Полный текст (1 078 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
كتاب الشهادات
[فصل
يعتبر في الزنا وإقراره أربعة رجال أصول وفي حق الله ولو مشوبا والقصاص رجلان أصلان غالبا وفيما يتعلق بعورات النساء عدله وفيما عدا ذلك رجلان أو رجل وامرأتان أو ويمين المدعي]
стр. 842
قوله: فصل: "ويعتبر في الزنا وإقراره أربعة رجال أصول".
أقول: أما على الفعل فهو نص القرآن وإجماع السلف والخلف وأما الشهادة على الإقرار فسيأتي لنا في الحدود إن شاء الله أنه يكفي للإقرار مرة واحدة فلا وجه لإيجاب أربعة شهود على الإقرار وإنما يتوجه ذلك لو كان الإقرار أربع مرات كما هو اختيار المصنف ومن معه وأما اشتراط كونهم رجالا أصولا فوجهه الاحتياط والتحري في الحدود لما يستلزمه من الإضرار بالأبدان ولما ثبت فيها من أنها تدرأ بالشبهات ولكن هذه العلة قاصرة على إفادة المطلوب.
والحاصل أنه لم يدل دليل على هذا الاشتراط ولا على اشتراط كون الشهادة في حق الله وفي القصاص من الرجال الأصول وظاهر القرآن أن الرجل والمرأتين يقومون مقام الرجلين في كل شيء فمن ادعى التخصيص فعليه البرهان ولا يصلح لذلك ما رواه ابن أبي شيبة من قول الزهري إنها مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود لأنه مع كونه مرسلا في إسناده ضعف فلا يصلح أن يكون شبهة في الحدود فضلا عن القصاص وسيأتي في فصل الادعاء ما فيه زيادة فائدة إن شاء الله.
قوله: "وفيما يتعلق بعورات النساء عدلة".
أقول: هذا إخبار لا شهادة وخبر العدل أو العدلة مقبولة فيما ورد قبوله فيه وأما كونه يصلح مستندا للحكم ففيه نظر لأن الله سبحانه شرع لنا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ومما يقوي قبول خبر العدل أو العدلة فيما يترتب عليه عمل يتعلق بالغير ما ثبت في صحيح البخاري "١٣/١٨٥، ١٨٦"، وغيره أحمد "٥/١٨٦"، أبو داود "٣٦٤٥"، الترمذي "٢٧١٥"، أن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ولكن ليس هنا خصومة حتى يكون مثل هذا دليلا على قبول الواحد فيها ولهذا قال الكرماني لا نزاع لأحد أنه يكفي ترجمان واحد عند الإخبار وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة وقال ابن المنذر القياس يقتضي اشتراط العدد في الأحكام لأن كل شيء غاب عن الحاكم لا يقبل فيه إلا البينة الكاملة والواحد ليس ببينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب غير أن الحديث إذا صح سقط النظر وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها انتهى.
وفيه أن النبي ﷺ لم يكتف بزيد بن ثابت في خصومة بل في الإخبار عن كتاب اليهود وأما ما روى من قول الزهري مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وغيرها فهذا مع كونه مرسلا قد أخرجه ابن أبي شيبة قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري أيضا وهو لأئمة أثبات.
والحاصل أن الحاكم إذا أراد مزيد الاستثبات استكثر من العدلات حتى يغلب ظنه بصدق قولهن ولهذا روى عن الشافعي أنه لا بد من ثلاث وعن مالك والأوزاعي ثنتان.
стр. 843
وأما قوله: "وفيما عدا ذلك رجلان" إلخ فهو نص القرآن الكريم وهو يشتمل على كل خصومة إلا ما خص بدليل.
وأما قوله: "أو يمين المدعي" فقد قدمنا الأدلة الدالة على وجوب العمل بالشاهد واليمين عند قول المصنف ولا ترد المتممة فلا نعيده.
[فصل
ويجب على متحملها الأداء لكل أحد حتى يصل إلى حقه في القطعي مطلقا وفي الظني إلى حاكم محق فقط وإن بعد إلا لشرط إلا لخشية فوت فيجب وإن لم يتحمل إلا لخوف وتطيب الأجرة فيهما]
قوله: "فصل: ويجب على متحملها الأداء لكل أحد".
أقول: وجه هذا قول الله عزوجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقر: ٢٨٢] ، فإنه يدل على وجوب تحمل الشهادة على من دعي إليها وعلى وجوب تأديتها لمن طلب تأديتها إلى الحاكم ومما يدل على الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وأيضا قد تقرر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأدلة القطعية ووجب تأدية الشهادة من هذا القبيل لا سيما عند خشية فوت الحق وعلى هذا حمل حديث: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي تأتي شهادته قبل أن يسألها"، وهو في صحيح مسلم "١٩/١٧١٩"، وغيره أحمد "٥/١٩٣"، أبو داود "٣٥٩٦"، الترمذي "٢٢٩٦"، من حديث زيد بن خالد الجهني ولا فرق بين أن يكون الحق قطعيا أو ظنيا لأن الشاهد عليه أن يؤدي شهادته إلى الحاكم وعلى الحاكم أن يحكم بما يصح لديه.
وأما قوله: "إلى حاكم محق" فجمود ظاهر لا وجه له ولا دليل عليه بل يجب عليه أن يؤدي الشهادة إلى من يقيم الحق ويأخذ على يد من هو لديه حتى يرده على أي صفة كان ولو كان غير قاض إذا علم الشاهد أنه يقدر على إيصال من له الحق بحقه ووجه هذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالسعي في إثباته بكل ممكن وهكذا الآية وهي قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فإن الشهود إذا دعاهم المشهود له إلى من يرجو منه إنفاذ الحق فقد وجب عليهم أن لا يأبوا من الإجابة وإلا كانوا واقعين في النهي القرآني وبهذا تعرف صحة قول المصنف وإن بعد وعدم صحة قوله إلا لشرط فإن اشتراط ما أمر الله بخلافه لا يجوز.
وأما قوله: "وتطيب الأجرة" فهذه الأجرة على واجب وقد قدمنا الكلام على ذلك في الإجارات والقول بأن الواجب مجرد التأدية لا قطع المسافة غير صواب بل الواجب التأدية التي
стр. 844
ينتفع بها المشهود له وهي إذا احتاجت إلى قطع مسافة فلا يصدق على الشاهد أنه قد أدى الشهادة إلا بذلك وإلا كان داخلا في قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ١٨٢"، وفي قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وتاركا لما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[فصل
ويشترط لفظها وحسن الأداء وإلا أعيدت وظن العدالة وإلا لم يصح وإن رضي الخصم وحضوره أو نائبه ويجوز للتهمة تحليفهم وتفريقهم إلا في شهادة زنا ولا يسألون عن سبب ملك شهدوا به] .
قوله: "فصل: ويشترط لفظها".
أقول: المراد بالشهادة الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم إلى الحاكم بأي لفظ كان وعلى أي صفة وقع ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه فإذا قال مثلا رأيت كذا وكذا أو سمعت كذا وكذا فهذه شهادة شرعية وقد أحسن المحقق ابن القيم حيث قال في فوائده ليس مع اشتراط لفظ الشهادة فيها دليل لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح انتهى وقد قدمنا لك في كثير من الأبواب أن اشتراط الألفاظ إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في حقائق الأشياء ولا وصل إلى الألفاظ غير مرادة لذاتها وإنما هي قوالب للمعاني تؤدى بها فإذا حصلت التأدية للمعنى المراد فاشتراط زيادة على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية وهكذا قوله وحسن الأداء لا وجه له من عقل ولا نقل ولا ورد فيه شيء وليس المراد إلا انفهام المعنى المراد من كلامه وإن جاء بعبارة غير حسنة وألفاظ غير مأنوسة فليس المقام مقام بلاغة حتى يقال إنه يشترط حسن الأداء بل المقام مقام إخبار بما علمه الشاهد ولو بالرطانة واللغة المستعجمة إذا كان يفهم عنه ذلك ويصح بمجرد الإشارة المفهمة من القادر على النطق وبالكتابة.
قوله: "وظن العدالة".
أقول: عدالة الشهود هي الشرط الذي تبنى عليه القناطر ويترتب عليه القبول وهي الشرط الذي لم يشترط الله سبحانه في كتابه غيره ولا نبه على سواه بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، والمراد بهذه العدالة أن يعلم الحاكم أو يخبره من له اطلاع على حال الشهود أنهم حال تأدية الشهادة قائمين بما أوجبه الله عليهم تاركين لما نهاهم عنه ليسوا ممن يجتريء على الكذب ولا كانوا ممن شمله الحديث الذي أخرجه أحمد "٢/٢٠٤، ٢٢٥، ٢٢٦، وأبو داود "٣٦٠٠"، وابن ماجه "٢٣٦٦"، والبيهقي بسند
стр. 845
قوي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت" وهو الذي ينفق عليه أهل البيت وفي الباب أحاديث مقوية لهذا الحديث قد استوفيناها في شرح المنتقى وسيأتي للمصنف في الفصل الذي بعد هذا تعداد من لا تصح شهادتهم عنده وسنتكلم على ذلك إن شاء الله.
فالحاصل أن أعظم أركان العدالة تحري الصدق وعدم التسامح في الكلام والتزيد فيه فمن كان هكذا فهو الشاهد العدل ولا يحتاج بعده إلا إلى أن يكون في الحال ظاهر العدالة التي هي ملكة تمنع النفس عن اقتراف الكبائر والرذائل ولا يحتاج إلى كثرة التفتيش عن حاله بزيادة على هذا كما يقول بعض أهل الأصول إن الفسق مانع فلا بد من تحقيق عدمه بل نقول الفسق وإن كان مانعا فالأصل عدم وجوده فيبنى على هذا الأصل حتى يقوم ما ينقل عنه.
قوله: "وإلا لم يصح وإن رضي الخصم".
أقول: أما مع رضا الخصم فهذا الرضا بالشهادة يدفع كل علة ترد عليها فكأنه قد رضي بإثبات ما شهدت عليه به إذا لم يكن الرضا لقصور في فهمه وإدراكه كمن يظن أن مجرد شهادة الشهود عليه على أي صفة كانت موجبة لثبوت الحق عليه.
وأما قوله: "وحضوره أو نائبه" فهذا صحيح لأن هذه شهادة عليه يتعقبها إلزامه بما شهدوا به فقد يكون في حضوره التنبيه لهم على خلاف ما يعتقدونه لوهم عرض لهم وشبهة حصلت عليهم وأيضا له أن يجرحهم فيما شهدوا به فلا بد أن يعلم بكيفية شهادتهم عليه حتى ينفتح له باب الجرح إذا شهدوا بباطل عمدا أو سهوا.
قوله: "ويجوز للتهمة تحليفهم".
أقول: هذا التحليف للشهود مضارة لهم وقد قال الله عزوجل: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ١٨٢] ، وليس المعتبر فيهم إلا أن يكونوا عدولا مرضيين كما نطق به الكتاب العزيز فإن كانوا كذلك لم يتعلق بهم تهمة فلا يجوز تحليفهم وإن تعلقت بهم تهمة فليسوا بعدول مرضيين فشهادتهم مردودة من هذه الحيثية.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] ، فهذه القصة منسوخة مع كونها واردة في أهل الذمة ودعوى فسح بعضها دون بعض تحكم يأباه الإنصاف.
قوله: "وتفريقهم".
أقول: أما إذا كانوا عدولا مرضيين فلا يجوز هذا التفريق لأنه يفت في أعضادهم وعضد من شهدوا له بغير سبب يوجب ذلك مع كونه لم يرد به شرع يجب اتباعه ويتعين المصير إليه وأما إذا كان حالهم عند الحاكم ملتبسا فأراد أن يختبر صدقهم واتفاقهم على ما شهدوا به فلا بأس بهذا فإنه مما يتوصل به إلى إثبات الحق ودفع الباطل وقد انتفعنا بهذا التفريق في غير قضية
стр. 846
ولا سيما إذا كان الشهود قد جاءوا في الشهادة بلفظ واحد من غير اختلاف فإن ذلك مما يؤذن بالريبة ويدعو إلى التهمة بأنهم قد تواطئوا أن يشهدوا بذلك اللفظ وتواصوا به بينهم والغالب في شهادة الصدق أن يؤدي كل شاهد معنى ما شهد به الآخر بألفاظ يعبر بها عند التأدية سواء وافقت لفظ من شهد معه أو خالفته مع الاتفاق على المعنى.
ومما يوضح الصدق من الكذب مع الريبة أن يفرقهم الحاكم ثم يسألهم عن صفات تتعلق بالزمان أو المكان أو الحال وينوع لهم ذلك فإن الشهادة الكاذبة عند ذلك تتعثر غاية التعثر ويظهر خللها ويتبين صدقها.
وأما قوله: "إلا في شهادة زنا" فلا وجه له وما عللوا به من أنهم يكونون قذفة تعليل باطل ليس عليه أثارة من علم بل ولو شهد كل واحد منهم في وقت غير الذي شهد به الآخر وإن تباعدت الأوقات كما وقع في شهادة الشهود على المغيرة فإن زيادا تأخر وشهد في وقت آخر وقد حضر ذلك أعيان الصحابة ولم ينكروه ولا قالوا إن المتأخر قاذف.
قوله: "ولا يسألون عن سبب ملك شهدوا به".
أقول: وجه هذا أنهم قد أدوا ما عليهم من الشهادة على الملك بما قد علموه من ثبوت يد المشهود له على ذلك الشيء وتصرفه به تصرف المالك في ملكه فالسؤال لهم عن سبب الملك سؤال لا يجب عليهم معرفته ولا تلازم بينه وبين صحة شهادتهم.
[فصل
ولا تصح من أخرس وصبي مطلقا وكافر تصريحا إلا مليا على مثله وفاسق جارحة وإن تاب إلا بعد سنة والعبرة بحال الأداء ومن له فيها نفع أودفع ضرر أو تقرير فعل أو قول ولا ذي سهو أو حقد أو كذب أو تهمة بمحاباة للرق ونحوه لا للقرابة والزوجية ونحوها ومن أعمي فيما يفتقر فيه إلى الرؤية عند الأداء] .
قوله: "فصل: ولا تصح من أخرس".
أقول: وجه عدم الصحة عنده ما تقدم له من اشتراط اللفظ وقد قدمنا ما يدل على أن ذلك الاشتراط ليس بشيء وأن الشهادة تصح بالإشارة المفهمة من قادر على النطق فضلا عن غير قادر وأما اشتراط أن يكون الشاهد غير صبي فظاهر لأن العدالة شرط كما تقدم والصبي لا يوصف بذلك فلا يصح أن يكون شاهدا ولكنه إذا اجتمع من خبر الصبيان ما يفيد الظن القوي كان العمل بذلك من العمل بالقرائن القوية وقد قدمنا نقل الإجماع عليه.
قوله: "وكافر تصريحا".
أقول: هذا مجمع عليه كما نقله المحققون من أهل المذاهب المختلفة ولم ينقل فيه
стр. 847
خلاف ومن زعم أن في المسألة خلافا فقد أخطأ والوجه في هذا ما صرح به القرآن الكريم من اشتراط أن يكون الشهود عدولا مرضيين والكافر ليس بعدل ولا مرضي فهو مسلوب الأهلية ومظنة للتهمة.
وأما قوله عزوجل: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ، فليس ذلك مما نحن بصدده بل هو في شيء آخر كما بينه محققو المفسرين وأيضا الآية منسوخة فلا حكم للاستدلال بشيء مما اشتملت عليه وقد قدمنا الإشارة إلى مثل هذا.
والحاصل أن الأمر أوضح من كل واضح وأجلى من كل جلي ولكن من حبب إليه المجيء بما يخالف الناس وقع في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع وهو لا يشعر.
قوله: "إلا مليا على مثله".
أقول: وجه هذا أنا مأمورون بتقريرهم على شرعهم ومن التقرير على شرعهم قبول شهادة بعضهم على بعض ولو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لكان ذلك مقتضيا لإهدار كثير من القضايا التي لا توجد فيها شاهد يشهد بينهم من المسلمين لأن المتاخمة والمداخلة إنما هي فيما بينهم والمسلمون متنزهون عنهم مسكنا ومخالطة.
وهذا الدليل أعنى تقريرهم على شرعهم يغني عن الاستدلال بمثل ما أخرجه ابن ماجة من حديث جابر أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم عن بعض فإن في إسناده مقالا.
قوله: "وفاسق جارحه".
أقول: قد أغنى عن هذا ما قدمه من اشتراط العدالة فإن العدل لا يطلق على مرتكب معاصي الله عزوجل وهكذا يغني اشتراط العدالة عن ذكر الكافر والصبي وليس في التنصيص على هذه بعد اشتراط العدالة إلا التطويل الذي لا يأتي بكثير فائدة مع أن الفسق في أصل اللغة هو أشد الكفر وعليه عبارات القرآن وإن ورد في قليل مرادا به عصاة المسلمين كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، وقد ورد في السنة ما يدل على رد شهادة من ليس بعدل كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بإسناد قوي وقد رواه أبو داود بإسنادين لا مطعن فيهما وفي لفظ لأبي داود ["٣٦٠١"] : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية" وشهد له ما أخرجه الترمذي ["٢٢٩٨"] والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة" الحديث وفي إسناده يزيد ابن أبي زياد وفيه مقال وقال الترمذي لا يصح عندنا إسناده وقال أبو زرعة منكر وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي ولكن في الباب من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب نحوه أخرجه الدارقطني والبيهقي وفي إسناده ضعيفان وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا ويغني عن الاستدلال بها ما قدمنا من أن الواقع في هذه المعاصي ليس بعدل.
стр. 848
وأما قوله: "وإن تاب إلا بعد سنة" فتوقيت لا يوافق رواية ولا دراية ومجرد وقوع التوبة وتحققها تمحو عنه ما اتصف به من سلب العدالة ويرده ويرده إلى الاتصاف بها.
قوله: "ومن له فيها نفع".
أقول: وجه هذا قد صار بهذا النفع العائد إليه مظنة للتهمة عند الحاكم فإن كان بمكان من العدالة بحيث لا يؤثر فيه مثل ذلك فهو عدل مرضي فلا وجه لرد شهادته لوجود الشرط المعتبر فيه وفي حديث عمرو بن شعيب المتقدم قريبا زيادة بلفظ: "ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت"، والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت والوجه في عدم قبول شهادته ما يتهم به بسبب ما له من المنفعة من المشهود لهم وهكذا الوجه في قوله أو دفع ضرر أو تقرير فعل أو قول فإن المانع من القبول في جميع هذه هو كونهم مظنة تهمة لما يجلبونه إلى أنفسهم من النفع أو يدفعون به عن أنفسهم من الضرر أو يقررون به قولهم أو فعلهم فإن انتفت التهمة وانتفت المظنة فلا عذر من القبول لوجود الشرط المعتبر كما قدمنا.
وأما عدم قبول شهادة ذي السهو فوجهه واضح لأنه مع كثرة سهوه لا يوثق بشهادته لجواز أن يسهو عن بعض ما شهد به مما لا تتم الشهادة على وجه الصواب إلا به.
وهكذا شهادة ذي الحقد لأنه قد صار بحقده على المشهود عليه مظنة تهمة توجب عدم قبوله وفي حديث عائشة المتقدم قريبا زيادة بلفظ: "ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة" وفيه المقال المتقدم وروي من حديث عمر بلفظ: "لا تقبل شهادة ظنين ولا خصم" قال ابن حجر: ليس له إسناد صحيح ولكن له طرق يقوي بعضها بعضا ومن ذلك ما رواه أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله ابن عوف أن رسول الله ﷺ بعث مناديا أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين وروى البيهقي أيضا من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة"، يعني الذي بينك وبينه عداوة وروى الحاكم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مثله وفي إسناده نظر وهكذا لا تقبل شهادة ذي الكذب وهو أقبح هؤلاء المعدودين حالا وأبعدهم عن العدالة التي لا شهادة بدونها.
وأما قوله: "أو تهمة بمحاباة للرق ونحوه" فيدل على ذلك ما تقدم من نفي قبول شهادة ذي الظنة ومن نفي قبول شهادة القانع.
وأما قوله: "لا للقرابة والزوجية أو نحوهما" فلا وجه للفرق بينه وبينهما قبله بل من كان من هؤلاء متهما بالمحاباة فشهادته غير مقبولة من ذوي الظنة ومن لم يكن كذلك فشهادته مقبولة من غير فرق بين رق وخادم وأجير وقريب وزوجة وغيرهم.
وأما قوله: "ومن أعمى فيما يفتقر فيه إلى الرؤية عند الأداء" فوجهه واضح لأن الأعمى لا يشهد ما لا بد فيه من الرؤية فإن فعل كان مجازفا كاذبا بخلاف الشهادة على الصوت وعلى سائر ما لا يفتقر إلى الرؤية كما سيأتي للمصنف.
стр. 849
[فصل
والجرح والتعديل خبر لا شهادة عند م بالله فيكفي عدل أو عدلة وهو عدل أو فاسق إلا بعد الحكم فيفصل بمفسق إجماعا ويعتبر عدلان قيل وفي تفصيل الجرح عدلان قيل ويبطله الإنكار ودعوى الإصلاح وكل فعل أو ترك محرمين في اعتقاد الفاعل التارك لا يتسامح بمثلها وقعا جرأة فجرح والجارح أولى وإن كثر المعدل]
قوله: "فصل: والجرح والتعديل خبر لا شهادة" الخ.
أقول: قد قدمنا أن اعتبار اللفظ في الشهادة جمود لا وجه له وقد قدمنا أن الشرط الذي لا بد منه هو أن يكون الشهود عدولا مرضيين كما نطق به القرآن الكريم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢"، فالمعتبر في الشهادة العدالة والعدد وأما الإخبار بأن فلانا عدل أو غير عدل أو يتصف بكذا ولا يتصف بكذا فهذا من باب الرواية فلا بد أن يحصل للحاكم ظن الصدق فإن حصل بالواحد كفى ذلك وإن لم يحصل بالواحد فلا بد من الزيادة ثم العمل بما يرجحه الحاكم الذي يقوم بمثل ترجيحه الحجة في الاكتفاء بمجرد الإجمال أو الفحص عن التفصيل وإذا غلب في ظن الحاكم صدق الجارح أو المعدل عمل على ذلك ولا فرق بين أن يكون الجرح قبل الحكم أو بعده أنه إذا غلب على ظن الحاكم صدق الجرح فت في عضد الحكم السابق ولا يشترط أن يكون بمفسق إجماعا كما قال المصنف ولا يبطله الإنكار كمل قيل إذا كان مجردا وأما دعوى الإصلاح فعلى الحاكم أن يبحث عن ذلك حتى يتبين له الحال ويعمل على ما ينتهي إليه.
وأما قوله: "وكل فعل أو ترك محرمين" إلى آخر كلامه فهو كلام صحيح إذ لا يصدق مسمى الجرح إلا على ما اشتمل على هذه القيود.
قوله: "والجارح أولى وإن كثر المعدل".
أقول: وجه ذلك عند المصنف ومن قال بقوله أن المعدل غاية ما يقوله إنه لم يعلم بارتكاب ما يقدح في شهادة الشاهد وعدم العلم ليس علما بالعدم بخلاف الجارح فإنه يشهد على ارتكاب الشاهد لما يقدح في عدالته وهذا إثبات والإثبات مقدم على النفي وإنما يتم هذا إذا كان الجرح مفصلا أما لو كان مجملا بأن يقول الجارح هذا الشاهد غير عدل ويقول المعدل هذا الشاهد عدل فينبغي أن يكون المرجح من الوصفين ما يكون عليه الشاهد في حال الشهادة فإن كان متصفا بما يوجب العدالة متجنبا لما يقدح فيها كان التعديل أرجح ويحمل الجرح المجمل على أن الجارح استند في جرحه إلى فعل أو ترك فعله الشاهد قبل هذه الحالة التي صار عليها ومتصفا بها وإن كان الشاهد في حال الشهادة متصفا بما ينفي العدالة كان الجرح مقدما على التعديل ويحمل قول المعدل على أنه استند في تعديله إلى ما كان عليه حال الشاهد قبل
стр. 850
هذه الحالة التي هو عليها وقد استوفيت وجوه الترجيح في كتابي الذي سميته إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول بما لم أسبق إليه فمن رام شفاء النفس واندفاع اللبس فعليه ذلك.
[فصل
ويصح في غير الحد والقصاص أن يرعي عدلين ولو على كل من الأصلين لا كل فرد على فرد ويصح رجل وامرأتان ولو على مثلهم لا ذميين على مسلم ولو لذمي وإنما ينوبان عن ميت أو معذور أو غائب بريدا يقول الأصل اشهد على شهادتي أني أشهد بكذا والفرع أشهد أن فلانا أشهدني أو أمرني أن أشهد أنه شهد بكذا ويعينان الأصول ما تدارجوا ولهم تعديلهم] .
قوله: "ويصح في غير الحد والقصاص أن يرعي عدلين".
أقول: لم يأت في شيء من الأدلة ما يدل على أن الشاهد يجوز له أن يشهد على شهادته شاهدا آخر بل أوجب الله سبحانه على الشهود أن يأتوا بالشهادة التي تحملوها فقال: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقر: ٢٨٢] ، وقال: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فلا يجوز هذا الادعاء بعدم وروده في الشرع فإن عرض للشاهد عذر يخشى معه فوته كالمرض أو عرض له سفر إلى مكان بعيد كان الإرعاء ها هنا جائزا لأنها قد اقتضته الضرورة وفي وتركه إضرار بمن له الشهادة وتفويت لحقه فوجب السعي في تلافي الأمر بحسب الإمكان وهذا غاية ما يمكن ومما يقوم مقام الإرعاء إذا لم يكن أقوى منه أن يكتب الشاهد شهادته بخطه إذا كان معروف الخط أو يكتبها بخط من يعرف خطه ويشهد على ذلك فإنها قد وردت الأدلة الصحيحة الدالة على العمل بالكتابة الصحيحة في مواضع من الكتاب والسنة وورد ما يدل على قبولها على العموم.
وأما قوله: "في غير الحد والقصاص" فوجه عدم قبول الإرعاء في الحد أنه يسقط بالشبهة وقد يمكن أن يأتي الشاهد في شهادته إذا شهد بنفسه بما يفيد الشبهة وهذا وإن كان تجويزا بعيدا جدا لكن درء الحدود بالشبهات يقتضي مثل هذا وقد قدمنا أنه لا يشترط اجتماع الشهود على الحد فغاية ما هنا أن ينتظر الشاهد حتى يزول عذره ثم يحضر للشهادة فإن تعذر حضوره وانخرم به النصاب لم يثبت الحد.
وأما القصاص فلا وجه لاستثنائه بل يجوز الارعاء مع العذر أو الشهادة بالكتابة الصحيحة ولكن المصنف بنى هنا على ما قدمه في أول كتاب الشهادة من اشتراط أن يكون شهود القصاص أصولا.
стр. 851
وأما قوله: "أن يرعى ولو على كل من الأصلين" إلخ فصحيح إذ ليس المقصود إلا تحمل الفروع لشهادة الأصول فيكفي أن يتحمل الواحد عن الواحد أو كل واحد من الفرعين عن كل واحد من الأصلين ولكن مع العذر المسوغ لذلك كما قدمنا وكما سيأتي للمصنف وإنما ينوبان عن ميت أو معذور أو غائب.
وأما قوله: "لا ذميين عن مسلم" فقد أغنى عن هذا ما تقدم من عدم صحة شهادة الكافر على المسلم من غير فرق بين أصل وفرع.
وأما ما ذكره من قوله اشهد على شهادتي إلخ فقد عرفناك أن اشتراط هذه الألفاظ في غالب الأبواب جمود لا دليل عليه فيكفي أن يأمره بأن يشهد على شهادته بأي لفظ كان وكذلك يكفي الفرع أن يؤدي هذه الشهادة بأي لفظ كان.
وأما قوله: "ولهم تعديلهم" فظاهر لأن الفروع لم يشهدوا بالحق وإنما شهدوا على شهادة من شهد به.
[فصل
ويكفي شاهد أو رعيان على أصل مع امرأتين أو يمين المدعي ولو فاسقا في كل حق لآدمي محض غالبا لا رعي مع أصل ولو أرعاهما صاحبه ومتى صحت شهادة لم تؤثر مزية الأخرى] .
قوله: "فصل: ويكفي شاهد أو رعيان على أصل مع امرأتين أو يمين المدعي".
أقول: هذا صحيح أما كونه يكفي شاهد مع امرأتين فهو نص القرآن الكريم وأما كونه يقوم مقام الأصل رعيان فقد قدمنا الكلام عليه في الفصل الذي قبل هذا وقدمنا أيضا الأدلة الدالة على جواز الحكم بشاهد ويمين المدعي عند قول المصنف: "ولا ترد المتممة" فارجع إليه وهكذا قوله: ولو فاسقا فإن الدليل الصحيح قد دل على ذلك كما تقدم في قصة الحضرمي أنه قال للنبي ﷺ لما قال له: "شاهداك أو يمينه": يا رسول الله إنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف فقال: "ليس لك إلا ذلك".
وأما قوله: "في كل حق لآدمي محض" فقد قدمنا ما يعتبر من الشهادة في كل مشهود فيه فلا نعيده.
قوله: "ومتى صحت شهادة لم تؤثر مزية الأخرى".
أقول: هذا سد لباب الترجيح وردم لطريق هي أوسع الطرق ساحة ومعلوم أن ارتفاع إحدى الشهادتين المتعارضتين بأي مزية من المزايا تصيرها راجحة فتكون الأخرى مرجوحة والظن لصحة الراجحة أقوى كما أنه بصحة المرجوحة أنقص وقد تبلغ إلى مرتبة لا يبقى
стр. 852
للمرجوحة تأثير في تحصيل الظن المعتبر وليس اعتبار مجرد وجود النصاب مقتضيا إلا مع عدم المانع ووجود الشهادة الراجحة من جملة ما يصدق عليه وصف المانعية فاعرف هذا وسيأتي الكلام في تعارض البينات.
[فصل
واختلاف الشاهدين إما في زمان الإقرار أو الإنشاء أو مكانهما فلا يضر وأما في قدر المقربه فيصح ما اتفقا عليه لفظا ومعنى غالبا كألف مع ألف وخمسمائة لا ألفين وكطلقة وطلقة مع طلقة وأما في العقود ففي صفتها كالخيار ونحوه لا يكمل وفي قدر العوض لا تكمل إن جحد الأصل وإلا ثبتت بالأقل إن ادعى الأكثر وأما في مكان أو زمان أو صفة لفعل قيل أو عقد نكاح فقط أو في قول مختلف المعنى لا كحوالة وكفالة أو رسالة ووكالة بل كباع وهب أقر به أوصى عن بيع عن غصب أو في عين المدعي أو جنسه أو نوعه أو صفته أو قال قتل أو باع أو نحوهما والآخر أقر فيبطل ما خالف دعواه فيكمل المطابق وإلا بطلت] .
قوله: "فصل: واختلاف الشاهدين" الخ.
أقول: كل اختلاف يمكن حمله على تعدد الواقعة من غير مانع فلا يضر ومن هذا الاختلاف في زمن الإقرار أو الإنشاء أو مكانهما وأما الاختلاف في قدر المقربه فهو وإن أمكن حمله على تعدد الواقعة لكنه لا يلزم إلا ما اتفقا عليه لأنه الذي تم عليه نصاب الشهادة فإن أمكن تكميل النصاب على الزيادة بأن يشهد شاهد آخر على ما شهد به من شهد بالزيادة أويحلف المدعي كان الواجب العمل بذلك لوجود النصاب المعتبر في الحكم.
وأما قوله: "ويصح ما اتفقا عليه لفظا ومعنى" فلا وجه لاعتبار الاتفاق في اللفظ ولا يتعلق به فائدة بل المعتبر الاتفاق في المعنى فقط فلا وجه لما مثل به المصنف مراعيا فيه الاتفاق لفظا ومعنى.
وأما قوله: "وفي العقود" إلخ فلا يخفاك أن الإثبات مقدم على النفس لأن الشاهد به شاهد بعلم ونا فيه غاية ما تضمنته شهادته أنه لا يعلم وعدم العلم ليس علما بالعدم فإن كمل المدعي شهادة المثبت بيمينه أو شهد معه شاهد آخر وجب الحكم بذلك وهكذا الكلام في الاختلاف في قدر العوض وهكذا قوله وأما في زمان أو مكان أو صفة لفعل فإنه كما قدمنا إن أمكن الحمل على تعدد الواقعة فذاك ولا يضر الاختلاف وإن لم يمكن فإنه يكون قادحا في الشهادة حتى يتبين الحال.
стр. 853
والحاصل أن المعتبر في جميع هذا الفصل هو هذا ولا وجه للفرق بين بعض صوره دون بعض وقد طول المصنف المقال في غير طائل.
[فصل
ومن ادعى مالين فبين على كل منهما بينة كاملة ثبتا إن اختلفا سبا أو جنسا أو نوعا مطلقا أو صكا أو عددا ولم يتحد السبب أو مجلسا ولم يتحدا عددا وصكا ولا سببا وإلا فمال واحد ويدخل الأقل في الأكثر] .
قوله: "فصل: ومن ادعى مالين فبين على كل منهما بينة كاملة ثبتا".
أقول: هذا صحيح ولا يحتاج إلى التنصيص عليه وشغلة الحيز به لوضوحه وظهوره فإن هذا الاختلاف بين المالين في أي هذه الصور يقتضي عدم كونهما مالا واحدا فقد وجب هنا الحمل على التعدد مع عدم الاختلاف وجب حمل البينتين على مال واحد رجوعا إلى البراءة الأصلية مع عصمة أموال المسلمين بالشرع.
[فصل
وإذا تعارضت البينتان وأمكن استعمالهما لزم وترجح الخارجة ثم الأولى ثم المؤرخة حسب الحال ثم يتهاتران ولذي اليد ثم يقسم المدعى كما مر ويحكم للمطلقة بأقرب وقت في الأصح] .
قوله: "فصل: وإذا تعارضت البينتان وأمكن استعمالهما لزم" الخ,
أقول: وهذا أيضا مما لا يحتاج إلى تحريره وشغلة الحيز به لأنهما مع إمكان الاستعمال يجب حملهما على ذلك وإنما يكون التناقض مع عدم إمكان الاستعمال وهو حيث يتحد المتعلق مع عدم إمكان تعدد الواقعة.
وأما قوله: "وترجح الخارجة" فوجهه أن صاحبها هو المدعي والبينة في الأصل عليه فكانت من هذه الحيثية أرجح وقد قدمنا ما في ذلك فلا نعيده وأما ما ذكره من ترجيح الأولى فلا بد من تقييده بكونها ترفع مضمون الأخرى كأن تشهد الشهادة الأولى بأن مالك هذه العين باعها من فلان ثم تشهد البينة الأخرى بأنه باعها من آخر مع أنه يمكن أن يكون البيع الأول قد عرض له ما يقتضي رده على بائعه بخيار من الخيارات الموجبة للرد وإن كان الأصل خلاف ذلك.
стр. 854
وأما ما ذكره من ترجيح المؤرخة فلا أرى له وجها صحيحا لأن المطلقة يمكن أن تكون قبلها ويمكن أن تكون بعدها فينبغي أن ينظر هل يمكن تعدد الواقعة أم لا؟ فإن لم يمكن فالقسمة كما حكم به رسول الله ﷺ ويكون من قبيل قوله ثم يتهاتران وأما كونه يكون مع التهاتر لذي اليد فوجهه أنه عمل بالاستصحاب لعدم وجود الناقل الخالص عن المعارض وإن لم يكن لأحدهما عليه يد أو كان في أيديهما فالقسمة فإنها مدرك شرعي كما مر.
وأما قوله: "ويحكم للمطلقة بأقرب وقت" فهذا فيه شبهة التحكم فإنها إذا كانت متحملة لأقرب وقت وأبعده وأوسطه كان حملها على أحد محتملاتها حملا بلا مرجح.
[فصل
ومن شهد عند عادل ثم رجع عنده أو عند مثله بطلت قبل الحكم مطلقا وبعده في الحد والقصاص قبل التنفيذ وإلا فلا فيعزمون لمن غرمته الشهادة أو نقصته أو أقرت عليه معرضا للسقوط ويتأرش ويقتص منهم عامدين بعد انتقاص نصابها وحسبه قيل في الحدود حتى يبقى واحد ثم على الرؤوس وفي المال على الرؤوس مطلقا والمتممة كواحد والنسوة الست كثلاثة ولا يضمن المزكي] .
قوله: "فصل: ومن شهد عند عادل ثم رجع" الخ.
أقول: لا وجه للتقييد بكون الشهادة عند عادل ولا يكون الرجوع عنده أو عند مثله بل المعتبر صحة الرجوع بوجه من الوجوه ومع الرجوع تبطل شهادته من غير فرق بين كونها قبل الحكم أو بعده وأي تأثير للحكم مع بطلان مستنده فإن هذا من أعجب ما يقرع سمع من يتعقل الحقائق فضلا عمن هو عالم بالأسباب الموجبة لثبوت أحكام الشرع ولا فرق بين الحد والقصاص وغيرهما فإن كان قد وقع التقييد فلا شك أن الحاكم مغرور من جهة الشهود وهم سبب الجناية على المشهود عليه فيغرمون لمن أصيب بشهادتهم في بدنه أو في ماله أما في البدن فظاهر لأنه قد حل به ما لم يمكن استدراكه إلا بتسليم ديته أو أرشه وأما في المال فلا يغرمون إلا إذا تعذر إرجاع ذلك المال إلى يد مالكه وتعذر الرجوع على من أتلفه بقيمته.
وأما ما ذكره من الاقتصاص من الشهود فخبط لا ينبني على حقيقة وذهول عما سيأتي له في الجنايات وما ذكره بعد هذا فهو ظاهر لا يحتاج إلى الكلام عليه.
стр. 855
[فصل
ويكمل النسب بالتدريج والمبيع بما يعنيه وكذلك الحق وكان له أو في يده بما أعلمه انتقل إن كان عليه يد في الحال والإرث من الجد بتوسط الأب إن لم يتقدم موته والبيع والوصية والوقف والهبة بفعله مالكا أو ذا يد ورزمة الثياب بالجنس والعدد والطول والعرض والرقة والغلظ والوصية وكتاب حاكم إلى مثله ونحوهما بالقراءة عليهم والبيع لا الإقرار به ولا من الشفيع بتسمية الثمن أو قبضه فإن جهل قبل القبض فسخ لا بعده والقول للمشتري وقتله يقينا أو نحوه نشهد وإلا بطلت في الكل] .
قوله: "فصل: ويكمل النسب بالتدريج".
أقول: سيأتي له أنه يكفي في الشهادة على النسب شهرة في المحلة فإن كان هذا التكميل لا بد منه بحيث لا يحكم الحاكم بالنسب إلا به لم يكن لقوله فيما سيأتي كثير فائدة وإن كان النسب يثبت بدون هذا التكميل لم يكن لتحريره ها هنا فائدة لأنه قد ثبت أصل النسب وهو المراد وقد فرق بين الموضعين بعض المشتغلين بهذا العلم فقالوا إن كفاية الشهادة بالشهرة باعتبار ثبوت الميراث وأما ثبوت النسب فلا يتم إلا بالتدرج ولا يخفى أن هذا فرق ممن لا يفرق بين حقائق الأمور وما يتسبب عنها فإن ثبوت الميراث متسبب عن ثبوت النسب فإذا لم يثبت السبب لم يثبت المسبب وثبوت المسببات بدون ثبوت أسبابها محال.
وأما قوله: "والمبيع بما يعينه" فلا وجه له فإن الشهادة على الشيء بدون ما يعينه ليست شهادة على ذلك الشيء بل هي شهادة على ما يحتمله هو وغيره فإن جاء بما يعينه كانت شهادة عليه وإلا فليست بشهادة عليه وهكذا الشهادة على الحق لا فرق بينهما وبين الشهادة على الملك.
وأما قوله: "وكان له أو في يده بما أعلمه انتقل" فلا وجه لهذه الزيادة بل الشهادة على أنه كان له أو في يده قد اقتضت استصحاب الحال فلا ينقل عن ذلك إلا ناقل صحيح ومع هذا فقد تقدم للمصنف أنها لا تصح الشهادة على ملك كان.
وأما قوله: "والإرث من الجد بتوسيط الأب" فلا فائدة لهذا التكميل لأن إثبات كونه جدا قد اقتضى أن ابن ابنه يرثه ومن ادعى أن ثم مانعا من إرثه له فعليه بيان ذلك المانع.
وأما قوله: "والبيع والوصية والوقف والهبة بفعله مالكا أو ذا يد" فلا أرى لهذا التكميل وجها لأنه قد ثبت بالشهادة صدور هذه الأشياء فيحكم على من صدرت عنه حكما مطلقا بأنه فعل ذلك وإذا نوزع المحكوم له كانت خصومة أخرى يرجع فيه إلى البينة من المدعي أو اليمين من المنكر وهكذا ما ذكره بعد هذا.
стр. 856
والحاصل أن مثل هذه التعريفات ظلمات بعضها فوق بعض وقد جعل الله لعباده عنها سعة فإنها لا تأتي إلا بمجرد التضييق عليهم وتعسير الشريعة الواضحة التي ليلها كنهارها.
[فصل
ولا تصح على نفي إلا أن يقتضي الإثبات ويتعلق به ومن وكيل خاصم ولا بعد العزل وعلى حاكم أكذبهم ومن تسقط عنهم حقا له كمالك غير مالكهم أو ذي اليد في ولائهم ولغير مدع في حق آدمي محض وعلى القذف قبل المرافعة ومن فرع اختل أصله ولا يحكم بما اختل أهلها قبل الحكم فإن فعل نقض ولو قبل العلم غالبا ولا بما وجد في ديوانه إن لم يذكر وتصح من كل من الشريكين للآخر في المشترك فيفوز كل بما حكم له ولا يتبعض ومن المنهي عن الأداء وممن كان أنكرها غير مصرح وعلى أن ذا الوارث وحده] .
قوله: "فصل: ولا تصح على نفي" الخ.
أقول: هذه الشهادة على النفي قد أفادت في الجملة انتفاء ذلك الشيء في علم الشاهد فإن عورض هذا النفي بالإثبات فهو أرجح منه وأقدم لأنه شهادة عن علم وإن لم يعارض هذا النفي فلا وجه للجزم بعدم صحة الشهادة عليه بدون معارض أنهض منه لأنه قد أفاد في الجملة فائدة معمولا بها مع عدم المعارض ولو لم يكن إلا كون هذه الشهادة عاضدة للأصل ومقوية له فإن العدم مقدم على الوجود ولا وجه لتقييد عدم الصحة بقوله: "إلا أن يقتضي الإثبات" فإن هذه الشهادة المقتضية للإثبات هي شهادة إثبات ولا اعتبار بدخول النفي في لفظها لما عرفناك غير مرة أنه لا اعتبار بمجرد الألفاظ وأن ذلك جمود لا يليق بأهل التحقيق.
قوله: "ولا من وكيل خاصم" الخ.
أقول: إن كان بهذه الخصومة قد صار متهما فقد تقدم عدم قبول شهادة المتهم بالأدلة التي ذكرنا وباشتراط القرآن الكريم أن يكون الشهود عدولا مرضيين والمتهم غير عدل ولا مرضي وإن كان هذا الوكيل بمكان من الثقة والعدالة بحيث لا تؤثر فيه الخصومة تهمة ولا عداوة فلا وجه لرد شهادته لأن نفس تولي الخصومة في حق للغير لا يصلح لكونه مانعا لعدم الدليل على ذلك ولا فرق بين أن يكون الوكيل قد عزل أم لا.
قوله: "وعلى حاكم أكذبهم".
أقول: مراد المصنف أنهم شهدوا عليه بأنه قد حكم فأكذبهم وعدم صحة هذه الشهادة أوضح من الشمس بحيث لا يفتقر إلى التنصيص عليه لأن الحاكم إذا أنكر الحكم لم يبق مستند
стр. 857
لإثبات ما اشتمل عليه أو نفيه ومع هذا فهو يمكن حمل الشهود على حالة سمعوها من الحاكم وتعقب ما يخالفها وعلى كل حال فمع إكذابهم لا يبقى لشهادتهم موضع من الصدق قط فضلا عن العمل بها.
قوله: "ومن يسقط عنهم حقا كمالك غير مالكهم".
أقول: هذه الشهادة وإن أسقطت عنهم حقا للأول فقد أثبتت عليهم حقا للآخر فمن حيث إسقاطها عنهم حقا للأول كأنهم شهدوا لأنفسهم والشهادة للنفس لا تصح وهكذا الكلام على قوله: "أو غير ذي اليد في ولائهم".
قوله: "ولغير مدع".
أقول: قد قدمنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما عمادان من أعمدة هذا الدين ولا يتوقف وجوب ذلك على مطالبة ذي الحق لأن الاستيلاء عليه وهو في ملكه غصب ومظلمة له ظاهرة فأقل أحوال من علم بحقيقة الحال أن يخبر من له الحق بذلك أو يخبر من يقدر على إنصافه ورفع مظلمته فالرجوع إلى هذين الأصلين العظيمين يغني عن الرجوع إلى ما تعارض من حديث: "خير الشهداء الذي يؤدي شهادته قبل أن يستشهد"، وحديث الذم للقوم الذين يشهدون ولا يستشهدون.
وأما ما قيل من أن عدم صحة الشهادة لغير مدع مجمع عليه فما أكثر هذه الدعاوى على إجماع المسلمين مع تعسره بل تعذره كما أوضحنا ذلك في إرشاد الفحول وهكذا الكلام في قوله: "وفي حق آدمي محض".
قوله: "ومن فرع اختل أصله".
أقول: مثل هذا لا يحتاج إلى التنصيص عليه للعلم بأن شهادة الفرع إنما هي في حكم التأدية لشهادة الأصل فاختلال الأصل مستلزم لاختلال فرعه شرعا وعقلا وعادة وإذا حكم الحاكم بشهادة الفرع الذي اختل أصله فحكمه هباء وسراب بقيعة لا يحتاج فيه إلى أن يقال إنه ينقض فإنه لم ينعقد من الأصل.
قوله: "ولا بما هو وجد في ديوانه إن لم يذكر".
أقول: القاضي مأمور بأن يحكم بحكم الله عزوجل ولا يكون ذلك إلا بإقرار أو شهادة أو يمين فكيف يقع في ذهن من تعرض للتصنيف أنه قد يحكم بما وجد في ديوانه مع عدم الذكر لسبب ذلك الذي وجده وأي مدخل لهذا في الأسباب الشرعية وكيف يظن بقاض من المسلمين أن يحكم بمثل هذا حتى يقال له ولا يحكم بما وجد في ديوانه إن لم يذكر وأي فائدة لذكر مثل هذا ومع ذلك فهو من أحكام القضاء لا من أحكام الشهادات فكان تأخيره إلى باب القضاء أولى ولكن المصنف ﵀ قد حبب الله إليه في كثير من مباحث هذا الكتاب التطويل والتكرير فإن غالب ما ذكره في هذا الفصل قد تقدم في فصل من لا تصح شهادتهم.
وأما قوله: "ويصح من كل من الشريكين للآخر" إلخ فالوجه أنه لا مانع من هذه الصحة
стр. 858
لا من رواية ولا من دراية لأن الشريك لم يشهد لنفسه ولا بما له نفع فيه ولا سبب يقتضي اتهامه فكان له عن ذكر مثل هذا سعة وهكذا لا حاجة لقوله ومن المنهي عن الأداء فإن من المعلوم أن نهي المشهود عليه للشاهد أن يشهد عليه لا يقول أحد ممن يعلم بل ممن يفهم أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد بعد هذا النهي حتى يحتاج إلى التنصيص على جواز شهادته.
وأما كونها تصح الشهادة ممن كان أنكرها فوجهه أنه قد ينكر سهوا أو نسيانا ثم يذكر لكن إذا صرح بالإنكار وصمم عليه كان ذلك موجبا للريبة في شهادته وهكذا لا حاجة للتنصيص على صحة الشهادة بكون ذا الوارث وحده فإنه لم يقل أحد بعدم قبول هذه الشهادة حتى يحتاج إلى ذكر قبولها وليت شعري أي حامل للمصنف على ذكر هذه المسائل وشغلة الحيز بها وإتعاب الطلبة بالنظر فيها.
[فصل
ويكفي الشاهد في جواز الشهادة في الفعل الرؤية وفي القول الصوت معها أو ما في حكمها أو تعريف عدلين مشاهدين أو عدلتين بالاسم والنسب وفي النسب والنكاح والموت والوقف والولاء شهرة في المحلة تثمر علما أو ظنا وفي الملك التصرف والنسبة وعدم المنازع ما لم يغلب في الظن كونه للغير ويكفي الناسي فيما عرف جملته والتبس تفصيله الخط.
قوله: "فصل: ويكفي الشاهد في جواز الشهادة في الفعل الرؤية".
أقول: لما كانت الشهادة لا تكون إلا عن يقين ولا يكفي فيها ظن إن كانت المشاهدة في الشهادة على الأفعال متوقفة على الرؤية التي يحصل عندها العلم اليقين وهكذا الشهادة على الأقوال فإنه لا بد فيها من رؤية صاحب القول وسماع صوته إلا أن يكون الشاهد ممارسا لذلك القائل بحيث يعلم علما يقينا أن القول قوله ولا يمترى في ذلك لوجه فإنه لا يحتاج حينئذ إلى مشاهدة القائل.
وأما قوله: "وتعريف عدلين" إلخ فهذا مما لا بد منه إذا كان الشاهد لا يعرف المشهود عليه معرفة تميزه عن غيره وإن كان يعرفه كان ذلك مغنيا عن التعريف.
قوله: "وفي النسب والنكاح" الخ.
أقول: ولا بد للشاهد بهذه الأمور من تصريحه بأن مستنده في شهادته هو مجرد الشهرة ووجه هذا أن الشهرة مستند ضعيف فإذا عورضت بما هو أقوى منها لم يبق حكم فكم من شهرة تنشأ عن مجرد كذب كاذب وهزل هازل وقد يحصل للسامع لها ظن لكثرتها فينكشف لخيال كاذب.
стр. 859
وأما قوله: "وفي الملك التصرف والنسبة وعدم المنازع" فهذه الثلاثة الأمور وإن كانت صالحة للشهادة لكن لا على جهة الإطلاق بل يقيد ذلك بأنه لا بد من تصريح الشاهد بأنها مستنده للقطع بأن الشهادة على أن ذلك الملك ملك لفلان علم الشاهد بأنه ورثه من أبيه أو اشتراه من فلان أو وهبه له فلان أقوى من الشهادة المستندة إلى تلك الأسباب ولهذا قال المصنف ما لم يغلب في الظن كونه للغير.
قوله: "ويكفي الناسي فيما عرف جملته والتبس تفصيله الخط".
أقول: هذا صحيح إذا كان الخط مما يصلح للعمل به كأن يكون خطا للشاهد الذي لا يحتمل عنده زيادة ولا نقصان أو كان بخط من هو معروف الخط بحيث لا يقبل الشك ولا التشكيك فإن كان هكذا فلا بأس بالرجوع في التفاصيل إليه وإن لم يكن هكذا شهد بالجملة وترك التعرض للتفصيل فإن التعرض لذلك تعرض لما هو محل شك والشهادة لا تحل على مثل ذلك.
стр. 860
كتاب الوكالة
[فصل
لا تصح الاستنابة في إيجاب ويمين ولعان مطلقا وقربة بدنية إلا الحج لعذر ومحظور ومنه الظهار والطلاق البدعي ولا في إثبات حد وقصاص ولا استيفائهما إلا بحضرة الأصل وفي الشهادة إلا الإرعاء ولا في نحو الإحياء وما ليس للأصل توليه بنفسه في الحال غالبا] .
قوله: "فصل: لا يصح الاستنابة في إيجاب" الخ.
أقول: عللوا ذلك بأن القربة البدنية لا تصح إلا من المتقرب وهذه دعوة مجردة فقد صح عنه ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه"، وحديث الخثعمية حيث قال لها رسول الله ﷺ : "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته؟ "، وحديث: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وفي الباب واقعات مشعرة بأصل الجواز فلا يمتنع من ذلك إلا ما دل عليه دليل وهو أيضا الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه عند عدم الدليل فإن من صح منه فعل شيء بنفسه جاز له أن يستنيب غيره إلا أن يرد ناقل ينقل عن هذا الأصل ثم المصنف ومن وافقه على المنع يقولون بجواز الاستنابة في تفريق الصدقة والزكاة مثلا وهذا التفريق هو نفس القربة لا مجرد إيقاع العزم عليه أو النذر به.
стр. 861
فالحاصل أن للناذر أن يستنيب من ينذر عنه وللواهب هبة لا عوض فيها أن يستنيب من يهب عنه وللمعتق أن يستنيب من يعتق عنه ونحو هذه الأمور فمن ادعى المنع من شيء من هذه الأمور فعليه الناقل عن الأصل ومما يدل على هذا الجواز دلالة واضحة بعث من ينوب في الجهاد وتجهيز من يجاهد ونحو ذلك وقد قدمنا في مواضع التنبيه على هذا.
وأما قوله: "ويمين" فالوجه ظاهر لأن الاستنابة في ذلك لا تتيسر بوجه ولا يجري في مثلها حكم وهكذا قوله ولعان لأنه نوع من الأيمان.
وأما قوله: "وقربة بدنية إلا الحج لعذر" فمبني على أن الأصل عدم جواز الاستنابة فيها وقد عرفت ما فيه.
وأما قوله: "ومحظور" فوجهه أنه لا يحل للموكل أن يفعل ذلك بنفسه فكيف يحل له أن يوكل غيره.
وأما إيقاع الظهار والطلاق فليس للمنع وجه وإن كان الظهار منكرا من القول وزورا والطلاق البدعي منهيا عنه لكنه يلزمه حكمه إذا فعله بنفسه فكذلك يلزمه حكمه إذا وكل من ينوب عنه فيه وهكذا لا مانع من التوكيل في إثبات الحد والقصاص ولا من التوكيل لاستيفائها سواء حضر الأصل أو غاب وكيف لا يصح هذا وقد كان النبي ﷺ يبعث من يقتل المؤذين له من رؤساء الكفر في غير واقعة [البخاري "٤٠٣٧"، مسلم "١٨٠١"ي، وذلك استيفاء حد قد وجب عليهم وحلت به دماؤهم لأنهم كانوا من اليهود وهكذا بعث عليا يقتل الذي كان يدخ ل على أمهات المؤمنين فوجده مجبوبا وكذلك بعث أنيسا فقال: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، [البخاري "٥/٣٠١، ١٢/١٣٦، ١٣/١٨٥، ١٣/٢٤٩"، مسلم "٢٤/١٦٩٧، ١٦٩٨"، أبو داود "٤٤٤٥"، النسائي "٨/٢٤٠، ٢٤١"، الترمذي "١٤٣٣"، ابن ماجة "٢٥٤٩"، أحمد "٤/١١٥، ١١٦"] .
وأما المنع من الاستنابة في تأدية الشهادة إلا على طريقة الإرعاء فقد تقدم بيان الكلام فيه ولا وجه لمنع الاستنابة في الإحياء للفرق بين أن يباشر الشيء قاصدا تملكه وبين أن يباشره قاصدا أن يتملكه غيره.
وأما قوله: "وفيما ليس للأصل توليه بنفسه" فصحيح ووجهه ظاهر لأن الاستنابة متفرعة عن ثبوت تولي الأصل لذلك الشيء وإذا كان ممنوعا منه فمنع التوكيل منه ثابت بفحوى الخطاب إلا ما احترز عنه من توكيل المرأة من يزوجها فإنه قد ورد الشرع بذلك كما تقدم.
[فصل
وتصح فيما عدا ذلك من كل أحد لكل مميز إلا امرأة ومحرما ومسلما أصله ذمي
стр. 862
في نكاح وكافرا أصله مسلم فيه أو في مضاربة وتصح معلقة ومشروطة ومؤقتة وبلفظها أو بلفظ الأمر أو الوصية في الحياة وتبطل بالرد ولا يعتبر القبول باللفظ] .
قوله: "فصل: وتصح من كل أحد" الخ.
أقول: كان يغني عن هذا التكثير أن يقول المصنف يصح من كل من يجوز له تولي الشيء لمن يجوز له توليه ومع كون هذا الاختصار يغني عن هذا التطويل فهو يغني أيضا عما تقدم من قوله ومحظور ومن قوله وفيما ليس للأصل توليه بنفسه.
وأما قوله: "وتصح معلقة" فوجه ذلك عدم وجود مانع وهكذا قوله ومشروطة ومؤقتة.
وأما قوله: "وبلفظها أو بلفظ الأمر أو الوصية في الحياة" فوجهه ظاهر بل ويصح بغير ذلك مما يفيد الاستنابة كائنا ما كان ولو بإشارة من قادر على النطق.
وأما كونها تبطل بالرد فلكون الوكيل لا يجب عليه الدخول في ذلك فله عزل نفسه متى شاء وإذا انعزل فلا يعود وكيلا إلا بتراض آخر وهو معنى التجديد ولهذا لا يعتبر القبول باللفظ.
[فصل
ويملك بها الوكيل القابض جائز التصرف إن لم يضف كل حق في عقد البيع والإجارة والصلح بالمال فلا يتولاها الأصل إلا بإذنه وكذلك الوصي والولي غالبا لا ذو الولاية إلا لأجلها] .
قوله: "فصل: ويملك بها الوكيل" الخ.
أقول: قد عرفناك غير مرة أن الاعتبار بالمقاصد لا بالألفاظ فإنها ليست إلا لإفادة المعنى المراد فإذا كان البائع أو المشتري وكيلا لغيره قاصدا أنه للموكل فسواء وقعت منه الإضافة لفظا أو لم تقع لأنه قائم مقام غيره لا مقام نفسه وحينئذ فلا يتعلق به شيء من الحقوق ولا يتولى شيئا منها إلا ما كان داخلا في مطلق الإذن بتولي ذلك الشيء ولا فرق بين تصرف وتصرف وعقد وعقد وليس في هذا التعلق رواية ولا دراية وأما الوصي فقد لزمه مع كونه نائبا عن ميت أن يقوم لما تضمنته الوصاية وبما يتعلق بها حتى يخلص ماله وعليه وهكذا الولي لكونه نائبا عمن لا يصح تصرفه لنفسه وأما ذو الولاية فعليه أن يفعل ما يتعلق بولايته ولا يجاوزه إلى غيره ولا يلزمه سواه واعلم أن ذكر الوصي والولي وذي الولاية هاهنا خارج عن مباحث الوكالات.
стр. 863
[فصل
وينقلب فضوليا بمخالفته المعتاد في الإطلاق وما عين مما يتعين عقدا أو قدرا أو أجلا أو جنسا أو نوعا أو غرضا إلا زيادة من جنس ثمن عين للمبيع أو رخص أو استنقاد إلا أن يأمره بنسيئة مفسدة وله الحط قبل القبض فيعزم ولو اشترى من يعتق عليه أو على الأصل المطلق عتق وفي الضمان تردد وما لزمه أو تلف في يده فعلى الأصل إلا ثمنا قبضه منه بعدما اشترى ولا يضمن إن جحد المشتري البيع والمبيع] .
قوله: "فصل: وينقلب فضوليا بمخالفة المعتاد" الخ.
أقول: هذا صحيح لأن الوكيل لم يفعل ما قصده الموكل فإن المعتاد في عرفهما هو المقصود في الوكالة مع الإطلاق فالمصير إلى غيره مخالفة ظاهرة لا يلزم وكيلا ولا موكلا أما الوكيل فظاهر لأنه لم يقصد التصرف لنفسه وأما الموكل فلكونه لم يرد ما فعله الوكيل.
وأما مخالفته لما عينه الموكل من هذه الأمور فالأمر فيه أوضح إلا أن يخالف عادلا إلى شيء فيه مصلحة خالصة لا يتعلق بما يخالفها غرض للموكل كما قال المصنف: "إلا زيادة من جنس ثمن عين للمبيع" فإنه ها هنا قد فعل ما أمر به وزاد خيرا وهكذا قوله: "أو رخص" وقد فعل ذلك من أمره النبي ﷺ بأن يشتري له أضحية بدينار فاشترى كبشين بدينار وباع أحدهما بدينار ورجع إلى النبي ﷺ بالدينار والكبش وهو عروة البارقي فدعا له رسول الله ﷺ وقد تقدم هذا الحديث وهكذا الاستنقاد إلا أن يتعلق للموكل غرض بالنسيئة كما ذكر المصنف فعلى الوكيل مطابقة غرضه لأنه متصرف عنه وليس للوكيل حط ولا إبراء ولا هو مأذون بذلك ففعله كا لعدم وهكذا لا يصلح منه شراء من يعتق على الموكل لأنه مأمور بما فيه نفع لا بما فيه ضرر على الموكل وأما شراء الوكيل من يعتق نفسه فهو لا يعتق عليه لأن الشراء لغيره والملك ملك غيره فالعجب من الجزم بأنه يعتق والذي أوقعهم في هذا أنهم قالوا إنه يدخل في ملك الوكيل لحظة مختطفة وهذه دعوى ليس عليها أثارة من علم وقد أوقعهم ذلك فيما تقدم من قولهم إنها تتعلق به الحقوق حتى فرعوا على ذلك ما يضحك منه وهو قولهم فلا يتولاه الأصل إلا بإذنه فسبحان الله وبحمده ما يفعل الرأي بأهله بل ما تفعله المجازفة بمن لم يتورع عنها.
[فصل
ولا يصح تصرفه قبل العلم عكس الوصي والمباح له ولا فيما رد عليه ولو بحكم ولا يلزم الأصل زيادة المشتري والقول للأصل في نفيها وفي القدر وإذا نوى الوكيل
стр. 864
لنفسه في مشترى ونحوه عينه الأصل فللأصل ما لم يخالفه الفرع لا المنكوح ونحوه ويشتري ما يليق بالأصل من عين له الجنس إن عين له النوع أو الثمن وإلا لم تصح ولا تكرار إلا بكلما م ومتى ويدخلها التحبيس والدور واقبض كل دين وغلة تتناول المستقبل عكس العتق والطلاق ويصدق في القبض والضياع] .
قوله: "فصل: ولا يصح تصرفه قبل العلم".
أقول: كان الأولى على مقتضى ما يقرره المصنف في سائر المسائل من اعتبار الانتهاء أن يصح تصرف الوكيل قبل العلم وأما ما قيل إنه يصح تصرفه فضوليا ويلحق الإجازة فهذا لا يرد على المصنف لأن مراده أنه لا يصح تصرفه قبل العلم بالوكالة تصرف الوكلاء وأما كونه تصرف فضولي وتلحقه الإجازة فهو بحث آخر وكان ينبغي للمصنف أن لا يفرق بين الوكيل والوصي والمباح له لأنه لا وجه لاعتبار الانتهاء في البعض دون البعض فإن الوصي متصرف بالنيابة عن الميت والوكيل متصرف بالنيابة عن الحي واختلاف اللوازم في بعض الحالات لا يدل على اختلاف الملزومات من كل وجه حتى يكون للوصي ولاية دون الوكيل.
وأما كونه لا يصح تصرفه فيما رد عليه فوجهه أنه لا يوكل إلا لمجرد التصرف وقد فعل وانعزل بفعله ما وليه فالتصرف فيما رد عليه يحتاج إلى إذن آخر.
قوله: "ولا يلزم الأصل زيادة المشترى".
أقول: إن كان المشترى من الجنس الذي عينه الموكل للوكيل فقد حصل غرض الموكل بالقدر الذي عينه وإن كان في الزيادة مصلحة له لكنه قد يكون ثمنها أحب إليه من الزيادة على المعين فيأخذ ما عينه بقدر قيمته من الثمن المدفوع إلى الوكيل ويسترد الزيادة.
وأما كون القول قول الموكل في نفي الوكالة فوجهه أن الأصل عدمها فالقول قول نافيها وهكذا يكون القول قوله في قدر ما وكله بشرائه وفي قدر ثمنه لأن نافي الزيادة منكر للإذن بها والأصل عدمها وعدم الإذن بها.
قوله: "وإذا نوى الوكيل لنفسه فيما عينه الأصل فللأصل".
أقول: هذا مبني على أن تعيين الأصل يقتضي أنه أحق به وليس ذلك بصحيح لأنه ليس بسبب من أسباب الملك ولا من أسباب كونه أحق به فإذا حصل التراضي بين البائع والوكيل بالبيع إلى الوكيل كان للوكيل ولا يلزم الوكيل امتثال أمر الموكل كما لا يلزم البائع أن يبيع من الموكل ففي جعل تعيين الأصل بهذه المنزلة التي ذكرها المصنف تسامح ولا فرق في هذا بين المنكوح وغيره ولا مستند للفرق إلا خواطر أوهام هي أضغاث أحلام.
قوله: "ويشتري ما يليق بالأصل من عين له الجنس".
أقول: إذا كان الوكيل عالما بما يليق اشترى له ما يليق به في الوكالة المطلقة وليس ذلك بلازم للموكل إلا إذا وجده موافقا لغرضه وأما اشتراط تعيين النوع أو الثمن وإلا لم
стр. 865
تصح الوكالة فليس لذلك وجه مع أنه تقدم للمصنف أنه يصح التبايع فيما علم جنسا ونصيبا
والحاصل أن هذا الاشتراط هو من الخيال الذي قدمنا لك وما المانع من أن يوكله بأن يشتري له شاة من دون تعيين نوعها ولا ثمنها فإن جاء بها موافقة لغرض الأصل فذاك وإلا كانت ردا على صاحبها.
وأما قوله: "ولا تكرار إلا بكلما" إلخ فقد قدمنا لك الكلام على هذا في الطلاق المشروط فارجع إليه وهكذا قدمنا الكلام في التحبيس والدور فلا نعيده لأن المتقضى والمانع في الموضعين لا يختلفان.
وأما قوله: "واقبض كل دين وغلة يتناول المستقبل" فالظاهر أنه يتناول كل ما لم يقبضه الموكل من الديون والغلات عملا بما يفيده هذا العموم ومن ادعى التخصيص ببعض ما يفيده فعليه التخصيص بمخصص يحتمله كلام المتكلم وذلك كالعتق والطلاق فإن الظاهر أن الموكل لا يريد باللفظ العام إلا من يصح عتقه وطلاقه في الحال فإن كان ثم عرف للموكل يقتضي ما هو أوسع من ذلك كان العمل عليه وقد يقال إنه إنما لم يتناول العتق والطلاق لمن لم يكن من مماليك الموكل ولا من زوجاته في حال الوكالة لأنه لا يصح من الأصل أن يعتق من لم يكن في ملكه ولا يطلق من لم تكن قد دخلت في نكاحه وإذا لم يصح ذلك من الأصل لم يصح من الوكيل كما تقدم أنه لا يصح التوكيل فيما ليس للأصل توليه بنفسه.
[فصل
ويصح أن يتولى طرفي ما لا يتعلق به حقوقه مضيفا وإلا لزمه أو بطل والخصومة وإن كره الخصم أو لم يحضر الأصل وله تعديل بينة الخصم والإقرار مطلقا والقبض فيما تولى إثباته والنكول فيه كالإقرار لا الصلح والتوكيل والإبراء وتعدي الحفظ من وكيل المال إلا مفوضا في الجميع ولا ينفرد أحد الموكلين معا إلا فيما خشي قوته إن لم يشترط الإجتماع] .
قوله: "فصل: ويصح أن يتولى طرفي ما لا يتعلق به حقوقه".
أقول: قد قدمنا لك أن تعلق الحقوق بالوكيل لم يرد ما يقتضيه من رواية ولا دراية وحينئذ يصح من الوكيل أن يتولى الطرفين في كل شيء فإن كان قاصدا بذلك أنه لمن وكله كان له وإن كان قاصدا بذلك أنه لنفسه كان لنفسه ولا مانع يمنع من هذا لا من شرع ولا عقل كما قدمنا.
وأما قوله: "والخصومة وإن كره الخصم أو لم يحضر الأصل" فليس للتنصيص على مثل هذا إلا توسيع الدائرة وتطويل المسافة فإن هذا معلوم ولم يقل أحد أنه يشترط أن يكون الخصم راضيا بالوكيل ولا قال أحد إن خصومة الوكيل لا تصح إلا مع حضور الموكل فأي
стр. 866
فائدة لذكر مثل هذه الأمور وما أظنه يصح عن أبي حنيفة ما روي عنه من الاشتراط فإن رأيه الذي يبني عليه كثيرا من مسائله هو أرفع قدرا من هذا.
وأما كونه يصح من الوكيل تعديل بينة الخصم فظاهر لعدم المانع وأما كونه يصح منه الإقرار على الموكل فخطل من القول وزائف من الرأي فإنه إنما وكل بالخصومة والمدافعة لا بالإقرار على موكله ما لم يأذن له الموكل بذلك لا كما قالوا إنه يصح منه الإقرار ما لم يحجر وأعجب من هذا تنزيل المصنف للمنكول منه منزلة الإقرار فيالله العجب من إهدار أموال العباد بما لا تستحل به من الأسباب.
وأما كون إليه القبض فيما تولى إثباته فالقبض أمر زائد على ما وكل به وهو الإثبات فلا يدخل تحته إلا لعرف أو لقرينة تفيد ذلك والعجب من المصنف حيث يصرح بمنع الوكيل من الصلح والتوكيل مع تجويزه لإقراره والحال أن الصلح فيه معارضة والتوكيل ليس فيه تفويت ملك الموكل كما يحصل تفويته بالإقرار من غير عوض وهل هذا إلا شبيه بالتشهي وتحرير مسائل الفقه كيفما اتفق وعلى ما يقود إليه الذهن ويجري به القلم.
نعم لا يصح من الوكيل صلح ولا توكيل ولا إبراء لأنه لم يؤمر بذلك إلا إذا كان مفوضا تفويضا يشمل هذه الأمور شمولا ظاهرا لأن بعضها فيه إضرار بالموكل محض وهو الإبراء وبعضها فيه إضرار بالموكل دون إضراره بالإبراء وهو الصلح وبعضها مظنة لعدم صدور الخصومة على ما لا يريده الموكل وهو توكيل الوكيل ولكن الشأن في تصحيح الإقرار من الوكيل من غير شرط والظاهر أن تفويض الموكل ينصرف إلى ما فيه نفع له محض ومصلحة خالصة ولا ينصرف إلى غير ذلك ومثل هذا هو الذي يريده كل عاقل لما يفعله من التفويض.
وأما قوله: "ولا ينفرد أحد الموكلين" إلخ فإن كان مقصد الموكل الاجتماع بقرينة حال أو مقال كان تصرف أحدهما منفردا غير صحيح ولو فيما يخشى فوته إلا أن يعرف أنه يأذن بالانفراد في مثل ذلك وإن لم يكن له مقصد بالاجتماع كان لكل واحد منهما أن يتصرف فيما أطلقه لهما أو عينه فإن اختلفا لم ينفذ تصرف أحدهما حتى يتفقا أو بأذن الموكل بما فعله أحدهما.
[فصل
ولا انعزال لوكيل مدافعة طلبه الخصم أو نصب بحضرته أولا وقد خاصم إلا في وجه الخصم وفي غير ذلك يعزل ولو في الغيبة ويعزل نفسه في وجه الأصل كفي كل عقد جائز من كلا الطرفين أو من أحدهما وينعزل أيضا بموت الأصل وتصرفه غير الاستعمال ونحوه وبردته مع اللحوق إلا في حق قد تعلق به ويكفي خبر الواحد وبفعله ما وليه ويلغو ما فعل بعد العزل والعلم به مطلقا وقبل العلم إلا فيما يتعلق به حقوقه أو
стр. 867
أعاره أو أباحه أو ما في حكمهما قيل وتعود بعود عقله وتصح بالأجرة ولوكيل الخصومة ونحوها حصة ما فعل في الفاسدة ومن المقصود في الصحيحة] .
قوله: "فصل: ولا انعزال لوكيل مدافعة" الخ.
أقول: لا تأثير لطلب الخصم ولا لنصبه في حضرته ولا لوقوع مجرد الخصومة في المنع من العزل إلا في وجه الخصم وليس على هذا أثارة من علم بل لا يصلح هذا التفريع على مجرد رأي بعقل واجتهاد يقبل وما ذكره من تعليل هذا الكلام من أن عزله يضر بالخصم ويؤدي إلى ألا تستقر خصومة فتعليل عليل وكلام قليل التحصيل فله أن يعزله متى شاء سواء كان قد خاصم أو لم يخاصم وسواء طلبه الخصم أو لم يطلبه وسواء نصب في حضرته أو في غيبته سبحان الله وبحمده ما لنا ولطلب الخصم وللنصب بحضرته وأي جدوى لتكليف عباد الله بهذه الخزعبلات.
وهكذا ما ذكره من أن الوكيل لا يعزل نفسه إلا في وجه الأصل ليس له وجه بل يعزل نفسه متى شاء ويكفي توقفه عن المخاصمة باعثا للموكل على نصب وكيل آخر أو تولي الخصومة بنفسه وهذا الاستطراد بقوله كفي كل عقد إلخ مع كونه أجنبيا عن المقام لا يتعلق به كثير فائدة.
قوله: "وينعزل بموت الأصل".
أقول: هذا صحيح لأن الموكل إنما جعله نائبا عنه في حياته لا بعد موته وهكذا قوله وتصرفه لأنه قد تولاه الأصل بنفسه فلم يبق للفرع معه حكم وهكذا تبطل الوكالة برده الموكل لأنه قد صار مباح الدم والمال فكيف يخاصم الوكيل عمن قد صار كذلك.
وأما قوله: "إلا في حق تعلق به" فقد قدمنا عدم تعلق الحقوق بالوكيل على كل حال وأما قوله: "ويكفي خبر الواحد" فالأمر في مثل هذا ظاهر فقد كفى خبر الواحد في التكاليف التي تعم بها البلوى فكيف لا يكفي في عزل وكيل عن الخصومة.
وأما قوله: "وبفعله ما وليه" فوجهه أنه قد فرغ مما أمر به وليس للتنصيص على مثل هذا فائدة فإن الوكالة هي خاصة بهذا الأمر الذي قد فعله فلا يحتاج إلى بيان أنه قد انعزل بفعله وأما كونه يلغو ما فعله الوكيل بعد العزل فظاهر سواء علم به أو لم يعلم لأن الاعتبار بالانتهاء ولا وجه لما استثناه من قوله: "إلا فيما يتعلق به حقوقه" لما قدمنا وهكذا لا وجه لاستثنائه بقوله أو أعاره أو أباحه أو ما في حكمهما لأنه بالعزل قد بطل ما عمله وإذا كان قد استهلك المباح له ما وقعت فيه الإباحة واستعمل ما وقعت فيه الإعارة فلا ضمان عليهما لأنهما مغروران من جهة الوكيل ولا ضمان على الوكيل لأنه مغرور من جهة الموكل لكونه باقيا على استصحاب الوكالة وعدم ارتفاعها.
وأما قوله: "قيل: وتعود بعود عقله" فلا وجه له لأن الشيء إذا ارتفع لم يعد إلا بتجديد وأما كون الوكالة تصح بالأجرة فظاهر لأنها ليست من القرب التي يقال فيها ما قيل في
стр. 868
أجرة القائمين بالقرب وما ذكره من أنه يستحق حصة ما قد فعله فذلك صحيح ولا فرق بين الصحيحة والفاسدة على فرض صحة اتصاف بعض وكالات الخصومة بالصحة وبعضها بالفساد ولا وجه لذلك بل يستحق حصة ما فعل من الأجرة المسماة ويستحق مع عدم التسمية أجرة مثله من الوكلاء في مثل تلك الخصومة.
стр. 869
باب الكفالة
[فصل
تجب إن طلبت ممن عليه حق لا في حد وقصاص إلا تبرعا ببدنه أو قدر المجلس في حد القذف كمن استحلف ثم ادعى بينة وتصح بالمال عينا مضمونة أو دينا وبالخصم ويكفي جزء منه مشاع أو يطلق على الكل وتبرعا ولو عن ميت معسر ولفظها تكفلت وأنا به زعيم ونحوهما وهو علي في المال وتصح معلقة ومؤقتة ومشروطة ولو بمجهول لا مؤجلة به إلا أن يتعلق به غرض كا لدياس ونحوه لا الرياح ونحوه فتصير حالة مسلسلة ومشتركة فيطلب من شاء] .
قوله: "باب: والكفالة تجب إن طلبت ممن عليه حق".
أقول: الواجب الأصلي هو قضاء ما لزم بوجه الشرع فصاحب الحق يطالب من هو عليه بتسليمه وليس عليه أن يقبل الضمين حتما بل يجب إنصافه بالتسليم فإن تعذر لإعسار وجب الإنظار كما حكم به الله عزوجل وإذا طلب أن يمهله صاحب الحق مدة وكان الوفاء متعذرا في الحال إما لبعد ماله أو لعدم نفاقه في الحال كان الإمهال متوجها لأنها اقتضته الضرورة ولصاحب الحق أن يتوثق من غريمه برهن أو ضمين إن طلب ذلك وهكذا إذا كان من عليه الحق متمكنا من التسليم في الحال بلا مانع ورضي من له الحق بإمهاله مدة مع التوثق بضمين كان هذا إليه لأن مالك المال له التضييق في التسليم مع الإمكان وله التنفيس على من عليه الحق بالتأجيل هكذا ينبغي أن يقال وأما الكفالة بالوجه فلا معنى لها إلا وجوب إحضار المكفول عليه عند الحاجة إلى إحضاره وسيأتي حكمه إذا تعذر الإحضار فيصح الكفالة بوجه من عليه حد أو قصاص بهذا المعنى فيطالب الكفيل بإحضاره وسيأتي أنه لا حبس إن تعذر إحضاره.
وأما قوله: "كمن استحلف ثم ادعى بينة" فقد تقدم الكلام على هذا في قوله ولا يوقف خصم لمجيء بينة عليه غائبة إلخ وإنما ذكره هنا لبيان أن لصاحب الحق الذي زعم أن له بينة
стр. 870
أن يطلب من الحالف كفيلا في المجلس حتى يأتي ببينته وليس للتنصيص على هذا كثير فائدة وقد قدمنا أنه انقطع الحق باليمين فلا تقبل البينة بعدها.
قوله: "ويصح بالمال عينا مضمونة أو دينا".
أقول: أما صحتها بالمال فظاهر وأما اشتراط أن تكون العين مضمونة فينبغي أن يقال أن يكون ردها واجبا على من هي في يده وإن لم تكن مضمونة فإذا كان الرد واجبا كانت الكفالة صحيحة ويجب الرد على الكفيل كما يجب على المكفول عليه فإن تلفت كان لها حكم ما تلف من الأعيان التي لا تضمن ولاشك في صحة الضمانة بتسليم الدين وليس في ذلك نزاع.
قوله: "وبالخصم".
أقول: هذه الكفالة بالوجه مما يصدق عليها معنى مطلق الكفالة ويصدق على الكفيل أنه زعيم فيلزمه ما يلزم الزعيم إذا تعذر إحضار المكفول بوجهه وهو قوله ﷺ : "الزعيم غارم"، كما أخرجه أبو داود "٣٥٦٥"، والترمذي "١٢٦٥"، وابن ماجة ٢٤٠٥"، ولا وجه لتضعيف الحديث بإسماعيل بن عياش فهو إنما يضعف في روايته عن الحجازيين وهو في روايته عن الشاميين قوي وقد روى هنا عن شامي وهو شرحبيل بن مسلم وللحديث طرق وله في النسائي طريقان من رواية غير إسماعيل بن عياش وقد صحح أحدهما ابن حبان.
فكفيل الوجه إذا تعذر عليه إحضار من تكفل بوجهه لزمه ضمان ما عليه بهذا الحديث إن كان الذي عليه مما يتعلق بالمال لا إذا كان مما يتعلق بالدين فعليه السعي في تحصيله حتى يتعذر ذلك لكل وجه وسيأتي تمام الكلام في ضمين الوجه لكنك قد عرفت بهذا أن كفالة الوجه تنول إلى ضمان المال وأن الحق قول من قال بذلك للدليل المذكور.
وأما قوله: "ويكفي ذكر جزء منه مشاع أو يطلق على الكل" فظاهر.
قوله: "وتبرعا ولو عن ميت معسر".
أقول: وجهه أنه أدخل نفسه فيما يخشى من عاقبته التضمين فلزمه الضمان بقوله ﷺ : "الزعيم غارم"، وقد دل الدليل على صحة الكفالة عن الميت المعسر كما أخرجه البخاري وغيره من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها فقال: "هل على صاحبكم من دين؟ "، فقالوا: نعم ديناران, فقال: "صلوا على صاحبكم"، فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله فصلى عليه النبي ﷺ , زاد أحمد والدارقطني والحاكم أن النبي ﷺ قال له لما قضى دينه: "الآن بردت عليه جلدته"، وقد روي من طرق وفيها اختلاف في قدر الدين وقد تقرر بأصل الحديث صحة الضمانة.
قوله: "ولفظها" الخ.
أقول: قد عرفناك أن الاعتبار بما يفيد المعنى ولو بإشارة والمرجع في المدلولات إلى الأعراف لأن المتكلم يتكلم بما يقتضيه عرفة.
وأما قوله: "وهو علي في المال" فإن كان هذا بيانا لعرف عرفه المصنف فلا حجة في
стр. 871
أعراف قوم على قوم آخرين وإن كان بيانا للمدلول اللغوي فالظاهر عدم الفرق بين المال والبدن لأن معنى هو على في المال تسليمه وهو علي في البدن تحصيله وإحضاره ومع هذا فلا يرجع إلى المدلولات اللغوية إلا إذا لم توجد الأعراف.
وأما كونها تصح مؤقتة ومشروطة فوجهه ظاهر لأن الكفيل أن يشترط لنفسه ما شاء ولا وجه للفرق بين الوقت والشرط وبين الأجل في التعليق بالمجهول بل الكل سواء سواء تعلق به غرض كالدياس ونحوه أو لم يتعلق به غرض كا لرباح ونحوه ولا يرجع مثل هذا الفرق إلى رواية ولا دراية لأن تعلق الغرض وعدمه أمر خارج عن التعليق الذي يجوز للكفيل أن يجعله لنفسه ويقيد ما يلزمه من الضمان وصاحب الحق بالخيار إن شاء رضي لذلك وقبله وإن شاء امتنع منه.
وأما قوله: "وتصح مسلسلة" فوجهه أن الكفيل قد صار عليه من الحق ما على المكفول عليه فتصح الكفالة عليه كما تصح على المكفول عليه الأول وهكذا الاشتراك في الكفالة لا مانع من صحته ولا من ثبوت الطلب للمكفول لمن شاء من الكفلاء لأن الحق متوجه على كل واحد منهم بموجب كفالته.
[فصل
ويحبس حتى يفي أو يغرم ولا يرجع كفيل الوجه بما غرم لكن له طلب التثبيت للتسليم ولا حبس إن تعذر قيل وأن يسترد العين إن سلم الأصل] .
قوله: "فصل: ويحبس حتى يفي أو يغرم".
أقول: إذا تقررت الكفالة كان للحاكم أن يقطع من ماله بقدر ما لزمه من غير حبس فإن لم يمكن الحاكم ذلك لبعد ماله أو تغلبه عليه كان له أن يحبسه أو يأمر غريمه بملازمته حتى يتخلص مما عليه ولا فرق في هذا بين كفيل الوجه إذا تعذر عليه إحضار المكفول بوجهه وبين كفيل المال كما قدمنا ولا وجه لقوله ولا يرجع كفيل الوجه بما غرم بل يرجع به لأنه غرم لحقه بسببه فيرجع كما يرجع كفيل المال.
وأما قوله: "ولكن له طلب التثبيت للتسليم" يعني كفيل الوجه فوجهه ظاهر لأنه لا يجب عليه تسليم ما لم يتقرر بحكم الشرع.
وأما قوله: "ولا حبس" فقد قدمنا أن حكمه حكم كفيل المال في الضمان والحكم عليه بالتسليم أو القطع من ماله أو الحبس أو الملازمة ووجه ذلك حديث: "الزعيم غارم" على التقرير الذي قررناه في معناه.
وأما قوله: "قيل: ويسترد العين إن سلم الأصل" فهذا صواب لأنه بتسليم الأصل قد وفى
стр. 872
بما عليه فيرجع بما سلمه سواء كان عينا أو نقدا فإن تلف رجع به على من سلمه إليه فإن أعسر رجع به على المكفول عليه لأنه غرم لحقه بسببه.
[فصل
وتسقط في الوجه بموته أو تسليمه نفسه حيث يمكن الاستيفاء وفيهما بسقوط ما عليه وحصول شرط سقوطها وبالإبراء أو الصلح عنها ولا يبدأ الأصل إلا في الصلح إن لم يشترط بقاؤه وباتهابه ما ضمن وله الرجوع ويصح معها طلب الخصم ما لم يشترط براءته فتنقلب حوالة] .
قوله: "فصل: وتسقط في الوجه بموته"
أقول: وجه هذا أنه قد فات وتعذر الوفاء بأمر من جهة الله عزوجل لا بسبب من الكفيل ولا بسبب من المكفول عليه فلا يجب عليه ما لا يدخل تحت قدرته.
وأما قوله: "وتسليمه نفسه" الخ فظاهر لأنه بذلك قد وفى بما كفل به وفعل ما عليه وهكذا إذا حصل شرط سقوطها لأنه قد خرج عن الكفالة بمجرد حصول هذا الشرط وهكذا الإبراء لأن ما على الكفيل في الوجه والمال قد سقط بإبرائهما وبقبول الصلح منهما ومثل هذه الأمور في غاية الوضوح ليس في التنصيص عليها كثير فائدة.
وأما كونه يبرأ الأصل في الصلح إن لم يشترط بقاؤه فلا وجه لتخصيص هذه الصورة بل لا يبرأ الأصل إلا باشتراط الكفيل لبراءته وإلا كان لصاحب الحق مطالبته على القدر المصالح به وهكذا تسقط الكفالة باتهاب الكفيل لما ضمنه لأنه بهذه الهبة قد أسقط عنه الضمان وإذا كان الموهوب للكفيل باقيا عند المكفول عليه فللكفيل أن يأخذه منه لأنه قد صار في ملكه.
قوله: "ويصح معها طلب الخصم".
أقول: وجه هذا أن أصل الحق عليه وإسقاطه عن الكفيل لا يستلزم إسقاطه عن المكفول عليه لا شرعا ولا عقلا ولا عادة وأما الاستدلال على عدم المطالبة للأصل بقوله ﷺ في الحديث السابق: "الآن بردت عليه جلدته"، ففرق بين الكفالة على ميت معسر قد تعذر الرجوع عليه وتعذرت عليه وجوه المكاسب وتعذر تعلق الضمان به وبين حي صحيح كاسب يتملك ويتعلق به الضمان وغيره.
وأما اشتراط الكفيل براءة المكفول عليه فظاهر لأنه بريء بهذا الشرط لا أنه يبرأ من الأصل.
стр. 873
[فصل
وصحيحها أن يضمن ما قد ثبت في ذمة معلومة ولو مجهولا ولا رجوع أو سيثبت فيها وله الرجوع قبله وفاسدها أن يضمن بغير ما قد ثبت كبعين قيمي قد تلف وما سوى ذلك فباطلة كالمصادرة وضمنت ما يغرق أو يسرق ونحوهما إلا لغرض"
قوله: "فصل: وصحيحها أن يضمن بما قد ثبت في ذمة معلومة" الخ.
أقول: اعلم أن دخول الكفيل في الكفالة باختيار نفسه هو إلزام لنفسه بما لزم للغير على معين والتزام بما ذهب على الغير وهذا أمر يصح من المكلف الدخول فيه لأنه رضي بما يتعقبه من الضمان وللإنسان أن يخرج من ماله ما شاء فيما شاء ولا فرق بين أن يخرج شيئا من ماله تمليكا للغير أو هبة له أو نذرا عليه وبين أن يلزم نفسه ما لزم فلانا أو بما ذهب على فلان والجهالة في الحال لا تؤثر فسادا في هذه الكفالة ولا بطلانا لأن الاعتبار في مثل هذا بما ينتهي إليه الحال وهو سينتهي إلى العلم بقدره جملة أو تفصيلا.
وإذا عرفت هذا فالضمانة على المعين بالمعلوم وبالمجهول وبما قد ثبت وبما سيثبت وبما على المصادر وبما يسرق أو يغرق أو يتلف بوجه من وجوه التلف كلها متفقة في اختيار المكلف لنفسه بما يلزمه من الضمان وإلزام لها بذلك من غير إكراه ولا إجبار وله أن يتصرف في ماله بما شاء وكيف شاء من غير إضاعة ولا في أمر لا يبيحه الشرع وليس في شيء من هذه الصور إضاعة مال ولا تصرف به في غير حلال فإن التزامه بما على المصادر قربة عظيمة وتفريج كربة ودفع ظلامة وأما الضمانة بعين فيما قد تلف فمعلوم عند كل عاقل أنه لا يراد منها الضمان بعين التالف لأن ذلك لا يسوغه عقل عاقل فلا بد أن يحمل على ما يصح في العقل وهو الضمانة بمثل تلك العين أو بقيمتها ولا يصح أن تكون الكفالة لاغية في مثل هذا لأنه قد أدخل نفسه فيما أدخلها فيه والمفروض أنه كامل العقل صحيح التصرف ولا يصح الرجوع في جميع هذه الأنواع على جميع التقادير فاعرف هذا فإنه الذي ينبغي المصير إليه والتعويل عليه لقوله ﷺ : "الزعيم غارم".
[فصل
ويرجع المأمور بالتسليم مطلقا أو بها في الصحيحة لا المتبرع مطلقا وفي الباطلة إلا على القابض وكذلك في الفاسدة إن سلم عما لزمه لا عن الأصل فمتبرع] .
قوله: "فصل: ويرجع المأمور بالتسليم مطلقا".
أقول: هذا وجهه ظاهر واضح لأنه غرم لحقه بسبب أمره بالكفالة وتسليم ما اشتملت
стр. 874
عليه ويكفي مجرد الأمر بالكفالة لأنها مستلزمة للضمان والأمر بالملزوم أمر يلازمه وأما مع عدم الأمر بل دخل فيها الكفيل تبرعا فليس له ها هنا طريق على المكفول عليه لأنه لم يأمره ولا غيره ولا تسبب لذلك بوجه من الوجوه حتى يقال إنه غرم لحقه بسببه ولا فرق بين الصحيحة والباطلة والفاسدة وللكفيل أن يرجع على من دفع إليه ماله إذا لم يلزم نفسه به إلزاما يجب عليه عنده الوفاء به فإن ألزم نفسه كان للمكفول له حق عليه بنفس هذا الإلزام ولا يصح رجوعه عليه لأنه جنى على نفسه.
стр. 875
باب الحوالة
[فصل
إنما تصح بلفظها أو ما في حكمه وقبول المحال ولو غائبا واستقرار الدين على المحال عليه معلوما مساويا لدين المحال جنسا وصفة يتصرف به قبل قبضه فيبدأ الغريم ما تدارج ولا خيار إلا لإعسار أو تأجيل أو تغلب جهلها حالها]
قوله: "باب: الحوالة إنما تصح بلفظها أو ما في حكمه".
أقول: تصح بما يفيدها ويدل عليها ولو بإشارة من قادر على النطق كما كررنا مثل هذا في الأبواب التي اعتبروا عليها الألفاظ وقد وسع المصنف الدائرة هنا بقوله أو ما في حكمه فأصاب وهكذا لا بد من قبول المحال للحوالة لأنها نقل ما هو له من ذمة إلى ذمة فلا ينتقل عن الذمة الأولى إلى الذمة الأخرى إلا باختياره ولكنه يأثم إذا أحيل على ملي فلم يقبل لأنه خالف الأمر النبوي وهو قوله ﷺ : "وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع"، كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وفي لفظ لمسلم: "وإذا أحيل أحدكم على مليء" وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر للندب وذهبت الظاهرية إلى أنه للوجوب.
وأما قوله: "واستقرار الدين على المحال عليه" إلخ فلا أدري لهذا الاشتراط وجها لأن من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته ويسلم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب لأن به يحصل الوفاء بدين المحال ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين.
وأما قوله: "فيبرأ الغريم ما تدارج" فوجهه ظاهر لأن رضا من له الدين بنقل دينه من ذمة الغريم إلى ذمة المحال عليه يوجب عدم مطالبته للغريم وهو معنى البراءة لكن هذه البراءة مقيدة
стр. 876
بما ذكره المصنف بقوله ولا خيارا إلا لإعسار أو تأجيل أو تغلب جهلها حالها ووجه الرجوع عليه عند حصول هذه الأمور ظاهر لأن المحيل إذا أحال على معسر أو على من يعتل بالتأجيل أو يتغلب عن التسليم مع جهل المحال لهذه الأمور فقد غره بالحوالة وهو لم يرض بنقل دينه إلى ذمة المحال عليه إلا مع عدم المانع فلا حكم لذلك الرضا الواقع مع وجود المانع لأنه غرر وتدليس.
[فصل
ومن رد مشترى برؤية أو حكم أو رضا على بائع قد أحال بالثمن وقبض لم يرجع به إلا عليه وكذا لو استحق أو أنكر البيع بعدهما ولا يبرأ ولا يرجع محتال عليه فعلها أو امتثل تبرعا والقول للأصل في أن القابض وكيل لا محتال إن أنكر الدين وإلا فللقابض مع لفظها] .
قوله: "فصل: ومن رد مشتري" الخ.
أقول: وجه هذا ظاهر لأن البائع هو القابض للثمن فالطريق عليه ولا فرق بين الرد بالحكم أو بالتراضي وكذا الاستحقاق وأما إنكار البيع من أصله فلا بد أن يتقوى ما يدعيه المشتري من البيع قبل أن يرجع عليه بالثمن لأن لزومه فرع ثبوت التبايع.
وأما قوله: "ولا يبرأ ولا يرجع محتال عليه فعلها أو امتثل تبرعا" فوجه عدم الرجوع في الفعل تبرعا عدم وجود المناط الموجب للضمان وأما الامتثال تبرعا فإن لم يبلغه أمر المحيل له بالتسليم فهو كالصورة الأولى وإن بلغه وسلم امتثالا لأمره فمجرد الأمر يوجب له الرجوع وإن لم يكن في ذمته دين لأن الأمر يكفي في ذلك ويخرج به عن التبرع كما قدمنا من عدم اشتراط استقرار دين في ذمة المحال عليه.
وأما قوله: "والقول للأصل في أن القابض وكيل لا محال" فوجهه ظاهر لأن الأصل عدم ثبوت الدين وأما إذا أقر بالدين فقد صار الظاهر مع من أقر له بالدين أنه محال لا رسول ولا وكيل.
стр. 877
باب التفليس
[والمعسر من لا يملك شيئا غير ما استثني له والمفلس من لا يفي ماله بدينه ويقبل قول من ظهرا من حاله ويحلف كلما ادعي إيساره وأمكن ويحال بينه وبين
стр. 878
الغرماء ولا يؤجر الحر ولا يلزمه قبول الهبة ولا أخذ أرش العمد ولا المرأة التزوج ولا بمهر المثل فإن لم يظهر بين وحلف وإنما تسمعان بعد حبسه حتى غلب الظن بإفلاسه وله تحليف خصمه ما يعلمه]
قوله: "باب: التفليس والمعسر من لا يملك شيئا غير ما استثني" الخ.
أقول: هذا الفرق بين المعسر والمفلس وجعل كل واحد منهما له مفهوم مستقل لا يرجع إلى شرع ولا لغة فإن كان المصنف بصدد بيان عرف له ولأهل عصره فلا يخاطب أحد بعرف غيره على أنه لا فائدة في بيان الأعراف ها هنا لأن المراد الحكم على من صدق عليه الإعسار والإفلاس بحكم الشرع ولا شك أن معنى المعسر لغة هو من يتعسر عليه قضاء دينه والمفلس هو من أفلس عن قضاء دينه فهما من هذه الحيثية متحدان وليس المراد من هذا الباب إلا بيان ما يجب عليهما للغير لا بيان أنهما في أنفسهما متصفان بإعسار أو إفلاس فإن ذلك لا فائدة فيه ولا جدوى له قال في الصحاح أعسر الرجل أضاق وقال من القاموس أعسر افتقر وقال في الصحاح أفلس الرجل صار مفلسا كأنما صارت دراهمه فلوسه وزيوفا قال ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس وهكذا في القاموس.
فالحاصل أن معناهما يرجع إلى شيء واحد وسيأتي الكلام على ما يستثنى لهما.
قوله: "ويقبل قول من ظهرا من حاله".
أقول: وجه ذلك أنه قد صار بظهورهما من حاله معه أظهر الأمرين فيكون القول قوله مع يمينه وغريمه معه أخفى الأمرين فكان عليه البينة.
وأما قوله: "ويحلف كلما ادعى إيساره وأمكن" فوجهه أن لصاحب الدين أن يطالب بدينه في الوقت الذي يمكن فيه أن يحول حال من عليه الدين من الإعسار إلى اليسار ولا مانع من ذلك.
وأما قوله: "ويحال بينه وبين الغرماء" فوجهه ظاهر لأن مطالبته مع ظهور الإعسار ظلم يخالف ما حكم الله به من قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
وأما قوله: "ولا يؤجر الحر" فوجهه ظاهر لأن الخطاب عليه بالقضاء إنما هو متوجه إلى ما يجده من المال ولا يكلف غير ذلك ومن لا مال له قد صدق عليه وصف العسرة فوجب إنظاره إلى ميسرة.
وأما قوله: "ولا يلزم قبول الهبة" فلا وجه له لأنه قد تعلق بذمته حق لمسلم فعليه أن يقبل الهبة التي جاءت بغير طلب ولا سؤال والتعليل بالمنة عليل وهكذا أخذ أرش العمد فليس له أن يسقط على من هو عليه لأن هذا باب من المكارمة واصطناع المعروف وهو مخاطب بما هو أقدم من ذلك وهو تخليص ذمته من الدين وأما ولا المرأة التزوج فالكلام فيه كما قدمنا من قوله: "ولا يؤجر الحر".
قوله: "فإن لم يظهرا بين".
стр. 879
أقول: هذا صحيح ووجهه ظاهر لأنه يدعي إسقاط حق عليه وأنه متصف بصفة الإعسار والأصل عدم ذلك فعليه بيان ما هو خلاف الأصل والبينة وإن كانت على نفي الغناء الشرعي فهي لا تقصر عن إثبات الظاهر كما قدمنا من قوله: "ولا تصح على نفي".
وأما الجمع له بين البينة واليمين فخلاف ما تقرر من الشريعة المطهرة فخصمه يخير بين طلبه بالبينة أو القنوع بيمينه كما قال ﷺ : "شاهداك أو يمينه"، ويمكن توجيه كلام المصنف بأن غاية ما تقتضيه البينة هو أن يكون الظاهر من حالة الإعسار فصار بهذه البينة القول قوله مع يمينه كما تقدم في الدعاوي.
قوله: "وإنما يسمعان بعد حبسه متى غلب الظن بإفلاسه".
أقول: هذا من أعجب ما يقرع الأسماع كيف يحبس رجل يعرض البينة على إعساره ويعرض عن بينته ويمينه ويجمع على نفسه بين المدركين الشرعيين والمستندين المرضيين ثم يقال له لا يقبل هذا منك حتى نعزرك بالحبس وينزل بك من الهوان ما ننزله باللصوص والقطاع للطريق والمنتهكين لمحارم الله فليت شعري أي شرع هذا بل أي طاغوت يسوغه ثم قوله: "حتى غلب الظن بإفلاسه" كلام ساقط وأن غاية ما يحصل ببنيته أو يمينه أو كليهما هو غلبة الظن بإفلاسه فكأن المصنف قال لا يسمع ما يفيد غلبة الظن بإفلاسه إلا بعد غلبة الظن بإفلاسه نعم إذا كان الذي عليه الدين غنيا متبين الغنى ظاهر الحال فصمم على المطل فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمرو بن الشريد أنه ﷺ قال: "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"، [البخاري "٥/٦٢"، أحمد "٤/٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩"، أبو داود "٣٦٢٨"، النسائي "٧/٣١٦"، ابن ماجة ٢٤٢٧"] ، ولكن أين حال هذا من حال من يعرض البينة واليمين على فقره وينادي بذلك بأعلى صوت!
وأما قوله: "وله تحليف خصمه ما يعلمه معسرا" فوجهه ظاهر لأنه يندفع عند ذلك معرة البينية واليمين بل معرة التعزير بالحبس إذا وقف بين يدي قاض لا يدري بالمدارك الشرعية ولا يفهم حجج الله سبحانه.
[فصل
والبائع أولى بما تعذر ثمنه من مبيع لم يرهنه المشتري ولا استولده ولا أخرجه عن ملكه وببعض بقي منه أو تعذر ثمنه لإفلاس تجدد أو جهل حال البيع ولا أرش لما تعيب ولا لما غرم فيه للبقاء لا للنماء فيغرم وللمشتري كل الفوائد ولو متصلة وقيمة ما لا حد له وإبقاء ماله حد بلا أجرة وكل تصرف قبل الحجر ولايفرق بين ذوي الرحم وما قد شفع فيه استحق البائع ثمنه وما لم يطلبه فأسوة الغرماء] .
стр. 880
قوله: فصل: "والبائع أولى بما تعذر ثمنه".
أقول: هذا الحكم ثبت بما صح في السنة من طريق جماعة من الصحابة ومن ذلك ما في الصحيحين [البخاري "٢٤٠٢"، مسلم "١٥٥٩"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٥١٩"، ٣٥٢٢"، الترمذي "١٢٦٢"، النسائي "٤٦٧٦، ٤٦٧٧"، ابن ماجة "٢٣٥٨، ٢٣٥٩"، أحمد "٢/٢٢٨، ٥٢٥"] ، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره".
وأما قوله: "من مبيع لم يرهنه المشترى" فلا وجه له لأن المال باق بعينة في يد المفلس فكان صاحبه أحق به لأنه قد أدرك ماله بعينه كما قاله رسول الله ﷺ والمرتهن يرجع على المفلس ويكون من جملة غرمائه في قضاء وأسوة.
وأما قوله: "ولا استولده" فوجهه أنه قد تعلق للمستولدة حق باستيلادها فهو شبيه بإخراج العبد عن الملك.
وأما قوله ولا أخرجه عن ملكه فوجهه ظاهر لأنه قد صار في ملك مالك آخر دخل في ملكه قبل وجود المانع وهو الإفلاس وكما يكون أحق به فهو أحق ببعض بقي منه لأنه قد وجد عين ماله وإن نقص بعضها فإن هذا لا يخرج الباقي عن كونه عين مال مالكها ويقوم مقام إخراجه عن ملكه تفريقه فلا يكون صاحب المال أحق به بعد تفريق المفلس له قبل ظهور الإفلاس كما في صحيح مسلم والنسائي أنه ﷺ قال في الرجل يعدم: "إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه".
وأما قوله: "أو تعذر ثمنه" أي هو أحق بالبعض الذي تعذر ثمنه فيرده ما في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام أن النبي ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينة فهو أحق به"، أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود "٣٥٢٠"، مرسلا ووصله أبو داود "٣٥٢٢"، عن أبي بكر المذكور عن أبي هريرة وضعفت هذه الطريق بأن في إسنادها إسماعيل بن عياش ولا وجه لهذا التضعيف فإن إسماعيل بن عياش إنما يضعف في الحجازيين لا في الشاميين وهو هنا روى عن الحارث الزبيدي وهو شامي ووصله أيضا عبد الرزاق في مصنفه وهكذا وصله ابن حبان والدارقطني من طريق أبي هريرة ولكن بلفظ حديث أبي هريرة المتقدم في الصحيحين وغيرهما.
وأما قوله: "ولا أرش لما تعيب" فالظاهر أنه لا وجه لإهدار هذا الأرش اللازم بحكم الشرع فيأخذ العين ويكون في الأرش من جملة الغرماء.
وأما قوله: "ولا لما غرم فيه للبقاء لا للنماء فيغرم" فوجهه أن الغرامة للبقاء واجبة على المالك ولم يحصل بها زيادة في المبيع فأما الغرامة للنماء فإن ظهر أثرها في المبيع كان له الرجوع بزيادة القيمة وإلا فلا لأن البائع وجد مبيعه ولا زيادة فيه.
وأما قوله: "وللمشتري كل الفوائد ولو متصلة" فوجه ذلك أنها فوائد ملكه الذي استحقه
следующие страницы →