Полный текст (591 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد" فأمر بالقتل مطلقا كما أمر بالجلد مطلقا فعلم أن السب للنبي ﵊ موجب بنفسه للقتل كما أن سب غيره موجب للجلد وأن ذلك عقوبة شرعية على السب وكما لا يسقط هذا الجلد بالتوبة بعد القدرة فكذلك لا يسقط هذا القتل.
الطريقة الخامسة عشرة: أقوال أصحاب رسول الله ﷺ وأفعالهم.
فمن ذلك: أن أبا بكر ﵁ كتب إلى المهاجر بن أبي ربيعة في المرأة التي غنت بهجاء النبي ﷺ : "لولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر" فأخبره أبو بكر أنه لولا الفوت لأمره بقتلها من غير استتابة ولا استيناء حال توبة مع أن غالب من تقدم ليقتل على مثل هذا يبادر إلى التوبة أو الإسلام إذا علم أنه يدرأ عنه القتل ولم يستفصله الصديق عن السابة: هل هي مسلمة أو ذمية؟ بل ذكر أن القتل حد من سب الأنبياء وأن حدهم ليس كحد غيرهم مع أنه فصل في المرأة التي غنت بهجاء المسلمين بين أن تكون مسلمة أو ذمية.
وهذا ظاهر في أن عقوبة الساب حد للنبي واجبة عليه له أن يعفو عنها في بعض الأحوال وأن يستوفيها في بعض الأحوال كما أن عقوبة ساب غيره حد له واجبة على الساب.
وقوله: "فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد" ليس فيه دلالة على قبول توبته لأن الردة جنس تحتها أنواع: منها ما تقبل فيه التوبة ومنها ما لا تقبل كما تقدم التنبيه على هذا ولعله أن تكون لنا إليه عودة وإنما غرضه أن يبين الأصل الذي يبيح دم هذا وكذلك قوله: "فهو محارب غادر" فإن المحارب
стр. 422
الغادر جنس يباح دمه ثم منهم من يقتل وإن أسلم كما لو حارب بقطع الطريق أو باستكراه مسلمة على الزنا ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية ثم إنه لم يرفع العقوبة إلا إذا تابوا قبل القدرة عليهم وقد قدمنا أن هذا محارب مفسد فيدخل في هذه الآية.
وعن مجاهد قال: أتى عمر برجل يسب رسول الله ﷺ فقتله ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه".
هذا مع أن سيرته في المرتد أنه يستتاب ثلاثا ويطعم كل يوم رغيفا لعله يتوب فإذا أمر بقتل هذا من غير استتابة علم أن جرمه أغلظ عنده من جرم المرتد المجرد فيكون جرم سابه من أهل العهد أغلظ من جرم من اقتصر على نقض العهد لا سيما وقد أمر بقتله مطلقا من غير ثنيا.
وكذلك المرأة التي سبت النبي ﷺ فقتلها خالد بن الوليد ولم يستتبها دليل على أنها ليست كالمرتدة المجردة.
وكذلك حديث محمد بن مسلمة لما حلف ليقتلن ابن يامين لما ذكر أن قتل ابن الأشرف كان غدرا وطلبه لقتله بعد ذلك مدة طويلة ولم ينكر المسلمون ذلك عليه مع أنه لو قتله لمجرد الردة لكان قد عاد إلى الإسلام بما أتى به بعد ذلك من الشهادتين والصلوات ولم يقتل حتى يستتاب.
وكذلك قول ابن عباس في الذمي يرمي أمهات المؤمنين: "إنه لا توبة له" نص في هذا المعنى وهذه القضايا قد اشتهرت ولم يبلغنا أن أحدا أنكر شيئا
стр. 423
من ذلك كما أنكر عمر ﵁ قتل المرتد الذي لم يستتب وكما أنكر ابن عباس ﵄ تحريق الزنادقة وأخبر أن حدهم القتل فعلم أنه كان مستفيضا بينهم أن حد الساب أن يقتل إلا ما روي عن ابن عباس: "من سب نبيا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ وهي ردة يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وهذا في سب يتضمن جحد نبوة نبي من الأنبياء فإنه يتضمن تكذيب رسول الله ﷺ ولا ريب أن من قال عن بعض الأنبياء أنه ليس بنبي وسبه بناء على أنه ليس بنبي فهذه ردة محضة ويتعين حمل حديث ابن عباس على هذا أو نحوه إن كان محفوظا عنه لأنه أخبر أن قاذف أمهات المؤمنين لا توبة له فكيف تكون حرمتهن لأجل سب رسول الله ﷺ أعظم من حرمة نبي معروف مذكور في القرآن؟.
الطريقة السادسة عشرة: أن الله أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقا زائدة على مجرد التصديق بنبوته كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه وحرم سبحانه لحرمة رسوله مما يباح أن يفعل مع غيره أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن ذلك: أنه أمر بالصلاة عليه والتسليم بعد أن أخبر أن الله وملائكته يصلون عليه والصلاة تتضمن ثناء الله عليه ودعاء الخير له وقربته منه ورحمته له والسلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة فقد جمعت الصلاة عليه والتسليم جميع الخيرات ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة حضا للناس على الصلاة عليه ليسعدوا بذلك وليرحمهم الله بها.
стр. 424
ومن ذلك: أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن حقه أنه يجب أن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام وأنه يجب أن يوقى بالأنفس والأموال كما قال : ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ .
فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله ﷺ من المشقة معه حرام.
وقال تعالى مخاطبا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر والجهاد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
ومن حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دل على ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية مع الأحاديث الصحيحة المشهورة كما في الصحيح من قول عمر ﵁: "يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي" فقال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: "فأنت والله يا رسول الله أحب إلي من نفسي" قال: "الآن يا عمر" وقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" متفق عليه.
стр. 425
ومن ذلك: أن الله أمر بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ والتعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
ومن ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ فنهى أن يقولوا: يا محمد أو يا أحمد أو يا أبا القاسم ولكن يقولوا: يا رسول الله يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك والله أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء فلم يدعه باسمه في القرآن قط بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ مع أنه سبحانه قد قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ الآية
стр. 426
﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس﴾ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِك﴾ .
ومن ذلك: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن وحرم رفع الصوت فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل وأخبر أن ذلك سبب حبوط العمل فهذا يدل على أنه قد يقتضي الكفر لأن العمل لا يحبط إلا به وأخبر أن الذين يغضون أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى وأن الله يغفر لهم ويرحمهم وأخبر أن الذين ينادونه وهو في منزله لا يعقلون لكونهم رفعوا أصواتهم عليه ولكونهم لم يصبروا حتى يخرج ولكن أزعجوه إلى الخروج.
ومن ذلك: أنه حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا تمييزا له مثل نكاح أزواجه من بعده فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ .
وأوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام فقال : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ .
وأما ما أوجبه من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله فهذا باب واسع
стр. 427
لكن ذاك قد يقال: هو من لوازم الرسالة وإنما الغرض هنا أن ننبه على بعض ما أوجبه الله من الحقوق الواجبة والمحرمة على الأمة مما يزيد على لوازم الرسالة بحيث يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذه الحقوق.
ومن كرامته المتعلقة بالقول: أنه فرق بين أذاه وأذى المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾
وقد تقدم في هذه الآية ما يدل على أن حد من سبه القتل كما أن حد من سب غيره الجلد.
ومن ذلك: أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله وأوجب ذكره في كل خطبة وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.
هذا إلى خصائص له أخر يطول تعدادها.
وإذا كان كذلك فمعلوم أن سابه ومنتقصه قد ناقض الإيمان به وناقض تعزيره وتوقيره وناقض رفع ذكره وناقض الصلاة عليه والتسليم وناقض تشريفه في الدعاء والخطاب بل قابل أفضل الخلق بما لا يقابل به أشر الخلق.
يوضح ذلك أن مجرد إعراضه عن الإيمان به يبيح الدم مع عدم العهد وإعراضه عن هذه الحقوق الواجبة يبيح العقوبة فهذا بمجرد سكوته عن تشريفه وتكريمه فإذا أتى بضد ذلك من الذم والسب والانتقاص
стр. 428
والاستخفاف فلا بد أن يوجب ذلك زيادة على الذم والعقاب فإن مقادير العقوبات على مقادير الجرائم ألا ترى أن الرجل لو قتل رجلا اعتباطا لكن عقوبته القود وهو التسليم إلى ولي المقتول فإن انضم إلى ذلك قتله لأخذ المال مجاهرة صارت العقوبة تحتم القتل فإن انضم إلى ذلك أخذ المال عوقب مع ذلك بالصلب وعوقب عند بعض العلماء أيضا بقطع اليد والرجل حتما مع أن أخذ المال سرقة لا يوجب إلا قطع اليد فقط وكذلك لو قذف عبدا أو ذميا أو فاجرا لم يجب عليه إلا التعزير فلو قذف حرا مسلما عفيفا لوجب عليه الحد التام فلو قيل: "إنه لا يجب عليه مع ذلك إلا ما يجب على من ترك الإيمان به أو ترك العهد الذي بيننا وبينه" لسوى بين الساكت عن ذمه وسبه والمبالغ في ذلك وهذا غير جائز كما أنه غير جائز التسوية بين الساكت عن مدحه والصلاة عليه والمبالغ في ذلك ولزم من ذلك أن لا يكون لخصوص سبه وذمه وأذاه عقوبة مع أنه من أعظم الجرائم وهذا باطل قطعا.
ومعلوم أن لا عقوبة فوق القتل ثم ليس سوى الزيادة على ذلك إلا تعين قتله وتحتمه تاب أو لم يتب كحد قاطع الطريق إذ لا يعلم أحد وجب أن يجلد لخصوص السب ثم يقتل للكفر إذا كانت العقوبة لخصوص السب كانت حدا من الحدود وهذه مناسبة ظاهرة قد دل على صحتها دلالات النصوص السالفة من كون السب موجبا للقتل والعلة إذا ثبت بالنص أو بالإيماء لم يحتج إلى أصل يقاس عليه الفرع وبهذا يظهر أنا لم نجعل خصوص السب موجبا للقتل إلا بما دل عليه من الكتاب والسنة والأثر لا بمجرد الاستحسان والاستصلاح كما زعمه من لم يحظ بمآخذ الأحكام على أن الأصل الذي يقاس به هذا الفرع ثابت وهو:
الطريقة السابعة عشرة: وذلك أنا وجدنا الأصول التي دل عليها الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة حكمت في المرتد وناقض العهد حكمين فمن لم يصدر منه
стр. 429
إلا مجرد الردة أو مجرد نقض العهد ثم عاد إلى الإسلام عصم دمه كما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وقد تقدم ذكر بعض ما يدل على ذلك في المرتد وهو في ناقض العهد أيضا موجود بقوله في بعض من نقض العهد: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ وبأن النبي ﷺ قبل إسلام من أسلم من بني بكر وكانوا قد نقضوا العهد وعدوا على خزاعة فقتلوهم وقبل إسلام قريش الذين أعانوهم على قتال المسلمين حتى انتقض عهدهم بذلك ودلت سنته على أن مجرد إسلامهم كان عاصما لدمائهم وكذلك في حصره لقريظة والنضير مذكر أنهم لو أسلموا لكف عنهم وقد جاء نفر منهم مسلمين فعصموا دماءهم وأموالهم منهم ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية وأسد ابن عبيد أسلموا في الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ وخبرهم مشهور ومن تغلظت ردته أو نقضه بما يضر المسلمين إذا عاد إلى الإسلام لم تسقط عنه العقوبة مطلقا بل يقتل إذا كان جنس ما فعله موجبا للقتل أو يعاقب بما دونه إن لم يكن كذلك كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ الآية وكما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في قصة ابن أبي سرح وابن زنيم وفي قصة ابن خطل وقصة مقيس بن حبابة وقصة العرنيين وغيرهم وكما دل عليه الأصول المقررة فإن الرجل إذا اقترن بردته قطع طريق أو قتل مسلم أو زنى أو غير ذلك ثم رجع إلى الإسلام أخذت منه الحدود وكذلك لو اقترن بنقض عهده الإضرار بالمسلمين من قطع طريق أو قتل مسلم أو زنى بمسلمة فإن الحدود تستوفى منه بعد الإسلام: إما الحد الذي يجب على المسلم لو فعل ذلك أو الحد الذي كان واجبا قبل الإسلام وهذا الرجل الساب قد وجد منه قدر زائد على مجرد نقض العهد كما قدمنا من الإضرار بالمسلم الذي
стр. 430
صار به أغلظ جرما من مجرد نقض العهد أو فعل ما هو أعظم من أكثر الأمور المضرة كما تقدم فصار بمنزلة من قرن بنقض عهده أذى المسلمين في دم أو مال أو عرض وأشد وإذا كان كذلك فإسلامه لا يزيل عنه عقوبة هذا الإضرار كما دلت عليه الأصول في مثله وعقوبة هذا الإضرار قد ثبت أنه القتل بالنص والإسلام الطارئ لا يمنع ابتداء هذه العقوبة فإن المسلم لو ابتدأ بمثل هذا قتل قتلا لا يسقط بالتوبة كما تقدم.
وإذا لم يمنع الإسلام ابتداءها فأن لا يمنع بقاءها ودوامها أولى وأحرى لأن الدوام والبقاء أقوى من الابتداء والحدوث في الحسيات والعقليات والحكميات.
ألا ترى أن العدة والإحرام والردة تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع دوامه والإسلام يمنع ابتداء الرق ولا يمنع دوامه ويمنع ابتداء وجوب القود وحد القذف على المسلم إذا قتل أو قذف ذميا ولا يمنع دوامه عليه إذا أسلم بعد القتل والقذف.
ولو فرض أن الإسلام يمنع ابتداء قتل هذا فلا يجب أن يسقط القتل بإسلامه لأن الدوام أقوى من الابتداء وجاز أن يكون بمنزلة القود وحد القذف فإن الإسلام يمنع ابتداءه دون دوامه لا سيما والسب فيه حق لآدمي ميت وفيه جناية متعلقة بعموم المسلمين فهو مثل القتل في المحاربة ليس حقا لمعين وإذا كان كذلك وجب استيفاؤه كغيره من المحاربين المفسدين.
يحقق ذلك أن الذمي إذا قطع الطريق وقتل مسلما فهو يعتقد في دينه جواز قتل المسلم وأخذ ماله وإنما حرمه عليه العهد الذي بيننا وبينه كما أنه يعتقد جواز السب في دينه وإنما حرمه عليه العهد وقطع الطريق قد يفعل استحلالا وقد يفعل استخفافا بالحرمة لغرض كما أن سب الرسول قد يفعل استخفافا بالحرمة لغرض فهو مثله من كل وجه إلا أن مفسدة ذلك في الدنيا ومفسدة هذا في الدين وهي أعظم من مفسدة الدنيا عند المؤمنين بالله
стр. 431
العالمين به وبأمره فإذا أسلم قاطع الطريق فقد تجدد منه إظهار اعتقاد تحريم دم المسلم وماله مع جواز أن لا يفي بموجب هذا الاعتقاد وكذلك إذا أسلم الساب فقد تجدد إظهار اعتقاد تحريم عرض الرسول مع جواز أن لا يفي بموجب هذا الاعتقاد فإذا كان هناك يجب قتله بعد إسلامه فكذلك يجب قتله هنا بعد إسلامه ويجب أن يقال: إذا كان ذلك لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة فكذلك هذا لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة.
ومن أمعن النظر لم يسترب في أن هذا محارب مفسد كما أن قاطع الطريق محارب مفسد.
ولا يرد على هذا سب الله تعالى لأن أحدا من البشر لا يسبه اعتقادا إلا بما يراه تعظيما وإجلالا كزعم أهل التثليث أن له صاحبة وولدا فإنهم يعتقدون أن هذا من تعظيمه والتقرب إليه ومن سبه لا على هذا الوجه فالقول فيه كالقول فيمن سب الرسول على أحد القولين وهو المختار كما سنقرره ومن فرق قال: إنه تعالى لا تلحقه غضاضة ولا انتقاص بذلك ولا يكاد أحد يفعل ذلك أصلا إلا أن يكون وقت غضب ونحو ذلك بخلاف سب الرسول فإنه يسبه انتقاصا له واستخفافا به سبا يصدر عن اعتقاد وقصد إهانة وهو من جنس تلحقه الغضاضة ويقصد بذلك وقد يسب تشفيا وغيظا وربما حل منه في النفوس خبائل ونفر عنه بذلك خلائق ولا تزول نفرتهم عنه بإظهار التوبة كما لا تزول مفسدة الزنا وقطع الطريق ونحو ذلك بإظهار التوبة وكما لا يزول العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القاذف التوبة فكانت عقوبة الكفر يندرج فيها ما يتبعه من سب الله سبحانه بخلاف سب الرسول.
فإن قيل: قد تكون زيادة العقوبة على عقوبة مجرد الناقض للعهد تحتم قتله ما دام كافرا بخلاف غيره من الكافرين فإن عقد الأمان والهدنة والذمة
стр. 432
واسترقاقهم والمن عليهم والمفاداة بهم جائز في الجملة فإذا أتى مع حل دمه لنقض العهد أو لعدمه بالسب تعين قتله كما قررتموه وهكذا الجواب عن المواضع التي قتل النبي ﷺ فيها من سبه أو أمر بقتله أو أمر أصحابه بذلك فإنها تدل على أن الساب يقتل وإن لم يقتل من هو مثله من الكافرين.
وكذلك قال النبي ﷺ ليهود في قصة ابن الأشرف: "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحدا منكم إلا كان السيف".
وإذا كان كذلك فيكون القتل وجب لأمرين: للكفر ولتغلظه بالسب كما يجب قتل المرتد للكفر ولتغلظه بترك الدين الحق والخروج منه فمتى زال الكفر زال الموجب للذم فلم يستقل بقاء أثر السب بإحلال الدم وتبع الكفر في الزوال كما تبعه في الحصول فإنه فرع للكفر ونوع منه فإذا زال الأصل زالت جميع فروعه وأنواعه.
وهذا السؤال قد يمكن تقريره في سب من يدعي الإسلام بناء على أن السب فرع للردة ونوع منها وقد لا يمكن لأنه لم يتجدد من هذا بعد السب ما لم يكن موجودا حال السب بخلاف الكافر.
قلنا: وهذا أيضا دليل على أن قتل الساب حد من الحدود فإنه قد تقدم أنه يجب قتله إن كان معاهدا ولا يجوز استبقاؤه بعد السب بأمان ولا استرقاق ولو كان إنما يقتل لكونه كافرا محاربا لجاز أمانه واسترقاقه والمفاداة به فلما كان جزاؤه القتل علم أن قتله حد من الحدود ليس بمنزلة قتل سائر الكفار.
ومن تأمل الأدلة الشرعية نصوصها ومقاييسها مما ذكرناه ومما لم نذكره
стр. 433
ثم ظن بعد هذا أن قتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد كقتل الأسير فليس على بصيرة من أمره ولا ثقة من رأيه.
وليس هذا من المسالك المحتملة بل من مسالك القطع فإن من تأمل دلالات الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وما توجبه الأصول الشرعية علم قطعا أن للسب تأثيرا في سفح الدم زائدا على تأثير مجرد الكفر الخالي عن عهد.
نعم قد يقال: هو مقتول بمجموع الأمرين بناء على أن كفر الساب نوع مغلظ لا يحتمل الاستبقاء ككفر المرتد فيكون مقتولا لكفره وسبه ويكون القتل حدا بمعنى أنه يجب إقامته ثم يزول موجبه بالتوبة كقتل المرتد فهذا ليس بمساغ فيما تقدم ما يضعف هذا الوجه ومع هذا فإنه لا يقدح في كون قتل الساب حدا من الحدود وجب لما فيه خصوص ظهور سب الرسول من المفسدة.
وإنما يبقى أن يقال: هذا الحد هل يسقط بالإسلام أم لا؟
فنقول: جميع ما ذكرناه من الدلالات وإن دلت على وجوب قتله بعد إظهار التوبة فهي دالة على أن قتله حد من الحدود وليس لمجرد الكفر وهي دالة على هذا بطريق القطع لما ذكرناه من تفريق الكتاب والسنة والإجماع بين من اقتصر على الكفر الأصلي أو الطارىء أو نقض العهد وبين من سب الرسول من هؤلاء وإذا لم يكن القتل لمجرد الكفر لم يبق إلا أن يكون حدا وإذا ثبت أنه يقتل لخصوص السب لكونه حدا من الحدود لا لعموم كونه كافرا غير ذي عهد أو لعموم كونه مرتدا فيجب أن لا يسقط بالتوبة والإسلام لأن الإسلام والتوبة لا يسقط شيئا من الحدود الواجبة قبل ذلك إذا كانت التوبة بعد الثبوت والرفع إلى الإمام بالاتفاق.
стр. 434
وقد دل القرآن أن حد قاطع الطريق والزاني والسارق والقاذف لا يسقط بالتوبة بعد التمكن من إقامة الحد.
ودلت السنة على مثل ذلك في الزاني وغيره ولم يختلف المسلمون فيما علمناه أن المسلم إذا زنى أو سرق أو قطع الطريق أو شرب الخمر فرفع إلى السلطان وثبت عليه الحد ببينة ثم تاب من ذلك أنه تجب إقامة الحد عليه إلا أن يظن أحد في ذلك خلافا شاذا لا يعتد به فهذه حدود الله وكذلك لو وجب عليه قصاص أو حد أو قذف أو عقوبة سب لمسلم أو معاهد ثم تاب من ذلك لم تسقط عنه العقوبة وكذلك أيضا لم يختلفوا فيما علمناه أن الذمي لو وجب عليه حد قطع الطريق أو حد السرقة أو قصاص أو حد قذف أو تعزير ثم أسلم وتاب من ذلك لم تسقط عنه عقوبة ذلك وكذلك أيضا لو زنى فإنه إذا وجب عليه حد الزنا ثم أسلم لم يسقط عنه بل يقام عليه حد الزنا عند من يقول بوجوبه قبل الإسلام ويقتل حتما عند الإمام أحمد إن كان زنى نقض عهده.
هذا مع الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها فيغفر للتائب ذنبه مع إقامة الحد عليه تطهيرا له وتنكيلا للناس عن مثل تلك الجريمة فتحصل بإقامة الحد المصلحة العامة وهي زجر الملتزمين للإسلام أو الصغار عن مثل ذلك الفساد فإنه لو لم يقم الحد عند إظهار التوبة لم يتأت إقامة حد في الغالب فإنه لا يشاء المفسد في الأرض إذا أخذ أن يظهر التوبة إلا أظهرها وأوشك كل من هم بعظيمة من العظائم من الأقوال والأفعال أن يرتكبها ثم إذا أحيط به قال: إني تائب.
ومعلوم أن ذلك لو درأ الحد الواجب لتعطلت الحدود وظهر الفساد في البر والبحر ولم يكن في شرع العقوبات والحدود كبير مصلحة وهذا ظاهر لا خفاء به.
стр. 435
ثم الجاني لو تاب توبة نصوحا فذلك نافعة فيما بينه وبين الله يغفر له ما سلف ويكون الحد تطهيرا له وتكفيرا لسيئته وهو من تمام التوبة كما قال ماعز بن مالك للنبي ﷺ "طهرني" وقد جاء تائبا وقال تعالى لما ذكر كفارة قتل الخطأ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ وقال تعالى في كفارة الظهار: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ .
فيشتمل الحد مع التوبة على مصلحتين عظيمتين:
مصلحة زجر النفوس عن مثل تلك الجريمة وهي أهم المصلحتين فإن الدنيا في الحقيقة ليست دار كمال الجزاء وإنما كمال الجزاء في الآخرة وإنما الغالب في العقوبات الشرعية الزجر والنكال وإن كان فيها مقاصد أخر كما أن غالب مقصود العدة براءة الرحم وإن كان فيها مقاصد أخر ولهذا كانت هذه المصلحة مقصودة في كل عقوبة مشروعة.
والمصلحة الثانية: تطهير الجاني وتكفير خطيئته إن كان له عند الله خير أو عقوبة والانتقام منه إن لم يكن كذلك وقد يكون زيادة في ثوابه ورفعه في درجاته.
ونظير ذلك المصائب المقدرة في النفس والأهل والمال فإنها تارة تكون كفارة وطهورا وتارة تكون زيادة في الثواب وعلوا في الدرجات وتارة تكون عقابا وانتقاما.
لكن إذا تاب الإنسان سرا فإن الله يقبل توبته سرا ويغفر له من غير إحواج له إلى أن يظهر ذنبه حتى يقام حده عليه أما إذا أعلن الفساد بحيث يراه الناس ويسمعونه حتى شهدوا به عند السلطان أو اعترف هو به عند السلطان فإنه لا يطهره مع التوبة بعد القدرة إلا إقامته منه عليه
стр. 436
إلا أن في التوبة إذا كان الحد لله وثبت بإقراره خلافا سنذكره إن شاء الله تعالى ولهذا قال ﵊: "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" وقال النبي ﵊ لما شفع إليه في السارقة: "تطهر خيرا لها" وقال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" وقال: "من ابتلى من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله".
إذا تبين ذلك فنقول: هذا الذي أظهر سب رسول الله ﷺ من مسلم أو معاهد قد أتى بهذه المفسدة التي تضمنت مع الكفر ونقض العهد أذى الله ورسوله وانتهاك تلك الحرمة التي هي أفضل حرمة المخلوقين والوقيعة في عرض لا يساوي غيره من الأعراض والطعن في صفات الله وأفعاله وفي دين الله وكتابه وجميع أنبيائه والمؤمنين من عباده فإن الطعن في واحد من الأنبياء طعن في جميع الأنبياء كما قال : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ وطعن في كل من آمن بنبينا من الأنبياء والمؤمنين المتقدمين والمتأخرين وقد تقدم تقرير هذا.
ثم هذه العظيمة صدرت ممن التزم بعقد إيمانه أو أمانه أنه لا يفعل ذلك فإذا وجبت عقوبته على تلك الجريمة لخصوصها كما تقدم امتنع أن يسقط بما يظهره من التوبة كما تقدم أيضا.
ثم هنا مسلكان:
المسلك الأول: وهو مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم أن يقتل حدا لله كما يقتل لقطع الطريق وللردة وللكفر لأن السب للرسول عليه
стр. 437
الصلاة والسلام قد تعلق به حق الله وحق كل مؤمن فإن أذاه ليس مقصورا على رسول الله ﷺ فقط كمن سب واحدا من عرض الناس بل هو أذى لكل مؤمن كان ويكون بل هو عندهم من أبلغ أنواع الأذى ويود كل منهم أن يفتدي هذا العرض بنفسه وأهله وماله وعرضه كما تقدم ذكره عن الصحابة من أنهم كانوا يبذلون دماءهم في صون عرضه وكان رسول الله ﷺ يمدح من فعل ذلك سواء قتل أو غلب ويسميه ناصر الله ورسوله ولو لم يكن السب أعظم من قتل بعض المسلمين لما جاز بذل الدم في صون عرض واحد من الناس وقد قال حسان بن ثابت يخاطب أبا سفيان بن الحارث:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبى ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وذلك أنه انتهاك للحرمة التي نالوا بها سعادة الدنيا والآخرة وبها ينالها كل واحد سواهم وبها يقام دين الله ويرضى الله عن عباده ويحصل ما يحبه وينتفي ما يبغضه كما أن قاطع الطريق وإن قتل واحدا فإن مفسدة قطع الطريق تعم جميع الناس فلم يفوض الأمر فيه إلى ولي المقتول.
نعم كان الأمر في حياة النبي ﷺ مفوضا إليه فيمن سبه: إن أحب عفا عنه وإن أحب عاقبه وإن كان في سبه حق الله ولجميع المؤمنين لأن الله سبحانه يجعل حقه في العقوبة تبعا لحق العبد كما ذكرناه في القصاص وحقوق الآدميين تابعة لحق الرسول فإنه أولى بهم من أنفسهم ولأن في ذلك تمكينه ﷺ من أخذ العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين الذي أمره الله تعالى به في كتابه وتمكينه من العفو والإصلاح الذي يستحق به
стр. 438
أن يكون أجره على الله وتمكينه من أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة كما أمره الله وتمكينه من استعطاف النفوس وتأليف القلوب على الإيمان واجتماع الخلق عليه وتمكينه من ترك التنفير عن الإيمان وما يحصل بذلك من المصلحة يغمر ما يحصل باستبقاء الساب من المفسدة كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ .
وقد بين رسول الله ﷺ نفس هذه الحكمة حيث قال: "أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" وقال فيما عامل به ابن أبي من الكرامة "رجوت أن يؤمن بذلك ألف من قومه" فحقق الله رجاءه ولو عاقب كل من آذاه بالقتل لخامر القلوب عقدا أو وسوسة أن ذلك لما في النفس من حب الشرف وأنه من باب غضب الملوك وقتلهم على ذلك ولو لم يبح له عقوبته لانتهك العرض واستبيحت الحرمة وانخل رباط الدين وضعفت العقيدة في حرمة النبوة فجعل الله له الأمرين فلما انقلب إلى رضوان الله وكرامته ولم يبق واحدا مخصوص من الخلق إليه استيفاء هذه العقوبة والعفو عنها والحق فيها ثابت لله سبحانه ورسول الله ﵊ ولعباده المؤمنين وعلم كل ذي عقل أن المسلمين إنما يقتلونه لحفظ الدين وحفظ حمى الرسول ووقاية عرضه فقط كما يقتلون قاطع الطريق لأمن الطرقات من المفسدين وكما يقطعون السارق لحفظ الأموال وكما يقتلون المرتد صونا للداخلين في الدين عن الخروج عنه ولم يبق هنا توهم مقصود جزوي كما قد كان يتوهم في زمانه أن قتل الساب كذلك
стр. 439
وتقرير ذلك بالساب له من المسلمين فإنه قد كان له أن يعفو عنه مع أنه لا يحل للأمة إلا إراقة دمه فحاصله أنه في حياته قد غلب في هذه الجناية حقه ليتمكن من الاستيفاء والعفو وبعد موته فهي جناية على الدين مطلقا ليس لها من يمكنه العفو عنها فوجب استيفاؤها وهذا مسلك جيد لمن تدبر غوره.
ثم هنا تقريران:
أحدهما: أن يقال: الساب من جنس المحارب المفسد وقد تقدم في ذلك زيادة بيان ومما يؤيده أنه قال: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ فعلم أن كل ما أوجب القتل حقا لله كان فسادا في الأرض وإلا لم يبح.
وهذا السب قد أباح الدم فهو فساد في الأرض وهو أيضا محاربة لله ورسوله على ما لا يخفى لأن المحاربة هنا والله أعلم إنما عني بها المحاربة بعد المسالمة لأن المحاربة الأصلية لم يدخل حكمها في هذه الآية وسبب نزولها إنما كان فعل مرتد وناقض عهد فعلم أنهما جميعا دخلا فيها وهذا قد حارب بعد المسالمة وأفسد في الأرض فيتعين إقامة الحد عليه.
الثاني: أن يكون السب جناية من الجنايات الموجبة للقتل كالزنى وإن لم يكن حرابا كحراب قاطع الطريق فإن من الفساد ما يوجب القتل وإن لم يكن حرابا وهذا فساد قد أوجب القتل فلا يسقط بالتوبة كغيره من أنواع الفساد إذ لا يستثنى من ذلك إلا القتل للكفر الأصلي أو الطارىء وقد قدمنا أن هذا القتل ليس هو كقتل سائر الكفار.
стр. 440
فإن قيل: فإذا كان السب حدا لله فيجب أن يسقط بالإسلام كما يسقط حد المرتد بالإسلام وكما يسقط قتل الكافر بالإسلام وذلك أن مجرد تسميته حدا لا يمنع سقوطه بالتوبة أو بالإسلام فإن قتل المرتد حد فإن الفقهاء يقولون: باب حد المرتد ثم إنه يسقط بالإسلام ثم إن هذا أمر لفظي لا تناط به الأحكام وإنما تناط بالمعاني وكل عقوبة لمجرم فهي حد من حيث تزجره وتمنعه عن تلك الجريمة وإن لم تسم حدا لكن لا ريب أنه إنما يقتل للكفر والسب والسب لا يمكن تجريده عن الكفر والمحاربة حتى يفرض ساب قد وجب قتله وهو مؤمن أو معاهد باق على عهده كما يفرض مثل ذلك في الزاني والسارق والقاذف فإن أولئك وجبت عقوباتهم لتلك الجرائم وهي قبل الإسلام وبعده سواء وهذا إنما وجب عقوبته بجرم هو من فروع الكفر وأنواعه فإذا زال الأصل تبعته فروعه فيكون الموجب للقتل أنه كافر محارب وأنه مؤذ لله ولرسوله كما قال النبي ﵊ لعقبة بن أبي معيط لما قال "مالي أقتل من بينكم صبرا" فقال له النبي ﷺ : "بكفرك وافترائك على رسول الله" والعلة إذا كانت ذات وصفين زال الحكم بزوال أحدهما.
ونحن قد نسلم أنه يتحتم قتله إذا كان ذميا كما يتحتم قتل المرتد لتغلظ كفره بأذى الله ورسوله كتغلظ كفر المرتد بترك الدين لكن الإسلام يسقط كل حد تعلق بالكفر كما يسقط حد المرتد فلم ألحقتم هذا الحد بقاطع الطريق والزاني والسارق ولم تلحقوه بالمرتد؟ فهذا نكتة هذا الموضع.
فنقول لا يسقط شيء من الحدود بالإسلام ولا فرق بين المرتد وغيره في المعنى بل كل عقوبة وجبت لسبب ماض أو حاضر فإنها تجب
стр. 441
لوجود سببها وتعدم لعدمه فالكافر الأصلي والمرتد لم يقتل لأجل ما مضى من كفره فقط وإنما يقتل للكفر الذي هو الآن موجود إذ الأصل بقاؤه على ما كان عليه فإذا تاب زال الكفر فزال المبيح للدم لأن الدم لا يباح بالكفر إلا حال وجود الكفر إذ المقصود بقتله أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله فإذا انقاد لكلمة الله ودان بدين الله حصل مقصود القتال ومطلوب الجهاد وكذلك المرتد إنما يقتل لأنه تارك للدين مبدل له فإذا هو عاد لم يبقى مبدلا ولا تاركا وبذلك يحصل حفظ الدين فإنه لا يترك مبدلا له.
أما الزاني والسارق وقاطع الطريق فإنه سواء كان مسلما أو معاهدا لم يقتل لدوامه على الزنا والسب وقطع الطريق فإن هذا غير ممكن ولم يقتل لمجرد اعتقاده حل ذلك أو إرادته له فإن الذمي لا يباح دمه بهذا الاعتقاد ولا يباح دم مسلم ولا ذمي بمجرد الإرادة فعلم أن ذلك وجب جزاء على ما مضي وزجرا عما يستقبل منه ومن غيره فمن أظهر سب الرسول من أهل الذمة أو سبه من المسلمين ثم ترك السب وانتهى عنه فليس هو مستديما للسب كما يستديم الكافر المرتد وغيره على كفره بل أفسد في الأرض كما أفسد غيره من الزناة وقطاع الطريق ونحن نخاف أن يتكرر مثل هذا الفساد منه ومن غيره كما نخاف مثل ذلك في الزاني وقاطع الطريق لأن الداعي له إلى ما فعله من السب ممكن منه ومن غيره من الناس فوجب أن يعاقب جزاء بما كسب ونكالا من الله له ولغيره وهذا فرق ظاهر بين قتل المرتد والكافر الأصلي وبين قتل الساب والقاطع والزاني.
وبيانه لأن السب من جنس الجريمة الماضية لا من جنس الجريمة الدائمة لكن مبناه على أن السب يوجب الحد لخصوصه لا لكونه كافرا وقد تقدم بيان ذلك.
стр. 442
يوضح ذلك أن قتل المرتد والكافر الأصلي إلا أن يتوب يزيل مفسدة الكفر لأن الهام بالردة متى علم أنه لا يترك حتى يقتل أو يتوب لم يأتها لأنه ليس له غرض في أن يرتد ثم يعود إلى الإسلام وإنما غرضه في بقائه على الكفر واستدامته.
فأما الساب من المسلمين والمعاهدين فإن غرضه من السب يحصل بإظهاره وينكأ المسلمين بأذاه كما يحصل غرض القاطع من القتل والزاني من الزنا وتسقط حرمة الدين والرسول بذلك كما تسقط حرمة النفوس والأموال في قطع الطريق والسرقة ويؤذي عموم المسلمين أذى يخشى ضرره كما يؤذيهم مثل ذلك من فعل القاطع والسارق ونحوهما ثم إنه إذا أخذ فقد يظهر الإسلام والتوبة مع استبطانه العود إلى مثل ذلك عند القدرة كما يظهر القاطع والسارق والزاني العود إلى مثل هذه الجرائم عند إمكان الفرصة بل ربما يتمكن من هذا السب بعد إظهار الإسلام عند شياطينه ما لم يتمكنه قبل ذلك ويتنوع في أنواع التنقص والطعن غيظا على ما فعل به من القهر والضغط حتى أظهر الإسلام بخلاف من لم يظهر شيئا من ذلك حتى أسلم فإنه لا مفسدة ظهرت لنا منه وبخلاف المحارب الأصلي إذا قتل وفعل الأفاعيل فإنه لم يكن قد التزم الأمان على أنه لا يفعل شيئا من ذلك.
وهذا قد كان التزم لنا بعقد الذمة أن لا يؤذينا بشيء من ذلك ثم لم يف بعهده فلا يؤمن إليه أن يلتزم بعقد الأيمان أن لا يؤذينا بذلك ولا يفي بعقده وذلك لأنه واجب عليه في دينه أن يفي بالعهد فلا يظهر الطعن علينا في ديننا وعالم أن ذلك من التزام الأمور التي عاهدناه على أن لا يؤذينا بها وهو خائف من سيف الإسلام إن خالف كما أنه واجب عليه في دين الإسلام أن لا يتعرض للرسول بسوء وهو خائف من سيف الإسلام إن هو خالف فلم يتجدد له بإظهار الإسلام جنس العاصم الزاجر بخلاف الحربي في ذلك وإن كان في ضمن ذلك زجر لغيره من الناس عن الردة ألا ترى أنه
стр. 443
لا يشرع الستر عليه ولا يستحب التعريض للشهود بترك الشهادة عليه وتجب إقامة الشهادة عليه عند الحاكم ولا يستحب العفو عنه قبل الرفع إلى الحاكم وإن كان قد ارتد سرا لأنه متى رفع إلى الحاكم استتابه فنجاه من النار وإن لم يتب قتله فقصر عليه مدة الكفر فكان رفعه مصلحة له محضة بخلاف من استسر لقاذورة من القاذورات فإنه لا ينبغي التعرض إليه لأنه إذا رفع يقتل حتما وقد يتوب إذا لم يرفع فلم يكن الرفع له مصلحة محضة وإنما المصلحة للناس فإذا لم تظهر الفاحشة لم تضرهم.
ومن سب الرسول فإنما يقتله لأذاه لله ولرسوله وللمؤمنين ولطعنه في دينهم فكان بمنزلة من أظهر قطع الطريق والزنى ونحوه المغلب فيه جانب الردع والزجر وإن تضمن مصلحة الجاني وكان قتله لأنه أظهر الفساد في الأرض وكذلك لو سب الذمي سرا لم يتعرض له وكذلك لم ينبغي الستر عليه لأن من أظهر الفساد لا يستر عليه بحال.
وقوله: "السب مستلزم للكفر والحراب بخلاف تلك الجرائم" قلنا: ليس لنا سب خال عن كفر حتى تجرد العقوبة له بل العقوبة على مجموع الأمرين وهذه الملازمة لا توهن أمر السب فإن كونه مستلزما للكفر يوجب تغلظ عقوبته فإذا انفصل الكفر عنه فيما بعد لم يلزم أن لا يكون موجبا للعقوبة إذا كان هو في نفسه يتضمن من المفسدة ما يوجب العقوبة والزجر كما دل عليه الكتاب والسنة والأثر والقياس.
ثم نقول: أقصى ما يقال أنه حد على كفر مغلظ فيه ضرر على المسلمين صدر عن مسلم أو معاهد فمن أين لهم أن مثل هذا تقبل منه التوبة بعد القدرة؟ فإنا قد قدمنا أن التوبة إنما شرعت في حق من تجردت ردته أو تجرد نقضه للعهد فأما من تغلظت ردته أو نقضه بكونه مضرا بالمسلمين فلا بد من عقوبته بعد التوبة.
стр. 444
وقولهم: "إن السب من فروع الكفر وأنواعه" فإن عنوا أن الكفر يوجب ذلك فليس بصحيح وإن عنوا أن الكفر يبيح ذلك فنقول: لكن عقد الذمة حرم عليه في دينه إظهار ذلك كما حرم قتل المسلمين وسرقة أموالهم وقطع طريقهم وافتراش نسائهم وكما حرم قتالهم وإن كان دينه يبيح له ذلك كله فإذا هو آذى المسلمين بما يقتضيه الكفر المجرد عن عهد فإنه يعاقب على ذلك وإن زال الكفر الموجب لذلك فيقتل ويقطع ويعاقب كذلك هنا يعاقب على ما آذى به الله ورسوله والمؤمنين مما يخالف عهده وإن كان دينه يبيحه.
وقولهم: "إن الزاني والسارق وقاطع الطريق قبل الإسلام وبعده سواء" قلنا: هو مثل الساب لأنه قبل الإسلام يعتقد استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم لولا العهد الذي بينهم وبينه وبعد الإسلام إنما يعتقد تحريمها لأجل الدين وكذلك انتهاكه لعرض رسول الله ﷺ يعتقد حله لولا العهد الذي بيننا وبينه وبعد الدين إنما يمنعه منه الدين ولا فرق بين أن يضر المسلمين في دينهم أو دنياهم.
وأما قولهم: "إنما وجب قتله لأجل الأمرين فيسقط بزوال أحدهما" فنقول: بل اجتمع فيه سببان كل منهما يوجب نوعا من القتل يخالف لنوع الآخر وإن كان أحدهما يستلزم الآخر فالكفر يوجب القتل للكفر الأصلي أو للكفر الارتدادي وله أحكام معروفة والسب يوجب القتل لخصوصه حتى يندرج فيه قتل الكفر وقتل الردة وهذا القتل هو المغلب في حق مثل هذا حتى كان رسول الله ﷺ له القتل والعفو وله القتل مع امتناع القتل بالكفر والردة وله القتل بعد سقوط القتل بالكفر والردة كما قدمنا من الدلائل على ذلك أثرا ونظرا وبينا أن في خصوص السب ما يقتضي القتل لو فرض تجرده عن الكفر والردة فإذا انفصل عنه في أثناء الحال
стр. 445
فسقط موجب الكفر والردة لم يسقط موجب السب وقد قدمنا في المسألة الثانية دلائل على ذلك.
ثم نقول: هب أنه وجب لأجل الأمرين فالقتل الواجب لكفر متغلظ بالإضرار إذا زال لا تسقط عقوبة فاعله فوجب أن لا تسقط عقوبة فاعل هذا والعقوبة التي استحقها هي القتل.
وأيضا فإن الإسلام الطارىء لا يمنع ما وجب من العقوبة وإن كان الإسلام يمنع وجوبها ابتداء كالقتل قودا وكحد القذف فإنه إنما يجب بشرط كون الفاعل ذميا ولا يسقط بإسلامه بعد ذلك إذا كان المقتول والمقذوف ذميا.
وأيضا فإن الإسلام لا يمنع قتل الساب ابتداء فأن لا يمنع قتله دواما بطريق الأولى فقوله: "اجتمع سببان فزال أحدهما" ممنوع بل الموجب لقتل هذا لم يزل.
المسلك الثاني: أن يقتل حدا للنبي ﷺ كما يقتل قودا وكما يجلد القاذف والساب لغيره من المؤمنين وقد تقدمت الدلالة على أن عقوبة شاتم النبي ﷺ القتل كما أن عقوبة شاتم غيره الجلد وهذا مسلك كثير من أصحابنا وغيرهم.
ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن الرجل لو سب واحدا من المؤمنين أو سب واحدا من أعيان الأمة وهو ميت أو غائب لوجب على من حضره من المسلمين أن ينتصروا له وإذا بلغ الأمر إلى السلطان فإنه يعاقب هذا الجريء بما يزعه عن أذى المؤمنين ثم إن كان حيا وعلم فله أن يعفو عن سابه وأما إن تعذر علمه لموته أو غيبته لم يجز للمسلمين الإمساك عن عقوبة هذا وإذا رفع إلى السلطان عاقبه وإن أظهر التوبة لأن هذا من المعاصي والذنوب المتعلقة بحق آدمي لا يمكن قيامه بطلب هذا الحد وكل ما كان كذلك لم تحتج
стр. 446
العقوبة عليه إلى طلب أحد ولا تسقط بالتوبة إذا رفع إلى السلطان ولهذا قلنا: إن من سب أصحاب رسول الله ﷺ فإنه يجب أن يعزر ويؤدب أو يقتل وإن لم يطالب بحقهم معين لأن نصر المسلم واجب على كل مسلم بيده ولسانه فكيف على ولي الأمر؟.
وعلى هذا التقدير فنقول: إن سب النبي ﷺ كان موجبا للقتل في حياته كما تقدم تقريره وكان إذا علم بذلك تولى هذا الحق فإن أحب استوفى وإن أحب عفا فإذا تعذر إعلامه لغيبته أو موته وجب على المسلمين القيام بطلب حقه ولم يجز العفو عنه لأحد من الخلق كما لا يجوز العفو عن من سب غيره من الأموات والغياب.
وقد قدمنا الدلائل على القتل بخصوص سبه وأن المغلب فيه حقه حتى كان له أن يقتل من سبه أو يعفو عنه كما للرجل أن يعاقب سابه وأن يعفو عنه.
فإن قيل: هذا ينبني على مقدمتين:
إحداهما: أن قذف الميت موجب للحد وقد ذهب أبو بكر بن جعفر صاحب الخلال إلى أنه لا حد لقذف ميت لأن الحي وارثه لم يقذف وإنما قذف الميت وحد القذف لا يستوفى إلا بعد المطالبة وقد تعذرت منه والحد لا يورث إلا بمطالبة الميت وهي منتفية والأكثرون يثبتون الحد لقذف الميت لكن من الفقهاء من يقول: إنما يثبت إذا تضمن القدح في نسب الحي وهو قول الحنفية وبعض أصحابنا وقيل عن الحنفية: لا يأخذ به إلا الوالد أو الولد ومن الفقهاء من يقول: يثبت مطلقا ثم هل يرثه جميع الورثة أو من سوى الزوجين لبقاء سبب الإرث أو العصبة فقط لمشاركتهم له في عمود نسبه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب الشافعي وأحمد.
стр. 447
الثانية أن حد قذف الميت لا يستوفي إلا بطلب الورثة وذلك أنهم لا يختلفون أنه لا يستوفي إلا بمطالبة الورثة أو بعضهم ومتى عفوا سقط عند الأكثرين.
فعلى هذا ينبغي أن يسقط الحد لقذف النبي ﷺ لأنه لا يورث ويكون كقذف من لا وارث له وهذا ليس فيه حد قذف عند أكثر الفقهاء أو يقال: لا يستوفي حتى يطالب بعض الهاشميين أو بعض القرشيين.
فنقول: الجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنا لم نجعل سب النبي ﷺ وقذفه من حد القذف الذي لا يستوفى حتى يطلبه المستحق فإن ذاك إنما هو إذا علم به وإنما هو من باب السب والشتم الذي يعلم أنه حرام باطل وقد تعذر علم المسبوب به كما لو رمى رجل بعض أعيان الأمة بالكفر أو الكذب أو شهادة الزور أو سبه سبا صريحا فإنا لا نعلم مخالفا في أن هذا الرجل يعاقب على ذلك كما يعاقب على ما ينتهكه من المحارم انتصارا لذلك الرجل الكريم في الأمة وزجرا عن معصية الله كمن يسب الصحابة أو العلماء أو الصالحين.
الوجه الثاني: أن سبه سب لجميع أمته وطعن في دينهم وهو سب تلحقهم به غضاضة وعار بخلاف سب الجماعة الكثيرة بالزنا فإنه يعلم كذب فاعله وهذا يوقع في بعض النفوس ريبا وإذا كان قد آذى جميع المؤمنين أذى يوجب القتل وهو حق تجب عليهم المطالبة به من حيث وجب عليهم إقامة الدين فيكون شبيها بقذف الميت الذي فيه قدح في نسب الحي إذا طالب به وذاك يتعين إقامته.
стр. 448
وبهذا يظهر الفرق بينه وبين غيره من الأموات على قول أبي بكر فإن ذلك الميت لا يتعدى ضرر قذفه في الأصل إلى غيره فإذا تعذرت مطالبته أمكن أن يقال: لا يستوفي حد قذفه وهنا ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة مستمسكها وإلا فالرسول صلوات الله عليه وسلامه في نفسه لا يتضرر بذلك.
وبه يظهر الفرق بينه وبين غيره في أن حد قذف الغير إنما يثبت لورثته أو لبعضهم وذلك لأن العار هناك إنما يلحق الميت أو ورثته وهنا العار يلحق جميع الأمة لا فرق في ذلك بين الهاشميين وغيرهم بل أي الأمة كان أقوى حبا لله ورسوله وأشد إتباعا له وتعزيرا وتوقيرا كان حظه من هذا الأذى والضرر أعظم وهذا ظاهر لا خفاء به وإذا كان هذا ثابتا لجميع الأمة فإنه مما يجب عليهم القيام به ولا يجوز لهم العفو عنه بوجه من الوجوه لأنه وجب لحق دينهم لا لحق دنياهم بخلاف حد قذف قريبهم فإنه وجب لحظ نفوسهم ودنياهم فلهم أن يتركوه وهذا يتعلق بدينهم فالعفو عنه عفو عن حدود الله وعن انتهاك حرماته فظهر الجواب عن المقدمتين المذكورتين.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ لا يورث فلا يصح أن يقال: إن حق عرضه يختص به أهل بيته دون غيرهم كما أن ماله لا يختص به أهل بيته دون غيرهم بل أولى لأن تعلق حق الأمة بعرضه أعظم من تعلق حقهم بماله وحينئذ فيجب المطالبة باستيفاء حقه على كل مسلم لأن ذلك من تعزيره ونصره وذلك فرض على كل مسلم.
ونظير ذلك أن يقتل مسلم أو معاهد نبيا من الأنبياء فإن قتل ذلك الرجل متعين على الأمة ولا يجوز أن يجعل حق دمه إلى من يكون وارثا له لو كان يورث: إن أحب قتل وإن أحب عفا على الدية أو مجانا ولا يجوز تقاعد الأمة عن قتل قاتله فإن ذلك أعظم من جميع أنواع الفساد ولا يجوز
стр. 449
أن يسقط حق دمه بتوبة القاتل أو إسلامه فإن المسلم أو المعاهد لو ارتد أو نقض العهد وقتل مسلما لوجب عليه القود ولا يكون ما ضمه إلى القتل من الردة ونقض العهد مخففا لعقوبته وما أظن أحدا يخالف في مثل هذا مع أن مجرد قتل النبي ردة ونقض للعهد باتفاق العلماء وعرضه كدمه فإن عقوبته القتل كما أن عقوبة دمه وعرضه ممنوع من المسلم بإسلامه ومن المعاهد بعهده فإذا انتهكا حرمته وجبت عليهما العقوبة لذلك.
الطريقة الثامنة عشرة: وهي طريقة القاضي أبي يعلى أن سب النبي ﷺ يتعلق به حقان: حق لله وحق لآدمي.
فأما حق الله فهو ظاهر وهو القدح في رسالته وكتابه ودينه.
وأما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المعرة على النبي ﷺ بهذا السب وأناله بذلك غضاضة وعارا.
والعقوبة إذا تعلق فيها حق لله وحق لآدمي لم تسقط بالتوبة كالحد في المحاربة فإنه يتحتم قتله ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من انحتام القتل والصلب ولم يسقط حق الآدمي من القود كذلك هنا.
فإن قيل: المغلب هنا حق الله ولهذا لو عفا رسول الله ﷺ عن ذلك لم يسقط بعفوه.
قلنا: قد قال القاضي أبو يعلى: في هذا نظر على أنه إنما لم يسقط بعفوه لتعلق حق الله به فهو كالعدة إذا أسقط الزوج حقه منها لم تسقط لتعلق حق الله بها ولم يدل هذا على أنه لا حق لآدمي فيها كذلك هنا فقد تردد القاضي أبو يعلى في جواز عفو النبي ﷺ في هذا الموضع وقطع في موضع آخر أنه كان له أن يسقط حق سبه لأنه حق له وذكر في قول الأنصاري للنبي ﷺ : "أن كان ابن عمتك" وقد عرض للنبي بما يستحق به العقوبة ولم يعاقبه لأنه حمل قول النبي صلى الله
стр. 450
عليه وسلم للزبير اسق بأنه قضى له على الأنصاري للقرابة وفي الرجل الذي أغلظ لأبي بكر ولم يعزره فقال القاضي: التعزير هنا وجب لحق آدمي وهو افتراؤه على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وله أن يعفو عنه وكذلك ذكر ابن عقيل عنه أن الحق كان للنبي ﷺ وله تركه وقال ابن عقيل: قد عرض هذا للنبي ﷺ بما يقتضي العقوبة والتهجم على النبي ﷺ يوجب التعزير لحق الشرع دون أن يختصه في نفسه قال: وقد عزره النبي ﷺ بحبس الماء عن زرعه وهو نوع ضرر وكسر لعرضه وتأخير لحقه وعندنا أن العقوبات بالمال باقية غير منسوخة وليس يختص التعزير بالضرب في حق كل أحد.
وقول ابن عقيل هذا يضمن ثلاثة أشياء:
أحدها: أن هذا القول إنما كان يوجب التعزير لا القتل.
والثاني: أن ذلك واجب لحق الشرع ليس له أن يعفو عنه.
الثالث: أنه عزره بحبس الماء.
والثلاثة ضعيفة جدا والصواب المقطوع به أنه كان له العفو كما دلت عليه الأحاديث السابقة لما ذكرناه من المعنى فيه وحينئذ فيكون ذلك مؤيدا لهذه الطريقة.
وقد دل على ذلك ما ذكرناه من أن النبي ﷺ عاقب من سبه وآذاه في الموضع الذي سقطت فيه حقوق الله نعم صار سب النبي ﷺ سبا لميت وذلك لا يسقط بالتوبة البتة.
وعلى هذه الطريقة فالفرق بين سب الله وسب رسوله ظاهر فإن هناك الحق لله خاصة كالزنى والسرقة وشرب الخمر وهنا الحق لهما فلا يسقط حق الآدمي بالتوبة كالقتل في المحاربة.
الطريقة التاسعة عشرة: أنا قد ذكرنا أن النبي ﷺ أراد من المسلمين قتل ابن أبي سرح وقد جاء مسلما تائبا ونذر دم أنس بن زنيم
стр. 451
إلى أن عفا عنه بعد الشفاعة وأعرض عن أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية وقد جاءا مسلمين مهاجرين وأراق دماء من سبه من النساء من غير قتال وهن منقادات مستسلمات وقد كان هؤلاء حربيين لم يلتزموا ترك سبه ولا عاقدونا على ذلك فالذي عقد الأيمان أو الأمان على ترك سبه إذا جاء يريد الإسلام ويرغب فيه إما أن يجب قبول الإسلام منه والكف عنه أو لا يجب فإن قيل "يجب" فهو خلاف سنة رسول الله ﷺ وإن قيل "لا يجب" فهو دليل على أنه إذا جاء ليتوب ويسلم جاز قتله وكل من جاز قتله وقد جاء مسلما تائبا مع علمنا بأنه قد جاء كذلك جاز قتله وإن أظهر الإسلام والتوبة لا نعلم بينهما فرقا عند أحد من الفقهاء في جواز القتل فإن إظهار إرادة الإسلام هي أول الدخول فيه كما أن التكلم بالشهادتين هو أول الالتزام له ولا يعصم الإسلام إلا دم من يجب قبوله منه فإذا أظهر أنه يريده فقد بذل ما يجب قبوله فيجب قبوله كما لو آذاه.
وهنا نكتة حسنة وهي أن ابن أبي أمية وأبا سفيان لم يزالا كافرين وليس في القصة بيان أنه أراد قتلهما بعد مجيئهما وإنما فيها الإعراض عنهما وذلك عقوبة من النبي ﷺ .
وأما حديث ابن أبي سرح فهو نص في إباحة دمه بعد مجيئه لطلب البيعة وذلك لأن ابن أبي سرح كان مسلما فارتد وافترى على النبي ﷺ وأنه كان يتمم له القرآن ويلقنه ما يكتبه من الوحي فهو ممن ارتد بسب النبي ﷺ ومن ارتد بسبه فقد كان له أن يقتله من غير استتابة وكان له أن يعفو عنه وبعد موته تعين قتله.
وحديث ابن زنيم فإنه أسلم قبل أن يقدم على النبي ﷺ مع بقاء دمه مندورا مباحا إلى أن عفا عنه النبي ﷺ بعد أن روجع في ذلك.
стр. 452
وكذلك النسوة اللاتي أمر بقتلهن إنما وجهه والله أعلم أنهن كن قد سببنه بعد المعاهدة فانتقض عهدهن فقتلت اثنتان والثالثة لم يعصم دمها حتى استؤمن لها بعد أيام ولو كان دمها معصوما بالإسلام لم يحتج إلى الأمان وهذه الطريقة مبناها على أن من جاز قتله بعد أن أظهر أنه جاء ليسلم جاز قتله بعد أن أسلم فإن من لم يعصم دمه إلا عفو وأمان لم يكن الإسلام هو العاصم لدمه وإن كان قد تقدم ذكر هذا لكن ذكرناه لخصوص هذا المأخذ.
الطريقة الموفية عشرين: أن الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه مطلقة بقتل سابه لم يؤمر فيها باستتابة ولم يستثن منها من تاب وأسلم كما هي مطلقة عنهم في قتل الزاني المحصن ولو كان يستثني منها حال دون حال لوجب بيان ذلك فإن سب النبي ﷺ قد وقع منه وهو الذي علق القتل عليه ولم يبلغنا حديث ولا أثر يعارض ذلك وهذا بخلاف قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" فإن المبدل للدين هو المستمر على التبديل دون من عاد وكذلك قوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" فإن من عاد إلى دينه لم يجز أن يقال: هو تارك لدينه ولا مفارق للجماعة وهذا المسلم أو المعاهد إذا سب الرسول ثم تاب لم يكن أن يقال: ليس بساب للرسول أو لم يسب الرسول فإن هذا الوصف واقع عليه تاب أو لم يتب كما يقع على الزاني والسارق والقاذف وغيرهم.
الطريقة الحادية والعشرون: أنا قد قررنا أن المسلم إذا سب الرسول يقتل وإن تاب بما ذكرناه من النص والنظر والذمي كذلك فإن أكثر ما يفرق به إما كون المسلم تبين بذلك أنه منافق أو أنه مرتد قد وجب عليه حد من الحدود فيستوفى منه ونحو ذلك وهذا المعنى موجود في الذمي فإن إظهاره للإسلام بمنزلة إظهاره للذمة فإذا لم يكن صادقا في عهده وأمانه
стр. 453
لم نعلم أنه صادق في إسلامه وإيمانه وهو معاهد قد وجب عليه حد من الحدود فيستوفي منه كسائر الحدود.
وقول من يقول "قتل المسلم أولى" يعارضه قول من يقول "قتل الذمي أولى" وذلك أن الذمي دمه أخف حرمة والقتل إذا وجب عليه في حال الذمة لسبب لم يسقط عنه بالإسلام.
يبين ذلك أنه لا يبيح دمه إلا إظهار السب وصريحه بخلاف المسلم فإن دمه محقون وقد يجوز أنه غلظ بالسب فإذا حقق الإسلام والتوبة من السب ثبت العاصم مع ضعف المبيح والذمي المبيح محقق والعاصم لا يرفع ما وجب فيكون أقوى من هذا الوجه.
ألا ترى أن المسلم لو كان منافقا لم يقتصر على السب فقط بل لا بد أن تظهر منه كلمات مكفرة غير ذلك بخلاف الذمي فإنه لا يطلب على كفره دليل وإنما يطلب على محاربته وإفساده والسب من أظهر الأدلة على ذلك كما تقدم.
الطريقة الثانية والعشرون: أنه سب لمخلوق لم يعلم عفوه فلا يسقط بالإسلام كسب سائر المؤمنين وأولى فإن الذمي لو سب مسلما أو معاهدا ثم أسلم لعوقب على ذلك بما كان يعاقب به قبل أن يسلم فكذلك إذا سب الرسول وأولى وكذلك يقال في المسلم إذا سبه.
تحقيق ذلك أن القاذف والشاتم إذا قذف إنسانا فرفعه إلى السلطان فتاب كان له أن يستوفي منه الحد وهذا الحد إنما وجب لما ألحق به من العار والغضاضة فإن الزنا أمر يستخفى منه فقذف المرء به يوجب تصديق كثير من الناس به وهو من الكبائر التي لا يساويها غيرها في العار والمنقصة إذا تحقق ولا يشبهه غيره في لحوق العار إذا لم يتحقق فإنه إذا
стр. 454
قذفه بقتل كان الحق لأولياء المقتول ولا يكاد يخلو غالبا من ظهور كذب الرامي به أو براءة المرمي به من الحق بإبراء أهل الحق أو بالصلح أو بغير ذلك على وجه لا يبقي عليه عار وكذلك الرمي بالكفر فإن ما يظهره من الإسلام يكذب هذا الرامي به فلا يضر إلا صاحبه ورمي الرسول ﷺ بالعظائم يوجب إلحاق العار به والغضاضة لأنه بأي شيء رماه من السب كان متضمنا للطعن في النبوة وهي وصف خفي فقد يؤثر كلامه أثرا في بعض النفوس فتوبته بعد أخذه قد يقال: إنما صدرت عن خوف وتقية فلا يرتفع العار والغضاضة الذي لحقه به كما لا يرتفع العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القاذف التوبة ولذلك كانت توبته توجب زوال الفسق عنه وفاقا وتوجب قبول شهادته عند أكثر الفقهاء ولا يسقط الحد الذي للمقذوف فكذلك شاتم الرسول.
فإن قيل: ما أظهره الله لنبيه من الآيات والبراهين المحققة لصدقه في نبوته تزيل عار هذا السب وتبين أنه مبرأ بخلاف المقذوف بالزنا.
قيل: فيجب على هذا أن لو قذفه أحد بالزنا في حياته أن لا يجب عليه حد قذف وهذا ساقط وكان يجب على هذا أن لا يعبأ بمن يسبه ويهجوه بل يكون من يخرج عن الدين والعهد بهذا وبغيره على حد واحد وهو خلاف الكتاب والسنة وما كان عليه السابقون ويجب إذا قذف رجل سفيه معروف بالسفه والفرية من هو مشهور عند الخاصة والعامة بالعفة مشهود له بذلك أن لا يحد وهذا كله فاسد وذلك لأن مثل هذا السب والقذف لا يخاف من تأثيره في قلوب أولي الألباب وإنما يخاف من تأثيره في عقول ضعيفة وقلوب مريضة ثم سمع العالم بكذبه له من غير نكير يصغر الحرمة عنده وربما طرق له شبهة وشك فإن القلوب سريعة
стр. 455
التقلب وكما أن حد القذف شرع صونا للعرض من التلطخ بهذه القاذورات وسترا للفاحشة وكتما لها فشرع ما يصون عرض الرسول من التلطيخ بما قد ثبت أنه بريء منه أولى وستر الكلمات التي أوذي بها في نيل منه فيها أولى لما في ذكرها من تسهيل الاجتراء عليه إلا أن حد هذا السب والقذف القتل لعظم موقعه وقبح تأثيره فإنه لو لم يؤثر إلا تحقيرا لحرمته أو فساد قلب واحد أو إلقاء شبهة في قلب كان بعض ذلك يوجب القتل بخلاف عرض الواحد من الناس فإنه لا يخاف منه مثل هذا وسيجيء الجواب عما يتوهم فرقا بين سب النبي ﷺ وسب غيره في سقوط حده بالتوبة دون حد غيره.
الطريقة الثالثة والعشرون: أن قتل الذمي إذا سب إما أن يكون جائزا غير واجب أو يكون واجبا والأول باطل بما قدمناه من الدلائل في المسألة الثانية وبينا أنه قتل واجب وإذا كان واجبا فكل قتل يجب على الذمي بل كل عقوبة وجبت على الذمي بقدر زائد على الكفر فإنها لا تسقط بالإسلام أصلا جامعا وقياسا جليا فإنه يجب قتله بالزنا والقتل في قطع الطريق وبقتل المسلم أو الذمي ولا يسقط الإسلام قتلا واجبا وبهذا يظهر الفرق بين قتله وقتل الحربي الأصلي أو الناقض المحض فإن القتل هناك ليس واجبا عينا وبه يظهر الفرق بين هذا وبين سقوط الجزية عنه بالإسلام عند أكثر الفقهاء غير الشافعي فإن الجزية عند بعضهم عقوبة للمقام على الكفر وعند بعضهم عوض عن حقن الدماء وقد يقال: أجرة سكنى الدار ممن لا يملك السكنى فليست عقوبة وجبت لقدر زائد على الكفر.
الطريقة الرابعة والعشرون: أنه قتل لسبب ماض فلم يسقط بالتوبة والإسلام كالقتل للزنى وقطع الطريق وعكسه القتل لسبب حاضر وهو القتل لكفر قديم باق أو محدث جديد باق أعني الكفر الأصلي والطارئ
стр. 456
وذلك أن النبي ﷺ قال: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله" فأمر بقتله للأذى ماض ولم يقل "فإنه يؤذي الله ورسوله" وكذلك ما تقدم من الآثار فيها دلالة على أن السب أوجب القتل والسب كلام لا يدوم ويبقى بل هو كالأفعال المنصرمة من القتل والزنى وما كان هكذا فالحكم فيه عقوبة فاعله مطلقا بخلاف القتل للردة أو للكفر الأصلي فإنه إنما يقتل لأنه حاضر موجود حين القتل لأن الكفر اعتقاد والاعتقاد يبقى في القلب وإنما يظهر أنه اعتقاد بما يظهر من قول ونحوه فإذا ظهر فالأصل بقائه فيكون هذا الاعتقاد حاصلا في القلب وقت القتل وهذا وجه محقق ومبناه على أن قتل الساب ليس لمجرد الردة ونقض العهد فقط كغيره ممن جرد الردة وجرد نقض العهد بل لقدر زائد على ذلك وهو ما جاء به من الأذى والإضرار وهذا أصل قد تمهد على وجهه لا يستريب فيه لبيب.
الطريقة الخامسة والعشرون: أن هذا قتل تعلق بالنبي ﷺ فلم يسقط بإسلام الساب كما لو قتل نبيا وذلك أن المسلم أو المعاهد إذا قتل نبيا ثم أسلم بعد ذلك لم يسقط عنه القتل فإنه لو قتل بعض الأمة لم يسقط عنه القتل بإسلامه فكيف يسقط عنه إذا قتل النبي؟ ولا يجوز أن يتخير فيه خليفة بعد الإسلام بين القتل والعفو على الدية أو أكثر منها كما يتخير في قتل قاتل من لا وارث له لأن قتل النبي أعظم أنواع المحاربة والسعي في الأرض فسادا فإن هذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا بلا ريب وإذا كان من قاتل على خلاف أمره محاربا له ساعيا في الأرض فسادا فمن قاتله أو قتله فهو أعظم محاربة وأشد سعيا في الأرض فسادا وهو من أكبر أنواع الكفر ونقض العهد وإن زعم أنه لم يقتله مستحلا كما ذكره إسحاق بن راهويه من أن هذا إجماع من المسلمين وهو ظاهر وإذا وجب قتله عينا وإن أسلم وجب قتل سابه أيضا وإن أسلم لأن كلاهما أذى له يوجب القتل لا لمجرد كونه ردة أو نقض
стр. 457
عهد ولا تمثيلا له بقتل غيره أو سبه فإن سب غيره لا يوجب القتل وقتل غيره إنما فيه القود الذي يتخير فيه الوارث أو السلطان بين القتل أو أخذ الدية وللوارث أن يعفو عنه مطلقا بل لكون هذا محاربة لله ورسوله وسعيا في الأرض فسادا ولا يعلم شيء أكثر منه فإن أعظم الذنوب الكفر وبعده قتل النفس وهذا أقبح الكفر وقتل أعظم النفوس قدرا ومن قال: "إن حد سبه يسقط بالإسلام" لزمه أن يقول: إن قاتله إذا أسلم يصير بمنزلة قاتل من لا وارث له من المسلمين لأن القتل بالردة ونقض العهد سقط ولم يبق إلا مجرد القود كما قال بعضهم: إن قاذفه إذا أسلم جلد ثمانين أو أن يقول: يسقط عنه القود بالكلية كما أسقط حد قذفه وسبه بالكلية وقال: انغمر حد السب في موجب الكفر لا سيما على رأيه إن كان السب من كافر ذمي يستحل قتله وعداوته ثم أسلم بعد ذلك وأقبح بهذا من قول ما أنكره وأبشعه وأنه لا يقشعر منه الجلد أن تطل دماء الأنبياء في موضع تثأر فيه دماء غيرهم وقد جعل الله عامة ما أصاب بني إسرائيل من الذلة والمسكنة والغضب حتى سفك منهم من الدماء ما شاء الله ونهبت الأموال وزال الملك عنهم وسبيت الذرية وصاروا تحت أيدي غيرهم إلى يوم القيامة إنما هو بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق وكل من قتل نبيا فهذا حاله وإنما هذا بقوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُم﴾ عطف خاص على عام وإذا كان هذا باطلا فنظيره باطل مثله فإن أذى النبي إما أن يندرج في عموم الكفر والنقض أو يسوى بينه وبين أذى غيره فيما سوى ذلك أو يوجب القتل لخصوصه فإذا بطل القسمان الأولان تعين الثالث ومتى أوجب القتل لخصوصه فلا ريب أنه يوجبه مطلقا.
стр. 458
واعلم أن منشأ الشبهة في هذه المسألة القياس الفاسد وهو التسوية في الجنس بين المتباينين تباينا لا يكاد يجمعهما جامع وهو التسوية بين النبي وغيره في الدم أو في العرض إذا فرض عود المنتهك إلى الإسلام وهو مما يعلم بطلانه ضرورة ويقشعر الجلد من التفوه به فإن من قتله للردة أو للنقض فقط ولم يجعل لخصوص كونه أذى له أثرا وإنما المؤثر عنده عموم وصف الكفر إما أن يهدر خصوص الأذى أو يسوى فيه بينه وبين غيره زعما منه أن جعله كفرا ونقضا هو غاية التعظيم وهذا كلام من لم ير للرسول حقا يزيد على مجرد تصديقه في الرسالة وسوى بينه وبين سائر المؤمنين فيما سوى هذا الحق.
وهذا كلام خبيث يصدر عن قلة فقه ثم يجر إلى شعبة نفاق ثم يخاف أن يخرج إلى النفاق الأكبر وأنه لخليق به ومن قال هذا القول من الفقهاء لا يرتضي أن يلتزم مثل هذا المحذور ولا يفوه به فإن الرسول أعظم في صدورهم من أن يقولوا فيه مثل هذا لكن هذا لازم قولهم لزوما لا محيد عنه وكفى بقول فسادا أن يكون هذا حقيقته بعد تحريره وإلا فمن تصور أن له حقوقا كثيرة عظيمة مضافة إلى الإيمان به وهي زيادة في الإيمان به كيف يجوز أن يهدر أذاه إذا فرض عريا عن الكفر أو يسوى بينه وبين غيره؟ أرأيت لو أن رجلا سب أباه وآذاه كانت عقوبته المشروعة مثل عقوبة من سب غير أبيه أم يكون أشد لما قابل الحقوق بالعقوق؟ وقد قال : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الآية
стр. 459
وفي مراسيل أبي داود عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: "من ضرب أباه فاقتلوه" وبالجملة فلا يخفى على لبيب أن حقوق الوالدين لما كانت أعظم كان النكال على أذاهما باللسان وغيره أشد مع أنه ليس كفرا فإذا كان قد أوجب له من الحقوق ما يزيد على التصديق وحرم من أنواع أذاه ما لا يستلزم التكذيب فلا بد لتلك الخصائص من عقوبات على الفعل والترك ومما هو كالإجماع من المحققين امتناع أن يسوى بينه وبين غيره في العقوبة على خصوص أذاه وهو ظاهر لم يبق إلا أن يكون القتل جزاء ما قوبل به من حقوقه بالعقوق جزاء وفاقا وأنه لقليل له ولعذاب الآخرة أشد وقد لعن الله مؤذيه في الدنيا والآخرة وأعد له عذابا مهينا.
الطريقة السادسة والعشرون: أنا قد قدمنا من السنة وأقوال الصحابة ما دل على قتل من آذاه بالتزوج بنسائه والتعرض بهذا الباب لحرمته في حياته أو بعد موته وأن قتله لم يكن حد الزنا من وطء ذوات المحارم وغيرهن بل لما في ذلك من أذاه فإما أن يجعل هذا الفعل كفرا أو لا يجعل فإن لم يجعل كفرا فقد ثبت قتل من آذاه مع تجرده عن الكفر وهو المقصود فالأذى بالسب ونحوه أغلظ وإن جعل كفرا فلو فرض أنه تاب منه لم يجز أن يقال: يسقط القتل عنه لأنه يستلزم أن يكون من الأفعال ما يوجب القتل ويسقط بالتوبة بعد القدرة وثبوته عند الإمام وهذا لا عهد لنا به في الشريعة ولا يجوز إثبات مالا نضير له إلا بنص وهو لعمري سمح فإن إظهار التوبة باللسان من فعل تشتهيه النفوس سهل على ذي الغرض إذا أخذ
стр. 460
فيسقط مثل هذا الحد بهذا وإذا لم يسقط القتل الذي أوجبه هذا الأذى عنه فكذلك القتل الذي أوجبه أذى اللسان وأولى لأن القرآن قد غلظ هذا على ذاك والتقدير أن كلاهما كفر فإذا لم يسقط قتل من أتى بالأدنى فأن لا يسقط قتل من أتى بالأعلى أولى.
الطريقة السابعة والعشرون: أنه قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ فأخبر سبحانه أن شانئه هو الأبتر والبتر: القطع يقال: بتر يبتر بترا وسيف بتار إذا كان قاطعا ماضيا ومنه في الاشتقاق الأكبر تبره تتبيرا إذا أهلكه والتبار: الهلاك والخسران وبين سبحانه أنه هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد لأنهم قالوا: إن محمدا ينقطع ذكره لأنه لا ولد له فبين الله أن الذي يشنأه هو الأبتر لا هو والشنآن منه ما هو باطن في القلب لم يظهر ومنه ما يظهر على اللسان وهو أعظم الشنآن وأشده وكل جرم استحق فاعله عقوبة من الله إذا أظهر ذلك الجرم عندنا وجب أن نعاقبه ونقيم عليه حد الله فيجب أن نبتر من أظهر شنآنه وأبدى عداوته وإذا كان ذلك واجبا وجب قتله وإن أظهر التوبة بعد القدرة وإلا لما انبتر له شانئ بأيدينا في غالب الأمر لأنه لا يشاء شانئ أن يظهر شنآنه ثم يظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل فإن ذلك سهل على من يخاف السيف.
تحقيق ذلك أنه سبحانه رتب الانبتار على شنآنه والاسم المشتق المناسب إذا علق به حكم كان ذلك دليلا على أن المشتق منه علة لذلك الحكم فيجب أن يكون شنآنه هو الموجب لانبتاره وذلك أخص مما تضمنه الشنآن من الكفر المحض أو نقض العهد والانبتار يقتضي وجوب قتله بل يقتضي
следующие страницы →