← Акыда

Акыда · id 7344

الصارم المسلول على شاتم الرسول

ابن تيمية

Полный текст (591 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الخامس: أن الجزاء في الآية لمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا والطاعن في الرسول قد حارب الله ورسوله كما تقدم وقد سعى في الأرض فسادا كما سيأتي وهذا الساب للولي وإن كان قد حارب الله فلم يسع في الأرض فسادا لأن السعي في الأرض فسادا إنما يكون بإفساد عام لدين الناس أو دنياهم وهذا إنما يتحقق في الطعن في النبي ﷺ ولهذا لا يجب على الناس الإيمان بولاية الولي ويجب عليهم الإيمان بنبوة النبي. السادس: أن ساب الولي لو فرض أنه محارب لله ورسوله فخروجه من اللفظ العام لدليل أوجبه لا يوجب أن يخرج هذا الساب للرسول لأن الفرق بين العداوتين ظاهر والقول العام إذا خصت منه صورة لم تخص منه صورة أخرى لا تساويها إلا بدليل آخر. السابع: أن حمله على المحاربة باليد متعذر أيضا في حق الولي لأن من عاداه بيده لم يوجب ذلك أن يدخل في حكم الآية على الإطلاق مثل أن يضربه ونحو ذلك فلا فرق إذا في حقه بين المعاداة باليد واللسان بخلاف النبي ﷺ فإنه لا فرق بين أن يعاديه بيد أو لسان فإنه يمكن دخوله في الآية وذلك مقرر الاستدلال كما تقدم. وإذا ثبت أن هذا الساب محارب لله ورسوله فهو أيضا ساع في الأرض فسادا لأن الفساد نوعان: فساد الدنيا من الدماء والأموال والفروج وفساد الدين والذي يسب رسول الله ﷺ ويقع في عرضه يسعى ليفسد على الناس دينهم ثم بواسطة ذلك يفسد عليهم دنياهم وسواء فرضنا أنه أفسد على أحد دينه أو لم يفسد لأنه إنما قال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ قيل أنه نصب على المفعول له أي ويسعون في الأرض للفساد وكما قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ

стр. 387

وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ والسعي هو العمل والفعل فمن سعى ليفسد أمر الدين فقد سعى في الأرض فسادا وإن خاب سعيه وقيل: إنه نصب على المصدر أو على الحال تقديره سعى في الأرض مفسدا كقوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أو كما يقال: جلس قعودا وهذا يقال لكل من عمل عملا يوجب الفساد وإن لم يؤثر لعدم قبول الناس له وتمكينهم إياه بمنزلة قاطع الطريق إذا لم يقتل أحدا ولم يأخذ مالا على أن هذا العمل لا يخلو من فساد في النفوس قط إذا لم يقم عليه الحد. وأيضا فإنه لا ريب أن الطعن في الدين وتقبيح حال الرسول في أعين الناس وتنفيرهم عنه من أعظم الفساد كما أن الدعاء إلى تعزيره وتوقيره من أعظم الصلاح والفساد ضد الصلاح فكما أن كل قول أو عمل يحبه الله فهو من الصلاح فكل قول أو عمل يبغضه الله فهو من الفساد قال : ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ يعني الكفر والمعصية بعد الإيمان والطاعة ولكن الفساد نوعان: لازم وهو مصدر فسد يفسد فسادا ومتعد وهو اسم مصدر أفسد يفسد إفسادا كما قال تعالى: ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وهذا هو المراد هنا لأنه قال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ وهذا إنما يقال لمن أفسد غيره لأنه لو كان الفساد في نفسه فقط لم يقل سعى في الأرض فسادا وإنما يقال في الأرض لما انفصل عن الإنسان كما قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَاب﴾

стр. 388

وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِم﴾ وقال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ . وأيضا فإن الساب ونحوه انتهك حرمة الرسول ونقص قدره وآذى الله ورسوله وعباده المؤمنين وأجرأ النفوس الكافرة والمنافقة على اصطلام أمر الإسلام وطلب إذلال النفوس المؤمنة وإزالة عز الدين وإسفال كلمة الله وهذا من أبلغ السعي فسادا. ويؤيد ذلك أن عامة ما ذكر في القرآن من السعي في الأرض فسادا والإفساد في الأرض فإنه قد عنى به إفساد الدين فثبت أن هذا الساب محارب لله ورسوله ساع في الأرض فسادا فيدخل في الآية. الوجه الخامس: أن المحاربة نوعان: محاربة باليد ومحاربة باللسان والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد كما تقدم تقريره في المسألة الأولى ولذلك كان النبي ﷺ يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد خصوصا محاربة الرسول ﷺ بعد موته فإنها إنما تمكن باللسان وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد فهذا الساب لله ورسوله أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. الوجه السادس: أن المحاربة خلاف المسألة والمسألة: أن يسلم كل من المتسالمين من أذى الآخر فمن لم تسلم من يده أو لسانه فليس بمسالم لك بل هو محارب

стр. 389

ومعلوم أن محاربة الله ورسوله هي المغالبة على خلاف ما أمر الله ورسوله إذ المحاربة لذات الله ورسوله محال فمن سب الله ورسوله لم يسالم الله ورسوله لأن الرسول لم يسلم منه بل طعنه في رسول الله ﷺ مغالبة لله ورسوله على خلاف ما أمر الله به على لسان رسوله وقد أفسد في الأرض كما تقدم فيدخل في الآية. وقد تقدم في المسألة الأولى أن هذا الساب محاد لله ورسوله مشاق لله تعالى ورسوله وكل من شاق الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله لأن المحاربة والمشاقة سواء فإن الحرب هو الشق ومنه سمي المحارب محاربا وأما كونه مفسدا في الأرض فظاهر. واعلم أن كل ما دل على أن السب نقض للعهد فقد دلل على أنه محاربة لله ورسوله لأن حقيقة نقض العهد أن يعود الذمي محاربا فلو لم يكن بالسب يعود محاربا لما كان ناقضا للعهد وقد قدمنا في ذلك من الكلام ما لا يليق إعادته لما فيه من الإطالة فليراجع ما مضى في هذا الموضوع فبقى أنه سعى في الأرض فسادا وهذا أوضح من أن يحتاج إلى دليل فإن إظهار كلمة الكفر والطعن في المرسلين والقدح في كتاب الله ودينه ورسله وكل سبب بينه وبين خلقه لا يكون شيء أشد منه فسادا وعامة الآي في كتاب الله التي تنهى عن الإفساد في الأرض فإن من أكثر المراد بها الطعن في الأنبياء كقوله سبحانه عن المنافقين الذين يخادعون الله والذين آمنوا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ وإنما كان إفسادهم نفاقهم وكفرهم وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

стр. 390

وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وإذا كان هذا محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض فسادا تناولته الآية وشملته. ومما يقرر الدلالة من الآية أن الناس فيها قسمان: منهم من يجعلها مخصوصة بالكفار من مرتد وناقض عهد ونحوها ومنهم من يجعلها عامة في المسلم المقيم على إسلامه وفي غيره ولا أعلم أحدا خصها بالمسلم المقيم على إسلامه فتخصيصها به خلاف الإجماع ثم الذين قالوا إنها عامة قال كثير منهم قتادة وغيره: قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ "هذا لأهل الشرك خاصة فمن أصاب من المشركين شيئا من المسلمين وهو لهم حرب فأخذ مالا أو أصاب دما ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى" لكن المسلم المقيم على إسلامه محاربته إنما هي باليد لأن لسانه موافق مسالم للمسلمين غير محارب أما المرتد والناقض للعهد فمحاربته تارة باليد وباللسان أخرى ومن زعم أن اللسان لا تقع به محاربة فالأدلة المتقدمة في أول المسألة مع ما ذكرناه هنا تدل على أنه محاربة على أن الكلام في هذا المقام إنما هو بعد أن تقرر أن السب محاربة ونقض للعهد. واعلم أن هذه الآية آية جامعة لأنواع من المفسدين والدلالة منها ظاهرة قوية لمن تأملها لا أعلم شيئا يدفعها. فإن قيل: مما يدل على أن المحاربة هنا باليد فقط أنه قال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وإنما يكون هذا فيمن يكون ممتنعا والشاتم ليس ممتنعا. قيل: الجواب من وجوه: أحدها: أن المستثنى إذا كان ممتنعا لم يلزم أن يكون المستبقى ممتنعا لجواز أن تكون الآية تعم كل محارب بيد أو لسان ثم استثنى منهم

стр. 391

الممتنع إذا تاب قبل القدرة فيبقى المقدور عليه مطلقا والممتنع إذا تاب بعد القدرة. الثاني: أن كل من جاء تائبا قبل أخذه فقد تاب قبل القدرة عليه. سئل عطاء عن الرجل يجيء بالسرقة تائبا قال: ليس عليه قطع وقرأ: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وكل من لم يؤخذ فهو ممتنع لا سيما إذا لم يؤخذ ولم تقم عليه حجة وذلك لأن الرجل وإن كان مقيما فيمكنه الاستخفاء والهرب كما يمكن المصحر فليس كل من فعل جرما كان مقدورا عليه بل يكون طلب المصحر أسهل من طلب المقيم إذا كان لا يواريه في الصحراء خمر ولا غابة بخلاف المقيم في المصر وقد يكون المقيم له من يمنعه من إقامة الحد عليه فكل من تاب قبل أن يؤخذ ويرفع إلى السلطان فقد تاب قبل القدرة عليه. وأيضا فإذا تاب قبل أن يعلم به ويثبت الحد عليه فإن جاء بنفسه فقد تاب قبل القدرة عليه لأن قيام البينة وهو في أيدينا قدرة عليه فإذا تاب قبل هذين فقد تاب قبل القدرة عليه قطعا. الثالث: أن المحارب باللسان كالمحارب باليد قد يكون ممتنعا وقد يكون المحارب باليد مستضعفا بين قوم كثيرين وكما أن الذي يخاطر بنفسه بقتال قوم كثيرين قليل فكذلك الذي يظهر الشتم ونحوه من الضرر بين قوم كثيرين قليل وإن الغالب أن القاطع بسيفه إنما يخرج على من يستضعفه فكذلك الذي يظهر الشتم ونحوه من الساب ونحوه إنما يفعل ذلك في الغالب مستخفيا مع من لا يتمكن من أخذه ورفعه إلى السلطان والشهادة عليه.

стр. 392

ومما يقرر الدلالة الاستدلال بالآية من وجهين آخرين: أحدهما: أنها قد نزلت في قوم ممن كفر وحارب بعد سلمه باتفاق الناس فيما علمناه وإن كانت نزلت أيضا فيمن حارب وهو مقيم على إسلامه فالذمي إذا حارب إما بأن يقطع الطريق على المسلمين أو يستكره مسلمة على نفسها ونحو ذلك يصير به محاربا وعلى هذا إذا تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه القتل الواجب عليه وإن كان هذا قد اختلف فيه فإن العمدة على الحجة فالساب للرسول أولى ولا يجوز أن يخص بمن قاتل لأخذ المال فإن الصحابة جعلوه محاربا بدون ذلك وكذلك سبب النزول الذي ذكرناه ليس فيه أنهم قتلوا أحدا لأخذ مال ولو كانوا قتلوا أحدا لم يسقط القود عن قاتله إذا تاب قبل القدرة وكان قد قتله وله عهد كما لو قتله وهو مسلم. وأيضا فقطع الطرق إما أن يكون نقضا للعهد أو يقام عليه ما يقام على المسلم مع بقاء العهد فإن كان الأول فلا فرق بين قطع الطريق وغيره من الأمور التي تضر المسلمين وحينئذ فمن نقض العهد بها لم يسقط حده وهو القتل إذا تاب بعد القدرة وإن كان الثاني لم ينتقض عهد الذمي بقطع الطريق وقد تقدم الدليل على فساده ثم إن الكلام هنا إنما هو تفريع عليه فلا يصح المنع بعد التسليم. الثاني: أن الله سبحانه فرق بين التوبة قبل القدرة وبعدها لأن الحدود إذا رفعت إلى السلطان وجبت ولم يمكن العفو عنها ولا الشفاعة فيها بخلاف ما قبل الرفع ولأن التوبة قبل القدرة عليه توبة اختيار والتوبة بعد القدرة توبة إكراه واضطرار بمنزلة توبة فرعون حين أدركه الغرق وتوبة الأمم المكذبة لما جاءها البأس وتوبة من حضره الموت فقال: إني تبت الآن فلم يعلم صحتها حتى يسقط الحد الواجب ولأن قبول التوبة بعد القدرة لو أسقطت الحد

стр. 393

لتعطلت الحدود وانبثق سد الفساد فإن كل مفسد يتمكن إذا أخذ أن يتوب بخلاف التوبة قبل القدرة فإنها تقطع دابر الشر من غير فساد فهذه معان مناسبة قد شهد لها الشارع بالاعتبار في غير هذا الأصل فتكون أوصافا مؤثرة أو ملائمة فيعلل الحكم بها وهي بعينها موجودة في الساب فيجب أن لا يسقط القتل عنه بالتوبة بعد الأخذ لأن إسلامه توبة منه وكذلك توبة كل كافر قال : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ في موضعين والحد قد وجب بالرفع وهذه توبة إكراه أو اضطرار وفي قبولها تعطيل للحد ولا ينتقض هذا علينا بتوبة الحربي الأصلي فإنه لم يدخل في هذه الآية ولأنه إذا تاب بعد الأسر لم يخل سبيله بل يسترق ويستعبد وهو إحدى العقوبتين اللتين كان يعاقب بإحداهما قبل الإسلام والساب لم يكن عليه إلا عقوبة واحدة فلم يسقط كقاطع الطريق والمرتد المجرد لم يسع في الأرض فسادا فلم يدخل في الآية ولا يرد نقضا من جهة المعنى لأنا إنما نعرضه للسيف ليعود إلى الإسلام وإنما نقتله لمقامه على تبديل الدين فإذا أظهر الإعادة إليه حصل المقصود الذي يمكننا تحصيله وزال المحذور الذي يمكننا إزالته وإنما تعطيل هذا الحد أن يترك على ردته غير مرفوع إلى الإمام ولم يقدح كونه مكرها بحق في غرضنا لأنا إنما طلبنا منه أن يعود إلى الإسلام طوعا أو كرها كما لو قاتلناه على الصلاة أو الزكاة فبذلها طوعا أو كرها حصل مقصودنا والساب ونحوه من المؤذين إنما نقتلهم لما فعلوه من الأذى والضرر لا لمجرد كفرهم فإنا قد أعطيناهم العهد على كفرهم فإذا أسلم بعد الأخذ زال الكفر الذي لم يعاقب عليه بمجرده. وأما الأذى والضرر فهو إفساد في الأرض قد مضى منه كالإفساد بقطع الطريق لم يزل إلا بتوبة اضطرار لم تطلب منه ولم يقتل ليفعلها بل قوتل

стр. 394

أو لا ليبذل واحدا من الإسلام أو إعطاء الجزية طوعا أو كرها فبذل الجزية كرها على أنه لا يضر المسلمين فضرهم فاستحق أن يقتل فإذا تاب بعد القدرة عليه وأسلم كانت توبة محارب مفسد مقدور عليه. الطريق الثانية: قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ الآيات. وقد قرأ ابن عامر والحسن وعطاء والضحاك والأصمعي وغيرهم عن أبي عمر (لا إيمان لهم) بكسر الهمزة وهي قراءة مشهورة. وهذه الآية تدل على أنه لا يعصم دم الطاعن إيمان ولا يمين ثانية. أما على قراءة الأكثرين فإن قوله ﴿لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي لا وفاء بالأيمان ومعلوم أنه إنما أراد لا وفاء في المستقبل بيمين أخرى إذ عدم اليمين في الماضي قد تحقق بقوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ فأفاد هذا أن الناكث الطاعن إمام في الكفر لا يعقد له عهد ثان أبدا. وأما على قراءة ابن عامر فقد علم أن الإمام في الكفر ليس له إيمان ولم يخرج هذا مخرج التعليل لقتالهم لأن قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أبلغ في انتفاء الإيمان عنهم من قوله تعالى: (لا إيمان لهم) وأدل على علة الحكم ولكن يشبه والله أعلم أن يكون المقصود أن الناكث الطاعن إمام في الكفر لا يوثق بما يظهره من الإيمان كما لم يوثق بما كان عقده من الأيمان لأن قوله تعالى: ﴿لا إيمان﴾ نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان عنهم مطلقا فثبت أن الناكث الطاعن في الدين إمام في الكفر لا إيمان له من هؤلاء وأنه يجب قتله وإن أظهر الإيمان.

стр. 395

يؤيد ذلك أن كل كافر فإنه لا إيمان له في حال الكفر فكيف بأئمة الكفر؟ فتخصيص هؤلاء بسلب الإيمان عنهم لا بد أن يكون له موجب ولا موجب له إلا نفيه مطلقا عنهم. والمعنى أن هؤلاء لا يرتجى إيمانهم فلا يستبقون وأنهم لو أظهروا إيمانا لم يكن صحيحا وهذا كما قال النبي ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" لأن الشيخ قد عسا في الكفر وكما قال أبو بكر الصديق ﵁ في وصيته لأمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص: "ستلقون أقواما محوفة رؤوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منها بالسيوف فلأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ والله أصدق القائلين" فإنه لا يكاد يعلم أحدا من الناقضين للعهود الطاعنين في الدين أئمة الكفر حسن إسلامه بخلاف من لم ينقض العهد أو نقضه ولم يطعن في الدين أو طعن ولم ينقض عهدا فإن هؤلاء قد يكون لهم إيمان. يبين ذلك أنه قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي عن النقض والطعن كما سنقرره وإنما يحصل الانتهاء إذا قوتلت الفئة الممتنعة حتى تغلب أو أخذ الواحد الذي ليس بممتنع فقتل لأنه متى استحيي بعد القدرة طمع أمثاله في الحياة فلا ينتهون. ومما يوضح ذلك أن هذه الآية قد قيل: إنها نزلت في اليهود الذين كانوا قد غدروا برسول الله ﷺ ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود

стр. 396

والأيمان على أن لا يعينوا عليه أعداء من المشركين وهموا بمعاونة الكفار والمنافقين على إخراج النبي ﷺ من المدينة فأخبر أنهم بدأوا بالغدر ونكث العهد فأمر بقتالهم. ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فعلى هذا يكون سبب نزول الآية مثل مسألتنا سواء. وقد قيل: إنها نزلت في مشركي قريش ذكره جماعة وقالت طائفة من العلماء: وبراءة إنما نزلت بعد تبوك وبعد فتح مكة ولم يكن حينئذ بقي بمكة مشرك يقاتل فيكون المراد من أظهر الإسلام من الطلقاء ولم يبق قتله من الكفر إذا أظهروا النفاق. ويؤيد هذا قراءة مجاهد والضحاك: ﴿نكثوا إيمانهم﴾ بكسر الهمزة فتكون دالة على أن من نكث عهده الذي عاهد عليه من الإسلام وطعن في الدين فإنه يقاتل وإنه لا إيمان له قال من نصر هذا لأنه قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا إيمانهم﴾ فعلم أن هذا نكث بعد هذه التوبة لأنه قد تقدم الإخبار عن نكثهم الأول بقوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ الآية وقد تقدم أن الأيمان من العهود فعلى هذا تعم الآية من نكث عهد الإيمان ومن نكث عهد الأيمان أنه إذا طعن في الدين قوتل وأنه لا إيمان له حينئذ فتكون دالة على أن الطاعن في الدين بسب الرسول ونحوه من المسلمين وأهل الذمة لا إيمان له ولا يمين له فلا يحقن دمه بشيء بعد ذلك.

стр. 397

فإن قيل: قد قيل قوله تعالى: ﴿لا إيمان لهم﴾ أي لا أمان لهم مصدر آمنت الرجل أومنه إيمانا ضد أخفته كما قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ . قيل: إن كان هذا القول صحيحا فهو حجة أيضا لأنه لم يقصد لا أمان لهم في الحال فقط للعلم بأنهم قد نقضوا العهد وإنما يقصد لا أمان لهم بحال في الزمان الحاضر والمستقبل وحينئذ فلا يجوز أن يؤمن هذا بحال بل يقتل بكل حال. فإن قيل: إنما أمر في الآية بالمقاتلة لا بالقتل وقد قال بعدها: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فعلم أن التوبة منه مقبولة قيل لما تقدم ذكر طائفة ممتنعة أمر بالمقاتلة وأخبر سبحانه أنه يعذبهم بأيدي المؤمنين وينصر المؤمنين عليهم ثم بعد ذلك يتوب الله على من يشاء لأن ناقضي العهد إذا كانوا ممتنعين فمن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه الحدود ولذلك قال: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ وإنما يكون هذا في عدد تتعلق المشيئة بتوبة بعضهم. يوضح ذلك أنه قال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّه﴾ بالضم وهذا كلام مستأنف ليس داخلا في حيز جواب الأمر وذلك يدل على أن التوبة ليست مقصودة من قتالهم ولا هي حاصلة بقتالهم وإنما المقصود بقتالهم انتهاؤهم عن النكث والطعن والمضمون بقتالهم تعذيبهم وخزيهم والنصر عليهم وفي ذلك ما يدل على أن الحد لا يسقط عن الطاعن الناكث بإظهار التوبة لأنه لم يقتل ويقاتل لأجلها. يؤيد هذا أنه قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله:

стр. 398

﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ فذكر التوبة الموجبة للأخوة قبل أن يذكر نقض العهد والطعن في الدين وجعل للمعاهد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يستقيم لنا فنستقيم له كما استقام فيكون مخلى سبيله لكن ليس أخا في الدين. الحالة الثانية: أن يتوب من الكفر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة فيصير أخا في الدين ولهذا لم يقل هنا فخلوا سبيلهم كما قال في الآية قبلها لأن الكلام هناك في توبة المحارب وتوبته توجب تخلية سبيله وهنا الكلام في توبة المعاهد وقد كان سبيله مخلى وإنما توبته توجب أخوته في الدين قال سبحانه: ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . وذلك أن المحارب إذا تاب وجب تخلية سبيله إذ حاجته إنما هي إلى ذلك وجاز أن يكون قد تاب خوف السيف فيكون مسلما لا مؤمنا فأخوته الإيمانية تتوقف على ظهور دلائل الإيمان كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ والمعاهد إذا تاب فلا ملجأ له إلى التوبة ظاهرا فإنا لم نكرهه على التوبة ولا يجوز إكراهه فتوبته دليل على أنه تاب طائعا فيكون مسلما مؤمنا والمؤمنون إخوة فيكون أخا. الحالة الثالثة: أن ينكث يمينه بعد عهده ويطعن في ديننا فأمر بقتاله وبين أنه ليس له أيمان ولا إيمان والمقصود من قتاله أن ينتهي عن النقض والطعن لا عن الكفر فقط لأنه قد كان معاهدا مع الكفر ولم يكن قتاله جائزا فعلم

стр. 399

أن الانتهاء من مثل هذا عن الكفر ليس هو المقصود بقتاله وإنما المقصود بقتاله انتهاؤه عن ما أضر به المسلمين من نقض العهد والطعن في الدين وذلك لا يحصل إلا بقتل الواحد الممكن وقتال الطائفة الممتنعة قتالا يعذبون به ويخزون وينصر المؤمنون عليهم إذ تخصيص التوبة بحال دليل على انتفائها في الحال الأخرى. وذكره سبحانه التوبة بعد ذلك جملة مستقلة بعد أن أمر بما يوجب تعذيبهم وخزيهم وشفاء الصدور منهم دليل على أن توبة مثل هؤلاء لا بد معها من الانتقام منهم بما فعلوا بخلاف توبة الباقي على عهده فلو كان توبة المأخوذ بعد الأخذ تسقط القتل لكانت توبة خالية عن الانتقام وللزم أن مثل هؤلاء لا يعذبون ولا يخزون ولا تشفى الصدور منهم وهو خلاف ما أمر به في الآية وصار هؤلاء الذين نقضوا العهد وطعنوا في الدين كمن ارتد وسفك الدماء فإن كان واحدا فلا بد من قتله وإن عاد إلى الإسلام وإن كانوا ممتنعين قوتلوا فمن تاب بعد ذلك منهم لم يقتل والله سبحانه أعلم. الطريقة الثالثة: قوله سبحانه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا

стр. 400

إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ وقد تقدم تقرير الدلالة من هذه الآيات في قتل المنافق وذكرنا الفرق بين توبة الحربي والمرتد المجرد وتوبة المنافق والمفسد من المعاهدين ونحوهما وفرقنا بين التوبة التي تدرأ العذاب والتوبة التي تنفع في المآب. الطريقة الرابعة: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ الآيات وقد قررنا فيما مضى أن هذه الآية تدل على قتل المؤذي من المسلمين مطلقا وهي تدل على قتل من أظهر الأذى من أهل الذمة لأن اللعنة المذكورة موجبة للقتل كما في تمام الكلام وقد تقدم تقرير هذا. وقد ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ نزلت في ابن الأشرف لما طعن في دين الإسلام وقد كان عاهد النبي ﷺ فانتقض عهده بذلك وأخبر الله أنه ليس له نصير ليبين أن لا ذمة له إذ الذمي له نصر والنفاق له قسمان: نفاق المسلم استبطان الكفر ونفاق الذمي استبطان المحاربة وتكلم المسلم بالكفر كتكلم الذمي بالمحاربة فمن عاهدنا على أن لا يؤذي الله ورسوله ثم نافق بأذى الله ورسوله فهو من منافقي المعاهدين فمن لم ينته من هؤلاء المنافقين أغرى الله نبيه بهم فلا يجاورونه ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ ففي الآية دلالتان. إحداهما: أن هذا ملعون والملعون هو الذي يؤخذ أين وجد ويقتل فعلم أن قتله حتم لأنه لم يستثن حالا من الأحوال كما استثنى في سائر الصور ولأنه قال (قتلوا) وهذا وعد من الله لنبيه يتضمن نصره والله لا يخلف

стр. 401

الميعاد فعلم أنه لا بد من تقتيلهم إذا أخذوا ولو سقط عنهم القتل بإظهار الإسلام ولم يتحقق الوعد مطلقا. الثانية: أنه يجعل انتهاءهم النافع قبل الأخذ والتقتيل كما جعل توبة المحاربين النافعة لهم قبل القدرة عليهم فعلم أنهم إن انتهوا عن إظهار النفاق من الأذى ونحوه النفاق في العهد والنفاق في الدين وإلا أغراه الله بهم حتى لا يجاورونه في البلد ملعونين يؤخذون ويقتلون وهذا الطاعن الساب لم ينته حتى أخذ فيجب قتله. وفيها دلالة ثالثة وهو أن الذي يؤذي المؤمنين من مسلم أو معاهد إذا أخذ أقيم عليه حد ذلك الأذى ولم تدرأه عنه التوبة الآن فالذي يؤذي الله ورسوله بطريق الأولى لأن الآية تدل على أن حاله أقبح في الدنيا والآخرة. الطريقة الخامسة: أن ساب النبي ﷺ يقتل حدا من الحدود لا لمجرد الكفر وكل قتل وجب حدا لا لمجرد الكفر فإنه لا يسقط بالإسلام. وهذا الدليل مبني على مقدمتين: إحداهما: أنه يقتل لخصوص سب رسول الله ﷺ المستلزم للردة ونقض العهد وإن كان ذلك متضمنا للقتل لعموم ما تضمنه من مجرد الردة ومجرد نقض العهد في بعض المواضع والدليل على ذلك أنه قد تقدم أن النبي ﷺ أهدر دم المرأة الذمية التي كانت تسبه ﷺ عند الأعمى الذي كان يأوي إليها ولا يجوز أن يكون قتلها لمجرد نقض العهد لأن المرأة الذمية إذا انتقض عهدها فإنها تسترق ولا يجوز قتلها ولا يجوز قتل المرأة للكفر الأصلي إلا أن تقاتل وهذه المرأة لم تكن تقاتل ولم تكن معينة على قتال كما تقدم ثم إنها لو

стр. 402

كانت تقاتل ثم أسرت صارت رقيقة ولم تقتل عند كثير من الفقهاء منهم الشافعي ﵁ لاسيما إن كانت رقيقة فإن قتلها يمتنع لكونها امرأة ولكونها رقيقة لمسلم فثبت أن قتلها كان لخصوص السب للنبي ﷺ وأنه جناية من الجنايات الموجبة للقتل كما لو زنت المرأة الذمية أو قطعت الطريق على المسلمين أو قتلت مسلما أو كما لو بدلت دين الحق عند أكثر الفقهاء الذين يقتلون المرتدة بل هذا أبلغ لأنه ليس في قتل المرتدة من السنة المأثورة الخاصة في كتب السنن المشهورة مثل الحديث الذي في قتل السابة الذمية. يوضح ذلك أن بني قريظة نقضوا العهد ونزلوا على حكم سعد ابن معاذ فحكم فيهم بأن تقتل مقاتليهم وتسبى الذرية من النساء والصبيان فقال النبي ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" ثم قتل النبي ﷺ الرجال واسترق النساء والذرية ولم يقتل من النساء إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين ففرق ﷺ بين الذرية التي لم يثبت في حقهم إلا مجرد انتقاض العهد وبين الذرية الذين نقضوا العهد بما يضر المسلمين وهذه المرأة الذمية لم ينتقض عهدها بأنها لحقت بدار الحرب وامتنعت عن المسلمين وإنما نقضت العهد بأن ضرت المسلمين وآذت الله ورسوله وسعت في الأرض فسادا بالصد عن سبيل الله والطعن في دين الله كما فعلت المرأة الملقية للرحى فعلم أنها لم تقتل لمجرد انتقاض العهد وهي لم تكن مسلمة حتى يقال: إنها قتلت للردة ولا هي أيضا بمنزلة امرأة قاتلت ثم أسرت حتى يقال: تصير رقيقة بنفس السبي لا تقتل أو يقال: يجوز قتلها كما يجوز قتل الرجل إذا أسلمت عصم الإسلام الدم وبقيت رقيقة لوجهين:

стр. 403

أحدهما: أن هذا السب الذي كانت تقوله لم تكن تقوله للمشركين ولا لعموم المسلمين حتى يقال: هو بمنزلة إعانة الكفار على القتال من كل وجه. الثاني: أنها لم تكن ممتنعة حين السب بل هي حين السب ممكنة مقدور عليها وحالها قبله وبعده سواء. فالسب وإن كان حرابا لكنه لم يصدر من ممتنعة أسرت بعد ذلك بل من امرأة ملتزمة للحكم بيننا وبينها العهد على الذمة ومعلوم أن السب من الأمور المضرة بالمسلمين وأنه من أبلغ الفساد في الأرض لما فيه من ذل الإيمان وعز الكفر وإذا ثبت أنها لم تقتل للكفر ولا لنقض العهد ولا لحراب أصلي متقدم على القدرة عليها ثبت أن قتلها حد من الحدود والقتل الواجب حدا لا لمجرد الكفر لا يسقط بالإسلام كحد الزاني والقاطع والقاتل وغيرهم من المفسدين. ومما يقرر الأمر أن السب إما أن يكون حرابا أو جناية مفسدة ليست حرابا فإن كان حرابا فهو حراب من ذمي أو مسلم وسعي في الأرض فسادا والذمي إذا حارب وسعى في الأرض فسادا وجب قتله وإن أسلم بعد القدرة عليه حيث يكون حرابا موجبا للقتل وحراب هذه المرأة موجب للقتل كما جاءت به السنة وإن كانت جناية مفسدة ليست حرابا وهي موجبة للقتل قتلت أيضا بعد الأخذ بطريق الأولى كسائر الجنايات الموجبة للقتل وهذا كلام مقرر ومداره على حرف واحد وهو أن السب وإن كان من أعمال اللسان فقد دلت السنة بأنه بمنزلة الفساد والمحاربة بعمل الجوارح وأشد ولذلك قتلت هذه المرأة. وتمام ذلك أن قياس مذهب من يقول: "إن الساب إذا قتل إنما يقتل لأنه نقض العهد" أن لا يجوز قتل هذه بل لو كانت قد قتلت باليد واللسان

стр. 404

ثم أخذت لم تقتل عنده فإذا دلت السنة على فساد هذا القول علم صحة القول الآخر إذ لا ثالث بينهما ولا ريب عند أحد أن من قتل لحدث أخذ به أوجب نقض عهده ولم يقتل لمجرد أن انتقض عهده فقط فإن قتله لا يسقط بالإسلام لأن فساد ذلك الحدث لا يزول بالإسلام. ألا ترى أن الجنايات الناقضة للعهد مثل قطع الطريق وقتل المسلم والتجسس للكفار والزنى بمسلمة واستكراهها على الفجور ونحو ذلك إذا صدر من ذمي فمن قتله لنقض العهد قال: "متى أسلم لم آخذه إلا بما يوجب القتل إذا فعله المسلم باقيا على إسلامه مثل أن يكون قد قتل في قطع الطريق فأقتله أو زنى فأحده أو قتل مسلما فأقيده لأنه بالإسلام صار بمنزلة المسلمين فلا يقتل كفرا" ومن قال: "أقتله لمحاربة الله ورسوله وسعيه في الأرض فسادا" قال: أقتله وإن أسلم وتاب بعد أخذه كما أقتل المسلم إذا حارب ثم تاب بعد القدرة لأن الإسلام الطارئ لا يسقط الحدود الواجبة قبله لآدمي بحال وإن منع ابتداء وجوبها كما لو قتل ذمي ذميا أو قذفه ثم أسلم فإن حده لا يسقط ولو قتله أو قذفه ابتداء لم يجب عليه قود ولا حد ولا يسقط ما كان منها لله إذا تاب بعد القدرة كما لو قتل في قطع الطريق فإنه لا يسقط عنه بالإسلام وفاقا فيما أعلم وكذلك لو زنى ثم أسلم فإن حده القتل الذي كان يجب عليه قبل الإسلام عند أحمد وعند الشافعي حده حد المسلم فحد السب إن كان حقا لآدمي لم يسقط بالإسلام وإن كان حقا لله فليس حدا على الكفر الطارئ والمحاربة الأصلية كما دلت عليه السنة ولا على مجرد الكفر الأصلي بالاتفاق فيكون حدا لله على محاربة موجبة كقتل المرأة وكل قتل وجب حدا على محاربة ذمية لم يسقط بالإسلام بعد القدرة بالاتفاق فإن الذمية إذا لم تقتل في المحاربة لم يقتلها من يقول: "قتل

стр. 405

الذمي المحارب إنما هو لنقض العهد" ومن قتلها كما دلت علية السنة فلا فرق في هذا الباب بين أن تسلم بعد القدرة أو لا تسلم. واعلم أن من قال: "إن هذه الذمية تقتل فإذا أسلمت سقط عنها القتل لم يجد هذا في الأصول نظيرا أن ذمية تقتل وهي في أيدينا ويسقط عنها القتل بالإسلام بعد الأخذ ولا أصلا يدل على المسألة والحكم إذا لم يثبت بأصل ولا نظير كان تحكما ومن قال "إنها تقتل بكل حال" فله نظير يقيس به وهو المحاربة باليد والزانية ونحوهما. الطريقة السادسة: الاستدلال من قتل بنت مروان وهو كالاستدلال من هذه القصة لأنا قد قدمنا أنها كانت من المهادنين الموادعين وإنما قتلت للسب خاصة والتقرير كما تقدم. الطريقة السابعة: أن النبي ﷺ قال: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" وقد كان معاهدا قبل ذلك ثم هجا رسول الله ﷺ وقتله الصحابة غيلة بأمر رسول الله ﷺ مع كونه قد أمنهم على دمه وماله باعتقاده بقاء العهد ولأنهم جاءوه مجيء من قد آمنه ولو كان كعب بمنزلة كافر محارب فقط لم يجز قتله إذا أمنهم كما تقدم لأن الحربي إذا قلت له أو عملت معه ما يعتقد أنه أمان صار له أمانا وكذلك كل من يجوز أمانه فعلم أن هجاءه للنبي ﵊ وأذاه لله تعالى ورسوله لا ينعقد معه أمان ولا عهد وذلك دليل على أن قتله حد من الحدود كقتل قاطع الطريق إذ ذلك يقتل وإن أومن كما يقتل الزاني والمرتد وإن أومن وكل حد وجب على الذمي فإنه لا يسقط بالإسلام وفاقا. الطريقة الثامنة: أنه قد دل هذا الحديث على أن أذى الله ورسوله علة للانتداب إلى قتل كل أحد فيكون ذلك علة أخرى غير مجرد الكفر والردة

стр. 406

فإن ذكر الوصف بعد الحكم بحرف الفاء دليل على أنه علة والأذى لله ورسوله يوجب القتل ويوجب نقض العهد ويوجب الردة. يوضح ذلك أن أذى الله ورسوله لو كان إنما أوجب قتله لكونه كافرا غير ذي عهد لوجب تعليل الحكم بالوصف الأعم فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم كان الأخص عديم التأثير فلما علل قتله بالوصف الأخص علم أنه مؤثر في الأمر بقتله لا سيما في كلام من أوتي جوامع الكلم وإذا كان المؤثر في قتله أذى الله ورسوله وجب قتله وإن تاب كما ذكرناه فيمن سب النبي ﵊ من المسلمين فإن كلاهما أوجب قتله أنه آذى الله ورسوله وهو مقر للمسلمين بأن لا يفعل ذلك فلو كان عقوبة هذا المؤذي تسقط بالتوبة سقطت عنهما ولأنه قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ وقال في خصوص هذا المؤذي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ وقد أسلفنا أن هذه اللعنة توجب القتل إذا أخذ ولأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ولا خلاف علمناه أن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات لا تسقط عقوبتهم بالتوبة فالذين يؤذون الله ورسوله أحق وأولى لأن القرآن قد بين أن هؤلاء أسوأ حالا في الدنيا والآخرة فلو أسقطنا عنهم العقوبة بالتوبة لكانوا أحسن حالا. وليس للمنازع هنا إلا كلمة واحدة وهو أن يقول: هذا قد تغلظت عقوبته بالقتل لأنه نوع من المرتدين وناقض العهد والكافر تقبل توبته من الكفر وتسقط عنه العقوبة بخلاف المؤذي بالفسق.

стр. 407

فيقال له: هذا لو كان الموجب لقتله إنما هو الكفر وقد دلت السنة على أن الموجب لقتله إنما هو أذى الله ورسوله وهذا أخص من عموم الكفر وكما أن الزنا والسرقة والشرب وقطع الطريق أخص من عموم المعصية والشارع رتب الأمر بالقتل على هذا الوصف الأخص الذي نسبته إلى سائر أنواع الكفر نسبة أذى المؤمنين إلى سائر أنواع المعاصي فإلحاق هذا النوع بسائر الأنواع جمع بين ما فرق الله بينه ورسوله وهو من القياس الفاسد كقياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا وإنما الواجب أن يوفر على كل نوع حظه من الحكم بحسب ما علقه به الشارع من الأسماء والصفات المؤثرة الذي دل كلامه الحكيم على اعتبارها وتغلظ عقوبته ابتداء لا يوجب تخفيفها انتهاء بل يوجب تغلظها مطلقا إذا كان الجرم عظيما وسائر الكفار لم تغلظ عقوبتهم ابتداء ولا انتهاء مثل هذا فإنه يجوز إقرارهم بجزية واسترقاقهم في الجملة ويجوز الكف عنهم مع القدرة لمصلحة ترتقب وهذا بخلاف ذلك. وأيضا فإن الموجب لقتله إذا كان هو أذى الله ورسوله كان محاربا لله ورسوله وساعيا في الأرض فسادا وقد أومأ النبي ﵊ إلى ذلك في حديث ابن الأشرف كما تقدم وهذا الوصف قد رتب عليه من العقوبة ما لم يرتب على غيره من أنواع الكفر وتحتمت عقوبة صاحبه إلا أن يتوب قبل القدرة. الطريقة التاسعة: أنا قد قدمنا عن النبي ﵊ أنه أهدر عام الفتح دماء نسوة لأجل أنهن كن يؤذينه بألسنتهن منهن القينتان لابن خطل اللتان كانتا تغنيان بهجائه ومولاة لبني عبد المطلب كانت تؤذيه وبينا بيانا واضحا أنهن لم يقتلن لأجل حراب ولا قتال وإنما قتلن لمجرد السب وبينا أن سبهن لم يجر مجرى قتالهن بل كان أغلظ لأن النبي ﵊ آمن عام الفتح المقاتلة كلهم إلا من له جرم خاص يوجب

стр. 408

قتله ولأن سبهن كان متقدما على الفتح ولا يجوز قتل المرأة في بعض الغزوات لأجل قتال متقدم قد كفت عنه وأمسكت في هذه الغزوة وبينا بيانا واضحا أن قتل هؤلاء النسوة أدل شيء على قتل المرأة السابة من مسلمة ومعاهدة وهو دليل قوي على جواز قتل السابة وإن تابت من وجوه: أحدها: أن هذه المرأة الكافرة لم تقتل لأجل أنها مرتدة ولا لأجل أنها مقاتلة كما تقدم فلم يبق ما يوجب قتلها إلا أنها مفسدة في الأرض محاربة لله ورسوله وهذه يجوز قتلها بعد التوبة إذا كان قتلها جائزا قبلها بالكتاب والسنة والإجماع. الثاني: أن سب أولئك النسوة إما أن يكون حرابا أو جناية موجبة للقتل غير الحراب إذ قتلهن لمجرد الكفر غير جائز كما تقدم فإن كان حرابا فالذمي إذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا يجب قتله بكل حال كما دل عليه القرآن وإن كان جناية أخرى مبيحة للدم فهو أولى وأحرى وقد قدمنا فيما مضى ما يبين أن هؤلاء النسوة لم يقتلن لحراب كان موجودا منهن في غزوة الفتح وإنما قتلن جزاء على الجرم الماضي نكالا عن مثله وهذا يبين أن قتلهن بمنزلة قتل أصحاب الحدود من المسلمين والمعاهدين. الثالث: أن اثنتين منهن قتلتا والثالثة أخفيت حتى استؤمن لها النبي ﷺ بعد ذلك فآمنها لأنه كان له أن يعفوا عمن سبه كما تقدم وله أن يقتله ولم يعصم دم أحد ممن أهدر دمه عام الفتح إلا أمانه فعلم أن مجرد الإسلام لم يعصم دم هذه المرأة وإنما عصم دمها عفوه. وبالجملة فقصة قتله لأولئك النسوة من أقوى ما يدل على جواز قتل السابة بكل حال فإن المرأة الحربية لا يبيح قتلها إلا قتالها وإذا قاتلت ثم تركت القتال في غزوة أخرى واستسلمت وانقادت لم يجز قتلها في هذه المرة الثانية ومع هذا فالنبي ﷺ أمر بقتلهن.

стр. 409

وللحديث وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ قد كان عاهد أهل مكة والظاهر أن عهده انتظم الكف عن الأذى باللسان فإن في كثير من الحديث ما يدل على ذلك وحينئذ فهؤلاء اللواتي هجونه نقضن العهد نقضا خاصا بهجائهن فكان للنبي ﵊ قتلهن بذلك وإن تبن وهذه ترجمة المسألة. الثاني: أنه كان له أن يقتل من هجاه إذا لم يتب حتى قدر عليه وإن كان حربيا لكن سقط هذا بموته كما يسقط بموته العفو عن المسلم والذمي الساب ويكون قد كان أمر الساب هو مخير فيه مطلقا لكونه أعلم بالمصلحة فإذا مات تحتم قتل من التزم أن لا يسب وكان الحربي الساب كغيره من الحربيين إذا تاب. وهذا الوجه ضعيف فإنه إثبات حكم باحتمال والأول جار على القياس ومن تأمل قصة الذين أهدرت دمائهم عام الفتح علم أنهم كلهم كانوا محاربين لله ورسوله ساعين في الأرض فسادا. الطريقة العاشرة: أنه ﷺ أمر في حال واحدة بقتل جماعة ممن كان يؤذيه بالسب والهجاء مع عفوه عمن كان أشد منهم في الكفر والمحاربة بالنفس والمال فقتل عقبة بن أبي معيط صبرا بالصفراء وكذلك النضر بن الحارث لما كانا يؤذيانه ويفتريان عليه ويطعنان فيه مع استبقائه عامة الأسرى. وقد تقدم أنه قال: يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال رسول الله ﷺ : "بكفرك وافترائك على رسول الله ﷺ " ومعلوم أن مجرد الكفر يبيح القتل فعلم أن الافتراء على

стр. 410

النبي ﷺ سبب آخر أخص من عموم الكفر موجب للقتل فحيث ما وجد وجد معه وجوب القتل وأهدر عام الفتح دم الحويرث بن نقيد ودم أبي سفيان بن الحارث ودم ابن الزبعرى وأهدر بعد ذلك دم كعب ابن زهير وغيرهم لأنهم كانوا يؤذون رسول الله ﷺ كما أهدر دم من ارتد وحارب ودم من ارتد وافترى على النبي ﷺ ودم من ارتد وحارب وآذى الله ورسوله مع أمانه لجميع الذين حاربوا ونقضوا عهده فعلم أن أذاه سبب منفرد بإباحة القتل وراء الكفر والحراب بالأنفس والأموال كقطع الطريق وقتل النفس. وقد تقدم ما كان يأمر به ويقر عليه إذا بلغه وما كان يحرض عليه المسلمين من قتل الساب دون غيره من الكافرين حتى إنه لا يحقن دم الساب إلا عفوه بعد ذلك فعلم أنه كان يلحق الساب بذوي الأفعال الموجبة للقتل من قطع طريق ونحوه وهذا ظاهر لمن تأمله فيما مضى من الأحاديث وما لم نذكره ومثل هذا يوجب قتل فاعله من مسلم ومعاهد وإن تاب بعد القدرة وإذا ضم هذا الوجه إلى الذي قبله وعلم أن الأذى وحده سبب يوجب القتل لا لكونه من جنس القتال لأن النبي ﷺ قد آمن الذين قاتلوه بالأنفس والأموال من الرجال. فأمان المرأة التي أتت بما يشبه القتال أولى لو كان جرمها من جنس القتال ولأن المرأة إذا قاتلت في غزوة من الغزوات ثم غزا المسلمون غزوة وعلموا أنها لم تقاتل فيها بيد ولا لسان لم يجز قتلها عند أحد من المسلمين علمناه وهؤلاء النسوة كان أذاهن متقدما على فتح مكة ولم يكن لهن في غزو الفتح معرة

стр. 411

بيد ولا لسان بل كن مستسلمات منقادات لو علمن أن إظهار الإسلام يعصم دماءهن لبادرن إلى إظهاره فهل يعتقد أحد أن مثل هذه المرأة تقتل لكونها محاربة خصوصا عند الشافعي فإن منصوصه أن قتل المرأة والصبي إذا قاتلا بمنزلة قتل الصائل من المسلمين يقصد به دفعهما وإن أفضى إلى قتلهما فإذا انكفا بدون القتل كأسر أو ترك للقتال ونحو ذلك لم يجز قتلهما كما لا يجوز قتل الصائل. وإذا كان النبي ﷺ يأمر بقتل من كان يؤذيه ويهجوه من النساء وقد تركن ذلك واستسلمن وربما كن يوددن أن يظهرن الإسلام إن كان عاصما وقد آمن المقاتلين كلهم علم أن السب سبب مستقل موجب يحل دم كل أحد وأن تركه ذلة وعجز. يؤيد ذلك أن النبي ﵊ آمن أهل مكة إلا من قاتل إلا هؤلاء النفر فإنه أمر بقتلهم قاتلوا أو لم يقاتلوا فعلم أن هؤلاء النسوة قتلن لأجل السب لا لأجل أنهن يقاتلن. الطريقة الحادية عشرة: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد ارتد وافترى على النبي ﷺ أنه يلقنه الوحي ويكتب له ما يريد فأهدر النبي ﷺ دمه ونذر رجل من المسلمين ليقتلنه ثم حبسه عثمان أياما حتى اطمأن أهل مكة ثم جاء تائبا ليبايع النبي ﵊ ويؤمنه فصمت رسول الله ﷺ طويلا رجاء أن يقوم إليه الناذر أو غيره فيقتله ويوفي بنذره. ففي هذا دلالة على أن المفتري على النبي ﷺ الطاعن عليه قد كان له أن يقتله وأن دمه مباح وإن جاء تائبا من كفره وفريته لأن قتله لو كان حراما لم يقل النبي ﷺ ما قال ولا قال للرجل: هلا وفيت بنذرك بقتله.

стр. 412

ولا خلاف بين المسلمين علمناه أن الكافر إذا جاء تائبا مريدا للإسلام مظهرا لذلك لم يجز قتله لذلك ولا فرق في ذلك بين الأصلي والمرتد إلا ما ذكرناه من الخلاف الشاذ في المرتد مع أن هذا الحديث يبطل ذلك الخلاف بل لو جاء الكافر طالبا لأن يعرض عليه الإسلام ويقرأ عليه القرآن لوجب أمانه لذلك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ . وقال تعالى في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ . وعبد الله بن سعد إنما جاء تائبا ملتزما لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بل جاء بعد أن أسلم كما تقدم ذكر ذلك ثم إن النبي ﷺ بين أنه كان مريدا لقتله وقال للقوم: "هلا قام بعضكم إليه ليقتله" و"هلا وفيت بنذرك في قتله" فعلم أنه قد كان جائزا له أن يقتل من يفتري عليه ويؤذيه من الكفار وإن جاء مظهر للإسلام والتوبة بعد القدرة عليه وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن الافتراء عليه وأذاه يجوز له قتل فاعله وإن أظهر الإسلام والتوبة. ومما يشبه هذا إعراضه عن أبي سفيان بن الحارث وابن أبي أمية وقد جاءا مهاجرين يريدان الإسلام أو قد أسلما وعلل ذلك بأنهما كانا يؤذيانه ويقعان في عرضه مع أنه لا خلاف علمناه أن الحربي إذا جاء يريد الإسلام وجبت المسارعة إلى قبوله منه وكان الاستئناء به حراما وقد عده بعض الناس كفرا.

стр. 413

وقد كانت سيرته ﷺ في المسارعة إلى قبول الإسلام من كل من أظهره وتأليف الناس عليه بالأموال وغيرها أشهر من أن يوصف فلما أبطأ عن هذين وأراد أن لا يلتفت إليهما البتة علم أنه كان له أن يعاقب من كان يؤذيه ويسبه وإن أسلم وهاجر وأن لا يقبل منه من الإسلام والتوبة ما يقبل من الكافر الذي لم يكن يؤذيه وفي هذا دلالة على أن السب وحده موجب للعقوبة. يوضح ذلك ما ذكره أهل المغازي أن علي بن أبي طالب قال لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله ﷺ : ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . ففي هذا دلالة على أن ما ناله من عرضه كان له أن يعاقب عليه وأن يعفو كما كان ليوسف ﵊ أن يعاقب إخوته على ما فعلوا به من الإلقاء في الجب وبيعه للسيارة ولكن لكرمه عفا ﷺ ولو كان الإسلام يسقط حقه بالكلية كما يسقط حقوق الله لم يتوجه شيء من هذا. وقد تقدم تقرير هذا الوجه في أول الكتاب وبينا أنه نص في جواز قتل المرتد الساب بعد إسلامه فكذلك قتل الساب المعاهد لأن المأخذ واحد. ومما يوضحه أن المسلمين قد كان استقر عندهم أن الكافر الحربي إذا أظهر الإسلام حرم عليهم قتله لا سيما عند السابقين الأولين مثل عثمان ابن عفان

стр. 414

ونحوه وقد علموا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ وقصة أسامة بن زيد وحديث المقداد فلما كان أولئك الذين أهدر النبي ﷺ دماءهم: منهم من قتل ومنهم من أخفي حتى اطمأن أهل مكة وطلب من رسول الله ﷺ أن يبايعه دل على أن عثمان ﵁ وغيره من المسلمين علموا أن إظهار عبد الله ابن سعد بن أبي سرح ونحوه الإسلام لا يحقن دماءهم دون أن يؤمنهم النبي ﷺ وإلا فقد كان يمكنهم أن يأمروهم بإظهار الإسلام والخروج من أول يوم. والظاهر والله أعلم أنهم قد كانوا أسلموا وإنما تأخرت بيعتهم للنبي ﵊ على الإسلام حتى يؤمنهم النبي ﷺ وذلك دليل على أنه قد كان للنبي ﵊ قتلهم لأجل سبه مع إظهار التوبة. وقد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي ﷺ بمر الظهران. وهذا الذي ذكروه نص في المسألة وهو أشبه بالحق فإن النبي ﷺ لما نزل بمر الظهران شعرت به قريش حينئذ وابن أبي سرح قد علم ذنبه فيكون قد أسلم حينئذ ولما بلغه أن النبي ﵊ قد أهدر دمه تغيب حتى استؤمن له والحديث لمن تأمله دليل على أن النبي ﷺ كان له أن يقتله وأن يؤمنه وأن الإسلام وحده

стр. 415

لم يعصم دمه حتى عفا عنه رسول الله ﷺ . فمن ذلك أن عثمان جاء ليشفع له إلى النبي ﷺ فصمت عنه رسول الله ﷺ طويلا وأعرض عنه مرة بعد مرة وعثمان يأتيه من كل وجهة وهو معرض عنه رجاء أن يقوم بعضهم فيقتله وعثمان في ذلك يكب على النبي ﷺ يقبل رأسه ويطلب منه أن يبايعه ويذكر أن لأمه عليه حقوقا حتى استحيا النبي ﷺ من عثمان فقضى حاجته ببيعته مع أنه كان يود أن لا يفعل فعلم أن قتله كان حقا له أن يعفو عنه ويقبل فيه شفاعة شافع وله أن لا يفعل ولو كان ممن يعصم الإسلام دمه لم يحتج إلى شافع ولم يجز رد الشفاعة. ومنها: أن عثمان لما قال للنبي ﷺ : إنه يقر منك قال: "ألم أبايعه وأومنه" قال: بلى ولكنه يتذكر عظيم جرمه فقال: "الإسلام يجب ما قبله" وفي هذا بيان لأن خوفه من النبي ﷺ أن يقتله إنما زال بأمانه وبيعته لا لمجرد الإسلام فعلم أن الإسلام يمحو إثم السب وأما سقوط القتل فلا يحصل بمجرد الإسلام لأن النبي ﷺ أزال خوفه من القتل بالأمان وأزال خوفه من الذنب بالإسلام. ومما يدل على أن الأنبياء لهم أن يعاقبوا من آذاهم بالهلاك وإن أظهر التوبة والندم ما رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن قارون كان يؤذي موسى وكان ابن عمه فبلغ من أذاه إياه أن قال لامرأة بغي: إذا اجتمع الناس عندي غدا فتعالي وقولي: إن موسى راودني عن نفسي فلما كان الغد واجتمع الناس جاءت فسارت قارون ثم قالت للناس: إن قارون قال لي كذا وكذا وإن موسى لم يقل لي شيئا من هذا فبلغ ذلك

стр. 416

موسى ﵊ وهو قائم يصلي في المحراب فخر ساجدا فقال: أي رب إن قارون قد آذاني وفعل وفعل وبلغ من أذاه إياي أن قال ما قال فأوحى الله إلى موسى: أن يا موسى إني قد أمرت الأرض أن تطيعك وكان لقارون غرفة قد ضرب عليها صفائح الذهب فأتاه موسى ومعه جلساؤه فقال لقارون: قد بلغ من أذاك أن قلت كذا وكذا يا أرض خذيهم فأخذتهم الأرض إلى كعبهم فهتفوا: يا موسى ادع لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه فنؤمن بك ونتبعك ونطيعك فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أنصاف سوقهم فهتفوا وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه فنؤمن بك ونتبعك ونطيعك فقال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم فلم يزل يقول: يا أرض خذيهم حتى تطابقت عليهم وهم يهتفون فأوحى الله إليه يا موسى ما أفظك أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخلصتهم". ورواه عبد الرزاق قال: حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا علي بن زيد ابن جدعان فذكره أبسط من هذا وفيه: "أن المرأة قالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك إلى أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي تقولين: يا قارون ألا تنهى موسى عن أذاي. وإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله وأبرئ رسول الله قال: فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى ﵊ وكان موسى ﷺ شديد الغضب فلما بلغه ذلك توضأ فسجد وبكى وقال: يا رب عدوك قارون كان لي مؤذيا فذكر أشياء ثم لم يتناه حتى أراد فضيحتي يا رب فسلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك

стр. 417

قال: فجاء موسى يمشي إلى قارون فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى: يا أرض خذيهم فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه إلى ركبهم وساخت داره على قدر ذلك وجعل يقول: يا موسى ارحمني ويقول موسى: يا أرض خذيهم" وذكر القصة. فهذه القصة مع أن النبي ﷺ قال لابن مسعود ﵁ لما بلغه قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله "دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". فهذا مع ما ذكرناه من أحوال النبي ﷺ دليل على أن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لهم أن يعاقبوا من آذاهم وإن تاب ولهم أن يعفوا عنه كما ذلك لغيرهم من البشر لكن لهم أن يعاقبوا من يؤذيهم بالقتل والإهلاك وليس لغيرهم أن يعاقبه بمثل ذلك. وذلك دليل على أن عقوبة مؤذيهم حد من الحدود لا لمجرد الكفر فإن عقوبة الكافر تسقط بالتوبة بلا ريب وقارون قد كان تاب في وقت تنفع فيه التوبة ولهذا في الحديث: "أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخلصتهم" وفي لفظ "لرحمتهم" وإنما كان يرحمهم سبحانه والله أعلم بأن يستطيب نفس موسى من أذاهم له كما يستوهب المظالم لمن رحمه من عباده ممن هي له ويعوضه منها. الطريقة الثانية عشرة: ما تقدم من حديث أنس بن زنيم الديلي الذي ذكر عنه أنه هجا النبي ﷺ ثم جاءه وأنشده قصيدة تتضمن إسلامه وبراءته مما قيل عنه وكان معاهدا فتوقف النبي ﷺ فيه وجعل يسأل العفو عنه حتى عفا عنه فلو لم تكن العقوبة بعد الإسلام على السب من المعاهد جائزة لما توقف النبي ﷺ في حقن دمه ولا احتاج إلى العفو

стр. 418

عنه ولولا أن للرسول ﷺ حقا يملك استيفاءه بعد الإسلام لما عفا عنه كما لم يكن يعفو عمن أسلم ولا تبعه عليه وحديثه لمن تأمله دليل واضح على جواز قتل من هجا النبي ﷺ من المعاهدين ثم أسلم كما أن حديث ابن أبي سرح دليل واضح على جواز قتل من سبه مرتدا ثم أسلم وذلك أنه لما بلغه أنه هجاه وقد كان مهادنا موادعا وكان العهد الذي بينهم يتضمن الكف عن إظهار أذاه وكان على ما قيل عنه قد هجاه قبل أن يقتل بنو بكر خزاعة وقبل أن ينقضوا العهد فلذلك نذر النبي ﷺ دمه ثم أنشد قصيدة تتضمن أنه مسلم يقول فيها "تعلم رسول الله" و"هبني رسول الله" وينكر فيها أن يكون هجاه ويدعو على نفسه بذهاب اليد إن كان هجاه وينسب الذين شهدوا عليه إلى الكذب وبلغت رسول الله ﷺ قصيدته واعتذاره قبل أن يجئ إليه وشفع له كبير قبيلته نوفل بن معاوية وكان نوفل هذا هو الذي نقض العهد وقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا لم يعادك ويؤذك ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك عن الهلك وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك فقال: "دع الركب عنك فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ولا بعيد كان أبر من خزاعة" فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله ﷺ : "قد عفوت عنه" قال نوفل: فداك أبي وأمي. فلو كان الإسلام المتقدم قد عصم دمه لم يحتج إلى العفو كما لم يحتج إليه من أسلم ولا حد عليه ولكان قال: الإسلام يجب ما قبله كما قاله لغيره من الحربيين كما يقول له من يقول: ألا نقتل هذا بعد إسلامه؟ فيقول: "الإسلام يجب ما قبله" وصاحب الشريعة بين أن ما أسقط قتله عفوه وذلك أن قوله: "عفوت عنه" إما أن يكون أفاده سقوط ما كان أهدره من دمه

стр. 419

أو لم يفده ذلك فإن لم يفده فلا معنى لقوله: "عفوت عنه" وإن كان قد أفاده سقوط ذلك الإهدار فقبل ذلك لو قتله بعض المسلمين بعد أن أسلم وقبل أن عفا عنه النبي ﷺ لكان جائزا لأنه متبع لأمر رسول الله ﷺ بقتله أمرا مطلقا إلى حين عفا عنه كما أن أمره بقتل ابن أبي سرح كان باقيا حكمه إلى أن عفا عنه وكذلك عتبهم إذ لم يقتلوه قبل عفوه وهذا بين في هذه الأحاديث بيانا واضحا ولو كان عند المسلمين أن من هجاه من معاهد ثم أسلم عصم دمه لكان نوفل وغيره من المسلمين علموا ذلك وقالوا له كما قالوا لكعب بن زهير ونحوه ممن هجاه وهو حربي: إنه لا يقتل من جاءه مسلما ألا ترى أنهم لم يظهروه لرسول الله ﷺ حتى عفا عنه كما لم يظهروا ابن أبي سرح حتى عفا عنه بخلاف كعب بن زهير وابن الزبعرى فإنهما جاءا بأنفسهما لثقتهما بأنه لا يمكن قتل الحربي إذا جاء مسلما وإمكان أن يقتل الذمي الساب والمرتد الساب وإن جاءا مسلمين وإن كانا قد أسلما ثم إنه في قصيدته قال: فإني لا عرضا خرقت ولا دما هرقت ففكر عالم الحق واقصد فجمع بين خرق العرض وسفك الدم فعلم أنه مما يؤخذ به وإن أسلم ولولا أن قتله كان ممكنا بعد إسلامه لم يحتج إلى هذا الإنكار والاعتذار. ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لم ينذر دم واحد بعينه من بني بكر الناقضي العهد إلا هذا مع أنهم فعلوا تلك الأفاعيل فعلم أن خرق عرضه كان أعظم من نقض العهد بالمقاتلة والمحاربة باليد وقد تقدم الحديث بدلالته وإنما نبهنا عليه هنا إحالة على ما مضى. الطريقة الثالثة عشرة: أنه قد تقدم أنه كان له ﵊ أن يقتل من أغلظ له وآذاه وكان له أن يعفو عنه فلو كان المؤذي له إنما يقتل للردة لم يجز العفو عنه قبل التوبة وإذا كان هذا حقا له فلا فرق فيه بين

стр. 420

المسلم والذمي فإنه قد أهدر دم من آذاه من أهل الذمة وقد تقدم أن ذلك لم يكن لمجرد نقض العهد فعلم أنه كان لأذاه وإذا كان له أن يقتل من أذاه وسبه من مسلم ومعاهد وله أن يعفو عنه علم أنه بمنزلة القصاص وحد القذف وتعزير السب لغير الأنبياء من البشر وإذا كان كذلك لم يسقط عن مسلم ولا معاهد بالتوبة كما لا تسقط هذه الحدود بالتوبة وهذه طريقة قوية وذلك أنه إذا كان ﷺ قد أباح الله له أن يعفو عنه كان المغلب في هذا الحد حقه بمنزلة سب غيره من البشر إلا أن حد سابه القتل وحد ساب غيره الجلد وإذا كان المغلب حقه وكان الأمر في حياته مفوضا إلى اختياره لينال بالعفو علي الدرجات تارة ويقيم بالعقوبة من الحدود ما ينال به أيضا على الدرجات فإنه ﷺ نبي الرحمة ونبي الملحمة وهو الضحوك القتال والذمي قد عاهده على أن لا يخرق عرضه وهو لو أصاب لواحد من المسلمين أو المعاهدين حقا من دم أو مال أو عرض ثم أسلم لم يسقط عنه فأولى أن لا يسقط عنه هذا. وإذ قد قدمنا أن قتله لم يكن لمجرد نقض العهد وإنما كان لخصوص السب وإذا كان يجوز له أن يقتل هذا الساب بعد مجيئه مسلما وله أن يعفو عنه فبعد موته تعذر العفو عنه وتمحضت العقوبة حقا لله سبحانه فوجب استيفاؤها على ما لا يخفى؟ إذا القول بجواز عفو أحد عن هذا بعد رسول الله ﷺ يفضي إلى أن يكون الإمام مخيرا بين قتل هذا واستبقائه وهو قول لم نعلم له قائلا ثم إنه خلاف قواعد الشريعة وأصولها وقد تقدم فيما مضى الفرق بين حال حياته وحال مماته. الطريقة الرابعة عشرة: أنه قد تقدم الحديث المرفوع إن كان ثابتا: "من

стр. 421

سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد" فأمر بالقتل مطلقا كما أمر بالجلد مطلقا فعلم أن السب للنبي ﵊ موجب بنفسه للقتل كما أن سب غيره موجب للجلد وأن ذلك عقوبة شرعية على السب وكما لا يسقط هذا الجلد بالتوبة بعد القدرة فكذلك لا يسقط هذا القتل. الطريقة الخامسة عشرة: أقوال أصحاب رسول الله ﷺ وأفعالهم. فمن ذلك: أن أبا بكر ﵁ كتب إلى المهاجر بن أبي ربيعة في المرأة التي غنت بهجاء النبي ﷺ : "لولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر" فأخبره أبو بكر أنه لولا الفوت لأمره بقتلها من غير استتابة ولا استيناء حال توبة مع أن غالب من تقدم ليقتل على مثل هذا يبادر إلى التوبة أو الإسلام إذا علم أنه يدرأ عنه القتل ولم يستفصله الصديق عن السابة: هل هي مسلمة أو ذمية؟ بل ذكر أن القتل حد من سب الأنبياء وأن حدهم ليس كحد غيرهم مع أنه فصل في المرأة التي غنت بهجاء المسلمين بين أن تكون مسلمة أو ذمية. وهذا ظاهر في أن عقوبة الساب حد للنبي واجبة عليه له أن يعفو عنها في بعض الأحوال وأن يستوفيها في بعض الأحوال كما أن عقوبة ساب غيره حد له واجبة على الساب. وقوله: "فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد" ليس فيه دلالة على قبول توبته لأن الردة جنس تحتها أنواع: منها ما تقبل فيه التوبة ومنها ما لا تقبل كما تقدم التنبيه على هذا ولعله أن تكون لنا إليه عودة وإنما غرضه أن يبين الأصل الذي يبيح دم هذا وكذلك قوله: "فهو محارب غادر" فإن المحارب

стр. 422

الغادر جنس يباح دمه ثم منهم من يقتل وإن أسلم كما لو حارب بقطع الطريق أو باستكراه مسلمة على الزنا ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية ثم إنه لم يرفع العقوبة إلا إذا تابوا قبل القدرة عليهم وقد قدمنا أن هذا محارب مفسد فيدخل في هذه الآية. وعن مجاهد قال: أتى عمر برجل يسب رسول الله ﷺ فقتله ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه". هذا مع أن سيرته في المرتد أنه يستتاب ثلاثا ويطعم كل يوم رغيفا لعله يتوب فإذا أمر بقتل هذا من غير استتابة علم أن جرمه أغلظ عنده من جرم المرتد المجرد فيكون جرم سابه من أهل العهد أغلظ من جرم من اقتصر على نقض العهد لا سيما وقد أمر بقتله مطلقا من غير ثنيا. وكذلك المرأة التي سبت النبي ﷺ فقتلها خالد بن الوليد ولم يستتبها دليل على أنها ليست كالمرتدة المجردة. وكذلك حديث محمد بن مسلمة لما حلف ليقتلن ابن يامين لما ذكر أن قتل ابن الأشرف كان غدرا وطلبه لقتله بعد ذلك مدة طويلة ولم ينكر المسلمون ذلك عليه مع أنه لو قتله لمجرد الردة لكان قد عاد إلى الإسلام بما أتى به بعد ذلك من الشهادتين والصلوات ولم يقتل حتى يستتاب. وكذلك قول ابن عباس في الذمي يرمي أمهات المؤمنين: "إنه لا توبة له" نص في هذا المعنى وهذه القضايا قد اشتهرت ولم يبلغنا أن أحدا أنكر شيئا

стр. 423

من ذلك كما أنكر عمر ﵁ قتل المرتد الذي لم يستتب وكما أنكر ابن عباس ﵄ تحريق الزنادقة وأخبر أن حدهم القتل فعلم أنه كان مستفيضا بينهم أن حد الساب أن يقتل إلا ما روي عن ابن عباس: "من سب نبيا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ وهي ردة يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وهذا في سب يتضمن جحد نبوة نبي من الأنبياء فإنه يتضمن تكذيب رسول الله ﷺ ولا ريب أن من قال عن بعض الأنبياء أنه ليس بنبي وسبه بناء على أنه ليس بنبي فهذه ردة محضة ويتعين حمل حديث ابن عباس على هذا أو نحوه إن كان محفوظا عنه لأنه أخبر أن قاذف أمهات المؤمنين لا توبة له فكيف تكون حرمتهن لأجل سب رسول الله ﷺ أعظم من حرمة نبي معروف مذكور في القرآن؟. الطريقة السادسة عشرة: أن الله أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقا زائدة على مجرد التصديق بنبوته كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه وحرم سبحانه لحرمة رسوله مما يباح أن يفعل مع غيره أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته. فمن ذلك: أنه أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن أخبر أن الله وملائكته يصلون عليه والصلاة تتضمن ثناء الله عليه ودعاء الخير له وقربته منه ورحمته له والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة حضا للناس على الصلاة عليه ليسعدوا بذلك وليرحمهم الله بها.

стр. 424

ومن ذلك: أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن حقه أنه يجب أن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام وأنه يجب أن يوقى بالأنفس والأموال كما قال : ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ . فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله ﷺ من المشقة معه حرام. وقال تعالى مخاطبا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر والجهاد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ . ومن حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دل على ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية مع الأحاديث الصحيحة المشهورة كما في الصحيح من قول عمر ﵁: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي" فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: "فأنت والله يا رسول الله أحب إلي من نفسي" قال: "الآن يا عمر" وقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" متفق عليه.

стр. 425

ومن ذلك: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ فنهى أن يقولوا: يا محمد أو يا أحمد أو يا أبا القاسم ولكن يقولوا: يا رسول الله يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء فلم يدعه باسمه في القرآن قط بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ مع أنه سبحانه قد قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ الآية
следующие страницы →