Полный текст (1 078 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وأما قوله: "ولا يقتص من المكاتب إلا حر أو مثله فصاعدا" فصواب أما الحر فظاهر وأما المكاتب المماثل له أو الذي قد سلم من كتابته زيادة على ما سلمه الجاني فلعدم المزية للجاني على المجني عليه.
وأما كونه يتأرش من كسبه فهو الصواب وكان عليه أن يجري في المكاتب وأم الولد والمدبر على نمط واحد لأن كل واحد منهم قد تعلق بسبب يقتضي خروجه من الرق بعد أن يحصل ما يقتضي التنجيز في الجميع وهو موت السيد في المدبر وتنجيز عتق أم الولد من سيدها أو موته ووفاء المكاتب لما كوتب عليه مع أنه قن ما بقي عليه درهم كما تقدم فلا وجه للفرق بين هؤلاء الثلاثة بلا رواية ولا دراية وما ذكره من أنها إذا اتفقت قدم أرش الجناية فلا وجه لهذا التأثير إلا ما يظن أنه بالجناية تسبب للضمان ولكنه قد تسبب بالمكاتبة عن نفسه لضمان مال الكتابة وقد تقدم أنه يرده في الرق اختياره وعجزه عن الوفاء بمال الكتابة.
وأما قوله: "فإن أعسر بيع لها" فينبغي أن يقال إنه يقدم استسعاؤه لئلا يفوت حق مالكه الذي كاتبه ومهما أمكن الوفاء بالحقين فهو الواجب.
وأما قوله: "والوقف يقتص منه ويتأرش من كسبه وأمر الجناية عليه إلى مصرفه" فهو صواب وقد اضطرب كلام المصنف في هذا الفصل فاشدد يديك على ما ذكرناه.
[فصل
والعبد بالعبد وأطرافهما ولو تفاضلا أو لمالك واحد لا والد بولده ويهدر مالا قصاص فيه على مالكه وغاصبه] .
قوله: "فصل والعبد بالعبد" الخ.
أقول: هكذا حكم الله سبحانه في كتابه العزيز وللأطراف التي يجب فيها القصاص حكم النفس إما بشمول الآية لها أو بالقياس على النفس وهكذا قوله لا والد بولده وأما كونه يهدر مالا قصاص فيه على مالكه فلكون العبد من جملة ماله وكون أرش جنايته على سيده كما قدمنا فلا يثبت للسيد على نفسه دين وأما قوله: "وغاصبه" فهذا هو الصواب لما قدمنا على قول المصنف: "وجناية المغصوب على الغاصب".
стр. 982
[فصل
وعلى مطلق البهيمة ما جنت فورا مطلقا وعلى متولي الحفظ جناية غير الكلب ليلا والعقور مفرطا مطلقا ولو في ملكه على الداخل بإذنه وإنما يثبت عقورا بعد عقره أو حمله] .
قوله: "فصل: وعلى مطلق البهيمة" الخ.
أقول: السنة الصحيحة كما قدمنا قد اقتضت أنه لا يضمن ما جنته على ملك الغير نهارا من غير فرق بين المالك والمتولي للحفظ وتخصيص الكلب بعدم ضمان جنايته ليلا يحتاج إلى دليل يقتضي ذلك وأما العقور من الحيوانات فالواجب على المالك حفظه عن أن يجني على الغير في كل وقت أو قتله فإذا لم يفعل ذلك فقد عرض نفسه للضمان لأنه فرط في الحفظ أو في دفع ذلك الصائل بالقتل ولكنه إذا حفظه في ملكه ثم دخل إليه داخل بغير إذنه فقد تعدى بالدخول بغير إذن فهدرت جناية العقور عليه وأما كونه يثبت عقورا بعد عقره أو حمله فوجه هذا أنه قد فعل ما يوجب الحفظ له عن الإقدام على الأبدان والأموال فتركه بعد وقوع ذلك منه تفريط ولا وجه لاعتبار المرتين بل المرة الواحدة منذرة بأخواتها موحية لقوة الظن بعوده إلى مثلها والمقام مقام يجب فيه قطع كل ذريعة معلومة أو مظنونة يتوصل بها إليه لأنه معصوم بعصمة الشرع فإما حفظه مالكه حفظ مثله بعد المرة أو قتله حتى يريح نفسه من تبعته ويريح غيره من أذاه.
стр. 983
باب الديات
[فصل
هي مائة من الإبل بين جذع وحقة وبنت لبون وبنت مخاض أرباعا وتنوع فيما دونها ولو كسرا ومن البقر مائتان ومن الشاء ألفان ومن الذهب ألف مثقال ومن الفضة عشرة آلاف ويخير الجاني فيما بينها] .
قوله: "فصل: هي مائة من الإبل" الخ.
أقول: قد اختلفت المذاهب في تنويع المائة من الإبل ومنهم من تمسك بشيء من المرفوع ومنهم من تمسك بما روي عن بعض الصحابة ولا يخفاك أن الحجة إنما تقوم بما صح
стр. 984
عن رسول الله ﷺ إذا لم يوجد في كتاب الله عزوجل والمروي في هذا عن رسول الله ﷺ مختلف فروي مائة من الإبل من غير تنويع كما أخرجه أبو داود "٤٥٤٣، ٤٥٤٤"، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر: أن رسول الله ﷺ فرض الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وقد رواه أبو داود مسندا عن عطاء عن جابر ورواه عن عطاء مرسلا بدون ذكر جابر فهذا الحديث يدل على أن الدية هي مائة من الإبل من غير تنويع من كل نوع مقدار معين.
وورد ما يدل على التنويع فأخرج أحمد "٦/٢١٩"، وأبو داود "٤٥٤١"، والنسائي "٨/٤٢، ٤٣"، وابن ماجه "٢٦٣٠"، عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة بني لبون ذكر.
وأخرج أحمد ["١/٤٥٠" وأهل السنن أبو داود "٤٥٤٥"ن الترمذي "٤٥٤١"، النسائي "٨/٤٣"، ابن ماجة "٢٦٣١"] ،البزار والبيهقي والدارقطني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض" وفي لفظ البزار والدارقطني والبيهقي مكان قوله: "عشرون ابن مخاض": "عشرون بنو لبون" وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقال أبو حاتم الرازي: الحجاج يدلس عن الضعفاء فإذا قال حدثنا فلان فلا يرتاب به انتهى وهو هنا قد صرح بالتحديث كما في سنن ابن ماجه فإنه قال حدثنا زيد بن جبير.
فهذان الحديثان قد وقع التصريح فيهما بأن هذا التنويع في دية الخطأ فيقيد بهما ما ورد من إطلاق المائة من الإبل ويكون التنويع على التخيير إما على الحديث الأول أو على الحديث الثاني فالكل سنة ولا ينافي ما في هذين الحديثين ما ورد من تغليظ دية الخطأ شبه العمد كما تقدم في حديث عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة"، والخلفة الحامل وورد بلفظ: "أربعون في بطونها أولادها"، فهذا جمع بين الأحاديث ودفع للعمل ببعضها وإهمال بعض بدون موجب ولا مرجع.
وأما المصنف فقد جعلها أربعة أنواع كما ترى فخالف ما ورد في الحديثين جميعا وعمل بما أخرجه أبو داود "٤٥٥٣"، عن عاصم بن ضمرة قال قال علي في الخطأ أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض مع أنه قد روي عنه ما يخالفه.
وأما دية القتل عمدا إذا لم يختر الوارث القصاص فقد أخرج الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: "من قتل عمدا سلم إلى أولياء المقتول فإن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها"، فيجب المصير في تنويع دية العمد إلى هذا الحديث كما وجب المصير
стр. 985
في تنويع الخطأ إلى الحديثين السابقين وكما وجب المصير في تعيين دية الخطأ شبه العمد إلى الحديث المتقدم.
قوله: "ومن البقر مائتان ومن الشاء ألفان".
أقول: يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال فرض النبي ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وفيه علتان إحداهما أن في إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو ضعيف إذا عنعن الثانية أن أبا داود رواه تارة عن عطاء عن جابر مسندا وتارة عن عطاء مرسلا ولكنه يشهد له ما أخرجه أحمد ["١٦/٣٢"، وأبو داود "٤٥٤٤١"، والنسائي "٨/٤٢،٤٣"، وابن ماجه "٢٦٣٠"] ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة، وفي إسناده محمد بن راشد المكحولي الدمشقي ولكنه قد وثقه جماعة كما قدمنا.
قوله: "ومن الذهب ألف مثقال".
أقول: يدل على هذا ما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وعبد الرزاق وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي وصححه جماعة من الأئمة منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه مرفوعا وفيه: "أن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار" وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.
قوله: "ومن الفضة عشرة آلاف درهم".
أقول: المروي عنه ﷺ أنها اثنا عشر ألف درهم كما أخرجه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي ﵌ ديته اثني عشر ألفا قال أبو داود رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن النبي ﷺ لم يذكر ابن عباس وأخرجه الترمذي "١٣٨٨، ١٣٨٩"، مرفوعا مرسلا وأخرجه النسائي "٤٨٠٣"، وابن ماجه "٢٦٢٩"، مرفوعا قال الترمذي ولا نعلم أحدا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم انتهى ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي وقد أخرج البخاري له في المتابعات ومسلم في الاستشهاد ووثقه يحيى بن معين وقد أخرجه النسائي عن محمد بن ميمون عن ابن عيينة وقال فيه سمعناه مرة يقول عن ابن عباس وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي محمد بن صاعد عن محمد بن ميمون وقال فيه عن ابن عباس.
وقد تقرر أن الرفع زيادة ولم تكن له هاهنا علة قادحة فصلح للاحتجاج به على أن مقدار الدية من الدراهم اثنا عشر ألف درهم ولا ينافي هذا هذا ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه في بعض ألفاظهم أنها كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم وأن عمر قال قد غلت الإبل ففرضها على أهل
стр. 986
الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا لأن من علم حجة على من لم يعلم وقد قدمنا أن الذي فرضها من الذهب ألف دينار ومن الفضة اثنى عشر ألف درهم هو رسول الله ﷺ .
قوله: "ويخير الجاني فيما بينها".
أقول: هذا هو الحق لأن النبي ﷺ فرض كل نوع من أنواعها ولم يبين لنا أن هذا أصل وهذا يدل عنه وإنما كثر ذكر الإبل لأنها غالب أموال العرب فما شاء الجاني من الأنواع المنصوص عليها سلمه وعلى المجني عليه أو وارثه قبول ذلك لأن الشارع أوجب له نوعا من أنواع ولم يوجب له شيئا معينا.
[فصل
وتلزم في نفس المسلم والذمي والمجوسي والمعاهد وفي كل حاسة كاملة والعقل والقول وسلس البول والغائط وانقطاع الولد وفي الأنف واللسان والذكر من الأصل وفي كل زوج في البدن بطل نفعه بالكلية كالأنثيين والبيضتين ونحوهما غالبا وفي أحدهما النصف وفي كل جفن ربع وفي كل سن نصف عشر وهي اثنتان وثلاثون وفي كل أصبع عشر وفي مفصلها منه ثلته! إلا الإبهام فنصفه وفيما دون حصته وفي الجائفة والآمة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة ناقة وفي الهاشمة عشر وفي الموضحة خمس وفي السمحاق ربع ولا يحكم حتى يتبين الحال فيلزم في الميت ديته وفي الحي حسب ما ذهب وإن تعدد كالمتواثبين] .
قوله: "فصل: وتلزم في نفس المسلم".
أقول: ليس في هذا خلاف بين أهل العلم وقد دلت عليه الأدلة الكثيرة المتقدم ذكر بعضها وأما المرأة فقد وقع الإجماع إلا عمن لا يعتد به أنها نصف دية الرجل وإنما اختلفوا في أرش الجناية عليها فذهب الجمهور إلى أن ارش الجناية عليها مثل أرش الجناية على الرجل إلى قدر ثلث دية الرجل ثم تستحق بعد ذلك النصف من أرش الرجل لما أخرجه النسائي والدارقطني وابن خزيمة وصححه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديته"، ويؤيده ما أخرجه في الموطأ والبيهقي عن سعيد بن المسيب أنه سئل: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل, فقيل له: فكم في أصبعين؟ قال: عشرون من الإبل, فقيل له: فكم في ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل, فقيل له: فكم في أربع أصابع؟ قال: عشرون من الإبل, فقال له السائل حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ قال: بل عالم متثبت أو
стр. 987
جاهل متعلم, قال: هي السنة يا ابن أخي, وقد حققنا الكلام عن هذا في شرحنا للمنتقي وليس المراد هنا إلا الاستدلال على أن ديتها على النصف من دية الرجل.
قوله: "والذمي".
أقول: قد اختلفت مذاهب العلماء في قدر دية الذمي والحق أنها على النصف من دية المسلم من غير فرق بين ذمي وذمي لما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجه وصححه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل الكافر نصف دية المسلم"، وفي لفظ من هذا الحديث عن أبي داود كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم ولم يثبت ما يخالف هذا الحديث لأن المروي عن بعض الصحابة لا تقوم به الحجة والمرفوع لم يصح وما ورد مطلقا كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، فهو مطلق مقيد بالسنة وقد أوضحنا الكلام في هذا في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه.
وأما قوله: "والمجوسي والمعاهد" فلعله إشارة إلى الخلاف في ذلك وإلا فقد دخلا تحت الذمي لأن المجوسي ذمي والمعاهد ذمي واليهودي والنصراني ذميان وقد شمل الجميع قوله ﷺ : "عقل الكافر نصف دية المسلم"، فإنه يدخل تحت هذا كل كافر إلا من كان مباح الدم وهو الحربي الذي لا ذمة له ولا عهد.
قوله: "وفي كل حاسة كاملة".
أقول: الحواس الخمس الظاهرة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس لم يرد ما تقوم به الحجة في أن في كل واحدة منها الدية ولكنه قال ابن حجر في التلخيص إنه وجد من حديث معاذ: "في السمع الدية" قال وهو موجود في حديث عمرو بن حزم الذي اشار إليه وقد رواه البيهقي من طريق قتادة عن ابن المسيب عن علي انتهى.
ولا ندري كيف حديث معاذ وقد روي عن البيهقي أنه قال إسناده لا يثبت مثله وأما حديث عمرو بن حزم الذي أشار إليه فقد ساقه هو أيضا في بلوغ المرام وليس فيه ذكر السمع وهكذا ساقه صاحب المنتقى ولم يذكر السمع وقد أخرج أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة عن خالد عن عوف: سمعت شيخا في زمن الحاكم وهو ابن المهلب عم أبي قلابة قال رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمن عمر فذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه فقضى فيه بأربع ديات وهو حي فهذا غاية ما في الباب جميعه ولا تقوم به الحجة فينبغي الرجوع في ذلك إلى اجتهاد الإمام والحاكم العارفين بالمسالك الشرعية وفي قضاء عمر لهما أسوة إن لم تجدا ما هو أنهض من ذلك.
قوله: "وفي العقل".
стр. 988
أقول: لم يرد في هذا ما تقوم به الحجة وقضاء الصحابي لا يثبت شرعا عاما وغاية ما فيه ما تقدم عن عمر وقد عرفت أن أموال العباد معصومة بعصمة الإسلام فلا يحل إخراج شيء منها عن أملاكهم إلا ببرهان من الله سبحانه ولا حجة في ضعيف يقال إنه مرفوع فإنه ليس مجرد ذكر الرفع مما تقوم به الحجة حتى يثبت فإذا ثبت فسمعا وطاعة.
وهكذا الكلام في قوله والقول وسلس البول وانقطاع الولد أما الأولان فلم يرد في ذلك شيء وأما الثالث فليس فيه إلا الأثر السابق عن عمر وليس مراد المصنف هنا إلا ذهاب هذه القوى بدون ذهاب الآلة التي هي فيها ولهذا أنه ذكرها بعد ذكر هذه.
وقوله: "وفي الذكر من الأصل".
أقول: الدليل على هذا وعلى كثير مما سيأتي ما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل وصححه جماعة من أئمة الحديث منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي من حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان في كتابه: " أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وأن في النفس الدية مائة من الإبل وأن في الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وأن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار"، وهذا الحديث قد تلقته الأئمة بالقبول وقد صرح فيه بأن في الذكر الدية وهو اسم لجميعه فلا يتناول بعضه إلا مجازا وبهذا يظهر صحة قول المصنف وفي الذكر من الأصل.
قوله: "وفي الأنف".
أقول: مراده في الأنف من الأصل كما قال في الذكر ويدل على ذلك ما تقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ: "وإن في الأنف إذا أوعب جدعة الدية"، ومعنى أو عن جدعة أنه قطع جميعه فلا ينافي هذا ما أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى النبي ﷺ إذا قطعت ثندوة الأنف بنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب والورق فإنه أراد بالثندوة هنا روثة الأنف وهي طرفه ومقدمه كما قال صاحب النهاية ولا ينافيه أيضا ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال عندي كتاب رسول الله ﷺ وفيه: "وفي الأنف إذا قطع مارنه مائة من الإبل"، وذكره الشافعي تعليقا وأخرجه البيهقي من طريق عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر فإن المارن يطلق على الأنف كما يطلق على طرفه والمراد هنا الأنف جميعه قال في القاموس المارن الأنف أو طرفه أو ما لان منه وفي حديث عمرو بن شعيب عند أحمد ["١٦/٥٣"، وأبي داود "٤٥٦٤"، والنسائي
стр. 989
"٨/٤٢، ٤٣"، وابن ماجه "٢٦٣٠"، بلفظ أن رسول الله ﷺ قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا وإذا جدعت أرنبته نصف العقل وهكذا يحمل ما أخرجه البيهقي عن كتاب عمرو بن حزم بلفظ: "وفي الأنف إذا استؤصل المارن الدية كاملة".
قوله: "وفي اللسان".
أقول: وجهه ما تقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ وفي اللسان الدية فظاهره أنه لا بد من قطعه جميعه لأنه حقيقة في ذلك ولا يتناول البعض إلا مجازا والواجب الحمل على الحقيقة وإذا قطع منه ما أبطل الكلام جميعه فقد قام ذلك مقام قطعه جميعه لأن الانتفاع به قد ذهب بذهاب الكلام.
قوله: "وفي كل زوج من البدن". الخ.
أقول: يدل على هذا ما تقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ: " وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي العينين الدية" وقد ذهب إلى إيجاب الدية في الشفتين جمهور أهل العلم وهكذا إيجابها في البيضتين وقيل إنه مجمع عليه وورد في رواية من هذا الحديث وفي الأنثيين الدية والمراد بهما البيضتان كما صرح به أهل اللغة لا الجلدتان المحيطتان بالبيضتين كما زعم المصنف ولا خلاف في أن الواجب في العينين الدية وهكذا في الرجلين الدية كما يدل على ذلك قوله في حديث عمرو بن حزم المتقدم: "وفي الرجل الواحدة نصف الدية" وهكذا اليدان كما يدل على ذلك من أخرجه مالك في الموطأ من حديث عمرو بن حزم بلفظ: "في اليد خمسون وفي الرجل خمسون" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "وفي اليد إذا قطعت نصف العقل وفي الرجل نصف العقل وفي العين نصف العقل" وقد قدمنا أن في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي ولكنه قد وثقه جماعة.
ومما يعد زوجا في البدن الأذنان وقد روى الدارقطني والبيهقي في كتاب عمرو ابن حزم ما يفيد أن فيهما الدية واعلم أنه لم يرد في السنة ما يدل على لزوم الدية في مثل الحاجبين والثديين وإن شمل ذلك كلام المصنف حيث قال: "وفي كل زوج في البدن" فلا يلزم فيما لم يرد به النص إلا ما يرجحه الحاكم العالم بالأدلة وكيف يستدل وهكذا لا يلزم في جفن العين ولا في الجفنين إلا ما يقدره الحاكم من الأرش لا كما قال المصنف.
قوله: "وفي كل سن نصف عشر الدية".
أقول: يدل على هذا ما تقدم في حديث عمرو بن حزم المتلقي بالقبول بلفظ: "وفي السن خمس من الإبل" وهكذا وقع في حديث عمرو بن شعيب المتقدم بلفظ: "وفي كل سن خمس من الإبل" وهو في مسند أحمد وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وإسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات والخمس من الإبل هي نصف عشر الدية كما قال المصنف هاهنا وظاهر الحديثين أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب والضروس لأنه يصدق على كل واحد منها أنه سن
стр. 990
وإلى هذا ذهب الجمهور ولا يعارض ما في الحديثين الصحيحين ما وقع من اجتهاد بعض الصحابة فإنها لا تقوم بذلك حجة إذا انفرد فكيف إذا عارض المرفوع إلى النبي ﷺ وقد أخرج أبو داود "٤٥٥٩"، وابن ماجه "١٦٥٠"، والبزار وابن حبان بإسناد رجاله رجال الصحيح أن النبي ﷺ قال: "الأسنان سواء الثنية والضرس سواء"، فلم يبق بعد هذا وجه للمفاضلة بين الأسنان.
قوله: "وفي كل أصبع عشر من الدية".
أقول: يدل على هذا ما تقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ: "وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل" والعشر من الإبل هي عشر الدية وفي لفظ من حديث ابن عباس: "دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع"، أخرجه الترمذي وصححه "١٣٩١"، وأخرج أبو داود "٤٥٥٧"، وابن ماجه "٤٦٥٤"، وابن حبان عن أبي موسى أن النبي ﷺ : "قضى في الأصابع بعشر من الإبل"، وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "والأصابع سواء والأسنان سواء"، وأخرج أحمد ["١/٢٢٧، ٢٢٩، ٣٤٥"، والبخاري "١٢/٢٢٥"، وأهل السنن أبو داود "٤٥٥٨"، النسائي "٨/٥٦، ٥٧"، الترمذي "١٣٩٢"، ابن ماجة "٢٦٥٢"] ،من حديثه عن النبي ﷺ أنه قال: "هذه وهذه سواء"، يعني الخنصر والإبهام وبعض هذا يدفع اجتهاد من فاضل بين الأصابع وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة جمهور أهل العلم.
وأما قوله: "وفي مفصلها ثلثه إلا الإبهام فنصفه" فصواب لأن ذلك أحسن ما يقال وإن اختلف النفع فيها واختلف مقدارها فإن من المعلوم أن ما تحت البراجم من المفاصل أكبر منها وهكذا قوله: "وفيما دونه حصته "فيجعل فيه بمقدار نسبته من ذلك المفصل.
قوله: "وفي الجائفة ثلث الدية".
أقول: يدل على هذا ما تقدم في حديث عمرو بن حزم المتلقي بالقبول بلفظ: "وفي الجائفة ثلث الدية" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وحكى صاحب نهاية المجتهد الإجماع عليه وأخرج نحوه البزار من حديث عمر مرفوعا بإسناد ضعيف وأخرجه البيهقي من وجه آخر عنه بإسناد أضعف منه وفي حديث عمرو بن حزم ما يغني عن غيره وهكذا قضى رسول الله ﷺ في المأمومة بثلث الدية كما في حديث عمرو بن حزم بلفظ: "وفي المأمومة ثلث الدية"، وهكذا في حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "والمأمومة ثلث العقل".
قوله: "وفي المنقلة خمس عشرة ناقة".
أقول: هكذا في حديث عمرو بن حزم بلفظ: "وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل"، وفي حديث عمرو بن شعيب بمثل هذا اللفظ وفي حديث عمر الذي أخرجه البزار بلفظ: "وفي المنقلة خمس عشرة"، وقد قدمنا الإشارة إلى ضعفه كما قدمنا تصحيح الحديثين اللذين قبله.
قوله: "وفي الهاشمة عشر".
стр. 991
أقول: لم تذكر الهاشمة في حديث عمرو بن حزم ولا في حديث عمرو بن شعيب ولا في سائر الأحاديث المعمول بها وإنما روى ذلك عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي عن زيد بن ثابت موقوفا عليه قال ابن حجر في التلخيص لا يصح مرفوعا وحينئذ فينبغي الرجوع في ذلك إلى تقدير الحاكم فيجعل فيها أرش الموضحة الذي سيأتي مع زيادة أرش هشم العظم بحسب ما يقتضيه اجتهاده.
قوله: "في الموضحة خمس".
أقول: يدل على ذلك ما في حديث عمرو بن حزم المتقدم بلفظ: "وفي الموضحة خمس من الإبل"، وأخرج أحمد ["٢/١٨٩"، وأهل السنن أبو اود "٤٥٦٦"، النسائي "٨/٥٧"، الترمذي "١٣٩٠"، ابن ماجة "٢٦٥٥"] ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "في المواضح خمس من الإبل"، ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات وأخرج البزار من حديث عمر بلفظ: "وفي الموضحة خمس"، وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن مكحول أن النبي ﷺ جعل في الموضحة خمسا من الإبل ولم يؤقت فيما دون شيئا وهو مرسل وروى عبد الرزاق عن شيخ له عن الحسن أن رسول الله ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشيء وهو مرسل وهكذا رواه البيهقي عن الزهري وربيعة وأبي الزناد وإسحاق بن أبي طلحة مرسلا.
وبهذا تعرف أن قوله وفي السمحاق أربع لا مستند له بل مجرد اجتهاد وليس بحجة على الغير فكان ينبغي إدخال ذلك في الفصل الذي بعد هذا.
وأما قوله: "ولا يحكم حتى يتبين الحال" فصواب ويكون العمل في ذلك بالانتهاء لأنه الذي يقرر عليه مقدار الجناية فيلزم في الميت ديته وفي الحي حس. بما ذهب منه
[فصل
وفيما عدا ذلك حكومة وهي ما رآه الحاكم مقربا إلى ما مر كعضو زائد وسن صبي لم يثغر وفي الشعر وما انجبر وما لا نفع فيه وما ذهب جماله فقط وفي مجرد عضد وساعد وكف بلا أصابع وإلا تتبعها لا الساعد وكذلك الرجل وفي جناية الرأس والرجل ضعف ما على مثلها في غيرهما قدر في حارصة رأس الرجل خمسة مثاقيل وفي الدامية اثنا عشر ونصف وفي الباضعة عشرون وفي المتلاحمة ثلاثون لأن في السمحاق أربعين وفي حلمة الثدي ربع الدية وفي درور الدمعة ثلث دية العين وفي دونه الخمس وفيما كسر فانجبر ونحوه ثلث ما فيه لو لم ينجبر والغرة عبد أو أمة بخمسمائة درهم ولا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ينفصل] .
стр. 992
قوله: "فصل وفيما عدا ذلك حكومة" الخ.
أقول: قد تقرر عصمة الدماء وأنه لا يحل إراقة شيء منها بغير حقه ولا الجناية على معصوم من غير فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة ورد في الشرع تقديرها أو لم يرد فمن جنى على غيره جناية ظاهرة الأثر ولم يرد في الشرع لها تقدير كما في دون الموضحة وسائر ما أشار إليه المصنف فلا يكون عدم ورود الشرع بتقديرها مقتضيا لإهدارها وعدم لزوم أرشها بلا خلاف وإلا لزم إهدار ما هو معصوم بعصمة الشرع واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله فالجناية التي لم يرد الشرع بتقديرها لا بد من الرجوع في التقدير إلى شيء يكون على طريقة العدل التي لا حيف فيها على الجاني ولا على المجني عليه فينظر مثلا في قدر اللحم الذي ذهب بالجناية وقدر ما بقي إلى ما ورد فيه التقدير من الشرع فيلزم فيه بنسبته إلى ذلك الذي ورد فيه التقدير فإذا كان المأخوذ نصف اللحم والباقي فوق العظم نصفه كان أرشها نصف أرش الموضحة وإذا كان المأخوذ ثلثا كان أرشها ثلث أرش الموضحة ثم كذلك ويكون المرجع في هذا التقدير إلى أهل الاختبار بالجنايات فإذا أخبروا الحاكم بأن المأخوذ كذا قربه الحاكم إلى أرش ما ورد به الشرع بحسب نسبته إليه وهكذا في العضو الزائد وسن الصبي وذهاب الشعر والجمال ومالا نفع فيه وقد قدمنا ما يدل على أنه لم يثبت في الشرع تقدير ما دون الموضحة فما ذكره المصنف هنا من تقدير أرش الدامية والباضعة والسمحاق هو من هذا القبيل الذي ذكرناه فإن وافق نظر الحاكم الخبير بما ورد قرره وإلا فعل ما يترجح له فليس في ذلك حجر ولا يكون تقدير المتقدم حجة على المتأخر إذا كان الصواب عنده في مخالفته وهكذا الكلام في أرش الدامية والمتلاحمة والحارصة والوارمة.
قوله: "وفي جناية الرأس والرجل ضعف ما على مثلها في غيرهما".
أقول: التقديرات الثابتة عن الشارع في الجنايات مطلقة غير مقيدة بكونها في الرأس ولم يرد ما يصلح للتقييد فالواجب البقاء على الإطلاق ويكون اللازم مثلا في الموضحة ما قدره الشارع من غير فرق بين أن يكون في الرأس أو في سائر البدن وهكذا غيرها من الجنايات المقدرة وهكذا تكون الحكومات فيما لم يرد فيه تقدير.
وأما كون جناية المرأة على النصف من جناية الرجل فقد قدمنا عند قوله ويلزم في نفس المسلم ما ورد في أن أرشها إلى قدر الثلث كأرش الرجل وما زاد على ذلك كان أرشها على النصف من أرش الرجل وقد ورد في ذلك ما تقوم به الحجة ويصلح للاعتبار وإذا ثبت الشرع طاحت الأقيسة وبطلت الاجتهادات العاطلة عن الدليل.
قوله: "وفي حلمة الثدي ربع الدية".
أقول: قد عرفناك أنه لا وجه لقول المصنف أنها تلزم الدية في كل زوج في البدن بل الواجب التوقف في ذلك على موارد النص كما بيناه سابقا وما لم يرد فيه النص كان المرجع فيه إلى حاكم الشرع فلا وجه لتقدير المصنف بقوله وفي حلمة الثدي ربع الدية.
стр. 993
وأما قوله: "وفي درور الدمعة" إلخ فهذا اجتهاد لا يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به بل كل واحد متعبد بما يؤدي إليه اجتهاده بعد إمعان النظر في التقريب إلى ما ورد به النص.
وأما قوله: "والغرة عبد أو أمة" فقد قدمنا الأدلة الواردة في ذلك.
وأما قوله: "ولا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ينفصل" فهذا مبني على أنها لم تعلم حياته بوجه من الوجوه أما إذا علمت وجب فيه الغرة كما تقدم.
[فصل
ويعقل عن الحر الجاني على آدمي غير رهن خطأ لم تثبت بصلح ولا اعتراف بالفعل موضحة فصاعدا الأقرب فالأقرب الذكر الحر المكلف من عصبته الذين على ملته ثم سببه كذلك على كل واحد دون عشرة دراهم ولو فقيرا ثم في ماله ثم في بيت المال ثم المسلمون ولا شيء عليه إن كفت العاقلة وتبرأ بإبرائه قبل الحكم عليها لا العكس وعن ابن العبد والملاعنة والزنا عاقلة أمه والإمام ولي مسلم قتل ولا وارث له ولا عفو] .
قوله: "فصل: ويعقل عن الحر الجاني" الخ.
أقول: اعلم أنه قد أجمع أهل العلم على ثبوت العقل كما حكى ذلك ابن حجر في فتح الباري وعليه دلت الأحاديث الصحيحة كما في الصحيحين وغيرهما: أن امرأتين من هذيل اقتتلتا ولكل واحدة منهما زوج فبرأ الزوج والولد ثم ماتت القاتلة فجعل النبي ﷺ ميراثها لبنيها والعقل على العصبة, وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال: كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقوله ثم كتب إنه لا يجل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه, وأخرج أحمد في المسند عن عبادة: أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو أمة, قال: فورثها بعلها وبنوها وكان من امرأتيه كلتيهما ولد, قال: فقال أبو القاتلة المقضي عليه: يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل فمثل ذلك بطل؟ فقال رسول الله ﷺ : "هذا من الكهان"، وأخرج أبو داود "٤٥٧٥"، وابن ماجه ٢٦٤٨"، وصححه النووي من حديث جابر: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ الزوج والولد فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله ﷺ : "ميراثها لزوجها وولدها"، وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال: كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والأخرى عامرية وذكر نحو ما تقدم وأخرج الحاكم من حديث ابن إسحاق قال: حدثني عمر بن عثمان بن محمد بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر هذا الكتاب وفيه المهاجرون
стр. 994
من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم والأنصار على ربعتهم يتعاقلون, الحديث.
فهذه الأحاديث وما ورد في معناها قد دلت على ثبوت العقل في الجملة ولا يعارضها مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤ [، وقوله ﷺ : "لا يجني جان إلا على نفسه"، [أحمد "٣/٤٩٨، ٤٩٩"، الترمذي "٣٠٨٧"، ابن ماجة "٢٦٦٩، ٣٠٥٥"] ، وما ورد في معنى ذلك لأنها عمومات مخصصة بأحاديث العقل وليس في هذه الأحاديث التي ذكرناها ما يدل على أن الجنايات التي أثبت الشرع فيها العقل هي جنايات الخطأ بل في هذه الأحاديث ما يشعر بالعمد كما تراه ولكنه أخرج الدارقطني والبيهقي عن عمر أنه قال العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة قال ابن حجر وهو منقطع وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف قال البيهقي والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله ولا يخفاك أن مثل هذا لا يصلح لتقييد تلك الأحاديث المطلقة على تقدير أنه صحيح فكيف يصلح لذلك مع ضعفه وقد أخرج أحمد عن ابن عباس لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك وأخرجه أيضا البيهقي وهذا أيضا قول صحابي لا يصلح لتقييد ما أطلقته السنة وأخرج مالك في الموطأ عن الزهري أنه قال قضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد وأخرج معناه البيهقي عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة فإن أراد بهذه السنة سنة رسول الله ﷺ فهو مخالف لما تقدم في الأحاديث السابقة ولو سلمنا عدم مخالفته لها لاحتمل أن يريدوا سنة الصحابة أو الخلفاء أو عمل أهل المدينة أو نحو ذلك ولا حجة في شيء من ذلك.
وأما ما أخرجه الدارقطني والطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا" ففي إسناده الكذاب المشهور المصلوب في الزندقة محمد بن سعيد وفي إسناده أيضا الحارث بن نبهان وهو منكر الحديث وبهذا تعرف أنه لم يكن في الباب ما يصلح لتقييد ما أطلقته السنة.
فإن قلت: قد أخرج أحمد "١٦/٦٠"، وأبو داود "٤٥٩٠"،والنسائي "٨/٢٦"، وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عمران بن حصين أن غلاما لأناس فقراء قطع اذن غلام لأناس أغنياء فأتى أهله إلى النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئا قلت: ليس فيه إلا إسقاط ضمان جناية الجاني إذا كانت عاقلته فقراء فيخص بهذه الصورة وظاهر قوله إن غلاما لأناس فقراء أنه كان عبدا ويحتمل أن يكون حرا فقيرا كما كان أهله فقراء.
قوله: "الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبته".
أقول: إخراج الولد من هذا العموم لما تقدم من: أن النبي ﷺ برأ الزوج والولد، ويشكل على تقييد من يعقل بكونه عصبة ما أخرجه أحمد وابو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وحسنه أبو زرعة من حديث المقدام بن معد يكرب أنه ﷺ قال: "أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه"، وله شواهد.
стр. 995
وأما تقدير ما يلزم العاقلة بدون عشرة دراهم فلا وجه له من رواية ولا دراية فالأولى الرجوع إلى ما في الأحاديث من إطلاق العقل فتغرم العاقلة الدية وتحصص بينهم وإن بلغ نصيب الواحد ألف درهم.
وأما قوله: "ولو فقيرا" فقد قدمنا حديث عمران بن حصين وهو نص في محل النزاع فلا وجه لإلزام من كان فقيرا من العاقلة ولا يقال إنه ينظر إلى ميسرة كسائر ما يلزمه من الديون لأنا نقول هذا أخص من ذاك فإنه ﷺ لم يجعل على الجاني شيئا حتى تضمنه العاقلة وتحمله عنه والعلة في ذلك فقرهم فكان الفقر مسقطا.
قوله: "ثم في ماله".
أقول: الأدلة قد دلت على أن هذه الدية على العاقلة كما دلت الأحاديث الكثيرة على أن الدية على القاتل فإن جعلنا العقل خاصا بالخطأ فلا معارضة بين الأحاديث وإن جعلناه على العموم فلا بد من الجمع بينها بوجه مقبول وهذا الذي ذكره المصنف من جملة ما يصلح للجمع لأنه يقتضي حمل أحاديث ضمان العاقلة على الإمكان فإن كانوا لا وجود لهم كانت الدية من مال القاتل رجوعا إلى الأصل لئلا يهدر دم امرئ مسلم وأما إذا كانوا فقراء فقد تقدم الدليل على أنهم لا يضمنون وهكذا إذا لم تف أموالهم بالعقل.
قوله: "ثم في بيت المال".
أقول: يدل على هذا ما ثبت في الصحيح [البخاري "١٢/٩"] ، من قوله ﷺ : "أنا أولى بكل مسلم فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا أو ضياعا فإلي وعلي"، ويدل عليه أيضا حديث المقدام بن معد يكرب المتقدم قريبا والدية هي دين ثابت في ذمة الجاني فإذا كان فقيرا كانت من بيت المال كما يكون قضاء دينه من بيت المال وسيأتي في القسامة إن شاء الله أنه ﷺ أعان من وجبت عليه بتسليم الدية من بيت المال.
وأما قوله: "ثم المسلمون" فلا وجه له من دراية ولا رواية وأموال المسلمين تحت العصمة الشرعية فلا يحل شيء منها إلا بناقل صحيح عن تلك العصمة.
وأما قوله: "ولا شيء عليه إن كفت العاقلة" فوجهه ظاهر لأن النبي ﷺ أوجب ذلك عليها.
وأما كونها تبرأ ببراءته قبل الحكم عليها فوجه ذلك أن أصل الوجوب عليه.
وأما قوله: "لا العكس" فلا وجه له بل يبرأ ببراءة العاقلة كما برئت هي ببراءته.
قوله: "ويعقل عن ابن العبد وابن الزنا عاقلة أمه".
أقول: الأولى أن يعقل عن ابن العبد موالي أبيه وقد عرفت أنه لم يرد ما يقيد أحاديث العقل المطلقة وأما ابن الزنا فلا قرابة له إلا من جهة أمه وقد تقدم أن الخال يعقل عمن لا وارث له سواه وهو من عصبة الأم وأرحام ابنها.
قوله: "والإمام ولي مسلم قتل ولا وارث له ولا عفو".
стр. 996
أقول: يدل على ذلك الأدلة المتقدمة التي ذكرناها قريبا ويدل على ذلك أيضا غيرها من العمومات وهو أيضا ولي أموات المسلمين كما كان رسول الله ﷺ فله المطالبة بما يجب لهم وعليهم ولا وجه لقوله ولا عفو بل إليه العفو كما تكون إليه العقوبة لعموم ولايته إذا كان في ذلك مصلحة عائدة على المسلمين أو خصوصا.
стр. 997
باب القسامة
[فصل
تجب في الموضحة فصاعدا إن طلبها الوارث ولو نساء ولا يستبد الطالب بالدية] .
قوله: "تجب في الموضحة فصاعدا" الخ.
أقول: القسامة قد ثبتت في هذه الشريعة في الجملة ولا ينكر ذلك منكر ولا يدفعه دافع وقد أخذ بها الجمهور وعملوا عليها وهي شرع مستقل لا يضرها مخالفتها لبعض ما قد تقرر اعتباره على جهة العموم فإن بناء العام على الخاص واجب وقد قال قوم من السلف إنها غير ثابتة مع اعترافهم بورودها ووقوعها في زمن النبوة وفي أيام الخلفاء الراشدين والقائلون بأنها غير ثابتة هم أبو قلابة وسالم بن عبد الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد وعمر بن عبد العزيز ومن أهل البيت الناصر وعدلوا على مجرد الاستبعاد لثبوتها مع اشتمالها على أحكام تخالف ما هو المتقرر في غالب الأبواب.
وعندي أنه لا وجه لهذا الاستبعاد ولا مقتضى للجزم بعدم ثبوتها لأن النبي ﷺ : "أقرها على ما كانت عليه في الجاهلية"، كما في صحيح مسلم "٧/١٦٧٠"، وغيره النسائي "٨/٢، ٤"، وكانت أول قسامة وقعت في الجاهلية القسامة التي ادعاها أبو طالب عم النبي ﷺ على فخذ من أفخاذ قريش والقصة مستوفاة في صحيح البخاري وغيره وفيها أن أبا طالب قال للذي اتهم بقتل الفتى من بني هاشم اختر منا إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبروهم فقالوا نحلف فاقسامة المشروعة هي هذه التي قررها النبي ﷺ وهي أن يدفع المتهمون بالقتل الدية أو يحلفوا ولا دية عليهم.
وأما ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٦٨٩٨"، مسلم ط١٦٦٩"، وغيرهما أبو داود "٤٥٢٠"، الترمذي "١٤٢٢"، النسائي "٨/٥، ٦، ٧"، ابنماجة "٢٦٧٧"] ، في قصة عبد الله بن سهل الذي قتلته يهود خيبر وأن النبي ﷺ عرض على ورثته أنهم يحلفون ويستحقون فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من
стр. 998
عنده, فينبغي أن يكون هذا على طريق الصلح لأن القسامة التي أقرها رسول الله ﷺ هي قسامة أبي طالب فيحمل ما خالفها كهذه القصة على ما ينبغي أن يحمل عليه ما خالف ما هو الأصل وقد قيل إن النبي ﷺ تلطف لورثة عبد الله بن سهل ليريهم كيف بطلانها ولهذا أسلم الدية من عنده لئلا يهدر دم المقتول.
وأما الجمع للمتهمين بين الإيمان والدية فمخالف لما وقع في قسامة أبي طالب التي قررها رسول الله ﷺ وليس في ذلك إلا ما يروى عن عمر ولا يجوز العمل به لمخالفته لما صح عنه ﷺ .
وإذا عرفت ما ذكرناه من وجوب تأويل ما خالف قسامة أبي طالب فمن جملة ما خالفها في قصة عبد الله بن سهل أنه يحلف من قرابته خمسون ويستحقون فإن اليمين إنما تكون على يقين ولهذا قالوا كيف نحلف ولم نشهد وهذا يقوي ما قدمنا من قول من قال إنه تلطف لورثة عبد الله بن سهل ليريهم كيف بطلانها.
فالحاصل أن القسامة ثابتة في هذه الشريعة فمن ادعاها على قوم فيقال لهم يحلف منهم خمسون فإن حلفوا فليس عليهم شيء من الدية وإن نكلوا فعليهم الدية وإن التبس الأمر كانت من بيت المال كما فعله ﷺ في قصة عبد الله بن سهل وليس غير هذا ولكن في قصة أبي طالب أن الدعوى وقعت على معين فيدل ذلك على أن التعيين لا يبطل القسامة بل يتوجه على قوم ذلك المعين ما يتوجه على قوم وقعت الدعوى على واحد منهم غير المعين وعلى جماعة منهم غير المعينين.
وأما قوله: "تجب في الموضحة فصاعدا" فمبني على صحة إلحاق ما دون النفس بالنفس ولكنه يقال مقتضى قواعدهم أنه لا يقاس على ما ورد مخالفا للقياس بل يقر في موضعه وإن كان الحق ما قدمنا أن كل الشريعة المطهرة واردة على القياس المطابق للحكمة التي ينتفع بها العباد عاجلا وآجلا.
وأما قوله: "إن طلبها الوارث" إلخ فوجهه ظاهر لأن هذا شأن حقوق الآدميين لا تجب إلا بعد الطلب كما تقدم في الدعوى وقد قدمنا هنالك ما ينبغي الرجوع إليه وهكذا لا يبطل حق من لم يعف من عفا وليس في هذا نزاع.
وأما كونه لا يستبعد بالدية الطالب فوجهه أنها عوض عن دم المقتول وهم يستحقونه جميعا ولا يبطل حق الساكت بسكوته.
[فصل
فمن قتل أو جرح أو وجد أكثره في أي موضع يختص بمحصورين غيره ولو بين قريتين استويا فيه أو سفينة أو دار أو مزرعة أو نهر أو لم يدع الوارث على غيرهم
стр. 999
أو معينين فله أن يختار من مستوطنيها الحاضرين وقت القتل خمسين ذكورا مكلفين أحرارا وقت القتل إلا هرما أو مدنفا يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتله ويحبس الناكل حتى يحلف ويكرر على ما شاء إن نقصوا ويبدل من مات ولا تكرار مع وجود الخمسين ولو تراضوا وتعدد بتعدده ثم تلزم الدية عواقلهم ثم في أموالهم ثم في بيت المال فإن كانوا صغارا أو نساء منفردين فالدية والقسامة على عواقلهم وإن وحد بين صفين فعلى الأقرب إليه من ذوي جراحته من رماة وغيرهم] .
قوله: "فصل فمن قتل أو جرح" الخ.
أقول: وجوده على هذه الصفة مقتض لتعلق التهمة بأهل المحل فكان ذلك سببا لثبوت القسامة وجعلوا هذا قائما مقام اللوث الذي اعتبره بعض أهل العلم.
وأما اشتراط أن يختص المحل بمحصورين فلكونها لا تصح الدعوى على من لم ينحصر كالمدن الكبار وقوله غيره يفيد أنه لو كان المحل مختصا بالمتهم كانت القسامة عليه وحده وقد قيل إن ذلك إجماع وفيه نظر فإن قسامة أبي طالب كانت على فرد معين ولم يكن ذلك قادحا في القسامة فهكذا لا يقدح فيها إذا كان القتيل موجودا في مكان يختص بالمتهم.
قوله: "ولو بين قريتين استويا فيه".
أقول: وجه ذلك أن التهمة قد تعلقت بأهل القريتين جميعا مع الاستواء بينهما بالنسبة إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل وأما إذا كان موضع القتيل أقرب إلى أحدهما فالتهمة متعلقة به تعلقا أقوى من صاحب المكان الأبعد ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد "١٦/٤٦"، والبيهقي من حديث أبي سعيد قال وجد رسول الله ﷺ قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله ﷺ فذرع ما بينهما زاد البيهقي فوجد إلى أحد الحيين أقرب بشبر فألقى ديته عليهم قال البيهقي تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما وقال العقيلي هذا الحديث ليس له أصل وروى الشافعي عن عمر أنه كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين قال الشافعي ليس بثابت إنما رواه الشعبي من الحارث الأعور وقال البيهقي روي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر ومجالد غير محتج به قال وقد روي عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع عن عمر قال ابن حجر لكن لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث فقد روى علي بن المديني عن أبي زيد عن شعبة سمعت أبا إسحق يحدث حديث الحارث بن الأزمع يعني هذا قال فقلت يا أبا إسحق من حدثك قال حدثني مجالد عن الشعبي عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحق إلى حديث مجالد ومجالد غير محتج به انتهى.
وأما قوله: "أو سفينة أو دار أو مزرعة أو نهر" فالأمر كذلك.
стр. 1000
وأما قوله: "ما لم يدع الوارث على غيرهم" فوجهه ظاهر لعدم وجود ما هو المناط وهو التهمة.
وأما قوله: "أو معينين" فقد قدمنا الكلام عليه في أول الباب.
قوله: "فله أن يختار" إلخ
أقول: الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن أبي حثمة ورافع ابن خديج وغيرهما بألفاظ ليس فيها إلا أن النبي ﷺ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا"، [البخاري "٣١٧٣"، مسلم "١/١٦٦٩"] ، وفي بعضها: "فيحلفون"، [البخاري "١٢/٢٢٩"] ، وليس في هذا ما يدل على أن لمدعي القسامة أن يختار لليمين من أراد وهكذا في قسامة أبي طالب ليس فيها أنه اختار الخمسين بل طلب أيمان خمسين فالظاهر أن المتهمين يحلف منهم خمسون يعينونهم من أنفسهم وليس للمدعي إلا ذلك.
وأما اشتراط أن يكون الحالفون من مستوطنيها الحاضرين وقت القتل فوجهه أن مناط القسامة التهمة ولا تهمة على من لم يحضر وقت القتل.
وأما اشتراط كونهم أحرارا فوجهه أنهم يدفعون عن أنفسهم باليمين لزوم الدية ولا يلزم العبيد من ذلك شيء فلا يمين عليهم.
وهكذا اشتراط كونهم ذكورا لأن التهمة لا تتعلق بالنساء وأما استثناء المريض والمدنف فوجهه أن التهمة غير متعلقة به فهو كمن لم يحضر.
قوله: "يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتله".
أقول: قد ثبت في صحيح البخاري "٧/١٥٥"، في قسامة أبي طالب التي أقرها الشرع بلفظ: "وإن شئت حلف خمسون من قومك بأنك لم تقتله" فهذا يدل على أنه لا بد أن يحلف الخمسون على أن المعين لم يقتله أو على أنهم لا يعلمون له قاتلا حيث لم يكن معينا وهذا من جملة ما ورد خاصا بالقسامة فإن اليمين على أن المعين لم يقتله وبعد وقوع الدعوى عليه لا يكون إلا باعتبار الرجوع إلى الأصل وهو عدم صدور الفعل من المدعي عليه وفيه ما فيه.
قوله: "ويحبس الناكل حتى يحلف".
أقول: قد قدمنا أن إيجاب اليمين عليهم لأجل إسقاط الدية على ما قررناه من أنه لا دية عليهم بعد حلفهم فمن نكل منهم خوطب بتسليم نصيبه من الدية كما يخاطب من نكل عن اليمين في سائر الحقوق ولا وجه للحبس لأنه قد يكون فيه إكراه عن اليمين الفاجرة.
قوله: "ويكرر على من شاء إن نقصوا".
أقول: قد تقرر أن أيمان القسامة خمسون فحيث لا يتم إلا بالتكرار على بعض من حلف كان ذلك حقا للمدعي لأنه سيترتب على كمال القسامة وهي الخمسون اليمين سقوط الدية ولكن ليس له أن يختار من تكرر عليه اليمين كما قدمنا لأنه ليس له أن يختار من يحلف بل لهم أن يعينوا من يكون التكرار عليه.
стр. 1001
وأما كونه يبدل من مات فوجهه انه لا بد من الخمسين اليمين لكن يكون البدل ممن تتعلق به التهمة لا مطلقا.
وأما كونه لا تكرار مع وجود الخمسين فظاهر لأنها ألجأت الضرورة إلى التكرار فلا تكرار مع السعة.
وأما كونها تتعدد القسامة بتعدد ما تجب فيه فظاهر لأنها واجبة لكل قتيل كما حكم به رسول الله ﷺ .
قوله: "وتلزم الدية عواقلهم".
أقول: قد عرفناك ما هو الصواب في أول الباب فلا نعيده فلا يجب عليهم إذا حلفوا ولا على عواقلهم ويجب في بيت المال مع اللبس كما تقدم.
وأما قوله: "فإن كانوا صغارا أو نساء منفردين" إلخ فالذي ينبغي اعتماده أن التهمة إذا تعلقت بالنساء والصغار حلف من تعلقت به التهمة من النساء وينتظر بلوغ الصغار ثم يحلفون فإن حلفوا أو حلفن فلا ديه عليهن ولا عليهم ولا على عواقلهم وإن لم يحلفوا كانت الدية عليهم وعليهن وأما العواقل فقد تقدم في فصل ضمان العاقلة ما لا يحتاج معه إلى إعادته هنا.
قوله: "فإن وجد بين صفين" الخ.
أقول: قد ثبتت القسامة في وجوده بين قريتين فثبوتها في وجوده بين صفين أولى لأن التهمة أقوى والسبب أظهر فإن كان أحد الصفين أقرب من الآخر كان تعلق التهمة به أقوى إلا أن لا يكون في سلاحهم ما هو المؤثر في الجناية عليه ووجد ذلك في سلاح الصف الأبعد فإن التهمة تنصرف عن الأقربين إلى الأبعدين فما ذكره المصنف هاهنا صواب لأن قوله فعلى الأقرب إليه من ذوي جراحته تدل على أنهم إذا لم يكونوا من ذوي جراحته كانت على ذوي جراحته وإن كان صفهم بعيدا منه.
[فصل
فإن لم يختص أو لم ينحصروا ففي بيت المال ولا تقبل شهادة أحد من بلد القسامة وهي خلاف القياس وتسقط عن الحاملين في تابوت ونحوه وبتعيينه الخصم قبل موته والقول للوارث في إنكار وقوعها ويحلف] .
قوله: "فصل: فإن لم يختص" الخ.
أقول هذا وجه من وجوه الالتباس وقد قدمنا أنها تكون معه على بيت المال وأيضا لا يهدر دم امرئ مسلم.
وأما قوله: "ولا تقبل شهادة أحد من بلد القسامة" فوجهه ما تقدم في الشهادات من أنها
стр. 1002
لا تقبل شهادة من له فيها جلب نفع أو دفع ضرر وقد حققنا ذلك هنالك فأرجع إليه.
وأما قوله: "وهي جارية على خلاف القياس" فمرادهم عند إطلاق مثل هذا أن ما أطلقوه عليه مخالف لغالب ما ثبت في القواعد الشرعية وقد قدمنا الإشارة إلى شيء من هذا.
وأما قوله: "ويسقط عن الحاملين" إلخ فيجاب عنه بأن مثل هذا الفعل لا يستلزم انتفاء التهمة التي عللوا بها لا عقلا ولا شرعا ولا عادة فكيف يكون موجبا لسقوط القسامة عليهم.
وأما قوله: "وبتعيينه الخصم قبل موته" فقد قدمنا أن قسامة أبي طالب التي قررها الشرع كانت على معين عينه المقتول قبل موته.
وأما قوله: "والقول للوارث في إنكار وقوعها" فوجهه أن الأصل عدم ذلك فيكون القول قوله مع يمينه وعليه البينة أنها قد وقعت.
[فصل
وإنما تؤخذ الدية وما يلزم العاقلة في ثلاث سنين تقسيطا] .
قوله: "فصل: وإنما تؤخذ الدية" الخ.
أقول: غاية ما روي في هذا ما أخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين ويقويه ما حكاه الشافعي من الإجماع على ذلك وكذا ما حكاه الترمذي في جامعه وابن المنذر وقد روي التنجيم في ثلاث سنين عن جماعة من الصحابة وقد حكى الرافعي إجماع الصحابة على ذلك.
стр. 1003
كتاب الوصايا
[فصل
إنما تصح من مكلف مختار حالها بلفظها أو لفظ الأمر لبعد الموت وإن لم يذكر وصيا] .
قوله: "فصل: إنما تصح من مكلف".
أقول: الوصية تكليف من التكاليف الشرعية ورد الأمر بها والترغيب إلى فعلها والترهيب
стр. 1004
في تركها وهي أيضا تتضمن إخراج جزء من المال لفلان أو للقربة الفلانية أو عند فلان كذا أو يفعل الوارث كذا أو يترك كذا وهذه أمور لا تصح إلا من المكلف لا من الصغير الذي لم يبلغ التكليف وهذا يكفي في الإستدلال على اشتراط التكليف من فاعلها ولا يصلح لمعارضة هذا ما أورده ابن حجر في التلخيص أن غلاما من غسان حضرته الوفاة وله عشر سنين فأوصى لبنت عم له وارث فرفعت القصة إلى عمر فأجاز وصيته وعزاه إلى مالك من حديث عمرو بن سليم الزرقي أنه قيل لعمر بن الخطاب إن ها هنا غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان ووارثه بالشام وهو ذو مال وليس له هاهنا إلا ابنة عم له فقال عمر فليوص لها الحديث ورواه أيضا من وجه آخر وفيه أن الغلام كان ابن اثنتي عشرة سنة أو عشر سنين وقال البيهقي علق الشافعي القول بجواز وصية الصبي وتدبيره بثبوت الخبر عن عمر لأنه منقطع وعمرو بن سليم لم يدرك عمر قال ابن حجر ذكر ابن حبان في ثقاته أنه كان يوم قتل عمر جاوز الحلم وكأنه أخذ من قوله الواقدي إنه كان حين قتل عمر راهق الإحتلام انتهى.
وإنما قلنا إنه لا يعارض ما ذكرنا لأنه اجتهاد يخالف ما جرت عليه قواعد هذه الشريعة وأدلتها من اشتراط التكليف وقد أمر الله الأولياء بحفظ أموال اليتامى وقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ، وهكذا يقال فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الزهري أن عثمان أجاز وصية غلام ابن إحدى عشرة سنة.
وأما اشتراط الإختيار فلعدم صحة تصرف المكره لا بوصية ولا بغيرها كما تقدم.
وأما قوله: "بلفظها أو لفظ الأمر" فقد عرفناك غير مرة أن المعتبر ما يدل على المقصود ويشعر بالمراد ولو بغير لفظ فضلا عن أن يكون لفظ معين.
وأما إضافة الوصية إلى ما بعد الموت فلأجل تفرق الحال بين الوصية والوكالة.
وأما قوله: "وإن لم يذكر وصيا" فوجهه أن ذلك الذي أمره بأن يفعل بعد موته كذا قد صار وصيا بمجرد هذا الأمر كما سيأتي للمصنف في قوله ويعم وإن سمي معينا إلخ وإذا لم يقع المر لمعين كان التنفيذ واجبا علي الوارث ثم علي حكام الشريعة.
[فصل
وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف فمن رأس المال وإلا فمن الثلث ولا رجوع فيهما] .
قوله: "فصل: وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف فمن رأس المال وإلا فمن الثلث".
أقول: المال ما دام لصاحبه عين تطرف فهو ملكه وله التصرف فيه بما شاء كيف شاء لكنه لما صح عنه ﷺ أنه قال لسعد بن أبي وقاص: "الثلث والثلث كثير - أو كبير - إنك أن تذر
стр. 1005
ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"، بعد أن قال له سعد: إنه يريد أن يتصدق بثلثي ماله قال: "لا" قال: فالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كبير" والحديث في الصحيحين [البخاري "١٢٩٥"، مسلم "٥/١٦٢٨"، وغيرهما أبو داود "٢٨٦٤"، الترمذي "٢١١٦"، النسائي "٦/٢٤١"، ٢٤٢"، ابن ماجة "٢٧٠٨"، أحمد "١/١٧٩"] ، كان ذلك دليلا على عدم جواز مجاوزة الثلث لمن له وارث لأنه علل المنع بذلك.
وأما من لا وارث له فلا يدخل تحت هذا النهي ولا يصح الإستدلال على وجوب الإقتصار على الثلث بقوله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها زيادة لكم في أعمالكم"، أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار والدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف وأخرجه الدارقطني والبيهقي بنحوه من حديث أبي أمامة وفي إسناده مقال ورواه العقيلي في الضعفاء عن أبي بكر الصديق وفي إسناده متروك لأن الحديث لا تقوم به حجة كما ترى وعلى فرض قيام الحجة به فالتصدق منه تعالى عليهم بالثلث لا ينافي تصدقهم بزيادة عليه لأنه تعالى قد جعل كل مالك مفوض في ملكه فلا يخرج عن ذلك إلا ما ورد المنع منه بما لا يجوز مخالفته.
وأما رده ﷺ لبيضة الذهب لمن تصدق بها وكذلك رده لمن تصدق بأحد ثوبيه فالوجه في ذلك ما هو مذكور في الحديثين من أنه "يقعد يتكفف الناس" فهذا هو الموجب لرد هذه الصدقة وقد قدمنا الكلام على نحو هذا في الهبة وفي النذر فارجع إليه.
والحاصل أنه من له وارث لم يصح تصرفه في زيادة على الثلث ومن لا وارث له يصح تصرفه في جميع ماله إذا لم يخش عليه الحاجة إلى الناس والوقوع في المسأ المحرمة ولا فرق بين المرض والصحة ولم يرد ما يدل على هذا الفرق الذي ذكره المصنف وكونه ﷺ قال ذلك لسعد في حال مرضه فقد علله بعلة يستوي فيها المرض وغيره حيث قال: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء" إلخ وهذا الحديث يقيد به ما ورد في الكتاب العزيز من قوله عزوجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، ويؤيده النهي عن وصية الضرار ويؤيده أيضا حديث الرجل الذي أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأعتق النبي ﷺ اثنين وأرق أربعة أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورجال إسناده رجال الصحيح وقد قدمنا الكلام عليه في العتق وفي آخر هذا الحديث أنه قال ﷺ : "لو شهدته قبل أن يدفن في مقابر المسلمين".
قوله: "ولا رجوع فيها".
أقول: ما صدر عن طيبة نفسه بنفوذه في الحال قد حصل المناط الشرعي المقتضي لخروج الملك من مالكه إلى غيهر وأما إذا كانت نفس لا تطيب بالنفوذ ما دام حيا فلا ينفذ ذلك إلا بالموت وله الرجوع قبله لأن المناط الشرعي لم يوجد ها هنا.
стр. 1006
[فصل
وتجب والإشهاد على من له مال بكل حق لآدمي أو لله مالي أو يتعلق به ابتداء أو انتهاء فالثلاثة الأول من رأس المال وإن لم يوص ويقسط الناقص بينها ولا ترتيب والرابع من ثلث الباقي كذلك إن أوصى ويشاركه التطوع] .
قوله: "فصل: تجب والإشهاد على من له مال".
أقول: وجه الوجوب قول الله عزوجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٨٠] ، لا يستلزم نسخ وجوبها لغيرهم ويؤيد الوجوب الحديث الثابت في الصحيحين [البخاري "٢٧٣٨"، مسلم ط١/١٦٢٧"، وغيرهما أبو داود "٢٨٦٢"، النسائي "٦/٢٣٨، ٢٣٩"، الترمذي "٢١١٨"، ابن ماجة "٢٧٠٢"، أحمد "٢/١٠، ٥٠، ٥٧، ٨٠، ١١٣"] ، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه"، وفي هذه العبارة ما يقتضي الإيجاب على طريق المبالغة ولم يأت من أراد دفع دلالة هذا الحديث على الوجوب بطائل وقد حققنا هذا المبحث في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه.
والحاصل أن وجوب تخلص العبد من الحقوق اللازمة له لله ولعباده معلوم بأدلته فإذا لم يكن التخلص عنه في حال الحياة كان التخلص عنه بالوصية واجبا والجمهور وإن قالوا بأنها مندوبة فهم لا يخالفون في مثل هذا لأنهم يوافقون على وجوب التخلص من الواجبات بكل ممكن فإذا لم يمكن إلا بالوصية فهم لا ينكرون الوجوب.
وأما الوصية بما يريد الإنسان أن يتقرب به من القرب فمعلوم أن ذلك إليه وراجع إلى اختياره لأنه لا يجب عليه غير ما هو واجب عليه وأصل التقربات التي لم يوجبها الشرع الندب فلا يزيد عليها ما هو متفرع عليها وهو الوصية.
وأما وجوب الإشهاد فإذا علم الموصي أن وصيته لا تتم إلا بذلك كان واجبا عليه وإلا فلا وجه للوجوب.
وأما قوله: "على من له مال" فوجه ذلك أن من لا مال له قد تعذر عليه التخلص عن الواجب والتقرب بالمندوب فلا فائدة في وصيته ولهذا قال ﷺ : "وله شيء يريد أن يوصي فيه"، لكن إذا علم أنه إذا أوصى حصل تخليص ما عليه من بيت المال أو من إخوانه المسلمين كان ذلك واجبا عليه لأنه نوع من التخلص وقوله لكل حق لآدمي أو لله وجهه ظاهر كما قدمنا.
وأما قوله: "أو يتعلق به ابتداء أو انتهاء" فليس المراد إلا ثبوت ذلك عليه قبل موته فإذا تقرر ثبوته كان له حكم الدين فيخرج من الرأس لقوله عزوجل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، وإن كان ثبوته قبل موته غير متقرر كالنذر والهبة ووصايا القربة مع إضافة ذلك
стр. 1007
إلى ما بعد الموت فمخرجه من الثلث لما قدمنا ومعي وقفة في لزوم الوصية بالحج لمن مات وقد لزمه الحج وقد أوضحت ذلك في حاشيتي على الشفاء بل في كونه يقع عن الميت الموصي به نظر إذا لم يكن الذي يحج عن الميت قريبا له فكيف يقال يجب التحجيج وإن لم يوص الميت به ويخرج من رأس ماله؟.
[فصل
ولا ينفذ في ملك تصرف غير عتق ونكاح ومعاوضة معتادة من ذي مرض مخوف أو مبارز أو مقود أو حامل في السابع وله وارث إلا بزوالها وإلا فالثلث فقط إن لم يستفرق وما أجازه وارث غير مغرور ولو مريضا أو محجورا ويصح إقرارهم ويبين مدعى التوليج] .
قوله: "فصل: ولا ينفذ في ملك تصرف" الخ.
أقول: ما ذكره المصنف ها هنا إلى قوله فالثلث فقط صواب وجهه ما قدمنا عند قوله وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف.
وأما قوله: "وما أجازه وارث غير مقرور" إلخ فوجهه واصح لأنه بذلك أسقط حقه فزال المانع مع وجود المقتضي ولا شك في صحة الإجازة من المريض والمحجور كما يصح الإقرار لأنه مكلف وإقراره حجة عليه فكذا إجازته.
وأما قوله: "ويبين مدعي التوليج" فوجهه أن الأصل عدمه فالقول قدل نافيه والبينة على مدعيه إلا أن توجد شواهد التوليج وقرائنه وثبت بذلك الظاهر والظاهر مقدم على الأصل كما هو المعلوم بالوجدان.
[فصل
ويجب امتثال ما ذكره وعرف من قصده ما لم يكن محظورا ويصح بين أهل الذمة فيما يملكون ولو لكنيسة أو بيعة وتصح للذمي ولقاتل العمد إن تأخرت وللحمل والعبد وبهما وبالرقبة دون المنفعة والفرع دون الأصل والنابت دون المنبت ومؤبدة وعكس ذلك ولذي الخدمة الفرعية والكسب وعليه النفقة والفطرة ولذي الرقبة الأصلية والجناية وهي عليه وأعواض المنافع إن استهلكه بغير القتل للحيلولة إلى موت الموصى
стр. 1008
له أو العبد ولا تسقط بالبيع وهي عيب ويصح إسقاطها] .
قوله: "فصل: ويجب امتثال ما ذكره" الخ.
أقول: وجه هذا أن الميت إن كانت وصيته تتضمن تخليصه من شيء واجب عليه فقد فعل بالوصية ما يجب عليه وكان تنجيزها واجبا على وصيه أو على وارثه أو على سائر المسلمين إن لم يكن ثم وصي ولا وارث والإمام والحاكم أولى المسلمين بالقيام بذلك والإلزام به لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان الذي أوصى به الموصى من القرب التي ليست بواجبه عليه فقد فعل ذلك في ماله الذي أذن الله سبحانه له بالتصرف فيه كيف يشاء وإنفاذ ذلك واجب على الوصي أو على الوارث أو على الإمام والحاكم لأن في إهماله إهمالا لحق امرىء مسلم وهو منكر يجب إنكاره وما عرف من القصد فله حكم اللفظ إذ ليس المراد باللفظ إلا مجرد الدلالة على المعنى الذي يريده اللافظ وقد حصلت هذه الدلالة بالقصد.
وأما قوله: "ما لم يكن محظورا" فوجهه ظاهر لأن ذلك منكر وهو يجب دفعه على كل مسلم ومن دفعه ترك تنفيذه وعدم امتثال أمر الموصي بذلك.
قوله: "ويصح بين أهل الذمة" الخ.
أقول: وجه ذلك أنهم مقرون على شريعتهم فليس لنا تغييره ما فعلوه ولا التعرض لإبطاله إلا أن يترافعوا إلينا ويطلبوا منا حكم الإسلام بينهم في ذلك كان علينا الحكم بينهم بحكم الإسلام كما صرح الله سبحانه به في كتابه العزيز: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] ، وهكذا تصح الوصية من المسلم للذمي لعدم وجود مانع شرعي من ذلك إذا كان الذي أوصى له به مما يجوز لنا معاملة أهل الذمة به فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " في كل كبد رطبة أجر"، [البخاري "٢٣٦٣"، مسلم "٢٢٤٤"، أبو داود "٢٥٥٠"] ، وهو أيضا يشمله الإذن العام بقوله عزوجل: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ، الآية.
قوله: "وتصح لقاتل العمد إن تأخرت".
أقول: لا وجه للتقييد بقوله إن تأخرت بل تصح مطلقا لأن المقتول تصرف بماله الذي أباح له الشرع التصرف فيه ولا مانع من ذلك وكونه قد عصى بالجناية لا يستلزم عدم الصحة الإحسان إليه بل الإحسان إليه قد يكون الثواب فيه أكثر من غيره لأنه من مقابلة الإساءة بالإحسان وهو منزلة عظيمة عند الله وقد ندب الله إلى ذلك بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: [٣٤ – ٣٥] ، أي ما يلقى هذه الخصلة وهي الدفع بالتي هي أحسن إلا من كان كذلك نعم إذا رجع الموصي عن الوصية بعد الجناية أو عرف من قصده ما يقتضي الرجوع عن الوصية كان ذلك مبطلا لها لعدم وجود المناط الشرعي وهوالرضا وطيبة النفس.
стр. 1009
وأما قوله: "وتصح للحمل والعبد" إلى آخر ما ذكره المصنف فوجهه واضح والتفريع على ذلك قد عرف في مواطنه فلا حاجة إلى الكلام منا عليه هنا.
[فصل
وتصح بالمجهول جنسا وقدرا ويستفسر ولو قسرا وثلث المال للمنقول وغيره ولو دينا فإن كان لمعين شارك في الكل وإلا فإلى الورثة تعيينه وثلث كذا لقدره من جنسه ولو شراء ومسمى الجنس كشاة لجنسه ولو شراء والمعين لعينه إن بقيت وشيء ونحوه لما شاءوا والنصيب والسهم لمثل أقلهم ولا يتعد بالسهم السدس والرغيف لما كان ينفق فإن جهل فالأدون وأفضل أنواع البر الجهاد وأعقل الناس أزهدهم ولكذا وكذا ينصفان وإذا ثبت على كذا لثبوته عليه ولو ساعة وأعطوه ما ادعى وصية والفقراء والأولاد والقرابة والأقارب والوارث كما مر] .
قوله: "فصل: وتصح بالمجهول" الخ.
أقول: وجه هذه الصحة أنه قد وجد المقتضي وفقد المانع وليس مجرد الجهالة ابتداء مما يصلح للمانعية لأنها ترتفع بالتفسير أو بالرجوع إلى أقل ما يصدق ذلك اللفظ لا يقال إن قسره على التفسير إكراه والإكراه مانع لأنا نقول هو إنما أكره على تفسير ما قاله حال اختياره وقد ثبت عليه الحق بمجرد الوصية بالمجهول فامتناعه من تفسيره كامتناع من تقرر عليه حق معلوم من تسليمه وللحاكم أن يجبر المتمرد كما تقدم.
قوله: "وثلث المال للمنقول وغيره".
أقول: هذا ظاهر ما يقتضيه لفظ المال إلا أن يمنع من الجري على هذا ظاهر عرف للموصي وأهل محله فإنه مقدم على ما تقتضيه اللغة لا فرق بين المعين وغيره في استحقاق المقاسمة للورثة ولا وجه يقتضي تخصيص المعين بذلك لا من رواية ولا من دراية لأن التعيين مع ذكر لفظ الثلث مشعر أتم إشعار بأن المراد أن هذا الموصى له يأخذ ثلث هذا المعين رضي الوارث أم كره وهكذا له أن يأخذ ثلث ما قال فيه لفلان ثلث كذا ولا وجه للإنتقال إلى جنسه إلا أن يعرف ذلك من قصد الموصي وإنما يعدل إلى الجنس في مسمى الجنس كما قال المصنف ومسمى الجنس لجنسه والمعين لعينه ومن المعين قوله ثلث كذا كما لا يخفى فكلام المصنف متدافع.
وأما قوله: "وشيء ونحوه لما شاءوا" فوجهه أنه يصدق على كل ما شاءه أنه شيء إلا أن يعرف من قصد الموصي ما يخالف ذلك.
стр. 1010
قوله: "والنصيب والسهم لمثل أقلهم".
أقول: وجه هذا أنه لا يريد إلا نصيبا من أنصباء التركة أو سهما من سهامها فإن كان في ذلك عرف معلوم وجب الرجوع إليه وإلا كان المتيقن هو أقل ما يصدق عليه أنه سهم من سهام التركة ونصيب من أنصابها ولا وجه لقول المصنف ولا يتعدى بالسهم السدس فإن الوقوف على السدس تحكم محض لا يدل عليه شرع ولا عقل ولا لغة ولا وجه للفرق بين النصيب والسهم إلا أن يكون المصنف قد بنى ذلك على عرف قد عرفه ولكنه لا يفيد شيئا لأن الإعتبار يعرف المتكلم حال التكلم ولا يلزمه عرف غيره من أهل عصره فضلا عن عرف من عصره قبل عصره.
وأما قوله: "والرغيف لما ينفق منه" فوجهه أن المتبادر ما هو كذلك فإن كان مجهولا رجع إلى عرف أهل بلده فإن لم يكن لهم عرف أو كان العرف مختلفا فالأقل لأنه المتيقن.
قوله: "وأفضل: أنواع البر الجهاد".
أقول: أما أفضل أنواع البر من غير نظر إلى خصوص الوصية فقد اختلفت الأدلة في أفضل الأعمال فتارة يذكر الجهاد وتارة الصلاة لأول وقتها وتارة ذكر الله وتارة بر الوالدين وتارة الصدقة وما ورد في هذا المعنى.
وينبغي الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة بأن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان مثلا قوي القلب مستعدا للجهاد فالجهاد أفضل أعماله ومن كان غير قادر على الجهاد أو يقدر عليه مع ضعف يلحقه وعدم فائدة تحصل منه فأفضل أعماله المحافظة على صلواته وأذكاره أو على بر والديه وإن كان كثير المال فأفضل أعماله الصدقة على ذوي الحاجة والحاصل أن أفضل أعمال كل رجل ما هو أكثر نفعا لغيره وأجود ثمرة وأتم فائدة.
وأما الوصية إذا أوصى بجزء من ماله تصرف في أفضل أعمال البر فذلك يختلف باختلاف الأوقات فأفضل أنواع البر في سني الشدة وأيام المجاعة هو الصدقة وأفضل أنواع البر في أيام المثاغرة للكفار ومدافعتهم عن بلاد الإسلام هو الجهاد وأفضل أنواع البر في غير هاتين الحالتين هو الصرف في العلماء والمتعلمين وتحشيدهم لنشر العلم والإستكثار من التعدريس وتخريج الطلبة وترقيتهم في العلوم فإنه بذلك يحصل تكاثر العلم وتكاثر أهله فيزداد الدين جمالا والإسلام رونقا لأن حملة العلم هم نجومه الذين يستضاء بأنوارهم ويهتدون بهديهم.
والحاصل أن العالم العارف بالموازنة بين الأعمال بين الأعمال مع اختلاف الأوقات لا يخفى عليه راجحها من مرجوحها وفاضلها من مفضولها.
قوله: "وأعقل الناس أزهدهم".
أقول: إن عرف من مقصد الموصي بجزء من ماله لأعقل الناس أنه يريد أعقلهم من حيث ما يقتضيه الشرع فلا شك ولا ريب أن من رغب عن عرض الدنيا الفاني وطلب عرض الآخرة الباقي هو الذي يستحق اسم العقل الكامل والإدراك الصحيح والنظر المطابق لمراد الله سبحانه وإن عرف من مقصد الموصي لأنه يريد أعقلهم باعتبار أمر غير هذا الأمر كالتبصر بإصدار الأمور
стр. 1011
وإيرادها ومداخر الصلاح والنظر في عواقب الأمور وإصابة الرأي والفكر فيما تئول إليه مبادىء الأمور وتنتهي إليه الحوادث كان الصرف إلى من كان هو المقصود للموصى ولا حجر في ذلك فله أن جعل ما شاء من ماله حيث شاء ما لم يكن معصية لله عزوجل.
قوله: "وبكذا وكذا نصفان".
أقول: هذا هو الظاهر من حيث اللغة إلا أن يخالفه عرف للموصي فهو مقدم لأنه لا يتكلم المتكلم في الغالب إلا بما يقتضيه عرفه وما يعتاده أهل بلده وهكذا قوله وإذا ثبت على كذا لثبوته عليه ولو ساعة فإنه قد حصل الثبوت على ذلك الشيء بما يصدق عليه مسمى الثبوت إلا أن يجزي عرف بخلاف ذلك.
وأما قوله: "وأعطوه ما ادعى وصية" فغير مسلم فإن هذا إقرار منه بأنه يستحق من تركته ما يدعي به وحمله على الوصية خلاف الظاهر.
وأما قوله: "الفقراء والأولاد والقرابة والأقارب والوارث كما مر" فقد قدمنا الكلام على ذلك في الوقف فليرجع إليه.
[فصل
ولو قال أرض كذا للفقراء وتباع لهم فلهم الغلة قبل البيع إن لم يقصد ثمنها وثلاثة مضاعفة لستة وأضعافها ثمانية عشر ومطلق الغلة والثمرة والنتاج للموجودة وإلا فمؤبدة كمطلق الخدمة والسكنى وينفذ من سكنى دار لا يملك غيرها سكنى ثلثها ومن أوصى ولا يملك شيئا أو ثم تلف أو نقص فالعبرة بحال الموت فإن زاد فبالأقل] .
قوله: "فصل: ومن قال أرض كذا للفقراء" الخ.
أقول: وجه هذا التمليك قد دل على أنها لهم من وقت التلفظ بما يدل عليه فستحقون ما حصل فيها من الغلة لأنها غلة ملكهم إلا أن يعرف من قوله وتباع لهم أن مراده أن الذي يصير إليهم هو ثمنها فقط فإن الغلة تكون قبل البيع للورثة وهو معنى قوله إن لم يقصد ثمنها واحتاج إلى هذا الإحتراز لاحتمال قوله أو تباع لهم لأمرين.
قوله: "وثلاثة مضاعفة ستة".
أقول: ضعف الشيء ومضاعفته وتضعيفه أني جعل فوقه مثلاه فإن أطلق على مثله فقط فهو مجاز وليس من باب الإشتراك وإذا كان الضعف يطلق على مثلي الأصل كما عرفت فالجمع يدل على أن هذين المثلين مضاعفة ثلاث مرات فيكون ثمانية عشر لأن ذلك أقل الجموع إلا أن يظهر له قصد أو عرف يخالف ذلك فكلام المصنف ﵀ صحيح لا إشكال فيه ولا غبار عليه.
стр. 1012
قوله: "ومطلق الغلة والثمرة والنتاج للموجود".
أقول: وجه ذلك أن اللفظ ينصرف إلى ما هو موجود في الحال فلا يتناول غيره إلا لقرينة وأما إذا قال ذلك الشيء غير موجود فالظاهر أنه أراد ما يحصل من بعد ومع عدم التقييد بالمرة أو المرات يحمل على الأقل وهو ما يحصل أول مرة وليس في ذلك ما يدل على التأبيد لأن التأبيد أمر زائد على مجرد الإطلاق فلا يصار إليه إلا لقرينة.
قوله: "وينفذ من سكنى دار لا يملك غيرها سكنى ثلثها".
أقول: هذا يخالف ما تقدم للمصنف من التفصيل في قوله وما نفذ في الصحة إلخ وقوله ولا ينفذ في ملك تصرف إلخ والأولى أن يقال إن الوصية بسكنى الدار تنفذ في جميع الدار إذا لم يكن وارث على حسب ما قدرناه فيما تقدم.
وأما قوله: "ومن أوصى لا يملك شيئا" إلخ فوجهه أو وقت الموت هو وقت النفوذ فالإعتبار به وجودا أو عدما وزيادة ونقصا ولا وجه لقوله: "فإن زاد فبالأقل".
[فصل
وتبطل برد الموصى له وموته وانكشافه ميتا قبل الموصي وبقتله المصي عمدا وإن عفا وانقضاء وقت المؤقتة وبرجوعه أو المجيز في حياته عمالا يستقر إلا بموته فيعمل بناقضة الأولى] .
قوله: "فصل: وتبطل برد الموصى له".
أقول: وجهه أنه لا يلزم الإنسان حتما إدخال شيء في ملكه بل ذلك مفوض إلى اختياره فإن رضي صار ملكا وإن رده لم يصر ملكا له وأما اعتبار القبول لفظا فلا يوافق رواية ولا دراية بل المعتبر في القبول هو القبض والتصرف وفي عدم القبول هو الرد.
وأما قوله: "وموته" فوجهه أنه لم يوجد من قصد الموصي الإيصاء له فلم تصح الوصية وهكذا انكشافه ميتا قبل الموصي إن كانت الوصية مضافة إلى ما بعد الموت.
قوله: "وبقتل الموصي عمدا".
أقول: لا وجه لإطلاق هذا فإن القتل عمدا إنما هو مبطل للميراث لا مبطل لإحسان المقتول إلى القاتل بوصية ونحوها ولا سيما إذا وقع منه العفو فإنه قد سمح بنفسه فكيف لا يسمح بجزء من ماله وقد قدمنا عند قوله ولقاتل العمد إن تأخرت ما ينبغي الرجوع إليه.
وأما قوله: "وانقضاء وقت المؤقت" فظاهر لا يحتاج إلى ذكره لأن الوصية قد انقطعت بانقطاع وقتها.
стр. 1013
وأما قوله: "وبرجوعه" فوجهه ظاهر لأنه رجع قبل الوقت الذي تنفذ فيه الوصية ويستحقها من هي له وهو قوت الموت.
وأما قوله: "أو المجيز في حياته" فوجهه أن إسقاط حقه إنما يستقر بموت الموصي لأنه وقت النفوذ فإذا رجع قبله كان الرجوع صحيحا وإذا رجع بعده لم يصح لأنه مكلف مختار رضي لنفسه فلا يبطل ذلك الرضا بعد وقت الإستقرار وإلا استلزم هذا الرجوع عن الرضا جواز الرجوع عن سائر ما يرضى به الإنسان فلا تستقر معاملة وقد عرفناك أن الرضا هو المعتبر في جميع المعاملات.
وأما قوله: "فيعمل بناقضة الأولى" فوجهه أنه وقع نقض الأولى في الوقت الذي يجوز له فيه أن يرجع لأنه رجوع قبل وقت الإستقرار فكان العمل على ما ثبت الموصي عليه إلى وقت الإستقرار وهو موته.
[فصل
وإنما يتعين وصيا من عينه الميت وقبل وهو حر مكلف عدل ولو متعددا أو إلى من قبل فيجب قبولها كفاية ويغني عن القبول الشروع وتبطل بالرد ولا تعود بالقبول بعده في الحياة إلا بتجديد ولا بعدها إن رد في وجهه ولا يرد بعد الموت من قبل بعده أو قبله إلا في وجهه وتعم وإن سمى معينا ما لم يحجر عن غيره والمشارف والرقيب والمشروط علمه وصي لا المشروط حضوره ولكل منهما أن ينفرد بالتصرف ولو في حضرة الآخر إن لم يشرط الإجتماع ولا تشاجرا] .
قوله: "فصل: وإنما يتعين وصيا من عينه الميت" الخ.
أقول: أما اشتراط القبول فلا بد منه إذ لا يلزم الإنسان الدخول في شيء حتما وأما اشتراط الحرية فلا وجه له بل العبد كالحر إذا أذن له سيده وإذا مات السيد ولم يأذن له المالك الآخر كان ذلك في حكم موت الوصي الحر حيث لم يوص فتكون الولاية للوارث أو للإمام والحاكم على ما سيأتي.
وأما اشتراط التكليف فقد قدمنا في أول كتاب الوصايا وجه ذلك وأما اشتراط أن يكون عدلا فلم يرد ما يدل على اعتبار العدالة في الوصي كما لم يرد اعتبار العدالة في الوكيل والرسول والشريك ونحوهم وقد رضيه الميت لنفسه وأقامه مقامه بعد موته فوجب امتثال ذلك وإذا تصرف تصرفا يخالف الحق فسيأتي أنها تبطل وصايته.
وأما قوله: "ولو متعددا" فليس في هذا نزاع فللموصي أن يوصي إلى الواحد والإثنين والجماعة.
стр. 1014
وأما قوله: "وإلى من قبل فيجب قبولها كفاية" فلا وجه لهذا الإيجاب بل لكل أحد أن يمتنع من قبولها إذا لم يرد ما يدل على أنه يجب على الإنسان واجب بإيجاب إنسان آخر عليه فإذا لم يقبلها أحد كان ذلك لعدم الوصي من الأصل وسيأتي الكلام فيه.
وأما كونه يغني عن القبول الشروع فوجهه ظاهر لأنه لا يشرع إلا وقد رضي.
وأما كونها تبطل بالرد فوجهه أنه لا يجب على الإنسان أن يدخل نفسه في أعمال لم يوجبها عليه الشرع بل ذلك مفوض إلى اختياره.
وأما قوله: "ولا يعود بالقبول في الحياة إلا بتجديد" فوجهه أن كونه وصيا قد بطل بالرد فلا يعود وصيا إلا بتجديد الوصاية إليه من الموصي وإلا كان ذلك تصرفا في مال الغير بغير مقتض وهو ممنوع لثبوت العصمة لأموال العباد إلا بإذن من الله سبحانه أو من أربابها.
وأما قوله: "ولا بعدها إن رد في وجهه" فقد عرفناك أن الوصاية قد بطلت بالرد ولا فرق بين الرد في وجه الموصي أو في غير وجهه.
وأما قوله: "ولا يرد بعد الموت من قبل بعده" إلخ فلا وجه له لأن استمراره على ذلك لم يجب عليه بإيجاب الشرع ومجرد قبوله لا يستلزم استمراره حتى يقال إنه أوجب ذلك على نفسه فله أن يعزل نفسه متى شاء وكأنه لا وصي من الأصل فيكون لكل وارث ولاية كاملة إن وجد وإلا فللإمام والحاكم كما سيأتي.
قوله: "وتعم وإن سمى معينا".
أقول: لا وجه لهذا لأن التعيين يقتضي قصر إقامته مقام نفسه على ذلك المعين فتصرفه في غيره تصرف في مال الغير بغير إذنه ولا بإذن الشرع إلا أن يفهم ذلك من قصده كان التعميم من حيث القصد لا من حيث تسمية المعين.
قوله: "والمشارف والرقيب والمشروط علمه وصي".
أقول: ليس ها هنا ما يقتضي أن يكون وصيا لا من لفظ ولا قصد وإثبات أحد هذه الأمور لشخص لا يستلزم إثبات ما هو زائد عليها وهو الوصاية المقتضية لما سيأتي من التصرف وغاية ما هنا أنه يكون إلى المشارف المشارفة على التصرفات الواقعة من الوصي فيشير على الموصي بما يستحسنه ويراه صوابا وهكذا الرقيب يكون مراقبا للوصي فيخبر بما وقع منه وليس إليه غير ذلك وأما المشروط علمه فغاية ما هناك أنه لا ينفذ تصرف الوصي حتى يعلم به وإذا علم نفذ وليس له حل ولا عقد ولا إمضاء ولا إبطال إلا أن يظهر من قصد الموصي زيادة على ما تدل عليه هذه الألفاظ كان الإعتبار بالقصد فإذا قصد إثبات الوصاية لكل واحد من هؤلاء كان المؤثر في ذلك هو هذا القصد لا تلك الألفاظ وأما إذا كان الأوصياء اثنين أو أكثر فالأمر كما ذكره المصنف من أن لكل
стр. 1015
واحد منهم أن ينفرد بالتصرف ولو في حضرة الآخر إلا أن يشرط الموصي الإجتماع فهو كالحجر لكل واحد منهما أن يتصرف منفردا وهكذا إذا حصل التشاجر بينهم فإن ذلك يوجب التوقف عليهم حتى يجتمع رأيهم.
[فصل
وإليه تنفيذ الوصايا وقضاء الديون واستيفاؤها والوارث أولى بالمبيع بالقيمة ما لم تنقص عن الدين فبالثمن ولا عقد فيهما وينقض البالغ ما لم يأذن أو يرض وإن تراخى والصغير بعد بلوغه كذلك إن كان له وقت البيع مصلحة ومال فلا] .
قوله: "فصل: وإليه وحده تنفيذ الوصايا وقضاء الديون".
أقول: وجهه أنه أقامه مقام نفسه بعد موته فكان إليه تنفيذ الوصايا لأن هذا هو أعظم المقاصد التي قصدها الموصي وقضاء الديون هو من تنفيذ الوصايا بل من أهمها ومن ذلك استيفاء الديون التي للميت على الغير إذا كان لها مدخل في تنفيذ الوصايا وإلا كان أمرها إلى الوارث لأنها قد صارت ملكا له فلا يحل التصرف في ملكه وقد انقطع حق الميت عن التركة فلم يبق إلى وصية إلا ماله تعلق بوصاياه.
قوله: "والوارث أولى بالمبيع" الخ.
أقول: الوجه في هذه الأولوية أن المبيع إنما هو لقصد قضاء ما على الميت أو ما يحتاج إليه في تجهيزه فإذا بذل الوارث ما يبذله المشتري كان أحق به لأن التركة انتقلت من ملك الميت إلى ملكه فلا يخرج عن ملكه مع بذل القيمة ويكون بين الورثة على التوريت وكأنه من جملة الميراث لا يحتاج إلى تجديد عقد ولكن لا وجه لقول المصنف بالأقل من القيمة أو الثمن بل هو أحق بقيمته التي سيباع بها من الغير فيسلمها موفرة حتى تبقى العين في ملكه وإذا وقع البيع من غير اطلاع الوارث كان له النقض لما وقع من البيع وأخذ المبيع بما كان قد دفعه المشتري فيه ما لم يأذن أو يرض وللوصي أو المشتري أن يطالباه بذلك فيأخذ أوي ترك وليس له أن يتراخى بعد العلم لا كما قال المصنف.
وأما الصغير فإن كان له في المبيع مصلحة ومعه مال كان وليه مفرطا في ترك الطلب فله أن يطلب عند بلوغه وإن لم يكن له مصلحة ومال فليس في الإمكان أبدع مما كان وقد نفذ تصرف الولي والوصي.
стр. 1016
[فصل
وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه والمختلف فيه بعد الحكم مطلقا وقبله حيث تيقنه والوارث صغير أو موافق وإلا فلا وللموافق المرافعة إلى المخالف وما علمه وحده قضاه سرا فإن منع أو ضمن ضمن ويعمل باجتهاده ويصح الإيصاء منه لا النصب] .
قوله: "فصل: وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه" الخ.
أقول: وجه هذا أن الوصية من الموصي ليست بحكم على الغير يلزمه امتثاله فوصية كذلك لأنه مأمور من جهته فما كان مما لا نزاع فيه ولا خلاف ولا ضرار ولا مخالفة للشرع بوجه من الوجوه كان للوصي الإستقلال بفعله وما لم يكن كذلك لم يكن له إلا بحكم الحاكم لقطع الخلاف ودفع معرة النقض من بعد وليس كل مختلف فيه يحتاج إلى حكم الحاكم بل إذا كان مذهب الموصي والوصي هو وجوب التخلص من ذلك ولم يكن ثم منازع من وارث أو غيره كان له الإستقلال فهكذا ينبغي أن يقال وإذا كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه فإن لم يكن له ولي كان له عند بلوغه الدعوى على الوصي بماله فيه حق شرعي.
وأما كون للموافق المرافعة إلى المخالف فلا بد أن يكون على بصيرة بأن عند المخالف الصواب وبيده الحق وإن فعل ذلك كان الواجب علينا الأخذ على يده ومنعه من ذلك.
وأما قوله: "وما علمه وحده قضاه سرا" فوجهه أنه على بصيرة وقد أمره الوصي بالنيابة وأقامه مقامه فكان عليه أن يقضي ديونه الثابتة عليه بالشرع وأثبتها وأحقها بالقضاء ما كان الوصي يعلم به ويتيقنه وإذا نوزع رافع إلى الحاكم ليقطع عنه اللجج.
ولا وجه لقوله فإن منع أو ضمن ضمن بل ليس لأحد من الورثة منعه ولا تضمينه فيما هو معلوم لديه ومتيقن عنده وغاية ما يستحقه المخاصم له هو المرافعة إلى الحاكم فيحكم في ذلك بوجه الشرع ويقطع ما عرض بينهم من الخصومة.
قوله: "ويعمل باجتهاده".
أقول: إذا عرف للموصي قصد كان العمل عليه ووجب على الوصي امتثاله لأن التنجيز والتقييد هو عائد إلى أمره للوصي بالنيابة فليس له أن يفعل غير ما رسمه له الموصي إلا أن يأمره بما لا يحل فليس له الإمتثال كما تقدم ومع التباس الأمر عليه ووقوع الخلاف في الحادثة ترافع إلى حاكم الشرع فما قضى به عمل عليه وقد قدمنا ما يغني عن التكرار ها هنا.
وأما قوله: "ويصح الإيصاء منه" فوجهه أنه قد ثبت له التصرف فيما أقامه الموصي فيه مقامه فله أني جعله إلى الغير في حال حياته ويكون له بمنزلة الوكيل وله أيضا أن يوصي به بعد
стр. 1017
موته إلى وصيه وليس في الشرع ما يمنع من هذا فالأصل الجواز وبهذا تعرف أن له أن ينصب معه من يعينه على التنفيذ لأن الأمر قد صار إليه والتنفيذ قد تعين عليه وليس بهذا بأس ولا عنه مانع من رواية ولا دراية.
[فصل
ويضمن بالتعدي والتراخي تفريطا حتى تلف المال فإن بقي أخرج الصغير متى بلغ وعمل باجتهاد الوصي وبمخالفته ما عين من مصرف ونحوه ولو خالف مذهبه قيل إلا في وقت صرف أو في مصرف واجب أو شراء رقبتين بألف لعتق والمذكور واحدة به وبكونه أجيرا مشتركا وإنما يستحقها إن شرطها أو اعتادها أو عمل للورثة فقط وهي من رأس المال مطلقا ومقدمة على ما هو منه] .
قوله: "فصل: ويضمن بالتعدي".
أقول: التعدي سبب مستقل للضمان لأنه أمر بأمر فليس له أن يتعداه ولا يخالفه فإن فعل فقد اختار لنفسه ضمان ما تلف بسبب تعديه وهكذا إذا تراخى تفريطا لا لسبب من الأسباب فإن تراخيه تساهل منه ومخالفة لأمر الموصي يوجب عليه الضمان لأن التنجيز قد صار واجبا عليه وإن أراد الخلوص من الوصايا فعل قبل أن يفرط بالتراخي فيتلف مال الغير بسببه.
وأما قوله: "فإن فعل أخرج الصغير متى بلغ" فالذي ينبغي في هذا أن يقال قد بطلت وصايته بتعديه أو تفريطه فإن لم يتلف المال كان الأمر إلى الوارث كما سيأتي أن لكل وارث ولاية كاملة مع عدم الوصي فإن كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه وإلا ناب عنه الإمام أو الحاكم ولا وجه لانتظار لبلوغه ولا العمل باجتهاد الوصي وهكذا يضمن الوصي بمخالفة ما عين الموصي إذا تسبب عن ذلك تلف شيء من المال لأنه مأمور بأمر فمخالفته له سبب لضمانه.
وأما قوله: "وبكونه أجيرا مشتركا" فوجهه أنه قد صار بالأجرة أجيرا مع كونه وصيا فيضمن ضمان الأجير وقد قدمنا الكلام على ما صرح به المصنف من تقسيم الأجير إلى خاص ومشترك وإثبات أحكام لكل واحد منهما فليرجع إليه.
وأما كونه لا يستحق الأجرة إلا مع الشرط أو الإعتبار فذلك ظاهر أما مع الشرط فلكون الموصي قد رضي بذلك فكان عليه القدر المشروط من الأجرة وأما مع الإعتياد فلكون معاملته محمولة على ما جرت به عادته ولكن إذا لم يعلم بذلك الوصي لم يجب عليه ولا على وارثه دفع ما يعتاده من الأجرة بل يدفع إليه أجرة المثل.
وأما قوله: "أو عمل للورثة" فلا وجه له بل لا بد من الشرط عليهم أو الإعتياد للأجرة
стр. 1018
في مثل ذلك وإلا فالأصل عندهم في المنافع عدم العوض فكان عليهم هنا أن لا يجعلوا مجرد العمل للورثة سببا لاستحقاق الأجرة.
وأما دعوى أن أجرة الوصي من رأس المال ومقدمة على ما هو منه فكلام لم يربط بدليل ولا اقتضاه رأي صحيح وغاية ما هناك أن تكون أجرته من مخرج ما يباشر إخراجه وتنفيذه فما كان من الرأس كانت أجرته فيه من الرأس وما كان من الثلث كانت أجرته فيه من الثلث تنزيلا له منزلة المستحقين لشيء من التركة من دين لهم أو صرف إليهم.
[فصل
فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة في التنفيذ وفي القضاء والإقتضاء من جنس الواجب فقط ولا يستبد أحد بما قبض ولو قدر حصته ويملك ما شرى به ويرجعون عليه لا على أي الغريمين فإن لم يكونوا فالإمام ونحوه] .
قوله: "فصل: فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة".
أقول: القرابة لها زيادة اختصاص والورثة لهم أيضا مزيد خصوصية على سائر القرابة الذين لا يرثون ويدل على هذا ما أخرجه أحمد "٤/١٣٦، ٥/٧"، وابن ماجه "٢٤٣٣"، وابن سعد وعبد بن حميد وابن نافع والباوردي والطبراني في الكبير والضياء في المختارة بإسناد رجاله ثقات عن سعد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي ﷺ : "إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه"، فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة, قال: "فأعطها فإنها محقة".
وأما تقييد القضاء والإقتضاء والتنفيذ بكونه من جنس الواجب فوجهه ظاهر لأن في العدول عن الجنس مخالفة لقصد الموصي وقد يكون فيه مخالفة لغرض سائر الورثة.
وأما كونه لا يستبد أحد من الورثة بما قبض فوجهه واضح لأنه مشترك بين جميعهم ولا وجه لقوله ويملك ما شرى به ولكنه بنى على عدم تعين النقد فيملك ويغرم لهم مثله والظاهر أن لهم المطالبة بإرجاع عين النقد الذي قبضه لأنه فيما عدا نصيبه غاصب وقد قدمنا في الغصب ما قدمنا.
وأما قوله: "فإن لم يكونوا فالإمام والحاكم" فوجهه شمول ولايتهما بمثل هذا فإن تنفيذ وصايا الموصي بما يجب عليه التخلص عنه وبما يتقرب به من القرب حق عليهما لأن إهمال ذلك منكر والقيام به أمر بمعروف وهما أحق الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1019
[فصل
وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب ولو لوارث ومن المعدم بأن يبره الإخوان] .
قوله: "فصل: وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب".
أقول: التقرب إلى الله عزوجل بطاعاته مشروع لعباده في كل وقت وإليه وقع الترغيب بالآيات والأحاديث الكثيرة وحالة الوصية من جملة الأوقات التي تدخل تحت تلك الأدلة ولا سيما والموصى أحوج ما كان إلى التقرب بالبر والإحسان ومثل هذا لا يحتاج إلى الإستدلال عليه بمثل قوله: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم" الحديث المتقدم.
وأما اشتراط أن يكون ماله غير مستغرق بالدين فوجهه أن قضاء ما يجب قضاؤه أهم من التقرب بما لا يجب وألزم وأحق.
وأما التقييد بالثلث فإن كان له وارث فهو صحيح وإن لم يكن له وارث فله أن يجاوزه كما قدمنا تحقيقه.
قوله: "ولو لوارث".
أقول: إن كان الدليل على جواز الوصية للوارث هو ما ورد في القرآن من الوصية للوالدين والأقربين فقد وقع الإتفاق على أنه منسوخ غير ثابت الحكم والقول بأنه نسخ الوجوب وبقي الندب غير مسلم ولو سلمنا لكان ما ورد عنه ﷺ من أنه: "لا وصية لوارث"، رافعا لهذا الندب ودافعا له فإنه قد ثبت ذلك من طرق منها ما أخرجه أحمد "٤/١٨٢"، والنسائي "٦/٢٤٧"، والترمذي "٢١٢١"، وصححه وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لغامها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، ومنها ما أخرجه أحمد "٥/٢٦٧"، وأبو داود "٢٨٧٠"، والترمذي "٢١٢٠"، وابن ماجه "٢٧١٣"، وحسنه الترمذي من حديث أبي أمامة قال سمعت النبي ﷺ بقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، وما قيل من أن في إسناده إسماعيل بن عياش فقد تقرر عند الأئمة الحفاظ أنه قوي إذا روى عن الشاميين وهذا من روايته عن الشاميين لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة وقد صرح في روايته بالتحديث فلم يبق للحديث علة يعل بها ومنها ما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة"، وقد حسنه ابن حجر في التلخيص وقال في الفتح رجاله ثقات قال لكنه معلول فقد قيل أن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني وأخرج نحوه البخاري "٥/٣٧٢"، من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا قال: إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع انتهى. وقد تقرر أن الرفع
стр. 1020
زيادة غير منافية والعمل بها واجب فلا علة حينئذ للحديث ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة"، وفي إسناده مقال وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه "٢٧١٤"، وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد حكى ابن حجر عن الشافعي أنه قال وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث"، ويؤثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى.
ولا يخفاك أن هذا حكم على الحديث بأنه متواتر فلم يبق ما يوجب الإشتغال بالكلام على طرقه والعمل بالمتواتر واجب وهو ينسخ الكتاب العزيز إذا تأخر فلو قدرنا أن آية الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخها آية المواريث لكان هذا الحديث يكفي في نسخها وقد قدمنا لك أن الإتفاق كائن على أنها منسوخة إما بآية المواريق أو بالحديث وأيضا هذا الحديث يقيد ما ورد مطلقا في القرآن لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، وما ورد في السنة كالحديث الذي تقدم من قوله: "ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه"، وهكذا يقيد قوله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم"، وهكذا سائرها ورد في مشروعية الوصية مطلقا فلم يبق في المقام ما يقتضي التوقف عن إبطال الوصية للوارث وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة وكتبنا فيه أبحاثا مطولة في جوابات أسئلة
وذكرت في تفسيري ما ينبغي المراجعة له.
قوله: "ومن المعدم بأن يبره الإخوان".
أقول: وجه هذا أن ذلك قد يكون منشطا لهم إلى صلته بالدعاء وغيره وأيضا إذا قد وقعت منه الوصية لحقه ما وصل به لأن الوصية سعي فيدخل تحت قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وقد وردت الأدلة الكثيرة بأنه يلحق الإنسان أنواع من القرب وإن لم يوص وقد ذكرنا هذه الأنواع التي وردت بها الأدلة في شرحنا للمنتقى فليرجع إليه.
следующие страницы →