← Акыда

Акыда · id 7344

الصارم المسلول على شاتم الرسول

ابن تيمية

Полный текст (591 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بتأويل كان بمنزلة ما يتلفه أهل البغي والعدل حال القتال لا ضمان فيه وما أتلفوه في غير حال الحرب ضمنته كل طائفة للأخرى فليس حال من تأول فيما فعله من النقض كحال من لم يتأول. وأيضا فإن ما يفعله بالمسلمين من الضرر الذي ينتقض به عهده لا بد له من عقوبة لأنه لا يجوز إخلاء الجرائم التي تدعو إليها الطباع من عقوبة زاجرة وشرع الزواجر شاهد لذلك ثم لا يخلو إما أن تكون عقوبته من جنس عقوبة من يفعل ذلك من مسلم أو ذمي بامرأة ذميه أو دون ذلك أو فوق ذلك والأول باطل لأنه يلزم أن يكون عقوبة المعصوم والمباح سواء ولأن الذي نقض العهد يستحق العقوبة على كفره وعلى ما فعله من الضرر الذي نقض به العهد وإنما أخرت عقوبة الكفر لأجل العهد فإذا ارتفع العهد استحق العقوبة على الأمرين وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من فعل ذلك وهو معصوم وبين مباح دمه لم يفعل ذلك لأن هذه المعاصي إذا فعلها المسلم فإنها منجبرة بما يلتزمه من نصر المسلمين ومنفعتهم وموالاتهم فلم يتمحض مضرا للمسلمين لأن فيه منفعة ومضرة وخيرا وشرا بخلاف الذمي فإنه إذا ضر المسلمين تمحض ضررا لزوال العهد الذي هو مظنة منفعته ووجود هذه الأمور المضرة وإذا لم يجز أن يعاقب بمثل ما يعاقب به المسلم فأن لا يعاقب بما هو دونه أولى وأحرى فوجب أن يعاقب بما هو فوق عقوبة المسلم ثم المسلم يتحتم قتله إذا فعل مثل هذه الأشياء فتحتم عقوبة ناقض العهد أولى لكن يختلفان في جنس العقوبة فهذا عقوبته القتل فيجب أن يتحتم وذلك عقوبته تارة القتل وتارة القطع وتارة الرجم أو الجلد. فصل. إذا تلخصت هذه القاعدة فيمن نقض العهد على العموم فنقول: شاتم

стр. 282

رسول الله ﷺ يتعين قتله كما قد نص عليه الأئمة. أما على قول من يقول: يتعين قتل كل من نقض العهد وهو في أيدينا أو يتعين قتل كل من نقض العهد بما فيه ضرر على المسلمين وأذى لهم كما ذكرناه في مذهب الإمام أحمد وكما قد دل عليه كلام الشافعي الذي نقلناه أو نقول: يتعين قتل من نقض العهد بسب الرسول ﷺ وحده كما قد ذكره القاضي أبو يعلي وغيره من أصحابنا وكما ذكره طائفة من أصحاب الشافعي وكما نص عليه عامة الذين ذكروه في نواقض العهد وذكروا أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد على سبيل الإجمال فإنهم ذكروا في مواضع أخر أنه يقتل من غير تخيير فظاهر. وأما على قول من يقول: إن كل ناقض للعهد فإن الإمام يتخير فيه كالأسير فقد ذكرنا أنهم قالوا: إنه يستوفى منه الحقوق كالقتل والحد والتعزير لأن عقد الذمة على أن تجري أحكامنا عليه وهذه أحكامنا ثم إذا استوفينا منه ذلك فالإمام مخير فيه كالأسير وعلى هذا القول فيمكنهم أن يقولوا: إنه يقتل لأن سب رسول الله ﷺ موجب للقتل حدا من الحدود كما لو نقض العهد بزنى أو قطع طريق فإنه يقام عليه حد ذلك فيقتل إن أوجب القتل بل قد يقتل الذمي حدا من الحدود وإن لم ينتقض عهده كما لو قتل ذميا آخر أو زنى بذمية فإنه يستوفي منه القود وحد الزنى وعهده باق ومذهب مالك يمكن أن يوجه على هذا المأخذ إن كان فيهم من يقول لم ينتقض عهده. وبالجملة فالقول بأن الإمام يتخير في هذا إنما يدل عليه كلام بعض الفقهاء أو إطلاقه وكذلك القول بأنه يلحق بمأمنه وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة فإن تقرر في هذا خلاف فهو ضعيف نقلا لما قدمناه وتوجيها لما سنذكره

стр. 283

والدليل على أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا المفاداة به من طريقين. أحدهما: ما تقدم من الأدلة على وجوب قتل ناقض العهد إذا نقضه بما فيه ضرر على المسلمين مطلقا. الثاني: ما يخصه وهو من وجوه: أحدها: ما تقدم من الآيات الدالة على وجوب قتل الطاعن في الدين. الثاني: حديث الرجل الذي قتل المرأة اليهودية على عهد رسول الله ﷺ وأهدر النبي ﷺ دمها وقد تقدم من حديث على بن أبي طالب وابن عباس فلو كان سب النبي ﷺ يرفع العهد فقط ولا يوجب القتل لكانت هذه المرأة بمنزلة كافرة أسيرة وبمنزلة كافرة دخلت إلى دار الإسلام ولا عهد لها ومعلوم أنه لا يجوز قتلها وأنها تصير رقيقة للمسلمين بالسبي وهذه المرأة المقتولة كانت رقيقة والمسلم إذا كانت له أمة كافرة حربية لم يجز له ولا لغيره قتلها لمجرد كونها حربية بل تكون ملكا لسيدها ترد عليه إذا أخذها المسلمون ولا نعلم بين المسلمين خلافا أن المرأة لا يجوز قتلها لمجرد الكفر إذا لم تكن معاهدة كما يقتل الرجل لذلك ولا نعلم أيضا خلافا في أن المرأة إذا ثبت في حقها حكم نقض العهد فقط مثل أن تكون من أهل الهدنة وقد نقضوا العهد فإنه لا يجوز قتل نسائهم وأولادهم بل تسترق النساء والأولاد وكذلك الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فمن ولد له بعد نقض العهد لم يجز قتل النساء منهم والأطفال بل يكونون رقيقا للمسلمين وكذلك أهل الذمة إذا امتنعوا بدار الحرب ونحوها. فمن الفقهاء من قال: العهد باق في ذريتهم ونسائهم كما هو المعروف عن الإمام أحمد وقال أكثرهم: ينتقض العهد في الذرية والنساء أيضا ثم لا يختلفون أن النساء لا يقتلن وأصل ذلك أن الله ﵎ يقول: في كتابه

стр. 284

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فأمر بقتال الذين يقاتلون فعلم أن شرط القتال كون المقاتل مقاتلا. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وعن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها يعني ويتعجبون من قتلها حتى لحق رسول الله ﷺ على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: " ما كانت هذه لتقاتل " فقال لأحدهم: "الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا " رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر "نهى عن قتل النساء والصبيان " رواه الإمام أحمد. وفي الباب أحاديث مشهورة على أن هذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفا عن سلف وذلك لأن المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن لا تكون فتنة أي لا يكون أحد يفتن أحدا عن دين الله فإنما نقاتل من كان ممانعا عن ذلك وهم أهل القتال فأما من لا يقاتل عن ذلك فلا وجه لقتله كالمرأة والشيخ الكبير والراهب ونحو ذلك ولأن المرأة تصير رقيقة للمسلمين ومالا لهم ففي قتلها تفويت لذلك عليهم من غير حاجة وإضاعة المال لغير حاجة نعم لو قاتلت المرأة جاز أن تقتل بالاتفاق لوجود المعنى فيها

стр. 285

الذي جعل الله ورسوله عدمه مانعا من قتلها بقوله ﷺ : " ما كانت هذه لتقاتل " لكن هل يجوز أن تقصد بالقتل كما يقصد الرجل أو يقصد كفها كما يقصد كف الصائل؟ ففيه خلاف بين الفقهاء فإذا كان الحكم في المرأة مثل ذلك وقد أهدر النبي ﷺ دم امرأة ذمية لأجل سبها مع أن قتلها لو كان حراما لأنكره النبي ﷺ كما أنكر قتل المرأة التي وجدها مقتولة في بعض مغازيه وإن لم تكن مضمونة بدية ولا كفارة فإنه ﷺ لا يسكت عن إنكار المنكر بل إقراره دليل على الجواز والإباحة علم أن السابة ليست بمنزلة الأسيرة الكافرة لأن تلك لا يجوز قتلها وعلم أن السب أوجب قتلها بنفسه كما يجب قتلها بالإجماع إذا قطعت الطريق وقتلت فيه وإذا زنت وكما يجب قتلها بالردة عند جماهير العلماء. فإن قيل: يجوز أن يكون سبها للنبي ﷺ بمنزلة قتالها والمرأة إذا قاتلت وكانت معاهدة انتقض عهدها كالرجل إذا فعل ذلك ويجوز أن تكون حينئذ بمنزلة المرأة المقاتلة إذا أسرت يتخير الإمام فيها بين أربعة أشياء كما يتخير في الرجل المقاتل إذا أسر. قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن هذه المرأة لم يصدر عنها إلا مجرد شتم النبي ﷺ بحضرة سيدها المسلم ولم تحض أحدا من المشركين للقتال ولا أشارت على الكفار برأي تعين فيه على قتال المسلمين ومعلوم أن من لم يقاتل بيده ولا أعان على القتال بلسانه لم يجز أن ينسب إليه القتال بوجه من الوجوه ونحن لا ننكر أن من لا يجوز قتله كالراهب والأعمى والشيخ الفاني والمقعد ونحوهم إذا كان لهم رأي في القتال وكلام يعينون به على قتال المسلمين كانوا بمنزلة المقاتلين لكن مجرد سب المرأة لرسول الله ﷺ عند قوم مسلمين ليس من هذا القبيل وإنما هو أذى لله ولرسوله أبلغ من القتال من بعض الوجوه فلو لم يكن موجبا

стр. 286

للقتل لكانت المرأة الكافرة قد قتلت لأنها مقاتلة وهي لم تقاتل وذلك غير جائز فعلم أنه موجب للقتل وإن لم يكن قتالا وقد يكون قتالا إذا ذكر في معرض الحض على قتال المسلمين وإغراء الكفار بحربهم فأما في هذه الواقعة فلم يكن من القتال المعروف. الجواب الثاني: أنا نسلم أن سب النبي ﷺ بمنزلة محاربة المسلمين ومقاتلهم من بعض الوجوه كما كتب أبو بكر الصديق ﵁ أن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك يعني سب الأنبياء من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر بل هو من أبلغ أنواع الحراب كما تقدم تقريره لكن الجواب نوعان: أحدهما: ما ينقطع مفسدته بالقتل تارة وبالاسترقاق أخرى وبالمن أو الفداء أخرى وهو حراب الكافر بالقتال يدا ولسانا فإن الحربي والحربية المقاتلة إذا أسرا فاسترقا انقطع عن المسلمين ضررهما كما قد يزول بالقتل وكذلك لو من عليهما رجاء أن يسلما إذا بدت مخائل الإسلام أو رجاء أن يكفا عن المسلمين شر من خلفهما أو فودي بهما فهنا مفسدة المحاربة قد تزول بهذه الأمور. الثاني: ما لا تزول مفسدته إلا بإقامة الحد فيه مثل حراب المسلم أو المعاهدة في دار الإسلام بقطع الطريق ونحوه فإن ذلك يتحتم إقامة الحد فيه باتفاق الفقهاء. فهذه الأمة التي كانت تسب النبي ﷺ قد حاربت في دار الإسلام فإن قيل "تعاقب بالاسترقاق" فهي رقيقة لا يتغير حالها وإن قيل "يمن عليها أو يفادي بها" لم يجز لوجهين: أحدهما: أنها ملك مسلم ولا يجوز إخراجها عن ملكه مع حياتها

стр. 287

الثاني: أن ذلك إحسان إليها وإزالة للرق عنها فلا يجوز أن يكون جزاء لسبها وحرابها فتعين قتلها. الجواب الثالث: أن مفسدة السب لا تزول إلا بالقتل لأنها متى استبقيت طمعت هي وغيرها في السب الذي هو من أعظم الفساد في الأرض كقاطع الطريق سواء بخلاف المرأة المقاتلة إذا أسرت فإن مفسدة مقاتلتها قد زالت بأسرها ولا يمكنها مع استرقاقها أن تقاتل ويمكنها أن تظهر السب والشتم فصار سبها من جنس الجنايات التي توجب العقوبات لا تزول مفسدتها إلا بإقامة الحد فيها وعلم أن الذمية التي تسب ليست بمنزلة الحربية التي تقاتل إذا أسرت بل هي بمنزلة الذمية التي تقطع الطريق وتزني. الجواب الرابع: أن الحديث فيه حكم وهو القتل وسبب القتل هو السب فيجب إضافة الحكم إلى السبب والأصل إيجاد الحكم فمن زعم أن السبب حكم آخر احتاج إلى دليل وقياسه على الأسيرة لا يصح لما سيأتي إن شاء الله تعالى. الجواب الخامس: أنها لو كانت بمنزلة الأسيرة لكان النظر فيها للإمام لا يجوز لآحاد الرعية تخير واحدة من الخصال الأربع فيها ومن قتلها ضمنها بقيمتها للمسلمين إن كانت فيئا وللغانمين إن كانت مغنما فعلم أن القتل كان واجبا فيها عينا. يبقى أن يقال: الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه وجوابه من وجوه: أحدها: أن السيد له أن يقيم الحد على عبده بدليل قوله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " وقوله: " إذا زنت أمة أحدكم فليحلدها " ولا أعلم خلافا بين فقهاء الحديث أن له أن يقيم عليه الحد مثل حد الزنا والقذف والشرب ولا خلاف بين المسلمين أن له أن

стр. 288

يعزره واختلفوا هل له أن يقيم عليه قتلا أو قطعا مثل قتله لردته أو لسبه النبي ﷺ وقطعه للسرقة؟ وفيه عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما يجوز وهو منصوص عن الشافعي والأخرى: لا يجوز كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وهو قول مالك وقد صح عن ابن عمر أنه قطع يد عبد له سرق وصح عن حفصة أنها قتلت جارية لها اعترفت بالسحر وكان ذلك برأي ابن عمر فيكون الحديث حجة لمن يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده مطلقا وعلى هذا القول فالسيد له أن يقيم الحد على عبده بعلمه في المنصوص عن الإمام أحمد هو إحدى الروايتين عن مالك والنبي ﷺ لم يطلب من سيد الأمة بينة على سبه بل صدقة في قوله: "كانت تسبك وتشتمك" ففي الحديث حجة لهذا القول أيضا. الوجه الثاني: أن ذلك أكثر ما فيه أنه افتئات على الإمام والإمام له أن يعفو عمن أقام حدا واجبا دونه. الوجه الثالث: أن هذا وإن كان حدا فهو قتل حربي أيضا فصار بمنزلة قتل حربي تحتم قتله وهذا يجوز قتله لكل أحد وعلى هذا يحمل قول ابن عمر في الراهب الذي قيل له إنه يسب النبي ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته. الوجه الرابع: أن مثل هذا قد وقع على عهد رسول الله ﷺ مثل المنافق الذي قتله عمر بدون إذن النبي ﷺ لما لم يرض بحكمه فنزل القرآن بإقراره ومثل بنت مروان التي قتلها ذلك الرجل حتى سماه النبي ﷺ ناصرا لله ورسوله وذلك أن من وجب قتله لمعنى يكيد به الدين ويفسده ليس بمنزلة من قتل لأجل معصية من زنى ونحوه. الجواب السادس: أن الفقهاء قد اختلفوا في المرأة المقاتلة إذا أسرت هل

стр. 289

يجوز قتلها؟ ومذهب الشافعي أنها لا تقتل فلو كانت هذه إنما قتلت لكونها قد قاتلت لم يجز أن تقتل بعد الأسر عنده فلا يصح أن يورد هذا السؤال على أصله. الدليل الثالث: أن الساب لو صار بمنزلة الحربي فقط لكان دمه معصوما بأمان يعقد له أو ذمة أو هدنة ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم والنفر الذين أرسلهم النبي ﷺ إلى كعب بن الأشرف جاؤا إليه على أن يستلفوا منه وحادثوه وماشوه وقد آمنهم على دمه وماله وكان بينه وبينهم قبل ذلك عهد وهو يعتقد بقاءه ثم إنهم استأذنوه في أن يشموا ريح الطيب من رأسه فأذن لهم مرة بعد أخرى وهذا كله يثبت الأمان فلو لم يكن في السب إلا مجرد كونه كافرا حربيا لم يجز قتله بعد أمانة إليهم وبعد أن أظهروا له أنهم مؤمنون له واستئذانهم إياه في إمساك يديه فعلم بذلك أن إيذاء الله ورسوله موجب للقتل لا يعصم منه أمان ولا عهد وذلك لا يكون إلا فيما أوجب القتل عينا من الحدود كحد الزنى وحد قطع الطريق وحد المرتد ونحو ذلك فإن عقد الأمان لهؤلاء لا يصح ولا يصيرون مستأمنين بل يجوز اغتيالهم والفتك بهم لتعين قتلهم فعلم أن ساب النبي ﷺ كذلك. يؤيد هذا ما ذكره أهل المغازي من قول النبي ﷺ : "إنه لو قر كما قر غيره ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف" فإن ذلك دليل على أن لا جزاء له إلا القتل. الدليل الرابع: قوله ﷺ إن كان ثابتا "من سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد" فأوجب القتل عينا على كل ساب ولم يخير بينه وبين غيره وهذا ما يعتمد في الدلالة إن كان محفوظا. الدليل الخامس: أن النبي ﷺ دعا الناس إلى قتل ابن الأشرف لأنه كان يؤذي الله ورسوله وكذلك كان يأمر بقتل من يسبه أو

стр. 290

يهجوه إلا من عفا عنه بعد القدرة وأمره ﷺ للايجاب فعلم وجوب قتل الساب وإن لم يجب قتل غيره من المحاربين وكذلك كانت سيرته لم يعلم أنه ترك قتل أحد من السابين بعد القدرة عليه إلا من تاب أو كان من المنافقين وهذا يصلح أن يكون امتثالا للأمر بالجهاد وإقامة الحدود فيكون على الإيجاب يؤيد ذلك أن في ترك قتله تركا لنصر الله ورسوله وذلك غير جائز. الدليل السادس: أقاويل الصحابة فإنها نصوص في تعيين قتله مثل قول عمر ﵁: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه" فأمر بقتله عينا ومثل قول ابن عباس ﵄: "أيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء ﵈ أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه" فأمر بقتل المعاهد إذا سب عينا ومثل قول أبي بكر الصديق ﵁ فيما كتب به إلى المهاجر في المرأة التي سبت النبي ﷺ : "لولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد ومعاهد فهو محارب غادر" فبين أن الواجب كان قتلها عينا لولا فوات ذلك ولم يجعل فيه خيرة إلى الإمام لا سيما والسابة امرأة وذلك وحده دليل كما تقدم ومثل قول ابن عمر في الراهب الذي بلغه أنه يسب النبي ﷺ : "لو سمعته لقتلته" ولو كان كالأسير الذي يخير فيه الإمام لم يجز لابن عمر اختيار قتله وهذا الدليل واضح. الدليل السابع: أن ناقض العهد بسب النبي ﷺ ونحوه حاله أغلظ من حال الحربي الأصلي وخروجه عما عاهدنا عليه بالطعن في الدين وأذى الله ورسوله ومثل هذا يجب أن يعاقب عقوبة يزجر أمثاله عن مثل حاله والدليل عليه قوله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ

стр. 291

كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فأمر الله رسوله إذا صادف الناكثين بالعهد في الحرب أن يشرد بهم غيرهم من الكفار بأن يفعل بهم ما يتفرق به أولئك وقال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فحض على قتال من نكث اليمين وهم بإخراج الرسول وبدأ بنقض العهد ومعلوم أن من سب الرسول ﷺ فقد فعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول وبدئنا أول مرة ثم قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فعلم أن تعذيب هؤلاء وإخزاءهم ونصر المؤمنين عليهم وشفاء صدورهم بالانتقام منهم وذهاب غيظ قلوبهم مما آذوهم به أمر مقصود للشارع مطلوب في الدين ومعلوم أن هذا المقصود لا يحصل ممن سب النبي ﷺ وآذى الله تعالى ورسوله وعباده المؤمنين إلا بقتله لا يحصل بمجرد استرقاقه ولا بالمن عليه والمفادة به. وكذلك أيضا تنكيل غيره من الكفار الذين قد يريدون إظهار السب لا يحصل على سبيل التمام إلا بذلك ولا يعارض هذا من نقض العهد في طائفة ممتنعة إذا أسرنا واحدا منهم لأن قتال أولئك والظهور عليهم يحصل هذا المقصود بخلاف ما كان في أيدينا قبل السب وبعده فإن لم نحدث فيه قتالا لم يحصل هذا المقصود. وجماع ذلك أن ناقض العهد لا بد له من قتال أو قتل إذ لا يحصل المقصود إلا بذلك وهذا الوجه وإن كان فيه عموم لكل من نقض

стр. 292

العهد بالأذى لكن ذكرناه هنا لخصوص الدلالة أيضا فإنها تدل عموما وخصوصا. الدليل الثامن: أن الذمي إذا سب النبي ﷺ فقد صدر منه فعل تضمن أمرين أحدهما: انتقاض العهد الذي بيننا وبينه الثاني: جنايته على عرض رسول الله ﷺ وانتهاكه حرمته وإيذاء الله ورسوله والمؤمنين وطعنه في الدين وهذا معنى زائد على مجرد كونه كافرا قد نقض العهد. ونظير ذلك أن ينقضه بالزنى بمسلمة أو بقطع الطريق على المسلمين وقتلهم وأخذ أموالهم أو بقتل مسلم فإن فعله مع كونه نقضا للعهد قد تضمن جناية أخرى فإن الزنى وقطع الطريق والقتل من حيث هو هو جناية ونقض العهد جناية كذلك هنا سب رسول الله ﷺ من حيث هو هو جناية منفصلة عن نقض العهد له عقوبة تخصه في الدنيا والآخرة زائدة على مجرد عقوبة التكذيب بنبوته والدليل عليه قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ فعلق اللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب المهين بنفس أذى الله ورسوله فعلم أنه موجب ذلك وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ وقد تقدم تقريره. يوضح ذلك أن النبي ﷺ لما دخل مكة آمن الناس الذين كانوا يقاتلونه قبل ذلك والذين نقضوا العهد الذي كان بينه وبينهم وخانوه إلا نفرا منهم القينتان اللتان كانتا تغنيان بهجائه وسارة مولاة بني عبد المطلب التي كانت تؤذيه بمكة فإذا كان قد أمر بقتل التي كانت تهجوه من النساء مع أن قتل

стр. 293

المرأة لا يجوز إلا إذا قاتلت وهو ﷺ قد آمن جميع أهل مكة من كان قد قاتل ونقض العهد من الرجال والنساء علم بذلك أن الهجاء جناية زائدة على مجرد القتال والحراب لأن التفريق بين المتامثلين لا يقع من النبي ﷺ كما أنه أمر بقتل ابن خطل لأنه كان قد قتل مسلما ولأنه كان مرتدا ولأنه كان يأمر بهجائه وكل واحد من القتل والردة والأمر بهجائة جناية زائدة على مجرد الكفر والحراب ومما يبين ذلك أنه قد كان أمر بقتل من كان يؤذيه بعد فتح مكة مثل ابن الزبعرى وكعب بن زهير والحويرث بن نقيد وابن خطل وغيرهم مع أمانه لسائر أهل البلد وكذلك أهدر دم أبي سفيان بن الحارث وامتنع من إدخاله عليه وإدخال عبد الله بن أبي أمية لما كانا يقعان في عرضه وقتل ابن أبي معيط والنضر بن الحارث دون غيرهما من الأسرى وسمى من يبذل نفسه في قتله ناصرا لله ورسوله وكان يندب إلى قتل من يؤذيه ويقول: "من يكفيني عدوي" وكذلك أصحابه يسارعون إلى قتل من آذاه بلسانه وإن كان أبا أو غيره وينذرون قتل من ظفروا به من هذا الضرب وقد تقدم من بيان ذلك ما فيه بلاغ ومن المعلوم أن هؤلاء لو كانوا بمنزلة سائر الكفار الذين لا عهد لهم لم يقتلهم ولم يأمر بقتلهم في مثل هذه الأوقات التي آمن فيها الناس وكف عمن هو مثلهم فعلم أن السب جناية زائدة على الكفر وقد تقدم تقرير ذلك في المسألة الأولى على وجه يقطع العاقل أن سب الرسول ﷺ جناية لها موقع يزيد على سائر الجنايات بحيث يستحق صاحبها من العقوبة ما لا يستحقه غيره وإن كان كافرا حربيا مبالغا في محاربة المسلمين وأن وجوب الانتصار ممن كان هذه حاله كان مؤكدا في الدين والسعي في إهدار دمه من أفضل الأعمال وأوجبها وأحقها بالمسارعة إليه وابتغاء رضوان الله تعالى فيه وأبلغ الجهاد الذي كتبه الله على عباده وفرضه عليهم ومن تأمل الذين أهدر النبي ﷺ دماءهم يوم الفتح واشتد غضبه عليهم حتى قتل بعضهم في نفس الحرم وأعرض

стр. 294

عن بعضهم وانتظر قتل بعضهم وجد لهم جرائم زائدة على الكفر والحراب من ردة وقتل ونحو ذلك وجرم أكثرهم إنما كان من سب رسول الله ﷺ وأذاه بألسنتهم فأي دليل أوضح من هذا على أن سبه وهجاءه جناية زائدة على الكفر والحراب لا يدخل في ضمن الكفر كما يدخل سائر المعاصي في ضمن الكفر وعلى أن المعاهدين إذا نقضوا العهد وفيهم من سب النبي ﷺ كان للسب عقوبة زائدة على عقوبة مجرد نقض العهد؟. ومما يدل على أن السب جناية زائدة على كونه كفرا وحرابا وإن كان متضمنا لذلك أن النبي ﷺ قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين كما تقدم بيانه وقد كان له أن يقتلهم كما تقدم ذكره في حديث أبي بكر وغيره ولو كان السب مجرد ردة لوجب قتله كالمرتد يجب قتله فعلم أنه قد تغلب في السب حق النبي ﷺ بحيث يجوز له العفو عنه. ومما يدل على أن السب جناية مفردة أن الذمي لو سب واحدا من المسلمين أو المعاهدين ونقض العهد لكان سب ذلك الرجل جناية عليه يستحق بها من العقوبة ما لا يستحقه بمجرد نقض العهد فيكون سب رسول الله ﷺ دون سب واحد من البشر. ومما يدل على ذلك أن ساب النبي ﷺ وشاتمه يؤذيه شتمه وهجائه كما يؤذيه التعرض لدمه وماله قال الله تعالى لما ذكر الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فجعل الغيبة التي هي كلام صحيح بمنزلة أكل لحم المغتاب ميتا فكيف ببهتانه؟ وسب النبي ﷺ لا يكون إلا بهتانا.

стр. 295

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن المؤمن كقتله" وكما يؤذي ذلك غيره من البشر. وأيضا فإن ذلك يؤذي جميع المؤمنين ويؤذي الله ومجرد الكفر والمحاربة لا يحصل بهما من أذاه ما يحصل بالوقيعة في العرض مع المحاربة فلو قيل: "إن الواقع في عرضه ممن انتقض عهده بمنزلة غيره ممن انتقض عهده" لكانت الوقيعة في عرض رسول الله ﷺ وأذاه بذلك جرما لا جزاء له من حيث خصوص النبي ﷺ وخصوص أذاه كما لو قتل رجل نبيا من الأنبياء فإن لقتله من العقوبة ما لا يستحق على مجرد الكفر والمحاربة وهذا كله ظاهر لا خفاء به فإن دماء الأنبياء وأعراضهم أجل من دماء المؤمنين وأعراضهم فإذا كان دماء غيرهم وأعراضهم لا تندرج عقوبتها في عقوبة مجرد نقض العهد فأن لا تندرج عقوبة دمائهم وأعراضهم في عقوبة نقض العهد بطريق الأولى. ومما يوضح ذلك أن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق: حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة ومن حيث طعن في ألوهيته فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآباءهم وأبناءهم وسب جميعهم كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس

стр. 296

أجمعين وتعلق به حق رسول الله ﷺ من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله وأكثر مما يؤذيه الضرب بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة فإن هتك عرضه قد يكون أعظم عنده من قتله فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفره عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة فكيف يجوز أن يعتقد عاقل أن هذه الجناية بمنزلة ذمي كان في ديار المسلمين فلحق ببلاد الكفار مستوطنا لها مع أن ذلك اللحاق ليس في خصوصه حق لله ولا لرسوله ولا لأحد من المسلمين؟ أكثر ما فيه أن الرجل كان معتصما بحبلنا فخرق تلك العصمة فإنما أضر بنفسه لا بأحد من المؤمنين. فعلم بذلك أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في الكفر والمحاربة وهذا ظاهر إن شاء الله. إذا ثبت ذلك فنقول: هذه الجناية جناية السب موجبها القتل لما تقدم من قوله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فعلم أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل ولما تقدم من إهدار النبي ﷺ دم المرأة السابة مع أنها لا تقتل لمجرد نقض العهد ولما تقدم من أمره ﷺ بقتل من كان يسبه مع إمساكه عمن هو بمنزلته في الدين وندبه الناس إلى ذلك والثناء على من سارع في ذلك ولما تقدم من الحديث المرفوع

стр. 297

ومن أقوال الصحابة ﵃ أن من سب نبيا قتل ومن سب غير نبي جلد. والذي يختص بهذا الموضع أن نقول: هذه الجناية إما أن يكون موجبها بخصوصها القتل أو الجلد أو لا عقوبة لها بل تدخل عقوبتها في ضمن عقوبة الكفر والحراب. وقد أبطلنا القسم الثالث والقسم الثاني أيضا باطل لوجوه. أحدها: أنه لو كان الأمر كذلك لكان الذمي إذا نقض العهد بسب النبي ﷺ ينبغي أن يجلد لسب النبي ﷺ لأنه حق آدمي ثم يكون كالكافر الحربي يقتل للكفر ومعلوم أن هذا خلاف ما دلت عليه السنة وإجماع الصحابة فإنهم اتفقوا على القتل فقط فعلم أن موجب كلا الجنايتين القتل والقتل لا يمكن تعدده وكذلك كان ينبغي أن يجلد المرتد لحق النبي ﷺ ثم يقتل لردته كمرتد سب بعض المسلمين فإنه يستوفى منه حق الآدمي ثم يقتل ألا ترى أن السارق يقطع لسرقته التي هي حق لله ويرد المال المسروق إذا كان باقيا بالاتفاق ويغرم بدله إن كان تالفا عند أكثر الفقهاء ولا يدخل حق الآدمي في حق الله مع ايجاد السبب. الثاني: أنه لو لم يكن موجبه القتل وإنما القتل موجب كونه ردة لم يجز للنبي ﷺ العفو عنه لأن إقامة الحد على المرتد واجبة بالاتفاق لا يجوز العفو عنه فلما عفا عنه النبي ﷺ في جناية دل على أن السب نفسه يوجب القتل حقا للنبي ﷺ ويدخل فيه حق الله تعالى ويكون سابه وقاذفه بمنزلة ساب غيره وقاذفه قد اجتمع في سبه حقان: حق لله وحق لآدمي فلو أن المسبوب والمقذوف عفا عن حقه لم يعزر القاذف

стр. 298

والساب على حق الله بل دخل في العفو كذلك النبي ﷺ إذا عفا عمن سبه دخل في عفوه عنه حق الله فلم يقتل لكفره كما لا يعزر ساب غيره لمعصيته مع أن المعصية المجردة عن حق آدمي توجب التعزير. يوضح ذلك أنه قد ثبت أنه كان له أن يقتل من سبه كما في حديث أبي بكر وحديث الذي أمر بقتله لما كذب عليه وحديث الشعبي في قتل الخارجي وكما دلت عليه أحاديث قد تقدم ذكرها وثبت له أن يعفو عنه كما دل عليه حديث ابن مسعود وأبي سعيد وجابر وغيرهم فعلم أن سبه يوجب القتل كما أن سب غيره يوجب الجلد وإن تضمن سبه الكفر بالله كما تضمن سب غيره المعصية لله ويكون الكفر والحراب نوعين: أحداهما حق لله خالص والثاني ما فيه حق لله وحق لآدمي كما أن المعصية قسمان: أحدهما حق خالص لله والثاني حق لله ولآدمي ويكون هذا النوع من الكفر والحراب بمنزلة غيره من الأنواع في استحقاق فاعله القتل ويفارقه في الاستيفاء فإنه إلى الآدمي كما أن المعصية بسب غير النبيين بمنزلة غيرها من المعاصي في استحقاق فاعلها الجلد ويفارق غيرها في أن الاستيفاء فيها إلى الآدمي. يوضح هذا أن الحق الوجب على الإنسان قد يكون حقا محضا لله وهو ما إذا كفر أو عصى على وجه لا يؤذي أحدا من الخلق فهذا إذا وجب فيه حد لم يجز العفو عنه بحال وقد يكون حقا محضا لآدمي بمنزلة الديون التي تجب للإنسان على غيره من ثمن مبيع أو بدل قرض ونحو ذلك من الديون التي تثبت بوجه مباح فهذا لا عقوبة فيه بوجه وإنما يعاقب على الدين إذا امتنع عن وفائه والامتناع معصية وقد يكون حقا لله ولآدمي مثل حد القذف والقود وعقوبة السب ونحو ذلك فهذه الأمور فيها العقوبة من الحد والتعزير والاستيفاء فيها مفوض إلى اختيار الآدمي: إن أحب استوفى القود وحد القذف وإن شاء عفا فسب النبي ﷺ لو كان من القسم الثاني لم يكن فيه عقوبة بحال فتعين أن يكون من القسم الثالث وقد ثبت أن

стр. 299

عقوبته القتل فعلم أن سب النبي ﷺ من حيث هو سب له وحق لآدمي عقوبته القتل كما أن سب غيره من حيث هو سب له وحق لآدمي عقوبته الجلد إما حدا أو تعزيرا وهذا معنى صحيح واضح. وسر ذلك أنه إذا اجتمع الحقان فلا بد من عقوبة لأن معصية الله توجب العقوبة إما في الدنيا أو في الآخرة فإذا كان الاستيفاء جعل الله ذلك إلى المستحق من الآدميين لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيره فهو كله للذي أشرك كذلك من عمل عملا لغيره فيه عقوبة جعل عقوبته كلها لذلك الغير وكانت عقوبته على معصية الله تمكين ذلك الإنسان من عقوبته. وتمام هذا المعنى أن يقال: بعد موت النبي ﷺ يتعين القتل لأن المستحق لا يمكن منه المطالبة والعفو كما أن من سب أو شتم أحدا من أموات المسلمين عزر على ذلك الفعل لكونه معصية لله وإن كان في حياته لا يؤدى حتى يطلب إذا علم. الوجه الثالث: أن سب النبي ﷺ لا يجوز أن يكون من حيث هو سب بمنزلة سب غيره من المؤمنين لأنه ﵊ يباين سائر المؤمنين من أمته في عامة الحقوق فرضا وخطرا وغيرهما مثل وجوب طاعته ووجوب محبته وتقديمه في المحبة على جميع الناس ووجوب تعزيره وتوقيره على وجه لا يساويه فيه أحد ووجوب الصلاة عليه والتسليم إلى غير ذلك من الخصائص التي لا تحصى وفي سبه إيذاء لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من عباده وأقل ما في ذلك أن سبه كفر ومحاربة وسب غيره ذنب ومعصية ومعلوم أن العقوبات على قدر الجرائم فلو سوى بين سبه وسب غيره لكان تسوية بين السبين المتباينين وذلك لا يجوز فإذا كان سب غيره مع كونه معصية يوجب الجلد وجب أن يكون سبه مع كونه كفرا يوجب القتل ويصير ذلك نوعا من أنواع الكفر من وجه ونوعا من أنواع السب من وجه فمن حيث

стр. 300

هو من جنس الكفر أوجب القتل ومن حيث هو من جنس السب كان حقا لآدمي. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ لم يعاقب أحدا منهم إلا بالقتل ولو كان هو بانفراده لا يوجب القتل وإنما يوجب ما دونه وهو ﷺ قد عفا عن عقوبته فيما دونه وآمن من فعل ذلك لكان صاحب ذلك لا ينبغي قتله لأن ذنبه الذي يختصه لا يقتضي القتل. فإن قيل: فقتله بمجموع الأمرين. قلنا: وهذا المقصود لأن السب حيث كان فإنه مستلزم لكفر لا عهد له. الدليل التاسع: أن سب رسول الله ﵊ مع كونه من جنس الكفر والحراب أعظم من مجرد الردة عن الإسلام فإنه من المسلم ردة وزيادة كما تقدم تقريره فإذا كان كفر المرتد قد تغلظ لكونه قد خرج عن الدين بعد أن دخل فيه فأوجب القتل عينا فكفر الساب الذي آذى الله ورسوله وجميع المؤمنين من عباده أولى أن يتغلظ فيوجب القتل عينا لأن مفسدة السب في أنواع الكفر أعظم من مفسدة مجرد الردة. وقد اختلف الناس في قتل المرتدة وإن كان المختار قتلها ونحن قد قدمنا نصوصا عن النبي ﷺ ﷺ وأصحابه في قتل السابة الذمية وغير الذمية والمرتد يستتاب من الردة ورسول الله ﷺ وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه فعلم أن كفره أغلظ فيكون تعيين قتله أولى. الدليل العاشر: أن تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله ﷺ واجب حسب الإمكان لأنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين كله لله فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين

стр. 301

ظاهرا ولا كلمة الله عالية وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسراق وقطاع الطريق بحسب الإمكان بخلاف تطهيرها من أصل الكفر فإنه ليس بواجب وجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة ملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب القدرة يتعين عقوبة فاعلها العقوبة المحدودة في الشرع إذا لم يكن لها مستحق معين فوجب أن يتعين قتل هذا لأنه ليس لهذه الجناية مستحق معين لأنه تعين بها حق الله ورسوله وجميع المؤمنين وبهذا يظهر الفرق بين الساب وبين الكافر لجواز إقرار ذلك على كفره مستخفيا به ملتزما حكم الله ورسوله بخلاف المظهر للسب. الدليل الحادي عشر: أن قتل ساب النبي ﷺ وإن كان قتل كافر فهو حد من الحدود ليس قتلا على مجرد الكفر والحراب لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة ومن أن النبي ﷺ وأصحابه أمروا فيه بالقتل عينا وليس هذا موجب الكفر والمحاربة ولما تقدم من قول الصديق ﵁ في التي سبت النبي ﷺ : "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود" ومعلوم أن قتل الأسير الحربي ونحوه من الكفار والمحاربين لا يسمى حدا ولأن ظهور سبه في ديار المسلمين فساد عظيم أعظم من جرائم كثيرة فلا بد أن يشرع له حد يزجر عنه من يتعاطاه فإن الشارع لا يهمل مثل هذه المفاسد ولا يخليها من الزواجر وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع وهو حد لغير معين حي لأن الحق فيه لله تعالى ولرسوله وهو ميت ولكل مؤمن وكل حد يكون بهذه المثابة فإنه يتعين إقامته بالاتفاق. الدليل الثاني عشر: أن نصر رسول الله ﷺ وتعزيره

стр. 302

وتوقيره واجب وقتل سابه مشروع كما تقدم فلو جاز ترك قتله لم يكن ذلك نصرا له ولا تعزيزا ولا توقيرا بل ذلك أقل نصره لأن الساب في أيدينا ونحن متمكنون منه فإن لم نقتله مع أن قتله جائز لكان ذلك غاية في الخذلان وترك التعزيز له والتوقير وهذا ظاهر. واعلم أن تقرير هذه المسألة له طرق متعددة غير ما ذكرناه ولم نطل الكلام هنا لأن عامة الدلائل المذكورة في المسألة الأولى تدل على وجوب قتله لمن تأملها فاكتفينا بما ذكرناه هناك وإن كان القصد في المسألة الأولى بيان جواز قتله مطلقا وهنا بيان وجوب قتله مطلقا وقد أجبنا هناك عمن ترك النبي ﷺ قتله منم أهل الكتاب والمشركين السابين وبينا أن ذلك إنما كان في أول الأمر حين كان مأمورا بالعفو والصفح قبل أن يؤمر بقتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ويجاهد الكفار والمنافقين وأنه كان له أن يعفو عمن سبه لأن هذه الجريمة غلب فيها حقه وبعد موته لا عافي عنها والله أعلم

стр. 303

المسألة الثالثة: أنه يقتل ولا يستتاب سواء كان مسلما أو كافرا . قال الإمام أحمد في رواية حنبل: "كل من شتم النبي ﷺ وتنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب". وقال: "كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد والذمة". وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم النبي ﷺ يستتاب؟ قال: "قد وجب عليه القتل ولا يستتاب خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي ﷺ ولم يستتبه". هذا مع نصه أنه مرتد إن كان مسلما وأنه قد نقض العهد إن كان ذميا وأطلق في سائر أجوبته أنه يقتل ولم يأمر فيه باستتابة هذا مع أنه لا يختلف

стр. 304

نصه ومذهبه أن المرتد المجرد يستتاب ثلاثا إلا أن يكون ممن ولد على الفطرة فقد روي عنه أنه يقتل ولا يستتاب والمشهور عنه استتابة جميع المرتدين واتبع في استتابته ما صح في ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم من الصحابة ﵃ أنهم أمروا باستتابة المرتد في قضايا متفرقة وقدرها عمر ﵁ ثلاثا وفسر الإمام أحمد قول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" بأنه المقيم على التبديل الثابت عليه فإذا تاب لم يكن مبدلا وهو راجع يقول: قد أسلمت. وهل استتابة المرتد واجبة أو مستحبة؟ فيه عن الإمام أحمد روايتان وكذلك الخرقي أطلق القول بأن من قذف أم النبي ﷺ قتل مسلما كان أو كافرا وأطلق أبو بكر أنه يقتل من سب النبي ﷺ وكذلك غيرهما مع أنهم في المرتد يذكرون أنه لا يقتل حتى يستتاب فإن تاب من السب بأن يسلم أو يعود إلى الذمة إن كان كافرا أو يعود إلى الإسلام إن كان مسلما ويقلع عن السب فقال القاضي في المجرد وغيره من أصحابنا: "والردة تحصل بجحد الشهادتين وبالتعريض بسب الله ﵎ وبسب النبي ﷺ " إلا أن الإمام أحمد قال: "لا تقبل توبة من سب النبي ﷺ لأن المعرة تلحق النبي ﷺ بذلك" وكذلك وقال ابن عقيل: قال أصحابنا في سب النبي ﵊: إنه لا تقبل توبته من ذلك لما تدخل من المعرة من السب على النبي ﵊ وهو حق لآدمي لم يعلم إسقاطه. وقال القاضي في خلافه وابنه أبو الحسين: "إذا سب النبي ﷺ قتل ولم تقبل توبته مسلما كان أو كافرا ويجعله ناقصا للعهد" نص عليه أحمد. وذكر القاضي النصوص التي قدمناها عن الإمام أحمد في أنه يقتل

стр. 305

ولا يستتاب وقد وجب عليه القتل قال القاضي: لأن حق النبي ﷺ يتعلق به حقان حق لله وحق للآدمي والعقوبة إذا تعلق بها حق لله وحق لآدمي لم تسقط بالتوبة كالحد في المحاربة فإنه لو تاب قبل القدرة لم يسقط حق الآدمي من القصاص ويسقط حق الله. وقال أبو المواهب العكبري: يجب لقذف النبي ﷺ الحد المغلظ وهو القتل تاب أو لم يتب ذميا كان أو مسلما. وكذلك ذكر جماعات آخرون من أصحابنا أنه يقتل ساب النبي ﷺ ولا تقبل توبته سواء كان مسلما أو كافرا ومرادهم بأنه لا تقبل توبته أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة والتوبة اسم جامع للرجوع عن السب بالإسلام وبغيره فلذلك أتوا بها وأرادوا أنه لو رجع عن السب بالإسلام أو بالإقلاع عن السب والعود إلى الذمة إن كان ذميا لم يسقط عنه القتل لأن عامة هؤلاء لما ذكروا هذه المسألة قالوا: خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن كان مسلما يستتاب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد وإن كان ذميا فقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهده واختلف أصحاب الشافعي فيه فعلم أنهم أرادوا بالتوبة توبة المرتد وهي الإسلام ولأنهم قد حكموا بأنه مرتد وقد صرحوا بأن توبة المرتد أن يرجع إلى الإسلام وهذا ظاهر فيه فإن كل من ارتد بقول فتوبته أن يرجع إلى الإسلام ويتوب من ذلك القول وأما الذمي فإن توبته لها صورتان: إحداهما: أن يقلع عن السب ويقول: لا أعود إليه وأنا أعود إلى الذمة وألتزام موجب العهد. والثانية: أن يسلم فإن إسلامه توبة من السب. وكلا الصورتين تدخل في كلام هؤلاء الذين قالوا: لا تقبل توبته مسلما كان أو كافرا وإن كانت الصورة الثانية أدخل في كلامهم في الأولى لكن إذا

стр. 306

لم يسقط عنه القتل بتوبة هي الإسلام فأن لا يسقط بتوبة هي العود إلى الذمة أولى وإنما كانت أدخل لأنه قد علم أن التوبة من المسلم إنما هي الإسلام فكذلك من الكافر لذكرهم توبة الاثنين بلفظ واحد ولأن تعليلهم بكونه حق آدمي وقياسه على المحارب دليل على أنه لا يسقط بالإسلام ولأنهم قد صرحوا في مواضع يأتي بعضها أن التوبة من الكافر هنا إسلامه. وقد صرح بذلك جماعة غيرهم فقال القاضي الشريف أبو علي بن أبي موسى في "الإرشاد" وهو ممن يعتمد نقله: "ومن سب رسول الله ﷺ قتل ولم يستتب ومن سبه ﷺ من أهل الذمة قتل وإن أسلم". وقال أبو علي بن البناء في "الخصال والأقسام" له: "ومن سب النبي ﷺ وجب قتله ولا تقبل توبته وإن كان كافرا فأسلم فالصحيح من المذهب أنه يقتل أيضا ولا يستتاب" قال: ومذهب مالك كمذهبنا. وعامة هؤلاء لم يذكروا خلافا في وجوب قتل المسلم والكافر وأنه لا يسقط بالتوبة من إسلام وغيره وهذه طريقة القاضي في كتبه المتأخرة من "التعليق الجديد" وطريقة من وافقه وكان القاضي في "التعليق القديم" وفي "الجامع الصغير" يقول: "إن المسلم يقتل ولا تقبل توبته وفي الكافر إذا أسلم روايتان" قال القاضي في "الجامع الصغير" الذي ضمنه مسائل التعليق القديم: "ومن سب أم النبي ﷺ قتل ولم تقبل توبته فإن كان كافرا فأسلم ففيه روايتان" إحداهما: "يقتل أيضا" والثانية: "لا يقتل ويستتاب" قياسا على قوله في الساحر: "إذا كان كافرا لم يقتل وإن كان مسلما قتل" وكذلك ذكر من نقل من "التعليق القديم" مثل الشريف أبي جعفر

стр. 307

قال إذا سب أم النبي ﵊ قتل ولم تقبل توبته وفي الذمي إذا سب أم النبي ﷺ روايتان إحداهما: يقتل والأخرى: لا يقتل. قال: وبهذا التفصيل قال مالك وقال أكثرهم: تقبل توبته في الحالين. لنا أنه حد وجب كقذف آدمي فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي ﷺ . وكذلك قال أبو الخطاب في رؤوس المسائل: "إذا قذف أم النبي ﷺ لا تقبل التوبة منه وفي الكافر إذا سبها ثم أسلم روايتان" وقال أبو حنيفة والشافعي: "تقبل توبته في الحالين". لنا أنه حد وجب لقذف آدمي فلا يسقط بالتوبة دليله قذف غير أم النبي ﷺ . وإنما ذكرت عبارة هؤلاء ليتبين أن مرادهم بالتوبة هنا من الكافر الإسلام ويظهر أن طريقتهم هي بعينها طريقة ابن البناء في أن المسلم إذا سب لم تقبل توبته وأن الذمي إذا سب ثم أسلم قتل أيضا في الصحيح من المذهب. فإن قيل: فقد قال القاضي في خلافه "فإن قيل: أليس قد قلتم لو نقض العهد بغير سب النبي ﷺ مثل أن نقضه بمنع الجزية أو قتال المسلمين أو أذيتهم ثم تاب قبلتم توبته وكان الإمام فيه بالخيار بين أربعة أشياء كالحربي إذا حصل أسيرا في أيدينا هلا قلتم في سب النبي ﷺ إذا تاب منه كذلك قيل: لأن سب النبي ﷺ قذف لميت فلا يسقط بالتوبة كما لو قذف ميتا" وهذا من كلامه يدل على أن التوبة غير الإسلام لأنه لو نقض العهد بغير السب ثم أسلم لم يتخير الإمام فيه.

стр. 308

قلنا: لا فرق في التخيير بين الأربعة قبل التوبة التي هي الإقلاع وبعده عند من يقول به وإنما أراد المخالف أن يقيس على صورة تشبه صور النزاع وهي الحكم فيه بعد التوبة إذا كان قبل التوبة قد ثبت جواز قتله. على أن توبة الذمي الناقض للعهد لها صورتان: إحداهما: أن يسلم فإن إسلامه توبة من الكفر وتوابعه. والثانية: أن يرجع إلى الذمة تائبا من الذنب الذي أحدثه حتى انتقض عهده فهذه توبة من نقض العهد فإذا تاب هذه التوبة وهو مقدور عليه جاز للإمام أن يقبل توبته حيث يكون حكمه حكم الأسير كما أن الأسير إذا طلب أن تعقد له الذمة جاز أن يجاب إلى ذلك. فألزم المخالف القاضي على طريقته أن الناقض التائب من الناقض يخير الإمام فيه فهلا خيرتموه في الساب إذا تاب توبة يمكن التخيير بعدها بأن يقلع عن السب ويطلب عقد الذمة له ثانيا فلذلك قيل في هذه الصورة: هلا خير الإمام فيه بعد التوبة وإن كان في صورة أخرى لا يمكن التخيير بعد توبة هي الإسلام. وقد تقدم ذكر ذلك وقد قدمنا أيضا أن الصحيح أنه لا يخير فيمن نقض العهد بما يضر المسلمين بحال وقد ظهر أن الرواية الأخرى التي حكوها في الفرق بين المسلم والكافر مخرجة من نصه على الفرق بين الساحر الكافر والساحر المسلم وذلك أنه قد قال في الساحر الذمي: لا يقتل ما هو عليه من الكفر أعظم واستدل بأن النبي ﷺ لم يقتل لبيد بن أعصم لما سحره والساحر المسلم يقتل عنده لما جاء في ذلك عن النبي ﷺ وعمر وعثمان وابن عمر وحفصة ﵃ من الأحاديث ووجه الترجيح أن

стр. 309

ما الكافر عليه من الشرك أعظم مما هو عليه من السب والسحر فنسبة السب والسحر إليه واحدة بخلاف المسلم فإذا قتل الساحر المسلم دون الذمي فكذلك الساب الذمي دون المسلم لكن السب ينقض العهد فيجوز قتله لأجل نقض العهد فإذا أسلم امتنع قتله لنقض العهد وهو لا يقتل لخصوص السب كما لا يقتل لخصوص السحر فيبقى دمه معصوما. وقد حكى هذه الرواية الخطابي عن الإمام أحمد نفسه فقال: قال مالك بن أنس: "من شتم رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم" وكذلك قال أحمد بن حنبل وحكى آخرون من أصحابنا رواية عن الإمام أحمد أن المسلم تقبل توبته من السب بأن يسلم ويرجع عن السب كذلك ذكر أبو الخطاب في "الهداية" ومن احتذى حذوه من متأخري أصحابنا في ساب الله ورسوله من المسلمين: هل تقبل توبته أم يقتل بكل حال؟ روايتان. فقد تلخص أن أصحابنا حكوا في الساب إذا تاب ثلاث روايات. إحداهن: يقتل بكل حال وهي التي نصروها كلهم ودل عليها كلام الإمام أحمد في نفس هذه المسألة وأكثر محققيهم لم يذكروا سواها. والثانية: تقبل توبته مطلقا. والثالثة: تقبل توبة الكافر ولا تقبل توبة المسلم وتوبة الذمي التي تقبل إذا قلنا بها أن يسلم فأما إذا أقلع وطلب عقد الذمة له ثانيا لم يعصم ذلك دمه رواية واحدة كما تقدم. وذكر أبو عبد الله السامري أن من سب رسول الله ﷺ من المسلمين فهل تقبل توبته؟ على روايتين قال: "ومن سبه من أهل الذمة قتل وإن أسلم" ذكره ابن أبي موسى فعلى ظاهر كلامه يكون الخلاف في المسلم

стр. 310

دون الذمي عكس الرواية التي حكاها جماعة من الأصحاب وليس الأمر كذلك فإن ابن أبي موسى قال: "ومن سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب ومن سبه من أهل الذمة قتل وإن أسلم" فلم يذكر خلافا في شيء من ذلك كما دل عليه المأثور عن الإمام أحمد وكتاب أبي عبد الله السامري تضمن نقل أبي الخطاب ونقل ابن أبي موسى كما اقتضى شرطه أن يضمنه عدة كتب صغار فلما ذكر ما حكاه أبو الخطاب من الروايتين في المسلم وما ذكره ابن أبي موسى في الذمي إذا أسلم ظهر نوع خلل وإلا فلا ريب أنا قبلنا توبة المسلم بإسلامه فتوبة الذمي بإسلامه أولى فإن كل ما يفرض. في الكافر من غلظ السب فهو في المسلم وزيادة فإنهما يشتركان في أذى النبي ﷺ وينفرد سب المسلم بأنه يدل على زندقته وأن سابه منافق ظهر نفاقه بخلاف الذمي فإن سبه مستند إلى اعتقاد وذلك الاعتقاد زال بالإسلام. نعم قد يوجه ما ذكره السامري بأن يقال: السب قد يكون غلطا من المسلم لا اعتقادا فإذا تاب منه قبلت توبته إذ هو عثرة لسان وسوء أدب أو قلة علم والذمي سبه أذى محض لا ريب فيه فإذا وجب الحد عليه لم يسقط بإسلامه كسائر الحدود وقد ينزع هذا إلى قول من يقول: إن السب لا يكون كفرا في الباطن إلا أن يكون استحلالا وهو قول مرغوب عنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. واعلم أن أصحابنا ذكروا أنه لا تقبل توبته لأن الإمام أحمد قال: لا يستتاب ومن أصله أن كل من قبلت توبته فإنه يستتاب كالمرتد ولهذا لما اختلفت الرواية عنه في الزنديق والساحر والكاهن والعراف ومن ارتد وكان مسلم الأصل هل يستتابون أم لا؟ على روايتين فإن قلنا: "لا يستتابون" قتلوا بكل حال وإن تابوا.

стр. 311

وقد صرح في رواية عبد الله بأن من سب رسول الله ﷺ قد وجب عليه القتل ولا يستتاب فتبين أن القتل قد وجب وما وجب من القتل لم يسقط بحال. يؤيد هذا أنه قد قال في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل له: فإن أسلم؟ قال: يقتل هذا قد وجب عليه فتبين أن الإسلام لا يسقط القتل الواجب وقد ذكر في الساب أنه قد وجب عليه القتل. وأيضا فإنه أوجب على الزاني بمسلمة بعد الإسلام القتل الذي وجب عقوبة على الزنى بمسلمة حتى إنه يقتله سواء كان حرا أو عبدا أو محصنا أو غير محصن كما قد نص عليه في مواضع ولم يسقط ذلك القتل بالإسلام ويوجب عليه مجرد حد الزنا لأنه أدخل على المسلمين من الضرر والمعرة ما أوجب قتله ونقض عهده فإذا أسلم لم تزل عقوبة ذلك الإضرار عنه كما لا تزول عنه عقوبة قطعه للطريق لو أسلم ولم يجز أن يقال: هو بعد الإسلام كمسلم فعل ذلك يفعل به ما يفعل بالمسلم لأن الإسلام يمنع ابتداء العقوبة ولا يمنع دوامها لأن الدوام أقوى كما لو قتل ذمي ذميا ثم أسلم قتل ولو قتله وهو مسلم لم يقتل. ولهذا ينتقض عهد الذمي بأشياء: مثل الزنا بالمسلمة وإن لم يكن محصنا وقتل أي مسلم كان والتجسس للكفار وقتال المسلمين واللحاق بدار الحرب وإن كان المسلم لا يقتل بهذه الأشياء على الإطلاق فإذا وجب قتل الذمي بها عينا ثم أسلم كان كما لو وجب قتله بذمي ثم أسلم إذ لا فرق بين أن يجب عليه حد لا يجب على المسلم فيسلم أو يجب عليه قصاص لا يجب على المسلم فيسلم فإن القصاص في اندرائه بالإسلام كالحدود وهو يسقط بالشبهة حكما يمنع الإسلام ابتداءه دون دوامه فكذلك العقوبات الواجبة على المعاهد

стр. 312

وهذا ينبني على قولنا: يتعين قتل الذمي إذا فعل هذه الأشياء وأن لخصوص هذه الجنايات أثرا في قتله وراء كونه كافرا غير ذي عهد ويقتضي أن قتله حد من الحدود التي تجب على أهل دار الإسلام من مسلم ومعاهد ليس بمنزلة رجل من أهل دار الحرب أخذ أسيرا إذ ذاك المقصود بقتله تطهير دار الإسلام من فساد هذه الجنايات وحسم مادة جناية المعاهدين وإذا كان قد نص على أن لا تزول عنه عقوبة ما أدخله على المسلمين من الضرر في زناه بالمسلمة فأن لا تزول عنه عقوبة إضراره بسب رسول الله ﷺ أولى لأن ما يلحق المسلمين من المضرة في دينهم بسب رسول الله ﷺ أكثر مما يلحق بالزنا بمسلمة إذا أقيم على الزاني الحد. ونصه هذا يدل على أن الذمي إذا قذف رسول الله ﷺ أو سبه ثم أسلم قتل بذلك ولم يقم عليه مجرد حد قذف واحد من الناس وهو ثمانون أو سب واحد من الناس وهو التعزير كما أنه لم يوجب على من زنى بمسلمة إذا أسلم حد الزنا وإنما أوجب القتل الذي كان واجبا وعلى الرواية الأخرى التي خرجها القاضي في كتبه القديمة ومن اتبعه فإن الذمي يستتاب من السب فإن تاب وإلا قتل. وكذلك يستتاب المسلم على الرواية التي ذكر أبو الخطاب وغيره كما يستتاب الزنديق والساحر ولم أجد للاستتابة في كلام الإمام أحمد أصلا فأما استتابة المسلم فظاهرة كاستتابة من ارتد بكلام تكلم به وأما استتابة الذمي فإن يدعى إلى الإسلام فأما استتابة بالعود إلى الذمة فلا يكفي على المذهب لأن قتله متعين. فأما على الوجه المضطرب الذي يقال فيه: "أن الإمام يخير فيه" فيشرع استتابته بالعود إلى الذمة لأن إقراره بها جائز بعد هذا لكن لا تجب هذه

стр. 313

الاستتابة رواية واحدة وإن أوجبنا الاستتابة بالإسلام على إحدى الروايتين وأما على الرواية التي ذكرها الخطابي فإنه إذا أسلم الذمي سقط عنه القتل مع أنه لا يستتاب كالأسير الحربي وغيره من الكفار يقتلون قبل الاستتابة ولو أسلموا سقط عنهم القتل وهذا أوجه من قول من يقول بالاستتابة فإن الذمي إذا نقض العهد جاز قتله لكونه كافرا محاربا وهذا لا يجب استتابته بالاتفاق اللهم إلا أن يكون على قول من يوجب دعوة كل كافر قبل قتاله فإذا أسلم جاز أن يقال: عصم دمه كالحربي الأصلي بخلاف المسلم فإنه إذا قبلت توبته فإنه يستتاب ومع هذا فمن تقبل توبته فقد يجوز استتابته كما يجوز استتابة الأسير لأنه من جنس دعاء الكافر إلى الإسلام قبل قتله لكن لا يجب لكن المنصوص عن أصحاب هذا القول أنه لا يقال له: أسلم ولا لا تسلم لكن إن أسلم سقط عنه القتل فتلخص من ذلك أنهما لا يستتابان في المنصوص المشهور فإن تابا لم تقبل توبتهما في المشهور أيضا. وحكي عنه في الذمي أنه إذا أسلم سقط عنه القتل وإن لم يستتب. وحكي عنه أن المسلم يستتاب وتقبل توبته وخرج عنه في الذمي أنه يستتاب وهو بعيد. واعلم أنه لا فرق بين سبه بالقذف وغيره كما نص عليه الإمام أحمد وعامة أصحابه وعامة العلماء. وفرق الشيخ أبو محمد المقدسي ﵀ بين القذف والسب فذكر الروايتين في المسلم وفي الكافر في القذف ثم قال: وكذلك سبه بغير القذف إلا أن سبه بغير القذف يسقط بالإسلام لأن سب الله تعالى يسقط بالإسلام فسب النبي ﷺ أولى وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير ذلك إذا ذكر بأنواع السب فهذا مذهب الإمام أحمد.

стр. 314

وأما مذهب مالك ﵁ فقال مالك في رواية ابن القاسم ومطرف: "ومن سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب" قال ابن القاسم: "من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق" وقال أبو مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكا يقول: "من سب النبي ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ولا يستتاب" وكذلك قال محمد بن عبد الحكم: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: "من سب النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم كان أو كافر قتل ولم يستتب" قال: وروى لنا مالك إلا أن يسلم الكافر قال أشهب عنه: "من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب" فهذه نصوصه نحو من نصوص الإمام أحمد والمشهور من مذهبه أنه لا تقبل توبة المسلم إذا سب النبي ﷺ وحكمه حكم الزنديق عندهم ويقتل عندهم حدا لا كفرا إذا أظهر التوبة من السب وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه جعل سب النبي ﷺ ردة قال أصحابه: فعلى هذا يستتاب فإن تاب نكل وإن أبى قتل ويحكم له بحكم المرتد وأما الذمي إذا سب النبي ﷺ ثم أسلم فهل يدرأ عنه الإسلام القتل؟ على الروايتين ذكرهما القاضي عبد الوهاب وغيره إحداهما: يسقط عنه قال مالك في رواية جماعة منهم ابن القاسم: "من شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء قتل إلا أن يسلم" وفي رواية: "لا يقال له أسلم ولا لا تسلم ولكن إن أسلم فذلك له توبة" وفي رواية مطرف عنه: "من سب النبي ﷺ من المسلمين أو أحدا من الأنبياء أو انتقصه قتل وكذلك من فعل ذلك من اليهود والنصارى قتل ولا يستتاب إلا أن يسلم قبل القتل" قال ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقوله وقال لي ابن عبد الحكم: وقال لي أصبغ عن ابن القاسم فعلى هذه الرواية قال ابن القاسم: قال مالك: "إن شتم النصراني النبي ﷺ شتما يعرف فإنه يقتل

стр. 315

إلا أن يسلم قاله مالك غير مرة ولم يقل: يستتاب قال ابن القاسم ومحمد: قوله عندي إن أسلم طائعا وعلى هذا فإذا أسلم بعد أن يؤخذ وثبت عليه السب ويعلم أنهم يريدون قتله إن لم يسلم لم يسقط عنه القتل لأنه مكره في هذه الحال والرواية الثانية: لا يدرأ عنه إسلامه القتل قال محمد بن سحنون: وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقط عن الذمي بإسلامه وإنما تسقط عنه بإسلامه حدود الله فأما حد القذف فحد للعباد كان ذلك من نبي أو غيره. وأما مذهب الشافعي ﵁ فلهم في ساب النبي ﷺ وجهان أحدهما: هو كالمرتد إذا تاب سقط عنه القتل وهذا قول جماعة منهم وهو الذي يحكيه أصحاب الخلاف عن مذهب الشافعي والثاني: أن حد من سبه القتل فكما لا يسقط حد القذف بالتوبة لا يسقط القتل الواجب بسب النبي ﷺ بالتوبة قالوا: ذكر ذلك أبو بكر الفارسي وادعى فيه الإجماع ووافقه الشيخ أبو بكر القفال وقال الصيدلاني قولا ثالثا وهو أن الساب بالقذف مثلا يستوجب القتل للردة لا للسب فإن تاب زال القتل الذي هو موجب الردة وجلد ثمانين للقذف ولهذا الوجه لو كان السب غير قذف عزر بحسبه ثم منهم من ذكر هذا الخلاف في المسلم إذا سب ثم أسلم ولم يتعرض للكلام في الذمي إذا سب ثم أسلم ومنهم من ذكر الخلاف في الذمي كالخلاف في المسلم إذا جدد الإسلام بعد السب ومنهم من ذكر في الذمي إذا سب ثم أسلم أنه يسقط عنه القتل وهو الذي حكاه أصحاب الخلاف عن مذهب الشافعي وعليه يدل عموم كلام الشافعي في موضع من "الأم" فإنه قال بعد أن ذكر نواقض العهد وذكر فيها سب النبي ﷺ : وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلم أن من فعله قتل حدا أو قصاصا

стр. 316

فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص أو القود فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول فيعاقب عليه ولا يقتل قال: فإن فعل أو قال مما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي الجزية" قتل وأخذ ماله فيئا فقد ذكر أن من نقض العهد فإنه تقبل توبته إما بأن يسلم أو بأن يعود إلى الذمة. وذكر الخطابي قال: قال مالك بن أنس: "من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم" وكذلك قال أحمد بن حنبل وقال الشافعي: "يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة" واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف وظاهر هذا القتل والاستدلال يقتضي أن لا يكف عنه إذا أظهر التوبة لأنه لم يحك عنه شيئا ولأن ابن الأشرف كان مظهرا للذمة مجيبا إلى إظهار التوبة لو قبلت منه. والكلام في فصلين: أحدهما: في استتابة المسلم وقبول توبة من سب النبي ﷺ وقد ذكرنا أن المشهور عن مالك وأحمد أنه لا يستتاب ولا تسقط القتل عنه توبته وهو قول الليث بن سعد وذكر القاضي عياض أنه المشهور من قول السلف وجمهور العلماء وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وحكى مالك وأحمد أنه تقبل توبته وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وهو المشهور من مذهب الشافعي بناء على قبول توبة المرتد فنتكلم أولا في قبول توبته والذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين أنه تقبل توبة المرتد في الجملة وروي عن الحسن البصري أنه يقتل وإن أسلم جعله كالزاني والسارق وذكر عن أهل الظاهر نحو ذلك أن توبته تنفعه عند الله ولكن لا يدرأ القتل عنه

стр. 317

وروي عن أحمد أن من ولد في الإسلام قتل ومن كان مشركا فاسلم استتيب وكذلك روي عن عطاء وهو قول إسحاق بن راهويه والمشهور عن عطاء وأحمد الاستتابة مطلقا وهو الصواب ووجه عدم قبول التوبة قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري ولم يستثن ما إذا تاب وقال ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه فإذا كان القاتل والزاني لا يسقط عنهما القتل بالتوبة فكذلك التارك لدينه المفارق للجماعة وعن حكيم بن جماعة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله توبة عبد كفر بعد إسلامه" رواه الإمام أحمد ولأنه لا يقتل لمجرد الكفر والمحاربة لأنه لو كان كذلك لما قتل المترهب والشيخ الكبير الأعمى والمقعد والمرأة ونحوهم فلما قتل هؤلاء علم أن الردة حد من الحدود والحدود لا تسقط بالتوبة. والصواب ما عليه الجماعة لأن الله قال في كتابه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأخبر الله أنه غفور رحيم لمن تاب بعد الردة وذلك يقتضى مغفرته له في الدنيا والآخرة ومن هذه حاله لم يعاقب بالقتل. يبين ذلك ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا على بن عاصم عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار ارتد عن الإسلام ولحق

стр. 318

بالمشركين فأنزل الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ إلى آخر الآية فبعث بها قومه إليه فرجع تائبا فقبل النبي ﷺ ذلك منه وخلى عنه ورواه النسائي من حديث داود مثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي عن خالد عن عكرمة بمعناه وقال: "والله ما كذبني قومي على رسول الله ﷺ وما كذب رسول الله ﷺ على الله والله أصدق الثلاثة فرجع تائبا فقبل النبي ﷺ ذلك منه وخلى عنه. وقال: ثنا حجاج عن ابن جريج حديثا عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ في أبي عامر بن النعمان ووحوح بن الأسلت والحارث بن سويد بن الصامت في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ في الحارث بن سويد بن الصامت. وقال: ثنا عبد الرزاق نا جعفر عن حميد عن مجاهد قال: "جاء الحارث ابن سويد فأسلم مع النبي ﷺ ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: والله إنك ما علمت لصادق وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك وإن الله لأصدق الثلاثة قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه". وكذلك ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في الحارث بن سويد وجماعة معه ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة كهيئة البدء ولحقوا بمكة كفارا

стр. 319

فأنزل الله فيهم هذه الآية فندم الحارث وأرسل إلى قومه: أن سلوا رسول الله ﷺ : هل لي توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك وإن الله لأصدق الثلاثة فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه. فهذا رجل قد ارتد ولم يقتله النبي ﷺ بعد عوده إلى الإسلام ولأن الله تعالى قال في إخباره عن المنافقين: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ فدل على أن الكافر بعد إيمانه قد يعفى عنه وقد يعذب وإنما يعفى عنه إذا تاب فعلم أن توبته مقبولة. وذكر أهل التفسير أنهم كانوا جماعة وأن الذي تاب منهم رجل واحد يقال له مخشي بن حمير وقال بعضهم: كان قد أنكر عليهم بعض ما سمع ولم يمالئهم عليه وجعل يسير مجانبا لهم فلما نزلت هذه الآيات برئ من نفاقه وقال: "اللهم إني لا أزال أسمع آية تقر عيني تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك" وذكروا القصة. وفي الاستدلال بهذا نظر ولأنه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ إلى قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ

стр. 320

يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ . وذلك دليل على قبول توبة من كفر بعد إسلامه وأنهم لا يعذبون في الدنيا ولا في الآخرة عذابا أليما: بمفهوم الشرط ومن جهة التعليل ولسياق الكلام والقتل عذاب أليم فعلم أن من تاب منهم لم يعذب بالقتل لأن الله سبحانه قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فبين أن الذين هاجروا إلى دار الإسلام بعد أن فتنوا عن دينهم بالكفر بعد الإسلام وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم ويرحمهم ومن غفر له ذنبه مطلقا لم يعاقبه عليه في الدنيا ولا في الآخرة. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة: خرج ناس من المسلمين يعني المهاجرين فأدركهم المشركون ففتنوهم فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ الآية ونزل فيهم: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِه﴾ الآية ثم إنهم خرجوا مرة أخرى فانقلبوا حتى أتوا المدينة فأنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ إلى آخر الآية ولأنه سبحانه
следующие страницы →