Полный текст (591 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الله ﷺ إلى بدر ظفره الله بما ظفره فحسده وبغى فقال وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي ﷺ وذم من اتبعه أعظم ما فيها قوله:
فيسلبهم أمرهم راكب ... حراما حلالا لشتى معا
قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه.
وبه ذكر محمد بن سعد أنه كان يهوديا وقد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم كانوا قد عاهدوا ثم إنه لما هجا وأظهر الذم قتل.
قال الواقدي عن ابن رقش: قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا وهذا قديم قبل قتل ابن الأشرف وهذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر السب ينتقض عهده ويقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي وهو يصلح أن يكون مؤيدا مؤكدا بلا تردد.
الحديث الثامن: حديث أنس بن زنيم الديلي وهو مشهور عند أهل السيرة ذكره ابن إسحاق والواقدي وغيرهما.
قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن محجن بن وهب قال: كان آخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله ﵊ فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه
стр. 107
فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها.
قال الواقدي: حدثني حرام بن هشام بن خالد الكعبي عن أبيه قال: وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة يستنصرون رسول الله ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم وذكر قصة فيها إنشاد القصيدة التى أولها:
لا هم إني ناشد محمدا ... ... ... ...
قال: فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك فندر رسول الله ﷺ دمه فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ مما بلغه عنه فقال وذكر قصيدة فيها مدح لرسول الله ﷺ أولها:
أنت الذي تهدى معد بأمره ... بل الله يهديها وقال لك: اشهد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل سكن من تهام ومنجد
ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلي إذا يدي
سوى أنني قد قلت: يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد
ويقول فيها:
فإني لا عرضا خرقت ولا دما ... هرقت ففكر عالم الحق واقصد
قال الواقدي: أنشدنيها حرام وبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 108
قصيدته هذه واعتذاره وكلمه نوفل بن معاوية الديلي فقال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو ومن منا من لم يعادك ويؤذك؟ ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك وقد كذب عليه الركب وأكثروا عندك فقال دع الركب عنك فإنا لم نجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب ولا بعيد كان أبر من خزاعة فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله ﷺ قد عفوت عنه قال نوفل: فداك أبي وأمي.
وقال ابن إسحاق: وقال أنس بن زنيم يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم حين قدم على رسول الله ﷺ يستنصره ويذكر أنهم قد نالوا من رسول الله ﷺ وأنشد تلك القصيدة وفيها:
وتعلم أن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد
فوجه الدلالة أن النبي ﷺ كان قد صالح قريشا وهادنهم عام الحديبية عشر سنين ودخلت خزاعة في عقده وكان أكثرهم مسلمين وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم ودخلت بنو بكر في عهد قريش فصار هؤلاء كلهم معاهدين وهذا مما تواتر به النقل ولم يختلف فيه أهل العلم.
ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي ﷺ على ما قيل عنه فشجه بعض خزاعة ثم أخبروا النبي ﷺ أنه هجاه يقصدون بذلك إغراءه ببني بكر فندر رسول الله ﷺ دمه أي أهدره
стр. 109
ولم يندر دم غيره فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي ﷺ من المعاهدة مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك.
ثم إن النبي ﷺ ندر دمه لذلك مع أن هجاءه كان حال العهد وهذا النص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه.
ثم إنه لما قدم أسلم في شعره ولهذا عدوه من أصحاب النبي ﷺ وقوله: "تعلم رسول الله" "تعلم رسول الله" "ونبي رسول الله" دليل على أنه أسلم قبل ذلك أو هذا وحده إسلام منه فإن الوثني إذا قال: "محمد رسول الله" حكم بإسلامه ومع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي ﷺ ورد شهادة أولئك بأنهم أعداء له لما بين القبيلتين من الدماء والحرب فلو لم يكن ما فعله مبيحا لدمه لما احتاج إلى شيء من ذلك.
ثم إنه بعد إسلامه واعتذاره وتكذيب المخبرين ومدحه لرسول الله ﷺ إنما طلب العفو من النبي ﷺ عن إهدار دمه والعفو إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبي ﷺ كان له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلما معتذرا وإنما عفا عنه حلما وكرما.
ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية هو الذي شفع له إلى النبي ﷺ وقد ذكر عامة أهل السير أن نوفلا هذا هو رأس المتكبرين الذين عدوا على خزاعة وقتلوهم وأعانتهم قريش على ذلك وبسبب ذلك انتقض عهد قريش وبني بكر ثم إنه أسلم قبل الفتح حتى صار يشفع في الذي هجا النبي ﷺ فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال بحيث إذا نقض قوم العهد بالقتال وآخر هجا ثم أسلما
стр. 110
عصم دم الذي قاتل وجاز الانتقام من الهاجي ولهذا قرن هذا الرجل خرق العرض بسفك الدم فعلم أن كليهما موجب للقتل وأن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك دماء المسلمين والمعاهدين.
ومما يوضح هذا أن النبي ﷺ لم يهدر دم أحد من بني بكر الناقضين العهد بعينه وإنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة وموادعة لم يكن عهد جزية وذمة والمهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما شاء من منكرات الأقوال والأفعال المتعلقة بدينه ودنياه ولا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب فعلم أن الهجاء من جنس الحرب وأغلظ منه وأن الهاجي لا ذمة له.
الحديث التاسع: قصة ابن أبي سرح وهي مما اتفق عليها أهل العلم واستفاضت عندهم استفاضة تستغنى عن رواية الآحاد وذلك أثبت وأقوى مما رواه الواحد العدل فنذكرها مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها:
عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: " لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين " رواه أبو داود بإسناد صحيح.
стр. 111
وراوه النسائي كذلك بأبسط من هذا عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ إلا أربعة نفر وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.
فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حارث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله.
وأما مقيس بن حبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه.
وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمد حتى أضع يدي في يده ولأجدنه عفوا كريما فجاء وأسلم.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود.
وعن عبد الله بن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله ﷺ رواه أبو داود.
وروى محمد بن سعد في الطبقات عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح وفرتني وابن الزبعري وابن خطل فأتاه أبو بردة وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر
стр. 112
بطنه وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله فجاء عثمان وكان أخاه من الرضاعة فشفع له إلى رسول الله ﷺ وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينظر إلى النبي ﷺ متى يومئ إليه أن يقتله فشفع له عثمان حتى تركه ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: "هلا وفيت بنذرك" فقال: يا رسول الله وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومئ فأقتله فقال النبي ﷺ : "ليس لنبي أن يومئ".
وقال محمد بن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله ﷺ حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا نفرا قد سماهم رسول الله ﷺ وقال: "اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة " عبد الله بن خطل وعبد الله بابن أبي سرح وإنما أمر بابن أبي سرح لأنه كان قد أسلم فكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي فرجع مشركا ولحق بمكة فكان يقول: لهم إني لأصرفه كيف شئت أنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له: أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله ﷺ كان يقول: "عليم حليم" فيقول له: أو أكتب "عزيز حكيم" فيقول له رسول الله ﷺ : كلاهما سواء.
قال ابن إسحاق: حدثني شرحبيل بن سعد أن فيه نزلت: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فلما دخل رسول الله ﷺ مكة فر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن
стр. 113
أهل مكة فأتى رسول الله ﷺ فاستأمن له فصمت رسول الله ﷺ طويلا وهو واقف عليه ثم قال: " نعم" فانصرف به فلما ولى قال رسول الله ﷺ : "ما صمت إلا رجاء أن يقوم إليه بعضكم فيقتله" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ألا أومأت إلي فأقتله فقال رسول الله ﷺ : "إن النبي لا يقتل بالإشارة ".
وقال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدثني بعض علمائنا أن ابن أبي سرح رجع إلى قريش فقال: والله لو أشاء لقلت كما يقول محمد وجئت بمثل ما يأتي به إنه ليقول الشيء وأصرفه إلى شيء فيقول: أصبت ففيه أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فلذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله.
قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح قال: كان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا أحدا قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه كان أسلم وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي فارتد مشركا راجعا إلى قريش فقال: والله إني لأصرفه حيث أريد إنه ليملي علي فأقول أو كذا أو كذا فيقول: نعم وذلك أن رسول الله ﷺ كان يملي عليه فيقول: "عزيز حكيم" أو "حكيم حليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: "كل صواب".
وروينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح قال: فدخل
стр. 114
رسول الله ﷺ فأمر أصحابه بالكف وقال: "كفوا السلاح" إلا خزاعة من بكر ساعة ثم أمرهم فكفوا فآمن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح وابن خطل ومقيس الكناني وامرأة أخرى ثم قال النبي ﷺ : "إني لم أحرم مكة ولكن الله حرمها وإنها لم تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد بعدي إلى يوم القيامة وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار" قال ثم جاء عثمان بن عفان بابن أبي سرح فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه من ناحية أخرى فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه أيضا فقال: بايعه يا رسول الله فمد يده فبايعه فقال رسول الله ﷺ : "لقد أعرضت عنه واني لأظن بعضكم سيقتله" فقال رجل من الأنصار: فهلا أومضت إلي يا رسول الله فقال: "إن النبي لا يومض" فكأنه رآه غدرا.
وفي مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحويرث بن نقيد وابن خطل ومقيس بن حبابة أحد بني ليث وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ثم قال: ويقال أمر رسول الله ﷺ في قتل النفر وأن يقتل عبد الله بن أبي سرح وكان ارتد بعد الهجرة كافرا فاختبأ حتى اطمأن الناس ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله ﷺ فأعرض عنه ليقوم رجل من أصحابه فيقتله فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي في نفس رسول الله ﷺ فقال أحدهم: لو أشرت إلي يا رسول الله ضربت عنقه فقال "إن النبي لا يفعل ذلك" ويقال: أجاره
стр. 115
عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها.
وذكر محمد بن عائد في مغازيه هذه القصة مثل ذلك.
وذكر الواقدي عن أشياخه قالوا: وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فربما أملى عليه رسول الله ﷺ "سميع عليم" فيكتب "عليم حكيم" فيقرأه رسول الله ﷺ فيقول: كذاك قال الله ويقرأه فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقوله إني لأكتب له ما شئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا أخي إني والله أستجير بك فاحبسني ها هنا واذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رآني ضرب الذي فيه عيناي إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا فقال عثمان: بل اذهب معي قال عبد الله: والله لئن رآني ليضربن عنقي ولا ينظرني قد أهدر دمي وأصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله فلم يرع رسول الله ﷺ إلا عثمان آخذا بيد عبد الله بن سعد ابن أبي سرح واقفين بين يديه فأقبل عثمان على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتفطمه وكانت تلطفني وتتركه فهبه لي فأعرض رسول الله ﷺ وجعل عثمان كلما أعرض عنه رسول الله ﷺ بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام وإنما أعرض النبي ﷺ إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله ﷺ يقبل رأسه وهو يقول:
стр. 116
يا رسول الله بايعه فداك أبي وأمي فقال النبي ﷺ : نعم ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله أو قال الفاسق فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه ويقال: قال هذا أبو اليسر ويقال: عمر بن الخطاب فقال رسول الله ﷺ " إني لا أقتل بالإشارة ".
وقائل يقول: إن النبي ﷺ قال يومئذ: " إن النبي لا تكون له خائنة الأعين ".
فبايعه رسول الله ﷺ فجعل يفر من رسول الله ﷺ كلما رآه فقال عثمان لرسول الله ﷺ : بأبي وأمي لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله ﷺ فقال: "ألم أبايعه وأومنه؟ " قال: بلى يا رسول الله ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام فقال النبي ﷺ : "الإسلام يجب ما كان قبله" فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره فكان يأتي فيسلم على النبي ﷺ مع الناس.
فوجه الدلالة أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي ﷺ أنه كان يتمم له الوحي ويكتب له ما يريد فيوافقه عليه وأنه يصرفه حيث شاء ويغير ما أمره به من الوحي فيقره على ذلك وزعم أنه سينزل مثل ما أنزل الله إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله ﷺ وهذا الطعن على رسول الله ﷺ وعلى كتابه والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرد الكفر به والردة في الدين وهو من أنواع السب.
стр. 117
وكذلك ما افترى عليه كاتب آخر مثل هذه الفرية قصمه الله وعاقبه عقوبة خارجة عن العادة ليتبين لكل أحد افتراؤه إذ كان مثل هذا يوجب في القلوب المريضة ريبا بأن يقول القائل: كاتبه أعلم الناس بباطنه وبحقيقة أمره وقد أخبر عنه بما أخبر فمن نصر الله لرسوله أن أظهر فيه آية يبين بها أنه مفتر.
روى البخاري في صحيحه عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: "كان رجلا نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له واعمقوا في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه".
ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: "كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي ﷺ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال: فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا".
فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارا وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا
стр. 118
وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد.
ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذ تعرض أهله لسب رسول الله ﷺ والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحة وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة ويكون فيهم ملحمة عظيمة قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوا فيه.
وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده وتارة بأيدي عباده المؤمنين.
وكذلك لما تمكن النبي ﷺ من ابن أبي سرح أهدر دمه لما طعن في النبوة وافترى عليه الكذب مع أنه قد آمن جميع أهل مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشد المحاربة ومع أن السنة في المرتد أنه لا يقتل حتى يستتاب إما وجوبا أو استحبابا.
وسنذكر إن شاء الله أن جماعة ارتدوا على عهد النبي ﷺ ثم دعوا إلى التوبة وعرضت عليهم حتى تابوا وقبلت توبتهم.
وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على الرسول ﷺ الساب له أعظم من جرم المرتد
стр. 119
ثم إن إباحة النبي ﷺ دمه بعد مجيئه تائبا مسلما وقوله: "هلا قتلتموه" ثم عفوه عنه بعد ذلك دليل على أن النبي ﷺ كان له أن يقتله وأن يعفو عنه ويعصم دمه وهو دليل على أن له ﷺ أن يقتل من سبه وإن تاب وعاد إلى الإسلام.
يوضح ذلك أشياء:
منها: أنه قد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة وكذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي ﷺ بها وقد تقدم عنه أنه قال لعثمان قبل أن يقدم به على النبي ﷺ : إن جرمي أعظم الجرم وقد جئت تائبا وتوبة المرتد إسلامه.
ثم إنه جاء إلى النبي ﷺ بعد الفتح وهدوء الناس وبعد ما تاب فأراد النبي ﷺ من المسلمين أن يقتلوه حينئذ وتربص زمانا ينتظر فيه قتله ويظن أن بعضهم سيقتله وهذا دليل واضح على جواز قتله بعد إسلامه.
وكذلك لما قال له عثمان: إنه يفر منك كلما رآك قال: "ألم أبايعه وأومنه" قال: بلى ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام فقال: "الإسلام يجب ما قبله" فبين النبي ﷺ أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان وأن الإثم زال بالإسلام فعلم أن الساب إذا عاد إلى الإسلام جب الإسلام إثم السب وبقي قتله جائزا حتى يوجد إسقاط القتل ممن يملكه إن كان ممكنا.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذا في موضعه فإن غرضنا هنا أن
стр. 120
نبين أن مجرد الطعن على رسول الله ﷺ والوقيعة فيه يوجب القتل في الحال التي لا يقتل فيه لمجرد الردة وإذا كان ذلك موجبا للقتل استوى فيه المسلم والذمي ولأن كل ما يوجب القتل سوى الردة يستوي فيه المسلم والذمي.
وفي كتمان الصحابة لابن أبي سرح ولإحدى القينتين دليل على أن النبي ﷺ لم يوجب قتلهم وإنما أباحه مع جواز عفوه عنهم وفي ذلك دليل على أنه كان مخيرا بين القتل والعفو وهذا يؤيد أن القتل كان لحق النبي ﷺ .
واعلم أن افتراء ابن أبي سرح والكاتب الآخر النصراني على رسول الله ﷺ بأنه كان يتعلم منهما افتراء ظاهر.
وكذلك قوله: "إني لأصرفه كيف شئت إنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له أو كذا أو كذا فيقول نعم" فرية ظاهرة فإن النبي ﷺ كان لا يكتبه إلا ما أنزله الله ولا يأمره أن يكتب قرآنا إلا ما أوحاه الله إليه ولا ينصرف له كيف شاء بل ينصرف كما يشاء الله.
وكذلك قوله: "إني لأكتب له ماشئت هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد وإن محمدا إذا كان يتعلم مني فإني سأنزل مثل ما أنزل الله" فرية ظاهرة فإن النبي ﷺ لم يكن يكتبه ما شاء ولا كان يوحى إليه شيء.
وكذلك قول النصراني: "ما يدري محمد إلا ما كتبت له" من هذا القبيل وعلى هذا الافتراء حاق به العذاب واستوجب العقاب.
ثم اختلف أهل العلم: هل كان النبي ﷺ أقره على أن
стр. 121
يكتب شيئا غير ما ابتدأه النبي ﷺ بإكتابه؟ وهل قال له شيئا؟ على قولين:
أحدهما: أن النصراني وابن أبي سرح افتريا على رسول الله ﷺ ذلك كله وأنه لم يصدر منه قول فيه إقرار على كتابة غير ما قاله أصلا وإنما لما زين لهما الشيطان الردة افتريا عليه لينفرا عنه الناس ويكون قبول ذلك منهما متوجها لأنهما فارقاه بعد خبرة وذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع النبي ﷺ يقول له: هذا الذي قلته أو كتبته صواب وإنما هو حال الردة أخبر أنه قال له ذلك وهو إذ ذاك كافر عدو يفتري على الله ما هو أعظم من ذلك.
يبين ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني كان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي ﷺ ويغيره ويزيده وينقصه فظن أن عمدة النبي ﷺ على كتابته مع ما فيه من التبديل ولم يدر أن كتاب الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وأنه لا يغسله الماء وأن الله حافظ له وأن الله يقرئ نبيه فلا ينسى إلا ما شاء الله مما يريد رفعه ونسخ تلاوته وأن جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن كل عام وأن النبي ﷺ إذا نزل عليه آية أقرأها لعدد من المسلمين يتواتر نقل الآية بهم وأكثر من نقل هذه القصة من المفسرين ذكر أنه كان يملي عليه ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ فيكتب هو ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ وإذا قال: ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ كتب ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ وأشباه ذلك ولم يذكر أن النبي ﷺ قال له شيئا.
قالوا: وإذا كان الرجل قد علم أنه من أهل الفرية والكذب حتى أظهر الله كذبه آية بينة والروايات الصحيحة المشهورة لم تتضمن إلا أنه قال عن
стр. 122
النبي ﷺ ما قال أو أنه كتب ما شاء فقط علم أن النبي ﷺ لم يقل له شيئا.
قالوا: وما روي في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال فهو منقطع أو معلل ولعل قائله قاله بناء على أن الكاتب هو الذي قال ذلك ومثل هذا قد يلتبس الأمر فيه حتى يشتبه ما قاله النبي ﷺ وما قيل إنه قاله رد على هذا القول فلا سؤال.
القول الثاني: أن النبي ﷺ قال له شيئا فروى الإمام أحمد وغيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ فإذا أملى عليه ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ يقول: كتبت ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ قال: دعه وإذا أملى عليه "عليما حكيما" كتب "عليما حليما" قال حماد نحو ذا.
قال: وكان قد قرأ البقرة وآل عمران وكان من قرأهما فقد قرأ قرآنا كثيرا فذهب فتنصر وقال: لقد كنت أكتب لمحمد ما شئت فيقول: "دعه" فمات فدفن فنبذته الأرض مرتين أو ثلاثا قال أبو طلحة: فلقد رأيته منبوذا فوق الأرض رواه الإمام أحمد.
حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله ﷺ وقد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا يعني عظم فكان النبي ﷺ يملي عليه ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ فيكتب ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيقول له النبي ﷺ : اكتب كذا وكذا اكتب كيف شئت ويملي عليه ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ فيكتب ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فيقول: اكتب كيف شئت فارتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم بمحمد إن
стр. 123
كنت لأكتب ما شئت فمات ذلك الرجل فقال رسول الله ﷺ : "إن الأرض لا تقبله" قال أنس: فحدثني أبو طلحة "أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا قال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل؟ قالوا: قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض" فهذا إسناد صحيح.
وقد قال من ذهب إلى القول الأول: أعل البزار حديث ثابت عن أنس قال: رواه عنه ولم يتابع عليه ورواه حميد عن أنس قال وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت قالوا: ثم إن أنسا لم يذكر أنه سمع النبي ﷺ أو شهده يقول ذلك ولعله حكى ما سمع.
وفي هذا الكلام تكلف ظاهر والذي ذكرناه في حديث ابن إسحاق والواقدي وغيرهما موافق لظاهر هذه الرواية وكذلك ذكر طائفة من أهل التفسير وقد جاءت آثار فيها بيان صفة الحال على هذا القول ففي حديث ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله ﷺ كان يقول: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيقول: "أو أكتب عزيز حكيم" فيقول له رسول الله ﷺ : "نعم كلاهما سواء" وفي الرواية الأخرى: وذلك أن رسول الله ﷺ كان يملي عليه فيقول "عزيز حكيم أو حكيم عليم" فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: "كل صواب".
ففي هذا بيان لأن كلا الحرفين كان قد نزل وأن النبي ﷺ كان يقرأهما ويقول له: "اكتب كيف شئت من هذين الحرفين فكل صواب" وقد جاء مصرحا عن النبي ﷺ أنه قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف إن قلت عزيز حكيم أو غفور رحيم فهو كذلك ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة " وفي حرف جماعة من الصحابة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
стр. 124
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن تختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء الله على سبيل البدل يخير القارئ في القراءة بأيها شاء وكان النبي ﷺ يخيره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف وربما قرأها النبي ﷺ بحرف من الحروف فيقول له: "أو أكتب كذا وكذا" لكثرة ما سمع النبي ﷺ يخير بين الحرفين فيقول له النبي ﷺ : "نعم كلاهما سواء" لأن الآية نزلت بالحرفين وربما كتب هو أحد الحرفين ثم قرأه على النبي ﷺ فأقره عليه لأنه قد نزل كذلك أيضا وختم الآي بمثل ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ و ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ و ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أو بمثل ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أو ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أو ﴿عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ كثير في القرآن وكان نزول الآية على عدة من هذه الحروف أمرا معتادا ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف لما كان جبريل يعارض النبي ﷺ بالقرأن في كل رمضان وكانت العرضة الأخيرة هي حرف زيد بن ثابت الذي يقرأ الناس به اليوم وهو الذي جمع عثمان والصحابة ﵃ أجمعين عليه الناس ولهذا ذكر ابن عباس هذه القصة في الناسخ والمنسوخ وكذلك ذكرها الإمام أحمد في كتابه الناسخ والمنسوخ لتضمنها نسخ بعض الحروف.
وروى فيها وجه آخر رواه الإمام أحمد في الناسخ والمنسوخ: حدثنا مسكين ابن بكير ثنا معان قال: وسمعت أبا خلف يقول: كان ابن أبي سرح كتب للنبي ﷺ القرآن فكان ربما سأل النبي ﷺ عن خواتم الآي ﴿يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿يَفْعَلُونَ﴾ ونحو ذا فيقول له النبي صلى الله عليه
стр. 125
وسلم: "اكتب أي ذلك شئت" قال: فيوفقه الله للصواب من ذلك فأتى أهل مكة مرتدا فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كنت تكتب لابن أبي كبشة القرآن؟ قال: أكتبه كيف شئت قال: فأنزل الله في ذلك ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآية كلها.
قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما وجده وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ".
ففي هذا الأثر أنه كان يسأل النبي ﷺ عن حرفين جائزين فيقول له: "اكتب أي ذلك شئت" فيوفقه الله للصواب فيكتب أحب الحرفين إلى الله وكان كلاهما منزلا أو يكتب ما أنزله الله فقط إن لم يكن الآخر منزلا وكان هذا التخيير من النبي ﷺ إما توسعة إن كان الله قد أنزلهما أو ثقة بحفظ الله وعلما منه بأنه لا يكتب إلا ما أنزل وليس هذا ينكر في كتاب تولى الله حفظه وضمن أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وذكر بعضهم وجها ثالثا وهو أنه ربما كان يسمع النبي ﷺ يمله الآية حتى لم يبق منها إلا كلمة أو كلمتان فيستدل بما قرأ منها على باقيها كما يفعله الفطن الذكي فيكتبه ثم يقرأه على النبي ﷺ فيقول: "كذلك أنزلت" كما اتفق مثل ذلك لعمر في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ .
وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثل هذا في هذه القصة وإن كان هذا الإسناد ليس بثقة قال: عن ابن أبي سرح أنه كان تكلم بالإسلام وكان يكتب لرسول الله ﷺ في بعض الأحايين
стр. 126
فإذا أملى عليه ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ كتب ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيقول رسول الله ﷺ : "هذا أو ذاك سواء" فلما نزلت ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله: ﴿خَلْقاً آخَرَ﴾ عجب عبد الله بن سعد فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "كذا أنزلت علي فاكتبها" فشك حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال فنزلت هذه الآية.
ومما ضعفت به هذه الرواية أن المشهور أن الذي تكلم بهذا عمر بن الخطاب ﵁.
ومن الناس من قال قولا آخر قال: الذي ثبت في رواية أنس أنه كان يعرض على النبي ﷺ ما كتبه بعدما كتبه فيملي عليه ﴿سَمِيعاً عَلِيماً﴾ فيقول: كتبت ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فيقول: "دعه" أو "اكتب كيف شئت" وكذلك في حديث الواقدي أنه كان يقول: "كذاك أنزل الله" ويقره.
قالوا: وكان النبي ﷺ به حاجة إلى من يكتب لقلة الكتاب في الصحابة وعدم حضور الكتاب منهم في وقت الحاجة إليهم فإن العرب كان الغالب عليهم الأمية حتى إن كان الجو العظيم يطلب فيه كاتب فلا يوجد وكان أحدهم إذا أراد كتابة أو شقة وجد مشقة حتى يحصل له كاتب فإذا اتفق للنبي ﷺ من يكتب له انتهز الفرصة في كتابته فإذا زاد كاتب أو نقص تركه لحرصه على كتابة ما يمليه ولا يأمره بتغيير ذلك خوفا من ضجره وأن يقطع الكتابة قبل إتمامها ثقة منه ﷺ بأن تلك الكلمة أو الكلمتين تستدرك فيما بعد بالإلقاء
стр. 127
إلى من يتلقنها منه أو بكتابتها تعويلا على المحفوظ عنده وفي قلبه كما قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ .
والأشبه والله أعلم هو الوجه الأول وأن هذا كان فيما أنزل القرآن فيه على حروف عدة فإن القول المرضي عند علماء السلف الذي يدل عليه عامة الأحاديث وقراءات الصحابة أن المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه هو أحد الحروف السبعة وهو العرضة الأخيرة وأن الحروف الستة خارجة عن هذا المصحف وأن الحروف السبعة كانت تختلف الكلمة مع أن المعنى غير مختلف ولا متضاد.
الحديث العاشر: حديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي ﷺ ومولاة بني هاشم وذلك مشهور مستفيض عند أهل السير وقد تقدم في حديث سعيد بن المسيب أنه ﷺ "أمر بقتل فرتني".
وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم وأمر بقتل أربعة نفر قال: وأمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ثم قال: وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها.
وكذلك ذكر محمد بن عائد القرشي في مغازيه.
стр. 128
وقال ابن إسحاق في رواية ابن بكير عنه قال أبو عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله ﷺ حين دخل مكة وفرق جيوشه أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا نفرا قد سماهم رسول الله ﷺ وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة: عبد الله بن خطل" ثم قال: وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمر المولى يذبح له تيسا ويصنع له طعاما فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا وكانت له قينة صاحبتها قينة كانتا تغنيان بهجاء النبي ﷺ فأمر بقتلهما معه قال: ومقيس بن حبابة بقتله الأنصاري الذي قتل أخاه وسارت مولاة لبني عبد المطلب وكانت ممن يؤذيه بمكة.
وقال الأموي: حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة وقال: "إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم" وسماهم بأسمائهم ستة: ابن أبي سرح وابن خطل والحويرث بن معبد ومقيس بن حبابة ورجل من بني تيم بن غالب.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة فكتم اسم رجلين وأخبرني بأربعة قال: والنسوة قنيتا ابن خطل وسارة مولاة لبني عبد المطلب ثم قال: والقينتان كانتا تغنيان بهجائه وسارة مولاة أبي لهب كانت تؤذيه بلسانها.
وقال الواقدي عن أشياخه: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 129
عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة ثم عددهم قال: ابن خطل وسارة مولاة عمرو بن هشام وقينتين لابن خطل فرتني وقريبة ويقال: فرتني وأرنب.
ثم قال: وكان جرم ابن خطل أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول الله ﷺ ساعيا وبعث معه رجلا من خزاعة وكان يصنع طعامه ويخدمه فنزل في مجمع فأمره أن يصنع له طعاما ونام نصف النهار فاستيقظ والخزاعي نائم ولم يصنع له شيئا فاغتاظ عليه فضربه فلم يقلع عنه حتى قتله فلما قتله قال: والله ليقتلني محمد به إن جئته فارتد عن الإسلام وساق ما أخذه من الصدقة وهرب إلى مكة فقال له أهل مكة: ما ردك إلينا؟ قال: لم أجد دينا خيرا من دينكم فأقام على شركه فكانت له قينتان وكانتا فاسقتين وكان يقول الشعر يهجو فيه رسول الله ﷺ ويأمرهما تغنيان به فيدخل عليه وعلى قينتيه المشركون فيشربون الخمر وتغني القينتان بذلك الهجاء.
وكانت سارة مولاة عمرو بن هاشم مغنية نواحة بمكة فيلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به وكانت قد قدمت على رسول الله ﷺ تطلب أن يصلها وشكت الحاجة فقال رسول الله ﷺ : "ما كان لك في غنائك ونياحتك ما يكفيك؟ " فقالت: يا محمد إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا استماع الغناء فوصلها رسول الله ﷺ وأوقر لها بعيرا طعاما فرجعت إلى قريش وهي على دينها فأمر بها رسول الله ﷺ يوم الفتح أن تقتل فقتلت يومئذ.
وأما القينتان فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما فقتلت إحداهما
стр. 130
أرنب أو قريبة وأما فرتنى فاستؤمن لها حتى آمنت وعاشت حتى كسر ضلع من أضلاعها زمن عثمان ﵁ فماتت فقضى فيه عثمان ﵁ ثمانية آلاف درهم ديتها وألفين تغليظا للجرم.
وحديث القينتين مما اتفق عليه علماء السير واستفاض نقله استفاضة يستغنى بها عن رواية الواحد وحديث مولاة بني هاشم ذكره عامة أهل المغازي ومن له مزيد خبرة واطلاع وبعضهم لم يذكره.
فوجه الدلالة أن تعمد قتل المرأة لمجرد الكفر الأصلي لا يجوز بالإجماع وقد استفاضت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان.
وفي حديث آخر أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتلها وقال: "ما كانت هذه لتقاتل " ثم قال لأحدهم: " ألحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفا " رواه أبو داود وغيره.
وقد روى الإمام أحمد في المسند عن كعب بن مالك عن عمه أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر " نهى عن قتل النساء والصبيان" وهذا مشهور عند أهل السير.
وفي الحديث من رواية الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك: "ثم صعدوا إليه في علية فقرعوا عليه الباب فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي من العرب نريد الميرة ففتحت لهم فقالت: ذاك الرجل عندكم في البيت فغلقنا علينا وعليها باب الحجرة ونوهت بنا فصاحت وقد نهانا رسول الله ﷺ حين بعثنا عن قتل النساء والولدان فجعل الرجل
стр. 131
منا يحمل عليها السيف ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ عن قتل النساء فيمسك يده فلولا ذلك فرغنا منها بليل" وذكر الحديث.
وكذلك روى يونس بن بكير عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: حدثني عبد الله بن أنيس قال في الحديث: فقامت ففتحت فقلت لعبد الله بن عقيل: دونك فشهر عليها السيف فذهبت امرأته فشهرت عليها السيف وأذكر قول رسول الله ﷺ أنه نهانا عن قتل النساء والصبيان فأكف.
وكذلك رواه غير واحد عن ابن أنيس قال: فصاحت امرأته فهم بعضنا أن يخرج إليها ثم ذكرنا أن رسول الله ﷺ نهانا عن قتل النساء.
وهذه القصة كانت قبل فتح مكة بل قبل فتح خيبر أيضا بلا خلاف بين أهل العلم وذكر الواقدي أنها كانت في ذي الحجة من السنة الرابعة من الهجرة قبل الخندق وذكر ابن إسحاق أنها كانت عقب الخندق وهما جميعا يزعمان أن الخندق في شوال في سنة خمس وأما موسى بن عقبة فقال: في شوال سنة أربع وحديث ابن عمر يدل عليه وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان.
وإنما ذكرنا هذا رفعا لوهم من قد يظن أن قتل النساء كان مباحا عام الفتح ثم حرم بعد ذلك وإلا فلا ريب عند أهل العلم أن قتل النساء لم يكن مباحا قط بأن آيات القتال وترتيب نزولها كلها دليل على أن قتل النساء لم يكن جائزا هذا مع أن أولئك النساء اللاتي كن في حصن ابن أبي الحقيق إذ ذاك لم يطمع هؤلاء النفر في استرقاقهن بل هن ممتنعات عند أهل خيبر قبل فتحها بمدة مع أن المرأة قد صاحت وخافوا الشر بصوتها ثم أمسكوا عن قتلها لرجائهم أن ينكف شرها بالتهويل عليها.
стр. 132
نعم المحرم إنما هو قصد قتلهن فأما إذا قصدنا قصد الرجال بالإغارة أو نرمي منجنيق أو فتح شق أو إلقاء نار فتلف بذلك نساء أو صبيان لم نأثم بذلك لحديث الصعب بن جثامة أنه سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب الذرية فقال "هم منهم" متفق عليه ولأن النبي ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق مع أنه قد يصيب المرأة والصبي وبكل حال فالمرأة الحربية غير مضمونة بقود ولا دية ولا كفارة لأن النبي ﷺ لم يأمر من قتل المرأة في مغازيه بشيء من ذلك فهذا ما تفارق به المرأة الذمية وإذا قاتلت المرأة الحربية جاز قتلها بالاتفاق لأن النبي ﷺ علل المنع من قتلها بأنها لم تكن تقاتل فإذا قاتلت وجد المقتضى لقتلها وارتفع المانع لكن عند الشافعي تقاتل كما يقاتل المسلم الصائل فلا يقصد قتلها بل دفعها فإذا قدر عليها لم يجز قتلها وعند غيره إذا قاتلت صارت بمنزلة الرجل المحارب.
إذا تقرر هذا فنقول: هؤلاء النسوة كن معصومات بالأنوثة ثم إن النبي ﷺ أمر بقتلهن لمجرد كونهن كن يهجينه وهن في دار حرب فعلم أن من هجاه وسبه جاز قتله بكل حال.
ومما يؤكد ذلك وجوه:
أحدها: أن الهجاء والسب إما أن يكون من باب القتال باللسان فيكون كالقتال باليد وتكون المرأة الهاجية التي يستعان برأيها على حرب المسلمين كالملكة ونحوها مثل ما كانت هند بنت عتبة أو تكون بنفساه موجبة للقتل لما فيه من أذى الله ورسوله والمؤمنين وإن كان من جنس المحاربة أو لا يكون شيء من ذلك
стр. 133
فإن كان من القسم الأول أو الثاني جاز قتل المرأة الذمية إذا سبت لأنها حينئذ تكون قد حاربت أو ارتكبت ما يوجب القتل فالذمية إذا فعلت ذلك انتقض عهدها وقتلت ولا يجوز أن تخرج عن هذين القسمين لأنه يلزم منه قتل المرأة من أهل الحرب من غير أن تقاتل بيد ولا لسان ولا أن ترتكب ما هو بنفسه موجب للقتل وقتل مثل هذه المرأة حرام بالسنة والإجماع.
الوجه الثاني: أن هؤلاء النسوة كن من أهل الحرب وقد آذين النبي ﷺ في دار الحرب ثم قتلن بمجرد السب كما نطقت به الأحاديث فقتل المرأة الذمية بذلك أولى وأحرى كالمسلمة لأن الذمية بيننا وبينها من العهد ما يكفها عن إظهار السب ويوجب عليها التزام الذل والصغار ولهذا تؤخذ بما تصيبه للمسلم من دم أو مال أو عرض والحربية لا تؤخذ بشيء من ذلك.
فإذا جاز قتل المرأة لأنها سبت الرسول وهي حربية تستبيح ذلك من غير مانع فقتل الذمية الممنوعة عن ذلك بالعهد أولى.
ولا يقال: عصمة الذمي أوكد لأنه مضمون والحربي غير مضمون.
لأنا نقول: الذمي أيضا ضامن لدم المسلم والحربي غير ضامن فهو ضامن مضمون لأن العهد الذي بيننا اقتضى ذلك وأما الحربية فلا عهد بيننا وبينها يقتضي ذلك فليس كون الذمي مضمونا يجب علينا حفظه بالذي يهون عليه ما ينتهكه من عرض الرسول بل ذلك أغلظ لجرمه وأولى بأن يؤاخذ بما يؤذينا به ولا نعلم شيئا تقتل به المرأة الحربية قصدا إلا وقتل الذمية به أولى.
الوجه الثالث: أن هؤلاء النسوة لم يقاتلن عام الفتح بل كن متذللات مستسلمات والهجاء إن كان من جنس القتال فقد كان موجودا قبل ذلك
стр. 134
والمرأة الحربية لا يجوز قتلها في غزوة هي فيها مستسلمة لكونها قد قاتلت قبل ذلك فعلم أن السب بنفسه هو المبيح لدمائهن لا كونهن قاتلن.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ آمن جميع أهل مكة إلا أن يقاتلوا مع كونهم قد حاربوه وقتلوا أصحابه ونقضوا العهد الذي بينهم وبينه ثم إنه أهدر دماء هؤلاء النسوة فيمن استثناه وإن لم يقاتلن لكونهن كن يؤذينه فثبت أن جرم المؤذي لرسول الله ﷺ بالسب ونحوه أغلظ من جرم القتال وغيره وأنه يقتل في الحال التي نهي فيها عن قتال من قتل وقاتل.
الوجه الخامس: أن القينتين كانتا أمتين مأمورتين بالهجاء وقتل الأمة أبعد من قتل الحرة فإن النبي ﷺ نهى عن قتل العسيف وكونها مأمورة بالهجاء أخف لجرمها حيث لم تقصده ابتداء ثم مع هذا أمر بقتلهما فعلم أن السب من أغلظ الموجبات للقتل.
الوجه السادس: أن هؤلاء النسوة إما أن يكن قتلن بالهجاء لأنهن فعلنه مع العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين أهل مكة فيكون من جنس هجاء الذمي أو قتلن لمجرد الهجاء مع عدم العهد فإن كان الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فإذا جاز أن تقتل السابة التي لا عهد بيننا وبينها يمنعها فقتل الممنوعة بالعهد أولى لأن مجرد كفر المرأة وكونها من أهل الحرب لا يبيح دمها بالاتفاق على ما تقدم لاسيما والسب لم يكن بمنزلة القتال على ما تقدم.
فإن قيل: ما وجه الترديد وأهل مكة قد نقضوا العهد وصاروا كلهم محاربين.
قيل: لأن النبي ﷺ لم يستبح أخذ الأموال وسبي الذرية
стр. 135
والنساء بذلك النقض العام: إما لأنه عفا عن ذلك كما عفا عن قتل من لم يقاتل أو لأن النقض الذي وجد من بعض الرجال بمعاونة بني بكر ومن بعضهم بإقرارهم على ذلك لم يسر حكمه إلى الذرية.
ومما يوضح ذلك أن النبي ﷺ آمن الناس إلا بني بكر من خزاعة وإلا النفر المسمين إما عشرة أو أقل من عشرة أو أكثر لأن بني بكر هم الذين باشروا نقض العهد وقتلوا خزاعة فعلم أنه فرق بين من نقض العهد وفعل ما يبيح الدم وبين من لم يفعل شيئا غير الموافقة على نقض العهد فبكل حال لم يقتل هؤلاء النسوة للحراب العام والنقض العام بل لخصوص جرمهن من السب الناقض لعهد فاعله سواء ضم إليه كونه من ذي عهد أو لم يضم.
واعلم أن ما تقدم من قتل النسوة اللاتي سببن رسول الله ﷺ مثل اليهودية وأم الولد وعصماء لو لم يثبت أنهن كن معاهدات لكان الاستدلال به جائزا فإن كل ما جاز أن تقتل به المرأة التي ليست مسلمة ولا معاهدة من فعلها وقولها فأن تقتل به المرأة المعاهدة أولى وأحرى فإن موجبات القتل في حق الذمية أوسع من موجباته في حق التي ليست ذمية.
ومما يدل على مثل هذه الدلالة ما روى أن امرأة كانت تسب النبي ﷺ فقال: "من يكفيني عدوي؟ " فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها.
الحديث الحادي عشر: ما استدل به بعضهم من قصة ابن خطل وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة
стр. 136
عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه" وهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا عليه: أن رسول الله ﷺ أهدر ذم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدره وأنه قتل.
وقد تقدم عن ابن المسيب أن أبا برزة أتاه وهو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه.
وكذلك روى الواقدي عن أبي برزة قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أخرجت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام.
وذكر الواقدي أن ابن خطل أقبل من أعلى مكة مدججا في الحديد ثم خرج حتى انتهى إلى الخندمة فرأى خيل المسلمين ورأى القتال ودخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه فأتى البيت فدخل بين أستاره.
وقد تقدم عن أهل المغازي أن جرمه أن رسول الله ﷺ استعمله على الصدقة وأصحبه رجل يخدمه فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعاما أمره بصنعه فقتله ثم خاف أن يقتل فارتد واستاق إبل الصدقة وأنه كان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به فهذا له ثلاث جرائم مبيحة للدم: قتل النفس والردة والهجاء.
فمن احتج بقصته يقول: لم يقتل لقتل النفس لأن أكثر ما يجب على
стр. 137
من قتل ثم ارتد أن يقتل قودا والمقتول من خزاعة له أولياء فكان حكمه لو قتل قودا أن يسلم إلى أولياء المقتول فإما أن يقتلوا أو يعفوا أو يأخذوا الدية ولم يقتل لمجرد الردة لأن المرتد يستتاب وإذا استنظر أنظر وهذا ابن خطل قد فر إلى البيت عائذا به طالبا للأمان تاركا للقتال ملقيا للسلاح حتى نظر في أمره وقد أمر النبي ﷺ بعد علمه بذلك كله أن يقتل وليس هذا سنة من يقتل لمجرد الردة فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان لأجل السب والهجاء وأن الساب وإن ارتد فليس بمنزلة المرتد المحض يقتل قبل الاستتابة ولا يؤخر قتله وذلك دليل على جواز قتله بعد التوبة.
وقد استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل وإن أسلم حدا.
واعترض عليهم بأن ابن خطل كان حربيا فقتل لذلك وصوابه أنه كان مرتدا بلا خلاف بين أهل العلم بالسير وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلما منقادا قد ألقى السلم كالأسير فعلم أن من ارتد وسب يقتل بلا استتابة بخلاف من ارتد فقط.
يؤيده أن النبي ﷺ آمن عام الفتح جميع المحاربين إلا ذوي جرائم مخصوصة وكان ممن أهدر دمه دون غيره فعلم أنه لم يقتل لمجرد الكفر والحراب.
السنة الثانية عشرة: أن النبي ﷺ أمر بقتل جماعة لأجل سبه وقتل جماعة لأجل ذلك مع كفه وإمساكه عمن هو بمنزلتهم في كونه كافرا
стр. 138
حربيا فمن ذلك ما قدمناه عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ أمر يوم الفتح بقتل ابن الزبعرى وسعيد بن المسيب هو الغاية في جودة المراسيل ولا يضره أن لا يذكره بعض أهل المغازي فإنهم مختلفون في عدد من استثني من الأمان وكل أخبر بما علم ومن أثبت الشيء وذكره حجة على من لم يثبته.
وقد ذكر ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب ابن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش عبد الله بن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه ففي هذا بيان أن النبي ﷺ أمر بقتل كل من كان يهجوه ويؤذيه بمكة من الشعراء مثل ابن الزبعرى وغيره.
ومما لا خفاء فيه أن ابن الزبعرى إنما ذنبه أنه كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ بلسانه فإنه كان من أشعر الناس وكان يهاجي شعراء الإسلام مثل حسان وكعب بن مالك وما سوى ذلك من الذنوب قد شركه فيه وأربى عليه عدد كثير من قريش.
ثم إن ابن الزبعرى فر إلى نجران ثم قدم على النبي ﷺ مسلما وله أشعار حسنة في التوبة والاعتذار فأهدر دمه للسب مع أمانه لجميع أهل مكة إلا من كان له جرم مثل جرمه ونحو ذلك.
ومن ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قصته في هجائه للنبي ﷺ وفي إعراض النبي ﷺ عنه لما جاءه مسلما مشهورة ومستفيضة
стр. 139
وقد ذكر الواقدي قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قماذ عن عبد الرحمن بن سابط وغيره قال: "كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعته حليمة أياما وكان يألف رسول الله ﷺ وكان له تربا فلما بعث رسول الله ﷺ عاده عداوة لم يعادها أحدا قط ولم يكن دخل الشعب وهجا رسول الله ﷺ وهجا أصحابه وذكر الحديث إلى أن قال: ثم إن الله ألقى في قلبه الإسلام قال أبو سفيان: فقلت: من أصحب؟ ومع من أكون؟ قد ضرب الإسلام بجرانه فجئت زوجتي وولدي فقلت: تهيئوا للخروج فقد أقبل قدوم محمد قالوا: قد آن لك أن تنصر محمدا إن العرب والعجم قد تبعت محمدا وأنت توضع في عداوته وكنت أولى الناس بنصرته فقلت لغلامي مذكور: عجل بأبعرتي وفرسي قال: ثم سرنا حتى نزلنا بالأبواء وقد نزلت مقدمته الأبواء فتنكرت وخفت أن أقتل وكان قد أهدر دمي فخرجت واحد ابن جعفر على قدمي نحوا من ميل في الغداة التي صبح رسول الله ﷺ الأبواء فأقبل الناس رسلا رسلا أي قطيعا قطيعا فتنحيت فرقا من أصحابه فلما طلع موكبه تصديت له تلقاء وجهه فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى فأعرض عني مرارا فأخذني ما قرب وما بعد وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه وأتذكر بره ورحمه وقرابتي فيمسك ذلك مني وقد كنت لا أشك أن رسول الله ﷺ وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي برسول الله ﷺ فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله ﷺ عني أعرضوا عني جميعا فلقيني ابن أبي قحافة معرضا عني ونظرت إلى عمر يغري بي رجلا
стр. 140
من الأنصار فألزبى رجل يقول: يا عدو الله أنت الذي كنت تأذي رسول الله ﷺ وتؤذي أصحابه؟ قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته فرددت بعض الرد عن نفسي فاستطال علي ورفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس يسرون بما يفعل بي قال: فدخلت على عمي العباس فقلت: يا عباس قد كنت أرجوا أن سيفرح رسول الله ﷺ بإسلامي لقرابتي وشرفي وقد كان منه ما رأيت فكلمه ليرضى عني قال: لا والله لا أكلمه كلمة فيك أبدا بعد الذي رأيت منه ما رأيت إلا أن أرى وجها إني أجل رسول الله ﷺ وأهابه فقلت: يا عم إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك فلقيت عليا فكلمته فقال لي مثل ذلك وذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله ﷺ حتى راح إلى الجحفة وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين وجعلت لا ينزل منزلا إلا أنا على بابه ومعي ابني جعفر قائم فلا يراني إلا أعرض عني فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة وأنا في خيله التي تلازمه حتى هبط من أذاخر حتى نزل الأبطح فنظر إلي نظرا هو ألين من ذلك النظر قد رجوت أن يتبسم ودخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي فرققته علي وخرج إلى المسجد وأنا بين يديه لا أفارقه على حال حتى خرج إلى هوازن فخرجت معه" وذكر قصته بهوازن وهي مشهورة.
قال الواقدي: وقد سمعت في إسلام أبي سفيان بن الحارث بوجه آخر قال: لقيت رسول الله ﷺ بثنية العقاب وذكر الحديث نحوا مما ذكره ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن
стр. 141
المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك فقال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال".
فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن لي رسول الله ﷺ أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا فلما بلغ رسول الله ﷺ رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى واهتدى
هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد
وذكر باقي الأبيات.
وفي رواية الواقدي قال: فطلبا الدخول على رسول الله ﷺ فأبى أن يدخلهما عليه فكلمته أم سلمة زوجته فقالت: يا رسول الله ﷺ صهرك وابن عمتك وابن عمك وأخوك من الرضاعة وقد جاء الله بهما مسلمين لا يكونا أشقى الناس بك فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لي بهما أما أخوك فالقائل لي بمكة ما قال: لن يؤمن لي حتى أرقى في السماء" فقالت: يا رسول الله إنما هو من قومك وكل قريش قد تكلم ونزل القرآن
стр. 142
فيه بعينه وقد عفوت عمن هو أعظم جرما منه ابن عمك قرابتك به قريبة وأنت أحق الناس عفا عنه جرمه فقال رسول الله ﷺ : " هو الذي هتك عرضي فلا حاجة لي بهما " فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن الحارث ومعه ابنه: ليقبلن مني أو لآخذن بيد ابني هذا فلأذهبن في الأرض حتى أهلك عطشا وجوعا وأنت أحلم الناس وأكرم الناس مع رحمي بك فبلغ رسول الله ﷺ مقالته فرق له وقال عبد الله ابن أبي أمية إنما جئت لأصدقك ولي من القرابة ما لي من الصهر بك وجعلت أم سلمة تكلمه فيهما فرق رسول الله ﷺ لهما فأذن لهما ودخلا فأسلما وكانا جميعا حسنى الإسلام.
قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر ﵁ لم يغمص عليه بشيء ولقد كان رسول الله ﷺ أهدر دمه قبل أن يلقاه.
فوجه الدلالة: أنه أهدر دم أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد والمال وهو قادم إلى مكة لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام ولم يكن لذلك سبب يختص بأبي سفيان إلا الهجاء ثم جاء مسلما وهو يعرض عنه هذا الإعراض وكان من شأنه أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كل ذلك بسبب هتكه عرضه كما هو مفسر في الحديث.
ومن ذلك أنه أمر يوم الفتح بقتل الحويرث بن نقيد وهو معروف عند أهل السير قال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وهي من أصح المغازي كان مالك يقول: من أحب أن يكتب المغازي فعليه بمغازي الرجل الصالح
стр. 143
موسى بن عقبة قال: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحد إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة نفر: منهم الحويرث بن نقيد.
وقال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة وقال: إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم وسماهم بأسمائهم ستة وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله بن خطل والحويرث بن نقيد ومقيس بن حبابة ورجل من بني تيم بن غالب.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة فكنم اسم رجلين وأخبرني بأربعة وزعم أن عكرمة بن أبي جهل أحدهم.
قال: وأما الحويرث بن نقيد فقتله علي بن أبي طالب وكذلك ذكر ابن إسحاق في رواية ابن بكير وغيره عنه من نفر الذين استثناهم النبي ﷺ وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ": الحويرث بن نقيد وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ .
قال الواقدي عن أشياخه: إن النبي ﷺ نهى عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وابن أبي سرح ومقيس بن حبابة والحويرث بن نقيد وابن خطل.
قال: وأما الحويرث بن نقيد فإنه كان يؤذي النبي ﷺ فأهدر دمه فبينا هو في منزلته يوم الفتح قد أغلق عليه وأقبل علي ﵁ يسأل عنه فقيل: هو في البادية فأخبر الحويرث أنه يطلب وتنحى علي
стр. 144
عن بابه فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه علي فضرب عنقه.
ومثل هذا مما يشتهر عند هؤلاء مثل الزهري وابن عقبة وابن إسحاق والواقدي والأموي وغيرهم أكثر ما فيه أنه مرسل والمرسل إذا روى من جهات مختلفة لا سيما ممن له عناية بهذا الأمر ويتبع له كان كالمسند بل بعض ما يشتهر عند أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد ولا يوهنه أنه لم يذكر في الحديث المأثور عن سعد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لأن المثبت مقدم على النافي ومن أخبر أنه أمر بقتله فمعه زيادة علم ولعل النبي ﷺ لم يأمر بقتله ثم أمر بقتله وذلك أنه يمكن أن النبي ﷺ نهى أصحابه أن يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا النفر الأربعة ثم أمرهم أن يقتلوا هذا وغيره ومجرد نهيه عن القتال لا يوجب عصمة المكفوف عنهم لكنه بعد ذلك آمنهم الأمان العاصم للدم وهذا الرجل قد أمر النبي ﷺ بقتله لمجرد أذاه له مع أنه قد آمن أهل البلد الذين قاتلوه وأصحابه وفعلوا بهم الأفاعيل.
ومن ذلك أنه ﷺ لما قفل من بدر راجعا إلى المدينة قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ولم يقتل من أسارى بدر غيرهما وقصتهما معروفة.
قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فلما كان رسول الله ﷺ بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب كما أخبرت ثم مضى رسول الله ﷺ فلما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: ولم يقتل من الأسارى صبرا غير عقبة
стр. 145
ابن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح ولما أبصره عقبة مقبلا إليه استغاث بقريش فقال: يا معشر قريش علام أقتل من بين ها هنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "على عداوتك لله ورسوله" وكذلك ذكر محمد بن عائد في مغازيه.
وهذا والله أعلم لأن النضر قتل بالصفراء عند بدر فلم يعد من الأسرى عند هذا القائل لقتله قريبا من مصارع قريش وإلا فلا خلاف علمناه أن النضر وعقبة قتلا بعد الأسر.
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال له النبي ﷺ : " بكفرك وافترائك على رسول الله ".
وقال الواقدي: كان النضر بن الحارث أسره المقداد بن الأسود فلما خرج رسول الله ﷺ من بدر فكان بالأثيل عرض عليه الأسرى فنظر إلى النضر بن الحارث فأبد النظر فقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي لقد نظر إلي بعينين فيهما آثار الموت فقال الذي إلى جنبه: "والله ما هذا منك إلا رعب" فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب أنت أقرب من ها هنا بي رحما كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي هو والله قاتلي إن لم تفعل قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا وكنت تقول في نبيه كذا وكذا قال: يا مصعب ويجعلني كأحد أصحابي: إن قتلوا قتلت وإن من عليهم من علي قال مصعب: إنك كنت تعذب أصحابه وذكر الحديث إلى أن قال: فقتله علي بن أبي طالب صبرا بالسيف.
قال الواقدي: وأقبل رسول الله ﷺ بالأسرى حتى إذا كانوا بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة
следующие страницы →