخذ على الجيش أن لا يطيعوه في معصية الله وفي الصحيحين [البخاري "٨/٥٨"، مسلم "١٨٤٠"، وغيرهما أبو داود "٢٦٢٥"، النسائي "٤٢٠٥"، أحمد "١/٨٢، ٩٤، ١٢٤"] ، من حديث علي قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له وييطعوا فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى قال: فادخلوها, فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار, فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فقال: "لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا"، وقال: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف".
قوله: "وتقديم دعاء الكفار إلى الإسلام".
أقول: كان على المصنف أن يزيد على هذا فيذكر أنهم إذا أبوا دعاهم إلى الجزية والأحاديث الواردة في توصيته ﷺ لأمراء الجيش أن يقدموا الدعوة على الحرب كثيرة جدا حتى أخرج أحمد "١/٢٣١، ٢٣٦"، وأبو يعلى والحاكم والطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط إلا دعاهم وأخرج أحمد وأبو داود "٣٩٨٨"، والترمذي "٣٢٢٢"، وحسنه من حديث فروة ابن مسيك قال: قلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي ومدبرهم؟ قال: "نعم"، فلما وليت دعاني فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام".
وإذا رأى الإمام في ترك الدعوة صلاحا فعل فقد ثبت في الصحيحين [البخاري "٢٥٤١"، مسلم "١/١٧٣٠"، وغيرهما أبو داود "٢٦٣٣"] ، من طريق نافع لما كتب إليه ابن عون يسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إليه إنما كان ذلك في أول الإسلام وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث ثم قال نافع حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش وأخرج البخاري "٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠"، وغيره عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله ﷺ رهطا من الأنصار إلى أبي رافع فدخل عبد الله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم وفي الصحيحين [البخاري "٣٠١٢"، مسلم "٢٦/١٧٤٥"، وغيرهما أحمد "٤/٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣"ن أبو داود "٢٦٧٢"، الترمذي "١٥٧٠"، ابن ماجة "٣٨٣٩"] ، من حديث الصعب بن جثامة أن رسول الله ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال:
стр. 1036
"هم منهم"، وقد جمع بين هذه الأحاديث وما ورد في معناها بأنه يجب تقديم الدعوة لمن لم يبلغهم الدعوة ولا يجب إن كانت قد بلغتهم ولكنها تستحب فقط قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم.
وهكذا تقديم الإمام دعاء البغاة عليه إلى الرجوع إلى طاعته لأنهم بغوا بسبب الخروج من طاعته فإن لم يرجعوا إلى الطاعة التي أوجبها الشرع للأئمة فقد بغوا وقد قال الله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] .
وأما كون الدعاء يندب أن يكون عليهم ثلاثا فلا دليل على ذلك وإن كان التكرير أبلغ في المعذرة وأدخل في الإنذار.
قوله: "وتنشر فيها الصحف".
أقول: هذه بدعة لم يرد بها الشرع ولكنه إذا رأى الإمام أن في ذلك مزيد تأثير من بغي وارعواء من فارق الحق فلا بأس به لأنها قد ترتبت عليه مصلحة.
وأما ما ذكره من ترتيب الصفوف فذلك أمر يرجع إلى الممارسين للحرب العارفين بما فيه رجاء الغلب وتمام النصرة فإن كان ترتيب المجاهدين صفوفا هو الذي يقتضيه التدبير أمر الإمام بذلك وإن كان الأنفع جعلهم كراديس أو تفريقهم في الجوانب أو خروج بعضهم إلى القتال ووقوف البعض الآخر ردءا له فعل ذلك.
[فصل
فإن أبوا وجب الحر بإن ظن الغلب فيفسق من فر إلا متحيزا إلى فئة ردءا أو منعة وإن بعدت أو لخشية الإستئصال أو نقص عام للإسلام.
ولا يقتل فان ومتخل وأعمى ومقعد وصبي وامرأة وعبد إلا مقاتلا أو ذا رأي أو متقي به للضرورة لا بمسلم إلا لخشية الإستئصال وفيه الدية والكفارة ولا يقتل ذو رحم رحمه إلا مدافعة عن نفسه أو غيره أو لئلا يحقد من قتله] .
قوله: "فصل: فإن أبوا وجب الحرب إن ظن الغلب".
أقول: هذا هو الذي ثبت في الأدلة الصحيحة الثابتة عنه ﷺ أنه كان يأمر أمراء الجيش بالدعوة إلى الإسلام أو الجزية فإن أبوا قاتلوهم وأما تقييد ذلك بظن الغلب فلم يرد ما يدل عليه بل يجب القتال مع تجويز أن يكونوا غالبين أو مغلوبين والحرب سجال:
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا
وأما إذا علموا بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا
стр. 1037
عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام وقد استدل على ذلك بقوله عزوجل: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها وإن كان السبب خاصا فإن سبب نزولها أن الأنصار لما قاموا على زرائعهم وإصلاح أموالهم وتركوا الجهاد أنزل الله في شأنهم هذه الآية كما أخرجه أبو داود "٢٥١٢"،والنسائي والترمذي "٢٩٧٢"، وصححه والحاكم أيضا وقد تقرر في الأصول أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة.
قوله: "فيفسق من فر" الخ.
أقول: قد ثبت أن الفرار من موبقات الذنوب كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، [البخاري "٢٧٦٦، ٥٧٦٤، ٦٨٥٧"، مسلم "٨٩"، أبو داود "٢٨٧٤"] ، ثم عد منهن "التولي يوم الزحف"، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٥] ، وناهيك بمعصية يبوء صاحبها بغضب الله عليه ولكن لا بد أن يكونوا كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم نزلت الآية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [النفال ٦٦] ، الآية فكتب أن لا يفر مائة من مائتين فإذا كان المسلمون مثل نصف المشركين حرم عليهم الفرار وإلا كان جائزا وقد استثنى الله سبحانه المتحرف للقتال والمتحيز إلى فئة فليس هذا من الفرار المحرم والفئة تكون ردءا وتكون منعة كما قال المصنف ولهذا قال رسول الله ﷺ للطائفة التي فرت إليه: "أنا فئتكم" كما في حديث ابن عمر عند أحمد "٢/٥٨، ٧٠، ٩٩، ١٠٠"، وأبي داود "٢٦٤٧"،وابن ماجه والترمذي "١٧١٦"، وحسنه وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف.
وأما قوله: "أو لخشية الإستئصال أو نقص عام" فوجهه أن المصابرة والإقدام على القتال مع أحد الأمرين يعود على المسلمين بالوهن والضعف وقد وقع الفرار في أيام النبوة في غير موطن وعذرهم رسول الله ﷺ حيث كانوا قد خشوا مثل ذلك بل سمى رسول الله ﷺ رجوع خالد بن الوليد واستخراجهم من ملاحمة المشركين فتحا والقصة معروفة في كتب السير والحديث وكان ذلك بعد أن قتل أمير الجيش وهو زيد بن حارثة ثم الأمير الذي بعده وهو عبد الله بن رواحة ثم أخذ الراية خالد ورجع بالمسلمين.
قوله: "ولا يقتل فان" الخ.
أقول: وجهه ما أخرجه أبو داود "٢٦١٤"، من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة"، وفي إسناده خالد بن الفرز وفيه مقال وأخرج أحمد "١٤/٦٥" من حديث ابن عباس بلفظ: "ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع"، وفي إسناده إبارهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة
стр. 1038
وهو ضعيف ووثقه أحمد وفي الصحيحين [البخاري "٦/١٤٨"، مسلم "٢٤، ٢٥/١٧٤٤"، وغيرهما الترمذي "١٥٦٩"، أبو داود "٢٦٦٨"، ابن ماجة "٢٧٤١"، أحمد "٢/١٢٢، ١٢٣"] ، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان وأخرج [أحمد "٣/٤٨٨"، وأبو داود "٢٦٦٩"، والنسائي وابن ماجه "٢٨٤٢"] ، وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث رباح بن ربيع عنه ﷺ : "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا"، وأخرج أحمد "٣/٤٣٥"، بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن كعب بن مالك عن عمه قال نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان وأخرج أحمد ٥/١٢، ٢٠"، أيضا بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث الأسود بن سريع قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتلوا الذرية في الحرب"، وأخرج أحمد "والترمذي وصححه من حديث سمرة بلفظ: "لا تقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم". وأخرج البيهقي من حديث علي نحو حديث ابن عباس وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جرير نحوه أيضا.
فهذه الأحاديث قد دلت على المنع من قتل الشيخ الفاني والمتخلي للعبادة والنساء والصبيان والعسيف وهو الأجير ولا بد أن يكون الشيخ فانيا لا إذا بقي له قوة بحيث يقدر على القتال فإنه يقتل وإن لم يقاتل كما يدل عليه حديث سمرة المذكور ولكن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة وقد مر غير مرة أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وأيضا في إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال مشهور والأولى أن يقال إن وصف الشيخ بكونه فانيا مقيد بما أطلق فيه ذكر الشيخ فيحمل المطلق على المقيد ولا يحرم إلا قتل الشيخ الفاني ولم يرد ما يدل على عدم جواز قتل الأعمى والمقعد إلا أنهما بمنزلة الشيخ في عدم القدرة على القتال فيجوز إلحاقهما به.
وأما العبد فلم يرد ما يدل على عدم جواز قتله وقد كان المسلمون يقتلون من قاتل من المشركين من أحرارهم وعبيدهم وقد يكون للعبد مزيد تأثير في القتال على الأحرار كما كان من وحشي يوم أحد ولا يصح قياسه على العسيف لأن العسيف لايقاتل وإنما هو لحفظ المتاع والدواب وإن قاتل جاز قتله ولهذا قال المصنف: "إلا مقاتلا" فمن قاتل من هؤلاء جاز قتله.
وأما جواز قتل ذي الرأي فلم يرد ما يدل عليه بعد اتصافه بوصف ما يوجب عدم جواز قتله من كونه شيخا أو متخليا للعبادة أو امرأة إلا أن يقال إن لحوق الضرر بالمسلمين بما يصدر عنه من الرأي فقد يكون أشد من مقاتلة المقاتل ولكن هذا رأي مجرد والتخصيص للأدلة بمجرد الرأي لا يصح عند المنصفين.
قوله: "أو متقى به للضرورة".
أقول: الوجه في قتل الترس ما يلحق المسلمين من الضرر بتركه فإن الكفار لو جعلوا من لا يبيح الشرع قتله منهم تروسا لهم ليحصنوا أنفسهم من سهام المسلمين ورماحهم وكان يخشى من مخالطتهم للمسلمين بالقتال أن يكثر القتل في المسلمين أو يغلبوا جاز قتل الترس دفعا للمفسدة العظيمة بمفسدة دونها بمراحل وأدلة الشريعة الكلية تقتضي هذا وأما إذا كان الترس
стр. 1039
مسلما وخشي استئصال المسلمين لمخالطة الكفار لهم بالقتال وملاحمتهم لهم فلا شك أن قتل واحد أو جماعة أهون من استئصال جيش المسلمين وإدخال الوهن على كل مسلم في الأقطار الإسلامية فهذا أهون من دفع المفسدة الكبيرة بمفسدة صغيرة وفي الشر خيار ولكن لا يكتفى في ذلك بمجرد الظنون الكاذبة والخيالات المختلة فإن خطر قتل المسلم عظيم بل لا بد أن يكون خشية الاستئصال مما تتفق عليه عقول أهل الرأي والتجارب.
وأما لزوم الدية فوجهه واضح لأن المقتول مسلم لا يهدر دمه وهكذا لزوم الكفارة على ما قد مر تحقيقه في موطنه.
قوله: "ولا يقتل ذو رحم رحمه".
أقول: الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة قد دلت دلالة أوضح من الشمس على قتل المشركين ولم يثبت في المنع من قتل ذي الرحم لرحمه ما تثبت به الحجة قط حتى يصلح لتخصيص الأدلة الصحيحة ومع هذا فهو معارض بمثله فيجب الرجوع إلى ما ثبت في القرآن والسنة فاعرف هذا فليس ها هنا ما يوجب التخصيص ولا التقييد.
[فصل
ويحرق ويغرق ويخنق أن تعذر السيف وخلوا عمن لا يقتل وإلا فلا إلا للضرورة ويستعين بالعبيد للضرورة ولا ضمان عليه لا غيرهم من الأموال فيضمن وترد النساء مع الغنية] .
قوله: "فصل ويحرق إلخ".
أقول: قد أمر الله بقتل المشركين ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا فلا مانع من قتلهم بكل سبب للقتل من رمي أو طعن أو تغريق أو هدم أو دفع من شاهق أو نحو ذلك ولم يرد المنع إلا من التحريق فقد ثبت في صحيح البخاري ["٦/١٤٩"، وغيره أبو داود "٢٦٧٤"، الترمذي "١٥٧١"، أحمد "٢/٣٠٧، ٣٣٨، ٤٥٣"،] ، من حديث أبي هريرة قال بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانا وفلانا - لرجلين - فأحرقوهما بالنار"، ثم قال حين أردنا الخروج: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما"، فهذا الحديث قد دل على منع التحريق على كل حال فإن النبي ﷺ قال بعد الأمر بإحراق رجلين مشركين قد بالغا في الأذى لرسول الله ﷺ واستحقا القتل ثم علل ذلك بهذه العلة التي تفيد أنه لا يجوز التحريق بالنار لأحد من عباد الله سواء كان مشركا أو غير مشرك وإن بلغ في العصيان والتمرد على الله أي مبلغ فما وقع من بعض الصحابة محمول على أنه لم يبلغه الدليل.
стр. 1040
وبما ذكرناه تعرف أنه لا وجه لقول المصنف إن تعذر السيف ومن جملة ما لا يجوز أن يكون القتل به المثلة لثبوت النهي عنها في الأحاديث الكثيرة فيكون ذلك مخصصا لأدلة قتل المشركين على كل حال وبكل سبب من أسباب القتل وأما حديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فالمراد بالإحسان ترك التعذيب وتعجيل ما يحصل به الموت وليس ذلك مختصا بقتل السيف.
وأما قوله: "وخلوا عمن لا يقتل" فوجهه ما تقدم من النهي عن قتلهم فإذا لم تدع الضرورة إلى ما يعم من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله كان الواجب اجتناب قتل من لا يجوز قتله وترك السبب الذي لا يمكن فيه تخصيص من يجوز قتله ومن لا يجوز كالرمي بالمنجنيق والمدافع وما يشابه ذلك وقد قدمنا ما يدل على جواز تبييت الكفار وهو سبب يعم من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله وبهذا تعرف صحة قول المصنف من التقييد بقوله إلا للضرو.
قوله: "ويستعين بالعبيد للضرورة".
أقول: إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم وجب على المالكين لهم أن يأذنوا لهم بذلك ولا يجوز لهم أن يمتنعوا من الإذن فإن العبيد من جملة أموال المسلمين وقد تقدم في الاستعانة من خالص المال ما تقدم وليس للإمام أن يستعين بهم من غير إذن المالكين لهم وعلى هذا يحمل رد من رده رسول الله ﷺ منهم.
وأما قوله: "ولا ضمان عليه" فظاهر وقوله: "لا غيرهم من الأموال" فقد أغنى عنه ما تقدم في الاستعانة بخالص المال بتلك الشروط.
قوله: "وترد النساء مع الغنية".
أقول: أخرج البخاري "٦/٨٠"، وغيره أحمد "٦/٣٥٨"، من حديث الربيع بنت معوذ قال كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وأخرج مسلم "١٤٢/١٨١٢"، وغيره ابن ماجة "٢٨٥٦"، من حديث أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم وأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على الزمني وأخرج مسلم أيضا وغيره عن أنس قال كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى.
فهذه الأحاديث تدل على جواز خروجهن مع الغزاة لا سيما إذا كان لهن حاجة في ذلك ولا ينافي هذا ما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة أنها قالت: قلت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" فإنه إنما يدل على أن أفصل الجهاد الحج المبرور وهو غير محل النزاع.
стр. 1041
[فصل
ويغنم من الكفار نفوسهم إلا المكلف من مرتد ولو أنثى وعربي ذكر غير كتابي فالإسلام أو السيف وأموالهم ولا يستبد غانم بما غنم ولو طليعة أو سرية بقوة ردئهم إلا بشرط الإمام أو تنفليهم فلا يعتق الرحم ونحوه ومن وطيء ردها وعقرها وولدها ولا حد عليه ولا نسب وللإمام قيل ولو غائبا الصفي وهو شيء واحد ثم يقسم الباقي بعد التخميس والتنفيل بين ذكرو مكلفين أحرار مسلمين قاتلوا وكانوا ردءا ولم يفروا قبل إحرازها للراجل سهم ولذي الفرس لا غيرها سهمان إن حضر بها ولو قاتل راجلا ومن مات أو أسر أو ارتد بعد الإحراز فلورثته ويرضخ وجوبا لمن حضر من غيرهم ولا يطهر بالاستيلاء إلا ما ينجس بتذكيتهم أو رطوبتهم ومن وجد ما كان له فهو أولى به بلا شيء قبل القسمة وبعدها بالقيمة إلا العبد الآبق] .
قوله: "فصل: ويغنم من الكفار نفوسهم".
أقول: هذا معلوم من أدلة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين سابقهم ولاحقهم وأما استثناء المرتد فوجهه قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، وقوله: " لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث"، والحديثان صحيحان مشهوران وإنما لم يجز استرقاقه لأنه لما خرج من دين الإسلام كان علينا إرجاعه إليه أو قتله ولهذا يقول الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، فإذا ابتغى أن يبقى على الكفر الذي خرج عليه بعد أسره ويصير عبدا لمن أسره لم يقبل منه ذلك.
قوله: "وعربي ذكر غير كتابي".
أقول: الأدلة الصحيحة قد دلت على جواز استرفاق الكفار من غير فرق بين عربي وعجمي وذكر وأنثى ولم يقم دليل يصلح للتمسك به فقط في تخصيص أسراء العرب بعدم جواز استرقاقهم بل الأدلة قائمة متكاثرة على أن حكمهم حكم سائر المشركين وقد سبى ﷺ جماعة من بني تميم وأمر عائشة أن تعتق منهم وبالغ ﷺ فقال: "من فعل كذا فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل"، وقال لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
والحاصل أن الواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة من التخيير في كل مشرك بين القتل والمن والفداء والاسترقاق فمن ادعى تخصيص نوع منهم أو فرد من أفرادهم فهو مطالب بالدليل وأما ما يروى من أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لو كان الاسترقاق على العرب جائزا لكان اليوم وإنما هو أسر"، فلم يصح هذا من وجه بل في إسناده من هو غاية في الضعف".
وأما أسر نساء العرب فالأمر أظهر من أن يذكر الوقائع في ذلك ثابتة في كتب الحديث
стр. 1042
الصحيحين [البخاري "٥/١٧٠"، مسلم "١/١٧٣٠"، وغيرهما وفي كتب السير جميعها ولهذا قيد المصنف العربي بكون ذكرا ولا وجه لقوله غير كتابي لأنه إذا كان استرقاق العربي الذي ليس بكتابي غير جائز عنده فكيف يجوز استرقاق من له مزية مع كونه عربيا لا توجد في سائر من ليس بكتابي من العرب وهو كونه متبعا شريعة مقتديا بنبيه فإنه أولى بالاحترام من عابد الوثن.
قوله: "وأموالهم".
أقول: ليس في هذا خلاف وأدلة الكتاب والسنة مصرحة بذلك.
وأما قوله: "ولا يستبد غانم" بما غنم فوجهه أن الغنيمة جعلها الله للغانمين وفوض قسمتها إلى نظر رسول الله ﷺ ومن بعده إلى أئمة المسلمين فاستبداد أحد القائمين بما غنمه خلاف ما شرعه الله لعباده وخيانة المسلمين وغلول للغنيمة وكل ذلك قبيح قد دلت الأدلة على منعه وتحريمه وإثم صاحبه ويخرج من ذلك ما ورد الترخيص فيه كما في حديث ابن عمر عند البخاري "٦/٢٥٥"، وغيره أبو داود "٢٧٠١"، قال كنا نصيب فيمغازينا العسل والعنب فناكله ولا نرفعه وما أخرجه مسلم [البخاري "٧/٤٨١"، مسلم "٧٢/١٧٧٢"، وغيره أبو داود "٢٧٠٢"، أحمد "٤/٨٦، ٥/٦٥"، النسائي "٤٤٤٠"] ، من حديث عبد الله بن المغفل قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمه فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما وفي الباب أحاديث.
وإذا عرفت هذا أن ما غنمه الجيش مشترك بينهم جميعا من غير فرق بين أن يكونوا هم الغانمين له بأنفسهم أو غنمته طليعتهم أو سريتهم التي لم تغنم تلك الغنيمة إلا بقوة الجيش الذي أرسلها أما لو لم يكن الأمر كذلك فإن الطليعة والسرية تصير كالجيش المستقل وتستحق ما انفردت به.
قوله: "إلا بشرط الإمام".
أقول: وجهه ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٣١٤٢"، مسلم "١٧٥١"، بوغيرهما أبو داود "٢٧١٧"، الترمذي "١٥٦٢"، ابن ماجة "٢٨٣٧"] ، من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه"، وفي الحديث قصة وأخرج أحمد وأبو داود بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل رجلا فله سلبه" فقتل أبو طلحة عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وأخرج مسلم ["١٧٥٣"، وغيره أبو داود "٢٧١٩"] ، أن عوف بن مالك قال لخالد بن الوليد أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل قال: بلى وفي الصحيحين [البخاري "٦/١٦٨"، مسلم "٤٥/١٧٥٤"، وغيرهما أبو داود "٢٦٥٤"] ، من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال في قصة قتله للرجل صاحب الجمل الأحمر: "من قتل الرجل؟ " قالوا: سلمة بن الأكوع, قال: "له سلبه أجمع" وفي الصحيحين [البخاري "٣١٤١"، مسلم "١٧٥٢"] ، وغيرهما أن النبي ﷺ قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح لكونه
стр. 1043
الذي قتله وقد ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق سلب من قتله سواء كان أمير الجيش قال قبل ذلك: "من قتل قتيلا فله سلبه" أم لا, وذهب من عداهم أنه لايستحقه القاتل إلا أن يشرط الإمام له ذلك ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أن الأمر كان مشتهرا عند الصحابة في حياته ﷺ أن السلب للقاتل وإن لم يقل الإمام ذلك كما في حديث عوف بن مالك المذكور.
قوله: "أو تنفيله".
أقول: وجهه أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته أخرجه أحمد "٤/١٦٠"، وأبو داود "٢٧٤٨، ٢٧٤٩، ٢٧٥٠"، وابن ماجه "٢٨٥٣"، من حديث حبيب بن مسلمة وصححه ابن حبان وابن الجارود والحاكم وأخرج أحمد "٣/٤٧٠"، وابن ماجه "٢٧٥٣"، وصححه ابن حبان من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة والربع وفي الرجعة الثلث وأخرج أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي من حديث معن بن يزيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس"، وفي الصحيحين [البخاري "٦/٢٣٧"، مسلم "٤٠/١٧٥٠"، وغيرهما أبو داود "٢٧٤٦"] ، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش والخمس في ذلك كله واجب وفي الصحيحين [البخاري "٦/٢٣٧"، مسلم "٣٥/١٧٤٩"، وغيرهما أبو داود "٢٧٤٤"، أحمد "٢/٦٢، ١١٢"] ، من حديث ابن عمر أيضا أن النبي ﷺ بعث سرية قبل نجد فخرجت فيها فبلغت سهماننا أثنى عشر بعيرا ونفلنا ﷺ بعيرا بعيرا وفي الباب أحاديث كثيرة.
وأما قوله: "فلا يعتق الرحم" فوجهه أن ملك الغانم في الغنيمة غير مستقر حتى يتعين له سهمه فيها وذو الرحم إنما يعتق على رحمه إذا ملكه ملكا مستقرا لا سيما مع تجويز أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء من الغنيمة على جهة التنفيل أو يرضخ لمن حضر من غير القائمين.
وأما كون من وطىء المسبية وجب عليه ردها وعقرها وولدها فوجهه أنه وطىء ما لم يستقر ملكه عليه لا في كله ولا في بعضه وأما كونه لا يحد فوجهه أن مجرد كون له نصيب في الغنيمة في الجملة شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
قوله: "وللإمام – قيل: ولو غائبا - الصفي".
أقول: وجهه ما أخرجه أبو داود "٢٩٩٩"، والنسائي "٤١٤٦"، ورجاله رجال الصحيح عن يزيد بن عبد الله قال كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن أقيش إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم من النبي ﷺ ومهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله"، فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال رسول الله ﷺ . وأخرج أبو داود "٢٩٩٤"، بإسناد رجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عائشة قالت وكانت صفية من الصفي ولكنه يعارض هذا ما ثبت في الصحيحين بالبخاري "٤/٤١٩"، مسلم "٨٧/١٣٦٥"،
стр. 1044
وغيرهما من حديث أنس بن مالك قال صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ﷺ وله طرق في الصحيحين وما فيهما مرجح على ما هو خارج عنهما كما هو معلوم.
ومما يدل على ثبوت الصفي للأئمة ما أخرجه أحمد "١٧/٢٢١"، والترمذي "٤/١٣٠"، وحسنه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تنقل سيفه ذا الفقار يوم بدر وأخرج أبو داود "٢٩٩١"، والنسائي "٤١٤٥"، عن عامر الشعبي مرسلا قال "كان للنبي ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس"، وأخرج أبو داود "٢٩٩٢"، بإسناد رجاله ثقات عن ابن عون قال سألت محمد بن سيرين عن سهم النبي ﷺ والصفي قال كان يضرب له سهم مع المسلمين وإن لم يشهد والصفي يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء وهو مرسل ومجموع ما ذكرنا يدل على ثبوت الصفي للإمام بعد أن يضرب له بسهم حضر أو غاب.
قوله: "بعد التخميس والتنفيل".
أقول: أما كون القسمة تكون بعد التخميس فذلك بنص القرآن قال الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، الآية ولا خلاف في ذلك وأما كون القسمة تكون بعد التنفيل فوجه ذلك ما قدمنا ذكره قريبا.
وأما قوله بين ذكور فوجهه أن النبي ﷺ لم يجعل لمن كان يحضر من النساء سهما كسهم الرجال كما في صحيح مسلم "١٣٧/١٨١٢"، وغيره من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن".
وأما ما أخرجه أحمد "٥/٢٧١"، وأبو داود "٢٧٢٩"، من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه "أن النبي ﷺ أسهم لها ولمن معها من النساء كما أسهم للرجال عند فتح خيبر"، فحشرج هذا مجهول وفي بقية إسناده ضعيف فلا تقوم به حجة فضلا عن أن يعارض ما في الصحيح وقد حمل ذلك على الرضخ.
قوله: "مكلفين".
أقول: وجه اشتراط كونهم مكلفين أن الغنيمة جعلها الله للمقاتلين من الرجال وليس الصبيان ممن يقاتل ولهذا أن النبي ﷺ كان لا يأذن في الغزو إلا لمن قد صار مكلفا كما في كتب الحديث والسير ولا تقوم الحجة بما أخرجه الترمذي عن الأوزاعي قال أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر لا سيما مع إرساله ومخالفته للأحاديث الصحيحة وقد حمل هذا الإسهام على الرضح.
قوله: "أحرارا".
أقول: وجهه أن العبيد ليسوا من أهل الغزو وكما تقدم وإنما يستحق الغنيمة الغانمون لها وقد أخرج مسلم وغيره عن ابن عباس أنه سئل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم قال: إنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم وأخرج أحمد
стр. 1045
"١/٣١٩"، وأبو داود "٢٧٢٧"، والترمذي "٤/١٣٧"، وصححه من حديث ابن عباس أيضا قال كان النبي ﷺ يعطي المرأة والعبد والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش وهذا محمول على الرضخ ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث عمير مولى آبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله ﷺ فأمر بي فقلدت سيفا فإذا أنا أجره وأخبر أني مملوك فأمر لي بشيء من خرثي المتاع.
قوله: "قاتلوا أو كانوا ردءا".
أقول: وجهه ما قدمنا لك من أن الغنيمة إنما هي لمن غنمها من الغزاة والردء له حكم الجيش المقاتل لأنه يزيدهم قوة ورغبة في القتال ويزيد العدو ضعفا وفشلا ورهبة للإقدام على من قابلهم من جيش المسلمين وما ورد من إعطائه ﷺ لمن حضر عند القسمة ولم يكن مقاتلا ولا ردءا فهو محمول على الرضخ لا على الإسهام لهم كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى أنه قدم هو وجعفر بن أبي طالب ومن كان معهم في السفينة التي رجعوا فيها من الحبشة إلى رسول الله ﷺ وانه كان قدومهم عليه ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا أو قال فأعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتينا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم.
وأما قوله: "إن لم يفروا قبل إحرازها" فوجهه أن هؤلاء مع الفرار لم يكن لهم أثر في تحصيل الغنيمة بل ما حصل بسبب فرارهم من الوهن الداخل على الغزاة المقاتلين أكثر مما حصل من التقوية بحضورهم قبل إحراز الغنيمة.
قوله: "للراجل سهم ولذي الفرس لا غير سهمان".
أقول: الحق ما ذهب إليه الجمهور من أنه يعطي الفارس مع فرسه ثلاثة أسهم والراجل سهما واحدا وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة الكثيرة ولم يرد دليل صحيح ولا حسن يدل على ما قاله المصنف من أن لذي الفرس مع فرسه سهمين فقط وغاية ما استدل به المصنف ومن قال بقوله حديث مجمع بن جارية الأنصاري قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما أخرجه أحمد وأبو داود وقد صرح الحفاظ بضعف إسناد هذا الحديث مع توهيم راويه حيث قال فيهم ثلاثمائة فارس وإنما كانوا مائتي فارس ومع هذا فهو يمكن تأويل قوله فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما أنه أعطى الفارس سهم فرسه وذلك سهمان وله سهم ثالث مع سائر الرجال ويدل على أن هذا هو المراد أن ابن أبي شيبة روى هذا الحديث في مصنفه بهذا الإسناد فقال للفرس وأخرجه أيضا أحمد "١٤/٧٩"، عن أبي أسامة وابن نمير معا بلفظ أسهم للفرس.
والحاصل أنه يجب على كل حال تأويل ذلك اللفظ المذكور في حديث مجمع بن جارية
стр. 1046
لأن الأحاديث الكثيرة الصحيحة عن جماعة من الصحابة أنه ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه.
وأما قوله: "إن حضر الوقعة بها ولو قاتل راجلا" فوجهه أن النبي ﷺ أسهم لكل فارس وفرسه ثلاثة أسهم ولم يسأل هل قاتل عليها أم لا وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم.
وأما قوله: "ومن مات" إلخ فلا حاجة إلى ذكره لأن ما صار إلى الميت يورث عنه من غير فرق بين الغنائم وغيرها.
قوله: "ويرضخ وجوبا لمن حضر من غيرهم".
أقول: لا دليل على مشروعية هذا الرضخ إلا ما تقدم في النساء والصبيان والعبيد وأما ممن عداهم فيجوز للإمام أن يخصص بعض من له قدم في الإسلام بشيء من الغنيمة كما في حديث أبي موسى المتقدم قريبا وأما ما يروى بلفظ: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فلم يصح رفعه فلا تقوم به حجة.
والحاصل أن الغنيمة قد صارت مستحقة للغانمين فإيجاب شيء فيها لغيرهم بل ندبه يحتاج إلى دليل بل لا يجوز أن يقال إن الرضح مباح لأنه تصرف في ملك الغير بغير أمره ولايجوز قياس غير النبي ﷺ عليه لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
قوله: "ولا يطهر باستيلاء إلا ما ينجس بتذكيتهم أو رطوبتهم".
أقول: وجه هذا ما أخرجه احمد وأبود اود من حديث جابر بن عبد الله قال كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولايعيب ذلك عليهم فالمصنف ﵀ لما اعتقد نجاسة رطوبة الكفار ووقف على مثل هذا الحديث ظن أن الاستيلاء بمجرده يوجب الطهارة وليس الأمر كذلك وقد تقدم أنه لا وجه للقول بنجاسة الرطوبة وكذلك ما ينجس بالتذكية لا نفس المذكي فقد تقدم الكلام عليه في الذبائح.
فإن قلت: حديث أبي ثعلبة الثابت في الصحيحين [البخاري "٥٤٩٦"، مسلم "١٩٣٠"، وغيرهما قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل من آنيتهم؟ قال: "إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها"، يدل على وجوب غسلها قلت قد ثبت في رواية أحمد وأبي داود أنه قال في السؤال وأنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فالأمر بالغسل هو لهذا لا لمجرد الرطوبة وقد صح عنه ﷺ أنه توضأ في مزادة مشركة [البخاري "١/٤٤٧، ٤٤٨"، مسلم "٦٨٢"، كما تقدم وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر وأجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة [مسلم "٨/١٦٤١"] .
قوله: "ومن وجد ما كان له" الخ.
أقول: لم يثبت ما يدل على أنه يخرج من ملكه حتى يقال هو أولى به قبل القسمة وبعدها بالقيمة بل هو باق على ملك مالكه وأخذه منه على غير ما أذن به الشرع لا يترتب عليه حكم الملك أصلا فيأخذه قبل القسمة وبعدها ولا يلزمه شيء ويرجع من قد صار في نصيبه
стр. 1047
بالقسمة على الغنيمة فيعطى منها بقدر ما استحق ولا فرق بين العبد وغيره وقد ثبت في الصحيح [مسلم "٨/١٦٤١"، أن المشركين أخذوا ناقة رسول الله ﷺ العضباء فأخذتها امرأة من الأنصار كانت في أسرهم ورجعت لرسول الله ﷺ وثبت في الصحيح [البخاري "٦/١٨٢"، أنه ذهب فرس لابن عمر فأخذه المشركون فظهر عليهم المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ وأبق عبد له فلحق بأرض الروم فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ وهذه التكاليف إنما وقع المصنف فيها لما سيأتي من أنهم يملكون علينا وأن دار الحرب دار إباحة وسيأتي الكلام على ذلك.
[فصل
وما تعذر حمله أحرق والحيوان بعد الذبح ويقتل من كان يجوز قتله والسلاح يدفن أو يكسر ولا يملكون علينا ما لم يدخل دارهم قهرا ولا البغاة وغير ذي الشوكة من الكفار مطلقا] .
قوله: "فصل: وما تعذر حمله أحرق".
أقول: قد ثبت الإحراق والقطع في نخل بني النضير كما في الصحيحين [البخاري "٧/٣٢٩"، مسلم "٢٩، ٣/١٧٤٦"، وغيرهما أبو داود "٢٦١٥"، ابن ماجة "٢٨٤٥"، أحمد "٢/٨، ٥٢، ٨٠، ١٢٣، ١٤٠"] ، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق ونزل في ذلك قوله عزوجل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] ، الآية وثبت في الصحيحين [البخاري "٣٠٣٦، ٦٠٩٠"، مسلم "١٣٥، ٢٤٧٥"، وغيرهما ابن ماجة "١٥٩] ، أن جرير بن عبد الله حرق ذا الخلصة بالنار فبرك ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أسامة بن زيد قال بعثني رسول الله ﷺ إلى قرية يقال لها ابنى فقال: "ائتها صباحا ثم حرق"، وفي إسناده ضعيف وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور وليس معهم على المنع دليل ولا يصح التمسك بما في الموطأ عن أبي بكر أنه قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام "ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه" فإن قول الصحابي لا تقوم به الحجة منفردا فكيف إذا خالف ما صح عن الشارع وقد تقدم في قوله: "ويحرق ويغرق ويخنق"، قيام الدليل على عدم جواز إحراق من استحق القتل من كافر وغيره وهكذا الحيوان لا يجوز تحريقه إلا بعد الذبح لورود النهي عن التعذيب بالنار وعن تعذيب خلق الله.
وأما قوله: "ويقتل من يجوز قتله" فذلك ثابت بأدلة الكتاب والسنة وبإجماع المسلمين.
стр. 1048
وأما قوله: "والسلاح يدفن أو يكسر" فإذا تعذر حمله عن بلاد العدو كان على الإمام أن يأمر المسلمين بإتلافه ونحوه من آلات الحرب بأي سبب من الأسباب المقتضية للتلف.
قوله: "ويملكون علينا ما لم ندخل دارهم قهرا".
أقول: التعرض لمثل هذا من فضول العلم التي لا تدعو إليها حاجة فإن كون الكافر يملك ما أخذه على المسلم ويخرج بذلك عن ملك المسلم لم يرد في كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا إجماع وإنما قال ما لم يدخل دارهم لأنه سيأتي أن دار الحرب دار إباحة فعلى هذا أنهم لا يملكون علينا إلا ما أخذوه ولم يجوزوه إلى دار الحرب وهذا من عجائب الأحكام وغرائب التفريع.
وأما الاستدلال بما روى من قوله ﷺ : "هل ترك لنا عقيل من رباع؟ " فليس فيه أن النبي ﷺ صرح بأنه قد ملكها وغاية ما هنالك أنه ﷺ ترك المطالبة للمشتري لها من عقيل ولا سيما وقد صاروا مسلمين عند أن قال ﷺ هذه المقالة.
وأما قوله: "ولا البغاة وغير ذي الشوكة" فظاهر ويجب أن يجعل الكفار وأرباب الشوكة مثل هؤلاء لا يملكون علينا.
[فصل
ودار الحرب دار إباحة يملك كل فيها ما ثبتت يده عليه ولنا شراؤه ولو والدا من ولد إلا حرا قد أسلم ولو ارتد ولا قصاص فيها مطلقا ولا تأرش إلا بين المسلمين وأمانهم لمسلم أمان لهم منه فلا يغنم عليهم ويرد ما اشتراه ممن غنمه بعد الأمان ولا يف بمحظور شرطه من لبث أو غيره وله استرجاع العبد الآبق ولغير المستأمن أخذ ما ظفر به ولا خمس عليه] .
قوله: "فصل ودار الحرب دار إباحة" الخ.
أقول: وجه هذا أن الله سبحانه أمرنا بقتال أهل الشرك وأباح لنا دماءهم وأموالهم ونساءهم فكانوا من هذه الحيثية على أصل الإباحة سواء وجدناهم في دارهم أو في غير دارهم وينبغي تقييد هذا الإطلاق بأن المسلم وماله إذا كان فيهما فعصمة دمه وماله باقية لا يجوز لأحد من المسلمين أن يخالف تلك العصمة لأن كون دار الحرب دار إباحة هي من تلك الحيثية التي ذكرناها لا مطلقا وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: "إلا حرا قد أسلم".
وأما جواز شراء ما أخذ من دار الحرب ممن هو في يده فذلك ظاهر لأن الآخذ له قد ملكه فإن كان الآخذ مسلما لم يصح قوله ولو والدا من ولد لأن المسلم مخاطب بأحكام الإسلام ومن جملتها عتق رحمه عليه وإن كان كافرا فلا بأس بشراء رحمه منه لأنه وإن كان
стр. 1049
مخاطبا بالشرعيات فذلك باعتبار إثمه على تركها وأما صحتها منه في حال كفره فلا لأن الإسلام شرط.
وأما قوله: "ولو ارتد" فوجهه ما تقدم من أن المرتد لا يسترق بل يطالب بالإسلام فإن فعل وإلا قتل.
قوله: "ولا قصاص فيها مطلقا".
أقول: هذا لا وجه له لا من كتاب ولا سنة ولا قياس صحيح ولا إجماع فإن أحكام الشرع لازمة للمسلمين في أي مكان وجدوا ودار الحرب ليست بناسخة للأحكام الشرعية أو لبعضها فما أوجبه الله على المسلمين من القصاص ثابت في دار الحرب كما هو ثابت في غيرها مهما وجدنا إلى ذلك سبيلا ولا فرق بين القصاص وثبوت الأرش إلا مجرد الخيال المبني على الهباء فإن كل واحد منهما حق لآدمي محض يجب الحكم له به على خصمه وهو مفوض إلى اختياره وغاية ما ثبت في هذا ما وقع منه ﷺ من وضع الدماء التي وقعت في أيام الجاهلية وليس في هذا تعرض لدماء المسلمين فهي على ما ورد فيها من أحكام الإسلام ولا يرفع شيئا من هذه الأحكام إلا دليل يصلح للنقل وإلا وجب البقاء على الثابت في الشرع من لزوم القصاص ولزوم الأرش.
قوله: "وأمانهم لمسلم أمان لهم منه".
أقول: لا ملازمة بين الأمانين لا شرعا ولا عقلا ولا عادة فيجوز للمسلم الداخل دارالحرب بأمان أهلها أن يأخذ ما قدر عليه من أموالهم ويسفك ما تمكن منه من دمائهم فلا يتم قوله فلا يغنم عليهم ولا قوله ويرد ما اشتراه ممن غنمه بعد الأمان.
وأما قوله: "ولا يف بمحظور" إلخ فوجهه ظاهر لأن هذا الأمان هو في حكم المصالحة في قدر موته ولا يجوز الدخول في الصلح الذي يحل حراما أو يحرم حلالا كما ورد بذلك الدليل الصحيح وأيضا المحظور محظور بحكم الشرع فيكف يجوز شرطه للكفار فضلا عن إن يجوز الوفاء به لهم.
وأما قوله: "وله استرجاع العبد الآبق" فقد قدمنا أنه يجوز له أن يأخذ من أموالهم ما قدر عليه فجواز أخذ عبد المسلم الذي أبق منه ثابت بفحوى الخطاب.
وأما قوله: "ولغير المستأمن ما فظر به" فقد أغنى عنه ما تقدم من أنه يغنم من الكفار نفوسهم وأموالهم وما تقدم في أول هذا الفصل من قوله ودار الحرب دار إباحة.
وأما قوله: "ولا خمس عليه" فلا يخفاك أنه إذا صدق على ما أخذه أنه غنيمة فقد دخل تحت قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فلا بد من دليل يخصص هذه الصورة ولا دليل.
стр. 1050
[فصل
ومن أسلم في دارنا لم يحصن في دارهم إلا طفله لا في دارهم فطفله وماله المنقول إلا ما عند حربي غيره وأم ولد المسلم فيردها بالفداء ولو بقي دينا والمدبر بالفداء ويعتقان بموت الأول والمكاتب بالوفاء للآخر ولأوهم للأول] .
قوله: "فصل: ومن أسلم في دارنا لم يحصن في دارهم" الخ.
أقول: الإسلام عصمة لمال الرجل ولأولاده الذين لم يبلغوا فمن زعم أنه يحل شيء من مال من أسلم لكون المال في دار الحرب لم يقبل منه ذلك إلا بدليل يدل على النقل من عصمة الإسلام ولا دليل وقد قدمنا الإشارة إلى هذا في الكلام على دار الحرب.
وإذا عرفت هذا علمت أنه لا حاجة إلى الاستدلال على هذا بما لا تقوم به الحجة فإن الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الكفار إذا تكلموا بكلمة الإسلام عصموا بها دماءهم وأموالهم يغني عن غيرها ومن غرائب الرأي المبني على غير صواب الفرق بين إسلام الكفار في دارنا وبين إسلامهم في دارهم وبين المال المنقول وغير المنقول فإن هذا ليس عليه أثارة من علم ويرد هذا الفرق ما أخرجه أحمد "٤/٢١٠"، وأبو داود "٣٠٦٧"، بإسناد رجاله ثقات أن النبي ﷺ رد على بني سليم أرضهم وقال: "إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله"، وأخرج سعيد بن منصور بإسناد رجاله ثقات أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة فأسلم ثعلبة وأسيد بن سعيد فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار وفي الباب أحاديث.
وكما أنه لا وجه لهذا كله لا وجه لقوله إلا ماله عند حربي فإن الإسلام يحصن جميع أمواله سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب وسواء كانت عند مسلم أو عند حربي.
وأما قوله: "وأم ولد المسلم فيردها بالفداء" فقد قدمنا لك أن مال المسلم يعود إليه على أي صفة كان ومماليكه الذين لم ينجز عتقهم من جملة أمواله فتخصيص أم الولد والمدبر والمكاتب بالذكر من عجائب الرأي المبني على الخيال وإيجاب الفداء على السيد ليس هو إلا بمجرد المحافظة على ما تقدم من أن الكفار يملكون علينا وقد عرفت ما فيه.
وإذا تقرر لك هذا فلا حاجة لنا إلى الكلام على ما ذكره من التفصيل في العتق.
[فصل
والباغي من يظهر أنه محق والإمام مبطل وحاربه أو عزم أو منع منه أو منعه واجبا أو قام بما أمره إليه وله منعه وحكمهم جميع ما مر إلا أنهم لا يسبون ولا يقتل جريحهم ولا مدبرهم إلا ذا فئة أو لخشية العود كلكل مبغي عليه ولا يغنم من أموالهم
стр. 1051
إلا الإمام ما أجلبوا به من مال وآله حرب ولو مستعارا لذلك إلا غصبا ولا يجوز ما عدا ذلك لكن للإمام فقط تضمينهم وأعوانهم حتى يستوفي الحقوق ولا ينقض له ما وصفوه من أموالهم في قربة أو مباح مطلقا أو محظور وقد تلف وللمسلم أخذ ما ظفر به من مال لله معهم لنفسه مستحقا أو ليصرف] .
قوله: "فصل: والباغي من يظهر أنه محق" الخ.
أقول: قد جاء القرآن والسنة بتسمية من قاتل المحقين باغيا فقال الله عزوجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، وثبت في الصحيح أن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية فالباغي هو من خرج من طاعة الإمام التى أوجبها الله على عباده ويقدح عليه في القيام بمصالح المسلمين ودفع مفاسدهم من غير بصيرة ولا على وجه المناصحة فإن انضم إلى ذلك المحاربة له والقيام في وجهه فقد تم البغي وبلغ إلى غايته وصار كل فرد من أفراد المسلمين مطالبا بمقاتلته لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، الآية وليس القعود عن نصرة المحق من الورع بعد قول الله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ .
والحاصل أنه إذا تبين الباغي ولم يلتبس ولا دخل في الصلح كان القعود عن مقاتلته خلاف ما أمر الله به وأما مع اللبس فلا وجوب حتى يتبين المحق من المبطل لكن يجب السعي في الصلح كما أمر الله به وليس من البغي إظهار كون الإمام سلك في اجتهاده في مسألة أو مسائل طريقا مخالفة لما يقتضيه الدليل فإنه ما زال المجتهدون هكذا ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ويعصيه في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما قوله: "أو منع منه" فوجهه أن المأمور إذا لم يدفع إلى الإمام ما يجب دفعه إليه فهو باغ من هذه الحيثية وهكذا إذا لم يطعه في واجب أوجبه الله عليه للإمام من جهاد أو ولاية بالحق أو نصيحة وهكذا إذا قام بما أمره إلى الإمام فإنه أقعد نفسه في المقعد الذي لا يصلح له إلا من ثبتت له الإمامة بمبايعة المسلمين فيكون من هذه الحيثية باغيا.
قوله: "وحكمهم جميع ما مر".
أقول: هذه الإحالة غير حسنة فإنه إذا لم يغنم من أهل البغي نفوسهم ولا أموالهم ولا يجوز فيهم الأحكام التي سيتذكرها كان غالب أحكامهم المخالفة لما مر في أحكام الكفار فلم يكن لهذه الكلية وجه لأنه لم يبق تحتها بعد الاستثناء إلا النادر من الأحكام.
стр. 1052
وأما قوله: "إلا أنهم لا يسبون" فهذا معلوم لا يخالف فيه أحد من المسلمين أجمعين.
وأما قوله: "ولا يقتل جريحهم ولا مدبرهم" فقد أخرج الحاكم وصححه البيهقي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "يا ابن أم عبد: ما حكم من بغى من أمتي؟ " قال: الله ورسوله أعلم فقال رسول الله ﷺ : "لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم"، وفي إسناده كوثر بن حكيم وهو ضعيف قال البيهقي هذا الحديث ضعيف انتهى ولكنه يقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير عن علي بلفظ نادى منادي علي يوم الجمل ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم وأخرج سعيد بن منصور عن مروان بن الحكم قال صرخ صارخ لعلي يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن قال ابن حجر قد صح عن علي من طرق وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وأخرج أيضا عن أبي فاختة أن عليا أتي بأسير يوم صفين فقال: لا تقتلني صبرا فقال: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين ثم خلى سبيله وفي الباب آثار كثيرة عن علي لأنه ابتلي بقتال البغاة على اختلاف أنواعهم.
قوله: "إلا ذا فئة أو لخشية العود".
أقول: ظاهر الحديث المتقدم قريبا والآثار عن علي أنه لا يتبع مدبرهم ولم يثبت التقييد بأن لا يكون ذا فئة أو يخشى عوده فالواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة وإن كان الباغي هاربا إلى فئة أو خشي عوده وتخصيص الدليل بمجرد الرأي غير مقبول على أنه لا يحتاج إلى الاستدلال على عدم جواز قتل الهارب من البغاة بما ذكرناه بل يكفي في ذلك العصمة الإسلامية الثابتة بمثل قوله ﷺ : "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" والباغي مسلم معصوم الدم والمال وإنما جاز قتاله ما دام باغيا مقاتلا لقوله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، فلا يجوز قتال الباغي ولا مقاتلته إلا حال الحرب لا بعد الهرب رجوعا إلى العصمة الإسلامية.
قوله: "كلكل مبغي عليه".
أقول: ليس معنى البغي مختصا بنوع منه دون نوع أو بطائفة دون طائفة بل يشمل كل من حصل منه البغي سواء كان البغي منه على الإمام أو على طائفة من المسلمين أو على فرد من أفرادهم فإن ذلك يندرج تحت قوله عزوجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ .
قوله: "ولا يغنم من أموالهم" الخ.
أقول: البغاة مسلمون فاموالهم من غير فرق بين ما حضروا به معهم في القتال وما لم يحضروا به معصومة بالعصمة الإسلامية فمن ادعى أن شيئا منها قد خرج عن العصمة
стр. 1053
الإسلامية فعليه الدليل على أنه قد تقدم عن أبي أمامة أنه قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريحهم ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا وأما ما روي عن علي أنه قال يوم الجمل وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثتهم فقد قال البيهقي إنه منقطع قال: والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا انتهى وأخرج البيهقي أيضا عن علي أنه كان لا يأخذ سلبا وبهذا تعرف أنه لا فرق بين ما أجلبوا به وما لم يجلبوا به وبين آلة الحرب وغيرها وبين المغصوب وغيره.
قوله: "ولكن للإمام فقط تضمينهم وأعوانهم" الخ.
أقول: هذا صواب لأنهم أخذوا هذه الأموال من غير حلها فجاز للإمام أن يأخذها منهم أو مثلها لأنه مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم وهذا منه ولا فرق بين أن يكون الذي أخذوه من أموال بني آدم أو من الأموال التي لبيت مال المسلمين لأن الكل مظلمة ومن استشكل مثل هذا وأورد في تأييد بحثه فيه ما لا يسمن ولا يغني من جوع فلم يصب.
قوله: "ولا ينقض له ما وضعوه من أموالهم" الخ.
أقول: قد قدمنا أن تضمينهم لما أخذوه ظلما وعدوانا حق ولكن ما تقربوا به من أملاكهم وأخرجوه عنهم قد وقع موقعه فليس للإمام أن ينقضه ويجعله عوضا عما أتلفوه لأن ذلك قد خرج عن أملاكهم وصار لمصرفه فلا يحل نقضه بحال وهكذا ما أخرجوه عن أملاكهم في مباح أو محظور لأن الذي أخرجوه لم يبق لهم فيه ملك وصار ملكا لمن قد صار في يده والخطاب عليهم في الضمان إنما هو في أملاكهم الباقية تحت أيديهم.
وأما قوله: "وللمسلم أخذ ما ظفر به من مال الله معهم لنفسه" فلا وجه له بل يأخذه ويرده إلى بيت مال المسلمين ليصرفه الإمام في مصارفه وليس له أن يصرف في نفسه مع وجوده وإن كان مستحقا.
[فصل
ومن أرسل أو أمنه قبل نهي الإمام مكلف مسلم متمنع منهم دون سنة ولو بإشارة أو تعال لم يجز خرمه فإن اختل قيد رد مأمنه غالبا ويحرم للغدر ولا يمكن المستأمن من شراء آلة الحرب إلا بأفضل والبينة على المؤمن بعد الفتح إلا الإمام فالقول له] .
قوله: "فصل: ومن أرسل" الخ.
أقول: وجهه أن تأمين الرسل ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتا معلوما فقد كان رسول الله ﷺ يصل إليه الرسل من الكفار فلا يتعرض لهم أحد من أصحابه وكان ذلك طريقة مستمرة وسنة ظاهرة
стр. 1054
وهكذا كان الأمر عند غير أهل الإسلام من ملوك الكفر فإن النبي ﷺ كان يراسلهم من غير تقدم أمان منهم لرسله فلا يتعرض لهم متعرض.
والحاصل أنه لو قال قائل: إن تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع لم يكن ذلك بعيدا وقد كان أيضا معلوما ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عبدة الأوثان ولهذا أن النبي ﷺ يقول: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقهما"، قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد "٣/٤٨٧"، وأبو داود "٢٧٦١"، فقوله: "لولا أن الرسل لا تقتل"، فيه التصريح بأن شأن الرسل أنهم لا يقتلون في الإسلام وقبله ومثل هذا ما ثبت في حديث آخر أنه ﷺ قال لرسولي مسيلمة: "لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما"، أخرجه أحمد "١/٣٨٤"، وأبو داود "٢٧٦٢"، والنسائي والحاكم وفيه ابن مسعود قال فمضت السنة أن الرسل لا تقتل.
وقوله: "أو أمته قبل نهي الإمام مكلف مسلم".
أقول: الأدلة في هذا كثيرة جدا فمن ذلك حديث علي عند أحمد "١/١٢٢"، وأبي داود "٤٥٣٠"، والنسائي "٨/٢٤"، والحاكم عن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"، ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٢/١٩١، ١٩٢، ٢١١"، وأبو داود "٢٧٥١"، وابن ماجه ٢٦٨٥، ٢٦٥٩"، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: "يد المسلمين على من عداهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم"، وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولا وأخرجه ابن ماجه من حديث معقل بن يسار مختصرا وأخرجه أيضا مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وهو أيضا متفق عليه من حديث علي بأول من هذا وأخرجه البخاري من حديث أنس وفي الباب أحاديث وقد دخل في قوله: "أدناهم" العبد والمرأة والصبي لكنه حكى ابن المنذر الإجماع على أن أمان الصبي غير جائز فكان هذا الإجماع مخرجا له من الدخول تحت ذلك اللفظ وأما المرأة فقال ابن المنذر أيضا أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة انتهى ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير على المسلمين"، وأخرج أبو داود ٢٧٦٤"، والنسائي عن عائشة قالت إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز وثبت في الصحيحين [البخاري "٣٥٧"، مسلم "٣٣٦"، وغيرهما أبو داود "٢٧٦٣"، الترمذي "٢٧٣٥"، النسائي "١/١٢٦"، أحمد "٦/٣٤٣، ٤٢٣، ٤٢٥"، من حديث أم هانىء وأنها أجارت رجلا يقال له فلان بن هبيرة فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانى".
وأما العبد فهو داخل أيضا في قوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" وقد أجاز أمانة الجمهور وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانة وإلا فلا وأما اشتراط الإسلام فلكون الأدلة إنما دلت على
стр. 1055
الأمان الصادر من المسلمين أو أحدهم وهكذا اشتراط أن يكون ممتنع منهم لأنه لو كان تحت حكمهم لم يجز أمانة لأنه في حكم أن المكره ولا بد في صحة الأمان من الاختيار.
قوله: "دون سنة".
أقول: لا دليل على هذا التوقيف بل المتعين الرجوع إلى ما في الأدلة من الإطلاق وقد جاءت بتصحيح الأمان ولم يقيد بوقت لكن يجوز للمسلمين أذا كان الأمان الواقع من أحدهم مطلقا أن يوقتوه وإن كان لمدة طويلة أن يجعلوه للمدة التي تقتضيها المصلحة فإن رضي من وقع له التأمين بذلك وإلا رد إلى مأمنه.
وأما قوله: "ولو بإشارة" أو تعال فظاهر لأن المراد الإشعار بالتأمين بكل شيء يحصل به الشعور.
وأما قوله: "لم يجز خرمه" فليس في هذا خلاف بين أهل الإسلام بل هو من ضروريات الدين وقد تكرر الأمر بالوفاء به والنهي عن عدم الوفاء به في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة وصح الذم للغادر والوعيد له في غير حديث.
وأما قوله: "فإن اختل قيد رد مأمنه" فوجهه أن الأمان لم يصح والذي قد وقع الأمان له قد اعتقد صحته ولولا ذلك لم يأت إلينا فوجب على المسلمين إرجاعه إلى مأمنه ولا يحل لهم استحلال شيء من دمه أو ماله ولو كان التأمين له بعد نهي الإمام عن التأمين إذا كان من وقع له التأمين جاهلا للنهي.
وأما قوله: "ويحرم للغدر" فقد أغنى عنه قوله لم يجز خرمه والوجه في هذا التحريم هو ما قدمنا.
وأما قوله: "ولا يمكن المستأمن من شراء آلة الحرب" فوجه ذلك أنه يعود بها إلى دار الحرب فتكون قوة للكافرين على المسلمين إلا بأفضل فلا بأس لأن المصلحة في مثل ذلك كائنة وأما بما كان مماثلا له فالظاهر أنه لا بأس بذلك لأنها قد اندفعت المفسدة.
قوله: "والبينة على المؤمن".
أقول: أي على الذي وقع له التأمين ووجه ذلك أن الأصل عدم الأمان فالقول قول المنكر والبينة على المدعي ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الفتح أو بعده إلا أن يظهر من القرائن ما يثبت به الظاهر لمن وقع له التأمين فإن الظاهر مقدم على الأصل فيكون القول قوله كما تقدم.
وأما قوله: "إلا الإمام فالقول له" فوجهه أن له أن ينشيء الأمان متى شاء فيكون القول قوله في تأمين من قد أمنه على كل حال.
следующие страницы →