Полный текст (1 078 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
العلم بالعقد ما يعرف به الكراهة من لطم وغيره وان امتنعت قبل العقد أو تثيبت الا بوطء يقتضى التحريم أو غلط أو زنا متكررين.
الرابع: تعيينها بغشارة أو وصف أو لقب أو بنتى ولا غيرها أو المتوطأ عليها ولو حملا فإن تنافى التعريفان حكم بالاقوى] .
قوله: "فصل وشروطه أربعة الأول عقد من وليى" الخ.
أقول: الاحاديث الواردة في اعتبار الولي قد سردها الحاكم من طريق ثلاثين صحأبيا وفيها التصريح بالنفي كحديث أبي موسى عندأحمد وأبي دأود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه بلفظ: "لا نكاح الا بولي" فأفاد انتفاء النكاح الشرعي بانفاء الولي وما افاد هذا المفاد اقتضى أن ذلك شرط لصحة النكاح لأن الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط كما تقرر في الاصول فكيف وقدا خرج أحمد وابو داود والترمذي وابن ماجه حديث عائشة الذي قدمناه وفيه: "أيما امرأة نكحت بغي إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل" وقد قدمنا حديث أبي هريرة: "أن المرأة لا تزوج المراة ولا تزوج المرأة نفسها" فالولي شرط من شروط النكاح التي لا يصح الا بها إذا كان موجودا والا فولاية ذلك إلي السلطان على ما تقدم وقد قدمنا أيضا ان ابن المنذر قال إنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف في اعتبار الولي.
وأما قوله: "مرشد" فلكون غير المرشد لا يصلح لأمر نفسه فكيف يصلح لأمر غيره؟ وقد قدمنا في حديث ام سلمة انها امرت ابنها ان يزوج رسول الله ﷺ بها حيث لم يحضر هنالك أحد من أوليائها وكان اذ ذاك صغيرا جدا ولكنه قد قيل انه لا أصل لهذه الزيادة اعني قولها لابنها يا عمر قم فزوج رسول الله ﷺ .
وأما اشتراط كون الولي ذكرا فلما قدمنا من حديث: "لا تزوج المراة المرأة ولا المرأة نفسها"، مع انه لا يشملها لفظ الولي المذكور في الاحاديث.
وأما اشتراط كونه حلالا فقد تقدم تحقيقه في الحج.
وأما كونه على ملتها فلكون الأحكام منقطعة بين المسلم والكافر في الميراث والولاية وغيرهما ولهذا زوج ام حبيبة من النبي ﷺ غير أبيها أبي سفيان لأنه كان اذ ذاك مشركا.
قوله: "بلفظ تمليك".
أقول: ينبغي ان يكون هذا اللفظ الذي وقع به العقد بلفظ النكاح أو التزويج أو ما يفيد هذا المفاد مما يتعارف به الناس بينهم ولو لم يكن يفيد التمليك وما يفهم من الاعراف المصطلحة بين قوم مقدم على غيره لأن التفاهم بينهم هو باعتبار ذلك الاصطلاح ولم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على انه لا يجزئ في هذا الا لفظ أو الفاظ مخصوصة وقد روى عن النبي ﷺ انه قال في الواهبة نفسها له لمن زوجه بها: "ملكتكها بما معك من القرأن"، [البخاري "٩/١٩٠"،
стр. 387
مسلم "٧٦/١٤٢٥" أحمد "٥/٣٣٠"، ٣٣٦"، أبو داود "٢١١١"، النسائي "٦/١٢٣"، الترمذي "١١١٤"، ابن ماجة "١٨٨٩"] ، وروى بلفظ: "زوجتكها"، [مسلم "٧٧/١٤٢٥"، وبلفظ: "زوجناكها"، [البخاؤري "٩/٩٠، ٩١"] ، وبلفظ: "أنكحناكها" [أحمد "٥/٣٣٠"] .
وأما قوله: "أو إجازته" فغير مسلم بل الظاهر ان العقدالواقع من غير الوي غير صحيح في نفسه فلا يصححه الاجازة وأما عقدالنكاح من نائب الولي فصحيح لان عقد نائبه كعقده فقد وقع على وجه من الابتداء.
قوله: "وقبول مثله".
أقول: لا يتم العقدا لا بالايجاب والقبول ولكن إذا تقدم السؤال كان مغنيا عن القبول كما في حديث: زوجنيها يا رسول الله, قال: "زوجتكها" وقد كان مثل هذا هو الغالب في أيام النبوة.
وأما قوله: "في المجلس قبل الاعراض" فلكون التراخي عن القبول حتى يتفرقا من المجلس يدل على عدم الرضا وهكذا إذا وقع الاعراض ولكنه إذا قبل بعدالمجلس أو بعد أن اعرض ولم يحصل من المتكلم بالايجاب ما يدل على رجوعه عن إيجابه فهو مقبول لعدم وجود دليل من شرع أو عقل يدل على انه لا حكم لما وقع بعدالمجلس أو بعد الاعراض إذا لم يرجع المتكلم بالايجاب عن ذلك.
وأما صحة العقد بالرسالة والكتابة ومن المصمت والاخرس بالاشارة فلا نزاع في مثله ولم يرد ما يدل على أنه لا بد ان يكون لفظا.
وأما كونه يصح اتحاد متوليهما مضيفا فلعدم ورود ما يدل على المنع من ذلك وأيضا قد قدمنا حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ " قال: نعم, وقال لمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانا؟ " قالت نعم فزوج احدهما صاحبه.
قوله: "ويفسده الشغار".
أقول: الأحاديث الصحيحية الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة فيها التصريح بالنهي عن الشغار وفيها التفسير له بأنه أن يزوج الرجل ابنته أو أخته من الرجل على أن يزوجه ابنته أو أخته وليس بينهما صداق وهذا التفسير روى موقوفا ومرفوعا والنهي حقيقة في التحريم المقتضى للفساد المرادف للبطلان.
وما ذكره من الفرق بين النهي لذات الشيء أو لجزئه أو لأمر خارج عنه هو مجرد رأي بحث ودعوى محضة بل كلها نهى عنه الشارع فقد منع العباد من قربانه والتلبس به وذلك هو معنى كونه غير مأذون فيه وغير شرعي وما كان كذلك فليس من أمره ﷺ وما لم يكن من امره فهو رد وهذه التفرقة بين أقسام النهي صارت عصا يتوكأ بها من يريد دقع الدليل بمجرد القال والقيل وصارت ذريعة للمغالطة والمراوغة والهرب من الحق على أنه قد ورد ها هنا التصريح بنفي هذا النكاح كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: "لا شغار في
стр. 388
الإسلام" والنفي يتوجه إلي الذات حقيقة ولا مانع من ذلك لأن المراد الذات الشرعية وعلى تقدير وجود مانع فأقرب المجازين اليها نفي الصحة وبنفي الصحة يحصل المطلوب.
ولا يختص الشغار بالبنات والاخوات بل حكم غيرهن من القرائب حكمهن وقد حكى النووي الاجماع على ذلك.
قوله: "والتوقيت".
أقول: اعلم ان النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو النكاح الذي يعقده الأولياء للنساء وقد بالغ الشارع في ذلك حتى حكم بأن النكاح الواقع بغير ولي باطل وكرر ثلاثا ثم النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو الكاح الذي أوجب الشارع فيه إشهاد الشهود كما ثبت ذلك بالاحاديث ثم النكاح الذي شرعه الشارع هو النكاح الذي يحصل به التوارث ويثبت به النسب ويترتب عليه الطلاق والعدة وإذا عرفت هذا فالمتعة ليست بنكاح شرعي وإنما هي رخصة للمسافر مع الضروروة ولا خلاف في هذا ثم لا خلاف في ثبوت الحديث المتضمن للنهي عنها إلي يوم القيامة وليس بعد هذا شيء ولا تصلح معارضته بشيء مما زعموه وما ذكروه من انه استمتع بعض الصحابة بعدموته ﷺ فليس هذا ببدع فقد يخفى الحكم على بعض الصحابة ولهذا صرح عمر بالنهي عن ذلك وأسنده إلي نهيه ﷺ لما بلغه ان بعض الصحابة تمتع فالحجة إنما هي فيما يثبت عن رسول الله ﷺ لا فيما فعله فرد أو أفراد من الصحابة وأما المرأوغة بان التحليل قطعي والتحريم ظني فذلك مدفوع بأن استمرار ذلك القطعي ظني بلا خلاف والنسخ إنما هو للاستمرار لا لنفي ما قد وقع فإنه لا يقول عاقل بأنه ينسخ ما قد فرغ من فعله ثم قد اجمع المسلمون على التحريم ولم يبق على الجواز الا الرافضة وليسوا ممن يحتاج إلي دفع اقوالهم ولا هم من يقدح في الاجماع فإنهم في غالب ما هم عليه مخالفون للكتاب والسنة ولجميع المسلمين قال ابن المنذر جاء عن الأوائل الرخصة فيها يعني المتعة ولا أعلم اليوم احدا يجيزها الا بعض الرافضة وقال القاضي عياض اجمع العلماء على تحريمها الا الروافض وقال ابن بطال واجمعوا الان على انه متى وقع يعني المتعة ابطل سواء كان قبل الدخول أو بعده وقال الخطابي تحريم المتعة كالاجماع الا عن بعض الشيعة.
قوله: "واستثناء البضع والمشاع".
أقول: العقد إذا وقع على وجه الصحة فهذا الاستثناء الذي يتضمن تحريم الحلال لاحكم له ولا عمل بما يقتضيه بل هو مدفوع ممنوع كما لو قال بعدالفراغ من العقد ولا يطؤها أولا ينظر اليها أو نحو هذه الامور التي لا ثبات لها في الشرع بل هي من افعال الجأهلين لسر الشريعة ولا فرق بين الاستثناء والشرط فإن الكل إذا تضمن تحليل الحرام أو تحريم الحلال كان باطلا ولهذا صح عنه ﷺ أنه قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، [البخاري "٤/٣٦٩، ٣٧٠"، مسلم "١٥٠٤"، أبو داود "٣٩٢٩"، النسائي "٦/١٦٤ – ١٦٥، ٧/٣٠٥، ٣٠٦"، الترمذي"٢١٤٢٤"، ابن ماجة "٢٥١٢"، أحمد "٦/٨١، ٨٢، ١٨٣، ٢٠٦، ٢١٣، ٢٧١، ٢٧٢"] ، فعرفت بهذا انه لا وجه لقوله واستثناء البضع والمشاع وشرط مستقبل وقد اصاب حيث قال: ويلغوا شرط
стр. 389
خلاف موجبه وليست هذه الشروط هي التي أمر الله بالوفاء بها كما في حديث "أحق الشروط:ن تفوا به ما استحللتم به الفروج" [البخاري "٥/٣٢٣"، مسلم "٦٣/١٤١٨"، أحمد "٤/١٤٤، ١٥٠"، أبو داود "٢١٣٩"، الترمذي "١١٢٧"، النسائي "٦/٩٢، ٩٣"، ابن ماجة "١٩٥٤"] ، فإن هذا في الشروط التي لا تحلل حرأما ولا تحرم حلالا كأن يشترط لها ان يكون لها من الطعام كذا أو من الكسوة كذا أو شرط لها ان لا يكلفها شيئا من الاعمال ونحو ذلك.
قوله: "الثاني اشهاد عدلين".
أقول: في الباب أحاديث يقوى بعضها بعضا منها عند أحمد والدارقطني والبيهقي وشار اليه الترمذي وفي إسناده ابن محرر وهو متروك ولفظه: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ومنها عن عائشة مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني والبيهقي ووفي إناده مقال ومنها عن ابن عباس بنحوه وقد روى مرفوعا وموقوفا ومنها عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا عندالبيهقي بلفظ: "لا نكاح إلا بأربعة: خاطب وولي وشاهدين" وفي إسناده ضعيف ومنها عن عائشة غير حديثها الأول عند الدارقطني بلفظ: "لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدين" وفي إسناد مجهول وروى نحوه البيهقي في الخلافيات عن ابن عباس موقوفا وصححه ورواه ابن أبي شيبة عنه أيضا ومنها عن أنس أشار اليه الترمذي ومنها عن ابن عباس عند الترمذي ان النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن انفسهن بغير بينة"، ومنها عندالشافعي عن الحسن مرسلا كحديث عمر ان بن حصين ومنها عن أبي الزبير المكي ان عمر بن الخطاب اتى بنكاح لم يشهد عليه الا رجل وامراة فقال هذا نكاح السر ولا اجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت أخرجه مالك في الموطأ وظاهر الاحاديث المقتضية للنفي ان الاشهاد شرط للنكاح لا يصح بدونه لما قدمنا ان النفي حقيقة يتوجه إلي الذات الشرعية فيفيدارتفاعها بارتفاعه وذلك معنى الشرط وعلى فرض وجود قرينة تدل تمنع من اعتبار المعنى الحقيقي فنفي الصحة أقرب المجازين إلي الذات وذلك يفيدالشرطية أيضا قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا لا نكاح الا بشهود لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم الا قوم من المتأخرين من أهل العلم
وإنما اختلف أهل لعلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد فقال اكثر أهله العلم من الكوفة وغيرهم لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح وقد روى بعض أهل المدينة إذا شهد واحد بعد واحد فإنه جائز إذا اعلنوا ذلك وهو قول مالك ابن أنس وغيره وقال بعض أهل العلم يجوز شهادة رجل وأمرتين في النكاح وهو قول لأحمد وإسحاق انتهى كلام الترمذي.
وأما قوله: "وعلى العدل التتميم" فمبني على ان ذلك فرض كفاية على العدول ولا دليل يدل على ذلك.
وأما قوله: "وعلى الفاسق رفع التغرير" فلتصريح الاحاديث باعتبار العدالة فلا يجوز لمن علم من نفسه انه غير عدل ان يشهد على النكاح.
стр. 390
وأما كونها تقام عند المكتوب اليه وفي الموقوف عند العقد فلكون هذين المقامين هما اللذان ينجز عندهما النكاح ولا يضر توقف الموقوف على شيء آخر وهو الاجازة.
وقوله: "الثالث رضاء المكلفة" الخ
أقول: قد دلت الاحاديث الصحيحة على انه لا يتم نكاح الا برضا المنكوحة كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين [البخاري "٩/١٩١"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٠٩٢"، الترمذي "١١٠٧"، النسائي "٦/٨٥"، ابنن ماجة "١٨٧١"، أحمد "٢/٢٥٠، ٢٧٩، ٤٢٥، ٤٣٤، ٤٧٥"] ، قال قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تسأذن"، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت"، وفي مسلم وغيره من حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "الثيت احق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها"، وأخرج البخاري "٩/١٩٤"، وغيره أبو داود "٢١٠١"، النسائي "٦/٨٦"، ابن ماجة"١٨٧٠"] ، عن خنساء بنت خدام الأنصارية ان أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فاتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها والاحاديث في هذا الباب كثيرة وهي تفيد انه لا يصح نكاح من لم ترض بكرا كانت أو ثيبا.
قوله: "الرابع تعيينها" الخ.
أقول: هذا أمر لا بد منه ولولا ذلك لم يكن العقد على شيء يعقد ولا يسمى عقدا أو لا تثبت له أحكامه ويكون التعيين مما يفيد ذلك من ذكر اسم المنكوحة أو نسبها أو وصفها أو الاشارة اليها أوسبق التواطؤ عليها. وإذا تنافى التعريفان كان العمل على الاقوى منهما كما قال المصنف الا ان يعرف بقرينة حال أو مقال ان مطلوب الزوج هو ما تضمنه التعريف الاضعف فإن ذلك اليه ولا اعتبار بمجردا لالفاظ ونحوها إذا خالفت ما في النفس.
قوله: "ويصح موقوفا حقيقة أو مجازا".
أقول: العقد مثلا إذا وقع من الولي فزوج الخاطب ولم يكن قد وقع الرضا من المرأة فهذا عقد في الصورة إن أجازته كان عقدا صحيحا يستباح به وطؤها وإن لم تجزه كان وجوده كعدمه وهكذا إذا زوج الخاطب غير الولي.
والمراد من صحة كونه موقوفا على الاجازة انه لا يحتاج عندالاجازة إلي تجديد عقد آخر بل يكفي مجرد وقوعها وكان الظاهر ان العقدا لواقع بغير رضاء المرأة أو من دون ولي باطل لا حكم له ولا ينعقد من اصله وانه لا بد من عقدآخر عند رضاء المرأة أو عقد آخر من الولي ولكنه ثبت ما قدمناه عند البخاري وغيره من حديث خنساء بنت خدام الانصارية ان أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها فإن قوله فرد نكاحها يدل على ان العقد الذي قد كان وقع يسمى نكاحا وأنها لو رضيت به لم يحتج إلي تجديد.
ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٤/١٥٥"، وابو دأود "٢٠٩٦"، وابن ماجه "١٨٧٥"،
стр. 391
والدارقطني بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عباس أن جارية بكرا اتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ فإن هذا التخيير يدل على أن العقدا لواقع قدن نفذ بإجازتها ولا يحتاج إلي تجديد.
ومن ذلك ما أخرجه أحمد باسناد رجاله ثقات وأخرجه أيضا الدارقطني عن ابن عمر قال توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن اميه بن حارثة الأوقصى وأوصى إلي اخيه قدامة بن مظعون فخطبت إلي قدامة بن مظعون فزوجنيها ودخل المغيرة بن شعبة إلي امها فأرغبها في المال فحطت اليه وحطت الجارية إلي هوى امها فترافعوا إلي النبي ﷺ فقال: "هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها".
وكما تدل هذه الأحاديث على أن العقد يكون موقوفا على إلاجازة فهي تدل أيضا على ما ذكره المصنف من تخيير الصغيرة إذا بلغت ولا تحتاج في إثبات خيارها إلي قياسها على بريرة حيث خيرها النبي ﷺ لما عتقت بين البقاء تحت زوجها أو فسخه.
ولا يقال أن ما وقع منه ﷺ في هذه الأحاديث هو كان قبل الدخول لأنا نقول الصغيرة لا حكم للرضا منها قبل بلوغها ولا يكون الدخول بها دليلا على أنها قد رضيت.
وإذا ظهر ذلك هذا عرفت أنه لا وجه لقوله إلا من زوجها ابوها كفئا لا يعاف فإن هؤلاء النساء المذكورات في هذه الأحاديث الثلأثة زوجهن اباؤهن بأكفانهن فإن العرب أكفاء لبعضهم البعض.
وأما الاستدلال على هذا الاستثناء بحديث: "أنت ومالك لأبيك" فغير مطابق لمحل النزاع ومما ينبغي أن يذكر ها هنا مع تلك الثلاثة الأحاديث حديث عبد الله بن بريرة عن أبيه قال جاءت فتاة إلي رسول الله ﷺ فقالت أن أبي زوجني ابن اخيه يرفع بن خسيسته قال فجعل الأمر اليها فقالت قد اجزت ما صنع ولكني اردت أن اعلم النساء أن ليس إلي الأباء من الأمر شيء أخرجه ابن ماجه برجال الصحيح وأخرجه أيضا أحمد والسنائي من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة وقد جعل النبي ﷺ الأمر اليها ولم يكن ذلك لعدم الكفاءة كما يفيده قولها ليرفع بي خسيسته فإن أباها قد زوجها بابن اخيه وهو كفء لها وإنما جعله اليها لعدم الرضا منها ولهذا نفذ العقد بإجازتها.
وأما قوله: "وكذا الصغير في الاصح" فقد استدل لهذا إلالحاق بالقياس وهو قياس قوي لاشتراكهما في كثير من الأحكام ولكنه يقال ها هنا فارق اقوى من هذا الجامع الذي كان به إلالحاق وهو أن الصغير عند بلوغه يملك الطلاق ويقدر على تخليص نفسه به بخلاف الصغيرة عند بلوغها فإنه لا مخرج لها من عقدة نكاح من صارت في عقده إلا بالفسخ.
وأما قوله: "ويصدق مدعي البلوغ بإلاحتلام فقط محتملا" فوجهه أنه لا يمكن إقامة البينة على هذا السبب المعدود من اسباب البلوغ بخلاف غيره من الأسباب فإن الحيض يمكن أن
стр. 392
تشهدالعدلة والعدلات على خروج لدم من الفرج وكذلك الانبات فإنه أمر يمكن مشاهدته والشهادة عليه وهكذا مقدار العمر فإنه يمكن قيام الشهادة عليه بأنه مولود في سنة كذا وان عمره إلي وقت التنازع كذا وهكذا الحبل فإن عظم البطن حركة الجنين فيه مما يمكن إقامة البيئة عليه فهذا وجه تخصيص المصنف للاحتلام مع الاحتمال.
[فصل
ومتى انفق عقدا وليين مأذونين مستويين لشخصين في وقت واحد أو أشكل بطلا مطلقا وكذا إن علم الثاني ثم التبس الا لإقرارها بسبق احدهما أو دخول برضاها]
قوله: "فصل ومتى اتفق عقدا وليين" الخ.
أقول: لا وجه لبطلانهما بل ينبغي ان يقال إن الامر مفوض إلي المرأة فمن اجازت عقده كان صحيحا وبطل الاخر ويدل على هذا ما قدمنا من الاحاديث في الفصل قبل هذا ويدل عليه أحاديث الاستئمار واحاديث الثيب احق بنفسها من وليها ولا ينافي هذا كونها قد أذنت لهما لأن من المعلوم أن إذنها لا ينصرف إلي ان يزوجها برجلين فإن ذلك معلوم البطلان.
وهكذا الكلام في قوله: "وكذا إن علم الثاني ثم التبس" وأما إذا علم المتقدم من العقدين فإنه يصح ويبطل الثاني ويدل على ذلك "أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول" كما أخرجه أبو دأود من حديث سمرة
[فصل
والمهر لازم للعقد لا شرط وإنما يمهر مال أو منفعة في حكمة ولو عتقها مما يسأوي عشر قفال خالصة لا دونها ففاسدة فيكمل عشرا وينصف كما سيأتي ولها فيه كل تصرف ولو قبل القبض والدخول والابراء من المسمى ملطقا ومن غيره بعد الدخول ثم إن طلق قبله لزمها مثل نصف المسمى ونحو ذلك وفي رده بالرؤية والعيب اليسير خلاف وإذا تعذر أو استحق فقيمته منفعة كان أو عينا] .
قوله: فصل: "والمهر لازم للعقد لا شرط".
أقول: لم يرد ما يدل على ان المهر شرط من شروط العقد أو ركن من أركانه وأما قوله سبحانه: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ،فالمراد ان المهر واجب
стр. 393
للمنكوحة لا يجوز مطلها منه ولو كان العقد لا يصح الا بالمهر لم يقل الله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ، فإن هذه الآية تفيد ان العقد قد يقع قبل فرض المهر ويؤيد هذا ما أخرجه أبو دأود وابن ماجه من حديث عائشة قالت امرني رسول الله ﷺ ان ادخل امراة على زوجها قبل ان يعطيها شيئا قال البيهقي وصله شريك وأرسله غيره ومثله ما أخرجه أبو دأود من حديث عقبة بن عامر ان رسول الله ﷺ زوج امرأة من رجل ممن شهد بدرا ولم يفرض لها صداقا حتى إذا حضرته الوفاة قال إن زوجتي فلانة لم افرض لها صداقا وإني اشهدكم اني قد أعطيتها سهمي في خيبر فباعته بعدموته بمائة الف.
وأما ما أخرجه أبو دأود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس قال لما تزوج على فاطمة قال له رسول الله ﷺ : "أعطها شيئا"، قال ما عندي شيء قال: "أين درعك الحطمية؟ "، وفي رواية لأبي داود ان النبي ﷺ منعه حتى يعطيها شيئا فليس فيه ذكر المهر ولا ان هذا من المهر والا لزم ان لا يحل الدخول الا بعد تسليم المهر أو تسليم شيء منه وهو خلاف الاجماع.
قوله: "وإنما يمهر مال أو منفعة في حكمه".
أقول: أما المال فظاهر واليه ينصرف ما في الايات القرآنية والاحاديث النبوية وأما المنفعة فقد دل على ذلك حديث سهل بن سعدالثابت في الصحيحين وغيرهما انها جاءت امراة إلي النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك وفيه أنه قام رجل فقال زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ "، فقال ما عندي الا إزاري هذا فقال النبي ﷺ : "إن اعطيتها إزارك جلست لا ازار لك فالتمس شيئا"، فقال: ما أجد شيئا فقال: "التمس ولو خاتما من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئا فقال له النبي ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ "، قال: نعم سورة كذا وسورة كذا لسور يسميها فقال له النبي ﷺ : "قد زوجتكها بما معك من القرآن".
وأما ما رواه ابن أبي شيبة مرسلا عن أبي النعمان الازدي قال زوج رسول الله ﷺ امرأة على سور من القرأن فقال: "لا يكون لاحد بعدك مهرا"، فهو مع كونه مرسلا ففي إسناده من لا يعرف كما ذكره ابن حجر في الفتح.
وفي الباب عن أبي هريره عند أبي داود والسائي وعن ابن مسعود عند الدارقطني وعن ابن عباس عند أبي الشيخ وعن ضميرة عند الطبراني وعن أنس عند البخاري وعن أبي أمامة عند تمام في فرائده وعن جابر عند أبي الشيخ وكلها متضمنة لما في حديث سهل بن سعد.
قوله: "ولو عتقها"،
أقول: هذا شرع ثابت وفيه حديث أنس في الصحيحين [اليخاري "١/٤٨٠"، مسلم
стр. 394
"٨٤/١٣٦٥"] ، وغيرهما أبو داود "٢٠٥٤"، الترمذي "١١١٥"، النسائي "٦/١١٤"، ابن ماجة "١٩٥٧"] ، ان النبي ﷺ اعتق صفية وتزوجها فقال له ثابت ما اصدقها قال نفسها اعتقها وتزوجها وفي لفظ للبخاري وجعل عتقها صداقها.
قوله: "مما يساوي عشر قفال" الخ.
أقول: لم يثبت في هذا شيء تقوم به الحجة وقد قدمنا أن النبي ﷺ قال: "التمس ولو خاتما من حديد"، فينبغي ان يكون ما في هذا الحديث هو اقل المهر ويؤيده ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عامر بن ربيعة ان امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم, فأجازه.
وأخرج أحمد وابو دأود من حديث جابر ان رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يديه طعأما كانت له حلالا"، وفي إسناده موسى بن مسلم وقيل مسلم بن رومان وهو ضعيف.
وبهذا يتضح لك انه لا وجه لجعل تسمية ما دون العشر فاسدة ولا لوجوب التكميل عشرا وأما ما ذكره من جواز تصرفها فيه وابرائها منه فلكونه قد صار ملكا لها وهذا شأن كل ملك يملكه الإنسان والفرق بين عموم التصرف وخصوص الابراء مجرد رأي يرجع إلي قواعد قد ذكروها ليس عليه أثارة من علم.
وأما رد المهر بالرؤية والعيب فلها ذلك لأنه مال استحقته بالشرع فلا يلزمها قبوله على غير الصفة التي ترتضيها ما لم يكن الرد تعنتا بلا سبب فليس لها ذلك وإذا تعذر أو استحق حتى لم يمكن الظفر بالعين ولا بما يماثلها فليس لها الا القيمة وذلك غاية ما يمكن فلا يجب عليه غيره.
[فصل
ومن سمى مهرا تسمية صحيحية أو في حكمها لزمه كاملا بموتهما أو احدهما بأي سبب وبدخول أو خلوة الا مع مانع شرعي كمسجد أو عقلي فيهما أو فيها مطلقا أو فيه يزول ونصفه فقط بطلاق أو فاسخ قبل ذلك من جهته فقط لا من جهتهما أو من جهتها فقط حقيقة أو حكما فلا شيء ومن لم يسم أو سمى تسمية باطلة لزمه بالوطء فقط مهر مثلها في صفاتها من قبل أبيها ثم امها ثم بلدها وللأمة عشر قيمتها وبالطلاق المتعة ولا شيء بالموت الا الميراث ولا بالفسخ ملطقا] .
стр. 395
قوله: فصل: "ومن سمى مهرا تسمية صحيحة" الخ.
أقول: حديث أن امراة تزوجها رجل ثم مات عنها ولم يفرض لها صداقا ولم يكن دخل بها فقال عبد الله بن مسعود ارى لها مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة فشهد معقل بن سنان الاشجعي أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى أخرجه أحمد وأهل السنن والحاكم وابن حبان والبيهقي وصححه الترمذي وابن مهدي وغيرهما فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى لأنه إذا ثبت مع عدم التسمية يثبت معها بفحوى الخطاب فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على ان الموت يجب به المهر والميراث.
وأما قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، فلا معارضة بينه وبين هذا الحديث لأن هذا الحديث في الموت والاية في الطلاق وقياس الموت على الطلاق قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار والحديث صحيح وله شواهد ولم يصب من اعله بالاضطراب وبين الاضطراب بأنه روى مرة عن معقل بن سنان ومرة عن رجل من اشجع أو ناس من اشجع وقيل غير ذلك قال البيهقي قد سمى فيه معقل بن سنان وهو صحابي مشهور والاختلاف فيه لا يضر فإن جميع الروايات صحيحة وفي بعضها ما دل على ان جماعة من اشجع شهدوا بذلك.
وأما ما روي عن الشافعي انه قال إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به فقد قال الحاكم قال شيخنا أبو عبد الله لو حضرت الشافعي لقمت على رءوس الناس وقلت قد صح الحديث فقل به.
قوله: "وبدخول أو خلوة".
أقول: أما الدخول فظاهر ولا خلاف فيه والنصوص متطابق عليه وأما الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به ولم يصح من المرفوع ما تقوم به الحجة وأما اقوال بعض الصحابة فلا حجة فيها ولاس يما مع اضطرابها واختلافها وقد قال : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، فإن كان المراد بالمس الجماع فظاهر ان الخلوة ليست بجماع وإن كان المس اعم من الجماع وهو وضع عضو منه على عضو منها فليست الخلوة المجردة مسا وإن أرخى عليها مائة ستر ونظر إليها ألف نظرة.
وإذا عرفت هذا فلا حاجة بنا إلي التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة.
قوله: "ونصفه بطلاق أو فاسخ قبل ذلك".
أقول: أما استحقاق النصف بالطلاق فبقوله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وأما استحقاقه بالفسخ فقيل قياسا على الطلاق بجامع العقد والتسمية وفي النفس من هذا القياس شيء ثم في النفس أيضا من كون الموجب لذلك
стр. 396
هو الفسخ من جهته فقط ويمكن ان يقال إن الزوج لما اختار إخراجها عن عقد نكاحه بالفسح كان ذلك كالطلاق منه بخلاف ما لو كان الفسخ من جهتها أو جهتهما معا.
قوله: "ومن لم يسم أو سمى تسمية باطلة لزمه بالوطء فقط مهر مثلها في صفاتها".
أقول: أما لزوم المهر بالوطء فأمر أوضح من شمس النهار لأنه بما استحل من فرجها وأما كون اللازم مهر المثل فقد قدمنا في حديث معقل بن سنان في أول هذا الفصل ان النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق بأن لها مثل نسائها حيث لم يفرض لها زوجها صداقا وهو دليل قوى ومستند سوى ومتمسك جلي ولفظ نسائها يقتضي ان الاعتبار بمهر قرائبها لأنهن اخص من يضاف اليها واخصهن قرائبها من قبل الاب ثم من قبل الام ثم سائر النساء المماثلات لها في المنصب والمسكن والقبيلة لان بينها وبينهن ملابسة مصححة للإضافة.
وقوله: "وللأمة عشر قيمتها".
أقول: ليس هذا مرجع إلي رواية صحيحة ولا رأي مقبول وما قبل من انه قياس على مهر بناته ﷺ وزوجته وكان جملة مهر كل واحدة خمسمائة درهم وهو عشر الدية فلزم للأمة عشر قيمتها فهذا غلط فإن الدية عشرة آلاف درهم وعشرها الف لا خمسمائة فالظاهر انه يرجع في مهور الاماء إلي مهر امثالهن إن وجدن والا فالرجوع إلي نصف مهر غالب الحرائر أولى لوقوع التنصيف للعبيد والاماء في كثير من الأحكام.
قوله: "وبالطلاق المتعة".
أقول: تمتيع المطلقة قبل الدخول ثابت بقوله : ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، فهذه الآية فيها الامر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول فأفاد ذلك الوجوب ودل على ذلك أيضا قوله تعالي: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، قدره فهذا الامر يدل أيضا على الوجوب فمن قال بأن المتعة لا تجب الا للمطلقة قبل الدخول إذا لم يفرض لها الزوج فريضة لا إذا فرض لها فريضة فإنها تستحق نصف ما فرض لها بقوله تعالي: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، فعلله أراد الجمع فيكون هذا جمعا بين هذه الايات.
وأما قوله سبحانه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ، فظاهرها إيجاب المتعة لكل مطلقة مدخولة أو غير مدخولة مع الفرض ومع عدمه وقد ذهب إلي ذلك جماعة من السلف ووجهه انها عامة لكل مطلقة والتنصيص على غير المدخولة التي لم يفرض لها صداق تنصيص على بعض أفراد العام فلا ينافى بقية الأفراد ويمكن ان يجيب عن هذا من خصص الوجوب بغير المدخولة التي لم يفرض لها صداق بأن الايتين قد اشتملتا على قيدين لهما مفهوم معمول به فيقيد بهما هذه الآية العامة ومجموع هذه الايات قد دلت على
стр. 397
وجوب المتعة دلالة واضحة بينة بالامرين في الايتين الأوليين وبقوله: ﴿حَقّاً﴾ في الآية الثالثة. ولم يبق بيد من قال بعدم الوجوب الا مجرد المرأوغة والمغالطة.
قوله: "ولا شيء بالموت الا الميراث".
أقول: قد قدمنا في أول هذا الفصل حديث معقل بن سنان الاشجعي وهو نص في محل النزاع ودلالته على وجوب مهر المثل كاملا والميراث إذا مات الزوج قبل الدخول أوضح من شمس النهار ولم يأت من ذهب إلي خلافه بشيء يعتد به والمصير إلي القياس مع وجود النص مدفوع بلا خلاف بين طائفتي المثبتين للقياس والنافين للعمل به.
قوله: "ولا الفسخ مطلقا".
أقول: أي لا مهر ولا متعة ولا ميراث أما عدم ايجاب المهر فلأن الله سبحانه إنما شرعه للمطلقات وأما عدم المتعة فلتصريح الايات القرآنية بأنها للمطلقات وأما عدم الميراث فلكون حديث معقل واردا في الموت فمن قال بإيجاب شيء من هذه في الفسخ لم يكن له دليل الا مجرد القياس على الطلاق وعلى صحة هذا القياس فهو لا يكون الا في الفسخ من جهة الزوج لأنه وقع بالفسخ التسريح كما يقع بالطلاق ولكن الآية التي اثبتت نصف المهر بالطلاق قبل الدخول مصرحة بوقوع الفريضة فقال : ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وهذه المفسوخة لم يفرض لها.
والحاصل انه لا بد من وجود المقتضى للإيجاب على الزوج سالما عن شوائب الدفع والمنع والنقص ومن لم يقل بالشيء لعدم وجودا لدليل فقد سلك الطريق البينة والمهيع الواضح.
[فصل
وتستحق كل ما ذكر في العقد ولو لغيرها أو بعده لها ويكفي في المراز ذكر القدر والناحية وفي غيرها الجنس فيلزم الوسط وما سمى بتحيير تعين الاقرب إلي مهر المثل غالبا وبجمع تعين وإن تعدى مهر المثل ومن مريض لم يتمكن بدونه فإن بطل أو بعضه ولو غرضا وفيت مهر المثل كصغيرة سمى لها غير أبيها دونه أو كبيرة بدون رضاها ولو ابوها أو بدون ما رضيت به أو لغير من اذنت بالنقص له مع الوطء في الكل قيل والنكاح فيها موقوف لا ينفذ الا باجازة العقد غير مشروط يكون المهر كذا وكالشرط اجزنا العقد لا المهر وكالاجازة التمكين بعد العلم] .
قوله: فصل: "وتستحق كل ما ذكر في العقد ولو لغيرها أو بعده لها".
أقول: قد دل على هذا ما أخرج أحمد "٢/١٨٢"،وابو دأود "٢١٢٩"،والنسائي
стр. 398
"٦/١٢٠"،وابن ماجه "١٩٥٥"] ، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنته وأخته"، وليس في هذا الحديث مقال الا ما يروى في قول عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد وقع العمل بحديثه في كثير من الأبواب وحسنه من حسنه في مواضع ومن دون عمرو بن شعيب ثقات وفيه دلالة على ان جميع ما ذكر قبل العقد أو حاله يكون مستحقا للمرأة وأما بعده فيكون لمن جعل له من الأولياء إذا لم يجعل للمرأة ولهذا قال ﷺ في آخر الحديث: "وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنته وأخته"، وما كان للمصنف ﵀ ان يخص ذكر المراز من بين أنواع الارض وكان ينبغي له ان يقول ويكفي في الارض.
وأما لزوم الوسط فظاهر وهكذا لزوم الاقرب إلي مهر المثل فيما سمى بتخيير وهكذا لزوم الجميع فيما سمى بجمع لأن ذلك هو مقتضى الصيغة الجامعة ولا فائدة للتنصيص على نفوذه من المريض فإن تصرفه في ماله باق ما دام حيا أما من الجميع أو من الثلث ولا وجه للزوم مهر المثل إذا بطل المسمى أو بعضه بل يلزم قدر قيمة المسمى سواء كان فوق مهر المثل أو دونه لأن الولي والمرأة إنما رضيا بالمسمى فكان الرجوع إلي قيمته هو المتعين.
وأما الصغيرة التي سمى لها غير أبيها دون مهر المثل فلا شك ان لها المطالبة بالتوفية اليه الا ان يكون ذلك لمصلحة راجحة لها في الحال كأن تكون محتاجة إلي النفقة أولا يوجد من يقوم بمالها الا بدون مهر المثل فإنه لا يجوز لها المطالبة بعد ذلك بالتوفية إلي مهر المثل وأما إذا لم يكن ذلك لمصلحة فلها المطالبة ولو كان الذي زوجها بدون مهر المثل هو ابوها فالمدار في هذا على المصلحة.
وأما الكبيرة إذا سمى لها وليها دون مهر المثل بغير رضاها أو بدون ما رضيت أو لغير من اذنت بالنقص له فهي على حجتها ولها المطالبة بالتوفية إلي مهر المثل وهذا ظاهر ولا وجه لقوله مع الوطء في الكل بل لها المطالبة على كل حال ولكنه بنى على ما تقدم له من ان مهر المثل مع عدم التسمية لا يستحق الا بالوطء ولا وجه لقول من قال إن النكاح في هذه الصورة موقف ولا لما تفرع عليه.
[فصل
ولها الامتناع قبل الدخول برضا الكبيرة وولى مال الصغيرة حتى يسمى ثم حتى يعين ثم حتى يسلم ما لم يؤجل وما سماه ضمنه وناقصه حتى يسلم لا الزيادة الا بجنايته أو تغلبه فإن وطيء قبله المصدقة جهلا لزمه مهرها ولا حد ولا نسب ولا تصير ام ولد
стр. 399
وتخير بين عينيهما أو قيمتهما ومهر المثل ثم إن طلق قبل الدخول عادت له انصفاهما فيعتق الولد ويسعى بنصف قيمته لها] .
قوله: فصل: "ولها الامتناع" الخ.
أقول: المهر من الاموال التي استحت بها الفروج وقد وصانا المصدوق الصادق بالوفاء بها للنساء فلا شك ولا ريب ان لها الامتناع حتى يسلم اليها لأن المطالبة بهذا مطالبة بحق لا بباطل وهو من تمام الامساك بمعروف ولا يمنع حصول الرضا منها بالتأجيل جواز المطالبة بالتسليم فذلك حق لها وحصول الرضا منها في وقت لا يمنع من المطالبة من بعد وإذا كان هذا في الرضا منها فلها المطالبة فيما رضى الولي بتأجيله بلا شك ولا شبهة لأنه لا يجوز للولي ان يقطع عليها حقا هو لها الا إذا كان ذلك لمصلحة كما قدمنا وسيأتي الكلام على لزوم التأجيل إذا كان في عقد وفيه ما سيأتي إن شاء الله.
ولا شك في ضمان الزوج لما نقص من المسمى وأما ما حصل من زيادة فيه كالنتاج والغلة فهو لديه كالوديعة لا يضمن الا بجناية أو تفريط أو غصب.
وأما وطء المصدقة جهلا فله حكم الوطء لشبهة وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالي.
[فصل
ولا شيء في افضاء الزوجة صالحة بالمعتاد لا بغيره أو غيرها كارهة فكل الدية ان سلس البول الا فثلثها مع المهر لها وللمغلو بها ونحوهما ونصفه لغيرهما مكرهة بكرا بالمعتاد وبغيره كله.
قوله: فصل: "ولا شيء في إفضاء الزوجة" الخ.
أقول: وجهه ان الشارع قدا ذن بمطلق الوطء للأزواج فمن وطيء صالحة بالعضو المعتاد فهو لم يفعل الا ما اذن له به الشرع وليس فيما اذن به الشرع مغرم الا بدليل ولا دليل لكن لا بد ان تكون المباشرة على الوجه المعتاد أما إذا كانت على وجه لا يفعله الازواج فهو معتد بمجرد ذلك.
وأما التقييد بكونها صالحة فلكونه قد علم من مقاصد الشرع ان من كانت في سن صغيرة بحيث لا يحتمل مثلها الوطء انه لا يجوز للزوج مباشرتها لما ورد من المنع من الضرار وتأليم الغير واحترام بدنه الا بحقه ولم يكن جماع الصغيرة من الحق المأذون به.
وأما التقييد لذلك بكونه بالعضو المعتاد فظاهر لأن ذلك هو المعروف الذي وقع الاذن به دون ما عداه.
стр. 400
وأما إيجاب الدية لمن وقع الافضاء بها بغير المعتاد من الزوجات أو لمن كانت من غير الزوجات فلكون ذلك جناية ولزوم ارشها داخل في العمومات ولكن كون الارش الدية مع سلسل البول والثلث مع عدمه هو مجرد رأي لم يدل عليه دليل وسيأتي الكلام في كتاب الجنايات إن شاء الله.
وفي ايجاب المهر لغير الزوجة مع الارش نظر وأما إيجابه للمغلوط بها ونحوها فظاهر لأنه قد استحل فرجها لشبهة فكان عليه ما يلزم في الفروج الحلال ولا وجه لايجاب النصف لغير الزوجة والمغلوط بها بل ذلك زنا يوجب الحد على الفاعل وهي مع الكراهة لا حد عليها وأما إذا كان إدهاب بكارتها بغير وطء فذلك جناية ولها حكمها.
[فصل
ويترادان على التراخي بالتراضي والا فبالحاكم قبل الرضا بالجنون والجذام والبرص وان عمهما وبالرق وعدم الكفاءة ويردها بالقرن والرتق والعفل وترد بالجب والخصى والسل وإن حدثت بعد العقد لا بعد الدخول الا الثلاثة الأول ولا يرجع بالمهر الا على ولي مدلس فقط ويفسخ العنين بعد إمهاله سنة شمسية غير ايام العذر.
قوله: فصل: "ويترادان على التراخي بالتراضي" الخ.
أقول: من قال إنه يجوز للزوج تسريح زوجته وأخراجها عن عقدة نكاحه بهذا السبب الذي هو الفسخ فهو محتاج إلي دليل يدل على ذلك وهكذا من قال إن للمرأة ان تخلص نفسها من عقد الكاح الواقع عليها بهذا السبب الذي هو الفسخ لم يقبل منه ذلك الا بدليل.
أما الطرف الأول فلم يثبت في ذلك مرفوعا إلي النبي ﷺ الا ما أخرجه أحمد من حديث كعب بن زيد أو زيد بن كعب ان النبي ﷺ تزوج امراة من بني غفار فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش ابصر بكشحها بياضا فانحار عن الفراش ثم قال خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا وأخرجه سعيد بن منصور في سننه وقال عن زيد بن كعب بن عجرة ولم يشك وقد أخرجه على الشك ابن عدي والبيهقي وأخرجه من حديث كعب بن عجرة الحاكم في المستدرك وأخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر وكذلك أخرجه البيهقي وفي إسنادالحديث الأول جميل بن زيد وهو ضعيف قال جميل بن زيد حدثني شيخ من الانصار ذكر انه كانت له صحبة يقال له كعب بن زيد أو زيد بن كعب فعلى تقدير ان هذه الاحاديث يشهد بعضها لبعض ليست بنص في محل النزاع فإن لفظ: "خذي عليك ثيابك" أو الحقي بأهلك هما يصلحان للطلاق ويحتملانه والمحتمل لا تقوم به الحجة.
وأما ما رواه الدارقطني عن عمر بن الخطاب انه قال: "أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو
стр. 401
أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره" وأخرجه مالك في الموطأ والشافعي من طريق مالك وابن أبي شيبة قال ابن حجر في بلوغ المرام ورجاله ثقات فلا يخفاك انه قول صحأبي لا تقوم بمثله الحجة ومثله ما رواه سعيد بن منصور عن علي بن أبي طالب.
وأما الطرف الثاني فليس فيه الا حديث بريرة ان النبي ﷺ خيرها لما عتقت وكان زوجها عبدا وهو حديث صحيح وغايته الدلالة على جواز فسخ الامة إذا عتقت لنكاح زوجها إذا كان عبدا لأنها عند ذلك قد ملكت نفسها والحاق غيرها بها الحاق مع الفارق.
وبهذا تعرف انه لا حاجة بنا إلي الكلام على هذه العيوب المذكورة في هذا الفصل وهكذا الفسخ بالعته لم يكن فيه شيء من المرفوع ولا تقوم الحجة بقول الصحابة.
[فصل
والكفاءة في الدين ترك الجهاز بالفسق ويلحق الصغير بأبيه فيه وفي النسب معروف وتغتفر برضا الاعلى والولي قيل الا الفاطمية ويجب تطليق من فسقت بالزنا فقط ما لم تتب] .
قوله: فصل: "والكفاءة في الدين ترك الجهاز بالفسق".
أقول: الكفاءة في الدين معتبرة اتفاقا كما حكاه ابن حجر في الفتح ويدل على ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وقوله تعالي: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] ، ويدل عليه أيضا ما أخرجه الترمذي وحسنه عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد كبير"، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه"، ثلاث مرات.
ونقل المنأوي عن البخاري انه لم يعده محفوظا وعده أبو دأود في المراسيل واعله ابن القطان بالارسال وضعف رواته ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب اليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد عريض"، وفي الحديثين دليل على ان ما لا برضى دينه لا يزوج وذلك هو معنى الكفاءة في الدين والمجاهر بالفسق ليس بمرضى الدين.
قوله: "وفي النسب معروف".
أقول: استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال
стр. 402
الصحيح من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ان فتاة جاءت إلي رسول الله ﷺ فقالت ان أبي زوجني ابن اخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الامر اليها فقالت قداجزت ما صنع أبي ولكن اردت ان اعلم النساء انه ليس إلي الاباء من سبيل وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة ومحل الحجة منه قولها ليرفع بي خسيسته فإن ذلك مشعر بانه غير كفء لها ٢ ولا يخفى ان هذا إنما هو من كلامها وإنما جعل النبي ﷺ الامراليها لكون رضاها معتبرا فإذا لم ترض لم يصح النكاح سواء كان المعقود له كفء أو غير كفء وقد قدمنا الكلام في اعتبار الرضا وأيضا هو زوجها ابن اخيه وابن عمر المراة كفء لها.
واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث بريدة مرفوعا: "إن أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إليه المال"، وبما أخرجه أحمد والترمذي وصححه هو الحاكم من حديث سمرة مرفوعا: "الحسب المال والكرم التقوى"، ويحتمل ان يكون المراد ان هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا كما صرح به في حديث بريدة وان هذه حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال وعدم اعتدادهم بالدين فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع.
وأما ما أخرجه الحاكم عن ابن عمر انه صلي الله عليه وسلم قال: "العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة لقبيلة وحي لحي ورجل لرجل الا حائك أو حجام"، فقد ذكر الحافظ أنهموضوع وقد أوضحنا الكلام عليه في كتابنا في الموضوعات الذي سميناه الفوائد المجموعة في الاحاديث الموضوعة.
وأما ما أخرجه الترمذي عن علي ان النبي ﷺ قال: "ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت لها كفئا"، فليس في هذا الحديث ما يدل على اعتبار الكفاءة في النسب بل يحمل على ان المراد إذا وجدت لها كفءا ترضى خلقه ودينه كما في الحديثين السابقين.
وما حديث: "خياركم في الجأهلية خياركم في الإسلام"، [البخاري "٦/٥٢٥"، مسلم "٢٨٣٨"] ، فليس فيه دلالة على المطلوب لأن إثبات كون البعض خيرا من بعض لا يسلتزم ان الادنى غير كفء للأعلى.
وهكذا حديث: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم" فإن هذا الاصطفاء لا يدل على ان الادنى غير كفء للأعلى وقد ثبت أنه صلي الله عليه وسلم زوج مولاء زيد بن حارثة بزينب بنت جحش القرشية وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس القرشية وزوج عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته وأخرج أبو دأود أن أبا هند حجم النبي ﷺ فقال: "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه"، وأخرجه أيضا الحاكم وحسنه ابن حجر في التلخيص.
وأخرج البخاري "٩/١٣١"، وغيره النسائي "٦/٦٣، ٦٤"، أبو داود "٢٠٦١" عن عائشة ان أبا
стр. 403
حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس وكان ممن شهد بدرا مع النبي ﷺ تبنى سالما وأنكحه ابنة اخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الانصار.
وإذا تقرر لك هذا عرفت ان المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق لا في النسب لكن لما اخبر ﷺ بان حسب أهل الدنيا المال وأخبر ﷺ كما ثبت في الصحيح "مسلم "٣/٤٥"، عنه ان في امته ثلاثا من أمر الجأهلية الفخر بالاحساب والطعن في الانساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة كان تزويج غير كفء في النسب والمال من اصعب ما ينزل بمن لا يؤمن بالله واليوم الاخر ومن هذا القبيل استثناء الفاطمية من قوله ويغتفر برضا الاعلى والولي وجعل بنات فاطمة ﵂ أعظم شرفا وأرفع قدرا من بنات النبي ﷺ لصلبه فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغريبة والتصلبات على أمر الجأهلية.
واعجب من هذا كله ما وقع للجلال من نقل الاكاذيب المفتراة في شرحه لهذا الموضع وهو مصداق ما اخبر به رسول الله ﷺ من ان تلك الخصال المذكورة في الحديث السابق كائنة في أمته وانها لا تدعها امته في جأهلية ولا إسلام كما وقع في الصحيح وإذا لم يتركها من عرف انها من امور الجأهلية من أهل العلم فكيف يتركها من لم يعرف ذلك والخير كل الخير في الانصاف والانقياد لما جاء به الشرع ولهذا أخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن رسول الله ﷺ أنهقال: "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس".
قوله: "ويجب تطليق من فسقت بالزنا ما لم تتب".
أقول: إذا كان الاستمرار على نكاح الزانية كابتدائه كان قوله : ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] ، دليلا على تحريم إمساك من زنت ووجوب تطليقها ولكن في الحديث الصحيح "ابن ماجة ١٨٥١"، الترمذي "١١٦٣"، "واتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم"، حتى قال: "إلا ان يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا"، بدل على جواز إمساك الزانية بعد هجرها وضربها لأن الظاهر ان الفاحشة المبينة هي الزنا.
وأما ما أخرجه أبو دأود والنسائي من حديث ابن عباس ان رجلا جاء إلي النبي ﷺ فقال إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: "غربها" فقال: أخاف أن تتبعها نفسي قال: "فاستمتع بها إذن"، فعلى تقدير ثبوت الحديث وصلاحيته للحجية وان المراد بقوله: لا ترد يد لامس الكنابة عن الزنا يكون دليلا على جواز الامساك مع مزيد محبة الزوج لها وعدم صبره على فراقها.
فإن قلت فما الجمع بين هذه الآية المصرحة بالتحريم وبين ما في هذين الحديثين قلت باحد وجهين أما حمل الآية على ابتداء النكاح دون الاستمرار عليه وأما تخصيص تحريم امساك بمن لا ينجع فيها هجر ولا ضرب ولا تتبعها نفس زوجها وهذا كله إنما هو في الزوجات وأما الاماء المملوكات فقد ثبت في الصحيح "البخاري"٤/٣٦٩"، مسلم "١٧٠٣"، الترمذي "٤٤٧٠، ٤٤٧١"،
стр. 404
عنه ﷺ أنه قال: "إذا زنت امة احدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم قال في الثالثة: فليبعها ولو بحبل من شعر".
[فصل
وباطله ما لم يصح إجماعا أو في مذهبهما أو احدهما عالما ويلزم فيه بالوطء فقط مع الجهل الاقل من المسمى ومهر المثل ويلحق النسب بالجأهل وإن علمت ولا حد عليه ولا مهر وفاسده ما خالف مذهبهما أو احدهما جأهلين ولم يخرق الاجماع وهو كالصحيح الا في الاحلال والاحداد والاحصان واللعان والخلوة والفسخ والمهر] .
قوله: فصل: "وباطله" الخ.
أقول: باطل النكاح ما جاء الشرع بابطاله كما في المرأة المنكوحة بغير إذن وليها وبغير وقوع الرضا منها أو وقع التصريح في الكتاب أو في السنة الصحيحية بتحريمه ولا اعتبار بمذهب الزوجين أو احدهما فإن ذلك مما لا تعويل عليه بل الاعتبار بما تقرر في الشرع.
لا في المذهب وأما الفرق بين الفاسد والباطل فاصطلاح مجرد لا يجوز ان ينبني عليه أحكام الشرع.
وأما لزوم المهر فهو بما استحله من فرجها.
وأما لحوق النسب فلا بد من دليل على ذلك الا إذا جعل الجهل مثبتا للفراش مع كون الوطء وطء شبهة.
وأما عدم وجوب الحد فلكونه يدرأ بالشبهات والجهل شبهة.
وهذا الفصل مبني على مجرد الرأي الذي ليس عليه اثارة من علم والحق الحقيق بالقبول هو ما ذكرناه.
[فصل
وما عليها الا تمكين الوطء صالحة خالية حيث يشاء في القبل ولو من دبر ويكره الكلام حاله والتعري ونظر باطن الفرج وعليه مؤن التسليم والتسوية بين الزوجات غالبا في الانفاق الواجب وفي الليالي والقيلولة في الميل وللأمة نصف ما للحرة وتؤثر الجديدة الثيب بثلاث والبكر بسبع إن لم يتعداها برضاها واليه كيفية القسم إلي السبع باذنهن ويجب قضاء ما فات ويجوز هبة النوبة والرجوع والسفر بمن شاء والعزل عن الحرة برضاها
стр. 405
وعن الامة مطلقا ومن وطيء فجوز الحمل ثم مات ربيبه ولا مسقط للإخوة لأم أو لا حاجب لها كف حتى يتبين] .
قوله: فصل: "وما عليها الا تمكين الوطء"،
أقول: لا ريب ان نساء الصحابة في أيامه ﷺ كن يقمن بعمل البيوت واصلاح المعيشة بل قد كان نساؤه ﷺ كذلك ووردت هذه الشريعة بتقرير ذلك ولو كان غير جائز لأنكره النبي ﷺ لأنه إتعاب لهن وإتعاب النفس المعصومة بعصمة الإسلام غير جائز ومع هذا فقد أمر به ﷺ ابنته البتول المطهرة لما شكت اليه مشقة ما تزاوله من الطحن وحمل القربة وطلبت منه خادما يعينها على ذلك حين جاء اليه ﷺ الخدم فقال: "اتق الله يا فاطمة واعملي عمل أهلك"، هذا معنى ما في الصحيحين [البخاري "٧/٧١"، مسلم "٨/٢٧٢٧"، وغيرهما "احمد ١/١٣٦"، أبو داود " ٥٠٦٢"، وارشدها إلي ان تسبح الله ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتكبره اربعا وثلاثين وقال لها ان هذا الذكر خير لها من خادم.
وقد قدمنا ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ان النبي ﷺ قال للفزارية التي تزوجت على نعلين: "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ "، فقالت نعم فاجازه فإنه يدل على ان المرأة قد صارت نفسها ومالها تحت حكم الزوج فضلا عن مجرد اعمالها في بيته.
وأما اعتبار كونها صالحة للوطء فأمر لا بد منه لأن جماع غير الصالحة له حرام على الزوج وحرام على الولي ان يمكنه منها أو يامرها بذلك وهكذا اعتبار خلو الزوجين عن حضور حاضر فإن ذلك لا بد منه ولا يلزم الزوجة ان تمكن الزوج من نفسه في غير خلوة ولا يجوز له ان يطلب منها ذلك.
وأما جواز ان يكون الوطء حيث يشاء الزوج فذلك حق له يفعله اينما أراد مع عدم المانع ولا يكون الا في القبل ولو من دبر يعني الايلاج لا يكون الا في القبل.
وأما جواز الاستمتاع في غيره كا لفخذين وعلى ظاهر الاليتين ونحو ذلك فلا شك في جوازه وقد وردت به السنة الصحيحة وأما الوطء في نفس الدبر فأقل ما ورد في منعه يفيد تحريمه وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى وفي التفسير بما لا يحتاج المطلع عليه إلي النظر في غيره فليرجع اليهما.
قوله: "ويكره الكلام حاله".
أقول: الكراهة حكم من أحكام الشرع لا تثبت الا بدليل ولا دليل وأما التعري الذي يستلزم ظهور العورة التي لا يتم االجماع بدون كشفها في ذلك حديث: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال ﷺ : "إن استطعت أن لا يرها أحد فافعل"، فقال فالرجل يكون خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحي منه من الناس" وهو حديث صحيح قد قدمنا ذكره وأخرج ابن ماجه عن عتبة بن عبد السلمي قال قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجرد تجرد العيرين"،
وأخرج الترمذي ان النبي ﷺ قال: "إياكم والتعري فإن معكم من لا
стр. 406
يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلي أهله"، وفي إسناده ضعيفان.
وأما نظر باطن الفرج فليس فيه ما يدل على كراهته وأما ما روى بلفظ: "إذا جامع الرجل امرأته فلا ينظر إلى فرجها" فلا أصل له.
وأما يجاب مؤن التسليم على الزوج فليس عليه دليل لكن لما وجب عليه نفقتها وكسوتها وجميع ما تحتاج اليه جعلوا هذا لاحقا بذلك لكون الاعراف مقتضية له ومتطابقة عليه.
قوله: "والتسوية بين الزوجات"،
أقول: قد اشار إلي هذا القرآن قال الله سبحانه: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] ، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وصح عنه صلي الله عليه وسلم "القسمة بين نسائه ولم يفضل بعضهن على بعض"، فكان هذا كافيا في أصل التسوية وأما دليل الوجوب فحديث: "إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل" أخرجه أحمد وأهل السنن وغيرهم وإسناده صحيح فإن وقوع هذا يوم القيامة بهذا السبب يدل على وجوبه ولو لم يكن واجبا لما عوقب عليه هذه العقوبة.
وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم, قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن انسا رفعه إلي رسول الله ﷺ وقد روى هذا الحديث جماعة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ كما في صحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة وصحيح أبي عوانة وسنن البيهقي ومستخرج لاسماعيلي وهكذا رواه الدارمي والدارقطني.
وأما تخصيص التسوية بالانفاق الواجب والليالي والقيلولة فبعيد فإن حديث أبي هريرة عندأحمد وأهل السنن والدارمي وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط اشيخين وصححه أيضا الترمذي ان النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان يميل لأحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا"، يدل على وجوب التسوية فيما هو أعم من الانفاق الواجب مما يملكه العبد لا مما لا يملكله كالمحبة ولهذا كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيم تملك ولا أملك" أخرجه أهل السنن [أبو داود "٢١٣٤"، النسائي "٧/٦٤"، الترمذي "١١٤٠"، ابن ماجة "١٩٧"، والدارمي وبن حبان والحاكم وصححاه.
وأما كون للأمة التي هي زوجة نصف ما للحرة فقد استدل لذلك بما أخرجه البيهقي عن علي بن أبي طالب أنهقال من السنة ان للحرة يومين وللأمة يوما وقداحتج بهذا الامام أحمد بن حنبل ويقوى هذا ما وقع في كثير من المسائل من التنصيف للعبد والامة.
وأما تأثير الجديدة الثيب بثلاث والبكر بسبع فلحديث أنس المتقدم وما ورد في معناه ويدل على أن حق التأثير يبطل بمجاوزة المقدار المحدود ما في صحيح مسلم "٤١/١٤٦٠" وغيره [أبو داود "٢١٢٢"، ابن ماجة "١٩١٧"، أحمد "٦/٢٩٢"] ، من حديث ام سلمة ان النبي ﷺ لما
стр. 407
تزوجها اقام عندها ثلاثة ايام وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان فإن شئت سبعت لك وإن سبعت سبعت لنسائي".
وأما قوله: "واليه كيفية القسم إلي السبع" فلا وجه له ولا دليل يدل عليه بل اليه كيفية القسم كيف شاء ما لم يستلزم ذلك ضرارا للنساء.
وأما قضاء ما فات فلكون ما هو لها قد استحقته وصار في حكم الدين على الزوج قوله ويجوز هبة النوبة أقول: لما ثبت في الصحيحين وغيرهما ان سودة بن زمعه وهبت يومها لعائشة فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن عائشة انها قالت في قوله تعالي: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ [النساء: ١٢٨] ،
هي المراة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها تقول له امسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري وانت في حل من النفقة علي والقسم لي فذلك قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
وأما قوله: "ولها الرجوع عنها" فوجهه ان تلك الهبة وقعت منها بلا عوض أما إذا كانت بعوض فإن رضيت بترك ما صار اليها من العوض فلها الرجوع سواء كان العوض مالا أو منفعة ولا يمنع من الرجوع مثل حديث: "العائد في هبته كلاعائد في قيئه" لان ذلك خارج مخرج التكريه للرجوع فهو دليل على الجواز مع الكراهه وهذا هو الصواب لا ما ذكره ابن القيم في الهدى من ابطال الرجوع لكون الهبة خرجت مخرج المعأوضة وقد سماها الله تعالي صلحا فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والاموال لأنا نقول قد رضيت بإرجاع ما صار اليها عوضا عن هبتها لنوبتها.
قوله: "والسفر بمن شاء".
أقول: الحق أنهلا بد من القرعة بينهن كما ثبت في الصحيحين [البخاري"٥/٢١٨"، مسلم "٧/١٣٨"، وغيرهما أبو داود "٢١٣٨"، ابن ماجة " ١٩٧٠"، أحمد "٦/١١٤، ١١٧، ١٩٥، ١٩٧"، ان النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وهذا شرع منه ﷺ فهو لأمته وليس لهم تركه وما قيل من انه قد سقط القسم مع السفر فنقول نعم لكنها لم تسقط القرعة فليس للزوج ان يسافر بمن شاء منهن بل يجب عليه الاقراع بينهن ولولا ذلك لم يكن عادلا بين سائه ولا عاملا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
قوله: "والعزل عن الحرة برضاها".
أقول: اختلفت الاحاديث في جواز العزل فمنها ما هو محتمل للجواز ولعدم الجواز كحديث أبي سعيد في الصحيحين [البخاري "٣/٣٩٠"، مسلم "١٤٣٨"، وغيرهما أبو داود "٢١٧٢"،، أحنمد "٣/٦٨"، قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من العرب
стр. 408
فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة فسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلي يوم القيامة"، ومنها ما هو مصرح بالمنع كحديث أبي سعيد أيضا عندأحمد قال قال رسول الله ﷺ في العزل: "أنت تخلقه أنت ترزقه أقره قراره فإنما هو ذلك القدر"، وحديث ااسامة بن زيد عند مسلم وغيره ان رجلا جاء إلي النبي ﷺ فقال إني اعزل عن امرأتي فقال له رسول الله ﷺ : "لم تفعل ذلك؟ "، فقال الرجل: أشفق على أولادها, فقال رسول الله ﷺ : "لو كان ضارا ضر فارس والروم"، وحديث جدامة بنت وهب الاسدية قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ـناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم شيئا" ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] .
ومنها ما فيه دلالة على الجواز كحديث جابر كنا تعزل والقرآن ينزل وهو في الصحيحين وغيرهما زاد مسلم كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغه ذلك فلم ينهنا وكحديث أبي سعيد عند أحمد وأبي دأود والترمذي والنسائي بإسناد رجاله ثقات قال قالت اليهود العزل الموءودة الصغرى فقال النبي ﷺ : "كذبت يهود إن الله لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه"، وأخرج نحوه النسائي من حديث أبي هريرة وقداختلف أهل العلم في هذه الاحاديث فمنهم من جمع بحمل حديث جدامة وما ورد في معناه على التنزيه ومنهم من رجح أحاديث الجواز لصحتها وكثرتها والطريقة الأولى ارجح.
وأما تقييد الجواز بكونه برضا الحرة فقداستدل على ذلك بما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال نهى رسول الله ﷺ ان نعزل عن الحرة الا بإذنها وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال نهى عن عزل الحرة الا باذنها ويؤيده ما حكاه ابن عبد البر من الاجماع على أنهلا يعزل عن الزوجة الحر الا بإذنها ووافقه على نقل الاجماع ابن هبيرة كما قال ابن حجر في الفتح.
وأما جواز العزل عن لامة مطلقا فلما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر ان رجلا اتى رسول الله ﷺ فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وانا اطوف عليها واكره ان تحمل فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها".
وأما قوله: "ومن وطيء مجوز الحمل" الخ فهو رأي بحث ليس عليه اثارة من علم.
стр. 409
[فصل
ويرتفع النكاح بتجدد اختلاف الملتين فإن اسلم احدهما فمع مضي عدة الحربية مدخولة والذمية مطلقا أو عرض الإسلام في الثاني فينتظر بلوغ الزوج وتستأنف المدخولة ويتجدد الرق عليهما أو على احدهما ويملك احدهما الاخر أو بعضه نافذا وبرضاع صيرها محرما قوله فصل ويرتفع النكاح بتجدد اختلاف الملتين] .
أقول: لقد قيل إن هذا إجماع ويدل عليه قوله : ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
وأما كونه إذا اسلم احدهما فمع مضي عدة الحربية الخ فقد أخرج في الموطإ عن ابن شهاب قال لم يبلغنا ان امرأة هاجرت إلي الله وإلي رسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر الا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها الا ان يقدم زوجها مهاجرا قبل ان تنقضي عدتها وأنهلم يبلغنا ان امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها وأخرجه أيضا ابن سعد في الطبقات.
وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ ومن المؤمنين كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم رسول الله ﷺ ويقاتلونه ومشركي أهل عهد لايقاتلهم ولا يقاتلونه وكان إذا هاجرت المراة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح وإذا جاء زوجها قبل ان تنكح ردت اليه.
وأخرج مالك في الموطأ وابن سعد في الطبقات ان امرأة صفوان بن امية اسلمت وهو كافر فلم يفرق رسول الله ﷺ بينهما حتى أسلم صفوان واستقرت عنده بذلك النكاح قال ابن شهاب وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر وهكذا امراة عكرمة بن أبي جهل فإنها اسلمت وزوجها كافر فلما اسلم ثبتا على نكاحهما.
والحاصل أنهلم يثبت عن رسول الله ﷺ أنهفرق بين رجل وزوجته إذا اسلمت دونه حتى تنقضي عدتها وإذا اسلم وهي في العدة كانت باقية في عقد نكاحها ولا تحتاج إلي تجديد عقد هذا هو الثابت بلا خلاف.
وأما ما روى من طرق صحيحة أنه صلي الله عليه وسلم رد ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول لم يحدث شيئا وكان اسلامه بعد سنتين وقيل بعد ست سنين فهو وإن كان اصح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي ﷺ رد ابنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد كما أخرجه ابن ماجه وفي إسناده حجاج بن ارطاة وهو ضعيف لكن لا بد من تأويل حديث ابن عباس لوقوع الاجماع على عدم جواز تقرير المسلمة نحت الكافر إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها وممن نقل هذا الاجماع ابن عبد البر فقيل في تأويله إنه لم يكن قد نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر وقيل غير ذلك وقد ذكرنا ذلك في شرحنا للمنتقى.
стр. 410
والأولى ان يقال إن النكاح موقوف فإن اسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته وإن انقضت عدتها فلها ان تنكح من شاءت وإن احبت انتظرته وإذا اسلم كانت زوجته من غير حاجة إلي تجديد نكاح وليس في هذه الشريعة ما يخالف هذا وقد ذهبت اليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم.
وإذا عرفت هذا لم تحتج إلي ما ذكره المصنف وغيره في هذا المقام.
قوله: "ويتجدد الرق عليها أو على أحدهما"
أقول: المسبية قد صارت ملكا للسابي لها من المسلمين ولم يبق لزوجها عليها يد ولا لكونها كانت زوجته تأثير وهكذا الزوج إذا سبي صار عبدا لا يجوز له ان يتزوج الا باذن سيده السابي له ولا حكم لما كان فيه في الجأهلية إذا سبيا معا فهذا هو مراد الصمنف بقوله: "ويتجدد الرق" عليهما الخ ولكنهما إذا سبيا معا ورضى السابي لهما بأن يبقيا على نكاحهما فالظاهر ان مجرد هذا الاذن يكفي ولا يحتاج إلي تجديد عقد كما تقدم في الاحرار.
قوله: "ويملك احدهما الاخر".
أقول: المراة إذا ملكت زوجها كان لها الخيار كما كان لبريرة لأنها حرة وزوجها عبد فإذا اختارت الفسح فلها ذلك فإن بريرة فسخت نكاحها لما كان زوجها عبدا فإذا ملك الزوج زوجته كان له الخيار أما بقي على النكاح الذي كان بينهما إذا كان ممن يجوز له التزوج بالأمة وأما اختار فسخ النكاح ويكون لها حكم المملوكات يطأها بالملك ويتصرف فيها كيف شاء.
وبهذا تعرف أنهلا ينفسخ النكاح بمجرد ملك احدهما الاخر بل هو موقوف على اختياره وليس في المقام ما يقتضى تطويل الكلام.
وأما إذا كانا مملوكين ثم اعتق احدهما وملك الاخر فظاهر لأنه تجددت له الحرية ثم تجدد له ملك الاخر وأما إذا كان احدهما حرا والاخر مملوكا ثم ملك الحر المملوك فإن كان الحر الذي ملك الاخر هو الرجل فلا شك في أنه يختار ما أراد من البقاء على العقد أو الوطء بالملك لأن الملك يقتضى ذلك وإن كان الحر هو المرأة وملكت الزوج فعلى تقدير رضاها به في الابتداء قد تجدد لها بملكه ما يقتضى ثبوت الخيار لها لأن ملكها له قد اثبت لها حقوقا عليه يجوز لها بسببها فسخ النكاح ولا يصح فرض المسألة على انهما كانا حرين لأن الحرية لا تنتقل إلي الرقية الا بالسبي كما تقدم فإذا قدرنا انهما كانا حرين وأسلم احدهما وسبى الاخر فالكلام فيه كما تقدم في تجدد الرق.
قوله: "وبرضاع صيرها محرما".
أقول: لأنه "يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب" كما ثبت ذلك عنه ﷺ فإذا رضع أحدهما رضاعا قام الدليل، الصحيح على أنهيقتضي التحريم صار ذلك موجبا لانفساخ النكاح وسيأتي في الرضاع إن شاء الله ما هو المقتضى للتحريم على مقتضى الادلة.
стр. 411
[فصل
ويصح نكاح العبد ولو اربعا حرائر بإن مالكه المرشد ومطلقه للصحيح وواحدة فقط وبإجازته مستمر الملك ومنها السكوت وطلق وبعتقه قبلها وبعقده له ولو كارها وما لزمه فعلى سيده الا تدليسه ففي رقبته والفاسد والنافذ بعتقه ففي ذمته ويلحق الولد بامه فلا حق له عليه ويصح شرط حريته لأ تملكه ويبطل بخروجها عن ملك سيدها قبل العلوق وطلاقه والعدة منه كالحر] .
قوله: فصل: "ويصح نكاح العبد ولو اربعا حرائر".
أقول: القائلون بأنه يجوز للعبد ان يتزوج اربعا جعلوه داخلا فيما ورد من تسويغ الاربع للعباد وهو من جملتهم لا يخرج عنه الا بمخصص يخصصه كما في سائر الخطابات.
والقائلون بأنهلا يجوز الا اثنتان وهم جمهور السلف ومن بعدهم قاسوا نكاحه على طلاقه فلم يجوزوا له الا اثنتين كما أنهلا يملك من الطلاق الا اثنتين بالدليل الاتي إن شاء الله تعالي وكذلك قاسوه على الحدود الثابت تنصيفها عليه بنص القرأن في الاماء وإلحاق العبد بهن بعدم الفارق وبالاجماع.
وليس في المقام نص يتعين الرجوع اليه ودعوى إجماع الصحابة على ما قاله الجمهور يزيده قوة فإنها مرجح قوي ولم يثبت القل عن فرد من أفرادهم مما يخالف ذلك.
وأما توقف الجواز على اذن مالكه فلا بد منه لأنه المالك لرقبته ومنافعه فلا يصح تصرفه في شيء منها الا بإذنه ولا سيما مثل النكاح فإنه يستغرق كثيرا من منافعه المستحقة للسيد ويعرض سيده لايجاب نفقة الزوجة أو الزوجات.
ومع هذا فحديث: "أيما مملوك نكح بغير إذن مولاة فهو عاهر" كما في رواية وفي أخرى: "فنكاحه باطل" قد حسنه الترمذي وصححه الحاكم من حديث جابر وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث ابن عمر وفي إسناده ضعف ولكنه يزيد حديث جابر قوة.
وأما كون مطلق الاذن يكون للصحيح ولواحدة فقط فيكون مدلول اللفظ يصدق بالواحدة ويحمل على الصحيح وهذا على تقدير أنهليس في اللفظ ما يدل على زيادة على واحدةأما لو كان فيه ما يدل على ذلك فله حكمه وهو غير مراد المصنف.
وأما كونه ينفذ بإجازة السيد فلأن العقد الواقع بغير إذن موقوف على إذن السيد فإذا وقعت منه الاجازة فهي إذن إذا كان ملكه للعبد باقيا لا إذا كان قد خرج عن ملكه فلا حكم لاجازته.
وليس من الاجازة مجردا لسكوت لأنه كما لا يشعر بالرضى لا يشعر بالكراهة الا ان يصحبه ما يفيد الرضا كأن يفعل فعلا لا يفعله الا من هو راض.
وأما جعله قول السيد للعبد طلق من الاجازة فمن جعل ما هو مناف للشيء مثبتا له وهو خلاف المعقول وأما كون الامر بالطلاق قد اشعر بالاعتداد بما وقع منه من النكاح فشيء لا
стр. 412
ينبغي الالتفات اليه ولا التعويل عليه الا ان يرد بذلك دليل.
وأما نفوذ نكاح العبد بعتقه قبل الاجازة فلا وجه له لأن مصيره إلي ملك نفسه لا يصحح ما كان باطلا فعليه ان يجددالعقد بعد العتق.
وأما عقدالسيد له فهو إجازة لعقده الأول بلا شك لإشعاره بالرضا له به.
وأما كون ما لزمه من مؤن النكاح لازم لسيده فلكونه قد اختار ذلك بالاذن أو ما في حكمه ولو لم يرض بما لم يعلم بحقيقته ولهذا كان تدليس العبد في رقبته لأنه كالجنابة منه.
وأما قوله: "والفاسد النافذ بعتقه ففي ذمته" فهذا إذا لم يحصل من السيد إذن به ولا إجازة له وإلا فلا فرق بينه وبين الصحيح وانصراف الاذن إلي الصحيح لا ينافي الرضا بالفاسد والرضا هو مناط اللزوم.
وأما قوله: "ويلحق الولد بأمه" الخ فهذا محض رأي ليس عليه اثارة من علم والأولى ان اللحوق في العبيد كاللحوق في الاحرار رجوعا إلي أصل الشرع فإن لم يرد فيه دليل كان التشريع العام كافيا.
قوله: "وطلاقه والعدة منه كالحر".
أقول: يدل على هذا ان الاصل في العبيد والاماء ان لهم حكم الاحرار وانهم داخلون في الخطابات العامة والتشريعات الشاملة ولا يخرجون عن ذلك الا بدليل يقتضى التخصيص وقد ثبت كتابا وسنة ان الطلاق ثلاث والعدة ثلاثة قروء فهذا الاستدلال يكفي مع عدم وجود ما ينتهض للتخصيص فكيف وقد أخرج أحمد وابو دأود والنسائي وابن ماجه عن عمر بن معتب ان أبا حسن مولى بني نوفل اخبره أنهاستفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا هل يصلح له ان يخطبها قال نعم قضى بذلك رسول الله ﷺ وقد وثق أبا الحسن هذا أبو حاتم وابو زرعة وأما عمر بن معتب ففيه مقال ولكن هذا الحديث على كل حال انهض من حديث ابن عمر مرفوعا: "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان" فإن في إسناده ضعيفين وقال الدراقطني الصحيح أنه موقوف وقد أخرج أبو دأود من حديث عائشة "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" وفي إسناده مظاهر بن اسلم وهو ضعيف.
وليس في الباب غير هذين الا روايات موقوفة لا تقوم بها الحجة ومثل هذا لا ينتهض لتخصيص عموم ما ثبت كتابا وسنة فكيف وقد عورضت هذه المخصصات بحديث ابن عباس السابق.
وإلي ما ذكرناه من استواء الحر والعبد في عدد الطلاق واستواء الامة والحرة في العدة ذهب جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وجابر وأبو سلمة وابو قتادة.
стр. 413
[فصل
وفي الامة بعقدالمالك المرشد ووكيل المالكة وولي مال الصغير أو نائبهم أو إجازته كما مر الا السكوت وبعتقها قبله ويكرهها على التمكين غالبا لا العبد على الوطء وله المهر وإن وطئت بعدالعتق الا في النافذ به والنفقة مع التسليم المستدام ويصح شرطها مع عدمه والعكس] .
قوله: فصل: "وفي الامة بعقد المالك المرشد".
أقول: لا فرق بين الامة والعبد لان الكل مال لمالكهما ولكن لما كان العبد ممن يصلح ان يعقد لنفسه عقد النكاح كان إذن المالك له يكفي في صحة نكاحه ولما كانت الامة لا تنكح نفسها كان الامر إلي سيدها وإذا كان المالك لها امرأة فقد تقدم انها لا تزوج المرأة المرأة فتوكل من يعقد لامتها وإذا كانت الامة لصغير وكان في تزويجها مصلحة له كان ذلك إلي وليه كسائر تصرفات الولي في مال الصغير ونحوه ولهؤلاء ان يوكلوا من يعقد النكاح ويتنوب عنهم في الاجازة ممن له ولاية أو نيابة تكفي.
وأما السكوت فقد قدمنا أنهلا يكفي في اجازة نكاح العبد والامة مثله فلا فرق بينهما وأما كونه ينفذ عقد الامة بعتقها قبلها فلا وجه له كما قدمنا في عتق العبد.
وأما إكراهها على التمكين للزوج فله ذلك كما يجوز له ان يكرهها على غيره من الاعمال لانها ماله ومنافعها له وهكذا ان يكره العبد لهذه العلة إذا كان قادرا على ذلك.
وأما استحقاق سيد الامة لمهرها فلكون ذلك لفائدة حصلت من ماله.
وأما إذا عتقت قبل الوطء فالظاهر ان المهر لها لأنه عوض عن بضعها وقد وصف النبي ﷺ النساء وذكر مهورهن فقال: "إنها احق الامور بالوفاء بها لانها استحلت بها الفروج"، [البخاري "٩/٢١٧"، مسلم "١٤١٨"، أحمد "٤/١٥٠"، أبو داود "٢١٣٩"، النسائي "٦/٩٢، ٩٣"] ، فلا فرق بين العتق المطلق والعتق الذي نفذ به النكاح فإن المهر لها فيهما.
وأما استحقاق السيد لنفقة الامة مع التسليم لها اليه فذلك ظاهر لأنه زوج وهي زوجة وحكمهما في ذلك حكم غيرهما وإذا شرط الزوج ان لا نفقة عليه ورضى بذلك السيد وجب الوفاء بالشرط وهكذا إذا شرط السيد النفقة على الزوج مع عدم التسليم ورضى بذلك لزم الوفاء بالشرط فالمؤمنون عند شروطهم.
[فصل
وللمالك فيها كل تصرف الا الوطء ومنع الزوج ومتى عتقت خيرت ما لم تمكن
стр. 414
عالمة بالعتق وثبوت الخيار كحرة نكحت على امة ولا ينفسخ نكاح الامة ومتى اشتراها لم تعد ام ولد بما قد ولدت ويطأها بالملك ولو في عدة طلاقه الا التثليث فبعد التحليل بما سيأتي فقط وأما المكاتبة فبرضاها وام الولد به بعد عتقها والمهر لهما وولاية الوقف إلي الواقف ويراضي المصرف والمهر له] .
قوله: فصل: "وللمالك فيها كل تصرف"،
أقول: هذه الكلية معلومة لانها ماله فيتصرف بها كيف شاء وإنما ذكر هذا ليستثنى منه قوله الا الوطء ومنع الزوج فإن هذين الامرين لا يجوزان له لأنه رضى بتزويجها فليس له ان يفعل ما يخالف ما يوجبه ما رضى به.
وأما كونها إذا عتقت خيرت فذلك ثابت بحديث بريرة والخلاف في كونها تفسخ نفسها مطلقا أو حيث كان زوجها عبدا كما كان زوج بريرة عبدا معروف.
وقد قررنا البحث في شرحنا للمنتقى بما يكتفى به الناظر فيه وإذا اختارت البقاء في عقدة النكاح فالأمر اليها ولا يبطل خيارها الا إذا وقع منها الرضا المحقق.
وأما قوله: "كحرة نكحت على الأمة" فلم يرد المصنف أنهأصل والامة التي عتقت مقاسة عليه وإنما أراد تنظير المسألة بالمسألة في الفسخ كما جرت عادته في مواضع بمثل هذا ولا أرى لجواز فسخ الحرة المنكوحة على الامة وجها مقبولا فضلا عن دليل يدل عليه لان الحرج في ذلك على الزوج كما في قوله تعالي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] ، فإذا نكح الحرة فقد وجد السبيل اليها واستطاع الطول المبلغ إلي نكاح الحرائر وكون مجرد الغضاضة اللاحقة للحرة بنكاحها على الامة مسوغا للفسخ لا دليل عليه وقد قدمنا في فصل العيوب التي جعلوها مقتضية للفسخ ما فيه كفاية.
وأما قوله: "ولا ينفسخ نكاح الامة" فصواب لأنه دخل فيه في وقت يجوز له الدخول ولم يتجدد ما يدل على البطلان وغاية الامر أنهمع التمكن من الحرة يجب عليه تسريح الامة وأما أنهيبطل فلا.
وهكذا وقوله: "ومتى اشتراها لم تصر ام ولد بما قد ولدت" لأنها ولدت له وهي زوجته لا مملوكته والتي تصير ام ولد بما ولدت إنما هي الموطوءة بالملك.
وأما قوله: "ويطأها بالملك ولو في عدة طلاقه" ففيه نظر لأنه وإن كان أصل مشروعية العدة لبراءة الرحم وعدم الاختلاط في الانساب لكنها قد صارت بعد ثبوتها تعبدية ولهذا وجبت على الصغيرة والايسة والحامل.
وأما كونه لا يطأها بعد التثليث حتى تنكح زوجا غيره فلأنها كانت لديه زوجة داخلة تحت عموم قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، ولم يرد ما يدل على تخصيصها من هذا العموم.
стр. 415
وأما المكاتبة وأم الولد فقد حصل لها سبب من اسباب الحرية وإن توقف نفوذه على الوفاء بمال المكاتبة في المكاتبة وعلى موت السيد أو تنجيزه لعتقها في أم الولد فلا بد من رضاهما والمهر لهما لعدم بقاء الملك المستقر عليهما
وأما كون ولاية الوقف من العبيد والاماء إلي الواقف فمبني على ما سيأتي والظاهر انها إلي الموقوف عليه لأنه المتصرف بالمنافع والنكاح من جملة ما يحصل له به منفعة ولهذا كان المهر له فإن كان الوقف على مسجد أو نحوه فإلي من اليه الولاية في وقف ذلك المسجد ونحوه وإلا فالأمر إلي الامام والحاكم.
[فصل
ومن وطيء امته فلا يستنكح اختها وله تملكها ولا يجمع بين اختين ونحوهما في وطء وإن اختلف سببه ومن فعل اعتزلهما حتى يزيل احدهما نافذا ومن دلست على حر فله الفسخ ولزمه مهرها ولحقه ولدها وعليه قيمته إن سلمت بجنايتها فإن أباها فالزائد على قيمتها وهو له في ذمتها ويسقط إن ملكها فإن استويا تساقطا.
الاختلاف إذا اختلفا فالقول لمنكر العقد وفسخه وفساده ومنه وقع في الكبر ولم ارض وقال في الصغر فيلزم لا في الصغر فافسخ وقال في الكبر ورضيت ولمنكر تسمية المهر وتعيينه وقبضه وزيادته على مهر المثل ونقصانه والابعد عنه زيادة ونقصانا فإن ادعت اكثر وهو أقل أو المثل فبينا حكم بالأكثر والا فللمبين ونحوه ثم مهر المثل وللمطلق قبل الدخول في قدره وإذا اختلفا في معين من ذوي رحم لها عمل بمقتضى البينة فإن عدمت أو تهاترا فلها الاقل من قيمة ما ادعت ومهر المثل ويعتق من اقر به مطلقا وولاء من انكرته لبيت المال والبينة على مدعي الاعسار وبعض الاخذ مع اللبس] .
قوله: فصل: "ومن وطيء امة فلا يستنكح اختها".
أقول: عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ، يشملهما لأنه قد وجد الجمع بينهما ووجدت الاخوة فيهما والظاهر ان الآية تتنأول الجمع بين الاختين الحرتين في عقدالنكاح وفي الوطء فكما لا يجوز الجميع بنهما في الوطء لا يجو ز الجمع بينهما في عقدالنكاح وهكذا لا يجوز له ان يعقد عقدة النكاح على اختين امتين ولا يجوز له ان يجمع بينهما في الوطء لتناول العموم لذلك.
وأما الجمع في مجرد الملك فهو وإن صدق عليه أنهجمع بين ختين لكنه ليس بنكاح ولا وطء والمقصود تحريم النكاح والوطء وإذا وطيء احدى الأمتين الاختين كان تحريم النكاح
стр. 416
على الاخرى وتحريم وطئها داخلا تحت عموم الآية لأن الوطء مقصود ومجرد عقدالنكاح مقصود وهذه الآية لم يرد ما يعارضها أو يخصصها.
وأما قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، فالمراد به جواز ما جوزه الشرع ولهذا وقع الاجماع على أنه لا يجوز للمالكة ان يطأها مملوكها ولا للمالك ان يطأه مملوكه وقد حكى ابن عبد البر اجماع الصحابة والتابعين ان هذه الآية خاصة بالرجال دون النساء ثم قوله : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مدنية وقوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مكية.
وأما قوله: "ومن فعل اعتزلهما حتى يزيل أحدهما نافذا" فلكونه لا يخلص عن الجمع المحرم الا بذلك ولا بد ان يكون على وجه يمتنع منه جواز وطئها ما دامت اختها في ملكه موطوءة له.
وأما قوله: "ومن دلست على حر فله الفسخ" فوجه ذلك أنه لم يرض بأن تكون زوجه الا على انها حرة لما عليه من التبعة في أولاده بلحوقهم بامهم حيث هي امة مملوكة عند القائل بذلك ولا سيما إذا كان يستطيع نكاح الحرة فإن تدليسها عليه قد أوقعه فيما لا يجوز له.
وأما لزوم مهرها فهو بما استحل من فرجها وهكذا لحوق ولدها به لأنه لم يرض بنكاحها أمة حتى يلحق الأولاد بها ولا وجه لتسليم قيمة الولد إلي السيد.
وأما كون الامة تصير اليه بجنايتها فإن اختار السيد ذلك فهو إليه لأن جناية المماليك متعلقة برقابهم لكن هذا مبني على أنه قد لحقه غرم بتدليسها وهو تسليم قيمة الولد إلي السيد ولا دليل يدل على ذلك.
قوله: "الاختلاف إذا اختلفا فالقول لمنكر العقد".
أقول: لان المدعى لوقوعه هو مدعي ما هو خلاف الاصل من عدم الوقوع وقد ثبت عنه ﷺ : "أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين" وإذا اتفقا على وقوع العقد وادعى احدهما أنه تعقب ذلك وقوع الفسخ له فهو يدعى خلاف ما هو الظاهر وبهذا القدر يصير مدعيا ويصير المنكر منكرا وعلى المدعى البينة وعلى المنكر اليمين.
وهكذا الكلام فيمن ادعى فساده بعد الاتفاق على وقوعه وأما كون البينة علىمن تدعى ان العقد من أبيها وقع عليها في الكبر وأنها لم ترض فوجهه انها قد ادعت شيئين الاصل يخالفهما الأول منهما ان العقد عليها وقع بعد ان انتقلت من صفة الصغر إلي صفة الكبر.
والثاني: انها لم ترض.
لا يقال الاصل عدم الرضا فيكون القول قولها لأنا نقول الظاهر يدفعه لأنها قد ادعت وقوع العقد في الكبر وكونها لم ترض هو خلاف ما هو الظاهر.
وأما قوله: "لا في الصغر فافسخ" الخ فوجهه ما قدمنا من ان الاصل عدم الانتقال من صفة الصغر إلي صفة الكبر.
стр. 417
وأما قوله ولمنكر تسمية المهر الخ فلكون الاصل عدم حصول هذه التسمية فيكون القول قول النافي لأنه المنكر والبينة على المدعى فيندرج ذلك تحت حديث: "على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين".
وأما قوله: "فإن ادعت أكثر" الخ فوجهه ان مدعي الاكثر هو الذي أوجب عليه الشارع البينة ولم يوجبها على من ادعى الاقل لأنه منكر وإن جعل كلامه في صورة الدعوى ومع انفراد احدهما بالبينة يحكم للمبين كما قال المصنف لقيام البرهان المقتضي لصدق قوله.
وأما قوله: "وللمطلق قبل الدخول في قدره" فلا وجه له بل الظاهر ان القول لمنكر الزيادة ولا تأثير للدخول وعدمه في مثل هذا.
وأما قوله: "وإذا اختلفا في معين من ذوي رحم لها" فالظاهر ان القول قولها في إنكار علمها لكونه رحما لها وفي إنكار رضاها به على تقدير انهما اختلفا في نفس وقوع الرضا منها لأن رضاها بمن يعتق عليها هو خلاف الظاهر ومجرد أنه قد يتعلق لها غرض بعتقه عليها لا يسأوي ما تطلبه النفوس من المال فإن هذا آثر من الأول في الطباع فلا وجه لتعويل المصنف على البيينة بادئ بدء فإن ها هنا رتبة مقدمة على ذلك وهي ان القول قول المنكر والبينة على المدعى وإذا بينا فالعمل على بينة المدعى لما قدمنا ولا وجه للحكم للتهاتر ولا للرجوع إلي الاقل من قيمة ما ادعت ومهر المثل.
وأما قوله: "ويعتق من اقر به مطلقا" فلا وجه له لأن اقراره بذلك مقيد بكونه مهرا لها وهي لم تقبل الاقرار مقيدا بهذا القيد فلا يخرج عن ملك الزوج ويكون ولاؤه إذا اعتقه له لا لبيت المال.
وأما قوله: "والبينة على مدعي الاعسار للاسقاط" فلكونه يدعي امرا يريد به إسقاط حق عليه فلا يقبل الا ببينة. وهكذا إذا ادعى الاعسار ليحل له مالا يحل الا لمعسر فهو وإن كان الظاهر عدم الغنى لكنه يريد بذلك استحلال ما يتوقف تحليله على صحة الدعوى.
стр. 418
باب على واهب الأمة وبائعها استبراء غير الحامل
...
[باب وعلى واهب الامة وبائعها مطلقا استبراء غير الحامل
والمزوجة والمعتدة الحائض بحيضة غير ما عزم فيها ومنفطعته لعارض بأربعة اشهر وعشر وغيرهما بشهره وعلى منكحها للعقد ومن تجدد له عليها ملك لا يد للوطء بذلك وبالوضع والعدة وكالبيعين المتفائلان والمتقاسمان بالتراضي فقط ولهم الاستمتاع في غير الفرج الا مشتريا ونحوه يجوز الحمل وتجوز الحيلة] .
стр. 419
قوله: "باب وعلى واهب الامة وبائعها" الخ.
أقول: ليس على هذا اثارة من علم قط وما ذكروه من الاقيسة فهي ظلمات بعضها فوق بعض والعجب كل العجب من ايجابه على كل بائع ولو كانت امرأة وفي كل امة مبيعة أو موهوبة ولو كانت صغيرة فإن كان المقصود بهذا معرفة براءة الرحم فالصغيرة والبكر هذه البراءة كائنة فيهما ثم ايجاب الاستبراء على المشتري والمتهب تحصل به هذه البراءة فما الموجب لايجاب ذلك على البائع على ان إيجابه على المشتري ونحوه إنما يثبت بالقياس على المسبية فإنها مورد النص ولكن لما كانت المشتراة ونحوها تشاركها في العلة التي وجب استبراؤها لها كان قياسها عليها صحيحا من هذه الحيثية لما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء ان النبي ﷺ اتى على امرأة محج على باب فسطاط فقال: "لعله يريد أن يلم بها؟ " فقالوا: نعم, فقال رسول الله ﷺ : "لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " والمحج الحامل فإن مثل هذه العلة كائنة في المشتراة ونحوها وقد قال ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطا حامل حتى تضع ولا حائض حتى تستبرأ بحيضة"، أخرجه أحمد وابو دأود والحاكم وصححه.
ويشهد له ما عند الدارقطني من حديث ابن عباس وما عند الترمذي من حديث العرباض ابن سارية وما عندأبي شيبة من حديث علي مع ان ظاهر هذا العموم يشمل المشتراة ونحوها وكونه في سبايا أوطاس لا يوجب تقييده بذلك لما تقرر من ان الاعتبار بعموم الفظ لا بخصوص السبب.
وقد ورد ما يدل بعمومه على استبراء المشتراة ونحوها فأخرج أحمد والطبراني من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره"، ولكن إسناده ضعيف قال في مجمع الزوائد في إسناده بقية والحجاج ابن ارطاة وكلاهما مدلس انتهى ولكنه يشهد له ما أخرجه أحمد وابو دأود وابن أبي شيبة والدارمي والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وبان حبان وصححه والبزار وحسنه من حديث رويفع بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يستقنى ماءه ولد غيره"، فإنه يشمل الامة المشتراة ونحوها وإن كان في لفظ في هذا الحديث عن الترمذي: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها"، وفي لفظ لأحمد: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض"، فإن هذا التقييد لاينافي عموم قوله: "فلا يسقيا ماءه ولد غيره"،
والحاصل ان مجرد قياس المشتراة ونحوها على المسبية على تقدير عدم شمول الدليل لها واضح الوجه للاشتراك في تلك العلة.
وأما إيجاب الاستبراء على البائع ونحوه فلا ينبغي ان ينسب إلي عالم وهكذا ايجاب استبراء الصغيرة والبكر فإنه لم يدل دليل على وجوبه على السأبي ولا على المشتري ونحوه والتعليل بتلك العلة ينافي الايجاب فيهما.
стр. 420
وهكذا التصريح في تلك الرواية بلفظ الثيبت وقد ذهب إلي وجوب الاسبتراء على المشتري ونحوه الجمهور ولم يخالف في ذلك الا دأود والبتي.
وإنما استثنى المصنف الحامل والمزوجة والمعتدة لانهن لا يوطأن أما الحامل فإذا كان حملها من زنى فإنه يجوز بيعها ولا توطأ حتى تضع ولا يستقيم في الحامل من غير زنى لانها تصير بالحمل مع الوضع ام ولد.
وأما المزوجة فظاهر لانها إذا بقيت بعد بيعها تحت زوجها فهي لا توطأ وإن لم تبق تحته فلا بد من العدة ولا توطأ الا بعد انقضائها.
وهكذا المعتدة لا توطأ الا بعد انقضاء عدتها هذا على تقدير صحة الوجوب على البائع ونحوه وقد عرفت أنه لا أصل له.
وما زعموه من ان ذلك تعبد فهو مجرد دعوى لا أصل لها فالتعبد إنما يثبت بدليل والا كان من التقول على الله بما لم يقل وقد قال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، فجعل التقول على الله بما لا يعلمه الإنسان عديلا للشرك وما قبله والله الهادي.
وأما قوله: "الحائض بحيضة غير ما عزم فيها" فبراءة الرحم تتحقق بتلك الحيضة التي هي فيها ولكن ما قاله ﷺ : "ولا غير حامل حتى تحيض حيضة"، دل على أنه لا بد من حيضة كاملة يجب الاستبراء بها على السأبي والمشتري ونحوه لا على البائع ونحوه فلا يجب حيضة ولا بعض حيضة كما قدمنا.
وأما قوله: "ومنقطعته لعارض بأربعة اشهر وعشر" فقد عرفناك أنه لا استبراء على البائع ونحوه لكن إذا اشتراها مشتر وتجدد عليها ملك لمالك بأي سبب من سبي أو هبة أو ميراث أو نحو ذلك فكيف يكون اسبتراؤها الذي يعرف به براءة الرحم مع عدم ورود دليل يدل على هذ الصورة بخصوصها والظاهر أنه يحال ذلك على ما يعرف به انها غير حامل ولا يخفى مثل ذلك على غالب النساء.
وأما التحديد باربعة اشهر وعشر فلا وجه له قط ومن توهم صحة قياسها على المتوفي عنها فلم يصب ومن زعم ان هذا المقدار هو اكثر العددالمشروعة فكانت لاحالة عليه لتيقن البراءة فهو أيضا لم يأت بطائل.
وهكذا لا وجه لقوله وغيرهما بشهر لما قدمنا وهكذا قوله وعلى منكحها للعقد لا وجه له لما تقدم.
وأما قوله: "ومن تجدد له عليها ملك" الخ فصواب لكن على التحقيق الذي قدمناه فلا نعيده هنا.
وأما قوله: "والحامل بالوضع" للدليل المتقدم.
стр. 421
وأما المعتدة فقد علم باعتدادها براءة رحمها لكن ظاهر الدليل أنه لا بد من استبرائها بحيضة عند سبيها أو ملكها فإن بقي من العدة قدر حيضة فذلك هو استبراءها وكمال عدتها وإن لم يبق من العدة قدر حيضة فلا بد من حيضة.
وأما قوله: "وكالبيعين" الخ فلا فائدة فيه لأنه إن صدق عليه أنه من تجدد الملك فقد اغنى عنه ما تقدم وإن لم يصدق عليه ذلك فلا وجه له الا ان يكون قد وقع من المشتري قبل الاقالة والفسخ وطء.
وأما ذكر جواز الاستمتاع فلا حاجة اليه لأن الممنوع هو الوطء الذي يسقي به زرع غيره لا غيره.
قوله: "ويجوز الحيلة".
أقول: هذه الحيلة التي جوزها قد استند فيها إلي ما يحكى في كتب التواريخ من قصة وقعت لأبي يوسف مع الرشيد وما بمثل هذاتؤكل الكتف ولا يجوز لمسلم ان يجترئ على مخالفة الادلة الثابتة من كون الحائض تستبرأ بحيضة والنهي منه صلي الله عليه وسلم عن ان يسقي ماء الرجل ولد غيره ومعلوم ان هذه الحيلة لا تخلص من مثل هذا مع كون براءة الرحم التي هي العلة في وجوب الاستبراء غير حاصلة بل لا براءة اصلا فكيف يقال بجواز هذه الحيلة الفاسدة الكاسدة وابو يوسف قد ربح مالا كثيرا من الرشيد ومن الجارية فما بال من لم يربح بها الا شغلة الحيز في قرطاسه بمداد يصدرها في كتابه هذا الذي وضعه لهداية المقصرين وإرشاد المقلدين اللهم غفرا.
هذا إذا أراد ان هذه الحيلة البائسة والذريعة الخاسرة تسقط الاستبراء على المشتري والبائع كما هو الواقع من أبي يوسف.
أما إذا أراد انها تسقطه على البائع فقد عرفناك أنه لااستبراء عليه ولا حاجة له في تطلب الحيل فالشرع لم يوجب عليه ذلك حتى يحتاج إلي التخلص عنه بالتحيلات التي لا تنصب في الغالب الا لردأحكام الله واخراج المكلفين مما كلفهم الله إخراجا طاغوتيا عنادا لله وتجرؤا عليه والامر لله العلي الكبير.
[فصل
ومن وطيء امة ايما له ملك في رقبتها ثبت النسب وإن لا ملك فلا إلا امة الابن مطلقا واللقيطة والمحللة والمستأجرة والمستعارة للوطء والموقوفة والمرقبة المؤقتة ومغصوبة شراها مع الجهل فيهن ومهما ثبت النسب فلا حد والعكس في العكس الا المرهونة والمصدقة قبل التسليم مع الجهل والمسبية قبل القسمة والمبيعة قبل التسليم مطلقا والولد
стр. 422
من الأول حر وعليه قيمته غالبا ومن الاخر عبد ويعتق إن ملكه ولهن المهر الا المبيعة] .
قوله: فصل: "ومن وطيء امة ايما له ملك في رقبتها ثبت النسب".
أقول: الحكم في ولدالمشتركة سيأتي وغالب ما ذكره المصنف ﵀ في هذا الفصل ظلمات بعضها فوق بعض واعتماد على القيل والقال والرأي الذي ليس له إلي منهج الحق سبيل أما ثبوت النسب فلا يثبت الا بدليل يدل على ذلك لا بمجرد دعوى شبهة لا أصل لها فإن غالب هؤلاء الاماء المذكورات وطؤها وطء زنا بلا شك ولا شبهة والولد ولد زنى لا يلحق بالزاني الا بدليل.
وأما سقوط الحد فإن وجدت شبهة يدرأ بها الحد فذاك كوطء المسبية قبل القسمة لان الواطيء من جملة الغانمين فله ملك في رقبتها ويكون حكم ولدها حكم ولد المشتركة وسيأتي.
وأما المبيعة قبل التسليم فقد صارت ملكا له بالعقد وليس وطؤها من وطء الشبهة بل من وطء الملك الحلال وولدها لاحق بهذا المشترى وليس مجرد التسليم الا لتمام العقد ونفوذه ولا اعتبار بخلاف من يخالف في هذا. والعجب من المصنف ﵀ حيث يجعل اللقيطة والمحللة والمستأجرة والمستعارة للوطء من جملة الموطوءات لشبهة فإنه لا شبهة هنا اصلا بل الواطيء زان والولد ولد زنا.
وأما أمة الابن إذا وطئها الاب والموقوفة إذا وطئها الموقوف عليه والمرقبة إذا وطئها المرقب والمغصوبة إذا اشتراها مشتر فوطئها فها هنا شبهة مع الجهل لا مع العلم وغاية هذه الشبهة سقوط الحد لا لحوق النسب فالولد ولد زنا. وأما الموهوبة فهي خامسة الاربع المتقدمات وكذا المصدقة هي سادستهن فلا شبهة ها هنا في هؤلاء الست ولا تأثير للجهل في لحوق النسب وأما قول المصنف والولد من الأول حر الخ فنقول الولد من الجميع ولد زنا الا ما دل عليه دليل ولا دليل الا في وطء المشتركة وتلحق بها المسبية قبل القسمة لما قدمنا وأما المبيعة قبل التسليم فما ينبغي جعلها في عداد المتردية والنطيحة وما أكل السبع لما عرفناك.
وأما المهر فمتى وجب على الواطىء الحد في وطئها فلا مهر وإذا لم يجب فإن كانت راضية مطأوعة غير مكرهة فلا وجه لايجاب المهر لها لأنه إنما يجب في النكاح الشرعي وما يلحق به.
[فصل
وتستهلك امة الابن بالعلوق فيلزم قيمتها ولا عقر والا فالعقر فقط قوله فصل وتستهلك امة الابن بالعلوق] .
стр. 423
أقول: إن كان حديث انت ومالك لأبيك شبهة يسقط بها الحد فلا وجه للحقوق النسب ولا للزوم قيمتها ولا للزوم مهرها لان الاب زان اندفع عنه الحد والولد ولد زنى فلا تصير الامة ام ولد ولا يلحق ولدها باحد.
هذا على تقدير أنه قد علم ان الولد من وطء الاب والا فالولد للفراش إن ثبت لها فراش.
[فصل
ولا توطأ بالملك مشتركة فإن وطيء فعلقت فادعاه لزمه حصة الاخر من العقر وقيمتها يوم الحبل وقيمته يوم الوضع إلا لأخيه ونحوه فإن وطئا فعلقت فادعياه معا تقاصا أو ترادا وهو ابن لكل فرد ومجموعهم اب ويكمل الباقي فإن اختلفوا فللحر دون العبد م بالله ولو مسلما ثم للمسلم] .
قوله: فصل: "ولا توطا بالملك مشتركة".
أقول: هذا معلوم بالضرورة الدينية.
وأما قوله: "فإن وطيء تعلقت" الخ فوجهه انها قد صارت ام ولد للواطيء فصارت حرة وبطل ملك الشريك فهو كما لو اعتقها فإنها تعتق ويزلمه حصة شريكة ولا وجه لايجاب حصة شريكة من العقد لأنه ضمن له قيمة نصيبه ولا يجب عليه غير ذلك.
وهكذا لا يجب عليه حصة شريكه من قيمة الولد لأنه قد صار لاحقا به وبسببه كان الاستهلاك للأمة فلا يجب عليه الا حصة شريكه من قيمتها فقط ولا وجه للاستثناء في قوله الا لأخيه ونحوه لأنه لم يملك حتى يعتق عليه بل هو ولد للواطيء ولو قدرنا أنه يملكه الواطيء كان عتقه بكونه رحما له لأنه المالك ولا ملك لأخيه هذا على تقدير أنه تضمن حصة الشريك من قيمة الولد إذا كان غير اخ له وقد عرفناك أنه لا وجه لذلك.
قوله: "فإن وطئا فعلقت" الخ.
أقول: ينبغي العمل في مثل هذا بحديث زيد بن ارقم الذي أخرجه أحمد وابو دأود والنسائي وابن ماجه قال اتى علي وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امراة في طهر واحد فسأل اثنين فقال اتقران لهذا بالولد قالا لا ثم سأل اثنين اتقران لهذا بالولد فقالا لا فجعل كلما سأل اثنين اتقران لهذا بالولد قالا لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي اصابته القرعة وجعل عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالاجلح قيل لا يحتج بحديثه ووثقة يحيى بن معين والعجلي وقال ابن عدي مستقيم الحديث وضعفه النسائي وقد روى مرسلا وصوبه النسائي.
стр. 424
فهذا الحديث يدل على ان الحكم في الامة المشتركة هو هذا الحكم العلوي مع هذا التقرير المصطفوي والقرعة قد ثبت العمل بها في السنة في مواضع كثيرة كما أوضحنا ذلك في شرح هذا الحديث من شرحنا للمنتقى.
وأما ما ذكره المصنف فهو مجرد رأي لا يجمل الرجوع اليه مع ورود اقل دليل وأبعد مستند.
стр. 425
[باب الفراش
إنما يثبت للزوجة بنكاح صحيح أو فاسد امكن الوطء فيهما أو باطل يوجب المهر غالبا تصادقا على الوطء فيه مع بلوغهما ومضى اقل مدة الحمل وللأمة بالوطء في ملك أو شبهته مع ذينك والدعوة] .
قوله: باب: "الفراش إنما يثبت للزوجة بنكاح صحيح أو فاسد امكن الوطء فيهما" الخ.
أقول: هذا الذي ذكره المصنف صحيح وقد افرط من قال إنه لايعتبر إمكان الوطء وان العقد بمجرده يكفي فإن هذا إثبات للفراش بما لا يصدق عليه اسم الفراش لا لغة ولا شرعا وفرط من قال إنه لا بد من العلم بالدخول فإن معرفة هذا متعسرة جدا فاعتباره يؤدي إلي بطلان كثير من الانساب فالتوسط بين الافراط والتفريط هو الحق وهو ما ذكره المصنف الا ان قوله أو باطل يوجب المهر تصادقا على الوطء فيه لا وجه له بل يكفي فيه مجرد الامكان كما كفى في الصحيح والفاسد لأن الدخول فيه مع العقد وجهل المبطل يصير به في حكم العقد الشرعي في ثبوت الفراش ولحوق النسب.
وأما فيما عدا ذلك فقد قدمنا الكلام فيه وأما مضى اقل مدة الحمل فامر لا بد منه لانها إذا ولدت قبل مضيها كان ذلك كاشفا عن كون المولود هذا كائنا من غير هذا الفراش.
قوله: "وللأمة بالوطء في ملك أو شبهته مع ذينك والدعوة".
أقول: ثبوت فراش الامة هو مورد النص كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلي رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلي شبهه وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله ﷺ إلي شبهه فرأى شبها بينا بعنبة, فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة".
следующие страницы →