← Акыда

Акыда · id 7344

الصارم المسلول على شاتم الرسول

ابن تيمية

Полный текст (591 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ليس بمرض وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك. فإن قيل: فهب أنهم صولحوا على أن لا يظهروا ذلك لكن مجرد إظهار دينهم كيف ينقض العهد؟ وهل ذلك إلا بمثابة ما لو أظهروا أصواتهم بكتابهم أو صليبهم أو أعيادهم؟ فإن ذلك موجب لتنكيلهم وتعزيرهم دون نقض العهد. قلنا: وأي ناقض للعهد أعظم من أن يظهروا كلمة الكفر ويعلوها ويخرجوا عن حد الصغار ويطعنوا في ديننا ويؤذونا أذى هو أبلغ من قتل النفوس وأخذ الأموال. وأما إظهار تلك الأشياء بعد شرط عمر المعروف ففيها وجهان عندنا: أحدهما: ينتقض العهد فلا يلزمنا والآخر: لا ينتقض العهد. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيه ظهور كلمة الكفر وعلوها وإنما فيه ظهور لدين المشركين وبين البابين فرق فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر ولو لم يفعل إلا مجرد مشاركة الكافر في هدية عوقب ولم يكفر وكان ذلك كإظهار المعاصي من المسلم يوجب عقوبته ولا يبطل إيمانه والمتكلم بكلمة الكفر يبطل إيمانه كذلك أهل العهد: إذا أظهروا الكفر ونحوه نقضوا أمانهم وإذا أظهروا زيهم عصوا ولم ينقضوا أمانهم. وهذا جواب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إنهم لو أظهروا التثليث ونحوه مما هو دينهم نقضوا العهد. الجواب الثاني: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيها ضرر عظيم على المسلمين ولا معرة في دينهم ولا طعن في ملتهم وإنما فيه أحد أمرين: إما اشتباه زيهم بزي المسلمين أو إظهار لمنكرات دينهم في دار الإسلام كإظهار الواحد من المسلمين لشرب الخمر ونحوه وأما سب الرسول والطعن في الدين ونحوه ذلك فهو مما يضر

стр. 247

المسلمين ضررا يفوق قتل النفس وأخذ المال من بعض الوجوه فإنه لا أبلغ في إسفال كلمة الله ولا إذلال كتاب الله وإهانة كتاب الله من أن يظهر الكافر المعاهد السب والشتم لمن جاء بالكتاب. ولأجل هذا الفرق فصل أصحابنا وأصحاب الشافعي الأمور المحرمة عليهم في العهد الذي بيننا وبينهم إلى ما يضر المسلمين في نفس أو مال أو دين وإلى ما لا يضر وجعلوا القسم الأول ينقض العهد حيث لا ينقضه القسم الثاني لأن مجرد العهد ومطلقه يوجب الإمتناع عما يضر المسلمين ويؤذيهم فحصوله تفويت لمقصود العقد فيفسخه كما لو فات مقصود البيع بتلف العوض قبل القبض أو ظهوره مستحقا ونحوه بخلاف غيره ولأن تلك المضرات يوجب جنسها عقوبة المسلم بالقتل فلأن يوجب عقوبة المعاهد بالقتل أولى وأحرى لأن كلاهما ملتزم إما بإيمانه أو بأمانة أن لا يفعلها ولأن تلك المضرات من جنس المحاربة والقتال وذلك لإبقاء العهد معه بخلاف المعاصي التي فيها مراغمة ومصارمة. فإن قيل: فقد أقروا على ما هم عليه من الشرك الذي هو أعظم من سب الرسول ﵊ فيكون إقرارهم على سب الرسول أولى بل قد أقروا على سب الله تعالى وذلك لأن النصارى يعتقدون التثليث ونحوه وهو شتم لله تعالى لما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ".

стр. 248

وروى في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه. وكان معاذ ابن جبل يقول إذا راى النصارى لا ترحموهم فلقد سب الله سبه ما سبه اياها أحد من البشر. وقد قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ الآية. وقد أقر اليهود على مقالتهم في عيسى ﵇ وهي من أبلغ القذف. قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا السؤال فاسد الاعتبار فإن كون الشيء في نفسه أعظم إثما من غيره يظهر أثره في العقوبة عليه في الآخرة لا في الإقرار عليه في الدنيا ألا ترى أن أهل الذمة يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا ولا على السرقة ولا على قطع الطرق ولا على قذف المسلم ولا على محاربة المسلمين وهذه الأشياء دون الشرك بل سنة الله في خلقه كذلك فإنه عجل لقوم لوط العقوبة وفي الأرض مدائن مملوءة من الشرك لم يعاجلهم بالعقوبة لا سيما والمحتج بهذا الكلام يرى أن قتل الكفار إنما هو لمجرد المحاربة سواء كان كفره أصليا أو طارئا حتى أنه لا يرى قتل المرتد ويقول: الدنيا ليست دار الجزاء على الكفر وإنما الجزاء على الكفر في الآخرة وإنما يقاتل من يقاتل فقت لدفع أذاه. ثم لا يجوز أن يقال: إذا أقررناهم على الكفر فلأن نقرهم على المحاربة

стр. 249

التي هي دون الكفر بطريق الأولى وسبب ذلك أن ما كان من الذنوب يتعدى ضرره فاعله عجلت لصاحبه العقوبة في الدنيا تشريعا وتقديرا ولهذا قال ﷺ : " ما من ذنب أحرى أن تعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم " لأن تأخير عقوبته فساد لأهل الأرض بخلاف ما لا يتعدى ضرره فاعله فإنه قد تؤخر عقوبته وإن كان أعظم كالكفر ونحوه فإذا أقررناهم على الشرك أكثر ما فيه تأخير العقوبة عليه وذلك لا يستلزم تأخير عقوبة ما يضر بالمسلمين لأنه دونه كما قدمناه. الوجه الثاني: أن يقال: لا خلاف أنهم إذا أقروا على ما هم عليه من الكفر غير مضارين للمسلمين لا يجوز أذاهم لا في دمائهم ولا في أبشارهم ولو أظهروا السب ونحوه عوقبوا على ذلك إما في الدماء أو في الأبشار. ثم إنه لا يقال: إذا لم يعاقبوا بالعزير على الشرك لم يعاقبوا على السب الذي هو دونه وإذا كان هذا السؤال معترضا على الإجماع لم يجب جوابه كيف والمنازع قد سلم أنهم يعاقبون على السب فعلم أنه لم يقرهم عليه فلا يقبل منه السؤال. والجواب عن هذه الشبهة مشترك فلا يجب علينا الانفراد به. الوجه الثالث: أن الساب ينضم السب إلى شركه الذي عوهد عليه بخلاف المشرك الذي لم يسب ولا يلزم من الإقرار على ذنب مفرد الإقرار عليه مع ذنب آخر وإن كان دونه فإن اجتماع الذنبين يوجب جرما مغلظا لا يحصل حال الانفراد. الوجه الرابع: قوله: "ما هم عليه من الكفر أعظم من سب الرسول" ليس بجيد على الإطلاق وذلك لأن أهل الكتاب طائفتان: أما اليهود فأصل كفرهم تكذيب الرسول وسبه أعظم من تكذيبه

стр. 250

فليس لهم كفر أعظم من سب الرسول فإن جميع ما يكفرون به من الكفر بدين الإسلام وبعيسى وبما أخبر الله به من أمور الآخرة وغير ذلك متعلق بالرسول فسبه كفر بهذا كله لأن ذلك إنما علم من جهته وليس عند أهل الأرض في وقتنا هذا علم موروث يشهد عليه أنه من عند الله إلا العلم الموروث عن محمد ﷺ وما سوى ذلك مما يؤثر عن غيره من الأنبياء فقد اشتبه واختلط كثير منه أو أكثره والواجب فيما لا نعلم حقيقته منه أن لا يصدق ولا يكذب. وأما النصارى فسبهم للرسول طعنا فيما جاء به من التوحيد وأنباء الغيب والشرائع وإنما ذنبه الأعظم عندهم أن قال: أن عيسى عبد الله ورسوله كما أن ذنبه الأعظم عند اليهود أن غير شريعة التوراة وإلا فالنصارى ليسوا محافظين على شريعة مورثة بل كل برهة من الدهر تبتدع لهم الأحبار شريعة من الدين لم يأذن الله بها ثم لا يرعونها حق رعايتها فسبهم له متضمن للطعن في التوحيد وللشرك وللتكذيب بالأنبياء والدين ومجرد شركهم ليس متضمنا لتكذيب جميع الأنبياء ورد جميع الدين فلا يقال: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب الرسول بل سب الرسول ﷺ فيه ما هم عليه من الشرك وزيادة. وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ولا كانت له شريعة في الأرض. ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجهه اليقين فإن عامة من تكلم

стр. 251

في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى بذلك واستأنس به سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر وقد اعترف عامة الرؤوس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية وإنما ينال به الظن والحسبان. والقدر الذي يمكن العقل إداركه بنظره فإن المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم نبهوا الناس عليه وذكروهم به ودعوهم إلى النظر فيه حتى فتحوا أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. والقدر الذي يعجز العقل عن إدراكه علموهم إياه وأنبأوهم به فالطعن فيهم طعن في توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه ودينه وشرائعه وأنبيائه وثوابه وعقابه وعامة الأسباب التي بينه وبين خلقه بل يقال: إنه ليس في الأرض مملكة قائمة إلا في بنبوة أو أثر نبوة وإن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات ولا يستريبن العاقل في هذا الباب الذين درست النبوة فيهم مثل البراهمة والصابئة والمجوس ونحوهم فلا سفتهم وعامتهم قد أعرضوا عن الله وتوحيده وأقبلوا على عبادة الكواكب والنيران والأصنام وغير ذلك من الأوثان والطواغيت فلم يبق بأيديهم لا توحيد ولا غيره. وليست أمة مستمسكة بالتوحيد إلا أتباع الرسل قال الله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ فأخبر أن دينه الذي يدعوا إليه المرسلون كبر على المشركين فما الناس إلا تابع لهم أو مشرك وهذا حق لا ريب فيه فعلم أن سب الرسل والطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر وجماع

стр. 252

جميع الضلالات وكل كفر ففرع منه كما أن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان وجماع مجموع أسباب الهدى. الوجه الخامس: أن نقول: قد ثبت بالسنة ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي ﷺ كان يأمر بقتل من سبه وكان المسلمون يحرضون على ذلك مع الإمساك عمن هو مثل هذا الساب في الشرك أو هو أسوأ منه من محارب أو معاهد فلو كانت هذه الحجة مقبولة لتوجه أن يقال: إذا أمسكوا عن المشرك فالإمساك عن الساب أولى وإذا عوهد الذمي على كفره فمعاهدته على السب أولى وهذا لو قبل معارضة لسنة رسول الله ﷺ وكل قياس عارض السنة فهو رد. الوجه السادس: أن يقال: ما هم عليه من الشرك وإن كان سبا لله فهم لا يعتقدونه سبا وإنما يعتقدونه تمجيدا وتقديسا فليسوا قاصدين به قصد السب والاستهانة بخلاف سب الرسول فلا يلزم من إقرارهم على شيء لا يقصدون به الاستخفاف إقرارهم على ما يقصدون به الاستخفاف وهذا جواب من يقتلهم إذا أظهروا سب الرسول ولا يقتلهم إذا أظهروا ما يعتقدونه من دينهم. الوجه السابع: أن إظهار سب الرسول طعن في دين المسلمين وإضرار بهم ومجرد التكلم بدينهم ليس فيه إضرار بالمسلمين فصار إظهار سب الرسول بمنزلة المحاربة يعاقبون عليها وإن كانت دون الشرك وهذا أيضا جواب هذا القائل. الوجه الثامن: منع الحكم في الأصل المقيس عليه فإنا نقول: متى أظهروا كفرهم وأعلنوا به نقضوا العهد بخلاف مجرد رفع الصوت بكتابهم فإنه ليس كل ما فيه كفر ولسنا نفقه ما يقولون وإنما فيه إظهار شعار الكفر وفرق بين إظهار الكفر وبين إظهار شعار الكفر.

стр. 253

أو نقول: متى أظهروا الكفر الذي هو طعن في دين الله نقضوا به العهد بخلاف كفر لا يطعنون به في ديننا وهذا لأن العهد إنما اقتضى أن يقولوا ويفعلوا بينهم ما شاءوا مما لا يضر المسلمين فأما أن يظهروا كلمة الكفر أو أن يؤذوا المسلمين فلم يعاهدوا عليه البتة وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذين القولين والذين قبلهما. قال كثير من فقهاء الحديث وأهل المدينة من أصحابنا وغيرهم: "لم نقرهم على أن يظهروا شيئا من ذلك ومتى أظهروا شيئا من ذلك نقضوا العهد". قال أبو عبد الله في رواية حنبل: "كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب ﵎ فعليه القتل مسلما كان أو كافرا" وهذا مذهب أهل المدينة. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت فقال: يقتل لأنه شتم. ومن الناس من فرق بين ما يعتقدونه وما لا يعتقدونه ومن الناس من فرق بين ما يعتقدونه وإظهاره يضر بنا لأنه قدح في ديننا وبين ما يعتقدونه وإظهاره ليس بطعن في نفس ديننا وسيأتي إن شاء الله تعالى ذلك فإن فروع المسألة تظهر مأخذها. وقد قدمنا عن عمر ﵁ أنه قال بمحضر من المهاجرين والأنصار للنصراني الذي قال إن الله لا يضل أحدا: إنا لم نعطك ما أعطيناك على أن تدخل علينا في ديننا فوالذي نفسي بيده لأن عدت لآخذن الذي فيه عيناك. وجميع ما ذكرناه من الآيات والاعتبار يجئ أيضا في ذلك فإن الجهاد واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا وحتى يكون الدين كله لله وحتى

стр. 254

يظهر دين الله على الدين كله وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. والنهي عن إظهار المنكر واجب بحسب القدرة فإذا أظهروا كلمة الكفر وأعلنوها خرجوا عن العهد الذي عاهدونا عليه والصغار الذي التزموه ووجب علينا أن نجاهد الذي أظهروا كلمة الكفر وجهادهم بالسيف لأنهم كفار لا عهد لهم والله سبحانه أعلم.

стр. 255

المسألة الثانية: أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا فداءه . أما إن كان مسلما فبالإجماع لأنه نوع من المرتد أو من الزنديق والمرتد يتعين قتله وكذلك الزنديق وسواء كان رجلا أو امرأة وحيث قتل يقتل مع الحكم بإسلامه فإن قتله حد بالاتفاق فيجب إقامته وفيما قدمناه دلالة واضحة على قتل السابة المسلمة من السنة وأقاويل الصحابة فإن في بعضها تصريحا بقتل السابة المسلمة وفي بعضها تصريحا بقتل السابة الذمية وإذا قتلت الذمية للسب فقتل المسلمة أولى كما لا يخفى على الفقيه. ومن قال من أهل الكوفة: "إن المرتدة لا تقتل" فقياس مذهبه أن لا تقتل السابة لأن الساب عنده مرتد وقد كان يحتمل مذهبه أن تقتل السابة حدا كقتل الساحرة عند بعضهم وقتل قاطعة الطريق ولكن أصوله تأبى ذلك. والصحيح الذي عليه العامة قتل المرتدة فالسابة أولى وهو الصحيح لما تقدم وإن كان الساب معاهدا فإنه يتعين أيضا قتله سواء كان رجلا أو امرأة عند عامة الفقهاء من السلف ومن تبعهم. وقد ذكرنا قول ابن المنذر فيما يجب على من سب النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 256

قال: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ فحده القتل وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال: وحكى عن النعمان: لا يقتل من سبه من أهل الذمة وهذا لفظ دليل على وجوب قتله عند العامة وهذا مذهب مالك وإسحاق وسائر فقهاء المدينة وكلام أصحابه يقتضي أن لقتله مأخذين: أحدهما: انتقاض عهده. والثاني: أنه حد من الحدود وهو قول فقهاء الحديث. قال إسحاق بن راهويه: إن أظهروا سب رسول الله ﷺ فسمع منهم ذلك أو تحقق عليهم قتلوا وأخطأ هؤلاء الذين قالوا: "ما هم فيه من الشرك أعظم من سب رسول الله ﷺ " قال إسحاق: "يقتلون لأن ذلك نقض العهد" وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ولا شبهة في ذلك لأنه يصير في ذلك ناقضا للصلح وهو كما قتل ابن عمر الراهب الذي سب النبي ﷺ وقال: "ما على هذا صالحناهم". وكذلك نص الإمام أحمد على وجوب قتله وانتقاض عهده وقد تقدم بعض نصوصه في ذلك وكذلك نص عامة أصحابه على وجوب قتل هذا الساب ذكروه بخصوصه في مواضع وهكذا ذكروه أيضا في جملة ناقضي العهد من أهل الذمة. ثم المتقدمون منهم وطوائف من المتأخرين قالوا: إن هذا وغيره من ناقضي العهد يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد. وذكر طوائف منهم أن الإمام مخير فيمن نقض العهد من أهل الذمة كما يخير في الأسير بين الاسترقاق والقتل والمن والفداء ويجب عليه فعل الأصلح

стр. 257

للأمة من هذه الأربعة بعد أن ذكروه في الناقضين للعهد فدخل هذا الساب في عموم هذا الكلام وإطلاقه وإلا وجب أن يقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيره من ناقضي العهد لكن قيد محققو أصحاب هذه الطريقة ورؤوسهم مثل القاضي أبي يعلي في كتبه المتأخرة وغيره هذا الكلام وقالوا: التخيير هو غير ساب الرسول وأما سابه فيتعين قتله وإن كان غيره كالأسير وعلى هذا فإما أن لا يحكى في تعين قتله خلاف لكون الذين أطلقوا التخيير في موضع قد قالوا في موضع آخر بأن الساب يتعين قتله وصرح رأس أصحاب هذه الطريقة بأنه مستثنى من ذلك الإطلاق أو يحكى فيه وجه ضعيف لأن الذين قالوا به في موضع نصوا على خلافه في موضع آخر. واختلف أصحاب الشافعي أيضا فيه فمنهم من قال: يجب قتل الساب حتما وإن خير في غيره. ومنهم من قال: هو كغيره من الناقضين للعهد وفيه قولان: أضعفهما أنه يلحق بمأمنه والصحيح منهما جواز قتله قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح للأمة من القتل والاسترقاق والمن والفداء. وكلام الشافعي في موضع يقتضي أن حكم الناقض للعهد حكم الحربي فلهذا قيل: إنه كالأسير وفي موضع آخر أمر بقتله عينا من غير تخيير. وتحريم الكلام في ذلك يحتاج إلى تقديم مقدمة فيما ينتقض به العهد وفي حكم ناقض العهد على سبيل العموم ثم نتكلم في خصوص مسألة السب. أما الأول فإن ناقض العهد قسمان: ممتنع لا يقدر عليه إلا بقتال ومن هو في أيدي المسلمين. أما الأول فأن يكون لهم شوكة ومنعة فيمتنعوا بها على الإمام من أداء الجزية والتزام أحكام الملة الواجبة عليهم دون ما يظلمهم به الوشاة أو يلحقوا

стр. 258

بدار الحرب مستوطنين بها فهؤلاء قد نقضوا العهد بالإجماع فإذا أسر الرجل منهم فحكمه عند الإمام أحمد في ظاهر مذهبه حكم أهل الحرب إذا أسروا يفعل بهم الإمام ما يراه أصلح. قال في رواية أبي الحارث وقد سئل عن قوم من أهل العهد نقضوا العهد وخرجوا بالذرية إلى دار الحرب فبعث في طلبهم فلحقوهم فحاربوهم قال أحمد: إذا نقضوا العهد فمن كان منهم بالغا فيجري عليه ما يجري على أهل الحرب من الأحكام إذا أسروا فأمرهم إلى الإمام يحكم فيهم بما يرى وأما الذرية فما ولد بعد نقضهم العهد فهو بمنزلة من نقض العهد ومن كان ممن ولد قبل نقض العهد فليس عليه شيء وذلك أن امرأة علقمة بن علاثة قالت: إن كان علقمة ارتد فأنا لم أرتد وكذلك روى عن الحسن فيمن نقض العهد: ليس على النساء شيء. وقال في رواية صالح وقد سئل عن قوم من أهل العهد في حصن ومعهم مسلمون فنقضوا العهد والمسلمون معهم في الحصن: ما السبيل فيهم؟ قال: ما ولد لهم من بعد نقض العهد فالذرية بمنزلة من نقض العهد يسبون ومن كان قبل ذلك لا يسبون فقد نص على أن ناقض العهد إذا أسر بعد المحاربة بخير الإمام فيه وعلى أن الذرية الذين ولدوا بعد ما نقضوا العهد بمنزلة من نقض العهد يسبون فعلم أن ناقض العهد يجوز استرقاقه وهذا هو المشهور من مذهبه. وعنه: أنهم إذا قدر عليهم فإنهم لا يسترقون بل يردون إلى الذمة قال في رواية أبي طالب في رجل من أهل العهد لحق بالعدو هو وأهله وولده وولد له في دار العدو قال: يسترق أولادهم الذين ولدوا في دار العدو ويردون هم وأولادهم الذين ولدو في دار الإسلام إلى الجزية قيل له: لا يسترق

стр. 259

أولادهم الذين ولدوا في دار الإسلام؟ قال: لا قيل له: فإن كانوا أدخلوهم صغارا ثم صاروا رجالا قال: لا يسترقون أدخلوهم مأمنهم. وكذلك قال في رواية ابن إبراهيم وقد سأله عن رجل لحق بدار الحرب هو وأهله وولد له في بلاد العدو وقد أخذه المسلمون قال: ليس على ولده وأهله شيء ولكن ما ولد له وهو في أيديهم يسترقون ويردون هم إلى الجزية. فقد نص على أن الرجل الذي نقض العهد يرد إلى الجزية هو وولده الذين كانوا موجدين وأنهم لا يسترقون وأن ولده الذين حدثوا بعد المحاربة يسترقون وذلك لأن صغار ولده سبي من أولاد أهل الحرب وهم يصيرون رقيقا بنفس السبي فلا يدخلون في عقد الذمة أولا ولا آخرا وأما أولاده الذين ولدوا قبل النقض فلهم حكم الذمة المتقدمة. فعلى الرواية الأولى المشهورة يخير الإمام في الرجال إذا أسروا فيفعل ما هو الأصلح للمسلمين من قتل واسترقاق ومن فداء وإذا جاز أن يمن عليهم جاز أن يطلقهم على قبول الجزية منهم وعقد الذمة لهم ثانيا لكن لا يجب عليه ذلك كما لا يجب عليه في الأسير الحربي الأصلي إذا كان كتابيا وقد قتل رسول الله ﷺ أسرى بني قريظة وأسرى من أهل خيبر ولم يدعهم إلى إعطاء الجزية ولو دعاهم إليها لأجابوا. وعلى الرواية الثانية يجب دعائهم إلى العود إلى الذمة كما كانوا كما يجب دعاء المرتد إلى أن يعود إلى الإسلام أو يستحب كما يستحب دعاء المرتد ومتى بذلوا العود إلى الذمة وجب قبول ذلك منهم كما يجب قبول الإسلام من المرتد وقبول الجزية من الحربي الاصلي إذا بذلها قبل الأسر ومتى امتنعوا فقياس هذه الرواية وجوب قتلهم دون استرقاقهم جعلا لنقض الأمان كنقض الإيمان ولو تكرر النقض منهم فقد يقال فيهم ما يقال فيمن تكررت ردته.

стр. 260

وبنحو من هذه الرواية قال أشهب صاحب مالك في مثل هؤلاء قال: "لا يعود الحر قنا ولا يسترق أبدا بحال بل يردون إلى ذمتهم بكل حال". وكذلك قال الشافعي في الأم وقد ذكر نواقض العهد وغيرها قال: "وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك إذا كان ذلك فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا بنقض عهد". وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون قد فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فإن فعل أو قال مما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي جزية" قتل وأخذ ماله فيئا. فقد نص على وجوب قبول الجزية منه إذا بذلها وهو في أيدينا وأنه إذا امتنع منها ومن الإسلام قتل وأخذ ماله ولم يخير فيه. ولأصحابه في وجوب قبول الجزية من أسير الحربي الأصلي وجهان. وعن الإمام أحمد رواية ثالثة: أنهم يصرون رقيقا إذا أسروا. وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا أسر الروم من اليهود ثم ظهر المسلمون عليهم فإنهم لا يتبعونهم وقد وجبت لهم الجزية إلا من ارتد منهم عن جزيته فهو بمنزلة المملوك. وهذا هو المشهور من مذهب مالك قال ابن القاسم وغيره من المالكية: "إذا خرجوا ناقضين للعهد ومنعوا الجزية وامتنعوا منا من غير أن يظلموا ولحقوا بدار الحرب فقد انتقض عهدهم وإذا انتقض عهدهم ثم أسروا فهم فيء ولا يردون إلى ذمتنا

стр. 261

فأوجبوا استرقاقهم ومنعوا أن يعقد لهم الذمة ثانيا كأنه جعل خروجهم من الذمة مثل ردة المرتد يمنع إقراره بالجزية لكن هؤلاء لا يسترقون لكون كفرهم أصليا. وقال أصحاب أبي حنيفة: من نقض العهد فإنه يصير كالمرتد إلا أنه يجوز استرقاقه والمرتد لا يجوز استرقاقه. فأما إن لم يقدر عليهم حتى بذلوا الجزية وطلبوا العود إلى الذمة فإنه يحوز عقدها لهم لأن أصحاب رسول الله ﷺ عقدوا الذمة لأهل الكتاب من أهل الشام مرة ثانية وثالثة بعد أن نقضوا العهد والقصة في ذلك مشهورة في فتوح الشام وما أحسب في هذا خلافا فإن مالكا وأصحابه قالوا: إذا منعوا الجزية وقاتلوا المسلمين والإمام عدل فإنهم يقاتلون حتى يردوا إليه مع أن المشهور عندهم أن الأسير منهم لا يرد إلى الذمة بل يكون فيئا فإذا كان مالك لا يخالف في هذه المسألة فغيره أولى أن لا يخالف فيها لأنه هو الذي اشتهر عنه القول بمنع عود الأسير منهم إلى الذمة. فإن بذل هؤلاء العود إلى الذمة فهل يجب قبول ذلك منهم كما يجب قبوله من الحربي الأصلي؟ إن قلنا إنه يجب رد الأسير منهم إلى ذمته فهؤلاء أولى وإن قلنا لا يجب هناك فيتوجه أن لا يجب هنا أيضا لأن بني قينقاع لما نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ أراد قتلهم حتى ألح عليه عبد الله بن أبي في الشفاعة فيهم فأجلاهم إلى أذرعات ولم يقرهم بالمدينة مع أن القوم كانوا حراصا على المقام بالمدينة بعهد يجددونه وكذلك بنو قريظة لما حاربت أرادوا الصلح والعود إلى الذمة فلم يجبهم النبي ﷺ حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكذلك بنو النضير لما نقضوا العهد فحاصرهم أنزلهم على الجلاء من المدينة مع أنهم كانوا أحرص شيء على المقام بدارهم بأن يعودوا إلى الذمة وهؤلاء الطوائف كانوا أهل ذمة عاهدوا النبي صلى الله عليه

стр. 262

وسلم أن الدار دار الإسلام يجري فيها حكم الله تعالى ورسوله وأنه مهما كان بين أهل العهد من المسلمين ومن هؤلاء المعاهدين من حدث فأمره إلى النبي ﷺ هكذا في كتاب الصلح فإذا كانوا نقضوا العهد فبعضا قتل وبعضا أجلى ولم يقبل منهم ذمة ثانية مع حرصهم على بذلها علم أن ذلك لا يجب ولا يجوز أن يكون ذلك لكون أرض الحجاز لا يقر فيها أهل دينين ولا يمكن الكفار من المقام بها لأن هذا الحكم لم يكن شرع بعد بل قد توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند أبي شحمة اليهودي بالمدينة وبالمدينة غيره من اليهود وبخيبر خلائق منهم وهي من الحجاز ولكن عهد النبي ﷺ في مرضه أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وأن لا يبقى بها دينان فأنفذ عهده في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. والفرق بين هؤلاء وبين المرتدين أن المرتد إذا عاد إلى الإسلام فقد أتى بالغاية التي يقاتل الناس حتى يصلوا إليها فلا يطلب منه غير ذلك وإن ظننا أن باطنه خلاف ظاهره فإنا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس وأما هؤلاء فإن الكف عنهم إنما كان لأجل العهد ومن خفنا منه الخيانة جاز لنا أن ننبذ إليه العهد وإن لم يجز نبذ العهد إلى من خفنا منه الردة فإذا نقضوا العهد فقد يكون ذلك أمارة على عدم الوفاء وإن إجابتهم إلى العهد إنما فعلوه خوفا وتقية ومتى قدروا غدروا فيكون هذا الخوف مجوزا لترك معاهدتهم على أخذ الجزية كما كان يجوز نبذ العهد إلى أهل الهدنة بطريق الأولى. وفي هذا دليل على أنه لا يجب رد الأسير الناقض للعهد إلى الذمة بطريق الأولى فإن النبي ﷺ إذا لم يردهم إلى الذمة وقد طلبوها ممتنعين فإن لا يردهم إليها إذا طلبوها موثقين أولى وقد أسر بني قريظة بعد نقض العهد فقتل مقاتلتهم ولم يردهم إلى العهد ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا

стр. 263

يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلو كان الناكث كلما طلب العهد منا وجب أن نجيبه لم يكن للنكث عقوبة يخافها بل ينكث إذا أحب لكن يجوز أن نعيدهم إلى الذمة لأن النبي ﷺ وهب الزبير بن باطا القرظي لثابت بن قيس بن شماس هو وأهله وماله على أن يسكن أرض الحجاز وكان من أسرى بني قريظة الناكثين فعلم جواز إقرارهم في الدار بعد النكث وإجلاء بني قينقاع بعد القدرة عليهم إلى أذرعات فعلم جواز المن عليهم بعد النكث وإذا جاز المن على الأسير الناكث وإقراره في دار الإسلام فالمفاداة به أولى. وسيرة النبي ﷺ في هؤلاء الناقضين تدل على جواز القتل والمن على أن يقيموا بدار الإسلام وأن يذهبوا إلى دار الحرب إذا كانت المصلحة في ذلك وفي ذلك حجة على من أوجب إعادتهم إلى الذمة وعلى من أوجب استرقاقهم. فإن قيل: إنما أوجبنا إعادتهم إلى الذمة لأن خروجهم عن الذمة ومفارقتهم لجماعة المسلمين كخروجهم عن الإسلام ومفارقة جماعة المسلمين أو نقض الأمان كنقض الإيمان فإذا كان المرتد عن الإسلام لا يقبل منه ما يقبل من الكافر الأصلي بل إما الإسلام أو السيف فكذلك المرتد عن العهد لا يقبل منه ما يقبل من الحربي الأصلي بل إما الإسلام أو العهد وإلا فالسيف ولأنه قد صارت لهم حرمة العهد المتقدم فمنعت استرقاقهم كما منع استرقاق المرتد حرمة إسلامه المتقدم. قلنا: المرتد بخروجه عن الدين الحق بعد دخوله فيه تغلظ كفره فلم يقر عليه بوجه من الوجوه فتحتم قتله إن لم يسلم عصمه للدين كما تحتم غيره من الحدود حفظا للفروج وغير ذلك ولم يجز استرقاقه لأن فيه إقرارا له

стр. 264

على الردة لا لتشرفه بدين قد بدله وناقض العهد قد نقض عهده الذي كان يرعى به فزالت حرمته وصار بأيدي المسلمين من غير عقد ولا عهد فصار كحربي أسرناه وأسوء حالا منه ومثل ذلك لا يجب المن عليه بجزية ولا بغيرها لأن الله تعالى إنما أمرنا أن نقاتلهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فمن أخذناه قبل أن يعطي الجزية لم يدخل في الآية لأنه لا قتال معه بل قد خيرنا الله إذا شددنا الوثاق بين المن والفداء ولم يوجب المن في حق ذمي ولا كتابي ولأن الأسير قد صار للمسلمين فيه حق بإمكان استبعاده والمفاداة به فلا يجب عليهم بذل حقهم منه مجانا وجاز قتله لأنه كافر لا عهد له وإنما هو باذل للعهد في حال لا تجب معاهدته وذلك لا يعصم دمه. فإن قال من منع من إعادته إلى الذمة وجعله فيئا: هذا من على الأسير مجانا وذلك إضاعة لحق المسلمين فلم يجز إتلاف أموالهم. قلنا: هذا مبني على أنه لا يجوز المن على الأسير والمرضيّ جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة ومدعي النسخ يفتقر إلى دليل. فإن قيل: خروجه عن العهد موجب للتغليظ عليه فينبغي إما أن يقتل أو يسترق كما أن المرتد يغلظ حاله بتعين قتله فإذا جاز في هذا ما يجوز في الحربي الأصلي لم يبق بينهما فرق. قلنا: إذا جاز استرقاقه جاز إقراره بالجزية إذا لم يكن المانع حقا لله لأنه ليس في ذلك إلا فوات ملك رقبته وقد يرى الإمام أن في إقراره بالجزية أو في المن عليه والمفاداة به مصلحة أكبر من ذلك بخلاف المرتد فإنه لا سبيل في استبقائه وبخلاف الوثني إذا جوزنا استرقاقه فإن المانع من إقراره بالجزية حق لله وهو دينه وناقض العهد دينه قبل النقض وبعده سواء ونقضه إنما يعود ضرره على من يحاربه من المسلمين فكان الرأي فيه إلى أميرهم.

стр. 265

فإن قيل: فهلا حكيتم خلافا أنه يتعين قتل هذا الناقض للعهد كما يتعين قتل غيره من الناقضين كما سيأتي وقد قال أبو الخطاب: إذا حكمنا بنقض عهد الذمي فظاهر كلام الإمام أحمد أنه يقتل في الحال قال: وقال شيخنا: يخير الإمام فيه بين أربعة أشياء فأطلق الكلام فيمن نقض العهد مطلقا وتبعه طائفة على الإطلاق ومن قيده قيده بأن ينقضه بما فيه ضرر على المسلمين مثل قتالهم ونحوه فأما إن نقضه بمجرد اللحاق بدار الحرب فهو كالأسير ويؤيد هذا ما رواه عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم نصارى نقضوا العهد وقاتلوا المسلمين قال: "أرى أن لا يقتل الذرية ولا يسبون ولكن يقتل رجالهم" قلت لأبي: فإن ولد لرجالهم أولاد في دار الحرب قال: "أرى أن يسبوا أولئك ويقتلوا" قلت لأبي: فإن هرب من الذرية إلى دار الحرب أحد فسباهم المسلمون ترى لهم أن يسترقوا؟ قال: "الذرية لا يسترقون ولا يقتلون لأنهم لم ينقضوا هم إنما نقض العهد رجالهم وما ذنب هؤلاء؟ " فقد أمر ﵀ بقتل المقاتلة من هؤلاء إما لمجرد النقض أو للنقض والقتال. قلنا: قد ذكرنا فيما مضى نص أحمد على أن من نقض العهد وقاتل المسلمين فإنه يجري عليه ما يجري على أهل الحرب من الأحكام وإذا أسر حكم فيه الإمام بما رأى. ونص ﵀ فيمن لحق بدار الحرب على أنه يسترق في رواية وعلى أن يعاد إلي ذمته في رواية أخرى فلم يجز أن يقال: ظاهر كلامه في هذه الصورة يدل على وجوب قتله مع تصريحه بخلاف ذلك كيف والذين قالوا ذلك إنما أخذوا من كلامه في مسائل شتى ليست هذه الصورة منها؟ على أن أبا الخطاب وغيره لم يذكروا هذه الصورة ولم يدخل في كلامهم أعني صورة اللحاق بدار الحرب وإنما ذكروا من نقض العهد بأن ترك ما يجب عليه في العهد أو فعل ما ينتقض به عهده وهو في قبضة المسلمين.

стр. 266

وذكروا أن ظاهر كلام أحمد يعين قتله وهو صحيح ممن فهم من كلامهم عموم الحكم في كل من انتقض عهده فمن فهمه أتي لا من كلامهم ومن ذكر اللحاق بدار الحرب وقتال المسلمين والامتناع من أداء الجزية وغير ذلك في النواقض فإنه احتاج أن يفرق بين اللحاق بدار الحرب وبين غيره كما ذكرناه من نصوص الإمام أحمد وغيره من الأئمة على الناقض الممتنع. والفرق بينهما أنه من لم يوجد منه إلا اللحاق بدار الحرب فإنه لم يجن جناية فيها ضرر على المسلمين حتى يعاقب عليها بخصوصها وإنما ترك العهد الذي بيننا وبينه فصار ككافر لا عهد له كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره. ويجب أن يعلم أن من لحق بدار الحرب صار حربيا فما وجد منه من الجنايات بعد ذلك فهي كجنايات الحربي لا يؤخذ بها إن أسلم أو عاد إلى الذمة ولذلك قال الخرقي: "ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد عاد حربيا" وكذلك أيضا إذا امتنعوا بدار الإسلام من الجزية أو الحكم ولهم شوكة ومنعة قاتلوا بها عن أنفسهم فإنهم قد قاتلوا بعد أن انتقض عهدهم وصار حكمهم حكم المحاربين فلا يتعين قتل من استرق منهم بل حكمه إلى الإمام ويجوز استرقاقه كما نص الإمام أحمد على هذه الصورة بعينها لأن المكان الذي تحيزوا فيه وامتنعوا بمنزلة دار الحرب ولم يجنوا على المسلمين جناية ابتدءوا بها للمسلمين وإنما قاتلوا عن أنفسهم بعد أن تحيزوا وامتنعوا وعلم أنهم محاربون فمن قال من أصحابنا إن من قاتل المسلمين يتعين قتله ومن لحق بدار الحرب خير الإمام فيه فإنما ذاك إذا قاتلهم ابتداء قبل أن يظهر نقض العهد ويظهر الامتناع بأن يعين أهل الحرب على قتال المسلمين ونحو ذلك فأما إذا قاتل بعد أن صار في شوكة ومنعة يمتنع بها عن أداء الجزية فإنه يصير

стр. 267

كالحربي سواء كما تقدم ولهذا قلنا على الصحيح: إن المرتدين إذا أتلفوا دما أو مالا بعد الامتناع لم يضمنوه وما أتلفوه قبل الامتناع ضمنوه وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في الفرق. وأما ما ذكره الإمام أحمد في رواية عبد الله فإنما أراد به الفرق بين الرجال والذرية ليتبين أن الذرية لا يجوز قتلهم وأن الرجال يقتلون كما يقتل أهل الحرب ولهذا قال في الذرية الذين ولدوا بعد النقض "يسبون ويقتلون" وإنما أراد أنهم يسبون إذا كانوا صغارا ويقتلون إذا كانوا رجالا أي يجوز قتلهم كأهل الحرب الأصليين ولم يرد أن القتل يتعين لهم فإنهم على خلاف الإجماع والله أعلم. القسم الثاني: إذا لم يكن ممتنعا عن حكم الإمام فمذهب أبي حنيفة أن مثل هذا لا يكون ناقضا للعهد ولا ينقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة ومنعة فيمتنعوا بذلك على الإمام ولا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم أو تخلفوا بدار الحرب لأنهم إذا لم يكونوا ممتنعين أمكن الإمام أن يقيم عليهم الحدود ويستوفي منهم الحقوق فلا يخرجون بذلك عن العصمة الثابتة كمن خرج عن طاعة الإمام من أهل البغي ولم تكن له شوكة. وقال الإمام: مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ناقضين للعهد ومنعا للجزية وامتنعوا منا من غير أن يظلموا أو يلحقوا بدار الحرب فقد انتقض عهدهم لكن يقتل عنده الساب والمستكره للمسلمة على الزنى وغيرهما. وأما مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد فإنهم قسموا الأمور المتعلقة بذلك قسمين أحدهما يجب عليهم فعله والثاني يجب عليهم تركه. فأما الأول فإنهم قالوا: إذا امتنع الذمي مما يجب عليه فعله وهو أداء الجزية أو جريان أحكام الملة عليه إذا حكم بها حاكم المسلمين انتقض العهد بلا تردد

стр. 268

قال الإمام أحمد في الذي يمنع الجزية: إن كان واجدا أكره عليها وأخذت منه وإن لم يعطها ضربت عنقه وذلك لأن الله تعالى أمر بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والإعطاء له مبتدأ وتمام فمبتدأه الالتزام والضمان ومنتهاه الأداء والإعطاء ومن الصغار جريان أحكام المسلمين عليهم فمتى لم يتم إعطاء الجزية أو أعطوها وليسوا بصاغرين فقد زالت الغاية التي أمرنا بقتالهم إليها فيعود القتال ولأن حقن دمائهم إنما ثبت ببذل الجزية والتزام جريان أحكام الإسلام عليهم فمتى امتنعوا منه وأتوا بضده صاروا كالمسلم الذي ثبت حقن دمه بالإسلام إذا امتنع منه وأتى بكلمة الكفر. وعلى ما ذكره الإمام أحمد فلا بد أن يمتنع من ذلك على وجه لا يمكن استيفاؤه منه مثل أن يمتنع من حق بدني لا يمكن فعله ونيابة عنه دائما أو يمتنع من أداء الجزية ولعيب ماله كما قلنا في المسلم إذا امتنع من الصلاة أو الزكاة فأما إن قاتل الإمام على ذلك فذلك هو الغاية في انتقاض العهد كمن قاتل على ترك الصلاة أو الزكاة. وأما القسم الثاني وهو ما يجب عليهم تركه فنوعان: أحدهما ما فيه ضرر على المسلمين والثاني ما لا ضرر فيه عليهم والأول قسمان أيضا: أحدهما ما فيه ضرر على المسلمين في أنفسهم وأموالهم: مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق على المسلمين أو يعين على قتال المسلمين أو يتجسس للعدو بمكاتبه أو كلام أو إيواء عين من عيونهم أو يزني بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح والقسم الثاني ما فيه أذى وغضاضة عليهم: مثل أن يذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه بالسوء والنوع الثاني ما لا ضرر فيه عليهم: مثل إظهار أصواتهم بشعائر دينهم من الناقوس والكتاب ونحو ذلك ومثل مشابهة المسلمين في هيآتهم ونحو ذلك وقد تقدم القول في انتقاض العهد بكل واحد من هذه الأقسام

стр. 269

فإذا نقض الذمي العهد ببعضها وهو في قبضة الإمام مثل أن يزني بمسلمة أو يتجسس للكفار فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يقتل قال في رواية حنبل: كل من نقض العهد أو أحدث في الإسلام حدثا مثل هذا يعني مثل سب النبي ﷺ رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد والذمة فقد نص على أن من نقض العهد وأتى بمفسدة مما ينقض العهد قتل عينا وقد تقدمت نصوصه أن من لم يوجد منه إلا نقض العهد بالامتناع فإنه كالحربي. وقال في مواضع متعددة في ذمي فجر بامرأة مسلمة: يقتل ليس على هذا صولحوا والمرأة إن كانت طاوعته أقيم عليها الحد وإن كان استكرهها فلا شيء عليها. وقال في يهودي زنى بمسلمة: يقتل: لأن عمر ﵁ أتى بيهودي نخس بمسلمة ثم غشيها فقتله فالزنى أشد من نقض العهد قيل: فعبد نصراني زنى بمسلمة قال: "يقتل أيضا وإن كان عبدا". وقال في مجوسي فجر بمسلمة: يقتل هذا نقض العهد وكذلك إن كان من أهل الكتاب يقتل أيضا قد صلب عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة هذا نقض العهد فقيل له: ترى عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر كأنه لم يعب عليه. وقال مهنا: سالت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بامرأة مسلمة: ما يصنع به؟ قال: "يقتل" فأعدت عليه قال: "يقتل" قلت: إن الناس يقولون غير هذا قال: "كيف يقولون؟ " فقلت: يقولون عليه الحد قال: "لا ولكن يقتل" فقلت له: في هذا شيء؟ قال: "نعم عن عمر أنه أمر بقتله".

стр. 270

وقال في رواية جماعة من أصحابه في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل: فإن أسلم قال: يقتل هذا قد وجب عليه. فقد نص ﵀ على وجوب قتله بكل حال سواء كان محصنا أو غير محصن وأن القتل واجب عليه وإن أسلم وأنه لا يقام عليه حد الزنا الذي يفرق فيه بين المحصن وغير المحصن واتبع ذلك ما رواه خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي عن عوف بن مالك أن رجلا نخس بامرأة فتجللها فأمر به عمر فقتل وصلب ورواه المروزي عن مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة: "أن رجلا من أهل الذمة نخس بامرأة من المسلمين بالشام وهي على الحمار فصرعها وألقى نفسه عليها فرآه عوف بن مالك فضربه فشجه فانطلق إلى عمر يشكو عوفا فأتى عوف عمر فحدثه حديثه فأرسل إلى المرأة يسألها فصدقت عوفا فقال: قد شهدت أختنا فأمر به عمر فصلب قال: فكان أول مصلوب في الإسلام ثم قال عمر: "أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ ولا تظلموهم فمن فعل هذا فلا ذمة له". وروى سيف في الفتوح هذه القصة عن عوف بن مالك مبسوطة وذكر فيها أن الحمار صرع المرأة وأن النبطي أرادها فامتنعت واستغاثت قال عوف: "فأخذت عصاي فمشيت في أثره فأدركته فضربت رأسه ضربة ذا عجر ورجعت إلى منزلي" وفيه: "فقال للنبطي: "أصدقني فأخبره". وقال الإمام أحمد أيضا في الجاسوس: إذا كان ذميا قد نقض العهد يقتل وقال في الراهب: لا يقتل ولا يؤذى ولا يسأل عن شيء إلا أن نعلم منه أنه يدل على عورات المسلمين ويخبر عن أمرهم عدوهم فيستحل حينئذ دمه. وقد نص الإمام أحمد على أنه من نقض العهد بسب الله أو رسوله فإنه يقتل

стр. 271

ثم اختلف أصحابنا بعد ذلك فقال القاضي وأكثر أصحابه مثل أبيه أبي الحسين والشريف أبي جعفر وأبي المواهب العكبري وابن عقيل وغيره وطوائف بعدهم: إن من نقض العهد بهذه الأشياء وغيرها فحكمه كحكم الأسير يخير الإمام فيه كما يخير بالأسير بين القتل والمن والاسترقاق والفداء وعليه أن يختار من الأربعة ما هو أصلح للمسلمين قال القاضي في المجرد: "إذا قلنا قد انتقض عهده فإنا نستوفي منه الحقوق والقتل والحد والتعزير لأن عقد الذمة على أن تجري أحكامنا عليه وهذه أحكامنا فإذا استوفينا منه فالإمام مخير فيه بين القتل والاسترقاق ولا يرد إلى مأمنه لأنه بفعل هذه الأشياء قد نقض العهد وإذا نقض عاد بمعناه الأول فكأنه رجل نصراني بدار الإسلام". ثم إن القاضي في الخلاف قال: "حكم ناقض العهد حكم الأسير الحربي يتخير الإمام فيه بين أربعة أشياء: القتل والاسترقاق والمن والفداء" لأن الإمام أحمد قد نص في الأسير على الخيار بين أربعة أشياء وحكم الأسير لأنه كافر حصل في أيدينا بغير أمان قال: ويحمل كلام الإمام أحمد إذا رآه الإمام صلاحا واستثنى في الخلاف وهو الذي صنفه آخرا ساب النبي ﷺ خاصة قال: فإنه لا تقبل توبته ويتحتم قتله ولا يخير الإمام في قتله وتركه لأن قذف النبي ﷺ حق لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي. وقد يستدل لهؤلاء من المذهب بعموم كلام الإمام أحمد وتعليله حيث قال في قوم من أهل العهد نقضوا العهد وخرجوا بالذرية إلى دار الحرب فبعث في طلبهم فلحقوهم فحاربوهم قال: إذا نقضوا العهد فمن كان منهم بالغا فيجري عليه ما يجري على أهل الحرب من الأحكام إذا أسروا فأمرهم إلى الإمام يحكم فيهم بما يرى وعلى هذا نقول:

стр. 272

فللإمام أن يعيدهم إلى الذمة إذا رأى المصلحة في ذلك كما له مثل ذلك في الأسير الحربي الأصلي. وهذا القول في الجملة هو الصحيح من قولي الإمام الشافعي والقول الآخر للشافعي أن من نقض العهد من هؤلاء يرد إلى مأمنه ثم من أصحابه من استثنى سب رسول الله ﷺ خاصة فجعله موجبا للقتل حتما دون غيره ومنهم من عمم الحكم هذا هو الذي ذكره أصحابه وأما لفظه فإنه قال في الأم: "إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب وذكر الشروط" إلى أن قال: "وعلى أن أحدا منكم إن ذكر محمدا ﷺ أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين ونقض ما أعطي من الأمان وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما يحل أموال أهل الحرب ودمائهم وعلى أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنى أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده وأحل دمه وماله وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم". ثم قال: فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فإن لم يرضها فلا عقد له ولا جزية. ثم قال: وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد وإن فعل مما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا

стр. 273

يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول فيعاقب عليه ولا يقتل. قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول "أسلم أو أعطى جزية" قتل وأخذ ماله فيئا وهذا اللفظ يعطى وجوب قتله إذا امتنع من الإسلام والعود إلى الذمة. وسلك أبو الخطاب في "الهداية" والحلواني وكثير من متأخري أصحابنا مسلك المتقدمين في إقرار نصوص الإمام أحمد بحالها وهو الصواب فإن الإمام أحمد قد نص على القتل عينا فيمن زنى بمسلمة حتى بعد الإسلام وجعل هذا أشد من نقض العهد باللحاق بدار الحرب ثم إنه نص هناك على أن الأمر إلى الإمام كالأسير ونص هنا على أن على الإمام يخير أن يقتل ولا يخفى لمن تأمل نصوصه أن القول بالتخيير مطلقا مخالف لها. وأما أبو حنيفة فلا تجئ هذه المسألة على أصوله لأنه لا ينتقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة ومنعة فيمتنعون بذلك على الإمام ولا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم. ومذهب مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين منا مانعين للجزية من غير ظلم أو يلحقوا بدار الحرب لكن مالكا يوجب قتل ساب الرسول ﷺ عينا وقال: "إذا استكره الذمي مسلمة على الزنى قتل إن كانت حرة وإن كانت أمة عوقب العقوبة الشديدة" فمذهبه إيجاب القتل لبعض أهل الذمة الذين يفعلون ما فيه ضرر على المسلمين فمن قال؟: "إنه يرد إلى مأمنه" قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله حتى يرد إلى مأمنه كما لو دخلها بأمان صبي وهذا ضعيف جدا لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية

стр. 274

فهذه الآية وإن كانت نزلت في أهل الهدنة فعمومها لفظا ومعنى يتناول كل ذي عهد على ما لا يخفى وقد أمر سبحانه بالمقاتلة حيث وجدناهم فعم ذلك مأمنهم وغير مأمنهم ولأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فمتى لم يعطوا الجزية أو لم يكونوا صاغرين جاز قتالهم من غير شرط على معنى الآية ولأنه قد ثبت أن النبي ﷺ أمر بقتل من رأوه من رجال يهود صبيحة قتل ابن الأشرف وكانوا معه معاهدين ولم يأمر بردهم إلى مأمنهم وكذلك لما نقضت بنو قينقاع العهد قاتلهم ولم يردهم إلى مأمنهم ولما نقضت بنو قريظة العهد قاتلهم وأسرهم ولم يبلغهم مأمنهم وكذلك كعب بن الأشرف نفسه أمر بقتله غيلة ولم يشعره أنه يريد قتله فضلا عن أن يبلغه مأمنه وكذلك بنو النضير أجلاهم على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة وليس هذا بإبلاغ للمأمن لأن من بلغ مأمنه يؤمن على نفسه وأهله وماله حتى يبلغ مأمنه وكذلك سلام ابن أبي الحقيق وغيره من يهود لما نقضوا العهد قتلهم نوبة خبير ولم يبلغهم مأمنهم ولأنه قد ثبت أن أصحاب رسول الله ﷺ عمر وأبا عبيدة ومعاذ ابن جبل وعوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد أن يفجر بالمسلمة وصلبوه ولم ينكره منكر فصار إجماعا ولم يردوه إلى مأمنه ولأن في شروط عمر التي شرطها على النصارى "فإن نحن خالفا عن شيء شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل لأهل المعاندة والشقاق" رواه حرب بإسناد صحيح وقد تقدم عن عمر وغيره من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وابن عباس وخالد بن الوليد وغيرهم رضوان الله عليهم أنهم قتلوا وأمروا بقتل ناقض العهد ولم يبلغوه مأمنه ولئن دمه كان مباحا وإن عصمته الذمة فمتى ارتفعت الذمة بقي على الإباحة ولأن الكافر لو دخل دار الإسلام بغير أمان وحصل في أيدينا جاز قتله في دارنا وأما من دخل بأمان صبى فإنما ذاك لأنه يعتقد أنه مستأمن

стр. 275

فصارت له شبهة أمان وذلك يمنع قتله كمن وطء فرجا يعتقد أنه حلال لا حد عليه وكذلك لا ينسب في دخوله دار الإسلام إلى تفريط وأما هذا فإنه ليس له أمان ولا شبهة أمان لأن مجرد حصوله في الدار ليس بشبهة أمان بالاتفاق بل هو مقدم على ما ينتقض به العهد مفرط في ذلك عالم أنا لم نصالحه على ذلك فأي عذر له في حقن دمه حتى يلحقه بمأمنه؟ نعم لو فعل من نواقض العهد ما لم يعلم أنه يضرنا مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بشيء يحسبه جائزا عندنا كان معذورا بذلك فلا ينقض العهد كما تقدم ما لم يتقدم إليه كما فعل عمر بقسطنطين النصراني. وأما من قال أنه كالأسير الحربي إذا حصل في أيدينا فقال: لأنه كافر حلال الدم حصل في أيدينا وكل من كان كذلك فإنه مأسور فلنا أن نقتله كما قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ولنا أن نمن عليه كما من النبي ﷺ على ثمامه بن أثال الحنفي وعلى أبي عزة الجمحي ولنا أن نفادي به كما فادى النبي ﷺ بعقيل وغيره ولنا أن نسترقه كما استرق المسلمون خلقا من الأسرى مثل أبي لؤلؤة قاتل عمر ومماليك العباس وغيرهم أما قتل الأسير واسترقاقه فما أعلم فيه خلافا لكن قد اختلف العلماء في المن عليه والمفادة هل هو باق أو منسوخ؟ على ما هو معروف في مواضعه وهذا لأنه إذا نقض العهد عاد كما كان والحربي الذي لا عهد له إذا قدر عليه جاز قتله واسترقاقه ولأنه ناقض للعهد فجاز قتله واسترقاقه كاللاحق بدار الحرب والمحارب في طائفة ممتنعة إذا أسر بل هذا أولى لأن نقض العهد بذلك متفق عليه فهو أغلظ فإذا جاز أن يحكم فيه بحكم الأسير ففي هذا أولى نعم إذا انتقض العهد بفعل له عقوبة تخصه مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق عليه ونحو ذلك أقيمت عليه تلك العقوبة سواء كانت قتلا أو جلدا ثم إن بقي حيا بعد إقامة حد تلك الجريمة عليه صار كالكافر الحربي الذي لا حد عليه.

стр. 276

ومن فرق بين سب رسول الله ﷺ وبين سائر النواقض قال: لأن هذا حق لرسول الله ﷺ ولم يعف عنه فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق ولا بالتوبة كسب غير رسول الله ﷺ وسيأتي إن شاء الله تحرير مأخذ السب. وأما من قال إنه يتعين قتله إذا نقضه بما فيه مضرة على المسلمين دون ما إذا لم يوجد منه إلا مجرد اللحاق بدار الحرب والامتناع عن المسلمين فلأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ فأوجب سبحانه قتال الذين نكثوا العهد وطعنوا في الدين ومعلوم أن مجرد نكث العهد موجب للقتال الذي كان واجبا قبل العهد وأوكد فلا بد أن يفيد هذا زيادة توكيد وما ذاك إلا لأن الكافر الذي ليس بمعاهد يجوز الكف عنى قتاله إذا اقتضت المصلحة ذلك إلى وقت فيجوز استبقائه بخلاف هذا الذمي نقض وطعن فإنه يجب قتاله من غير استتابة وكل طائفة وجب قتالها من غير استئناف لفعل يبيح دم آحادها فإنه يجب قتل الواحد منهم إذا فعله وهو في أيدينا كالردة والقتل في المحاربة والزنى ونحو ذلك بخلاف البغي فإنه لا يبيح دم الطائفة إلا إذا كانت ممتنعة وبخلاف الكفر الذي لا عهد معه فإنه يجوز الاستيناء بقتل أصحابه بالجملة وقوله سبحانه: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ دليل على أن الله تعالى يريد الانتقام منهم وذلك لا يحصل من الواحد إلا إذا قتل ولا يحصل إن من عليه أو فودي به أو استرق نعم دلت الآية على أن الطائفة الناقضة الممتنعة يجوز أن يتوب الله على من يشاء منها بعد أن يعذبها

стр. 277

ويخزيها بالغلبة لأن ما حاق بهم من العذاب والخزي يكفي في ردعهم وردع أمثالهم عما فعلوه من النقض والطعن أما الواحد فلو لم يقتل بل من عليه لم يكن هناك رادع قوي عن قوله عن فعله. وأيضا فإن النبي ﷺ لما سبى بني قريظة قتل المقاتلة واسترق الذرية إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين فقتلها لذلك وحديثها مع عائشة ﵂ معروف ففرق ﷺ بين من اقتصر على نقض العهد وبين من آذى المسلمين مع ذلك وكان لا يبلغه عن أحد من المعاهدين أنه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله وقد أجلى كثير ومن على كثير ممن نقض العهد فقط. وأيضا فإن أصحاب رسول الله ﷺ عاهدوا أهل الشام من الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا وكذلك مع أهل مصر ومع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين أو زنى بمسلمة ونحو ذلك إلا قتلوه وأمروا بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير فعلم أنهم فرقوا بين النوعين. وأيضا فإن النبي ﷺ أمر بقتل مقيس بن حبابة وعبد الله بن خطل ونحوهما مما ارتد وجمع إلى ردته قتل مسلم ونحوه من الضرر ومع هذا فقد ارتد في عهد أبي بكر ﵁ خلق كثير وقتلوا من المسلمين عددا بعد الامتناع مثل ما قتل طليحة الأسدي عكاشة بن محصن وغيره ولم يؤخذ أحد منهم بقصاص بعد ذلك فإذا كان المرتد يؤخذ بما أصابه قبل الامتناع من الجنايات ولا يؤخذ بما فعله بعد الامتناع فكذلك الناقض للعهد لأن كليهما خرج عما عصم به دمه: هذا نقض إيمانه وهذا نقض أمانه وإن كان في هذا خلاف بين الفقهاء في المذهب وغيره فإنما قسنا على أصل ثبت بالسنة وإجماع

стр. 278

الصحابة نعم المرتد إذا عاد إلى الإسلام عصم دمه إلا من حد يقتل بمثله المسلم والمعاهد يقتل على ما فعله من الجنايات المضرة بالمسلمين لأنه يصير مباحا بالنقض ولم يعد إلى شيء يعصم دمه فيصير كحربي يغلظ قتله يبين ذلك أن الحربي على عهد رسول الله ﷺ كان إذا آذى المسلمين وضرهم قتله عقوبة له على ذلك ولم يمن عليه بعد القدرة عليه فهذا الذي نقض عهده بضرر المسلمين أولى بذلك ألا ترى أنه لما من على أبي عزة الجمحي وعاهده أن لا يعين عليه فغدر به ثم قدر عليه بعد ذلك وطلب أن يمن عليه فقال: "لا تسمح سبلاتك بمكة وتقول: سخرت بمحمد مرتين" ثم قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" فلما نقض يمينه منعه ذلك من المن عليه لأنه ضره بعد أن كان عاهده على ترك ضراره فكذلك من عاهد من أهل الذمة أنه لا يؤذي المسلمين ثم أذاهم لو أطلقوا للدغوا من جحر واحد مرتين ولمسح المشرك سبلاته وقال: سخرت بهم مرتين. وأيضا فلأنه إذا لحق بدار الحرب وامتنع لم يضر المسلمين وإنما أبطل العقد الذي بينهم وبينه فصار كحربي أصلي أما إذا فعل ما يضر بالمسلمين من مقاتلة أو زنى بمسلمه أو قطع طريق أو حبس أو نحو ذلك فإنه يتعين قتله لأنه لو لم يقتل لخلت هذه المفاسد عن العقوبة عليها وتعطلت حدود هذه الجرائم ومثل هذه الجرائم لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق المسلم فلأن لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق الذمي أولى وأحرى ولا يجوز أن يقام عليه حدها منفردا كما يقام على من بقيت ذمته الحد لأن صاحبها صار حربيا والحربي لا يقام عليه إلا القتل فتعين قتله وصار هذا كالأسير اقتضت المصلحة قتله لعلمنا أنه متى أفلت كان فيه ضرر على المسلمين أكثر من ضرر قتله فإنه لا يجوز المن عليه ولا المفاداة به اتفاقا ولأن الواجب في مثل هذا إما القتل أو المن أو الاسترقاق أو الفداء

стр. 279

فأما الاسترقاق فإنه أبقى له على ذمته بنحو مما كان فإنه كان تحت ذمتنا نأخذ منه الجزية بمنزلة العبد ولهذا قال بعض الصحابة لعمر في مسلم قتل ذميا: أتقيد عبدك من أخيك؟ بل ربما كان استبعاده أنفع له من جعله ذميا واستبعاد مثل هذا لا تؤمن عاقبته وسوء مغبته وأما المن عليه والمفاداة به فأبلغ في المفسدة وإعادته إلى الذمة ترك لعقوبته بالكلية فتعين قتله. يوضح ذلك أنا على هذا التقرير لا نعاقبه إذا عاد إلى الذمة إلا بما يعاقب فيه المسلم أو الباقي على ذمته وهذا في الحقيقة يؤول إلى قول من يقول: إن العهد لا ينقض بهذه الأشياء فلا معنى لجعل هذه الأشياء ناقضه للعهد وإيجاب إعادة أصحابها إلى العهد وأن لا يعاقبوا إذا عادوا إلا بما يعاقب به المسلم. ويؤيد ذلك أن هذه الجرائم إذا رفعت العهد وفسخته فلأن يمنع ابتداء بطريق الأولى لأن الدوام أقوى من الابتداء ألا ترى أن العدة والردة تمنع ابتداء عقد النكاح دون دوامه فأما إن كان وجود هذه المضرات يمنع دوام العقد فمنعه ابتداءه أولى وأحرى وإذا لم يجز ابتداء عقد الذمة فلأن لا يجوز المن عليه أولى ولأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلا أن المشدود وثاقه من المحاربين جعل لنا أن نعامله بما نرى والخارج عن العهد وليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه كما أن الخارج عن الدين ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه فإن الذي لم يدخل فيه باق على حاله والذي خرج من الإيمان والأمان قد أحدث فسادا فلا يلزم من احتمال الفساد الباقي المستصحب احتمال الفساد المحدث المتجدد لأن الدوام أقوى من الابتداء.

стр. 280

يبين ذلك أن كل أسير كان يؤذي المسلمين مع كفره فإن النبي ﷺ قتله مثل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ومثل أبي عزة الجمحي في المرة الثانية. وأيضا فإنه إذا امتنع بطائفة أو بدار الحرب كان ما يتوقى من ضرره متعلقا بعزة ومنعته كالحربي الأصلي فإذا زالت المنعة بأسره لم يبق منه ما يبقى إلا من جهة كونه كافرا فقط فلا فرق بينه وبين غيره أما إذا ضر المسلمين وآذاهم بين ظهرانيهم أو تمرد عليهم بالامتناع مما أوجبته الذمة عليه كان ضرره بنفسه من غير طائفة تمنعه وتنصره فيجب إزهاق نفسه التي لا عصمة لها وهي منشأ الضرر وينبوع لأذى المسلمين ألا ترى أن الممتنع ليس فيما فعله إغراء للآحاد غير ذوي المنعة بخلاف الواحد فإن فيما يفعله فتح باب الشر فإن لم يعاقب فعل ذلك غيره وغيره ولا عقوبة لمن لا عهد له من الكفار إلا السيف. وأيضا فإن الممتنع منهم قد أمرنا بقتاله إلى أن يعطي الجزية عن يد وهو صاغر وأمرنا بقتاله حتى إذا أثخناه فشدوا الوثاق فكل آية فيها ذكر القتال دخل فيها فينتظمه حكم غيره من الكفار الممتنعين ويجوز إنشاء عقد ثان لهم واسترقاقهم ونحو ذلك أما من فعل جناية انتقض بها عهده وهو في أيدينا فلم يدخل في هذه العمومات لأنه لا يقاتل وإنما يقتل إذ القتال للممتنع وإذا كان أخذ الجزية والمن والفداء إنما هو لمن قوتل هذا لم يقاتل فيبقى داخلا في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ غير داخل في آية الجزية والفداء. وأيضا فإن الممتنع يصير بمنزلة الحربي والحربي يندرج جميع شأنه تحت الحراب بحيث لو أسلم لم يؤاخذ بضمان شيء من ذلك بخلاف الذي في أيدينا وذلك أنه ما دام تحت أيدينا في ذمتنا فإنه لا تأويل له في ضرر المسلمين وإيذائهم أما اللحاق بدار الحرب فقد يكون له معه شبهة في دينه يرى أنه إذا تمكن من الهرب هرب لا سيما وبعض فقهائنا يبيح له ذلك فإذا فعل ذلك

стр. 281

بتأويل كان بمنزلة ما يتلفه أهل البغي والعدل حال القتال لا ضمان فيه وما أتلفوه في غير حال الحرب ضمنته كل طائفة للأخرى فليس حال من تأول فيما فعله من النقض كحال من لم يتأول. وأيضا فإن ما يفعله بالمسلمين من الضرر الذي ينتقض به عهده لا بد له من عقوبة لأنه لا يجوز إخلاء الجرائم التي تدعو إليها الطباع من عقوبة زاجرة وشرع الزواجر شاهد لذلك ثم لا يخلو إما أن تكون عقوبته من جنس عقوبة من يفعل ذلك من مسلم أو ذمي بامرأة ذميه أو دون ذلك أو فوق ذلك والأول باطل لأنه يلزم أن يكون عقوبة المعصوم والمباح سواء ولأن الذي نقض العهد يستحق العقوبة على كفره وعلى ما فعله من الضرر الذي نقض به العهد وإنما أخرت عقوبة الكفر لأجل العهد فإذا ارتفع العهد استحق العقوبة على الأمرين وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من فعل ذلك وهو معصوم وبين مباح دمه لم يفعل ذلك لأن هذه المعاصي إذا فعلها المسلم فإنها منجبرة بما يلتزمه من نصر المسلمين ومنفعتهم وموالاتهم فلم يتمحض مضرا للمسلمين لأن فيه منفعة ومضرة وخيرا وشرا بخلاف الذمي فإنه إذا ضر المسلمين تمحض ضررا لزوال العهد الذي هو مظنة منفعته ووجود هذه الأمور المضرة وإذا لم يجز أن يعاقب بمثل ما يعاقب به المسلم فأن لا يعاقب بما هو دونه أولى وأحرى فوجب أن يعاقب بما هو فوق عقوبة المسلم ثم المسلم يتحتم قتله إذا فعل مثل هذه الأشياء فتحتم عقوبة ناقض العهد أولى لكن يختلفان في جنس العقوبة فهذا عقوبته القتل فيجب أن يتحتم وذلك عقوبته تارة القتل وتارة القطع وتارة الرجم أو الجلد. فصل. إذا تلخصت هذه القاعدة فيمن نقض العهد على العموم فنقول: شاتم

стр. 282

رسول الله ﷺ يتعين قتله كما قد نص عليه الأئمة. أما على قول من يقول: يتعين قتل كل من نقض العهد وهو في أيدينا أو يتعين قتل كل من نقض العهد بما فيه ضرر على المسلمين وأذى لهم كما ذكرناه في مذهب الإمام أحمد وكما قد دل عليه كلام الشافعي الذي نقلناه أو نقول: يتعين قتل من نقض العهد بسب الرسول ﷺ وحده كما قد ذكره القاضي أبو يعلي وغيره من أصحابنا وكما ذكره طائفة من أصحاب الشافعي وكما نص عليه عامة الذين ذكروه في نواقض العهد وذكروا أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد على سبيل الإجمال فإنهم ذكروا في مواضع أخر أنه يقتل من غير تخيير فظاهر. وأما على قول من يقول: إن كل ناقض للعهد فإن الإمام يتخير فيه كالأسير فقد ذكرنا أنهم قالوا: إنه يستوفى منه الحقوق كالقتل والحد والتعزير لأن عقد الذمة على أن تجري أحكامنا عليه وهذه أحكامنا ثم إذا استوفينا منه ذلك فالإمام مخير فيه كالأسير وعلى هذا القول فيمكنهم أن يقولوا: إنه يقتل لأن سب رسول الله ﷺ موجب للقتل حدا من الحدود كما لو نقض العهد بزنى أو قطع طريق فإنه يقام عليه حد ذلك فيقتل إن أوجب القتل بل قد يقتل الذمي حدا من الحدود وإن لم ينتقض عهده كما لو قتل ذميا آخر أو زنى بذمية فإنه يستوفي منه القود وحد الزنى وعهده باق ومذهب مالك يمكن أن يوجه على هذا المأخذ إن كان فيهم من يقول لم ينتقض عهده. وبالجملة فالقول بأن الإمام يتخير في هذا إنما يدل عليه كلام بعض الفقهاء أو إطلاقه وكذلك القول بأنه يلحق بمأمنه وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة فإن تقرر في هذا خلاف فهو ضعيف نقلا لما قدمناه وتوجيها لما سنذكره

стр. 283

والدليل على أنه يتعين قتله ولا يجوز استرقاقه ولا المن عليه ولا المفاداة به من طريقين. أحدهما: ما تقدم من الأدلة على وجوب قتل ناقض العهد إذا نقضه بما فيه ضرر على المسلمين مطلقا. الثاني: ما يخصه وهو من وجوه: أحدها: ما تقدم من الآيات الدالة على وجوب قتل الطاعن في الدين. الثاني: حديث الرجل الذي قتل المرأة اليهودية على عهد رسول الله ﷺ وأهدر النبي ﷺ دمها وقد تقدم من حديث على بن أبي طالب وابن عباس فلو كان سب النبي ﷺ يرفع العهد فقط ولا يوجب القتل لكانت هذه المرأة بمنزلة كافرة أسيرة وبمنزلة كافرة دخلت إلى دار الإسلام ولا عهد لها ومعلوم أنه لا يجوز قتلها وأنها تصير رقيقة للمسلمين بالسبي وهذه المرأة المقتولة كانت رقيقة والمسلم إذا كانت له أمة كافرة حربية لم يجز له ولا لغيره قتلها لمجرد كونها حربية بل تكون ملكا لسيدها ترد عليه إذا أخذها المسلمون ولا نعلم بين المسلمين خلافا أن المرأة لا يجوز قتلها لمجرد الكفر إذا لم تكن معاهدة كما يقتل الرجل لذلك ولا نعلم أيضا خلافا في أن المرأة إذا ثبت في حقها حكم نقض العهد فقط مثل أن تكون من أهل الهدنة وقد نقضوا العهد فإنه لا يجوز قتل نسائهم وأولادهم بل تسترق النساء والأولاد وكذلك الذمي إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب فمن ولد له بعد نقض العهد لم يجز قتل النساء منهم والأطفال بل يكونون رقيقا للمسلمين وكذلك أهل الذمة إذا امتنعوا بدار الحرب ونحوها. فمن الفقهاء من قال: العهد باق في ذريتهم ونسائهم كما هو المعروف عن الإمام أحمد وقال أكثرهم: ينتقض العهد في الذرية والنساء أيضا ثم لا يختلفون أن النساء لا يقتلن وأصل ذلك أن الله ﵎ يقول: في كتابه

стр. 284

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فأمر بقتال الذين يقاتلون فعلم أن شرط القتال كون المقاتل مقاتلا. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وعن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها يعني ويتعجبون من قتلها حتى لحق رسول الله ﷺ على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: " ما كانت هذه لتقاتل " فقال لأحدهم: "الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا " رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن ابن كعب بن مالك عن عمه أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر "نهى عن قتل النساء والصبيان " رواه الإمام أحمد. وفي الباب أحاديث مشهورة على أن هذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفا عن سلف وذلك لأن المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن لا تكون فتنة أي لا يكون أحد يفتن أحدا عن دين الله فإنما نقاتل من كان ممانعا عن ذلك وهم أهل القتال فأما من لا يقاتل عن ذلك فلا وجه لقتله كالمرأة والشيخ الكبير والراهب ونحو ذلك ولأن المرأة تصير رقيقة للمسلمين ومالا لهم ففي قتلها تفويت لذلك عليهم من غير حاجة وإضاعة المال لغير حاجة نعم لو قاتلت المرأة جاز أن تقتل بالاتفاق لوجود المعنى فيها

стр. 285

الذي جعل الله ورسوله عدمه مانعا من قتلها بقوله ﷺ : " ما كانت هذه لتقاتل " لكن هل يجوز أن تقصد بالقتل كما يقصد الرجل أو يقصد كفها كما يقصد كف الصائل؟ ففيه خلاف بين الفقهاء فإذا كان الحكم في المرأة مثل ذلك وقد أهدر النبي ﷺ دم امرأة ذمية لأجل سبها مع أن قتلها لو كان حراما لأنكره النبي ﷺ كما أنكر قتل المرأة التي وجدها مقتولة في بعض مغازيه وإن لم تكن مضمونة بدية ولا كفارة فإنه ﷺ لا يسكت عن إنكار المنكر بل إقراره دليل على الجواز والإباحة علم أن السابة ليست بمنزلة الأسيرة الكافرة لأن تلك لا يجوز قتلها وعلم أن السب أوجب قتلها بنفسه كما يجب قتلها بالإجماع إذا قطعت الطريق وقتلت فيه وإذا زنت وكما يجب قتلها بالردة عند جماهير العلماء. فإن قيل: يجوز أن يكون سبها للنبي ﷺ بمنزلة قتالها والمرأة إذا قاتلت وكانت معاهدة انتقض عهدها كالرجل إذا فعل ذلك ويجوز أن تكون حينئذ بمنزلة المرأة المقاتلة إذا أسرت يتخير الإمام فيها بين أربعة أشياء كما يتخير في الرجل المقاتل إذا أسر. قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن هذه المرأة لم يصدر عنها إلا مجرد شتم النبي ﷺ بحضرة سيدها المسلم ولم تحض أحدا من المشركين للقتال ولا أشارت على الكفار برأي تعين فيه على قتال المسلمين ومعلوم أن من لم يقاتل بيده ولا أعان على القتال بلسانه لم يجز أن ينسب إليه القتال بوجه من الوجوه ونحن لا ننكر أن من لا يجوز قتله كالراهب والأعمى والشيخ الفاني والمقعد ونحوهم إذا كان لهم رأي في القتال وكلام يعينون به على قتال المسلمين كانوا بمنزلة المقاتلين لكن مجرد سب المرأة لرسول الله ﷺ عند قوم مسلمين ليس من هذا القبيل وإنما هو أذى لله ولرسوله أبلغ من القتال من بعض الوجوه فلو لم يكن موجبا
следующие страницы →