Полный текст (1 078 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
باب اللباس
[فصل
يحرم على الذكر ويمنع الصغير من لبس الحلي وما فوق ثلاث أصابع من حرير خالص لا مشوب فالنصف فصاعدا ومن المشبع صفرة وحمرة إلا الإرهاب أو ضرورة أو فراش أو جبر سن أو أنف أو حلية سيف أو طوق درع أو نحوها ومن خضب غير الشيب] .
قوله: "باب اللباس".
قوله: فصل: "ويحرم على الذكر ويمنع الصغير من لبس الحلي".
أقول: أما حلية الذهب فلا شك لورود الأدلة الدالة على تحريمه قليلها وكثيرها وأما حلية الفضة فالمانع يحتاج إلى الدليل لأن الأصل الحل وقد دل على هذا الأصل قوله عزوجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراق: ٣٢] ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] ، مع ما ثبت من أن سيفه ﷺ كان فيه فضة ومع قوله ﷺ : "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم". [أبو داود "٤٢٣٦"، أحمد "٢/٣٧٨"] .
وأما الاستدلال بأن في ذلك تشبها بالنساء فهو مصادرة على المطلوب لأن القائل بالجواز يقول إن التحلي بالفضة لا يختص بالنساء بل الرجال والنساء فيه سواء وإن كان استعمال كل واحد من النوعين لنوع خاص من حلية الفضة فلا يشبه أحدهما في ذلك النوع الخاص به لا في مطلق التحلي فلا مانع من أن يحلى الرجل سلاحه ومنطقته بالفضة.
قوله: "وما فوق ثلاث أصابع من حرير خالص".
أقول: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه جوز أربع أصابع [البخاري"١٠/٢٨٤"، مسلم
стр. 807
"١٢/٢٠٦٩"، أبو داود "٤٠٤٢"، الترمذي "١٧٢١"، النسائي "٨/٢٠٢"، ابن ماجة "٣٥٩٣"] ، ومنه مما زاد عليها فكان الأولى أن يقول المصنف وما فوق أربع أصابع.
وأما الكلام على لبس مطلق الحرير فالأدلة الدالة على المنع منه هي أوضح من شمس النهار كما في قوله ﷺ : "لا ينبغي هذا للمؤمنين"، البخاري "١٠/٢٦٩"، وقوله: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، البخاري "١٠/٢٨٤"، مسلمك "١١/٢٠٦٩"، وقوله: "إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة"، البخاري "١٠/٢٨٥"، مسلم "٧/٢٠٦٨"، ووردت أحاديث بصريح النهي ووردت أحاديث بصريح التحريم كما في حديث: "إن هذين حرام على ذكور أمتي" [أحمد "١/١١٥"، أبو داود "٤٠٥٧"، النسائي "٥١٤٥"، ابن ماجة "٣٥٩٥"] ، وحديث: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي"، [أحمد "٤/٣٩٤، ٤٠٧"، النسائي "٥١٤٨"، الترمذي "١٧٢٠"] ، وقد أوضحت المقام في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره فليرجع إليه حتى يقف على الحقيقة قي خالصه ومشوبه وما يباح منه وما لا يباح وقد دارت بيني وبين شيخي السيد الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني ﵀ في الحرير رسائل تكاثر عددها وتزايد مددها وكان ذلك أيام قراءتي عليه.
قوله: "والمشبع صفرة وحمرة"
أقول: إنما ورد النهي عن الثوب المعصفر وهو المصبوغ المعصفر وصبغ العصفر يكون أحمر على نوع خاص من أنواع الحمرة فلا يعارض هذا ما ثبت من لبسه ﷺ للحلة الحمراء لإمكان الجمع بأن تلك الحلة الحمراء كانت مصبوغة بغير العصفر ولم يرد في مطلق الصفرة أو الحمرة ما يقتضي التحريم ولا في نوع خاص من ذلك وهو المشبع فأعرف هذا وقد جمعت في هذا رسالة وجوب سؤال من بعض أهل العلم.
قوله: "إلا الإرهاب".
أقول: الإرهاب للعدو إنما يكون العدد والمدد والعدة والشدة والسلاح المعد للكفاح ولهذا يقول الله عزوجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وأي إرهاب يحصل في صدر العدو لمن تظاهر له في الحلى والحلل فإن هذا اللابس إنما تشبه بريات الحجال وخرج من عديد الرجال وهل يقول عاقل إن ملابس النساء تؤثر شيئا من المهابة في صدر أحد من بني آدم وما أحسن قول أبي العتاهية في ابن معن بن زائدة.
فما تصنع بالسيـ ... ـف إذا لم يك قتالا
فكسر حلية السيـ ... ـف وصغ من ذاك خلخالا
فإنه ها هنا أمره أن ينزع الحلية المختصة بالرجال ويجعل مكانها الحلية المختصة بالنساء لمشابهته لهن ومهانته عند الناس.
والحاصل أن الترهيب على العدو هو مقصد من مقاصد الشرع ولكنه لا يكون إلا بما
стр. 808
عرفناك لا بما أراده المصنف فإن هذا لا يجري على شرع ولا عرف ولا رواية ولا دراية وإنما هو من صنيع النساء ومن يشابههن من المترفين.
قوله: "أو ضرورة".
أقول: هذه الضرورة إن كانت هي الضرورة للتداوي فقد ثبت في السنة المطهرة ما يدل على أن التفويض أفضل فلا ضرورة أيضا فلو قدرنا أن شيئا من ذلك يصلح للتداوي به لكان من التداوي بالحرام وقد تقدم الكلام عليه وإن كانت هذه الضرورة هي الحاجة الضرورية للبس الثوب الحرير أو الذهب أو نحوهما لمزيد برد ومخافة ضرر فقد سوغ الله سبحانه في كتابه العزيز للضرورة أكل الميتة ونحوها فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
قوله: "أو فراش".
أقول: هذا دفع للسنة الصحيحة المتفق عليها من نهيه ﷺ من افتراش الحرير والجلوس عليه فهذه السنة هادمة لكل رأي مخالف لها مبطلة لكل علة تنصب في مقابلتها، وقد أخرج الجماعة من حديث أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما ولفظ الترمذي "١٧٢٢"، أن ذلك كان في غزاة لهما وهكذا في صحيح مسلم "٢٦/٢٠٧٦"، فأفاد الحديث جواز التداوي بذلك وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقي.
وأما قوله: "أو جبر سن أو أنف" فقد وقع الإذن منه ﷺ باتخاذ أنف من ذهب أنفه في بعض الحروب وهو حديث حسن وجبر السن كجبر الأنف.
قوله: "أو حلية سيف أو طوق درع أو نحوهما".
أقول: إن كانت هذه الحلية لمثل هذه الآلات السلاحية من الفضة فقد قدمنا أن الأدلة دلت على جواز التحلي بها حتى قال ﷺ : "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم"، وأما التحلي بالذهب فقد دلت الأدلة على المنع من قليله وكثيره فمن زعم أنه يجوز التحلي بشيء منه من سيف أو درع أو نحوهما فالدليل عليه فإن نهض به وإلا كان الواجب البقاء على التحريم لأن أدلته ناقلة من الأصل الأول وهو الجواز.
قوله: "ومن خضب غير الشيب".
أقول: قد تقرر أن خضب اليدين والرجلين كان من صنيع النساء وكان من يتشبه بهن من الرجال يفعل ذلك كما هو معروف وقد ثبت النهي عن التشبه بالنساء والوعيد على ذلك ولم يرد في ذلك شيء أصلا وأما خضب الشيب فقد وردت به الأدلة الصحيحة وورد ما يدل على تأكيد مشروعيته كما في الصحيحين [البخاري "٣٤٦٢، ٥٨٩٩"، مسلم "٢١٠٣"، وغيرهما [أبو داود "٤٢٠٣"، النسائي "٨/١٣٧"، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم"، وأخرج أحمد "٥/١٤٧، ١٥٠"، وأهل السنن أبو داود " ٤٢٠٥"، الترمذي "١٧٥٣"، النسائي "٨/١٣٩"، ابن ماجة "٣٦٢٢"، وصححه الترمذي "٤/٢٣٢"، من حديث أبي ذر:
стр. 809
"إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم"، والأحاديث في الباب كثيرة وقد كانت هذه السنة مشتهرة بين السلف حتى كانوا يذكرون في ترجمة الرجل في الغالب أنه كان يخضب أو لا يخضب ولا ينافي مشروعية الخضب حديث: "لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم"، كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي وابن حبان فإن تعليل المنع بكونه نور المسلم على عدم جواز خضبه فإن نوره بعد خضبه زائد على نوره قبل خضبه.
[فصل
ويحرم على المكلف نظر الأجنبية الحرة غير الطفلة والقاعدة إلا الأربعة ومن المحرم المغلظ والبطن والظهر ولمسها ولو بحائل إلا لضرورة وعليها غض البصر كذلك والتستر ممن لا يعف ومن صبي يشتهى أو لا يشتهى ولو مملوكها ويحرم النمص والوشر والوشم والوصل بشعر غير المحرم وتشبه النساء بالرجال والعكس] .
قوله: "فصل: ويحرم على المكلف نظر الأجنبية".
أقول: حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ، الآية وبعده ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، الآية وكلام المتكلمين في تفسير هذه الآية من الصحابة فمن بعدهم معروف منقول في كتب الحديث والتفسير ومن ذلك في الكتاب العزيز ما ورد في الحجاب عموما وخصوصا ومن ذلك قوله عزوجل: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ، وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] ، الآية فإن تخصيصهن يدل على أن حكم من عداهن بخلاف حكمهن كما سيأتي ومنها قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، ومن ذلك قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وليضربن بخمرهم على جيوبهن شققن مروطهم فاختمرن بها أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
стр. 810
وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.
وأما الأحاديث الواردة على تحريم النظر فهي كثيرة جدا ومنها التحذير من النظر والتنبيه على سوء عاقبته وعظيم مفسدته والتصريح بأن النظرة الأولى عفو والثانية على الناظر ونحو ذلك مما لا يتسع المقام لبسطه والتحريم على النساء في نظرهن إلى الرجال كالتحريم على الرجال في النظر إليهن لأمرهم بغض الأبصار كما أمروا بغضها ولحديث "أفعمياوان أنتما؟ " ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت بدليل صحيح لا بمجرد قول من لا تقوم به الحجة فما ثبت في تفسير الاستثناء بقوله عزوجل: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كان في حكم المستثنى من عمومات الكتاب والسنة ولا يصح الاستدلال على الجواز بأن المرأة تكشف وجهها في إحرامها أو حال صلاتها فإن ذلك ليس فيه شيء من الدلالة لأن المرأة قد سوغ لها الشارع كشف وجهها عند ذلك ولم يجوز للرجال النظر إليها في هذه الحالة بل هم مأمورون بغض البصر في هذه الحال وغيرها كما أنه لا يجب على الرجال أن يستروا وجوههم عند مخالطتهم للنساء بل عليهن أن لا ينظرن إليهم لأنهن مأمورات بغض أبصارهم فاعرف هذا ففيه ما يغني عن الاستدلال بما لا دلالة فيه على الجواز أو عدمه وبما هو عن الدلالة على المطلوب في أبعد مكان.
قوله: "غير الطفلة والقاعدة إلا الأربعة".
أقول: أما الطفلة فظاهر لخروجها عن الخطاب وعدم أن يتصور في مثلها الإيجاب وأما القاعدة فلقوله عزوجل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] ، وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين فرفع الجناح عنهن هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين فكان ذلك دليلا على جواز النظر إليهم ودليلا أيضا على أن غير القواعد يحرم النظر إليهن فهذه الآية من جملة الآيات الدالة على تحريم النظر إلى الأجنبية كما تقدم.
وأما استثناء الأربعة فقد جاءت السنة بجواز النظر من الخاطب إلى المخطوبة وأما الثلاثة الآخرون وهم الطبيب والشاهد والحاكم فقد ادعى الإجماع على ذلك ولا أدري كيف هذا النقل فإن صح فذاك مع أن نظر الثلاثة المذكورين إليها عند مندوحه وذلك بأن يأمر الشاهد أو الحاكم أو الطبيب النساء أن ينظرن إلى الموضع الذي تدعو الحاجة إلى النظر إليه ثم يصنف لهم فإن في ذلك ما يغني عن النظر المحرم مع كونه وقوفا على مقدار الحاجة وإن كان دون النظر منهم أنفسهم.
قوله: "ومن المحرم المغلظ والبطن والظهر".
أقول: أما المغلظ فظاهر وهو عند المصنف من السرة إلى تحت الركبة وهذه هي عورة الجنس مع جنسه والأدلة الدالة على تحريم النظر إلى العورة من الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة وأما مع اختلاف الجنس فقد تقدم تحريم النظر مطلقا وأما استثناء
стр. 811
البطن والظهر من المحرم وأنه لا يجوز نظر ذلك منها لمحرمها فليس لذلك وجه لا من رأي ولا من رواية ولم يعولوا إلا على دعوى الإجماع ولا أدري كيف هذه الدعوى فقد حصل التساهل البالغ في نقل الإجماعات وصار من لا بحث له عن مذاهب أهل العلم يظن أن ما اتفق عليه أهل مذهبه وأهل قطره هو إجماع وهذه مفسدة عظيمة فإن الجمهور قائلون بحجية الإجماع فيأتي هذا الناقل بمجرد الدعوى بما نعم به البلوى ذاهلا عن لزوم الخطر العظيم على عباد الله من النقل الذي لم يكن على طريق التثبت والورع وأما أهل المذاهب الأربعة فقد صاروا يعدون ما اتفق عليه بينهم مجمعا عليه ولا سيما المتأخر عصره منهم كالنووي ومن فعل كفعله وليس هذا هو الإجماع الذي تكلم العلماء في حجيته فإن خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا قبل ظهور هذه المذاهب ثم كان في عصر كل واحد من الأئمة الأربعة من أكابر أهل العلم الناهضين بالاجتهاد من لا يأتي عليه الحصر وهكذا جاء بعد عصرهم إلى هذه الغاية وهذا يعرفه كل عارف منصف ولكن الإنصاف عقبة كئود لا يجوزها إلا من فتح الله له أبواب الحق وسهل عليه الدخول منها.
وأما قوله: "ولمسها ولو بحائل إلا لضرورة" فهذا مسلم فيما ورد الدليل بأنه عورة لا فيما هو مجرد دعوى منها.
وأما قوله: "وعليها غض البصبر كذلك" فقد قدمنا الكلام عليه في أول الفصل وقد استدل الجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح [البخاري "١/٥٤٦٩"، مسلم "١٧، ١٨، ٢٠، ٢١/٧٩٢"، من أنه ﷺ أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم والمصير إلى هذا متحتم لإيجاب غض البصر عليهن كما نطق به الكتاب العزيز وأيضا ثبت في الصحيح [البخاري "٥١٩٠"، مسلم "١٨/٨٩٢"، عن عائشة في هذه القصة أنها قالت: وأنا جارية حديثة السن فاقدروا قدر الجارية حديثة السن.
وأما قوله: "يجب التستر ممن لا يعف" فظاهر لأن ذلك منكر وإنكاره واجب وأقل أحوال الإنكار التستر.
وأما قوله: "ومن صبي يشتهي ولو مملوكها" فوجهه أن العلة التي شرع الله لها التستر وحرم بسببها النظر هي مخافة الوقوع في المعصية ومن كان يشتهي أو يشتهى فوقوعه والوقوع معه في ذلك مجوز عقلا وعادة.
وأما قوله: "ولو مملوكها" فظاهر قوله عزوجل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ، يدل على خلاف ذلك ويؤيد هذا الظاهر ما في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أنس أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك"، فقوله: "إنما هو أبوك وغلامك" يدل على أنه يجوز لمملوك المرأة أن ينظر إليها.
стр. 812
قوله: "والنمص والوشر والوشم والوصل بشعر غير المحرم".
أقول: هذه الخصال الأربع قد ثبت في الصحيحين وغيرهما لعن الفاعلة الواحدة منها وذلك يدل على أنها من الكبائر ولي الباب أحاديث صحيحة وفي بعض ألفاظها في صحيح مسلم وغيره زجر رسول الله ﷺ المرأة أن تصل شعرها بشيء [مسلم "٢١٢٦"، أحمد "٣/٢٩٦، ٣٨٧] ، فلا وجه لقول المصنف بشعر غير المحرم فإن علة النهي ما في ذلك من التغرير على الزوج وهو يستوي شعر المحرم وغيره بل شعر بني آدم وغيرهم ومثل هذا ما في بعض ألفاظ الحديث: "أيما امرأة زادت في شعرها شعرا ليس منه فإنه زور" النسائي "٨/١٤٤ - ١٤٥".
قوله: "وتشبه النساء بالرجال والعكس".
أقول: قد ثبت في الصحيح [البخاري "١٠/٣٢٣"] ، لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء واللعن يدل على تأكد التحريم والمراد بالمخنثين المتشبهين بالنساء من الرجال والمراد بالمترجلات المتشبهات بالرجال من النساء فمن تشبه من أي من النوعين بالنوع الآخر إما في كلامه أو في حركاته في ملبوسه فهو داخل تحت هذه اللعنة لأنه لم يخص ﷺ نوعا من أنواع الشبه دون نوع.
[فصل
ويجب ستر المغلظ من غير من له الوطء إلا للضرورة وهي الركبة إلى تحت السرة وتجوز القبلة والعناق بين الجنسي ومقارنة الشهوة تحرم ما حل من ذلك غالبا] .
قوله: "فصل ويجب ستر المغلظ" الخ.
أقول: وجه ذلك ما ورد من الأدلة الدالة على تحريم كشف العورة ووجوب سترها كما في الحديث الصحيح أحمد "٥/٤"، أبو داود "٤٠١٧"، ابن ماجة "١٩٢٠"، الترمذي "٢٧٦٩"، بلفظ: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل"، قال: فالرجل يكون خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحيا منه من الناس".
وأما الكلام في تقديرها من الرجل والمرأة فقد تقدم مستوفى في كتاب الصلاة.
قوله: "ويجوز القبلة والعناق بين الجنس".
أقول: الأصل جواز هذا كما يجوز للجنس لمس غير العورة من جنسه والعناق والتقبيل هو من جملة اللمس لغير العورة فمن زعم أن هذا اللمس الخاص غير جائز فعليه الدليل ولا يحتاج القائل بالجواز إلى الاستدلال بل يكفيه التمسك بالبراءة الأصلية والقيام في مقام المنع فإن تبرع بالاستدلال فقد خالف قواعد المناظرة وكلف نفسه ما لا يعنيها وأما إذا كان شيء من ذلك سببا لمقارنة الشهوة فهو حرام من هذه الحيثية لا من حيثية كونه تقبيلا أو معانقة بل لو
стр. 813
قدرنا أن مجرد اللمس أو المكالمة أو النظر يؤدي إلى شيء من ذلك لكان محرما كائنا ما كان فلا وجه لتخصيص هذا المقام بالكلام على التقبيل والعناق.
فإن قلت: إنما خصهما بالذكر لكون مظنة مقارنة الشهوة لا توجد في الغالب إلا فيهما.
قلت: بل وجودها في الرشف والضم والغمز لبعض مواضع الزينة أكثر من وجودها فيهما فلا وجه للتخصيص.
[فصل
ولا يدخل على المحرم إلا بإذن وندب للزوج والسيد ويمنع الصغير عن مجتمع الزوجين فجرا وظهرا وعشاءا] .
قوله: "فصل: ولا يدخل على المحرم إلا بإذن".
أقول: كان ينبغي للمصنف أن يعنون الفصل هذا بوجوب مطلق الاستئذان الذي شرعه الله عزوجل في كتابه لعباده واستثني منه ما استثني فهو حكم من أحكام الدين وشريعة من شرائع الإسلام وقد تناساه الناس حتى كأنه لم يكن في كتاب الله كما وقع ذلك في كثير مما شرعه الله لعباده وأما الدخول على المحارم فهو نوع من الأنواع التي أوجب الله فيها الاستئذان ولا وجه لتخصيصه بالذكر وأما الاستئذان الزوج على زوجته والسيد على أمته فليس لذلك وجه ولا جاء به شرع وأما ما ورد من أنه ﷺ كان لا يطرق أهله طروقا فسبب ذلك ما في آخر الحديث من تعليله بقوله ﷺ : "لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة"، وليست العلة في ذلك هي مشروعية الاستئذان كما لا يخفى.
وأما قوله: "ويمنع الصغير" إلخ فوجه قول الله عزوجل: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] ، إلى آخر الآية.
стр. 814
كتاب الدعاوى
[فصل
على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين] .
قوله: "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين".
стр. 815
أقول: كون على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين هو أمر معلوم ثابت في السنة ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة فمن ذلك ما في الصحيحين البخاري "٥/٢٨٠"، مسلم "٢٢٠/١٣٨"، وغيرهما أحمد "٥/٢١١"، أبو داود "٣٦٢١"، الترمذي "٢٩٩٦"، ابن ماجة "٢٣٢٢"، من حديث الأشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "شاهداك أو يمينه"، ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم "٢٢٣/١٣٩"،وغيره أبو داود "٣٦٢٣"، أحمد "٤/٣١٧"، في قصة الحضرمي أن النبي ﷺ قال: "ألك بينة؟ "، قال لا قال: "فلك يمينه"، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين البخاري "٨/٢١٣"، مسلم "٢/١٧١١"، وغيرهما أبو داود "٣٦١٩"، الترمذي "١٣٤٢"، النسائي "٨/٢٤٨"، من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه وفي لفظ المسلم "١/١٧١١"، وغيره: "ولكن اليمين على المدعى عليه"، وفي الباب أحاديث.
وهذه الجملة: أعنى كون على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين معلومة في هذه الشريعة وعليها تدور رحى الخصومات فالاشتغال بما وقع لبعض أهل الحديث من الكلام على بعض الطرق اشتغال بما عنه سعة وفي غيره مندوحة ولا يعرف خلاف في كون على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين إلا ما يروى عن مالك أنها لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارا وهذا قول باطل ورأي عن الدليل مائل.
[فصل
والمدعي من معه أخفى الأمرين وقيل من يخلى سكوته كمدعي تأجيل دين أو فساد عقد والمدعى عليه عكسه والمدعى فيه هو الحق وقد يكون له محضا ومشوبا لآدمي إما إسقاط إو إثبات إما لعين قائمة أو في الذمة حقيقة كالدين أو حكما كما يثبت فيها بشرط.
وشروطها ثبوت يد المدعي عليه على الحق حقيقة أو حكما ولا يكفي إقراره إلا بجريها عليه بعارية أو نحوها وتعيين أعواض العقود بمثل ما عينها للعقد وكذا الغصب والهبة ونحوهما.
ويكفي في النقد المتفق ونحوه إطلاق الاسم ويزيد في باقي القيمي الوصف وفي تالفه التقويم وفي الملتبس مجموعهما ولو بالشرط.
ويحضر للبينة إن أمكن إلا للتحليف وما قبل كلية الجهالة كالنذر أو نوعها كالمهر
стр. 816
كفى دعواه كذلك وشمول الدعوى للمبين عليه وكون بينته غير مركبة فيبين مدعي الشراء ونحوه أنه لنفسه ومن مالكه بينة واحدة] .
قوله: "فصل: والمدعي من معه أخفى الأمرين وقيل من يخلى وسكوته".
أقول: المدعى من تخالف دعواه الظاهر وهو معنى قول المصنف من معه أخفى الأمرين وهذا التعريف هو الأشهر عند الفقهاء وبه قال أكثرهم وقال الأقلون إن المدعي هو من إذا سكت ترك وسكوته قال ابن حجر في الفتح والأول أشهر والثاني أسلم وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر مع أن القول قوله والمدعى عليه عكسه فهو ظاهر وكذلك ما ذكره بعده.
قوله: "وشروطها ثبوت يد المدعي عليه على الحق".
أقول: هذا الاشتراط يستلزم أن يتقدم على الخصومة خصومة وعى هذه الدعوى دعوى أخرى فإذا ادعى مدع آخر عينا احتاج قبل هذه الدعوى إلى تقرير بثبوت يده عليها حقيقة أو حكما فإذا تقرر ذلك ادعى استحقاقها ولا بد من هذا ولا سيما على قول المصنف ولا يكفي إقراره فإن كانت هذه الدعوى الأولى مقبولة من غير شرط وهي أن يدعي عليه ثبوت يدع على الحق قبل أن يدعي استحقاقه لم يتم قول المصنف وشروطها ثبوت يد المدعي عليه الخ لأنه قد وجدت دعوى مقبولة من غير هذا الاشتراط وإن كانت هذه الدعوى غير مقبولة احتاجت دعوى ثبوت اليد إلى دعوى قبلها وتسلسل الأمر والتسلسل باطل فهذا الاشتراط باطل.
فالذي ينبغي التعويل عليه قبول مطلق الدعوى من غير اشتراط فإن أجاب المدعي عليه بأن العين لم تكن في يده لا حقيقة ولا حكما كانت الدعوى صحيحة والإجابة صحيحة ويرجع إلى التحالف والنكول وإن أجاب بالإنكار للاستحقاق كان الرجوع بينهما إلى التحالف والنكول.
قوله: "وتعيين أعواض العقود" الخ.
أقول: مراده أن الدعوى إذا تعلقت بشيء فلا بد من ذكر حد أو وصف أو لقب يتعين به ذلك الذي وقعت فيه الدعوى كما يشترط التعيين بمثل ذلك في العقود من بيع أو نحوه وهذا اشتراط صحيح لأن الدعوى إذا تعلقت بمجهول لم يكن لها فائدة يعتد بها ولا يترتب عليها ما يترتب على الدعوى المشتملة على التعيين من حكم الحاكم بعد قيام البينة أو اليمين لأن المجهول لا يمكن البينة فضلا عن أن يحكم به الحاكم فإن كان مراد المصنف بكلامه هذا هو ما ذكرناه فكلامه صحيح والاشتراط واقع في موقعه وإن كان يريد بتعيين أعواض العقود ما هو ظاهر عبارته فلا معنى له.
قوله: "ويكفي في النقد المتفق ونحوه إطلاق الإسم".
أقول: هذا صحيح لأنه إذا كان متفقا انصرف الكلام إليه ولم يسبق الفهم إلى غيره وهكذا حكم ما كان غالبا فإنه ينصرف الذهن إليه وإن وجد معه غيره ولا يكفي مجرد هذا
стр. 817
الإطلاق بل لا بد من ذكر القدر فيقول في التقدير كذا درهم أو دنانير وفي المثليات المتفقة كذا وزنا أو كذا كيلا أو كذا عددا ولا محيض من هذا وإن أهمله المصنف فإنه لو لم يذكر القدر لكانت الدعوى مجهولة لا يترتب عليها فائدة.
وأما قوله: "ويزيد في باقي القيمي الوصف" يعني مع إطلاق الاسم فوجهه أنه لا يتعين إلا بذلك وهكذا قوله وفي تالفه التقويم لأنه لا يأتي الوصف له بعد تلفه بفائدة فيجب تعيين قيمته ويمكن أن يقال إن الوصف الذي يتعين به يغني عن ذكر القيمة ويرجع في ذلك إلى تقويم العدول لذلك التالف الموصوف لأن الصفات المعينة يستفاد منها قدر قيمة الشيء.
قوله: "ويحضر للبينة إن أمكن لا للتحليف".
أقول: وجهه أن الشهادة مضمونها إثبات كون هذه العين ملكا لفلان فاحتيج إلى إحضارها لأن الأوصاف لا تميز كما تميز المشاهدة وليس الخبر كالمعاينة ولا سيما مع تشابه بعض الأعيان حتى لا يحصل من الأوصاف ما يميز أحدها عن الآخر كما في الحيوانات المتشابهة وقطع الأرض المتماثلة والأبنية المتقاربة وبهذا تعرف أن الأوصاف أفادت في بعض الأحوال كمعرفة قدر قيمة الشيء لا تفيد في كل الأحوال وأما اليمين فهي على رفع دعوى المدعي للعين التي قد ادعاها وعينها بما تتعين به وذلك يكفي.
قوله: "وما قبل كلية الجهالة كالنذر" الخ.
أقول: لا وجه لهذا وكون هذه الأشياء تقبل كلية الجهالة أو نوعها مجرد دعوى بل هذه الأمور تحتاج إلى ما يحتاج إليه غيرها مما يقع فيه التداعي فلا بد من تعيينه قدرا ووصفا وأما إذا تعذر التعيين من كل وجه فينبغي أن تتوقف الدعوى حتى يتبين للمدعي ما يصلح للتعيين إما بالكنه أو بالوجه.
قوله: "وشمول الدعوى للمبين عليه"،
أقول: الاقتصار في الدعوى على البعض لا يوجب إهمال ما شهد به الشهود من الزيادة فإن هذه الزيادة قد تثبت بالمستند الشرعي الذي جعله الله سببا لحكم الشرع كما في الكتاب والسنة فمن ادعى أن هذا السبب الشرعي للحكم لا يكون سببا إلا إذا طابق الدعوى فقد ادعى تقييد الكتاب والسنة بما ليس عليه أثارة من علم بل ليس عليه وجه من وجوه الرأي المستقيم عند من يعمل به فإذا أقام شاهدين شهدا له بألف على فلان وهو لم يدع من قبل شيئا أو أدعى بعض هذا المقدار فقد وجب الحكم له بالألف بحكم كتاب الله وسنة رسوله وإذا ادعى من شهدوا عليه بألف أنه قد سلم بعضه أو كله وبرهن على ذلك فله حكمه ولا يقدح في شهادة الشهود بالألف ولا بناقضها لاختلاف وقتي اللزوم والسقوط وهذا أمر معقول ظاهر واضح وهو الشريعة التي شرعها الله لعباده فدع عنك هذيان الرأي.
قوله: "وكون بينته غير مركبة".
أقول: هذا الاشتراط لا يرجع إلى نقل ولا عقل ولا رواية ولا دراية ويا لله العجب ما
стр. 818
المانع من قبول شهادة العدول على أطراف مما تعلقت به الخصومة مع كمال نصاب كل شهادة على كل طرف وما الموجب لاشتراط أن تكون الشهادة على مجموع تلك الأطراف شهادة واحدة وما المقتضى لهذا الإيجاب وما هو المانع من خلافه فإن لشهادة الشهود المختلفين على كل طرف من الأطراف مع كمال نصاب كل شهادة على كل طرف موقعا في النفس فوق موقع الشهادة الواحدة على مجموع الأطراف وهذا معلوم بالوجدان فما الوجه لإهمال ما هو أقوى وأدخل في تحصيل السبب الشرعي وليس هذا الأمر عكس قالب العمل بأحكام الله عزوجل وترجيح مرجوحها على راجحها.
[فصل
ومن ثبت عليه دين أو عين فادعى فيه حقا أو إسقاطا كأجل وإبراء وكونه لغير المدعي ذاكرا سبب يده لم تقبل إلا ببينة مطلقا إلا في كون الغصب والوديعة زيوفا ونحوه] .
قوله: "فصل: ومن ثبت عليه دين أو عين" الخ.
أقول: وجه هذا أن دليل الاستصحاب يقتضي بقاء هذا الثبوت وعدم ارتفاعه فلا يرفعه مجرد الدعوى لأن ذلك لا يصلح للنقل اتفاقا فلا بد من ناقل يقتضي ارتفاع ذلك الاستصحاب وهو البينة المتضمنة لكون ذلك الثبوت قد ارتفع كلا أو بعضا هذا إذا كان يدعي دعوى مقبولة وهي أن يدعي أن له في ذلك قد ثبت حقا أو قد سقط عليه بعضه وأما إذا ادعى أن ذلك الحق لغيره وإن كان له في هذه الدعوى فائدة يرجع إليه بأن يقول هذا قد ثبت فيه حق لفلان أو استأجرته منه أو استعرته أو نحو ذلك فهذه العلاقة مسوغة لهذه الدعوى من هذه الحيثية فإن نهض من ادعى له الحق فيه بالبرهان فذاك وإلا كانت الدعوى باطلة وما ترتب عليها من اليد كذلك.
وأما قوله: "إلا في كون الغصب والوديعة زيوفا" فوجهه ما تقدم من أن القول قول الغاصب والوديع في تعيين العين المغصوبة والمودعة ولكنه ينبغي تقييد هذا بأن تكون هذه الدعوى مخالفة لما هو ظاهر في المعاملات فإن كانت مخالفة لذلك لم تقبل والظاهر مقدم على الأصل.
[فصل
ولا تسمع دعوى تقدم ما يكذبها محضا وعلى ملك كان ولغير مدع في حق آدمي
стр. 819
محضا والإقرار بفساد نكاح مع نفي غيره ويكفي مدعي الإرث دعوى موت مورثه مالكا] .
قوله: "فصل: ولا تسمع دعوى تقدم ما يكذبها محضا".
أقول: وجه هذه الدعوى التي قد علم كذبها بما تقدمها لا يحل قبولها ولا سماعها لأن ذلك إتعاب المدعى عليه بما قد اعترف المدعي بكذبه إذا كان ذلك الذي تقدم في إكذابها لا يمكن الجمع بينه وبين الدعوى اللاحقة له بوجه صحيح.
فالحاصل أن مستند إبطال هذه الدعوى هو إقرار المدعي بأنها باطلة والإقرار سبب قوي من أسباب الحكم بل هو أقوى الأسباب التي ورد بها الشرع فإذا كلفنا من وقعت عليه الدعوى بإجابتها وأدخلناه في الخصومة كان ذلك ظلما بينا وخروجا عن العدل ومخالفة وهذا ظاهر لا يخفى.
قوله: "وعلى ملك كان".
أقول: لا وجه للمنع من قبول هذه الدعوى لجواز أن تكون اليد الثابتة على ذلك الشيء يد عدوان ولا يرتفع هذا التجويز إلا بظهور الناقل عن تلك اليد القديمة إلى هذه اليد الثابتة في الحال نعم إذا أنكر ثابت اليد أن ذلك الشيء كان ملكا لمن ادعى المدعي أنه كان مالكا له لم يكن عليه إلا اليمين على نفي العلم بذلك أما إذا حصل الاتفاق أنه كان في ملك من ادعى له المدعي فلا يجوز إهمال هذه الدعوى أصلا لأن ذلك خلاف ما أمر الله سبحانه به من الحكم بالعدل والحق فلا بد من ظهور وجه النقل عن ذلك الملك الذي كان وإلا كان وقع هذه الدعوى باديء بدء من الظلم البين للمدعى.
قوله: "ولغير مدع في حق آدمي محض".
أقول: قد أمر الله سبحانه بالتعاون على البر والتقوى وأوجب على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعلوم أن من كان عليه حق لآدمي فعاون من له الحق بعض من له اطلاع على الحقيقة ولا سيما إذا كان من له الحق لا يطيق الدخول في الخصومات أو كان مؤثرا للسلامة على ذلك فمعلوم أن الأخذ على يد من عليه الحق حتى يرد ما عليه هو من جملة ما شرعه الله لعباده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن جملة ما حثهم عليه بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، ولاشك أن إصدار الدعوى على من عليه الحق هي أقل رتب التناكر والتعاون وإذا كان هذا من هذا القبيل فما الوجه المخصص له والموجب لبطلان قبوله وسد الأذن عن سماعه ودعوى أنه لا يقبل في حق آدمي محض؟ وما هو المخرج لهذا النوع وهو حقوق بني آدم المحضة عن عموم ما شرعه الله لعباده فإنه من جملة ما يندرج تحت العموم بل من أهم ما يتناوله نعم إذا كان من له الحق راغبا عنه لم يقعده عن طلبه سبب من الأسباب الحاملة على الترك فليس لغيره أن يكون أحرص منه على ما هو له.
قوله: "والإقرار بفساد نكاح إلا مع نفي غيره".
أقول: التنصيص على هذه الصورة هو جمود لا أصل له ولا سبب يقتضيه ولو جاء بما
стр. 820
يدل على عدم قبول دعوى شيء مع وجود احتمال ما يخالف تلك الدعوى لكان أقوم بمقصوده وأتم لمراده ومع هذا فليس من شرط الدعوى أن يقطع المدعي كل شيء يحتمل خلافها وليس على هذا دليل من عقل ولا نقل والأصل عدم وجود ذلك المخالف فإن تقرر وجوده كان له حكمه في معارضة الدعوى.
قوله: "ويكفي مدعي الإرث دعوى موت مورثه مالكا".
أقول: هذه الدعوى هي في قوة أن هذا الشيء قد صار في يد الغير كان ملكا لمورث المدعي فلا وجه للفرق بين هذه المسألة وبين مسألة وعلى ملك كان لأن استصحاب الكون لا يقصر عن استصحاب اليد التي كانت لمورث المدعي وقد قدمنا أنه لا وجه لمنع الدعوى على ملك كان وها هنا كذلك وإنما أردنا التنبيه على أن مآل المسألتين واحد فلا وجه للمنع من إحداهما وقبول الأخرى.
[فصل
ولا تجب إجابة الدعوى فينصب عن الممتنع غائبا وإلا حكم عليه ولا يوقف خصم لمجيء بينة عليه غائبة إلا لمصلحة فيكفل عشرا في المال وشهرا في النكاح ولا يصادق مدعي الوصاية والإرسال للعين وإلا ضمنا والقرار على الأخذ إلا مصدقا لا لكونه الوارث وحده أو مرسلا للدين فيجبر الممتنع مصدقا ولا يثبت حق بيد] .
قوله: "فصل: ولا تجب إجابة الدعوى" الخ.
أقول: مراد المصنف أنه لا يجب على الحاكم أن يتوقف عن الحكم حتى تقع الإجابة من المدعى عليه إذ قد أمكن حصول السبب الشرعي للحكم بل يسمعه ويجب عليه العمل به وإيصال المدعي بما قضى له به الشرع وأوجبه له الحق لعدم انحصار أسباب الحكم في إقرار المدعى عليه على تقدير أنه قد يقر بما عليه ولا أرى لإيجاب هذا النصب الذي يذكرونه وجها بل الحكام أمناء الله في أرضه فإن ظهر لهم المستند الشرعي وجب عليهم الجزم بحكم الله وإيصال المدعي بما يستحقه فإن جوز الحاكم أن عند المدعي المتمرد عن الإجابة أو الغائب عن وقوف الحاكم ما يدفع ما جاء به المدعي استثبت فإن أمكن وقوفه على الحقيقة فذاك وإن لم يمكن فقد لزمه العمل بالسبب الذي يصلح للحكم ويجعل العين المحكوم بها في يد المدعي موقنة حتى يتبين ما عند المدعي عليه وسيأتي للمصنف في باب القضاء أن الحاكم يحكم على غائب مسافة قصر أو مجهول أو لا يبالي أو متغلب بعد الإعذار.
قوله: "ولا يوقف خصم لمجيء بينة عليه غائبة" الخ.
أقول: ليس هذا من العدل الذي قامت به السماوات والأرض ووجه ذلك أن الحاكم لا
стр. 821
يعرف كون الدعوى حقا أو باطلا إلا بالبينة أو الإقرار أو اليمين فعليه أن يوقف من عليه الدعوى لسماع بينة خصمه حتى يحكم له أو عليه ولكن إذا كانت المدة التي سيحضر فيها البينة لا يتضرر بمثلها المدعى عليه أما لو كانت كذلك لم يجز له التوقيف وإذا حصلت البينة بعد تلك المدة أعذر إلى المدعى عليه فإن وصل لسماعها فذاك وإلا سمعها الحاكم وعمل بها على ما قدمنا.
وأما قوله: "إلا لمصلحة" فلا يخفى أن المصلحة كل المصلحة هي الجزم بحكم الله وإيصال المظلوم بظلامته والأخذ على يد الظالم حتى يخرج مما عليه فإذا كان بيد المدعي ما يكون سببا للحكم له وإنصافه بما يقوله كان التوقيت مصلحة على كل حال إلا أن يتضرر به كما قدمنا قريبا.
وأما قوله: "فيكفل عشرا في المال وشهرا في النكاح" فتحديد ساقط وتقدير باطل لا يرجع إلى رواية ولا دراية وما هذا بأول هذيان والله المستعان وكان الأولى ربط ذلك بنظر الحاكم لأن الأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة والخصومات ومقادير ما تجري فيه.
قوله: "ولا يصادق مدعي الوصاية والإرسال للعين".
أقول: لا وجه لتخصيص العين بل لا يصادق مطلقا إلا لبرهان تقوم به الحجة لأن أملاك بني آدم لا يجوز فيها تحكيم ظنونهم على بعضهم بعضا فإن صادقه بلا برهان فقد جنى على نفسه وعرضها للضمان إذا انكشف عدم مطابقة ذلك التصديق للواقع ويرجع على من هي في يده أو من تلفت عنده سواء كان مدعي الوصاية أو الإرسال أو غيرهما ولا فرق بين دعوى الوصاية والرسالة وبين دعوى كونه الوارث وحده فالكل نمط واحد وجهة متحدة والتفريق بينهما خيال مختل وتعليل معتل كالتفريق بين العين والدين وسبحان الله ما يفعل الجمود على الرأي المبني على السراب من بناء مسائل الدين على شفى جرف هار نعم إذا حصل التصديق ممن ذلك في يده فقد شهد على نفسه بصدق الدعوى في وصاية ورسالة وميراث وجعل على نفسه حقا وإليها طريقا وأخذ بتصديقه في البداية ويعمل على ما قدمنا في النهاية.
قوله: "ولا يثبت حق بيد".
أقول: أقل أحوال ثبوت اليد على الحق أن يكون مفيدا لكون الظاهر مع ثابت اليد ثم يستصحب الحال ولا ينتقل عنها إلا بناقل أرجح منه كما أن ثبوت اليد علي العين توجب استصحاب الحال ولا ينتقل عنه إلا بناقل أرجح منه ولا يعارض هذا أن الأصل في منافع الأعيان أن تكون تابعة للعين فإن هذا الأصل قد عورض بما هو أرجح منه وهو ما أفاده ثبوت اليد من كون الظاهر من ثبوت اليد على الحق هو استحقاق الثابت له ويؤيد هذا ما يوجد في الخارج كثيرا من الأعيان التي تتعلق بها حقوق لغير مالكها.
والحاصل أن مجرد نفس الأصالة أو الظهور إنما يستفاد بهما كون القول قول المتمسك بهما
стр. 822
والبينة على خصمه لما تقدم من أن المدعي هو من معه أخفى الأمرين فإذا عجز عن إيراد الناقل فمن نفسه أتي.
[فصل
ومتى كان المدعى في يد أحدهما أو مقر له ولما يحكم له بالملك المطلق فللمدعي إن بين أو حلف ردا أو نكل خصمه وإلا فلذي اليد فإن بينا فللخارج إلا لمانع فإن كان كل خارجا اعتبر الترجيح من تحقيق ونقل وغيرهما فإن لا قسم.
ومتى كان في أيديهما أو مقر لهما أو لواحد منهما غير معين فلمن بين أو حلف أو نكل صاحبه دونه فإن فعلا قسم ما فيه التنازع بين متنازعيه على الرؤوس] .
قوله: "فصل: ومتى كان المدعى في يد أحدهما".
أقول: وجهه أن الحكم المطلق مستنده الاستصحاب الناشيء عن ثبوت اليد لمن هو في يده أو في يد من مقر له وقد ارتفع هذا الاستصحاب بالبينة التي أقامها المدعي أو يمين الرد منه أو نكول من هو في يده عن اليمين ومعلوم أن اليمين رافعة للاستصحاب لكونها أرجع منه بلا خلاف وهكذا يمين المدعي ردا لأن من هو في يده قد رضي لنفسه بتلك اليمين وهكذا نكول من هو في يده عن اليمين لأنه بمنزلة الإقرار كما سيأتي وإذا لم يحصل أحد هذه الأمور فهو باق على ملك المحكوم له بالملك المطلق بالاستصحاب الذي يستفاد منه الظاهر ويوجب كون القول قوله.
قوله: "فإن بينا فللخارج".
أقول: عللوا هذا بإن البينة الخارجة تستند إلى شيء أقوى مما تفيده بيته الداخل فإنها تستند إلى مجرد ثبوت اليد وهو لا يفيد إلا الاستصحاب ولا يخفاك أن هذا لا يتم إلا على تقدير إن الشهادة الخارجة مستندة إلي شيء هو أقوى مما يفيده بينة الداخل وحينئذ فليس المرجح لها مجرد كونها خارجة بل المرجح لها قوي مستندها فإنها لو شهدت بمستند مثل مستند بينه الداخل أو كانت بينة الداخل بمستند مساوي لبينة الخارج غير مجرد الثبوت لم يكن لهذا الترجيح وجه.
وبهذا تعرف أنه لا وجه لجزم المصنف بترجيح بينة الخارج على الإطلاق وقد قلل مفسدة هذا الإطلاق قوله لا لمانع إذا حمل على مثل ما ذكرناه على ما هو مراده.
وأقوى من هذه التعليل الذي عللوا به ما قيل إن الخارج هو المدعي والبينة على المدعي لا على المنكر كما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة.
стр. 823
ويجاب عنه بأنه قد ثبت بالأدلة المعمول بها أنها وقعت خصومة لدى رسول الله ﷺ فأقام كل واحد من الخصمين البينة فقسمه رسول الله ﷺ بينهما [أبو داود "٣٦١٥"] ، فكون البينة على المدعي يدل على أنها عليه أصالة فإذا جاء خصمه ببينة كانت مقبولة وعلى الحاكم الرجوع إلى الترجيح فإن تساوت قسمة بينهما كما قسمه رسول الله ﷺ .
قوله: "فإن كان كل خارجا اعتبر الترجيح".
أقول: هذا صحيح لعدم وجود مزية لأحد الخصمين على الآخر بالنسبة إلى اليد المفيدة للظاهر ووجوه الترجيح كثيرة يعرفها من يعرف الموازنة بين الأدلة والمعادلة بين وجوه الترجيح وهو القاضي المجتهد وأما المقلد المسكين فهو عن درك راجح الأمور ومرجوحها في أبعد مسافة فإنه لا يفهم نفس الحجة فكيف يفهم أن هذه الحجة أرجح من هذه وهذا السبب للحكم أقوى من هذا السبب.
وما قوله: "وإلا قسم" فصحيح قد دل عليه ما وقع منه ﷺ من قسمه ما تنوزع فيه بين متنازعية عند تعارض البيتين.
وأما قوله: "ومتى كان المدعي في أيديهما" إلخ فوجهه واضح لأستوائهما بالنسبة إلى اليد فمن بين كان له وإذا لم يكن ثم بينه كان لمن حلف دون خصمه أو نكل خصمه عن اليمين فإن بينا أو حلفا أو نكلا قسم بينهما للدليل المتقدم قريبا.
[فصل
والقول لمنكر النسب وتلف المضمون وغيبته وأعواض المنافع والعتق والطلاق لا الإعيان إلا بعد التصادق على عقد يصح لغير عوض ويمينه على القطع ويحكم لكل من ثابتي اليد الحكمية بما يليق به حيث لا بينة والعكس في البينتين ثم بينهما ولمن في بيت غيره بما هو حامله مما مثله يحمله] .
قوله: "فصل: والقول لمنكر النسب".
أقوال: وجه ذلك أن الأصل عدم ثبوت النسب وعدم التلف وعدم الغيبة وعدم العوض في المنفعة وكذلك العوض في العتق والطلاق وأما الأعيان فلما كان الغالب فيها أنه لا يسمح بها من هو مالك لها إلا بعوض كان العمل على هذا الغالب هو المتوجه لأنه يثبت به الظاهر ومن كان معه الظاهر فالقول قوله وأما بعد التصادق على عقد يصح بغير عوض مال فوجهه أن هذا التصادق قد ارتفع به ما هو الظاهر فوجب الرجوع إلى الأصل وهو عدم العوض وأما كون يمين المنكر في هذه الأمور على القطع فلا وجه لذكره ها هنا لأنه سياتي بيان ما يكون فيه اليمين على القطع وما يكون فيه على العلم.
стр. 824
قوله: "ويحكم لكل ما ثابتي اليد الحكمية" الخ.
أقول: الحكم بالقرائن القوية قد حكى ابن القيم أنه مجمع عليه واستشهد لذلك بقضايا منها إقامة الحد بمجرد الحبل وبمجرد وجود الرائحة في الخمر وبما وقع منه ﷺ من الأمر للزبير بتعذيب أحد بني الحقيق ليدل على كنز حيي بن أخطب وقد أدعى ذهابه في النفقات فقال ﷺ : "هو أكثر من ذلك والعهد قريب"، ومن ذلك قصة يوسف حيث استند الحكم إلى قد القميص من قبل أو من دبر وذلك غير هذه الامور لا من نظائرها.
فهذا الحكم لكل من ثابتي اليد الحكمية بما يليق به هو من الحكم بالقرائن وأقل الأحوال أن يكون ذلك الشيء يليق بأحدهما دون الآخر يفيد لمن يليق به ظاهرا فيكون القول قوله مع يمينه كما تقدم من ان من معه الظاهر هو المنكر ومن معه أخفى الأمرين هو المدعي وإذا وجد ما هو أقوى من القرينة التي هي كونه يليق بأحدهما دون الاخر لم يجز العمل بالقرينة ولا التعويل عليها بل الواجب الرجوع إلى ما ثبت في الشرع أنه يجوز الحكم به من البينة والتبيين والإقرار ونحوهما.
وأما قوله: "والعكس في البينتين" فمبني على ما تقدم من ترجيح البينة الخارجة وقد قد منا ما فيه.
وأما قوله: "ثم بينهما" فصواب لأن القصمة بين المتنازعين قد ثبتث بالشرع عند التعارض وعدم إماكن الترجيح.
وأما قوله: "ولمن في بيت غيره بما هو حامله مما مثله يحمله" فوجهه أن القرينة شاهدة له بأن ذلك له وأنه دخل به وأقل الأحوال أن يكون القول قوله كما قدمنا.
[فصل
واليمين على كل منكر يلزم بإقراره حق لآدمي غالبا ولو مشوبا أو كفا عن طلب ولا تسقط بوجود البينة في غير المجلس ويجب الحق بالنكول مطلقا إلا في الحد والنسب قيل ومع سكوته يحبس حتى يقر أو ينكر وتقبل اليمين بعد النكول والبينة بعدها ما لم يحكم فيهما ومتى ردت على المدعي أو طلب تأكيد بينته غير في حقه المحض بها وأمكنت لزمت ولا ترد المتممة والمؤكدة والمردودة ويمين التهمة والقسامة واللعان والقذق] .
قوله: "فصل: واليمين على كل منكر يجب بإقراره حق لآدمي".
أقول: وجهه أن إيصال من له الحق بما يستحقه هو مقصد من مقاصد الشرع وباب من
стр. 825
أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلو ادعى مدع بدعوى يلزم خصمه بإقرار لما تضمنته الدعوى دفع ما أقربه إلى المدعي له وعجز عن البينة ولم يوجب على المدعى عليه اليمين كان ذلك منكرا عظيما وتقريرا لظلم بين وإهمالا لحقوق العباد وفتحا لأبواب التظالم وترويحا لأهل الجسارة بأن يثبوا على الأموال فلا شك ولا ريب أن هذه الشريعة المطهرة بكلياتها وجزئياتها قاضية بوجوب هذه اليمين وقد جاءت السنة في خصوصة هذه الخصوصية أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين فيكف لا تجب على المنكر الذي يلزم بإقرارة حق لآدمي ما أوجبه رسول الله ﷺ من اليمين.
وإذا تقرر هذا فيما هو حق لآدمي فاعلم أن حقوق الله عزوجل لاحقه بها لأن الزجز عنها وكف أيدي المتجرئين على معاصي الله تعدى حدوده هو من أعظم مقاصد الشرع ومن أكبر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قدمنا أن الاحتساب في حق بني آدم ثابت فكيف بحقوق الله التي لا يكون المطالب بها إلا قائما في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب على الحاكم أن يسمع دعوى المحتسب بالدعوى محتسب إذا صح موجب الحد بالسبب الشرعي المرضي من بينه أو إقرار فاعرف هذا فإن اشتراط تقدم الدعاوى على ما تنتهي إليه الخصومات من إقامة البينة والإقرار لا دليل عليه وإنما هو باعتبار الغالب أعني أن أسباب الحكم لا يكون في غالب الحالات إلا بعد إيقاع دعوى من مدع وإجابة من مجيب لا باعتبار ما هو الشرع الثابت الذي لا شك فيه ولا شبهه فإن مجرد وجود السبب المقتضي للحد يكفي ويجب على القادر على إقامة حدود الله أن يقيمه على من وجب عليه وإذا استبعد ذهنك هذا فانظر أي دعوى وقعت عند رسول الله ﷺ على ماعز والغامدية وإذا كان وجود السبب الشرعي مقتض للحد بمجردة فكيف لا يكون مقتضيا للحكم بعد احتساب محتسب بالدعوى.
قوله: "أو كفا عن مطلب".
أقول: وجه هذا أن المدعي لما يبطل الطلب قد أدعى ما يرفع عنه خصومة ويدفع عنه معره فكانت هذه الدعوى من جملة ما يندرج تحت قوله ﷺ : "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين"، وإن لم يقع مثل هذا في زمن النبوة لكنه قد اندرج تحت مطلق قول الشارع ولابد من تقييد هذا بأن لا يظهر من مدعي بطلان الدعوى أنه قاصد للعنت وتطويل ذيل الخصومة وإتعاب غريمة فإن ظهر منه ذلك لم تسمع منه هذه الدعوى.
قوله: "ولا يقسط بوجود البينة في غير المجلس".
أقول: وجه أن اليمين حق للمدعي فإن طلبها وجوز انقطاع الخصومة بفعلها أو النكول عنها كان ذلك له ولا يجب عليه تركها حتى ينظر هل ثم بينة أم لا؟ لكنه إذا اختار اليمين لم يسمع منه البينة من بعد لأن السبب الشرعي المقتضي للحكم وهو اليمين قد وقع ووجب الحكم به وعلى الحاكم عند أن يسمع طلب المدعي ليمين المنكر أن يبين له أنه إذا كان له بينة قبل يمين خصمه وأنه إذا حلف خصمه لم تقبل البينة بعد ذلك وليس هذا من
стр. 826
التلقين للخصم بل هو مما يلزم ولهذا يقول ﵌ للمدعي: "ألك بينه؟ "، كما في صحيح مسلم وغيره وإنما قلنا: إن البينة لا تقبل بعد اليمين لأن النبي ﷺ قال: "شاهدك أو يمينه"، وهو في الصحيحين وغيرهما فجعل الحكم دائرا على إحدى السببين وقد قضي باليمين وحدها وسيأتي للمصنف قريبا أنها البينة بعد اليمين وليس على ذلك دليل تقوم به الحجة.
قوله: "ويجب الحق بالنكول".
أقول: الأسباب التي ورد بها الشرع الإقرار أو البينة أو اليمين فإذا حصل واحد من هذه على وجه الصحة فقد وجب به حكم الشرع ووجب عنده إلزام الخصم وأما النكول فهو إن كان من أقوى القرائن على صدق دعوى المدعي ولكن لما كان الحامل عليه قد يكون الترفع عن اليمين كما يفعله كثير من المتكبرين وقد يكون الحامل عليه مزيد الغباوة ممن توجهت عليه اليمين وعدم علمه بأن اليمين واجبه عليه وقد يكون الحامل عليه ما يعتقده كثير من العامة أن مجرد الحلف ولو على حق لا يجوز وأنه يأثم الفاعل له فلما كان الأمر هكذا لم يكن مجرد النكول سببا شرعيا للحكم.
فإن قلت فإذا عجز المدعي عن البينة وامتنع خصمه عن اليمين ضاع الحق وترك العمل بما يوجبه الشرع من إيصال كل ذي حق بحقه وإنصاف المظلوم من الظالم؟
قلت لا يجوز تقرير الممتنع من اليمين على امتناعه فإن ذلك يؤدي إلى ضياع الحق كما ذكرت ويوجب ترك حكم الشيء وما يجب من الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة أحكام الله بل يجب على الأئمة وحكام الشرع أن يعرفوا الناكل بأن اليمين حق واجب عليه وأنه لا يجوز له الامتناع منها فإن أجاب فذاك وإن لم يجب أنزلوا به بعض ما ينزل بمن لم يقبل الحق ولم يجب إلى الشرع من الأخذ بيده وأطره على الحق أطرا ولو بأن يمسه سوط من العذاب فإن الحق لا يتم إلا بذلك والشرع لا يمضي إلا به وقد أوجب الله على عباده الحكم بالحق والعدل وكف يد الظالم عن المظلوم واستخراج المظلمة من يد الظالم وردها إلى المظلوم فيجب التوصل إلى ذلك بما يسوغه الشرع وقد قدمنا أن النبي ﷺ أمر الزبير أن يعذب اليهودي حتى يقر بالمال لحيي بن أخطب ويدل على موضعه.
وإذا تقرر لك هذا عرفت أنه لا حاجة لقول المصنف: "إلا في الحد والنسب".
وأما قوله: "قيل: ومع سكوته يحبس حتى يقر أو ينكر" فصحيح ووجهه أنه إذا لم يكن للمدعي بينة وصمم خصمه على ترك إجابه الدعوى كان تقريره على ذلك إهمالا لتنفيذ أحكام الله وسد لباب العدل وفتحا لباب الجور وتخلية بين الظالم والمظلوم فحسبه هو أقل ما يستحقه ثم إذا لم يؤثر ذلك وجب على القاضي أن ينزل به سوطا من العقوبة كما قدمنا حتى يقر أو ينكر.
وأما قوله: "ويقبل اليمين بعد النكول" فصحيح ووجهه ظاهرة لأنه امتنع من حق يجب عليه فإذا أجاب إليه وجب علينا قبوله ومجرد تلكئه عن يمين في الابتداء لا يصلح مستندا للحكم عليه كما قدمنا.
стр. 827
وأما قوله: "والبينة بعدها" فلا وجه له لأن السبب الشرعي قد ثبت باليمين فوجب الحكم به.
وأما قوله: "ما لم يحكم فيهما" فهو باعتبار النكول غير صحيح لا باعتبار اليمين فهو صحيح بل وإن لم يحكم فإنه لا قبول للبينة بعد اليمين أصلا ولهذا يقول ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ "، قال: لا, قال: "فلك يمينه"، قال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يحلف وليس يتورع من شئ, فقال: "ليس لك منه إلا ذلك"، والحديث في صحيح مسلم وغيره وقوله: "ليس لك منه إلا ذلك" يفيد الحصر.
قوله: "ومتى ردت على المدعي".
أقول: لم يصح بشيء في يمين الرد قط وما روي في ذلك فلا يقوم به حجة ولا ينتهض للدلالة على المطلوب والأسباب الشرعيه لا تثبت إلا بالشرع.
وأما الاستدلال بيمين الرد بقوله سبحانه: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] ، فغلظ ظاهر فإن معنى الآية غير هذا كما هو مبين في كتب التفسير ومع هذا فالجمهور على أنها منسوخه.
فإن قلت: لا شك أن هذه اليمين لا تجب على المدعي إذا ردها عليه المنكر فلا يجوز إلزامه بها ولا يكون نكوله عنها نكولا يثبت به ما ثبت بالنكول ولا يحتاج إلى الاستدلال على عدم لزومها بما ورد التنصيص على الأسباب الشرعيه كقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه".
وقوله: "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين" لأن الدليل على من ادعى أنها سبب شرعي والأصل عدم ذلك والنافي لكونها سببا يكفيه قيامه مقام المنع إنما الشأن في شيء آخر غير إلزام من ردت عليه بها وأن المنكر لما طلبت منه اليمين التي عليه شرعا ولا يندفع عنه الحق إلا بفعلها قد رضي لنفسه بان يحلف المدعي بأن هذا الأمر الذي ادعاه ثابت على المنكر وقنع بذلك وزحزح اليمين المتوجهه عليه بهذا الرد فالحكم عليه بهذه اليمين إذا حلفها المدعي ليس لكونها سببا شرعيا بل لكون المنكر قد رضي بها عوضا عن اليمين التي عليه.
قلت: هذا صحيح من هذه الحيثية وللإنسان أن يلزم نفسه ما شاء بما شاء فإن حلفها المدعي لزم المنكر ما أفاده وإن أبى أن يحلف فلا إكراه له ولا يكون تركه لفعلها حجة عليه مبطلة لدعواه فاعرف هذا وتأمله فإنه نفيس.
قوله: "أو طلب تأكيد بينته غير المحققة" الخ.
أقول: ليس على هذه اليمين أثاره من علم بل الواجب النظر في البينة التي أقامها المدعي فإن كانت شهادة مفيدة قد صحت للحاكم وجب عليه الحكم بها ولا يكون طلب المدعى عليه لها موجبا للتوقف في الحكم ولا يحل للحاكم أن يسمع منه ذلك وأما إذا كانت البينة غير صالحة لاستناد الحكم إليها بوجه من الوجوه فعلى المدعي أن يأتي بينته صحيحه معمولا بها
стр. 828
فإن نهض بذلك فذاك وإن عجز عنه فليس له إلا يمين المنكر لأن الشهادة التي أقامها قد تبين ليست سببا شرعيا للحكم.
فإن قلت: إذا عرف الحاكم من طلب الطالب ليمين التاكيد أنه يعلم أن في شهادته خللا وإن كانت في الظاهر صحيحة صالحة للسببية للحكم فكأنه يقول أنا لا أنكر عدالة الشهود ولا أدعي أنهم تعمدو الكذب ولكني أدعي أن في شهادتهم علة توجب ردها والمدعي يعلم بذلك.
قلت إذا كان الأمر هكذا لم يحل للحاكم أن يجزم بالحكم حتى يبحث عن تلك العلة التي يدعيها المنكر ويطالبه ببيانها فإن تعذر البيان من جهته فهو بهذه الدعوى قد صار مدعيا والمنكر لعلمه بخلل في الشهادة قد صار منكرا فلا يبعد أندراجهما بذلك تحت قوله ﷺ : "على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين" فيكون إيجابها على المدعي ثابتا من هذه الحيثية لا من حيثية كونها مؤكدة.
قوله: "ولا ترد المتممة".
أقول: أعلم أن القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي لما كانت الشهادة فيه غير كاملة وكانت اليمين غير يمين المنكر التي يجب بها الحق اختلف أهل العلم في جواز القضاء بذلك فالمانع يحتج بأن الأسباب الشرعية هي الإقرار أو الشهادة الكاملة أو اليمين من المنكر وهذه أعني شهادة الشاهد الواحد مع يمين المدعي ليست واحدا من هذه الأسباب.
ويجاب عليهم بأن الأحاديث الواردة في القضاء بالشاهد واليمين قد جاوزت عشرين حديثا ومنها الصحيح ومنها الحسن ومنها ما هو دون ذلك وهذا العدد قد صار المروي عن مثله معدودا في الأحاديث المتواترة والحجة الشرعية تقوم بما هو دون ذلك فكيف بمثله فتقرر به أن الشاهد الواحد مع يمين المدعي سبب شرعي للحكم ولم يأت من أبى ذلك بشيء يعتد به.
ولو قدرنا ورود صيغة تدل على انحصار الأسباب الشرعية في الإقرار والشهادة واليمين لكانت هذه الأحاديث المتواترة مخصصة لذلك المفهوم الذي أفاده الحصر وهذا ظاهر لا يخفى وقد تعرض المصنف هنا لعدم رد هذه اليمين التي يقال لها المتممة ووجهه أنها لا ثتم السببية للحكم إلا بمجموع الشاهد واليمين وإلا لم يكن سببا أصلا.
وأما قوله: "والمؤكدة" فوجهه أن العلم بصحة الشاهدة أو عدم صحتها هو لا يكون إلا من جهة المدعي لا من جهة المنكر فلا وجه لردها عليه وهكذا يمين التهمة لأن المدعي ليس على يقين من دعواه ولذا القسامة هي مجرد تهمة وأما يمين اللعان فلا يكون لعانا ويتحقق مفهومه إلا بالحلف من كل منهما لا من أحدهما فلا يتحقق كونه لعانا ولا تثبت أحكامه وأما رد يمين القذف فلا يتعلق به فائدة لأن المدعي إذا قبل الرد وحلف لم يثبت بذلك ما هو مقصود
стр. 829
دعوى القذف وهو الحد وقد قدمنا في أصل رد مطلق اليمين ما يغني عن التنصيص على هذه الأفراد فارجع إليه.
[فصل
والتحليف إنما هو بالله ويؤكد بوصف صحيح يتميز به عند الحالف ولا تكرار إلا لطلب تغليظ أو تعدد حق أو مستحق عليه أو مستحق غالبا على القطع من المدعي مطلقا ومن المنكر إلا على فعل غيره فعلى العلم وفي المشتري ونحوه تردد ولا يلزم تعليقها إلا بمحل النزاع وهي حق للمدعي فينتظر طلبه ويصح الإبراء منها ولا يسقط به الحق ولا بفعلها إن بين بعدها إلا أن يبرئه إن حلف فحلف قيل يبين أو على أن يحلف فحلف أو قبل وله الرجوع إن أبى ولا يحلف منكر الشهادة ولا يضمن ولو صح كتمانه ولا منكر الوثيقة ما فيها وتحلف الرفيعة والمريض في دارهما] .
قوله: "فصل: والتحليف إنما هو بالله".
أقول: اليمين التي هي سبب من أسباب الحكم هي اليمين الشرعية لا ينصرف إلى غيرها أصلا فمن ادعى أنه يجوز إلزام المنكر بغير هذه اليمين فعليه الدليل وهو لا يجد دليلا على ذلك هذا على تقدير أنه لم يرد الأمر بالحلف بالله وحده والنهي عن الحلف بغيره كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة الكثيرة فمن زعم أنه يجوز للمدعي أن يحلف المنكر بغير الله من طلاق أو عتاق أو نحوهما فقد أوجب على الحالف ما لم يوجبه الله عليه وأثبت السببية للحكم بما لم يثبته الشرع وذلك هو من التقول على الله بما لم يقل.
وأما قوله: "ويؤيد بوصف صحيح" إلخ فظاهر كلامه هذا أن ذلك على جهة اللزوم ولا وجه له ولا دليل عليه بل اليمين الشرعية تحصل بالإقسام بالله عزوجل أو بصفة من صفاته على الانفراد ولا يجب على من تجب عليه اليمين إلا هذا وقد أخرج ابن ماجه بإسناد رجال ثقات من حديث ابن عمر عن النبي ﵌ قال: "من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض بالله فليس من الله".
وأما ما ورد من تحليفه ﷺ لرجل فقال له: "احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء"، كما أخرجه أبو داود "٣٦٢٠"، من حديث ابن عباس بإسناد رجاله ثقات وكذلك ما روي عنه ﷺ أنه قال في تحليفه لليهود: "أذكركم بالله الذي نجاكم من آل فرعون وأقطعكم البحر وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل التوراة على موسى"، الحديث أخرجه أبو داود "٢٦٢٦"، فغاية ما في ذلك أنه يجوز للإمام التغليظ ببعض الأوصاف إذا رأى في
стр. 830
ذلك صلاحا وليس هذا محل النزاع بل محل النزاع وجوب التأكيد بالوصف.
قوله: "ولا تكرار إلا لطلب تغليظ".
أقول: قد عرفناك أن اليمين الشرعية تحصل بالحلف بالله عزوجل فإذا فعل ذلك فقد فعل ما يجب عليه قبول ما يطلبه من له اليمين من التكرار ولا فرق بين أن يكون الحق الذي ادعاه المدعي واحدا أو متعددا نعم إذا كان الحق لجماعة كان لكل واحد منهم أن يحلف من عليه الحق يمينا مستقلة وهكذا إذا كان الحق على جماعة كان على كل واحد منهم يمين مستقلة ولكن ليس هذا من التكرار في شيء.
قوله: "ويكون على القطع" الخ.
أقول: إن كان المحلوف عليه مما يمكن الحالف أن يقطع به جاز تحليفه على ذلك ومن هذا القبيل أن يحلف على أنه ما قتل أو غصب أو ما قال بكذا وهكذا اليمين على أنه ملكه تلقاه من مورثه أو اشتراه من بائعه ونحو ذلك وأما إذا كان لا سبيل إلى القطع وذلك بأن يحلف المنكر على نفي ملك المدعي فإنه لا سبيل إلى القطع في مثل هذا لجواز أن يكون تملكه في الأصل وأنه خرج عنه بما لا يصلح للنقل وخفى ذلك على المدعى عليه فهاهنا لا يحلف إلا على العلم ولا طريق إلى القطع وأما ما كان فعلا لغيره فلا سبيل إلى القطع على كل حال ولا يجب عليه أن يحلف إلا على العلم إذا تعلق بذلك فائدة فاعرف هذا فإن جعل اليمين على القطع تارة وعلى العلم تارة لا بد من تقييده بما ذكرناه وإلا كان الإلزام به ظلما والحلف به غير مطابق للواقع فيكون اليمين غموسا يشترك في إثمها الحالف والقاضي الذي ألزمه بها من غير فرق بين مدع ومنكر ومشتر ووراث.
وأما قوله: "ولا يلزم تعليقها إلا بمحل النزاع" فصحيح إذ ليس على من عليه اليمين وهو المنكر إلا أن يحلف على نفي ما يدعيه المدعي فإن طلب منه زيادة على هذا النفي المطلق لم يجب عليه ذلك.
قوله: "وهي حق للمدعي فينظر طلبه".
أقول: هذا صحيح لأن النبي ﷺ قد جعل اليمين على المنكر فإذا لم يكن للمدعي بينة انقطع حقه بيمين المنكر وكانت من هذه الحيثية حقا له لكن إذا حصل منه التراخي عن طلبها قاصدا لعدم نفاذ الحكم عليه واستمرار سبب الخصومة كان للمنكر أن يطلب من الحاكم إراحته من الخصومة بقبض خصمه لليمين التي أوجبها عليه الشرع ثم يحكم له ببراءته من الدعوى بيمينه.
وأما قوله: "ويصح الإبراء منها" فوجهه أنها إذا كانت حقا للمدعي كان مخيرا بين استيفائها أو إسقاطها وهو معنى الإبراء.
وأما قوله: "ولا يسقط الحق" يعني بالإبراء من اليمين فوجهه أن الإبراء منها لا يكون له حكم فعلها حتى يقال ليس له إلا ذلك ولا يقبل منه البينة لأنه لم يحلف.
стр. 831
وأما قوله: "ولا يفعلها" فلا وجه له بل قد انقطع الطلب بفعلها وذهبت الخصومة ولا يقبل بغيرها بينة كما قدمنا تحقيق ذلك فلا وجه لقوله: "إلا أن يبرئه إن حلف فحلف" إلخ وإنما هو مبني على أن البينة تقبل بعد اليمين كما يذهب إليه المصنف وموافقوه.
قوله: "ولا يحلف منكر الشهادة".
أقول: وجهه قول الله سبحانه: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فإذا أنكر الشهادة فإن كان صادقا في إنكاره فليس عليه زيادة على ذلك وهو محسن بالشهادة وما على
المحسنين من سبيل وإن كان كاذبا فقد حق عليه ما قاله الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وكفى له بذلك عقوبة.
وأما قوله ولا يضمن ولو صح كتمانه فوجهه أنه غير الغاصب لذلك المسلك أو المتسهلك له فلم يتوجه عليه ضمان وإنما يتوجه على المباشر ومال هذا الشاهد معصوم بعصمة الإسلام فلا يحل الأخذ بشيء منه إلا بما ينقل عن هذه العصمة.
وأما كونه ألا يضمن منكر الوثيقة ما فيها فوجهه ظاهر لأنه لم يكن بمجرد إنكارها غاصبا لما اشتملت عليه ولا مباشرا لإتلافه.
وأما كونها تحلف الرفيعة والمريض في دارهما فينبغي أن يقال إنه يحلف كل منكر في داره إذا طلب ذلك سواء كان رفيعا أو وضيعا لأن اليمين الواجبة عليه ليس عليه إلا إيقاعها ولا يجب عليه أن يخرج من منزله إلى منزل المدعي أو منزل الحاكم بل المدعي هو الذي يأتي لاستيفائها.
стр. 832
كتاب الإقرار
[فصل
إنما يصح من مكلف مختار لم يعلم هزله ولا كذبه عقلا أو شرعا في حق يتعلق به في الحال ويصح من الأخرس غالبا ومن الوكيل فيما وليه إلا القصاص ونحوه ودعواه غير إقرار للأصل] .
قوله: "فصل: إنما يصح من مكلف".
أقول: أما اشتراط كونه مكلفا فوجهه أن الصبي والمجنون ممنوعان من التصرف بما لهما بالعوض ومحجوران عن ذلك فكيف يصح إقرارهما بإخراج شي من مالهما لغير عوض وأما
стр. 833
كونه مختارا فوجهه أن إقرار المكره لا حكم له لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو حديث صالح للاحتجاج به ولا سيما بعد تأييده بقوله عزوجل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، إلى آخر الآية وما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الله عزوجل قال: "قد فعلت"، كما قدمنا.
وأما كونه لم يعلم هزله فوجهه أن ذلك ليس بإقرار إنما هو لقصد آخر وأما إذا لم يعلم هزله كان مؤاخذا بإقراره ودعوى كونه هازلا خلاف الظاهر وهكذا إذا علم كذبه لأن الإقرار الذي يلزم به الحق هو ما كان مطابقا للخارج وإذا لم يكن مطابقا له فليس هو الإقرار الذي تجب به الحقوق.
وأما كونه في حق يتعلق به فوجهه أن الحق الذي أقر به لو كان متعلقا بغيره كان ذلك إقرارا على الغير وهو باطل.
وأما كونه يصح الإقرار من الأخرس فوجهه أنه يمكنه أن يشير إشارة يفهم عندها مراده وذلك هو معنى الإقرار لأن اللفظ لا يشترط في هذا الباب كما يشترط في غيره ويصح أن يكون الإقرار في الزنا والقذف بالإشارة كما هو الحق من أن الإشارة المفهمة تكفي فيهما ولا وجه لاشتراط تكرر الإقرار في الزنا على أنه لو كان ذلك شرط لكان تكرير الإشارة المفهمة بمنزلة تكرير الإقرار.
قوله: "ومن الوكيل فيما وليه".
أقول: لا وجه لهذا فإن التوكيل في الأصل إنما هو لمطالبة الخصم أو لمدافعته ولا يدخل للإقرار على الموكل في هذا بل هو إضرار به لم يأذن له ولا جعله إليه فإن وكله وكالة مفوضة فهذا التفويض إنما ينصرف إلى ما ينفعه لا إلى ما يضره نعم إذا وكله بأن ينشيء الإقرار عنه أو يخبر به كان هذا التوكيل مقتضيا لصحة إقرار الوكيل ولا مانع من ذلك ولا وجه لاستثناء القصاص ونحوه بل يصح إقرار الوكيل بالإقرار بكل حق من مال أو قصاص أو حد إذا قد وجد المقتضى لصحة الإقرار والنفي المانع من صحته.
وأما كون دعوى الوكيل غير إقرار للأصل فظاهر لأنه إنما ادعاه تعبيرا عن الموكل وخصومة من جهته فلا يلزم تسليمه إلى الموكل إذا صار إليه.
[فصل
ولا يصح من مأذون إلا فيما أذن فيه ولو أقر بإتلاف ومحجور إلا لبعد رفعه وعبد إلا فيما يتعلق بذمته ابتداء أو لإنكار سيده أو يضره كالقطع لا المال عند م ولا من الوصي ونحوه إلا بأنه قبض أو باع] .
стр. 834
قوله: "فصل: ولا يصح من مأذون إلا فيما أذن فيه".
أقول: لما أذن له مالكه أو وليه بالتصرف في شيء من المال فكأنه التزم بما يقع منه مما فيه نقص عليه بالإقرار أو الخسر كما رضي بما يحصل من جهته من الفوائد فمن هذه الحيثية كان إقراره صحيحا ولو أقر بإتلاف وأما المحجور فهو بالحجر قد صار مكفوفا عن التصرف فيما فيه نفع فضلا عن إخراج جزء من المال بالإقرار فلا يصح منه الإقرار ما دام محجورا وهكذا العبد لا يصح إقراره إلا بما لا ضرر فيه على سيده لأنه لم يأذن له بذلك فإن أقر بما يلزمه ولم يوافقه السيد على ذلك فهو قد أقر بما لا ضرر فيه على السيد فيكون إقراره صحيحا يطالب به العبد إذا عتق هذا حيث لم يثبت ذلك عليه إلا بإقراره أما لو ثبت عليه ببرهان غير الإقرار لم يحتج إلى موافقة السيد بل يكون له حكم الأموال التي تلزم المماليك مع الفرق بين ما هو لازم عن جناية أو عن معاملة.
والحاصل أن ما لزم العبد بغير إذن سيده فهو متعلق بالعبد يطالب به إذا عتق ولو كان ذلك مما يجب فيه القصاص فإنه لا يقام عليه إلا إذا عتق إلا أن يثبت عليه ببرهان غير الإقرار كان على السيد تسليمه لاستيفاء القصاص أو تسليم الدية كما سيأتي في الجنايات إن شاء الله تعالى وهكذا الإقرار من الوصي والولي لأنه إقرار بمال الغير وليس ذلك إليهما إلا إذا أقر بما توجبه الوصاية من التصرفات كان ذلك مقبولا لأنهما مأذونان من جهة الشرع بذلك.
[فصل
ولا يصح لمعين إلا لمصادقته ولو بعد التكذيب ما لم يصدق ويعتبر في النسب والسبب التصادق أيضا كسكوت المقر به حيث علم وله الإنكار وعدم الواسطة وإلا شاركه المقر في الإرث لا النسب ويصح بالعلوق ومن المرأة قبل الزواجة وحالها وبعدها مالم يستلزم لحوق الزوج ومن الزوج ولا يلحقها إن أنكرت ولا يصح من السبى في الرحامات والبينة على مدعي توليج المقربة] .
قوله: "فصل: ولا يصح لمعين إلا بمصادقته".
أقول: وجه هذا ظاهر فإنه لا يدخل في ملك الإنسان إلا ما يقبله ويرضى به ولا يصح إلزامه بتملك شيء وهو ينفي ملكه والمراد من المصادقة القبول وعدم الرد ولو كان التصديق بعد التكذيب لأنه قد يكذبه ثم يظهر له بعد ذلك أن الإقرار صحيح فالاعتبار بما ينتهي إليه الحال أما لو كان المقر قد صادقه في هذا التكذيب كان مبطلا لإقراره السابق فلا يؤاخذ به وهذا ظاهر لا يخفى فقد صار بالتكذيب أولا وتصديقه للمكذب ثانيا في حكم من لم يقع منه إقرار فلا وجه لمصيره لبيت المال بل يبقى في يده.
стр. 835
قوله: "وفي النسب والسبب التصادق" الخ.
أقول: الإقرار هو أقوى الأسباب في ثبوت الحقوق والحدود والأنساب والأسباب فإذا وقع على وجه الصحة كان معمولا به إذا كان من جميع من له دخل في ذلك النسب أو السبب ولا ينافي هذا ما صح من قوله ﷺ : "الولد للفراش"، [البخاري "٦٨١٨"، مسلم "٣٧/١٤٥٨"، أبو داود "٢٢٣٧"، أحمد "٦/١٢٩، ٢٠٠، ٢٣٧"، النسائي "٣٤٨٤"، ابن ماجة "٢٠٠٤"] ، فإن هذا الحكم إنما هو مع الاختلاف كما شهد لذلك سبب الحديث وأما مع الاتفاق وحصول الإقرار فلا رجوع إلى الفراش لأنه قد وجد ما هو أقوى منه ولا شك أن السكوت من المقربة تقرير لمضمون الإقرار فهو تصديق ولا وجه للفرق بين الإقرار بالمال والإقرار بالنسب والسبب بل مجرد القبول ولو بالسكوت يكفي في الجميع.
قوله: "وعدم الواسطة" الخ.
أقول: لم يظهر لهذا الاشتراط وجه بل إذا كان الإقرار والتصادق بشيء لا يضر بالغير ولا يوجب إلزامه بما لا يلزمه فهو صحيح ثابت لا وجه لرده ولا مقتضى لعدم قبوله فيثبت النسب والإرث بذلك ويكفي في الأمرين جميعا ومن ادعى أن ثم مانعا مقبولا فعليه البيان.
قوله: "ويصح بالعلوق".
أقول: وجهه أنه أقر بما يوجبه الفراش ويقتضيه حكم الشرع فكان إقرارا صحيحا شرعيا لا يقبل منه بعد ذلك ما يخالفه وهكذا إقرار المرأة بالولد الصحيح فإن أضافته إلى أب معين فلا بد من مصادقته لها فإن خالفها كان الواجب الرجوع إلى ما يقتضيه حكم الفراش وهذه المسائل ظاهرة واضحة مأخوذة من كليات الشريعة وجزئياتها.
قوله: "ولا يصح من السبى في الرحامات".
أقول: وجه هذا أنه يتضمن الإضرار بالسيد إما بتحريم ما هو حلال قبل الإقرار أو بتقديم غيره في الميراث عليه وقد عرفت أن الإقرار لا يصح بما فيه إضرار بالغير بوجه من الوجوه وإنما يصح بما هو خاص بالمقر لا يتعداه إلى غيره كما تقدم تقريره أما لو كان ذلك الإقرار لا يضر بالسيد لا في الحال ولا في الاستقبال فهو صحيح وله حكمه في الأمور التي يوجبها النسب ولا يلحق ضررها بالغير فإذا أقر المملوك بما يوجب تحريم النكاح بينه وبين من أقر به يسبب القرابة المقتضية لذلك كان هذا الإقرار صحيحا ولا وجه لرده.
قوله: "والبينة على مدعي توليج المقربه".
أقول: وجهه أن الظاهر صحة الإقرار فدعوى التوليج خلاف الظاهر فيكلف مدعيه البينة المفيدة لكونه واقعا توليجا وهذا إذا لم يظهر من القرائن القوية أنه لقصد التوليج فإن ظهر ذلك كان الظاهر مع المدعي وعلى المقر أن ينهض لما يصحح إقراره وإلا كان المعمول به هو ما اقتضته القرائن القوية وقد قدمنا أن العمل بالقرائن القوية مع عدم ما هو أقوى منها مجمع عليه.
стр. 836
[فصل
ويشترط في النكاح تصادقهما وارتفاع الموانع قيل وتصديق الولي وذات الزوج يوقف حتى تبين ولا حق لها قبله منهما وترث الخارج ويرثها الداخل ويصح بماض فيستصحب ولا يقران على باطل وفي الفاسد خلاف] .
قوله: "فصل: ويشترط في النكاح تصادقهما وارتفاع الموانع".
أقول: ارتفاع الموانع شرط في كل الإقرارات من غير فرق بين النسب والمال والسبب فلا بد أن يكون الإقرار غير معارض بمانع يمنع من العمل به كما هو شرط كل مقتض كائنا ما كان أن يتجرد عن المانع الذي يصلح للمانعية فلا وجه لتخصيص هذه الصورة بهذا الشرط ولا يصح إقرار كل واحد من الزوجين إلا بما لا ضرر فيه على الآخر وإلا كان العمل على البينة والحكم وبهذا تعرف ما هو الوجه فيما ذكره المصنف بعد هذا وما ذكره من صحة الإقرار بنكاح ماض وأنه يستصحب فيه الحال فوجهه أن الاستصحاب يقتضي عدم ارتفاعه فلا يرتفع إلا بما يصلح للنقل عن الاستصحاب وأما كونهما لا يقران على باطل فظاهر وأما الفاسد فقد عرفناك غير مرة أنه لا واسطة بين الصحيح والباطل فإن كان باطلا فله حكمه وإن كان صحيحا فله حكمه.
[فصل
ومن أقر بوارث له أو ابن عم ورثه إلا مع أشهر منه فالثلث فما دون إن استحقه لو صح نسبه وبأحد عبيده فمات قبل التعيين عتقوا وسعوا للورثة حسب الحال وثبت لهم نسب واحد وميراثه ونصيبه من مال السعاية وبدين على مورثه لزمت حصته في حصته وبما ليس في يده سلمه متى صار إليه بإرث أو غيره ولا يلزمه الاستفداء ويتثنى ضمانه ولزيد ثم قال بل لعمرو سلم لزيد العين ولعمرو قيمتها م إلا مع الحكم لزيد] .
قوله: "فصل: ومن أقر بوارث له أوابن عم".
أقول: هذا إقرار صحيح لأنه أقر بما لا يضر بالغير فيستحق ميراثه.
وأما قوله: "إلا مع أشهر منه فالثلث فما دون" فلا وجه له لأن إقراره فيه إضرار بهذا الذي نسبه أشهر فلا يقبل ولا يصح ولا يستحق شيئا وليس هذا من باب الوصية حتى يقال إنه يعطي ذلك من باب الوصية لأن هذا الإقرار الباطل ليس هو وصية بل هو إقرار بنسب أو بثبوت ميراث وأين هذا من الوصية؟!
стр. 837
قوله: "وبأحد عبيده فمات قبل التعيين عتقوا" الخ.
أقول: قد قررنا فيما سبق أن القرعة قد عمل بها رسول الله ﷺ في مواطن منها حديث الستة الأعبد ومنها الجماعة الذين ادعوا ابن الأمة أنه ابن لكل واحد منهم ومنها مع تعارض البينتين فأفاد ذلك أنها حكم شرعي عند عروض اللبس وعدم الاهتداء إلى حقيقة الحال وقد أوضحنا الكلام في هذا في كتاب العتق وفي كتاب النكاح وإذا عرفت هذا كان المتعين في هذا الإقرار بأحد العبيد إذا تعذر التعيين هو الإقراع بينهم فمن خرجت قرعته كان هو المستحق لما تضمنه الإقرار بلا سراية إلى غيره ولا سعاية ومن لم يسعه ما صح عن الشارع فهو المضيق على نفسه.
قوله: "وبدين على مورثه لزمه حصته في حصته".
أقول: هذا صحيح لأنه أقر بشيء يعود ضرره عليه إن كان هو الوارث وحده فيجب عليه تسليم ما أقر به من التركة وإن كان معه وارث آخر لم يلزم ذلك الآخر شيء وعلى المقر حصته من الدين من حصته من التركة وهكذا من أقر بشيء في يده أنه مملوك لغير من هو مالك له في الظاهر فإن هذا الإقرار لا يصح في الحال لأنه إضرار بالغير ومتى صار إلى هذا المقر ودخل في ملكه وجب عليه تسليمه إلى من أقر له به بموجب إقراره السابق سواء كان حال الإقرار في يده أو لم يكن في يده فإن مجرد الإقرار يكفي ويوجب التسليم إذ لا مزيد تأثير لثبوت اليد وهكذا من أقر بأن هذا الشيء لزيد ثم أقر إقرارا آخر بأنه لعمرو فقد صار إقراره الأول لازما له فيجب عليه تسليمه لمن أقر له به ولا حكم لإقراره الآخر لأنه رجوع عن الإقرار وهو لا يصح وهو أيضا إضرار بمن أقر له أولا وذلك مانع من صحة الإقرار ولا يجب عليه تسليم شيء إلى من أقر له آخرا لأنه إقرار باطل كما عرفت ولا يحرم بالإقرار الباطل شيء ولا يثبت له حكم.
[فصل
وعلي ونحوه للقصاص والدين وعندي ونحوه للقذف والعين وليس لي عليه حق يتعلق بالجراحة إسقاط للقصاص فيما دون النفس إلا للأرش وما دخل في البيع تبعا دخل فيه ولا يدخل الظرف في المظروف إلا لعرف ويجب الحق بالإقرار بفرع ثبوته أو طلبه أو نحوهما واليد في نحو هذا لي رده فلان للراد وتقييده بالشرط المستقبل أو بما في الدار ونحوها خالية يبطله غالبا لا بوقت أو عوض معين فيتقيد] .
قوله: "فصل: وعلي أو نحوه للقصاص والدين" الخ.
أقول: اعلم أن الإقرارات يجب حملها على الأعراف الغالبة لأنها المقصودة للمقر في
стр. 838
محاوراته كلها والخروج عن ذلك نادر والنادر لا يجوز الحمل عليه ولا الحكم به لأنه خلاف ما هو الظاهر المتبادر وإذا عرفت هذا نظرت في عرف المقر وأهل محله إن كان لهم عرف في هذه الألفاظ كان العمل على ذلك سواء كان ما هو عرف لهم موافقا لما ذكره المصنف أو مخالفا له فإن لم يكن في ذلك عرف أو كان العرف مختلفا ولا غالب وجب الرجوع إلا عرف الشرع إن وجد فإن لم يوجد كان العمل على ما تقتضيه لغة العرب إن كان المقر عربيا وإن كان غير عربي كان العمل على ما تقتضيه لغته.
وبهذا تعرف أنه لا وجه لما ذكره المصنف في هذه الصور لأنا لو فرضنا أن هذه المعاني التي ذكرها هي المعاني الشرعية أو المعاني اللغوية لم يجز حمل من غلب عليه عرف بلده عليها لما هو معلوم من أنه يتكلم بما يقتضيه عرفه وعرف أهل بلده فحمل إقراره على معنى غير ذلك ظلم له أو لمن أقر له أو ظلم لهما.
قوله: "وما دخل في المبيع تبعا دخل فيه".
أقول: وجه هذا ظاهر لأن الإقرار بالعين يستلزم الإقرار بما لا بد لها منه في عرف المقر فلزمه ذلك وأما كونه لا يدخل الظرف في المظروف فقد أصاب بتقييده بقوله إلا لعرف وكان عليه أن يقيد ما ذكره في أول الفصل بهذا.
قوله: "ويجب الحق بالإقرار بفرع ثبوته" الخ.
أقول: وجه هذا أن الإقرار بما هو فرع لثبوت الشيء إقرار بثبوت ذلك الشيء فمن قال قد قضيتك ما كان لك علي من الدين أو قال لمن ادعى عليه عينا بعها منى أو نحو ذلك فهو بهذه الدعوى وهذا الطلب قد أقر بأن ذلك الشيء للمدعي فيجب استصحاب الحال والحكم عليه بثبوت ما أقر بثبوته حتى يأتي بما ينقل عن هذا الاستصحاب وهذا مسلك شرعي لا يمكن الحكم بالعدل إلا بأعماله لا بإهماله فإن ذلك جور وظلم ومن هذا القبيل قول المصنف وهذا لي رده فإن الإقرار لفلان بأنه رده إليه إقرار بفرع ثبوت يد فلان على ذلك الشيء فيستصحب الحال في ثبوت يده حتى ينقل عنها ناقل صحيح.
قوله: "وتقييده بالشرط المستقبل أو بما في الدار ونحوها خالية يبطله".
أقول: لا وجه لإبطال الإقرار المقيد بشرط مستقبل فإن لزوم الشيء في زمان مستقبل قد يكون لسبب حلول أجل أو وصية مقيدة بذلك أو عدة محالة على وقت مستقبل والاحتمالات في مثل هذا كثيرة وجعل الاستقبال مانعا هو مجرد دعوى لم ينتهض عليها دليل وأما بطلا الإقرار بما في الدار مع انكشافها خالية فهذا إقرار باطل وقد تقدم في أول الإقرار ما يدل على بطلان هذا الإقرار وإلزام المقر بشيء والحال هكذا إلزام له بما لا يلزمه شرعا ولا عقلا.
وأما قوله: "لا لوقت أو عوض معين فيتقيد" فوجهه ظاهر لما قدمنا في الشرط وهكذا من أقر بشيء عليه مقيدا له بأنه من قيمة كذا فإن هذا القيد قد وجب حمل إقراره عليه فلا يجوز الحكم عليه ببعض كلامه دون بعض وأما ما يقال من أن الإقرار بالشيء قد لزم، وقوله
стр. 839
إنه من قيمة كذا دعوى فهذا جمود وظلم للمقر لأن له ما يقتضيه آخر كلامه كما كان عليه ما يقتضي أول كلامه.
[فصل
ويصح بالمجهول جنسا وقدرا فيفسره ويحلف ولو قسرا ويصدق وارثه فإن قال مال كثير أو نحوه فهو لنصاب جنس فسر به لا دونه وغنم كثيرة ونحوها لعشر والجمع لثلاثة وكذا درهم وأخواته لدرهم وشيء أو عشرة لما فسر إلا فهما من أدنى مال ولي ولزيد بينهما وأرباعا له ثلاثة ومن واحد إلى عشرة لثمانية ودرهم بل درهمان للدرهمين لا مدان فلثلاثة ويكفي تفسير المستثنى من الجنس متصلا غير مستغرق والعطف المشار له للأول في الثبوت في الذمة أو في العدد ويصرف في الفقراء ما جهل أو الوارث مستحقه] .
قوله: "فصل: ويصح بالمجهول جنسا" الخ.
أقول: وجه ذلك أنه قد لزمه بإقراره شيء مجهول الجنس أو النوع فثبت للمقر له ذلك فإن فسره بشيء فذاك وإن تعذر تفسيره لموت أو نحوه فالواجب الرجوع إلى الأعراف الغالبة فإن كانت موجودة فالرجوع إليها مقدم على كل شيء وإن لم تكن موجودة وجب الحمل على المعنى الشرعي إن وجد وإن لم يوجد فعلى المعنى اللغوي كما قدمنا تحقيق ذلك قريبا فهذه الصور التي ذكرها المصنف في هذا الفصل إن كان مراده أنها أعراف غالبة على أهل عصره أو بلده فلذلك لا يلزم غيره بل كل مقر مخاطب بالغالب من عرف قومه محمول إقراره عليه وإن أراد أنها مدلولات لغوية فذلك غير مسلم إلا في مثل قوله ولزيد بينهما نصفين وقوله ودرهم بل درهمان للدرهمين ونحو ذلك وإن أراد أنها معان شرعية فممنوع والواجب حمل ما لم يثبت فيه حقيقة شرعية على اللغة العربية إن لم يكن ثم عرف.
فالحاصل أنه إذا لم يكن ثم عرف فإن كان المقر يعرف المدلولات اللغوية كان إقراره محمولا عليها وإن كان لا يعرفها فهو مع عدم العرف والشرع كمن أقر بشيء مجهول فيحمل إلى أقل ما يصدق به في لغة العرب والرجوع إلى لغة العرب في هذه الصورة اقتضته الضرورة لوجود مطلق الإقرار وتعلق الحق بالمقر للمقر له وهذا الذي ذكرناه يغنيك عن الكلام على كل صورة من الصور التي ذكرها المصنف في هذا الفصل.
وأما قوله: "ويصرف في الفقراء ما جهل أو الوارث مستحقه" فوجهه أنه لم يبق مع الجهل
стр. 840
طريق إلى تبين مستحقه فكان الصرف في الفقراء مخلصا من المظلمة بحسب الإمكان وكان الأولى أن يكون مصرفه المصالح كما في سائر الأموال الملتبسة.
[فصل
ولا يصح الرجوع عنه إلا في حقه لله يسقط بالشبهة أو ما صودق فيه غالبا ومنه نحو سقت أو قتلت أو غصبت أنا وفلان بقرة فلان ونحوه لا أكلت أنا وهو ونحوه]
قوله: "فصل: ولا يصح الرجوع عنه".
أقول: وجه هذا أنه قد لزمه الحق بإقراره وهو بالغ عاقل فرجوعه عن الإقرار رجوع باطل يستلزم إبطال حق على من أقر له به وذلك ظلم والظلم حرام مخالف للعدل الذي أمر الله عباده بالحكم به.
وأما قوله: "إلا في حق لله" إلخ فلا بد من أن يكون رجوعه محتملا للصدق حتى يكون شبهة له وإلا كان من دفع ما قد تكلم به لسانه وأقر به على نفسه بما لا يصح للدفع وليست الشبهة التي أمرنا بدرء الحدود عندها إلا ما كانت موجبة للاشتباه موقعة في بعض اللبس وإلا كان ذلك من إهمال الحدود التي ورد الوعيد الشديد على من لم يقمها.
وأما قوله: "أو ما صودق فيه" فإن كان هذا الذي صادقه على الرجوع هو من له في الإقرار نفع أو دفع فذاك وإلا فلا حكم لهذه المصادقة ويؤخذ المقر بإقراره ولا وجه لما فرق به المصنف بين قول المقر سقت أو قتلت أو غصبت أنا وفلان وبين قوله أكلت أنا وهو ونحوه فإن الجميع إقرار على النفس ولا حكم لقوله وفلان في الفرق ولا يقتضي ذلك رواية ولا دراية.
стр. 841
كتاب الشهادات
[فصل
يعتبر في الزنا وإقراره أربعة رجال أصول وفي حق الله ولو مشوبا والقصاص رجلان أصلان غالبا وفيما يتعلق بعورات النساء عدله وفيما عدا ذلك رجلان أو رجل وامرأتان أو ويمين المدعي]
стр. 842
قوله: فصل: "ويعتبر في الزنا وإقراره أربعة رجال أصول".
أقول: أما على الفعل فهو نص القرآن وإجماع السلف والخلف وأما الشهادة على الإقرار فسيأتي لنا في الحدود إن شاء الله أنه يكفي للإقرار مرة واحدة فلا وجه لإيجاب أربعة شهود على الإقرار وإنما يتوجه ذلك لو كان الإقرار أربع مرات كما هو اختيار المصنف ومن معه وأما اشتراط كونهم رجالا أصولا فوجهه الاحتياط والتحري في الحدود لما يستلزمه من الإضرار بالأبدان ولما ثبت فيها من أنها تدرأ بالشبهات ولكن هذه العلة قاصرة على إفادة المطلوب.
والحاصل أنه لم يدل دليل على هذا الاشتراط ولا على اشتراط كون الشهادة في حق الله وفي القصاص من الرجال الأصول وظاهر القرآن أن الرجل والمرأتين يقومون مقام الرجلين في كل شيء فمن ادعى التخصيص فعليه البرهان ولا يصلح لذلك ما رواه ابن أبي شيبة من قول الزهري إنها مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود لأنه مع كونه مرسلا في إسناده ضعف فلا يصلح أن يكون شبهة في الحدود فضلا عن القصاص وسيأتي في فصل الادعاء ما فيه زيادة فائدة إن شاء الله.
قوله: "وفيما يتعلق بعورات النساء عدلة".
أقول: هذا إخبار لا شهادة وخبر العدل أو العدلة مقبولة فيما ورد قبوله فيه وأما كونه يصلح مستندا للحكم ففيه نظر لأن الله سبحانه شرع لنا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ومما يقوي قبول خبر العدل أو العدلة فيما يترتب عليه عمل يتعلق بالغير ما ثبت في صحيح البخاري "١٣/١٨٥، ١٨٦"، وغيره أحمد "٥/١٨٦"، أبو داود "٣٦٤٥"، الترمذي "٢٧١٥"، أن النبي ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه ولكن ليس هنا خصومة حتى يكون مثل هذا دليلا على قبول الواحد فيها ولهذا قال الكرماني لا نزاع لأحد أنه يكفي ترجمان واحد عند الإخبار وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة وقال ابن المنذر القياس يقتضي اشتراط العدد في الأحكام لأن كل شيء غاب عن الحاكم لا يقبل فيه إلا البينة الكاملة والواحد ليس ببينة كاملة حتى يضم إليه كمال النصاب غير أن الحديث إذا صح سقط النظر وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها انتهى.
وفيه أن النبي ﷺ لم يكتف بزيد بن ثابت في خصومة بل في الإخبار عن كتاب اليهود وأما ما روى من قول الزهري مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وغيرها فهذا مع كونه مرسلا قد أخرجه ابن أبي شيبة قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري أيضا وهو لأئمة أثبات.
والحاصل أن الحاكم إذا أراد مزيد الاستثبات استكثر من العدلات حتى يغلب ظنه بصدق قولهن ولهذا روى عن الشافعي أنه لا بد من ثلاث وعن مالك والأوزاعي ثنتان.
стр. 843
وأما قوله: "وفيما عدا ذلك رجلان" إلخ فهو نص القرآن الكريم وهو يشتمل على كل خصومة إلا ما خص بدليل.
وأما قوله: "أو يمين المدعي" فقد قدمنا الأدلة الدالة على وجوب العمل بالشاهد واليمين عند قول المصنف ولا ترد المتممة فلا نعيده.
[فصل
ويجب على متحملها الأداء لكل أحد حتى يصل إلى حقه في القطعي مطلقا وفي الظني إلى حاكم محق فقط وإن بعد إلا لشرط إلا لخشية فوت فيجب وإن لم يتحمل إلا لخوف وتطيب الأجرة فيهما]
قوله: "فصل: ويجب على متحملها الأداء لكل أحد".
أقول: وجه هذا قول الله عزوجل: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقر: ٢٨٢] ، فإنه يدل على وجوب تحمل الشهادة على من دعي إليها وعلى وجوب تأديتها لمن طلب تأديتها إلى الحاكم ومما يدل على الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وأيضا قد تقرر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأدلة القطعية ووجب تأدية الشهادة من هذا القبيل لا سيما عند خشية فوت الحق وعلى هذا حمل حديث: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي تأتي شهادته قبل أن يسألها"، وهو في صحيح مسلم "١٩/١٧١٩"، وغيره أحمد "٥/١٩٣"، أبو داود "٣٥٩٦"، الترمذي "٢٢٩٦"، من حديث زيد بن خالد الجهني ولا فرق بين أن يكون الحق قطعيا أو ظنيا لأن الشاهد عليه أن يؤدي شهادته إلى الحاكم وعلى الحاكم أن يحكم بما يصح لديه.
وأما قوله: "إلى حاكم محق" فجمود ظاهر لا وجه له ولا دليل عليه بل يجب عليه أن يؤدي الشهادة إلى من يقيم الحق ويأخذ على يد من هو لديه حتى يرده على أي صفة كان ولو كان غير قاض إذا علم الشاهد أنه يقدر على إيصال من له الحق بحقه ووجه هذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالسعي في إثباته بكل ممكن وهكذا الآية وهي قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ فإن الشهود إذا دعاهم المشهود له إلى من يرجو منه إنفاذ الحق فقد وجب عليهم أن لا يأبوا من الإجابة وإلا كانوا واقعين في النهي القرآني وبهذا تعرف صحة قول المصنف وإن بعد وعدم صحة قوله إلا لشرط فإن اشتراط ما أمر الله بخلافه لا يجوز.
وأما قوله: "وتطيب الأجرة" فهذه الأجرة على واجب وقد قدمنا الكلام على ذلك في الإجارات والقول بأن الواجب مجرد التأدية لا قطع المسافة غير صواب بل الواجب التأدية التي
стр. 844
ينتفع بها المشهود له وهي إذا احتاجت إلى قطع مسافة فلا يصدق على الشاهد أنه قد أدى الشهادة إلا بذلك وإلا كان داخلا في قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ١٨٢"، وفي قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وتاركا لما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[فصل
ويشترط لفظها وحسن الأداء وإلا أعيدت وظن العدالة وإلا لم يصح وإن رضي الخصم وحضوره أو نائبه ويجوز للتهمة تحليفهم وتفريقهم إلا في شهادة زنا ولا يسألون عن سبب ملك شهدوا به] .
قوله: "فصل: ويشترط لفظها".
أقول: المراد بالشهادة الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم إلى الحاكم بأي لفظ كان وعلى أي صفة وقع ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه فإذا قال مثلا رأيت كذا وكذا أو سمعت كذا وكذا فهذه شهادة شرعية وقد أحسن المحقق ابن القيم حيث قال في فوائده ليس مع اشتراط لفظ الشهادة فيها دليل لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح انتهى وقد قدمنا لك في كثير من الأبواب أن اشتراط الألفاظ إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في حقائق الأشياء ولا وصل إلى الألفاظ غير مرادة لذاتها وإنما هي قوالب للمعاني تؤدى بها فإذا حصلت التأدية للمعنى المراد فاشتراط زيادة على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية وهكذا قوله وحسن الأداء لا وجه له من عقل ولا نقل ولا ورد فيه شيء وليس المراد إلا انفهام المعنى المراد من كلامه وإن جاء بعبارة غير حسنة وألفاظ غير مأنوسة فليس المقام مقام بلاغة حتى يقال إنه يشترط حسن الأداء بل المقام مقام إخبار بما علمه الشاهد ولو بالرطانة واللغة المستعجمة إذا كان يفهم عنه ذلك ويصح بمجرد الإشارة المفهمة من القادر على النطق وبالكتابة.
قوله: "وظن العدالة".
أقول: عدالة الشهود هي الشرط الذي تبنى عليه القناطر ويترتب عليه القبول وهي الشرط الذي لم يشترط الله سبحانه في كتابه غيره ولا نبه على سواه بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، والمراد بهذه العدالة أن يعلم الحاكم أو يخبره من له اطلاع على حال الشهود أنهم حال تأدية الشهادة قائمين بما أوجبه الله عليهم تاركين لما نهاهم عنه ليسوا ممن يجتريء على الكذب ولا كانوا ممن شمله الحديث الذي أخرجه أحمد "٢/٢٠٤، ٢٢٥، ٢٢٦، وأبو داود "٣٦٠٠"، وابن ماجه "٢٣٦٦"، والبيهقي بسند
стр. 845
قوي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت" وهو الذي ينفق عليه أهل البيت وفي الباب أحاديث مقوية لهذا الحديث قد استوفيناها في شرح المنتقى وسيأتي للمصنف في الفصل الذي بعد هذا تعداد من لا تصح شهادتهم عنده وسنتكلم على ذلك إن شاء الله.
فالحاصل أن أعظم أركان العدالة تحري الصدق وعدم التسامح في الكلام والتزيد فيه فمن كان هكذا فهو الشاهد العدل ولا يحتاج بعده إلا إلى أن يكون في الحال ظاهر العدالة التي هي ملكة تمنع النفس عن اقتراف الكبائر والرذائل ولا يحتاج إلى كثرة التفتيش عن حاله بزيادة على هذا كما يقول بعض أهل الأصول إن الفسق مانع فلا بد من تحقيق عدمه بل نقول الفسق وإن كان مانعا فالأصل عدم وجوده فيبنى على هذا الأصل حتى يقوم ما ينقل عنه.
قوله: "وإلا لم يصح وإن رضي الخصم".
أقول: أما مع رضا الخصم فهذا الرضا بالشهادة يدفع كل علة ترد عليها فكأنه قد رضي بإثبات ما شهدت عليه به إذا لم يكن الرضا لقصور في فهمه وإدراكه كمن يظن أن مجرد شهادة الشهود عليه على أي صفة كانت موجبة لثبوت الحق عليه.
وأما قوله: "وحضوره أو نائبه" فهذا صحيح لأن هذه شهادة عليه يتعقبها إلزامه بما شهدوا به فقد يكون في حضوره التنبيه لهم على خلاف ما يعتقدونه لوهم عرض لهم وشبهة حصلت عليهم وأيضا له أن يجرحهم فيما شهدوا به فلا بد أن يعلم بكيفية شهادتهم عليه حتى ينفتح له باب الجرح إذا شهدوا بباطل عمدا أو سهوا.
قوله: "ويجوز للتهمة تحليفهم".
أقول: هذا التحليف للشهود مضارة لهم وقد قال الله عزوجل: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ١٨٢] ، وليس المعتبر فيهم إلا أن يكونوا عدولا مرضيين كما نطق به الكتاب العزيز فإن كانوا كذلك لم يتعلق بهم تهمة فلا يجوز تحليفهم وإن تعلقت بهم تهمة فليسوا بعدول مرضيين فشهادتهم مردودة من هذه الحيثية.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] ، فهذه القصة منسوخة مع كونها واردة في أهل الذمة ودعوى فسح بعضها دون بعض تحكم يأباه الإنصاف.
قوله: "وتفريقهم".
أقول: أما إذا كانوا عدولا مرضيين فلا يجوز هذا التفريق لأنه يفت في أعضادهم وعضد من شهدوا له بغير سبب يوجب ذلك مع كونه لم يرد به شرع يجب اتباعه ويتعين المصير إليه وأما إذا كان حالهم عند الحاكم ملتبسا فأراد أن يختبر صدقهم واتفاقهم على ما شهدوا به فلا بأس بهذا فإنه مما يتوصل به إلى إثبات الحق ودفع الباطل وقد انتفعنا بهذا التفريق في غير قضية
следующие страницы →