Полный текст (1 078 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قوله: "ووقته من فجر النحر إلي فجر ثانية".
أقول: الثابت عنه ﷺ انه رمى ضحى كما تقدم وأخرج أحمد "١/٢٣٤، ٣١١"] ، وأهل السنن [أبو داود "١٩٤٠"، ابن ماجة "٣٠٢٥"، النسائي "٥/٢٧٠، ٢٧٢"، الترمذي "٨٩٢"] ، من حديث ابن عباس انه ﷺ نهى أغيلمة بني عبد المطلب ان يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وصححه الترمذي "٣/٢٣٩، ٢٤٠"، وابن حبان وحسنه ابن حجر في الفتح.
وهكذا أخرج الترمذي "٨٩٣"، من حديثه انه ﷺ نهى ضعفه أهله ان يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فدل ما ذكرناه على ان أول وقت الرمي من طلوع الشمس لا من فجر النحر ولا يعارض هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ام سلمة انها رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح لانها استدلت على ذلك بقولها أن رسول الله ﷺ : "أذن للظعن" فكان ذلك خاصا بهن.
وهكذا لم يدل دليل تقوم به الحجة على امتداد الوقت إلي فجر ثاني النحر فالذي ينبغي التعويل عليه في هذا الوقت هو فعله ﷺ من رميه ضحى مع انضمام النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس اليه فيكون وقته من طلوع الشمس في يوم النحر إلي آخر الوقت الذي يطلق عليه انه ضحى.
وأما ما أخرجه البخاري "٣/٥٥٩"، وغيره [أبو داود "١٩٨٣"،النسائي "٢٧٢"، ابن ماجة "٣٠٥٠"، من حديث ابن عباس انه ساله رجل فقال: رميت بعدما امسيت فقال: "افعل ولا حرج"، ففيه الترخيص لمن جهل الوقت لا لمن علمه.
قوله: "وعند أوله يقطع التلبية".
أقول: لحديث ابن عباس في الصحيحين [البخاري "٣/٤٠٤"، مسسلم "١٦٧، ١٢٨١"، وغيرهما أبو داود "١٨١٥"، الترمذي " ٩١٨"، ابن ماجة "٣٠٤٠"، النسائي "٣٠٨١"] . ان النبي ﷺ لم يزل يلبي بمنى حتى رمى جمرة العقبة ولكن هذا يحتمل انه قطع التلبية عند الشروع في الرمي ويحتمل انه تركها عند الفراغ منه ويؤيد هذا ما روى من حديث الفضل بن عباس عند النسائي "٤٠٨٦/والبيهقي انه ﷺ قطع التلبية مع آخر حصاة.
وأما قوله: "وبعده يحل غير الوطء" فلحديث أنس عند مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ اتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم اتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: "خذ" وأشار إلي جانبه الايمن ثم الايسر.
ولما أخرجه أحمد "١/٢٣٤"، أبو داود "١٩٧٨"، النسائي "٣٠٨٤"، ابن ماجة "٣٠٤١"، من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء الا النساء"، فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رايت رسول الله ﷺ يضمخ راسه بالمسك أفطيب هو؟ قال في البدر المنير: وإسناده حسن.
وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل ان يحرم ويوم النحر قبل ان يطوف بالبيت.
стр. 352
ولفظ النسائي "٢٦٨٧"، "طيبت رسول الله صلي الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمي جمرة العقبة ثبل أن يطوف بالبيت".
وأما قوله: "بين الذبح والتقصير" فيدل عليه تقديم النبي ﷺ للرمي وفعل الذبح بعده ثم الحلق بعدالذبح كما هو ثابت في الصحيح والاحاديث الواردة بالتصريح بنفي الحرج لمن قال حلقت قبل ان ارمي ولمن قال حلقت قبل ان انحر ولمن قال افضت قبل ان احلق انه يجوز تقديم البعض على البعض حتى قال ابن عباس في حديثه الثابت في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج" وقال ابن عمرو في حديثه الثابت في الصحيحين وغيرهما فما سئل يومئذ عن شيء الا قال: "افعل ولا حرج".
قوله: "ثم من بعد الزوال في الثاني" الخ.
أقول: يدل على هذا ما أخرجه أحمد وابو دأود وابن حبان والحاكم من حديث عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلي مني فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
وأخرج أحمد "١٢/٢١٨"، والترمذي "٨٩٨"، وابن ماجه "٣٠٥٤"، من حديث ابن عباس قال رمى رسول الله صلى الله عليه وآله الجمار حين زالت الشمس وأخرج نحوه مسلم في صحيحه من حديث جابر.
وأما الابتداء بجمرة الخيف والختم بجمرة العقبة فلما ثبت في البخاري وغيره من حديث ابن عمر انه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمى الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
قوله: "فإن طلع في الرابعة" الخ.
أقول: يدل على هذا حديث عائشة المتقدم قريبا انه ﷺ مكث بمنى ليالي أيام التشريق الحديث وقد تقدم ان رميه ﷺ إنما كان وقت الزوال فلا يدخل وقت الرمي الا هذا الوقت لا عند طلوع الفجر كما ذكر المصنف.
قوله: "وما فات قضى إلي آخر أيام التشريق".
أقول: لم يرد ما يدل على هذه الكلية وأما حديث عاصم بن عدي عند أحمد "٥/٤٥٠"، وأهل السنن [أبو داود "١٩٧٥"، ابن ماجة "٣٠٣٧"، الترمذي " ٩٥٥"، النسائي "٣٠٦٩"، ومالك
стр. 353
والشافعي وابن حبان والحاكم وصححه الترمذي ان رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة من بعدالغد ليومين ثم يرمون يوم النفر فهو على فرض ان بعض هذا الرمي وقع قضاء مختص بأهل الاعذار نعم حديث: "فدين الله أحق أن يقضى" يدل بعمومه على وجوب القضاء ولكل عبادة ورد بها الشرع الا ما خصه دليل.
وأما قوله: "ويلزم دم" فقد قدمنا انه لا دليل على ذلك الا قول ابن عباس ان صح وقد عرفت ان قول الصحأبي ليس بحجة على أحد من العباد.
وأما قوله: "وتصح النيابة للعذر" فهو وان لم يرد ما يدل على ذلك ولكن الاعذار مسوغة للاستنابة الا ان يقال ان العذر مسقط للوجوب من الاصل لأنه لا وجوب على معذور الا ان يكون مثل رعاء الإبل.
وأما قوله: "وحكمه ما مر في النقص وتفريق الجمار" فقد قدمنا الكلام على ذلك هنالك.
وأما قوله: "وندب على طهارة" فليس على ذلك دليل.
وأما قوله: "وباليمنى" فيدل عليه أحاديث التيامن فإنها تشتمل على مثل هذا.
وأما قوله: "وراجلا" فقد ثبت عنه ﷺ الرمي راكبا وراجلا فكان الكل سنة ولا وجه لتخصيص أحد الامرين بالندب.
وأما التكبير مع كل حصاة فقد قدمنا انه كان ﷺ يكبر مع كل حصاة.
قوله: "الثامن المبيت بمنى" الخ.
أقول: قد ثبت ذلك من فعله ﷺ الواقع بيانا لمجمل القرآن والسنة فافاد ذلك فرضيته ويؤيد ما تقدم من ترخيصه للرعاء في البيتوتة فإن الترخيص لهم يدل على انه عزيمة على غيرهم وهكذا ترخيصه ﷺ للعباس فإنه يدل على انه عزيمة على غيره وبذلك تتأكد الفرضية.
وأما قوله: "وليلة الرابع إن دخل وهو غير عازم على السفر" فليس في هذا دليل تقوم به الحجة.
وأما قوله: "وفي نقصه وتفريقه دم" فقد قدمنا ان إيجاب هذا الدم في هذه المناسك من التقول على الشرع بما لم يقل.
قوله: "التاسع طواف الزيارة".
أقول: هو المسمى بالافاضة وقد ثبت من فعله ﷺ ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة فكان نسكا ويؤكد ذلك وقوع الاجماع عليه قال النووي في شرح مسلم وقد اجمع العلماء ان هذا الطواف وهو طواف الافاضة ركن من أركان الحج لا يصح الحج الا به واتفقوا على انه يستحب فعله يوم النحر بعدالرمي والنحر والحلق فإن آخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه بالاجماع فإن أخره إلي بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأه ولا شيء عليه عندنا وبه قال جمهور العلماء وقال أبو حنيفة ومالك إذا تطاول لزم معه دم انتهى. وقد حكى مثل هذا الاجماع الذي حكاه النووي في الطوافين المهدي في البحر قيل
стр. 354
وطواف الافاضة هذا هو المأمور به في قوله تعالي: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨] .
وأما كونه بلا رمل فلعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ في هذا الطواف.
وأما قوله: "ووقت أدائه من فجر النحر إلي آخر أيام التشريق" فلما صح عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر انه ﵌ أفاض يوم النحر وهكذا في صحيح مسلم من حديث جابر.
وأما امتداده إلي آخر ايام التشريق فهو مجمع عليه كما تقدم.
وأما قوله فمن أخره فدم فلا دليل على ذلك كما قدمنا.
وأما قوله: "ويقع عنه طواف القدوم" إن أخر والوداع بغير نية فلا دليل على هذا الوقوع ولا يدل عليه ما روى من قوله ﷺ لعائشة: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك"، لأن غاية ما في هذا انه لا يجب الا طواف واحد وليس فيه وقوع طواف عن طواف وقد ثبت عنه ﷺ انه طاف ثلاثة طوافات طواف القدوم وطواف الافاضة وطواف الوداع فما ورد مما يخالف هذا عن صحأبي أو غيره لم تقم به حجة.
وأما قوله: "ومن أخر طواف القدوم فدم"، فهذا صحيح لأن طواف القدوم من جملة مناسك الحج وقد قدمه ﷺ على طواف الافاضة فإذا أخره عن وقت قدومه قدمه قبل طواف الافاضة وفاء بما شرعه ﷺ لأمته.
قوله: "العاشر طواف الوداع".
أقول: هذا الطواف قد ثبت من فعله ﷺ المبين لمجمل القرآن والسنة ويزيده تأكيدا ما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه أمر الناس ان يكون آخر عهدهم بالبيت.
وأما كونه بلا رمل فلكون ذلك لم يثبت عنه ﷺ .
وأما كونه على غير الحائض والنفساء فلثبوت الترخيص منه ﷺ كما في الصحيح [البخاري "١/٤٠٧"، مسلم "١١٩/١٢١١"] .
وأما كونه على غير المكي فلكونه غير مودع للبيت.
وأما كون حكمه ما مر في النقص والتفريق فقد قدمنا الكلام على ذلك.
وأما كونه يعيده من اقام بعده ايأما فلأمره ﷺ للناس ان يكون آخر عهدهم بالبيت.
[فصل
ويجب كل طواف على طهارة وإلا أعاد من لم يلحق بأهله فإن لحق فشاة الا الزيارة فبدنة عن الكبرى وشاة عن الصغرى قيل ثم عدلهما مرتبا ويعيد إن عاد فتسقط البدنة إن أخرها ويلزم شاة والتعري كالأصغر وفي طهارة اللباس خلاف] .
стр. 355
قوله: "فصل ويجب كل طواف على طهارة".
أقول: قد قدمنا في طواف القدوم انه ﷺ ثبت عنه انه توضا ثم طاف فالحاق سائر الطوافات به إلحاق صحيح لعدم الفارق ولكن المصنف ﵀ خبط في هذا الفصل فإن قوله وإلا أعاده من لم يلحق بأهله لا يناسب ما ذكره من وجوب الطهارة لأن الاعادة فرع البطلان والبطلان لا يكون الا لخلل شرط أو ركن والطهارة واجبة في الطواف كما قال وليست بشرط ولا ركن ثم قوله فإن لحق بأهله فشاة لا دليل عليه كما قدمنا ثم إيجابه على من فاته طواف الزيارة بدنة عن الكبرى وشاة عن الصغرى لا دليل عليه ولا يوافق الرأي الذي بني عليه لأن الطهارة إذا كانت شرطا بطل طواف الزيارة بعدمها ما تقرر ان الشرط يؤثر عدمه في العدم وإذا بطل طواف الزيارة فهو عنده ركن من أركان الحج الثلاثة وذلك يقتضي أن يبطل الحج ببطلانه وقد جرى على هذا في الفصل الذي بعدهذا فما ذكره هنا من أن يجبره الدم لا يناسب مجرد الرأي فضلا عن الرواية وإذا عرفت عدم لزوم الدم عرفت عدم صحة قوله ثم عدلهما.
وأما قوله ويعيده إن عاد فهو مخالف لما سيأتي له من قوله فيجب العود له ولأبعاضه وهكذا قوله فتسقط البدنة الخ فإنه مبني على لزومها ولا لزوم كما عرفت وهكذا على التعري بأنه كالحدث الاصغر لا دليل عليه وقد صح عن النبي ﷺ انه قال: "لا يطوفن بالبيت عريان"، [البخاري "٣/٤٨٣"، مسلم "١٣٥/١٣٤٧"، وظاهر هذا ان من طاف عريانا فلا طواف له.
وأما اشتراط طهارة اللباس فلا دليل عليه ولا يفيد حديث "الطواف في البيت صلاة" لما قدمنا.
[فصل
ولا يفوت الحج الا بفوات الاحرام أو الوقوف ويجبر ما عداهما دم الا الزيارة فيجب العود له ولأبعاضه والايصاء بذلك] .
قوله: "فصل ولا يفوت الحج" الخ.
أقول: أما فوات الحج بفوات الاحرام فلا دليل يدل على ذلك الا إذا ثبت ما يدل على انه شرط فيما هو ركن من أركان الحج كالوقوف وطواف الزيارة.
وأما فوات الحج بفوات الوقوف فقد صح عن رسول الله ﷺ انه قال: "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك"، [أبو داود "١٩٤٩"، الترمذي "٨٨٩"، النسائي "٥/١٥٦"، ابن ماجة ٣٠١٥"، أحمد "٤/٣٣٥"] ، وصح عنه انه قال: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة. ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه"، وفي ذلك دليل يدل على ان الحج يفوت بفوات الوقوف بعرفة.
стр. 356
وأما طواف الزيارة فقد قدمنا نقل الاجماع على انه ركن من أركان الحج يفوت بفواته ولا يصح الا به.
وأما كونه يجبر ما عدا الاحرام والوقوف فقد قدمنا انه لا دليل على وجوب هذه الدماء.
وأما وجوب العود لطواف الزيارة فهو مناسب للإجماع على ركنيته وإذا لم يتمكن من ذلك لم يتم حجه.
وأما وجوب الايصاء به على انفراده فغير مسلم بل إذا مات قبل تأديته فكأنه لم يحج فمن أوجب الوصية بالحج على من لم يحج أوجبها عليه وسيأتي الكلام على هذا.
стр. 357
باب العمرة
...
[باب والعمرة
إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير ولو اصلع وهي سنة لا تكره الا في اشهر الحج والتشريق لغير المتمتع والقارن وميقاتها الحل للمكي وإلا فكالحج وتفسد بالوطء قبل السعي فيلزم ما سيأتي إن شاء الله] .
قوله: "باب والعمرة إحرام وطواف وسعي" الخ؟.
أقول: أفرد المصنف هذا الباب للعمرة المفردة فلا يرد عليه ما ورد عنه ﷺ من قوله لعائشة: " طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" وقد تقدم ولا يرد عليه ما سيأتي من ان القارن يكفيه طواف وسعى واحد لهما.
وأما كون ماهية العمرة هي هذه الاربعة فلثبوت ذلك عنه ﷺ في عمرته المفردة ويؤيده حديث يعلى بن امية المتقدم فإنه قال: "واصنع في عمرتك ما انت صانع في حجك" وهو في الصحيحين [البخاري "٩/٩"، مسلم "٨/١١٨٠"، وغيرهما [أبو داو "١٨١٩"، الترمذي "٨٣٦"، النسائي "٥/١٤٢، ١٤٣"] .
وأما قوله: "وهي سنة" فلعدم ورود دليل صحيح يدل على وجوب العمرة المفردة وما ورد مما فيه دلاله على الوجوب فلم يثبت من وجه تقوم به الحجة.
وأما قوله تعالي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فليس هذا في المفردة بل العمر التي مع الحج وقد لزمت بالدخول فيها والنزاع في وجوب العمرة المفردة من الاصل ويؤيد عدم الوجوب ما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي أن النبي ﷺ سئل عن العمرة واجبة هي قال: "لا"، وفي إسناده الحجاج بن ارطاة وفيه ضعف ويؤيد عدم الوجوب قوله تعالي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، ولم يذكر العمرة
стр. 358
وفي الاحاديث الصحيحية التي فيها بيان أركان الإسلام الاقتصار على الحج ولم يذكر العمرة.
قوله: "ولا تكره الا في اشهر الحج".
أقول: كان أهل الجأهلية يكرهون العمرة في أشهر الحج فلما جاء الإسلام أبطل ذلك واعتمر في أشهر الحج كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن النبي ﷺ اعتمر اربع عمر في ذي القعدة الا التي اعتمر مع حجته وفي حديث عائشة عند أبي دأود ان النبي ﷺ اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة وعمرة في شوال.
فالحاصل انها مشروعة في جميع السنة ولا تكره في وقت من الأوقات وما كان يحسن من المصنف ﵀ ان يعتمد على هذه السنة الجأهلية ويذكرها في كتابه هذا.
قوله: "وميقاتها الحل للمكي".
أقول: استدل لذلك بما في الصحيحين [البخاري "٣/٦٠٦"، مسلم "١٢١١"، وغيرهما [أبو دتاود "١٧٧٨"، ابن ماجة "٢٩٦٣"، النسائي "٢٧٦٤"، من أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلي التنعيم ويعمرها منه وقد اجاب من قال إنه يصح لمن كان في مكة ان يحرم للعمرة من مكة كما يحرمون للحج منها بأنه ﷺ إنما أمر بذلك تطييبا لقلب عائشة بأن تدخل إلي مكة من الحل كما دخل ازواجه كذك وهذا الجواب خلاف الظاهر.
والحاصل انه ﷺ لم يقع منه تعيين ميقات للعمرة وقد ثبت عنه تعيين ميقات الحج لأهل كل جهة فإن كانت العمرة كالحج في هذه المواقيت فقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: "فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها"، وهو في الصحيحين [البخاري "٣/٣٨٤، ٣/٣٨٧، ٣/٣٨٨، ٤/٥٩"، مسلم "٨/١١٨٠"] وغيرهما [أبو داود "١٧٣٧"] ، بل وقع التصريح في حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما بعد ذكر المواقيت لأهل كل محل انه قال ﷺ : "فهن لأهلن ولمن اتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة"، فصرح في هذا الحديث بالعمرة.
وأما قوله: "ويفسد بالوطء قبل السعي" فقد عرفت ما مر في كونه يفسدالحج وفي ذلك ما يغني عن إعادة البحث هنا وسيأتي قول المصنف فصل ولا يفسد الاحرام الا الوطء.
стр. 359
باب المتمتع
...
[باب والمتمتع
من يريد الانتفاع بين الحج والعمرة بما لا يحل للمحرم الانتفاع به وشروطه ان ينويه وان لا يكون ميقاته داره وان يحرم له من الميقات أو قبله وفي اشهر الحج وان يجمع حجة وعمرة سفر وعام واحد] .
стр. 360
قوله: "باب والمتمتع هو من يريد الانتفاع بين الحج والعمرة بما لا يحل للمحرم الانتفاع به".
أقول: قد ثبت ان أنواع الحج ثلاثة تمتع وقران وأفراد فهذا الرسم لبيان ماهية حج التمتع وتمييزه من النوعين الاخرين فلا يرد عليه من هذه الحيثية اعتراض والمراد انه توصل بالعمرة إلي ان يحل له مالا يحل لمن يحج كحجه.
قوله: "وشرطه أن ينوى".
أقول: التمتع بالعمرة إلي الحج عمل وانما الاعمال بالنيات ولا عمل الا بنية كما صح ذلك من رسول الله ﷺ وقد أصاب المصنف بجمل النية شرطا ها هنا فهو الحق في جميع الاعمال وقد قدمنا تقرير ذلك وأما قوله وان لا يكون ميقاته داره فقد استدل عليه بقوله تعالي: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهلهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، على ان الاشارة إلي التمتع وهو الظاهر لا إلي الهدى ويؤيد هذا المجي بصيغة الاشارة إلي البعيد ويؤيده أيضا قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فإنه خطاب للمحصرين لا لأهل مكة فإنهم لا يحصرون عن البيت.
وأما قوله: "وأن يحرم له من الميقات أو قبله" فمعناه انه يشترط لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ان يحرم من الميقات وقد تقدم في باب العمرة ما يوضح المراد ويبين الصواب.
وأما قوله: "وفي اشهر الحج" فليس عليه دليل تقوم به الحجة.
وأما قوله: "وأن يجمع حجه وعمرته سفر وعام واحد" فلكونه لا يظهر معنى التمتع الا بجمع الحج والعمرة في عام واحد ثم الواقع ممن حج تمتعا من الصحابة في عام حجة ﷺ كان هكذا ولكن قد عرفناك ان الدليل الذي يصلح للاستدلال به على الشرطية لا بد ان يكون مقتضيا لتاثير عدم الشرط في عدم المشروط كما سبق غير مرة.
[فصل
ويفعل ما مر الا انه يقدم العمرة فيقطع التلبية ندبا عند رؤية البيت ويتحلل عقيب السعي ثم يحرم للحج من أي مكة وليس شرطا ثم يستكمل المناسك مؤخرا لطواف القدوم ويلزمه الهدى بدنة عن عشرة وبقر ةعن سبعة مقترضين وان اختلف وشاة عن واحد فيضمنه إلي محله ولا ينتفع قبل النحر به غالبا ولا بفوائده ويتصدق بما خشى فساده إن لم يتبع وما فات ابد له فإن فرط فالمثل والا فالواجب فإن عاد خير ويتصدق بفضله الأفضل
стр. 361
ان نحر الادون فإن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج أخرها يوم عرفة فإن فاتت فأيام التشريق ولن خشي تعذرها والهدى تقديمها منذ احرم بالعمرة ثم سبعة بعد التشريق في غير مكة ويتعين الهدى بفوات الثلاث وبإمكانه فيها لا بعدها الا في أيام النحر] .
قوله: "فصل ويفعل ما مر الا انه يقدم العمرة"
أقول: هو لا يكون متمتعا الا بتقديم العمرة كما سلف وأما الخلاف في قطع التلبية متى يكون فقد قدمنا ما ورد في قطعها وفي أي وقت يقطع.
وأما قوله: "ويتحلل عقيب السعي" فهذا شأن المتمتع ولم يتمتع الا لهذا.
وأما كونه يحرم للحج من أي مكة فصحيح وإذا أراد ان يحرم من غيرها فله ذلك.
وأما قوله: "ثم يستكمل المناسك مؤخرا لطواف القدوم" فليس على من قدم مكة متمتعا الا طواف عمرته ولا يجب عليه طواف آخر للقدوم.
قوله: "ويلزمه الهدى".
أقول: لما في القرآن الكريم من قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وقد وقع الاجماع على وجوب الهدى على المتمتع.
وأما كون البدنة عن عشرة والبقرة عنس سبعة فترده الاحاديث الصحيحية كما في حديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال امرنا رسول الله ﷺ ان نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة وفي لفظ لمسلم انه قيل لجابر ايتشرك في البقر ما يشترك في الجزور فقال ماهي الا من البدن فدل على استواء البقرة والبدنة وان كل واحد منهما عن سبعة واليه ذهب الجمهور ولا يعارض هذا ما روى عن ابن عباس قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر الاضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي فإن هذا في الأضحية وهي باب آخر غير باب الهدى.
وهكذا لا يعارض هذا ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج انه ﷺ قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير فإن هذا في القسمة وهي باب آخر.
وأما قوله فيضمنه إلي محله فلا دليل عليه بل إذا خاف هلاكه فعل ما أمر به ﷺ من سأله عن الهدى إذا خاف صاحبه عطبه فإنه قال له: "انحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم خل بينها وبين الناس يأكلونها" أخرجه أحمد "٤/٣٣٤"، وابو دأود "١٧٦٢"، وابن ماجه "٣١٠٦"، والترمذي "٩١٠"] ، وصححه وهو في صحيح مسلم بلفظ: "انحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها انت ولا أحد من أهل رفقتك" ولم يأمره ﷺ بتعويضها.
وأما قوله: "ولا ينتفع قبل النحر به" فمخالف بما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين
стр. 362
[البخاري "٣/٥٣٦"، مسلم "١٣٢٣"] ، من حديث أنس انه أمر صاحب البدنة ان يركبها وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر انه سئل عن ركوب الهدى فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا الجئت إليها حتى تجد ظهرا".
وأخرج أحمد "١٣/٤٢، ٤٣"] ، عن علي انه سئل يركب الرجل هديه فقال لا بأس به قدكان رسول الله ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديه وفي إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ضعفه جماعة وثقه ابن حبان.
وكما انه لا دليل على المنع من الانتفاع بالهدى فلا دليل أيضا على المنع من الانتفاع بفوائده.
وأما قوله: "ويتصدق بما خشى فساده" فهذا صواب لكن قوله ان لم يبتع لا وجه له وهكذا لا وجه لقول وما فات ابدله لعدم الدليل على ذلك ولما قدمنا من انه ﷺ لم يأمر بذلك من عطب هديه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما قوله: "فإن فرط فالمثل" فإذا كان التفريط بغير وجه مسوغ فهو لم يفعل ما امره الله به بقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، من الهدى فعليه ان يفعل ما يصدق عليه مسمى الهدى وان كان دون الذي فرط فيه فلا وجه لقوله فالمثل بل لا يجب عليه الا الواجب الاصلي.
وأما قوله: "فإن عاد خير" فصواب لأنه لم يجب عليه الا الهدى وهو يحصل بالوفاء بأحدهما ولا وجه لقوله ويتصدق بفضلة الافضل إن نحر الادون لما عرفناك.
قوله: "فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام".
أقول: لنص الكتاب العزيز على ذلك وظاهر قوله تعالي: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] . انها تصام في أيام الحج أو مع أعمال الحج.
وأما قوله فإن فاتت فأيام التشريق فمبني على ان القرآن قد خصص ما ورد في النهي عن صومها وفيه نظر لأن أحد الامرين ليس بأولى بالتخصيص من الاخر فكما قيل إن القرآن هنا قد خصص السنة يمكن ان يقال هنا إن السنة هنا قد خصصت القرآن ولا ينتهض لنسخ النهي عن صومها ما ورد عن بعض الصحابة نعم إن صح ما رواه الطحاوي والدارقطني والحاكم عن عبد الله بن حذافة مرفوعا: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر لله فلا صوم فيهن الا صوما في هدى"، كان هو التخصيص لما ورد في النهي عن صومها.
وأما قوله: "ويجوز لمن خشي تعذرها والهدى تقديمها منذ احرم بالعمرة" فهذا محتاج إلي دليل يدل عليه.
وأما قوله: "ثم سبعة بعد التشريق في غير مكة" فكان الأولى ان يقول وسبعة إذا رجع إلي أهله فإنه اتم وأكمل.
وأما قوله: "ويتعين الهدى بفوات الثلاث" فلا دليل على هذا التعيين بل الظاهر أنه إذا حصل التعذر لم يلزمه شيء لا الصوم ولا غيره فإن قيل قد وجب القضاء بقوله ﷺ :
стр. 363
"فدين الله أحق أن يقضى"، فيجاب عنه بان يقضى صوم الثلاث لأنها هي التي صارت واجبة عليه عند تعذر الهدى ولا وجه لقوله وبإمكانه فيها لأنه قد صار معه معذورا عن الهدى ووجب عليه الصيام بالدخول فيه ولا فرق بين أيام النحر وغيرها.
стр. 364
باب القارن
...
[باب والقارن
من يجمع بنية إحرامه حجة وعمرة معا وشرطه ان لا يكون ميقاته داره وسوق بدنة وندب فيه وفي كل هدى التقليد والايقاف والتجليل ويتبعها واشعار البدنة فقط] .
قوله: "باب والقارن من يجمع بنية إحرامه حجة وعمرة معا".
أقول: هذا الرسم بين به ماهية حجالقرىن وإنما سمى قرانا لأنه قرن فيه بين الحج والعمرة ولكن ليس من شرطه ان ينويهما جميعا بل يجوز ان يحرم بالحج مفردا ثم يدخل العمرة على الحج كما وقع ذلك من رسول الله ﷺ فيكون قارنا وقد وقع الاتفاق على انه ﷺ حج قرانا مع ما جاءت به الاحاديث الصحيحية من انه ﷺ لبى بالحج أولا ثم بالعمرة بعد ذلك.
وأما قوله وشرطه ان لا يكون ميقاته داره فلا دليل على ذلك ولا يصح قياس القرآن على التمتع لعدم وجود الجامع الصحيح الذي لا يتم القياس بدونه.
قوله: "وسوق بدنة".
أقول: قد ساق ﷺ هديا في حجه الذي بين فيه للناس ما نزل اليهم وقد قدمنا انه بيان لمجمل القرآن والسنة المقتضيين للوجوب فكان واجبا وما قيل من انه يلزم القائلين بوجوب سوق الهدى بفعله ﷺ أن يوجبوا التقليد والاشعار فهو ملتزم وان ابوه ولا يلزمهم ان يكون الهدى قدر هديه ﷺ لأنه قد وجد مسمى الهدى والسوق في الهدى الواحد.
ويؤيد هذا ان النبي ﷺ لم يقلد ولم يشعر الا بدنة واحدة فدل ذلك على انها على انفرادها هديه دون غيرها وما ذكره المصنف من التقليد والتجليل والاشعار فهو ثابت بالاحاديث الصحيحة.
وأما إيقاف الهدى في المواقف لم يرد من وجه تقوم به الحجة وما يدل على ان السوق في هذا النوع من أنواع الحج شرط قوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى" [البخاري "٣/٥٠٤"، مسلم "١٤١/١٢١٦"، أبو داود "١٧٨٥، ١٧٨٩"، أحمد "٣/٣٢٠"] ، وهو حديث صحيح فجعل ﷺ سوق الهدى هو المقتضى لبقائه قارنا.
стр. 365
[فصل
ويفعل ما مر إلا انه يقدم العمرة إلي الحل ويتشنى ما لزمه من الدماء ونحوها قبل سعيها] .
قوله: "فصل ويفعل ما مر".
أقول: هذه العبارة صحيحية على ما تقتضيه الادلة وإن كانت غير مناسبة لما هو المقرر عند المصنف ومن قال بقوله فقد ثبت في الصحيحين [البخاري "١٥٥٧"، مسلم "١١١/١٢١١"] ، وغيرهما من حديث عائشة: "أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة إنما طافوا طوافا واحدا".
وثبت في صحيح مسلم "١٣٣/١٢١١"] وغيره [أحمد "٦/١٢٤"] ، أن النبي ﷺ قال لعائشة: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك".
وفي مسلم "١٣٣/١٢١١"، أيضا أن النبي ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وفي صحيح البخاري "١٥٥٨/١٥٥٩"] ، عن ابن عمر أنه طاف لحجه وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ .
وأخرج أحمد "٢/٦٧"، وابن ماجه "٢٩٧٥"، وسعيد بن منصور عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد".
وأخرج الترمذي "٩٤٨"، بلفظ: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد لهما حتى يحل منهما جميعا"، وحسنه.
وأما قوله: "إلا انه يقدم العمرة إلي الحل" فليس على هذا دليل وقد عرفت انه يكفي لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد فلا تقديم ولا تأخير.
وأما قوله: "ويتثنى ما لزمه من الدماء ونحوها قبل سعيها" فمبنى على وجوب طوافين وسعيين هو مندفع بما قدمنا.
[فصل
ولا يجوز للآفاقي الحر المسلم مجأوزة الميقات إلي الحرم الا بإحرام غالبا فإن فعل لزم دم ولو عاد إن كان قد احرم أو عاد من الحرم فإ فاته عامه قضاه ولا يداخل غيره] .
قوله: "فصل ولا يجوز للآفاقي" الخ.
أقول: لم يرد على هذا دليل يصلح للتمسك به ولا حجة في اجتهاد بعض الصحابة ولا فيما روى عن رسول الله ﷺ ولم يصح ولو كان هذا شرعا ثابتا لما خفي دليله فقد كان الداخلون إلي مكة من الافاق في أيام النبوة كثيرين جدا ولم يسمع عن أحد منهم انه أمره صلى الله عليه وسلم
стр. 366
بالإحرام وإذا عرفت بطلان إيجاب الاحرام لمجرد المجأوزة عرفت بطلان إيجاب الدم على من جاوز بغير إحرام وبطلان إيجاب القضاء للإحرام المتروك عند المجاوزة.
والحاصل ان هذا الفصل مبني على غير أساس.
[فصل
ويفعل الرفيق فيمن زال عقله وعرف نيته جميع ما مر من فعل وترك فيبي ان أفاق وإ مات محرما بقي حكمه فإن كان قد احرم وجهل فكناس ما احرم له ومن حاضت اخرت كل طواف ولا يسقط عنها الا الوداع وتنوى المتمتعة والقارنة رفض العمرة إلي بعدا لتشريق وعليهما دم الرفض] .
قوله: "فصل وبفعل الرفيق فيمن زال عقله".
أقول: زوال العقل لا تصح معه عبادة ولا معاملة فمن زعم انها تصح منه هذه العبادة وان مجرد فعل رفيقه به ما شرعه الله لعباده من اعمال الحج تكفي ويسقط عنه الوجوب فهو مطالب بالدليل المخصص لهذه العبادة من بين سائر العبادات ولا دليل اصلا ولم يتفق مثل هذا في زمن النبوة ولا له مأخذ من كتاب ولا سنة ولا قياس والعجب من قوله ويبنى إن أفاق فإن هذا الذي زال عقله قد من الله عليه برجوع عقله وأمكنه ان يأتي بما أوجبه الله عليه عاقلا صحيحا فكيف يدع هذا ويجترئ بما فعل به حال جنونه وإذا عرفت هذا عرفت عدم صحه ما ترتب عليه.
قوله: "ومن حاضت اخرت كل طواف".
أقول: قد ثبت انه ﷺ أمر عائشة لما أخبرته انها قد حاضت بأن تغتسل ثم تهل بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة وثبت في الصحيح انه ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وثبت في الصحيح أيضا انه ﷺ قال لها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك".
وأما قوله: "ولا يسقط عنها الا طواف الوداع" فقدت تقدم انه ﷺ رخص فيه للحائض.
وأما قوله: "وتنوى القارن والمتمتعة رفض العمرة إلي ما بعد ايام التشريق" فليس على هذا دليل بل هو خلاف الدليل الصحيح وهكذا لا وجه لقوله وعليهما دم الفرض.
[فصل
ولا يفسد الاحرام الا الوطء في أي فرج على أي صفة وقع قبل التحلل برمي جمرة
стр. 367
العقبة أو بمضي وقته أداء وقضاء أو نحوهما فيلزم الاتمام كالصحيح وبدنة ثم عدلها مرتبا وقضاء ما أفسد ولو نفلا ومالا يتم قضاء زوجة اكرهت ففعلت الا به وبدنتها ويفترقان حيث افسدا حتى يحلا
قوله: "فصل ولا يفسد الاحرام الا الوطء"
أقول: قد قدمنا طرفا من الكلام على هذا وقدا ستدل من قال بالفساد بقوله تعالي: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وهذا الاستدلال غير صحيح.
أما أولا: فللاحتمال في معنى الرفث والمحتمل لا تقوم به الحجة.
وأما ثانيا: فلو سلمنا ان الرفث هو الوطء لكان المنع منه لا يستلزم بطلان الحج لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام وغايته ان فاعله إذا تعمد اثم إثم فالح الحرام فمن اين يلزم بطلان حجه.
وأما ثالثا: فلو كان الرفث مبطلا للحج لزم ان يكون الجدال مبطلا له واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله وإذا عرفت انه لادليل على ان الجماع عمدا مبطل للحج فكيف يبطل الجماع سهوا أو جهلا.
وأما قوله: "قبل التحلل برمي جمرة العقبة" فقد قدمنا حديث ابن عباس بلفظ: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والحاصل ان ما رتبه المصنف على فسادا لحج بالوطء وجعله متفرعا عليه من لزوم إتمامه كالصحيح ولزوم قضائه ولو نفلا كلام لا دليل عليه وتكليف لعبادالله بما لم يكلفهم الله به وهكذا من اعتمد في اثبات الأحكام الشرعية على خيالات الرأي وزائف الاجتهاد ياتي بمثل هذه الخرافات التي لا ثمرة لها الا إتعاب العباد في غير شرع.
ومن هذا الكلام الوارد على خلاف مناهج الشرع وأساليب الدين الحنيف قوله وما لا يتم قضاء زوجة اكرهت الا به ففعلت ويفترقان من حيث افسدا حتى يحلا وبطلان جميع هذا غني عن البيان وليته اقصتر على دعوى فساد الحج بالوطء ثم يقول وعليه ان يحج عن فرضه الذي افسده بالوطء في عام آخر فإن هذا وإن كان لا دليل عليه ولكنه أهون الشررين وأقل الضررين.
[فصل
ومن احصره عن السعي في العمرة أو الوقوف في الحج حبس أو مرض أو خوف أو انقطاع زاد أو محرم أو مرض من يتعين امره أو تجدد عدة أو منع زوج أو سيد لهم ذلك بعث بهدي وعين لنحره وقتا من ايام النحر في محله فيحل بعده فإن انكشف حله قبل
стр. 368
أحدهما لزمته الفديه وبقي محرما حتى يتحلل فإن زال عذره قبل الحل في العمرة والوقوف في الحج لزمه الاتمام فيتوصل اليه بغير مجحف وينتفع بالهدي إن ادركه في العمرة مطلقا وفي الحج إن ادرك الوقوف وإلا تحلل بعمرة ونحره ومن لم يجد فصيام كالمتمتع وعلى المحصر القضاء ولا عمرة معه] .
قوله: "فصل ومن احصره عن السعي في العمرة أو الوقوف في الحج" الخ.
أقول: احسن ما يستدل به على اثبات حكم هذا الحصر ما أخرجه مسلم وغيره عن ابن عباس ان ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أهل؟ فقال: "أهلي واشترطي أن محلى حيث حبستني".
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بن الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني الا وجعة فقال لها: "حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني".
وقد أخرج أحمد "٣/٤٥٠"، من حديث ضباعة نفسها وفي الباب عند أنس عند البيهقي وعن جابر عنده أيضا وعن ابن مسعود وأم سلمة عنده أيضا وعن ام سلمة عند أحمد والطبراني في الكبير وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير.
فهذه الاحاديث قد دلت على ثبوت حكم الحصر وان من اشترط هذا الاشتراط لم يثبت عليه حكم الحصر ومن لم يشترط ثبت عليه وقد ذهب جماعة من الصحابة منهم على وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين اليه ذهب أحمد واسحاق وابو ثور إلي انه لا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط وذهب أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين إلي انه لا يصح الاشتراط وهذه الاحاديث ترد عليهم.
وإذا تقرر هذا فقد ثبت انه ﷺ هو وأصحابه احصروا بالحدييية ونزل قوله تعالي: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فدل هذا على ان ما يلزم هذا المحصر الذي لم يشترط هو ما استيسر له فقول المصنف ﵀: "بعث بهدي" ما استيسر له وهذا إذا أمكنه البعث بالهدي فإن تعذر عليه ذلك لخوف طريق أو نحوه نحره حيث احصر وإن كان في الحل فقد نحر النبي ﷺ هو وأصحابه بالحديبية وهي من الحل ولهذا تلكأ اصحابه ولم ينحروا حتى نحر ولم يحلقوا حتى حلق وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ كما تقرر في الاصول فيقيد بها ما ورد مطلقا كحديث: "من كسر أو عرج فقد حل" وأما ما ذكره من لزوم الفدية إذا انكشف حله قبل احدهما فلا دليل عليه كما انه لا دليل على قوله فإن زال عذره قبل الحل في العمرة والوقوف في الحج لزمه الاتمام الخ بل الظاهر
стр. 369
ان من احصر وقد اشترط فإنه يصير حلالا والأمر مفوض اليه إن شاء حج مع زوال عذره وإن شاء ترك وحج في عام آخر وهكذا من لم يشترط وبعث بالهدي فإنه بعد بعثه بالهدى باختيار نفسه إذا زال عذره ولا قضاء عليه إذا لم يحج بل الفرض باق عليه متى استطاع وجب عليه الاتيان به فهذا حاصل ما ينبغي اعتماده في هذا البحث ولم يرد ما يخالفه الا مالا تقوم به الحجة ومالا تقوم به الحجة وجوده كعدمه.
[فصل
ومن لزمه الحج لزمه الايصاء به فيقع عنه والا فلا وإنما ينفذ من الثلث الا ان يجهل زيادة الوصي المعين فكله وإن علم الاجير وإذا عين زمانا أو مكانا أو نوعا أو مالا أو شخصا تعين وإن اختلف حكم المخالفة الا فالأفراد ومن الوطن أو ما في حكمه وفي البقية حسب الامكان] .
قوله: "فصل ومن لزمه الحج لزمه الايصاء به".
أقول: لم يكن في هذا دليل يصلح للتمسك به بل من لزمه الحج ووجد السبيل اليه وجب عليه تأديته لقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ، فإن لم يفعل فقد باء بالإثم ولم يسمع في أيام النبوة ان رجلا أوصى بان يحج عنه بعدموته استدراكا لما فاته من فريضة الحج ولا ثبت عنه ﷺ شيء في الوصية بالحج بل ثبت عنه حج الولد عن أبيه وأمه وحج الاخ عن اخيه وابن عمه وقريبه وقد قدمنا الكلام على هذا والاصل في العبادات البدنية انها لاتصح الا ممن وجبت عليه ولا تصح من غيره الا بدليل وقد دل الدليل في الحج على ما ذكرنا فيقتصر عليه وكذلك ورد في الصوم: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" كما قدمنا فيقتصر على ذلك وما عدا ما ورد به الدليل فالأصل المنع ولم يات من قال بأن الوصية مسوغة لحج غير الموصى عنه بما يصلح للاحتجاج به وأما عموم قوله ﷺ : "فدين الله احق ان يقضي" فمعناه صحيح وان من فاته شيء من العبادات فعليه القضاء.
وأما كونه يصح ان يقضيه عنه غيره فمتوقف على ورود الدليل بذلك فما ورد به الدليل صح ومالا فلا ولا سيما مع ما ثبت من قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] ، وقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عنه كل شيء الا صدقة جارية أو علم ينفع به أو ولد صالح يدعو له". [مسلم "١٦٣١"، الترمذي "١٣٧٦"، النسائي "٦/٢٥١"، أحمد ٢/٣٧٢"، أ [وداود "٢٨٨٠"] .
فالحاصل ان المتعين الوقوف على موارد النصف في كل شيء يقال إنه يلحق الميت ويناله ثوابه أو يسقط عنه فرضا من فرائض الله عليه وقد اطلنا البحث في هذا في شرحنا للمنتقى
стр. 370
وذكرنا جميع ما ورد من الادلة الدالة على تخصيص هذه الادلة المقتضية لاختصاص كل عامل بعمله فليرجع اليه. وبهذا القدر تعرف لأكلام على ما جعله المصنف متفرعا على لزوم الوصية بالحج إلي آخر الفصل فلا تشتغل بالكلام عليه.
[فصل
وإنما يستأجر مكلف عدل لم يتضيق عليه حج في وقت يمكنه أداء ما عين فيستكمل الأجرة بالاحرام والوقوف وطواف الزيارة وبعضها بالبعض وتسقط جميعا بمخالفة الوصي وإن طابق الموصى وبترك الثلاثة وبعضها بترك البعث ولا شيء في المقدمات الا لذكر أو فساد عقد وله ولورثته الاستنابة للعذر ولو لبعد عامة إن لم يعين وما لزمه من الدماء فعليه الا دم القران والتمتع] .
قوله: "فصل وإنما يستأجر مكلف" الخ.
أقول: هذا فصل مبني على صحة الاسئجار وصحة الوصية به وقد قدمنا الكلام على ذلك فلا حاجة لنا في الكلام على هذا الفصل فإنه متفرع على ما أوضحنا عدم ورود دليل يدل عليه وعلى تقدير صحة الاستئجار وصحة الوصية فما ذكره المصنف من اشتراط التكليف والعدالة في الاجير أمر لا بد منه فإن غير المكلف لا يصح منه عمل نفسه فكيف يصح منه عمل غيره ومن لا عدالة له فهو غير مأمون ان يستأجر على تأدية فريضة الله وركن من أركان الإسلام.
وأما قوله: "لم يتضيق عليه الحج" فصحيح إن قلنا بصحة الاستئجار لأنه مع التضييق قد صار مخاطبا بفريضة نفسه فلا يجوز له الاشتغال بغيرها مما هو فرض على غيره ولهذا يقول ﷺ : "حج عن نفسك ثم عن شبرمة" وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.
وهكذا لا بد ان يكون الاستئجار للأجير في وقت يمكنه أداء ما استؤجر له وأما كونه يستحق الأجرة بالاحرام والوقوف وطواف الزيارة فلكونها أركان الحج التي يتم بفعلها وقد قدمنا الكلام على ذلك.
وأما كون الأجرة تسقط جميعها بمخالفة الوصي وإن طابق الموصى فهو خلاف ما يختاره المصنف في سائر الابواب من ان الاعتبار بالانتهاء.
وأما كونه لا شيء في المقدمات فصحيح لأنه لم يفعل المقصود لو بعضه الا ان يذكرها فقد اشترط لنفسه لا لفساد العقد فإن فساده لا يكون سببا لاستحقاق الأجرة على غير المقصود.
стр. 371
وأما كون له ولورثته الاستنابة فمحتاج إلي دليل لأن الوجوب عند من قال بصحة الاجارة متعلق بذمة الميت لا بذمة الاجير.
[فصل
وأفضل الحج الإفراد مع عمرة بعد التشريق ثم القران ثم العكس]
قوله: "فصل وافضل أنواع الحج الأفراد".
أقول: نوع الأفراد هو أحد الأنواع التي ثبتت بالسنة المطهرة وبه حج بعض من كان معه ﷺ من الصحابة.
وأما قوله: "مع عمرة بعد ايام التشريق" فليس لهذا وجه ابدا وجعل العمرة بعد أيام التشريق مبني على ما تقدم للم صنف من ان العمرة لا تكره الا في اشهر الحج وأيام الشتريق وقد عرفناك فيما سبق أن القول بهذه الكراهة كانت سنة جأهلية أبطلها الإسلام.
واعلم ن حجة ﷺ وان اختلفت الأحاديث في بيان نوعه فقد تواتر انه حج قرانا وبلغت الاحاديث في ذلك زيادة على شعرين حديثا من طريق سبعة شعر صحأبيا ولم يرد ما يصلح لمعارضته بعض هذه الاحاديث فضلا عن كلها فمن جعل وجه التفضيل لاحد أنواع الحج هو انه ﷺ حج بنوع كذا وان الله سبحانه لا يختار لرسوله الا ما كان فاضلا على غيره فقد كان حجه ﷺ قرانا فيكون القران افضل أنواع الحج ولكنه قد ثبت من حديث جابر في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وجعلها عمرة"، فدل على ان التمتع افضل من القران وقد سقت المذاهب والادلة في شرحي للمنتقى مما لا يحتاج الناظر فيه إلي الرجوع إلي غيره فالاحالة عليه أولى لأن المقام طويل الذيول وكل أنواع الحج شريعة صحيحية وسنة ثابتة فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ﵌ فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل".
[فصل
ومن نذر أن يمشي إلي بيت الله أو ما في حكمه لزمه لأحد النسكين فيؤدى ما عين وإلا فما شاء ويركب للعجز فيلزم دم وبأن يهدي شخصا حج به أو اعتمر إن أطاعه
стр. 372
ومؤنه وجوبا وإلا فلا شيء وبعبده أو فرسه شرى بثمنه هدايا وصرفها من حيث نوى وبذبح نفسه أو ولده أو مكاتبه ذبح كبشا هنالك لا من له بيعه فكما مر.
ومن جعل ماله في سبيل الله تعالي صرف ثلثه في القرب لا هدايا ففي هدايا البيت والمال للمنقول وغيره ولو دينا وكذا الملك خلاف م بالله في الدين] .
قوله: "فصل ومن نذر ان يمشي إلي بيت الله لزمه لأحد النسكين"
أقول: أما لزوم الوفاء فلما ورد من الوفاء بالنذر إذا كان في غير معصية الله.
وأما كونه يلزمه لاحد النسكين فلا دليل على هذا وقد قدمنا انه لا دليل على عدم مجاوزة الحرم الا بإحرام.
وأما جواز الركوب للعجز ولزوم الدم فلحديث عقبة الثابت في الصحيحين [البخاري "٤/٨٧"، مسلم "١١/١٦٤٤"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٢٩٩"، النسائي "٣٨١٤"، أحمد "٤/١٥٢"] ، ان اخته نذر بالحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ : "إن الله عن مشى أختك لغني فلتركب"، وأخرج أبو دأود نحوه من حديث ابن عباس وزاد فيه "ولتهد بدنة".
وأما قوله: "ومن نذر ان يهدي شخصا" فإن أراد بالإهداء الإيصال فلا باس بأن يحج به ويعتمر إن اطاعه ولكن لا دليل على ذلك فإن غاية ما يجب عليه إيصاله إلي حيث نذر وإن أراد بالاهداء جعل الشخص هديا فهذا نذر في يمعصية الله وهو باطل.
وهكذا لا يصح نذر من نذر بذبح نفسه لأنه نذر في معصية الله.
وأما قوله: "ومن نذر بعبده أو فرسه" الخ فإذا كان قصده من ذلك لزمه وإن كان له قصد آخر كان ينذر بعبده لخدمة الحرم وبفرسه لركوب من يلي الحرم عليه أو نحو ذلك كان صحيحا وإن قصد جعلهما هدايا فلا يصح النذر بالعبد لأنه في معصية الله ويصح بالفرس فينحرها حيث ينحر الهدى لأن الراجح ان أكلها حلال كما سياتي.
وأما قوله: "ومن جعل ماله في سبيل الله" الخ فهذا سيأتي الكلام عليه في النذر إن شاء الله تعالي.
وأما قوله: "لا هدايا ففي هدايا البيت" فهو صحيح لأن الهدايا لا تكون الا كذلك.
وأما قوله: "والمال للمنقول وغيره" الخ فهذا هو معنى المال لغة الا ان يتجدد اصطلاح يقصره على البعض كان الاصطلاح مقدما لأن الرجل يتكلم باصطلاح قومه فيحمل ماتكلم به عليه.
[فصل
ووقت دم القران والتمتع والإحصار والإفساد والتطوع في الحج أيام النحر اختيارا
стр. 373
وبعدها اضطرارا فيلزم دم التأخير ولا توقيت لما عداها واختياري مكانها مني ومكان دم العمرة مكة واضطراريهما الحرم وهو مكان ما سواهما الا الصوم ودم السعي فحيث شاء.
وجميع الدماء من رأس المال ومصرفها الفقراء كالزكاة الا دم القران والتمتع والتطوع فمن شاء وله الأكل منها ولا تصرف الا بعد الذبح وللمصرف فيها كل تصرف] .
قوله: "فصل ووقت دم القرآن" الخ.
أقول: إن كان جعل أيام النحر وقت اختيار لدليل يدل على ذلك فما هو فإن الثابت عنه ﷺ انه نحر هديه يوم النحر وامر من معه بالنحر في يوم النحر فكان ينبغي ان يكون يوم النحر هو وقت الاختيار ثم إذا خرج هذا الوقت كان إجزاء النحر فيما بعده محتاجا إلي دليل وليس كل عبادة تقضى لكن يقال ان لأعذار حكمها وان من تعذر عليه النحر في يوم النحر كان الوقت ممتدا في حقه كامتداد وقت الأضحية لحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ أنه قال: "أيام التشريق ذبخ"، أخرجه أحمد "٤/٨٢"، وبان حبان في صحيحه والبيهقي وأخرج نحوه ابن عدي من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف وأخرج نحوه أيضا ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد وهو ضعيف.
وأما كون وقت الاضطرار بعد أيام التشريق فهذا يحتاج إلي دليل لأنه تعيين وقت لعبادة من العبادات وذلك لا يثبت بمجرد الرأي فإن قام الدليل على ذلك فلا وجه لايجاب دم التأخير وقد قدمنا البحث عن هذا.
وأما قوله: "ولا توقيت لما عداها" فإذا قد ثبت وجوب الدم غير مقيد بوقت فالأمر كذلك وهكذا لا دليل لجعل مكانين اختياري واضطراري لدم العمرة بل مكان جميع الدماء مني وفجاج مكة ولهذا يقول ﷺ : "إن منى كلها منحر وإن فجاج مكة طريق ومنحر".
وأما استثناء الصوم فإن كان المراد به الذي قال الله سبحانه فيه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فظاهر وإن كان سائر أنواع الصوم التي تلزم من لم يجد الدم فلم يرد دليل يدل على تعيين وقتها.
وأما دم السعي فحكمه حكم سائر الدماء زمانا ومكانا ولا وجه لاستثنائه.
وأما كون جميع الدماء من رأس المال فهكذا ينبغي ان يكون لانها لزمت من هي عليه فوجب تخليصها من ماله ولا وجه لاخراجها من الثلث فإن الامور التي وردت ان مخرجها من الثلث هي امور مخصوصة معروفة لزمت بالوصية أو لنذر أو نحوهما.
قوله: "ومصرفه الفقراء كالزكاة".
أقول: الظاهر عدم الفرق بين هذه الدماء ودم القران أو التمتع أو التطوع انه يجوز الأكل منها لمن هي عليه لقوله تعالي: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، وقوله تعالي:
стр. 374
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ، وقد ثبت في الاحاديث الصحيحية ان النبي ﷺ أكل مما أهداه وأطعم أصحابه ونساءه فهذا الكتاب العزيز والسنة المطهرة قد دلا على جواز الأكل منها وصرفها في مصارفها ودعوى التفرقة بين الدماء يحتاج إلي دليل ولم يثبت ما يقتضى ذلك وإن كان السبب خاصا فلا يتقيد الحكم بالسبب.
وأما كونها لا تصرف الا بعد الذبح فلكون الحكم المتعلق بها لا يسقط الا بنحرها وأما كون للمصرف يها كل تصرف فظاهر.
стр. 375
كتاب النكاح
مدخل
...
كتاب النكاح
[فصل
يجب على من يعصى لتركه ويحرم على العاجز عن الوطء من تعص بتركه وعارف التفريط من نفسه مع القدرة وينعقد مع الإثم ويندب ويكره ما بينهما ويباح ما عدا ذلك وتحرم الخطبة على خطبة المسلم بعد التراضى وفي العدة الا التعريض في المبتوتة.
وندب عقده في المسجد والنثار وإنتهابه والوليمة وإشاعته بالطبول لا التدفيف المثلث والغناء] .
قوله: "يجب على من يعصى لتركه".
أقول: قد علم بنصوص الكتاب والسنة وبإجماع الامة ان الزنا حرام وكذلك ما يؤدي اليه وما هو مقدمة له فمن خشي على نفسه الوقوع في هذا وجب عليه دفعه عن نفسه فإن كان لا يندفع الا بالنكاح وجب عليه ذلك وإن كان يندفع بمثل الصوم أو السفر أو التقليل من طعامه وشرابه أو أكل غير ما فيه دسومة من الاطعمة لم يجب عليه النكاح لإمكان دفع المعصية بدونه.
قوله: "ويحرم على العاجز عن الوطء من تعصى لتركه".
أقول: هذا التحريم لا وجه له ولا يلزم الإنسان ترك ما احل الله له بل ما امره به ورغبه فيه بتجويز وقوع المعصية من غيره فذنب كل مذنب عليه لا يتعداه إلي غيره وهذه المرأة قد جعل الله لها فرجا ومخرجا وأوجب عليها ان تدع ما حرمه عليها وتشكو امرها إلي حكام الشريعة كما وقع ذلك من المراة التي شكت زوجها إلي رسول الله ﷺ وقالت: إنما معه كهدية الثوب [البخاري "٥/٢٤٩"، مسلم "١١١/١٤٣٣"، أبو داود "٢٣٠٩"، الترمذي "١١١٨"، النسائي "٦/١٤٨"، ابن ماجة ١٩٣٢"، أحمد "٦/٤٢"، ٤٦"] ، فإذا كان إمساكه لها مع عجزه عن أن يعفها ويكسر
стр. 376
سورة شهوتها فذلك من الامساك لها ضرارا وقد قال الله سبحانه ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وهو أيضا من المضارة لها وقد قال تعالي: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وهذا مضار لها وفي الشريعة المطهرة ما يدل على جواز الفسخ بمجرد الكراهة كما في حديث: "أتردين عليه حديقته" وفيها أيضا جواز الفسخ للاعواز عن النفقة وبهذا تعرف انه لا وجه للحكم بهذا التحريم بادئ بدء وهكذا لا وجه للحكم بالتحريم على عارف التفريط من نفسه فإنه قد يتحول الحال وقدترضى المرأة بتفريطة وبعد هذا كله فالطلاق بيده إذا استمر على هذا السجية المذمومة والطبيعة الناقصة وأيضا لها ان تطلب الخلاص منه لما قدمنا.
قوله: "ويندب ويكره ما بينهما ويباح ما عدا ذلك".
أقول: النكاح من آكد السنن وقد أمر الله سبحانه به في كتابه العزيز وثبت في السنة الصحيحية في الصحيحين [البخاري "٤/١١٩"، مسلم "١٤٠٠"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٠٤٦"، الترمذي "١٠٨١"، النسائي "٤/١٦٩، ٦/٥٦، ٥٧" ابن ماجة "١٨٤٥"، أحمد "١/٤"] ، ان النبي ﷺ قال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وصح عنه في الصحيحين [البخاري "٩/١١٧"، مسلم "٤/١٢٩"] ، وغيرهما النهي عن التبتل وقال فيما صح عنه في الصحيحين [البخاري "٩/١٠٤"، مسلم "١٤٠١"، وغيرهم "لكني أصوم وأفطر واصلي وانام واتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
والحاصل ان النكاح سنة مؤكدة فلا وجه لجعل بعض اقسامه مباحا فإن ذلك دفع في وجه الادلة ورد للترغيبات الكثيرة في صحاح الاحايث وحسانها وقد ذكرنا بعضا من ذلك في شرحنا للمنتقى نعم من كان فقيرا لا يستطع القيام بمؤنة الزوجية فله رخصة في ترك هذه السنة الحسنة لقوله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٣] ، الآية على ما في تفسيرها من الاختلاف.
قوله: "وتحرم الخطبة على خطبة المسلم بعد التراضي".
أقول: الاحاديث الصحيحية الواردة الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن عقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر قد صرحت بالنهي عن ان يخطب الرجل على خطبة اخيه إلي غاية هي قوله ﷺ : "حتى ينكح أو يترك"، وفي حديث آخر بلفظ: "حتى يترك الخاطب أو يأذن له الخاطب" فوقوع الخطبة مقتض لتحريم خطبة الآخر إلي هذه الغاية وبمجرد وقوع الخطبة الأولى يحصل التحريم سواء علم الاخر بالرضا من المرأة ام لم يعلم لكن وإذا انتهى الحال إلي عدم وقوع الرضا منها فتلك الخطبة كأنها لم تكن لعروض مانع من ثبوتها وهو عدم الرضا ولا يقال انها لا تحرم الخطبة على الاخر الا إذا علم بالرضا بل تحرم عليه ما لم يعلم بعدم الرضا عملا بالنهي ووقفا على حكمه ولا منافاة بين الاحاديث القاضية بتحريم الخطبة وبين ما وقع منه ﷺ من المشورة على فاطمة بنت
стр. 377
قيس بأن تنكح اسامة بن زيد بعد ان خطبها أبو جهم ومعأوية لأنه ﷺ لم يخطبها لأسامة بل أشار عليها به بعد ان استشارته وبين لها ان معأوية صعلوك وأبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه وانه ضراب للنساء والامر اليها في ذلك.
وفي رواية في صحيح [مسلم "٣٦/١٤٨٠" أبو داود "٢٢٨٤"، الترمذي "١١٣٥"، النسائي "٦/٧٥ – ٧٦"، ابن ماجة "١٨٦٩"، أحمد "٦/٤١١"، ٤١٢"] ، وغيره ان اسامة قد كان خطبها معهما وان الثلاثة خطبوها فأشار عليها النبي ﷺ به وهذا يوضح لك عدم الاختلاف بين هذا الحديث واحاديث تحريم الخطبة على الخطية.
قوله: "وفي العدة الا التعريض في المبتوتة".
أقول: يدل على هذا قوله : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ، فإنه يفيد انه لا يجوز التصريح بالخطبة ويجوز التعريض ثم نهاهم عن أن يواعدوهن سرا فقال: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ على ما في معنى هذه المواعدة من الاختلاف ثم استثنى من هذا فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] .
فالحاصل انه لم يبح سبحانه الا التعريض والقول المعروف فكان التصريح بالخطبة للمعتدة أو ذكر شيء مستهجن في مكالمتها غير جائز وقد كان هذا امرا متقررا معروفا عندهم كما يدل عليه ما أخرجه الدارقطني عن سكينة بنت حنظلة قالت استأذن على محمد بن علي ولم تنقض عدتي مهلكة زوجي فقال قد عرفت قرابتي من رسول الله ﷺ وقرابتي من علي وموضعي من العرب قلت غفر الله لك يا أبا جعفر إنك رجل يؤخذ عنك وتخطبني في عدتي فقال إنما اخبرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ ومن علي وقد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: "لقد علمت أني رسول الله ﷺ وخيرته من خلقه وموضعي من قومي" أكانت تلك خطبة؟.
ثم اعلم أنه لا فرق في المنع من التصريح للمعتدة بالخطبة بين ان تكون في عدة طلاق رجعي أو بائن أو في عدة الوفاة ولا وجه للتعليل بأن الرجعية لم ينقطع حق زوجها بخلاف غيرها لان الدليل لم يفصل بين عدة وعدة.
قوله: "وندب عقده في المسجد".
أقول: إن انتهض حديث: "واجعلوه في المساجد" للحجية فأقل احوال هذا الامر الندب والا فالمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة فلا يجوز فيها غير ذلك الا بدليل يخصص هذا العموم كما وقع من لعب الحبشة بحرابهم في مسجده ﷺ وهو نيظر وكما قرر من كانوا يتناشدون الاشعار فيه.
قوله: "والنثار وانتهابه".
أقول: لم يثبت في هذا شيء والحديث المروي في ذلك قد تكلمنا عليه في كتابنا الذي سميناه الفوائد المجموعة في الاحاديث الموضوعة وقد ذكره ابن حجر في التلخيص وعزاه إلي
стр. 378
البيهقي وقال في إسناده ضعف وانقطاع قال ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة عن معاذ نحوه وفيها بشر بن إبراهيم انتهى قلت وكان متهما بوضع الحديث ورواه الغزالي والرازي والقاضي حسين أحد اصحاب الشافعي من حديث جابر أن النبي ﷺ حضر في إملاك فأتى باطباق عليها جوز ولوز وتمر فنثرت فقبضنا ايدينا فقال: "ما بالكم لا تأخذون؟ " فقالوا: لأنك نهيت عن النهية فقال: "إنما نهيت عن نهبى العساكر خذوا على اسم الله فجاذبنا وجاذبناه" وهذا موضوع لا شك فيه وهؤلاء الذين رووه ليسوا من أهل الرواية وانتهاب النثار إذا لم يكن حرأما لصدق النهي عليه فأقل الاحوال ان يكون مكروها.
قوله: "والوليمة".
أقول: قد دلت على مشروعيتها الاحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما وقد صح انه ﷺ أولم على نسائه وصح انه أمر من تزوج بالوليمة كما قال لعبد الرحمن بن عوف أولم ولو بشاة وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس.
وأما قوله: "واشاعته بالطبول لا التدفيف المثلث والغناء" فقد ثبت الترخيص في طرف من اللهو في العرسات وقد ذكر صاحب المنتقى الادلة على ذلك وتكلمت في شرحي له عليها ومن خالف في ذلك فقد خالف ما كان ثابتا معلوما ومن جوز اللهو في غير هذا الموطن فقد خالف ما يدل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة وسيأتي استيفاء البحث عن هذا في كتاب الحدود.
[فصل
ويحرم على المرء اصوله وفصوله ونساؤهم وفصول اقرب اصوله وأول فصل من كل أصل قبله واصول من عقد بها لا فصولها ولا هما من المملوكة الا بعد وطء أو لمس لشهوة ولو بحائل أو نظر مباشر ولو خلف صقيل لافي مرآة والرضاع في ذلك كالنسب غالبا والمخالفة في الملة والمرتدة والمحصنة والملاعنة والمثلثة قبل التحليل الصحيح والمعتدة والمحرمة والخامسة والمتلبسات بالمحرم منحصرات والخنثى المشكل والامة على الحرة وان رضيت ولحر الا لعنت لم يتمكن من حرة وامرأة مفقود أو غريق قبل صحة ردته أو طلاقه أو موته أو مضى عمره الطبيعي والعدة ويصح بعدها فإن عاد فقد نفذ في الأوليين لا الاخريين فيبطل وتستبرئ له فإن مات أو طلق اعتدت منه أيضا وله الرجعة فيهما لا الوطء في الأولى ولا حق لها فيهما ولا يتداخلان ويحرم الجمع بين من لو كان احدهما ذكرا حرم على الاخر من الطرفين فإن جمعهما عقد حرتين أو امتين بطل كخمس حرائر أو
стр. 379
إماء لا من يحل ويحرم فيصح من يحل وكل وطء لا يستند إلي نكاح أو ملك صحيح أو فاسد لا يقتضى التحريم] .
قوله: "فصل ويحرم على المرء أصوله وفصوله".
أقول: هذا معلوم بالكتاب والسنة وبإجماع المسلمين اجمعين وهكذا تحريم نساء الأوصل والفصول هو منصوص عليه في الكتاب العزيز وهكذا تحريم فصول أقرب الاصول فإنهم الاخوة والاخوات وابناء الإخوة وأبناء الإخوات وتحريمهم في الكتاب العزيز وهكذا يحرم على الرجل أصول من عقد بها بالكتاب العزيز حيث قال : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وظاهره انه لا فرق بين ان يكون قد وقع الدخول ام لا ولكنه قرأ جماعة من الصحابة منهم علي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير: ﴿وأمهات نسائكم التي دخلتم بهن﴾ فإن صحت هذه القراءة كانت دليلا على انها لا تحرم الا ام المدخولة وادعى بعض أهل العلم ان قوله سبحانه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يعود إلي قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وإلي قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وفي ذلك الخلاف المعروف في الاصول في القيد إذا جاء بعد متعدد ولكنه يقوى عود هذا القيد إلي الجميع القراءة المذكورة.
ويدل على خلاف هذا التقييد ما أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "من نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم يحرم عليه ابنتها" وهذا لو صح لكان نصا في محل النزاع ولكنه حديث ضعيف وفي إسناده ضعيفان هما المثنى بن الصباح وابن لهيعة فإن صح إسناد تلك القراءة فهي ارجح من هذا الحديث وإن لم يصح إسنادها كان العمل بما يقتضيه قوله تعالي: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ من شموله للمدخولة وغيرها هو المتعين.
قوله: "ولا هما من المملوكة" الخ.
أقول: الامة لا تصير من نساء سيدها الا بوطئها بخلاف الحرة فإنه اتصير من نساء زوجها بالعقد عليها ولا يحتاج إلي قياس الامة على الحرة بل هي داخلة في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فإن ترجيح تقييد هذا العموم بتلك القراءة لم تحرم اصول الامة الموطوءة ولا فصولها الا بعد الدخول بها وان لم يترجح التقييد فقد عرفت ان الامة لا تكون من نساء سيدها الا بالدخول فهي قبل الدخول ليست من نسائه فلا تحرم اصولها ولا فصولها الا بدخولها ولهذا اتفقوا على انها لا تحرم ام الامة ولا ابنتها الا بعدالدخول واختلفوا في الزوجة.
وأما قوله: "أو لمس لشهوة ولو بحائل" فلا يتم الا بعد تسليم انه يصدق عليه مسمى الدخول شرعا وهو بعيد وابعد منه قوله: "أو نظر مباشر ولو خلف صقيل".
والحاصل انه إذا لم يصدق على هذا اللمس وهذا النظر انه وطء ولا دخول شرعا فصدق ذلك لغة ابعد وأبعد وقد عرفناك ان الامة لا تكون من نساء سيدها الا بالوطء لا بمجرد الشراء ولا بما لا يصدق عليه مسمى الوطء.
стр. 380
قوله: "والرضاع في ذلك كالنسب".
أقول: قد صح عنه ﷺ من حديث جماعة في الصحيحين وغيرهما انه قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم"، [اليخاري "٥/٢٥٣، مسلم "١٢/١٤٤٧"] ، وفي لفظ فيهما: "ما يحرم من النسب" [البخاري "٥/٢٥٣"، مسلم "١٣/١٤٤٧"] وفي لفظ فيهما: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، فالواجب التوقف على ما تدل عليه هذه الاحاديث بعمومها ولا يخص منها الا ما خصصه دليل صحيح صالح للتخصيص.
وإذا عرفت هذا كفاك عن الخبط والخلط الواقع في هذه المسألة لكثير من المتكلمين فيها وعليك ان تلاحظ مع ملاحظتك لهذه الادلة انه ﷺ لم يقل يحرم من الرضاعة ما يحرم من الصهارة فلا يحرم من اصهار أهل الرضاعة الا ما جاء النص بتحريمه والا فهو حلال وقد ذكرت في شرحي للمنتقى ما يهتدي به الناظر إلي صوب الصواب.
قوله: "والمخالفة في الملة".
أقول: ما كان ينبغي للمصنف ومن قال يقوله ان يتركوا ما دل عليه الكتاب العزيز بالخصوص ويتمسكوا بالعام فإن قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، مخصص لعموم قوله سبحانه: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، على تقدير تحقق الاشراك في اليهود والنصارى فإن هذا حكم الله في كتابه العزيز فكيف يبلغ التعصب بصاحبه إلي اهمال الدلائل القرآنية التي هي أوضح من شمس النهار ولهذا فإن السلف لم يظهر بينهم خلاف في جواز نكاح الكتابيات ولا أنكر أحد منهم على فاعله ومع هذا فقد وقع الاجماع على حل وطء المسبيات من المشركين ولم يخالف في ذلك مخالف فكما كان هذا المخصص لعموم الكتاب معمولا به عندهم يكون ما هو اظهر منه وأوضح دلالة وهو قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فلا يدخل تحته الا من كان من أهل الكتاب ولم يبق على دين الانبياء الذين انزل الله عليهم كتابه الا اليهود والنصارى فيخرج من هذا المخصص المجوس ولكنه صح عن رسول الله ﷺ انه قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فكان لهم حكمهم في حل نسائهم ونحو ذلك من الامور الثابتة لأهل التاب ولم يصح الاستثناء المروي في هذا الحديث وهو قوله: "غير آكلي ذبائحهم وناكحي نسائهم"، فكان للمجوس حكم أهل الكتاب في جميع ما اثبته شرعنا لهم.
وأما قوله: "والمرتدة" فلا وجه لأفرادها بالذكر فهي كافرة من جملة الكوافر ومخالفة في الملة من جملة المخالفات والكلام فيها كما قدمنا.
وأما قوله: "والمحصنة" فتحريمها ثابت بنص القرآن وإجماع المسلمين وهكذا الملاعنة أبدا والمثلثة حتى تنكح زوجا غيره وهكذا المعتدة بنص القرأن والاجماع.
стр. 381
وأما قوله: "والمحرِمة" فما كان ينبغي إدخالها ها هنا لانها لا تعقد نكاح نفسها واغذا عقد لها ولى حلال وهي محرمة فما بذلك من بأس وقد قدمنا اختلاف الادلة في عقدالمحرم للنكاح.
قوله: "والخامسة".
أقول: أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز زيادة على أربع بقوله : ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، فغير صحيح كما أوضحته في شرحي للمنتقى ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث وحديث غيلان الثقفي وحديث نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد عليه وإن كان في كل واحدم منهما مقال ولكن الاجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل وقد حكى الاجماع صاحب فتح الباري والمهدي في البحر والنقل عن الظاهرية لم يصح فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو اعرف بمذهبهم وأيضا قد ذكرت في تفسيري الذي سميته فتح القدير تصحيح بعض هذه الاحاديث واطلت المقال في ذلك فليرجع اليه.
قوله: "والملتبسات بالمحرم منحصرات".
أقول: ليس على هذه المسألة دليل يخصها وليس فيها الا الرجوع إلي قواعد مقررة وهي ان الاصل في الفروج التحريم وان الحظر مقدم على الاباحة والبراءة الاصلية وإنكانت مستصحبة لكن قد عورضت بمثل ذلك فإن ينتهض دليل على تقديم الحظر على الاباحة في مثل الفروج فذاك والا فلا ناقل ينقل عن البراءة الاصلية المعلومة بالادلة الكلية والجزئية.
قوله: "والخنثى المشكل".
أقول: إن صح وجود هذا في العالم اعني المشكل الذي لا يتميز فالتحريم محتاج إلي دليل ولا دليل الا مجرد استبعادات ولا تقوم بمثلها الحجة لا عقلا ولا نقلا وأما وجود من له فرج كفرج الرجل وفرج كفرج المرأة مع التمييز بان يكون الفرج الذي له القوة وبه الانتفاع بالبول ونحوه أو بمجرد السبق فهو محكوم له بالفرج الذي هو كذلك وما اقل جدوى تحرير مثل هذه المسائل في كتب الهداية.
قوله: "والامة على الحرة وإن رضيت".
أقول: ليس في هذا وفي قوله ولحر الا لعنت لم يتمكن من حرة الا ما دل عليه قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ، الآية وهذا الذي تحته الحرة قدا ستطاع طولا بالحرة التي تحته وأما الحر الذي لم يتمكن من حرة فلم يستطع طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات ولا يشترط ان يكون عنتا بل مجرد عدم التمكن من الحرة يكفي وليس في السنة ما تقم الحجة به في هذا لان ما روى مرفوعا لم يصح وما روى غير مرفوع لا تقوم به الحجة.
قوله: "وامرأة مفقودا". الخ.
أقول: قد أمر الله سبحانه بإحسان عشرة الزوجات فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ،
стр. 382
ونهى عن إمساكهن ضرارا فقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ [البقرة: ٢٣١] ، وأمر بالامساك بالمعروف أو التريح بإحسان فقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، ونهى عن مضارتهن فقال: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، فالغائب ان حصل مع زوجته التضرر بغيبته جاز لها ان ترفع امرها إلي حكام الشريعة وعليهم ان يخلصوها من هذا الضرار البالغ هذا على تقدير ان الغائب ترك لها ما يقوم بنفقتها وانها لم تتضرر من هذه الحيثية بل من حيثية كونها لا مزوجة ولا أيمة أما إذا كانت متضررة بعدم وجود ما تستنفقه مما تركه الغائب
فالفسح بذلك على انفراده جائز ولو كان حاضرا فضلا عن ان يكون غائبا وهذه الايات التي ذكرناها وغيرها تدل على ذلك.
فإن قلت هل تعتبر مدة مقدرة في غيبة الغائب قلت لا بل مجرد حصول التضرر من المراة مسوغ للفسخ بعدالاعذار إلي الزوج إن كان في محل معروف لا إذا كان لا يعرف مستقره فإنه يجوز للحاكم ان يفسخ النكاح بمجرد حصول التضرر من المراة ولكن إذا كان قد ترك الغائب ما يقوم بما نحتاج اليه ولم يكن التضرر منها الا لأمر غير النفقة ونحوها فينبغي توقيفها مدة يخبر من له عدالة من النساء بأن المراة تتضرر بالزيادة على تلك المدة وأما إذا لم يترك لها ما تحتاج اليه فالمسارعة إلي تخليصها وفك اسرها ودفع الضرار عنا واجب ثم إذا تزوجت بآخر فقد صارت زوجته وان عادالأول فلا يعود نكاحه بل قد بطل بالفسخ فلا تشتغل بهذه التفاصيل التي ذكرها المصنف ﵀.
قوله: "ويحرم الجمع بين من لو كان احدهما ذكرا" الخ.
أقول: هذه الكلية محتاجة إلي دليل تقوم به الحجة ولم يرد الا فيما هو اخص من ذلك كالجمع بين الاختين وبين المرأة وعمتها والمراة وخالتها أما الجمع بين الاختين فبنص الكتاب العزيز وأما الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فبالسنة الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما المروية من طريق جماعة من الصحابة وقد أبعد من رام دفع هذا الحكم الثابت بهذه السنة الصحيحية بمجرد الخيالات المختلة والعلل المعتلة وقد حكى بعض أهل الاجماع على التحريم ومثل الروافض والخوارج من فرق الضلال ليسوا ممن ينبغي ان يشتغل بشانهم ولا بتدوين مقالاتهم الباطلة ولا يقدح خلافهم في إجماع الامة الإسلامية ولكن التعصب يتشعب شعبا كثيرة قد يقع الواقع فيها بل في أشدها ضررا واعظمها خطرا وهو لا يدري كما أوضحت ذلك في كتأبي الذي سميته ادب الطلب ومنتهى الأرب.
واعلم أن الله سبحانه قد انزل في كتابه العزيز فيما يحل ويحرم من المناكح الكثير الطيب ثم ان النبي ﷺ بين للناس ما نزل اليهم وبالغ في البيان والأيضاح فيس بنا حاجة إلي التعويل على ما يذكره أهل الفروع إذا جاءوا بما لم يرد به دليل.
وأما الحكم ببطلان العقد الذي وقع فيه الجمع بين حرتين أو امتين فهو صواب إن كان قد وردالدليل المقتضى للمنع من ذلك لأن الفاعل لذلك فعل مالا يبيحه الشرع وما ليس عليه
стр. 383
امر رسول الله ﷺ فهو رد ورده هو عدم الاعتداد به ولا يراد بالبطلان الا ذلك وقد صح عن رسول الله ﷺ الحكم بالبطلان فيما هو دون هذا فقال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" فهذا حكمه ﷺ كونه لا مانع من نكاح المرأة بل هو حلال مطلق ولكنه لم يوجدا الاذن ممن هو ولي لها فأين هذا الامر من العقد على من هي محرمة بنص الشرع.
وأما قوله: "كخمس حرائر أو إماء" فقد تقدم الكلام عليه ولكن المصنف أراد مجرد النظير والتمثيل.
وأما قوله: "لا من يحل ويحرم فيصح من يحل" فهو ظاهر واضح لا يحتاج إلي ذكر.
وأما قوله: "وكل وطء لا يستند إلي نكاح" الخ فصواب لأن الحكم بالتحريم يحتاج إلي دليل ولا دليل وقد قال بالتحريم الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق ولم نقف لهم على ما يصلح للتمسك به.
[فصل
ووليه الأقرب فالأقرب المكلف الحر من عصبة النسب ثم السبب ثم عصبته مرتبا ثم سببه ثم عصبته كذلك ثم الوصى به لمعين في الصغيرة ثم الامام والحاكم قيل ثم الوصي به في الكبيرة ثم توكل ويكفي واحد من أهل درجة الا الملاك ومتى نفتهم غريبة حلفت احتياطا وتنتقل من كل إلي من يليه فورا بكفره وجنونه وغيبته منقطعة وتعذر مواصلته وخفاء مكانه وبادنى عضل في المكلفة الحرة ولا يقبل قولها فيه] .
قوله: "ووليه الاقرب فالأقرب" الخ.
أقول: لما أمر الله سبحانه بإنكاح النساء ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ، كان أولياء المرأة ممن دخل في هذا الخطاب دخولا أوليا فكانوا احق بإنكاحها من هذه الحيثية ثم جاءت السنة الصحيحية بأنه لا نكاح الا بولي وان النكاح بغير ولي باطل وثبت عنه ﷺ بأن الأولياء "إذا اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" فتبين بذلك ان المراد بما في القرآن هم خصوص الأولياء ومعلوم ان الاقرب اليها اخص من الأبعد من جهة كون ولايته على المرأة لها مزيد خصوصية بالقرب وقد ذهب إلي اعتبار الولي جمهور السلف والخلف حتى قال ابن المنذر انه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وسيأتي والكلام على هذا في شروط النكاح وليس المراد هنا الا كون الأولياء الذين اليهم ولا ية النكاح هم هؤلاء الذين ذكرهم المصنف مرتبين على هذا الترتيب وقد ذهب إلي هذا الجمهور وروى عن أبي حنيفة انه اثبت الولاية في النكاح للقرابة الذين ليسوا من العصبات.
стр. 384
وأما ما قيل من ان الولاية في النكاح مقيسة على الميراث فلا وجه له بل هي ثابتة بالادلة المتقدمة فلا تحتاج إلي القياس الا ان يقال ان كون الولاية مرتبة على هذا الترتيب هو بالقياس على الميراث ولكنه لا يتم لأنه قد ثبت الميراث لمن لا ولاية له في النكاح كالاخوة لأم وأيضا قد يكون الميراث مستحقا لغير من اليه العقد الاخوة لأب والاعمام وأبناء الاعمام إذا كان في ذوي السهام من ياخذ جميع الميراث كالبنات مع الاخوات لأبوين.
وقيل العلة في كون هؤلاء الأولياء للنكاح ان الغضاضة تلحق بهم دون غيرهم وهو غير مسلم فإن الغضاضة قد تلحق مثلا بالاخوة لأم لحوقا زائدا على الاعمام وأبناء الاعمام وسيأتي لنا ان شاء الله في البيع تحقيق للأولياء في النكاح وفي البيع شرعا ولغة فلينظر.
وأما إثبات الولاية للمعتق فلحديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب" وهو حديث لامطعن فيه وله شواهد كما ذكره صاحب التلخيص.
وظاهر هذا التشبيه انه يثبت له ما يثبت لذي النسب وأما اثباتها لعصبة المعتق فلكون التشبيه المذكور يدل على ان عصبة المعتق يقومون مقامه إذا لم يوجد أحد من عصبة النسب ثم معتق المعتق وعصبته لهم مدخل في ذلك التشبيه فلهذا ذكرهم المصنف.
وأما اثبات الولاية لوصي من اليه الولاية فلا اراه صحيحا لأن الولاية إنما هي للأولياء الاحياء ومن مات منهم انقطعت ولايته بموته فلا تثبت ولاية لوصيه في النكاح وأما اثبات الولاية للأمام ولمن يلي من جهته فلحديث عائشة عند أحمد وأبي دأود والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم ان النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"، ولهذا الحديث طرق وفيه انه لا ولاية للسلطان الا عند اشتجار الأولياء وإذا ثبتت له الولاية مع وجودهم مشتجرين فثبوتها مع عدمهم أولى.
قوله: "ثم توكل".
أقول: هذا لم يسمع في أيام النبوة ولا روى الإذن به ولهذا انه ﷺ لما بعث يخطب ام سلمة قالت ليس أحد من أوليائي شاهدا فقال رسول الله ﷺ : "ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك"، فقالت لابنها قم فزوج رسول الله ﷺ فزوجه رواه أحمد "٦/٢٩٥، ٢١٣، ٢١٤، ٢١٧، ٢١٨"، والنسائي "٣٢٥٤"، وقد اعل هذا الحديث بما ذكرنا في شرح المنتقى ولم يأمرها ﷺ لما قالت ليس أحد من أوليائي شاهدا ان توكل ولا أذن لها بذلك ولكنه إذا عدم الأولياء والسلطان ومن يلي من جهته صارت الحالة ضرورية للحاجة إلي معرفة رضاها بالزوج ثم العقد له ولعله يتوجه على من صلح لذلك ان يفعله من غير وكالة منها إذا قد رضيت بالزوج ولا سيما مع حديث: "لاتزوج المراة المراة ولا تزوج المراة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"، أخرجه ابن ماجه "١٨٨٢"، والدارقطني من حديث أبي هريرة. قال ابن حجر رجاله ثقات وقدا أعل بالوقف لكن لا في جميعه بل في قوله: "فإن الزانية"
стр. 385
الخ والموكلة لمن يزوجها مزوجة لنفسها لكنه أخرج أبو دأود عن عقبة بن عامر ان النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ "، قال: نعم, وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا؟ "، قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه والحديث رجاله ثقات الا عبد العزيز بن يحيى وهو صدوق يهم فقد يقال ان هذا توكيل من المراة ويمكن ان يقال انه ﷺ إنما قال لها ذلك لمعرفة رضاها بالزوج المذكور وهو أولى بالمؤمنين من انفسهم.
قوله: "ويكفي واحد من أهل درجة".
أقول: هذا صحيح لأن الولي المعتبر في النكاح يكفي فيه الواحد وإذا تشاجروا فالولاية للسلطان كما تقدم.
وأما كونه لا يكفي في الملاك للأمة فلكون لكل واحد نصيب من المملوكة واذنه معتبر فيما هو ملك له لا يغنى عنه غيره.
وأما قوله: "وينتقل" الخ فهذا صحيح لأن الكافر مسلوب الأهلية ولهذا تزوج ﷺ ام حبيبة وعقد لها غير أبيها أبي سفيان لأنه لم يكن قد سلم اذ ذاك.
وهكذا إذا كان الولي غائبا غيبة يضر بالمرأة انتظار عوده وأما مع تعذر مواصلته وخفاء مكانه فلا شك في ذلك إذا كان لا يرجى عوده وظهوره قبل مضى مدة تتضرر المرأة بالانتظار له فيها وهكذا إذا وقع منه عضل فإنه قد آذن بابطال حقه مع تعرضه لمخالفة النهي القرآني ولا بد من تقرر ذلك بوجه شرعي لا بمجرد قول المرأة
[فصل
وشروطه أربعة:
الأول: عقد من ولي مرشد ذكر حلال على ملتها بلفظ تمليك حسب العرف لجميعها أو بعضها أو إجازته قيل ولو عقدها أو عقد صغير مميز أو من نائبه غيرها وقبول مثله من مثله في المجلس قبل الاعراض ويصحان بالرسالة والكتابة ومن المصمت والأخرس بالاشارة واتحاد متوليهما مضيفا في اللفظين والا لزمه أو بطل ويفسده الشغار والتوقيت قيل بغير الموت واستثناء البضع والمشاع وشرط مستقبل ويلفو شرط خلاف موجبه غالبا.
الثاني: اشهاد عدلين ولو اعميين أو عبديهما أو رجل وامرأتين وعلى العدل التتميم حيث لاغيره وعلى الفاسق رفع التغرير وتقام عند المكتوب اليه وفي الموقوف عندالعقد.
الثالث: رضى المكلفة نافذا الثيب بالنطق بماض أو ما في حكمه والبكر بتركها حال
стр. 386
العلم بالعقد ما يعرف به الكراهة من لطم وغيره وان امتنعت قبل العقد أو تثيبت الا بوطء يقتضى التحريم أو غلط أو زنا متكررين.
الرابع: تعيينها بغشارة أو وصف أو لقب أو بنتى ولا غيرها أو المتوطأ عليها ولو حملا فإن تنافى التعريفان حكم بالاقوى] .
قوله: "فصل وشروطه أربعة الأول عقد من وليى" الخ.
أقول: الاحاديث الواردة في اعتبار الولي قد سردها الحاكم من طريق ثلاثين صحأبيا وفيها التصريح بالنفي كحديث أبي موسى عندأحمد وأبي دأود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه بلفظ: "لا نكاح الا بولي" فأفاد انتفاء النكاح الشرعي بانفاء الولي وما افاد هذا المفاد اقتضى أن ذلك شرط لصحة النكاح لأن الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط كما تقرر في الاصول فكيف وقدا خرج أحمد وابو داود والترمذي وابن ماجه حديث عائشة الذي قدمناه وفيه: "أيما امرأة نكحت بغي إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل" وقد قدمنا حديث أبي هريرة: "أن المرأة لا تزوج المراة ولا تزوج المرأة نفسها" فالولي شرط من شروط النكاح التي لا يصح الا بها إذا كان موجودا والا فولاية ذلك إلي السلطان على ما تقدم وقد قدمنا أيضا ان ابن المنذر قال إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف في اعتبار الولي.
وأما قوله: "مرشد" فلكون غير المرشد لا يصلح لأمر نفسه فكيف يصلح لأمر غيره؟ وقد قدمنا في حديث ام سلمة انها امرت ابنها ان يزوج رسول الله ﷺ بها حيث لم يحضر هنالك أحد من أوليائها وكان اذ ذاك صغيرا جدا ولكنه قد قيل انه لا أصل لهذه الزيادة اعني قولها لابنها يا عمر قم فزوج رسول الله ﷺ .
وأما اشتراط كون الولي ذكرا فلما قدمنا من حديث: "لا تزوج المراة المرأة ولا المرأة نفسها"، مع انه لا يشملها لفظ الولي المذكور في الاحاديث.
وأما اشتراط كونه حلالا فقد تقدم تحقيقه في الحج.
وأما كونه على ملتها فلكون الأحكام منقطعة بين المسلم والكافر في الميراث والولاية وغيرهما ولهذا زوج ام حبيبة من النبي ﷺ غير أبيها أبي سفيان لأنه كان اذ ذاك مشركا.
قوله: "بلفظ تمليك".
أقول: ينبغي ان يكون هذا اللفظ الذي وقع به العقد بلفظ النكاح أو التزويج أو ما يفيد هذا المفاد مما يتعارف به الناس بينهم ولو لم يكن يفيد التمليك وما يفهم من الاعراف المصطلحة بين قوم مقدم على غيره لأن التفاهم بينهم هو باعتبار ذلك الاصطلاح ولم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على انه لا يجزئ في هذا الا لفظ أو الفاظ مخصوصة وقد روى عن النبي ﷺ انه قال في الواهبة نفسها له لمن زوجه بها: "ملكتكها بما معك من القرأن"، [البخاري "٩/١٩٠"،
стр. 387
مسلم "٧٦/١٤٢٥" أحمد "٥/٣٣٠"، ٣٣٦"، أبو داود "٢١١١"، النسائي "٦/١٢٣"، الترمذي "١١١٤"، ابن ماجة "١٨٨٩"] ، وروى بلفظ: "زوجتكها"، [مسلم "٧٧/١٤٢٥"، وبلفظ: "زوجناكها"، [البخاؤري "٩/٩٠، ٩١"] ، وبلفظ: "أنكحناكها" [أحمد "٥/٣٣٠"] .
وأما قوله: "أو إجازته" فغير مسلم بل الظاهر ان العقدالواقع من غير الوي غير صحيح في نفسه فلا يصححه الاجازة وأما عقدالنكاح من نائب الولي فصحيح لان عقد نائبه كعقده فقد وقع على وجه من الابتداء.
قوله: "وقبول مثله".
أقول: لا يتم العقدا لا بالايجاب والقبول ولكن إذا تقدم السؤال كان مغنيا عن القبول كما في حديث: زوجنيها يا رسول الله, قال: "زوجتكها" وقد كان مثل هذا هو الغالب في أيام النبوة.
وأما قوله: "في المجلس قبل الاعراض" فلكون التراخي عن القبول حتى يتفرقا من المجلس يدل على عدم الرضا وهكذا إذا وقع الاعراض ولكنه إذا قبل بعدالمجلس أو بعد أن اعرض ولم يحصل من المتكلم بالايجاب ما يدل على رجوعه عن إيجابه فهو مقبول لعدم وجود دليل من شرع أو عقل يدل على انه لا حكم لما وقع بعدالمجلس أو بعد الاعراض إذا لم يرجع المتكلم بالايجاب عن ذلك.
وأما صحة العقد بالرسالة والكتابة ومن المصمت والاخرس بالاشارة فلا نزاع في مثله ولم يرد ما يدل على أنه لا بد ان يكون لفظا.
وأما كونه يصح اتحاد متوليهما مضيفا فلعدم ورود ما يدل على المنع من ذلك وأيضا قد قدمنا حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ " قال: نعم, وقال لمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا؟ " قالت نعم فزوج احدهما صاحبه.
قوله: "ويفسده الشغار".
أقول: الأحاديث الصحيحية الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة فيها التصريح بالنهي عن الشغار وفيها التفسير له بأنه أن يزوج الرجل ابنته أو أخته من الرجل على أن يزوجه ابنته أو أخته وليس بينهما صداق وهذا التفسير روى موقوفا ومرفوعا والنهي حقيقة في التحريم المقتضى للفساد المرادف للبطلان.
وما ذكره من الفرق بين النهي لذات الشيء أو لجزئه أو لأمر خارج عنه هو مجرد رأي بحث ودعوى محضة بل كلها نهى عنه الشارع فقد منع العباد من قربانه والتلبس به وذلك هو معنى كونه غير مأذون فيه وغير شرعي وما كان كذلك فليس من أمره ﷺ وما لم يكن من امره فهو رد وهذه التفرقة بين أقسام النهي صارت عصا يتوكأ بها من يريد دقع الدليل بمجرد القال والقيل وصارت ذريعة للمغالطة والمراوغة والهرب من الحق على أنه قد ورد ها هنا التصريح بنفي هذا النكاح كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: "لا شغار في
стр. 388
الإسلام" والنفي يتوجه إلي الذات حقيقة ولا مانع من ذلك لأن المراد الذات الشرعية وعلى تقدير وجود مانع فأقرب المجازين اليها نفي الصحة وبنفي الصحة يحصل المطلوب.
ولا يختص الشغار بالبنات والاخوات بل حكم غيرهن من القرائب حكمهن وقد حكى النووي الاجماع على ذلك.
قوله: "والتوقيت".
أقول: اعلم ان النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو النكاح الذي يعقده الأولياء للنساء وقد بالغ الشارع في ذلك حتى حكم بأن النكاح الواقع بغير ولي باطل وكرر ثلاثا ثم النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو الكاح الذي أوجب الشارع فيه إشهاد الشهود كما ثبت ذلك بالاحاديث ثم النكاح الذي شرعه الشارع هو النكاح الذي يحصل به التوارث ويثبت به النسب ويترتب عليه الطلاق والعدة وإذا عرفت هذا فالمتعة ليست بنكاح شرعي وإنما هي رخصة للمسافر مع الضروروة ولا خلاف في هذا ثم لا خلاف في ثبوت الحديث المتضمن للنهي عنها إلي يوم القيامة وليس بعد هذا شيء ولا تصلح معارضته بشيء مما زعموه وما ذكروه من انه استمتع بعض الصحابة بعدموته ﷺ فليس هذا ببدع فقد يخفى الحكم على بعض الصحابة ولهذا صرح عمر بالنهي عن ذلك وأسنده إلي نهيه ﷺ لما بلغه ان بعض الصحابة تمتع فالحجة إنما هي فيما يثبت عن رسول الله ﷺ لا فيما فعله فرد أو أفراد من الصحابة وأما المرأوغة بان التحليل قطعي والتحريم ظني فذلك مدفوع بأن استمرار ذلك القطعي ظني بلا خلاف والنسخ إنما هو للاستمرار لا لنفي ما قد وقع فإنه لا يقول عاقل بأنه ينسخ ما قد فرغ من فعله ثم قد اجمع المسلمون على التحريم ولم يبق على الجواز الا الرافضة وليسوا ممن يحتاج إلي دفع اقوالهم ولا هم من يقدح في الاجماع فإنهم في غالب ما هم عليه مخالفون للكتاب والسنة ولجميع المسلمين قال ابن المنذر جاء عن الأوائل الرخصة فيها يعني المتعة ولا أعلم اليوم احدا يجيزها الا بعض الرافضة وقال القاضي عياض اجمع العلماء على تحريمها الا الروافض وقال ابن بطال واجمعوا الان على انه متى وقع يعني المتعة ابطل سواء كان قبل الدخول أو بعده وقال الخطابي تحريم المتعة كالاجماع الا عن بعض الشيعة.
قوله: "واستثناء البضع والمشاع".
أقول: العقد إذا وقع على وجه الصحة فهذا الاستثناء الذي يتضمن تحريم الحلال لاحكم له ولا عمل بما يقتضيه بل هو مدفوع ممنوع كما لو قال بعدالفراغ من العقد ولا يطؤها أولا ينظر اليها أو نحو هذه الامور التي لا ثبات لها في الشرع بل هي من افعال الجأهلين لسر الشريعة ولا فرق بين الاستثناء والشرط فإن الكل إذا تضمن تحليل الحرام أو تحريم الحلال كان باطلا ولهذا صح عنه ﷺ أنه قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، [البخاري "٤/٣٦٩، ٣٧٠"، مسلم "١٥٠٤"، أبو داود "٣٩٢٩"، النسائي "٦/١٦٤ – ١٦٥، ٧/٣٠٥، ٣٠٦"، الترمذي"٢١٤٢٤"، ابن ماجة "٢٥١٢"، أحمد "٦/٨١، ٨٢، ١٨٣، ٢٠٦، ٢١٣، ٢٧١، ٢٧٢"] ، فعرفت بهذا انه لا وجه لقوله واستثناء البضع والمشاع وشرط مستقبل وقد اصاب حيث قال: ويلغوا شرط
стр. 389
خلاف موجبه وليست هذه الشروط هي التي أمر الله بالوفاء بها كما في حديث "أحق الشروط:ن تفوا به ما استحللتم به الفروج" [البخاري "٥/٣٢٣"، مسلم "٦٣/١٤١٨"، أحمد "٤/١٤٤، ١٥٠"، أبو داود "٢١٣٩"، الترمذي "١١٢٧"، النسائي "٦/٩٢، ٩٣"، ابن ماجة "١٩٥٤"] ، فإن هذا في الشروط التي لا تحلل حرأما ولا تحرم حلالا كأن يشترط لها ان يكون لها من الطعام كذا أو من الكسوة كذا أو شرط لها ان لا يكلفها شيئا من الاعمال ونحو ذلك.
قوله: "الثاني اشهاد عدلين".
أقول: في الباب أحاديث يقوى بعضها بعضا منها عند أحمد والدارقطني والبيهقي وشار اليه الترمذي وفي إسناده ابن محرر وهو متروك ولفظه: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ومنها عن عائشة مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني والبيهقي ووفي إناده مقال ومنها عن ابن عباس بنحوه وقد روى مرفوعا وموقوفا ومنها عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا عندالبيهقي بلفظ: "لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين" وفي إسناده ضعيف ومنها عن عائشة غير حديثها الأول عند الدارقطني بلفظ: "لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين" وفي إسناد مجهول وروى نحوه البيهقي في الخلافيات عن ابن عباس موقوفا وصححه ورواه ابن أبي شيبة عنه أيضا ومنها عن أنس أشار اليه الترمذي ومنها عن ابن عباس عند الترمذي ان النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن انفسهن بغير بينة"، ومنها عندالشافعي عن الحسن مرسلا كحديث عمر ان بن حصين ومنها عن أبي الزبير المكي ان عمر بن الخطاب اتى بنكاح لم يشهد عليه الا رجل وامراة فقال هذا نكاح السر ولا اجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت أخرجه مالك في الموطأ وظاهر الاحاديث المقتضية للنفي ان الاشهاد شرط للنكاح لا يصح بدونه لما قدمنا ان النفي حقيقة يتوجه إلي الذات الشرعية فيفيدارتفاعها بارتفاعه وذلك معنى الشرط وعلى فرض وجود قرينة تدل تمنع من اعتبار المعنى الحقيقي فنفي الصحة أقرب المجازين إلي الذات وذلك يفيدالشرطية أيضا قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا لا نكاح الا بشهود لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم الا قوم من المتأخرين من أهل العلم
وإنما اختلف أهل لعلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد فقال اكثر أهله العلم من الكوفة وغيرهم لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح وقد روى بعض أهل المدينة إذا شهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا اعلنوا ذلك وهو قول مالك ابن أنس وغيره وقال بعض أهل العلم يجوز شهادة رجل وأمرتين في النكاح وهو قول لأحمد وإسحاق انتهى كلام الترمذي.
وأما قوله: "وعلى العدل التتميم" فمبني على ان ذلك فرض كفاية على العدول ولا دليل يدل على ذلك.
وأما قوله: "وعلى الفاسق رفع التغرير" فلتصريح الاحاديث باعتبار العدالة فلا يجوز لمن علم من نفسه انه غير عدل ان يشهد على النكاح.
стр. 390
وأما كونها تقام عند المكتوب اليه وفي الموقوف عند العقد فلكون هذين المقامين هما اللذان ينجز عندهما النكاح ولا يضر توقف الموقوف على شيء آخر وهو الاجازة.
وقوله: "الثالث رضاء المكلفة" الخ
أقول: قد دلت الاحاديث الصحيحة على انه لا يتم نكاح الا برضا المنكوحة كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين [البخاري "٩/١٩١"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٠٩٢"، الترمذي "١١٠٧"، النسائي "٦/٨٥"، ابنن ماجة "١٨٧١"، أحمد "٢/٢٥٠، ٢٧٩، ٤٢٥، ٤٣٤، ٤٧٥"] ، قال قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تسأذن"، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت"، وفي مسلم وغيره من حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "الثيت احق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها"، وأخرج البخاري "٩/١٩٤"، وغيره أبو داود "٢١٠١"، النسائي "٦/٨٦"، ابن ماجة"١٨٧٠"] ، عن خنساء بنت خدام الأنصارية ان أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فاتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها والاحاديث في هذا الباب كثيرة وهي تفيد انه لا يصح نكاح من لم ترض بكرا كانت أو ثيبا.
قوله: "الرابع تعيينها" الخ.
أقول: هذا أمر لا بد منه ولولا ذلك لم يكن العقد على شيء يعقد ولا يسمى عقدا أو لا تثبت له أحكامه ويكون التعيين مما يفيد ذلك من ذكر اسم المنكوحة أو نسبها أو وصفها أو الاشارة اليها أوسبق التواطؤ عليها. وإذا تنافى التعريفان كان العمل على الاقوى منهما كما قال المصنف الا ان يعرف بقرينة حال أو مقال ان مطلوب الزوج هو ما تضمنه التعريف الاضعف فإن ذلك اليه ولا اعتبار بمجردا لالفاظ ونحوها إذا خالفت ما في النفس.
قوله: "ويصح موقوفا حقيقة أو مجازا".
أقول: العقد مثلا إذا وقع من الولي فزوج الخاطب ولم يكن قد وقع الرضا من المرأة فهذا عقد في الصورة إن أجازته كان عقدا صحيحا يستباح به وطؤها وإن لم تجزه كان وجوده كعدمه وهكذا إذا زوج الخاطب غير الولي.
والمراد من صحة كونه موقوفا على الاجازة انه لا يحتاج عندالاجازة إلي تجديد عقد آخر بل يكفي مجرد وقوعها وكان الظاهر ان العقدا لواقع بغير رضاء المرأة أو من دون ولي باطل لا حكم له ولا ينعقد من اصله وانه لا بد من عقدآخر عند رضاء المرأة أو عقد آخر من الولي ولكنه ثبت ما قدمناه عند البخاري وغيره من حديث خنساء بنت خدام الانصارية ان أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها فإن قوله فرد نكاحها يدل على ان العقد الذي قد كان وقع يسمى نكاحا وأنها لو رضيت به لم يحتج إلي تجديد.
ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٤/١٥٥"، وابو دأود "٢٠٩٦"، وابن ماجه "١٨٧٥"،
следующие страницы →