← Акыда

Акыда · id 7344

الصارم المسلول على شاتم الرسول

ابن تيمية

Полный текст (591 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكه له وعلى التقديرين فلو لم يكن قتلها جائزا لبين النبي ﷺ له أن قتلها كان محرما وأن دمها كان معصوما ولأوجب عليه الكفارة بقتل المعصوم والدية إن لم تكن مملوكه له فلما قال: " اشهدوا أن دمها هدر " والهدر الذي لا يضمن بقود ولا دية ولا كفارة علم أنه كان مباحا مع كونها كانت ذمية فعلم أن السب أباح دمها لا سيما والنبي ﷺ إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السب فعلم أنه الموجب لذلك والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك. الحديث الثالث: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي. قال الخطابي: قال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة واحتج في ذلك بخبر ابن الأشرف وقال الشافعي في الأم: لم يكن بحضرة النبي ﷺ ولا قربه مشرك من أهل الكتاب إلا يهود أهل المدينة وكانوا حلفاء الأنصار ولم تكن الأنصار أجمعت أول ما قدم رسول الله ﷺ إسلاما فوادعت يهود رسول الله ﷺ ولم يخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر ولا فعل حتى كانت وقعة بدر فتكلم بعضها بعداوته والتحريض عليه فقتل رسول الله ﷺ فيهم ومعلوم أنه إنما أراد بهذا الكلام كعب بن الأشرف. والقصة مشهورة مستفيضة وقد رواها عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: "قال رسول الله ﷺ : " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم قال: فأذن لي أن أقول: شيئا قال قل قال: فأتاه

стр. 72

وذكره ما بينهم قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنانا فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملنه قال: إنا قد تبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا قال: فما ترهنوني؟ نساءكم قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال: ترهنوني أولادكم قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر ولكن نرهنك الأمة يعني السلاح قال: نعم وواعده أن يأتيه بالحرب وأتى عبس بن حبر وعباد بن بشر فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال: إنما هذا محمد ورضيعه أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم قال: فلما نزل نزل وهو متوشح قالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال: أفتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم فقتلوه " متفق عليه. وروى ابن أبي أويس عن إبراهيم بن جعفر بن محمد بن مسلمه عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنا لمعاداة النبي ﷺ فكان أول ما خزع خزع عنه قوله: أذاهب أنت لم تحلل بمرفثة ... وتارك أنت أمر الفضل بالحرم في أبيات يهجوه بها فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله وهذا محفوظ عن ابن أبي أويس رواه الخطابي وغيره وقال: قوله

стр. 73

"خزع" معناه قطع عهده وفي رواية غير الخطابي فخزع منه هجاؤه له فأمر بقتله والخزع: القطع يقال: خزع فلان عن أصحابه يخزع خزعا أي انقطع وتخلف ومنه سميت خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة فعلى اللفظ الأول يكون التقدير أن قوله هذا هو أول خزعه عن النبي ﷺ أي أول غضاضة عنه بنقض العهد وعلى الثاني قيل: معناه قطع هجاه للنبي ﷺ منه بعني أنه نقض عهده وذمته وقيل: معناه خزع من النبي ﷺ معناه هجاه: أي نال منه وشعث منه ووضع منه. وذكر أهل المغازي والتفسير مثل محمد بن إسحاق أن كعب بن الأشرف كان موادعا للنبي ﷺ في جملة من وادعه من يهود المدينة وكان عربيا من بني طي وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما قتل أهل بدر شق ذلك عليه وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ . ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها رسول الله ﷺ وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال النبي ﷺ : " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وذكر قصة قتله مبسوطة. وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رمان ومعمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر وذكر القصة إلى قتله قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين فجاءوا إلى

стр. 74

النبي ﷺ حين أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه فقال رسول الله ﷺ : " إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتبوا بينهم وبينه كتابا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. والاستدلال بقتل كعب بن الأشرف من وجهين: أحدهما: أنه كان معاهدا مهادنا وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم بالمغازي والسير وهو عندهم من العلم العام الذي يستغنى فيه عن نقل الخاصة. ومما لا ريب فيه عند أهل العلم ما قدمناه من أن النبي ﷺ عاهد لما قدم المدينة جميع أصناف اليهود بني قينقاع والنضير وقريظة ثم نقضت بنو قينقاع عهده فحاربهم ثم نقض عهده كعب بن الأشرف ثم نقض عهده بنو النضير ثم بنو قريظة وكان ابن الأشرف من بني النضير وأمرهم ظاهر في أنهم كانوا مصالحين للنبي ﷺ وإنما نقضوا العهد لما خرج إليهم يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمر بن أمية الضمري وكان ذلك بعد مقتل كعب بن الأشرف وقد ذكرنا الرواية الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهد للنبي ﷺ ثم إن النبي ﷺ جعله ناقضا للعهد بهجائه وأذاه بلسانه خاصة

стр. 75

والدليل على أنه إنما نقض العهد بذلك أن النبي ﷺ قال: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فعلل ندب الناس له بأذاه والأذى المطلق هو باللسان كما قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً﴾ وقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ وقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن﴾ وقال: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية وقال: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ الآية ثم ذكر الصلاة عليه والتسليم خبرا وأمرا وذلك من أعمال اللسان ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر " وهذا كثير. وقد تقدم أن الأذى اسم لقليل الشر وخفيف المكروه بخلاف الضرر فلذلك أطلق على القول لأنه لا يضر المؤذي في الحقيقة. وأيضا فإنه جعل مطلق أذى الله ورسوله موجبا لقتل رجل معاهد

стр. 76

ومعلوم أن سب الله وسب ورسوله أذى لله ولرسوله وإذا رتب الوصف على الحكم بحرف الفاء دل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان مناسبا وذلك يدل على أن أذى الله ورسوله علة لندب المسلمين إلى قتل من يفعل ذلك من المعاهدين وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله والسب من أذى الله ورسوله باتفاق المسلمين بل هو أخص أنواع الأذى. وأيضا فقد قدمنا في حديث جابر أن أول ما نقض به العهد قصيدته التي أنشأها بعد رجوعه إلى المدينة يهجو بها رسول الله ﷺ وأن رسول الله ﷺ عندما هجاه بهذه القصيدة ندب إلى قتله وهذا وحده دليل على أنه إنما نقض العهد بالهجاء لا بذهابه إلى مكة. وما ذكره الواقدي عن أشياخه يوضح ذلك ويؤيده وإن كان الواقدي لا يحتج به إذا انفرد لكن لا ريب في علمه بالمغازي واستعلام كثير من تفاصيلها من جهته ولم نذكر عنه إلا ما أسندناه عن غيره. فقوله: " لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " نص في أنه إنما انتقض عهد ابن الأشرف بالهجاء ونحوه وأن من فعل هذا من المعاهدين فقد استحق السيف وحديث جابر المسند من الطريقين يوافق هذا وعليه العمدة في الاحتجاج. وأيضا فإنه لما ذهب إلى مكة ورجع إلى المدينة لم يندب النبي ﷺ المسلمين إلى قتله فلما بلغه عنه الهجاء ندبهم إلى قتله والحكم الحادث يضاف إلى السبب الحادث فعلم أن ذلك الهجاء والأذى الذي كان

стр. 77

بعد قفوله من مكة موجب لنقض عهده ولقتاله وإذا كان هذا في المهادن الذي لا يؤدي جزية فما الظن بالذمي الذي يعطي الجزية ويلزم أحكام الملة؟. فإن قيل: إن ابن الأشرف كان قد أتى بغير السب والهجاء. فروى الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنبر المنتبر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية قال: أنتم خير قال: فنزلت فيهم ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ قال: وأنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيراً﴾ . وقال: ثنا عبد الرازق قال: قال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي ﷺ وأمرهم أن يغزوه وقال لهم: إنا معكم فقالوا: إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل ثم قالوا له: أنحن أهدى أم محمد؟ نحن نصل الرحم ونقري الضيف ونطوف بالبيت وننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ومحمد قطع رحمه وخرج من بلده قال: بل أنتم خير وأهدى قال: فنزلت فيه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 78

نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ . وقال: ثنا عبد الرزاق ثنا إسرائيل عن السدي عن أبي مالك قال: "إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم: ديننا خير أم دين محمد؟ قال: أعرضوا علي دينكم قالوا: نعمر بيت ربنا وننحر الكوماء ونسقي الحاج الماء ونصل الرحم ونقري الضيف قال: دينكم خير من دين محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية". قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان كعب بن الأشرف اليهودي وهو أحد بني النضير أو هو فيهم قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستعان بهم على رسول الله فقال أبو سفيان: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال قال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا ثم خرج مقبلا حتى أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ معلنا بعداوة رسول الله ﷺ وبهجائه فقال رسول الله ﷺ : " من لنا من ابن الأشرف؟ فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا وقد أخبرني الله بذلك ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشا أن تقدم فيقاتلنا معهم " ثم قرأ رسول الله ﷺ على المسلمين ما أنزل فيه إن كان كذلك والله أعلم قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلاً﴾ وآيات معها فيه وفي قريش.

стр. 79

وذكر لنا رسول الله ﷺ قال: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت " فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله أاقتله وذكر القصة في قتله إلى آخرها ثم قال: فقتل الله ابن الأشرف بعداوته لله ورسوله وهجائه إياه وتأليبه عليه قريشا وإعلانه بذلك. وقال محمد بن إسحاق: كان من حديث كعب بن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثه إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله تعالى عليه وقتل من قتل من المشركين كما حدثني عبد الله ابن المغيث بن أبي بردة الظفري وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبي أمامه بن سهل كل واحد قد حدثني بعض حديثه قالوا: كان كعب بن الأشرف من طيء ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير فقال حين بلغه الخبر: أحق هذا الذي يروون أن محمدا قتل هؤلاء الذين سمى هذان الرجلان؟ يعني زيدا وعبد الله بن رواحة فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمدا أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة ونزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر وذكر شعرا وما رد عليه حسان وغيره ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم فقال رسول الله ﷺ كما حدثني عبد الله بن أبي المغيث: "من لي بابن الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله وذكر القصة. وقال الواقدي: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان ومعمر

стр. 80

عن الزهري عن ابن كعب بن مالك وإبراهيم بن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله فكل قد حدثني منه بطائفة فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: ابن الأشرف كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره وكان رسول الله ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أذى شديدا فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزل: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية. فلما أبى ابن الأشرف أن يمسك عن إيذاء رسول الله ﷺ وإيذاء المسلمين وقد بلغ منهم فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل المشركين وأسر من أسر منهم ورأى الأسرى مقرنين كبت وذل ثم قال لقومه: ويلكم والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا قال: وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريش فأحضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم فخرج حتى قدم مكة ووضع رحلة عند أبي وداعة بن أبي صبرة السهمي وتحته عاتكة بنت أسد بن أبي العيص فجعل يرثي

стр. 81

قريشا وذكر ما رثاهم به من الشعر وما أجابه به حسان فأخبره بنزول كعب على من نزل فقال حسان فذكر شعرا هجا به أهل البيت الذين نزل فيهم قال: فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسان؟ فتحول فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله ﷺ حسانا فقال: ابن الأشرف نزل على فلان فلا يزال يهجوهم حتى نبذ رحلة فلما لم يجد مأوى قدم المدينة فلما بلغ النبي ﷺ قدوم ابن الأشرف قال: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار" وقال رسول الله ﷺ : " من لي من ابن الأشرف فقد آذاني؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله وأنا أقتله قال: فافعل وذكر الحديث. فقد اجتمع لابن الأشرف ذنوب: أنه رثى قتلى قريش وحضهم على محاربة النبي ﷺ وواطأهم على ذلك وأعانهم على محاربته بإخباره أن دينهم خير من دينه وهجا النبي ﷺ والمؤمنين. قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة وقال ما قال هناك وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه كما جاء ذلك مفسرا في حديث جابر المتقدم بقوله: "ثم قدم المدينة معلنا لعداوة النبي ﷺ " ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع وأن النبي ﷺ حينئذ ندب إلى قتله وكذلك في حديث موسى بن عقبة: " من لنا من ابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا وهجائنا؟ ". ويؤيد ذلك شيئان:

стр. 82

أحدهما: أن سفيان بن عيينة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ونسقي الحجيج ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: بل أنتم خير وأهدى سبيلا فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ . وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب رجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا في الموسم فقال لهما المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة وأهل السقاية وأهل الحرم فقالا: أنتم أهدى من محمد وأصحابه وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما محلهما على ذلك حسد محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا حسده وبغضه. وهذان مرسلان من وجهين مختلفين فيهما أن كلا الرجلين ذهبا إلى مكة وقالا ما قالا ثم إنهما قدما فندب النبي ﷺ إلى قتل ابن الأشرف وأمسك عن ابن أخطب حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ فلحق بخيبر ثم جمع عليه الأحزاب فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب

стр. 83

للندب إلى قتل ابن الأشرف وإنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء ونحوه وإن كان ما فعله بمكة مؤيدا عاضد لكن مجرد الأذى لله ورسوله موجب للندب إلى قتله كما نص عليه النبي ﷺ بقوله: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " وكما بينه جابر في حديثه. الوجه الثاني: أن ابن أبي أويس قال حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن أبيه عن جابر قال: لما كان من أمر النبي ﷺ وبني قريظة كذا فيه: وأحسبه بني قينقاع اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان منها: وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله فقيل له بمكة: أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خير وأقدم من دين محمد ودين محمد حديث فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربته. الجواب الثاني: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان فإن مرثيته لقتلى المشركين وتحضيضه وسبه وهجاءه وطعنه في دين الإسلام وتفضيل دين الكفار عليه كله قول باللسان ولم يعمل عملا فيه محاربة ومن نازعنا في سب النبي ﷺ ونحوه فهو في تفضيل دين الكفار وحضهم باللسان على قتل المسلمين أشد منازعة لأن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب وأخبرهم بعورات المسلمين ودعا الكفار إلى قتالهم انتقض عهده أيضا عندنا كما ينتقض عهد الساب ومن قال إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول لا ينتقض العهد بالتجسس للكفار ومطالعتهم بأخبار المسلمين بطريق الأولى عندهم وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي على خلاف بين أصحابه وابن الأشرف لم يوجد منه إلا الأذى باللسان فقط فهو حجة على من نازع في هذه المسائل ونحن نقول: إن ذلك كله نقض للعهد.

стр. 84

والجواب الثالث: أن تفضيل دين الكفار على دين المسلمين هو دون سب النبي ﷺ بلا ريب فإن كون الشيء مفضولا أحسن حالا من كونه مسبوبا مشتوما فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى وأما مرثيته للقتلى وحضهم على أخذ ثأرهم فأكثر ما فيه تهييج قريش على المحاربة وقريش كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي ﷺ عقب بدر وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف نعم مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظا ومحاربة لكن سبه للنبي ﷺ وهجاءه له ولدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة ويغريهم به فعلم أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام وأبلغ فإذا كان غيره من الكلام نقضا فهو أن يكون نقضا أولى ولهذا قتل النبي ﷺ جماعة من النسوة اللواتي كن يشتمنه ويهجونه مع عفوه عما كانت تعين عليه وتحض على قتاله. الجواب الرابع: أن ما ذكره حجة لنا من وجوه أخر وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوه كثيرة أن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَاب﴾ نزلت في كعب بن الأشرف بما قاله لقريش وقد أخبر الله سبحانه أنه لعنه وأن من لعنه فلن تجد له نصيرا وذلك دليل على أنه لا عهد له لأنه لو كان له عهد لكان يجب نصره على المسلمين فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض عهده وعدم ناصره فكيف بما هو أغلظ منه من شتم وسب؟ وإنما لم يجعله النبي ﷺ والله أعلم بمجرد ذلك ناقضا للعهد لأنه لم يعلن بهذا الكلام ولم يجهر به وإنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم بالأحاديث ولم يكن النبي ﷺ ليأخذ أحدا من المسلمين والمعاهدين إلا بذنب ظاهر فلما رجع إلى المدينة

стр. 85

وأعلن الهجاء والعداوة استحق أن يقتل لظهور أذاه وثبوته عند الناس نعم من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا يكون حتى تظهر المحاربة وتثبت عليه. فإن قيل: كعب بن الأشرف سب النبي ﷺ بالهجاء والشعر كلام موزون يحفظ ويروى وينشد بالأصوات والألحان ويشتهر بين الناس وذلك له من التأثير في الأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور ولذلك كان النبي ﷺ يأمر حسان أن يهجوهم ويقول: "لهو أنكى فيهم من النبل" فيؤثر هجاءه فيهم أثرا عظيما يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون عنها لو سبوا بكلام منثور أضعاف الشعر. وأيضا فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي ﷺ وأذاه وكثر والشيء إذا كثر واستمر صار له حال أخرى ليست له إذا انفرد وقد حكيتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثل هذه الجريمة وإن لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه فإذا ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن يقول به. قلنا أولا: إن هذا يفيدنا أن السب في الجملة من الذمي مهدر لدمه ناقض لعهده ويبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاص من السب وهو ما كثر أو غلظ أو مطلق السب؟ هذا نظر آخر فما كان مثل هذا السب وجب أن يقال إنه مهدر لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحد أن يخالف نص السنة فلو زعم زاعم أن شيئا من كلام الذمي وأذاه يبيح دمه كان مخالفا للسنة الصحيحة الصريحة خلافا لا عذر فيه لأحد. وقلنا ثانيا: لا ريب أن الجنس الموجب للعقوبة قد يتغلظ بعض أنواعه صفة أو قدرا أو صفة وقدرا فإنه ليس قتل واحد من الناس مثل قتل

стр. 86

والد أو ولد عالم صالح ولا ظلم بعض الناس مثل ظلم يتيم فقير بين أبوين صالحين وليست الجناية في الأوقات والأماكن الأحوال المشرفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الديات إذا تغلظ القتل بأحد هذه الأسباب وقال النبي ﷺ وقد قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قيل له: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قيل له: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني حليلة جارك " ولا شك أن من قطع الطريق مرات متعددة وسفك دماء خلق من المسلمين وكثر منه أخذ الأموال كان جرمه أعظم من جرم من لم يقطعه إلا مرة واحدة ولا ريب أن من أكثر من سب النبي ﷺ أو نظم القصائد في سبه فإن جرمه أغلظ من جرم من سبه بالكلمة الواحدة المنثورة بحيث يجب أن تكون إقامة الحد عليه أوكد والانتصار لرسول الله ﷺ أوجب وإن المقل لو كان أهلا أن يعفى عنه لم يكن هذا أهلا لذلك. ولكن هذا الحديث كغيره من الأحاديث يدل على أن جنس الأذى لله ورسوله ومطلق السب الظاهر مهدر لدم الذمي ناقض لعهده وإن كان بعض الأشخاص أغلظ جرما من بعض لتغلظ سبه نوعا أو قدرا وذلك من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ قال: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ " فجعل علة الندب إلى قتله أنه آذى الله ورسوله وأذى الله ورسوله اسم مطلق ليس مقيدا بنوع ولا بقدر فيجب أن يكون مطلق أذى الله ورسوله علة للانتداب إلى قتل من فعل ذلك من ذمي وغيره وقليل السب وكثيره ومنظومه ومنثوره أذى بلا ريب فيتعلق به الحكم

стр. 87

وهو أمر الله ورسوله بقتله ولو لم يرد هذا المعنى لقال: من لكعب فإنه قد بالغ في أذى الله تعالى ورسوله أو قد أكثر من أذى الله ورسوله أو قد داوم على أذى الله ورسوله وهو ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى ولم يخرج من بين شفتيه ﷺ إلا حق في غضبه ورضاه. وكذلك قوله في الحديث الآخر: "إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولا يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف " ولم يقيده بالكثره. الثاني: أنه آذاه بهجائه المنظوم واليهودية بكلام منثور وكلاهما أهدر دمه فعلم أن النظم ليس له تأثير في أصل الحكم إذ لم يخص ذلك الناظم والوصف إذا ثبت الحكم بدونه كان عديم التأثير فلا يجعل جزاء من العلة ولا يجوز أن يكون هذا من باب تعليل الحكم بعلتين لأن ذلك إنما يكون إذا لم تكن إحداهما مندرجة في الأخرى كالقتل والزنا أما إذا اندرجت إحداهما في الأخرى فالوصف الأعم هو العلة والأخص عديم التأثير. الوجه الثالث: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره وغليظه وخفيفه في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة والزنا والمحاربة ونحو ذلك وهذا هو قياس الأصول فمن زعم أن من الأقوال أو الأفعال ما يبيح الدم إذا كثر ولا يبيحه مع القلة فقد خرج عن قياس الأصول وليس له ذلك إلا بنص يكون أصلا بنفسه ولا نص يدل على إباحة القتل في الكثير دون القليل وما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل والفاحشة في الدبر دون القبل إنما هو حكاية مذهب والكلام في الجميع واحد

стр. 88

ثم إنه قد صح عن النبي ﷺ أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين لأنه فعل ذلك بجارية من الأنصار فقد قتل من قتل بالمثقل قودا مع أنه لم يتكرر منه وقال في الذي يعمل عمل قوم لوط: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " ولم يعتبر التكرر وكذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجما أو حرقا أو غير ذلك مع عدم التكرر. وإذا كانت الأصول المنصوصة أو المجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين المرة الواحدة والمرات المتعددة كان الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم بلا أصل ولا نضير له بل على خلاف الأصول الكلية وذلك غير جائز. يوضح ذلك: أن ما ينقض الإيمان من الأقوال يستوي فيه واحده وكثيره وإن لم يصرح بالكفر كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول مرة واحدة فإنه كما لو صرح بتكذيب الرسول وكذلك ما ينقض الإيمان من الأقوال لو صرح به وقال: "قد نقضت العهد وبرئت من ذمتك" انتقض عهده بذلك وإن لم يكرره فكذلك ما يستلزم ذلك من السب والطعن في الدين ونحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير. الوجه الرابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال والأفعال فإما أن يقتل لأن جنسها مبيح للدم أو لأن المبيح قدر مخصوص فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فما حد ذلك المقدار المبيح للدم؟ وليس لأحد أن يحد في ذلك حدا إلا بنص أو إجماع أو قياس عند من يرى القياس في المقدرات والثلاثة منفية في مثل هذا فإنه ليس في الأصول قول أو فعل يبيح الدم منه عدد مخصوص فلا يبيحه أقل منه ولا ينتقض هذا بالإقرار في الزنا فإنه لا يثبت إلا بأربع مرات عند من يقول به أو القتل بالقسامة فإنه لا يثبت إلا بعد خمسين يمينا عند من يرى القود بها أو رجم الملاعنة فإنه لا يثبت إلا بعد أن يشهد الزوج

стр. 89

أربع مرات عند من يرى أنها ترجم بشهادة الزوج إذا نكلت لأن المبيح للدم ليس هو الإقرار ولا الأيمان وإنما المبيح فعل الزنا أو فعل القتل وإنما الإقرار والأيمان حجة ودليل على ثبوت ذلك ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نصب محدودة وإنما قلنا: "إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع وإنما الحكم معلق بجنسه". الوجه الخامس: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدا يجب فعله أو تعزيزا يرجع إلى رأي الإمام فإن كان الأول فلا بد من تحديد موجبه ولا حد له إلا تعليقه بالجنس إذ القول بما سوى ذلك تحكم وإن كان الثاني فليس في الأصول تعزير بالقتل فلا يجوز إثباته إلا بدليل يخصه والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث " تدل على ذلك أيضا. الوجه الثاني من الاستدلال به: أن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين: محمد بن مسلمة وأبا نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي ﷺ أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد آمنوه ووافقوه ثم يقتلوه ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه وكلمه على ذلك صار مستأمنا قال النبي ﷺ فيما رواه عنه عمرو بن الحمق: "من آمن رجل على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريء وإن كان المقتول كافرا " رواه الإمام أحمد وابن ماجه. وعن سليمان بن صرد عن النبي ﷺ قال: "إذا آمنك الرجل على دمه فلا تقتله " رواه ابن ماجه.

стр. 90

وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " الأمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن " رواه أبو داود وغيره. وقد زعم الخطابي أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة لكن يقال: هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله ومن حل قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمان ولا عهد كما لو آمن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل أو آمن من وجب قتله لأجل زناه أو آمن من وجب قتله لأجل الردة أو لأجل ترك أركان الإسلام ونحو ذلك ولا يجوز أن يعقد له عقد عهد سواء كان عقد أمان أو عقد هدنة أو عقد ذمة لأن قتله حد من الحدود وليس قتله لمجرد كونه كافرا حربيا كما سيأتي وأما الإغارة والبيات فليس هناك قول أو فعل صاروا به آمنين ولا اعتقدوا أنهم قد أومنوا بخلاف قصة كعب بن الأشرف فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يحقن معه الدم بالأمان فأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة المؤقتة بطريق الأولى فإن الأمان يجوز عقده لكل كافر ويعقده كل مسلم ولا يشرط على المستأمن شيء من الشروط والذمة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه ولا يعقد إلا بشروط كثيرة تشترط على أهل الذمة: من التزام الصغار ونحوه وقد كان عرضت لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف فظن أن دم مثل هذا يعصم بذمة متقدمة أو بظاهر أمان وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء

стр. 91

حتى ظن أن العهد لا ينتقض بذلك فروى ابن وهب: أخبرني سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد أخي سفيان بنى سعيد الثوري عن أبيه عن عباية قال: ذكر قتل ابن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرا فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول الله ﷺ ثم لا تنكر؟ والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا ولا يخلوا لي دم هذا إلا قتلته. وقال الواقدي: حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النظري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدرا ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير فقال: يا مروان أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد وأما أنت يا ابن يامين فالله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر وإلا لم ينزل فبينا محمد في جنازة وابن يامين في البقيع فرأى محمد يغشى عليه جرائد يظنه لا يراه فعاجله فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك فقام إليه فلم يزل بضربه به جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا ثم أرسله ولا طباخ به ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به. فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن إسحاق قال: حدثني مولى لزيد بن ثابت حدثتني ابنة محيصة عن أبيها محيصة أن رسول الله ﷺ قال: " من ظفرتم به من رجال

стр. 92

يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذا ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله فوالله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك فقال حويصة: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب. وقال الواقدي بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله ﷺ : " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فخافت يهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطلقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت يهود ومن معها من المشركين وساق القصة كما تقدم عنه. فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين وإلا لما أمر بقتل من صودف منهم ويدل هذا على أن العهد الذي كتبه النبي ﷺ بينه وبين اليهود كان بعد قتل بن الأشرف وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدا. قلنا: إنما أمر النبي ﷺ بقتل من ظفر به منهم لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم وقد تقدم أنه قال: ما عندكم؟ يعني في النبي ﷺ قالوا: عداوته ما حيينا وكانوا مقيمين خارج المدينة فعظم عليهم قتله وكان مما يهيجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد نقض العهد انتصارهم للمقتول وذبهم عنه واما من قر فهو

стр. 93

مقيم على عهده المتقدم لأنه لم يظهر العداوة ولهذا لم يحاصرهم النبي ﷺ ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحده. وقد ذكر هو أيضا أن قتل ابن الأشرف في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأن غزوة بني قنيقاع كانت قبل ذلك في شوال سنة اثنتين بعد بدر بنحو شهر. وذكر أن الكتاب الذي وادع فيه النبي ﷺ اليهود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر وعلى هذا فيكون هذا كتابا ثانيا خاصا لبني النضير تجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين جميع اليهود لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة. وقد تقدم أن ابن الأشرف كان معاهدا وتقدم أيضا أن النبي ﷺ كتب الكتاب لما قدم المدينة في أوائل الأمر والقصة تدل على ذلك وإلا لما جاء اليهود إلى النبي ﷺ وشكوا إليه قتل صاحبهم ولو كانوا محاربين لم يستنكروا قتله وكلهم ذكر أن قتل ابن الأشرف كان بعد بدر وأن معاهدة النبي ﷺ كانت قبل بدر كما ذكره الواقدي. قال ابن إسحاق: "وكان فيما بين ذلك من غزو النبي ﷺ أمر بني قينقاع يعني فيما بين بدر وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى الأولى وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد". الحديث الرابع: ما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سب نبيا قتل ومن سب أصحابه جلد " رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم الأرجي ورواه أبو ذر الهروي

стр. 94

ولفظه: " من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاجلدوه ". وهذا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة قال: ثنا عبد الله بن موسى بن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه وفي القلب منه حزازة فإن هذا الإسناد الشريف قد ركب عليه متون نكرة والمحدث به عن أهل البيت ضعيف فإن كان محفوظا فهو دليل على وجوب قتل من سب نبيا من الأنبياء وظاهره يدل على أنه يقتل من غير استتابة وأن القتل حد له. الحديث الخامس: ما روى عبد الله بن قدامى عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁ فقلت: أقتله؟ فانتهرني وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ رواه النسائي من حديث شعبة عن توبة العنبري عنه. وفي رواية لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه عن أبي برزة: "أن رجلا شتم أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: ويحك أو ويلك ما كانت لأحد بعد رسول الله ﷺ ". ورواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة قال: "كنت عند أبي بكر ﵁ فتغيظ على رجل فاشتد عليه فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه قال: فأذهبت كلمتي غضبه فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم قال: لا والله ما كانت لبشر بعد رسول الله ﷺ ".

стр. 95

قال أبو داود في مسائله: سمعت أبا عبد الله يسال عن حديث أبي بكر: "ما كانت لأحد بعد رسول الله ﷺ " فقال: لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث وفي رواية: بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس والنبي ﷺ كان له أن يقتل". وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي ﷺ جماعة من العلماء منهم أبو داود وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله بذلك وأخبره أنه لو أمره لقتله فقال أبو بكر: ليس هذا لأحد بعد النبي ﷺ . فعلم أن النبي ﷺ كان له أن يقتل من سبه ومن أغلظ له وأن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سببا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا يأمر بمعصية الله قط بل من أطاعه فقد أطاع الله. فقد تضمن الحديث خصيصتين لرسول الله ﷺ : إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله. والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ عليه. وهذا المعنى الثاني الذي كان لله باقي في حقه بعد موته فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد لأن حرمته بعد موته أكمل والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن.

стр. 96

وهذا الحديث يفيد أن سبه في الجملة يبيح القتل ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم. الحديث السادس: قصة العصماء بنت مروان ما روى عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ فقال: "من لي بها؟ " فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي ﷺ فقال: "لا ينتطح فيها عنزان ". وقد ذكر بعض أصحاب المغازي وغيرهم قصتها مبسوطة. قال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه أن عصماء بنت مروان من بني أمية بنت زيد كانت تحت يزيد بن زيد ابن حصن الخطمي وكانت تؤذي النبي ﷺ وتعيب الإسلام وتحرض على النبي ﷺ وقالت: فباست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرؤوس ... كما يرتجى مرق المنضج وقال عمير بن عدي الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: " اللهم إن لك عليّ نذرا لئن رددت رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها" ورسول الله ﷺ ببدر فلما رجع النبي ﷺ من بدر جاء عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها فحسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي ﷺ فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال: أقتلت بنت مروان؟ قال: نعم بأبي أنت

стр. 97

يا رسول الله وخشي عمير أن يكون أفتات على رسول الله ﷺ بقتلها فقال: هل عليّ في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من رسول الله ﷺ قال عمير: فالتفت النبي ﷺ إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي" فقال عمر بن الخطاب: "انظروا إلى هذا الأعمى الذي تسرى في طاعة الله" فقال: "لا تقل الأعمى ولكنه البصير ". فلما رجع عمير من عند رسول الله ﷺ وجد بنيها في جماعة يدفنونها فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلا من المدينة فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم فيكدوني جميعا ثم لا تنظرون والذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفا من قومهم فقال حسان بن ثابت يمدح عمير بن عدي. قال الواقدي: أنشدنا عبد الله بن الحارث: بني وائل وبني واقف ... وخطمة دون بني الخزرج متى ما ادعت أختكم ويحها ... بعولتها والمنايا تجي فهزت فتى ماجدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدما ... قبيل الصباح ولم تخرج فأورده الله برد الجنا ... ن جذلان في نعمة المولج قال عبد الله بن الحارث عن أبيه: وكان قتلها لخمس ليال بقين من رمضان مرجع النبي ﷺ من بدر.

стр. 98

وروى هذه القصة أخصر من هذا أبو أحمد العسكري ثم قال: كانت هذه المرأة تهجو النبي ﷺ وتؤذيه. وإنما خص النبي ﷺ العنز لأن العنز تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها. وذكر هذه القصة مختصرة محمد بن سعد في الطبقات. وقال أبو عبيد في الأموال: وكذلك كانت قصة عصماء اليهودية إنما قتلت لشتمها النبي ﷺ وهذه المرأة ليست هي التي قتلها سيدها الأعمى ولا اليهودية التي قتلت لأن هذه المرأة من بني أمية بن زيد أحد بطون الأنصار ولها زوج من بني خطمة ولهذا والله أعلم نسبت في حديث ابن عباس إلى بني خطمة والقاتل لها غير زوجها وكان لها بنون كبار وصغار نعم كان القاتل من قبيلة زوجها كما في الحديث. وقال محمد بن إسحاق: أقام مصعب بن عمير عند أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من الأوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت كان شاعرهم يسمعون منه ويعظمونه. فهذا الذي ذكره ابن إسحاق يصدق ما رواه الواقدي من تأخر ظهور الإسلام ببني خطمة والشعر المأثور عن حسان يوافق ذلك. وإنما سقنا القصة من راوية أهل المغازي مع ما في الواقدي من الضعف للشهرة هذه القصة عندهم مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي وأخبرهم بأحوالها وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه نعم هذا الباب يدخله خلط الروايات بعضها

стр. 99

ببعض حتى يطهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه وإنما سمع من كل واحد بعضها ولم يميزه ويدخله أخذ ذلك من الحديث المرسل والمقطوع وربما حدس الراوي بعض الأمور لقرائن استفادها من عدة جهات ويكثر من ذلك إكثارا ينسب لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط فلم يمكن الاحتجاج بما ينفرد به فأما الاستشهاد بحديثه والاعتضاد به فمما لا يمكن المنازعة فيه لا سيما في قصة تامة يخبر فيها باسم القاتل والمقتول وصورة الحال فإن الرجل وأمثاله أفضل ممن ارتفعوا في مثل هذا في كذب ووضع على أنا لم يثبت قتل الساب بمجرد هذا الحديث وإنما ذكرناه للتقوية والتوكيد وهذا مما يحصل ممن هو دون الواقدي. ووجه الدلالة أن هذه المرأة لم تقتل إلا لمجرد أذى النبي ﷺ وهجوه وهذا بين في قول ابن عباس: "هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ فقال: من لي بها " فعلم أنه أنما ندب إليها لأجل هجوها وكذلك في الحديث الآخر "فقال عمير حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددت رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها" وفي الحديث لما قال له قومه: "أنت قتلتها؟ " فقال: "نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فوالذي نفسي بيده لو قلتم جميعا ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم" فهذه مقدمة ومقدمة أخرى وهو أن شعرها ليس فيه تحريض على قتال النبي ﷺ حتى يقال: التحريض على القتال قتال وإنما فيه تحريض على ترك دينه وذم له ولمن اتبعه وأقصى غاية ذلك أن لا يدخل في الإسلام من لم يكن دخل أو أن يخرج عنه من دخل فيه وهذا شأن كل ساب. يبين ذلك أنها هجته بالمدينة وقد أسلم أكثر قبائلها وصار المسلم بها

стр. 100

أعز من الكافر ومعلوم أن الساب في مثل هذه الحال لا يقصد أن يقاتل الرسول وأصحابه وإنما يقصد إغاظتهم وأن لا يتابعوا. وأيضا فانها لم تكن تطمع في التحريض على القتال فإنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن جميع قبائل الأوس والخزرج لم يكن فيهم من يقاتل النبي ﷺ بيد ولا لسان ولا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك وإنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن إتباعه أو أن يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة ونحو ذلك مما فيه تخذيل عنه وحض على الكفر به لا على قتاله على أن الهجاء إن كان من نوع القتال فيجب انتقاض العهد به ويقتل به الذمي فإنه إذا قاتل انتقض عهده لأن العهد اقتضى الكف عن القتال فإذا قاتل بيد أو لسان فقد فعل ما يناقض العهد وليس بعد القتال غاية في نكث العهد. إذا تبين ذلك فمن المعلوم من سيرة النبي ﷺ الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه ﷺ لما قدم بالمدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس والخزرج فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه وكان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون ومنهم الباقي على دينه وهو متروك لا يحارب ولا يحارب وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي ﷺ على حلفهم. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين إلا بني خطمة وبني واقف وبني وائل كانوا آخر الأنصار إسلاما وحول المدينة حلفاء

стр. 101

الأنصار كانوا يستظهرون بهم في حربهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين من عادى الإسلام. وكذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان وابن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله في قصة ابن الأشرف قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا وكان رسول الله ﷺ قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة والحصون ومنهم حلفاء للحيين جميعا الأوس والخزرج فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا ومن المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض. فإذا كان النبي ﷺ قد أقرهم كانت هذه المرأة من المعاهدين وكان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه يقول بلسانه ما ليس في قلبه وكان الإسلام والإيمان يفشوا في بطون الأنصار بطنا بعد بطن حتى لم يبق فيهم مظهر للكفر بل صاروا إما مؤمنا أو منافقا وكان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادع مهادن أو هو أحسن حالا من اليهود لما يرجى فيه من العصبية لقومه وأن يهوى هواهم ولا يرى أن يخرج عن جماعتهم وكان النبي ﷺ يعاملهم من الكف عنهم واحتمال أذاهم بأكثر مما يعامل به اليهود لما كان يرجوه منهم ويخاف من تغيير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم وهو في ذلك متبع قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

стр. 102

ثم إنه مع ندب الناس إلى قتل المرأة التي هجته وقال فيمن قتلها: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" فثبت بذلك أن هجاءه وذمه موجب للقتل غير الكفر وثبت أن الساب يجب قتله وإن كان من الحلفاء والمعاهدين ويقتل في الحال التي يحقن فيها دم من ساواه في غير السب لا سيما ولو لم تكن معاهدة فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل لأنه ﷺ رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" ونهى عن قتل النساء والصبيان ثم إنه أمر بقتل هذه المرأة ولم تقاتل بيدها فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز ولا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات بل القرآن وترتيب نزوله دليل على أنه لم يبح قط لأن أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم﴾ الآية فأباح للمؤمنين القتال دفعا عن نفوسهم وعقوبة لمن أخرجهم من ديارهم ومنعهم من توحيد الله وعبادته وليس للنساء في ذلك حظ. ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقا وفسره بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم﴾ الآية فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله والنساء لسن من أهل القتال فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة فإما أن يقال: "هجاؤها قتال" فهذا يفيدنا أن هجاء الذمي قتال فينقض العهد ويبيح الدم أو يقال: "ليس بقتال" وهو الأظهر لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض على القتال ولا كان لها رأي في الحرب فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل بمنزلة قطع الطريق عليهم ونحو ذلك يفيد أن السب موجب للقتل بوجوه.

стр. 103

أحدها: أنه لو لم يكن موجبا للقتل لما جاز قتل المرأة وإن كانت حربية لأن الحربية إذا لم تقاتل بيد ولا لسان لم يجز قتلها إلا بجناية موجبة للقتل وهذا ما أحسب فيه مخالفا لا سيما عند من يرى قتالها بمنزلة قتال الصائل. الثاني: أن هذه السابة كانت من المعاهدين ممن هو أحسن حالا من المعاهدين في ذلك الوقت فلو لم يكن السب موجبا لدمها لما قتلت ولما جاز قتلها ولهذا خاف الذي قتلها أن تتولد فتنة حتى قال النبي ﷺ "لا ينتطح فيها عنزان" مع أن انتطاحهما إنما هو كالتشام فبين ﷺ أنه لا يتحرك لذلك قليل من الفتن ولا كثير رحمة من الله بالمؤمنين ونصرا لرسوله ودينه فلو لم يكن هناك ما يحذر معه قتل هذه لولا الهجاء لما خيف هذا. الثالث: أن الحديث مصرح بأنها إنما قتلت لأجل ما ذكرته من الهجاء وأن سائر قومها تركوا إذ لم يهجوا وأنهم لو هجوا لفعل بهم كما فعل بها فظهر بذلك أن الهجاء موجب بنفسه للقتل سواء كان الهاجي حربيا أو مسلما أو معاهدا حتى يجوز أن يقتل لأجله من لا يقتله بدونه وإن كان الحربي المقاتل يجوز قتله من وجه آخر وذلك في المسلم ظاهر وأما في المعاهد فلأن الهجاء إذا أباح دم المرأة فهو كالقتال أو أسوأ حالا من القتال. الرابع: أن المسلمين كانوا ممنوعين قبل الهجرة وفي أوائل الهجرة من الابتداء بالقتال وكان قتل الكفار حينئذ محرما وهو من قتل النفس بغير حق كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال﴾ ولهذا أول ما أنزل من القرآن فيه نزل بالإباحة بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُون﴾ وهذا من

стр. 104

العلم العام بين أهل المعرفة بسيرة رسول الله ﷺ لا يخفى على أحد منهم أنه ﷺ كان قبل الهجرة وبعيدها ممنوعا عن الابتداء بالقتل والقتال ولهذا قال للأنصار الذين بايعوه ليلة العقبة لما استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى "إنه لم يؤذن لي في القتال" وذلك حينئذ بمنزلة الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال كنوح وهود وصالح وإبراهيم وعيسى بل كأكثر الأنبياء غير أنبياء بني إسرائيل. ثم إنه لم يقاتل أحدا من أهل المدينة ولم يأمر بقتل أحد من رؤوسهم الذين كانوا يجمعونهم على الكفر ولا من غيرهم والآيات التي نزلت إذ ذاك إنما تأمر بقتال الذين أخرجوهم وقاتلوهم ونحو ذلك وظاهر هذا أنه لم يؤذن لهم إذ ذاك في ابتداء قتل الكافرين من أهل المدينة فإن دوام إمساكه عنهم يدل على استحبابه أو وجوبه وهو في الوجوب أظهر لما ذكرنا لأن الإمساك كان واجبا والمغير لحاله لم يشمل أهل المدينة فيبقى على الوجوب المتقدم مع فعله ﷺ . قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله ﷺ في عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله ومن كف يده وعاهده كف عنه قال الله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ وكان القرآن ينسخ بعضه بعضا فإذا نزلت آية نسخت التي قبلها وعمل بالتي أنزلت وبلغت الأولى منتهى العمل بها وكان ما قد عمل بها قبل ذلك طاعة لله حتى نزلت براءة وإذا أمر بقتل هذه المرأة التي هجته ولم يؤذن له في قتل قبيلتها الكافرين علم

стр. 105

أن السب موجب للقتل وإن كان هناك ما يمنع القتال لولا السبب كالعهد والأنوثة ومنع قتل الكافر الممسك أو عدم إباحته. وهذا وجه حسن دقيق فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع ولا أوقات الشريعة الواحدة كالقتل قودا فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول وكان دم الكافر في أول الإسلام معصوما بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتاله ودماء هؤلاء القوم كدم القبطي الذي قتله موسى وكدم الكافر الذي لم تبلغه الدعوة في زماننا أو أحسن حالا من ذلك وقد عد موسى ذلك ذنبا في الدنيا والآخرة مع أن قتله كان خطأ شبه عمد أو خطأ محضا ولم يكن عمدا محضا. فظاهر سيرة نبيا وظاهر ما أذن له فيه أن حال أهل المدينة إذ ذاك ممن لم يسلم كانت كهذه الحال فإذا قتل المرأة التي هجته من هؤلاء وليسوا عنده محاربين بحيث يجوز قتالهم مطلقا كان قتل المرأة التي تهجوه من أهل الذمة بهذه المثابة وأولى لأن هذه قد عاهدناها على أن لا تسب وعلى أن تكون صاغرة وتلك لم نعاهدها على شيء. الحديث السابع: قصة أبي عفك اليهودي ذكرها أهل المغازي والسير. قال الواقدي: ثنا شعبة بن محمد عن عمارة بن غزية وحدثناه أبو مصعب إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت عن أشياخه قالا: إن شيخا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك وكان شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة حين قدم النبي ﷺ المدينة كان يحرض على عداوة النبي ﷺ ولم يدخل في الإسلام فلما خرج رسول

стр. 106

الله ﷺ إلى بدر ظفره الله بما ظفره فحسده وبغى فقال وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي ﷺ وذم من اتبعه أعظم ما فيها قوله: فيسلبهم أمرهم راكب ... حراما حلالا لشتى معا قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه. وبه ذكر محمد بن سعد أنه كان يهوديا وقد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم كانوا قد عاهدوا ثم إنه لما هجا وأظهر الذم قتل. قال الواقدي عن ابن رقش: قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا وهذا قديم قبل قتل ابن الأشرف وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر السب ينتقض عهده ويقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي وهو يصلح أن يكون مؤيدا مؤكدا بلا تردد. الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي وهو مشهور عند أهل السيرة ذكره ابن إسحاق والواقدي وغيرهما. قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن محجن بن وهب قال: كان آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله ﵊ فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه

стр. 107

فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها. قال الواقدي: حدثني حرام بن هشام بن خالد الكعبي عن أبيه قال: وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم وذكر قصة فيها إنشاد القصيدة التى أولها: لا هم إني ناشد محمدا ... ... ... ... قال: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك فندر رسول الله ﷺ دمه فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ مما بلغه عنه فقال وذكر قصيدة فيها مدح لرسول الله ﷺ أولها: أنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديها وقال لك: اشهد فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل سكن من تهام ومنجد ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي سوى أنني قد قلت: يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد ويقول فيها: فإني لا عرضا خرقت ولا دما ... هرقت ففكر عالم الحق واقصد قال الواقدي: أنشدنيها حرام وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 108

قصيدته هذه واعتذاره وكلمه نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا من لم يعادك ويؤذك؟ ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك وقد كذب عليه الركب وأكثروا عندك فقال دع الركب عنك فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ولا بعيد كان أبر من خزاعة فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله ﷺ قد عفوت عنه قال نوفل: فداك أبي وأمي. وقال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم حين قدم على رسول الله ﷺ يستنصره ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله ﷺ وأنشد تلك القصيدة وفيها: وتعلم أن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد فوجه الدلالة أن النبي ﷺ كان قد صالح قريشا وهادنهم عام الحديبية عشر سنين ودخلت خزاعة في عقده وكان أكثرهم مسلمين وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم ودخلت بنو بكر في عهد قريش فصار هؤلاء كلهم معاهدين وهذا مما تواتر به النقل ولم يختلف فيه أهل العلم. ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي ﷺ على ما قيل عنه فشجه بعض خزاعة ثم أخبروا النبي ﷺ أنه هجاه يقصدون بذلك إغراءه ببني بكر فندر رسول الله ﷺ دمه أي أهدره

стр. 109

ولم يندر دم غيره فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي ﷺ من المعاهدة مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك. ثم إن النبي ﷺ ندر دمه لذلك مع أن هجاءه كان حال العهد وهذا النص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه. ثم إنه لما قدم أسلم في شعره ولهذا عدوه من أصحاب النبي ﷺ وقوله: "تعلم رسول الله" "تعلم رسول الله" "ونبي رسول الله" دليل على أنه أسلم قبل ذلك أو هذا وحده إسلام منه فإن الوثني إذا قال: "محمد رسول الله" حكم بإسلامه ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي ﷺ ورد شهادة أولئك بأنهم أعداء له لما بين القبيلتين من الدماء والحرب فلو لم يكن ما فعله مبيحا لدمه لما احتاج إلى شيء من ذلك. ثم إنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه لرسول الله ﷺ إنما طلب العفو من النبي ﷺ عن إهدار دمه والعفو إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبي ﷺ كان له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلما معتذرا وإنما عفا عنه حلما وكرما. ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية هو الذي شفع له إلى النبي ﷺ وقد ذكر عامة أهل السير أن نوفلا هذا هو رأس المتكبرين الذين عدوا على خزاعة وقتلوهم وأعانتهم قريش على ذلك وبسبب ذلك انتقض عهد قريش وبني بكر ثم إنه أسلم قبل الفتح حتى صار يشفع في الذي هجا النبي ﷺ فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال بحيث إذا نقض قوم العهد بالقتال وآخر هجا ثم أسلما

стр. 110

عصم دم الذي قاتل وجاز الانتقام من الهاجي ولهذا قرن هذا الرجل خرق العرض بسفك الدم فعلم أن كليهما موجب للقتل وأن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك دماء المسلمين والمعاهدين. ومما يوضح هذا أن النبي ﷺ لم يهدر دم أحد من بني بكر الناقضين العهد بعينه وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة لم يكن عهد جزية وذمة والمهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما شاء من منكرات الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب فعلم أن الهجاء من جنس الحرب وأغلظ منه وأن الهاجي لا ذمة له. الحديث التاسع: قصة ابن أبي سرح وهي مما اتفق عليها أهل العلم واستفاضت عندهم استفاضة تستغنى عن رواية الآحاد وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد العدل فنذكرها مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها: عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: " لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " رواه أبو داود بإسناد صحيح.
следующие страницы →