المجلد الأول
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وآله.
الحمد لله الذي ألهمنا رشدنا وصحح مقصدنا وحسن أعمالنا ولطف بضعيفنا وحمل منقطعنا وأرسل ألطافه فاتصلت بنا ووصل نعمه فرفع بها شأننا واشتد بها بأسنا وما شد سندنا فمن وقف ببابه لا يعضل ومن تمسك بسلسلة عزه فهو العزيز الذي لا يجهل ومن تغرب في محبته اشتهر وعن التدليس انفصل ومن تعلق بعنعنة الاعتبار والشواهد مع المتابعات والاندراج تحت القواعد فقد عاذ بالله من المنكر والاضطراب والعلل ومن مقلوب الأعمال إلى الوضع والخلل فنسأله القبول في القول والعمل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا الأمل.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا ﷺ خير مبعوث وأجل.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة بدوام الأزل.
وبعد.
فإن علم الحديث من أجل العلوم وقد ذهب فلم يبق منه غير الرشق١ فأفلت شموعه ودرست دروبه وكان من حق كل لبيب وفقيه أن يصرف عمره فيه فهو علم السلف والخلف ومن فضل غيره فقد صدف وأحسن تصنيف فيه وأبدع وأكثر فائدة وأنفع علوم الحديث للشيخ العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنه فتح مغلق كنوزه وحل مشكل رموزه وجعل ذلك في خمسة وستين نوعا النوع الأول معرفة الحديث الصحيح من الحديث والنوع الثاني: معرفة الحسن منه إلى آخره مما ستقف عليها إن شاء الله تعالى وقد ولع به العلماء من زمانه إلى هذا الزمان خصوصا أهل هذا الشأن.
стр. 2
فمنهم من اختصره ومنهم من اعترض عليه ومنهم من نظمه وكلا بسابقة فضله يعترف ومن بحر علمه يغترف وكنت قديما قرأته على شيخنا الحافظ علاء الدين مغلطاي وأجازني به وكذا لك أجازني به الحافظ شيخنا صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي في رحلتي الأولى إلى الشام بالقدس الشريف وكذلك أجازني به شيخنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل المكي القرشي بالقاهرة قالا أخبرنا بجميعه محمد بن يوسف بن المهتار الدمشقي قال: أنا به مؤلفه قراءة عليه في الخامسة من عمري والمؤلف هو الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى ابن أبي نصر النصري الشهرزوري الشرخاني بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد الألف نون والنصري نسبة إلى جده أبي نصر بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعد راء مولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور وتوفي صبح نهار الأربعاء وصلي عليه بعد الظهر من النهار المذكور وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بمقابر الصوفية بدمشق المحروسة رحمه الله تعالى.
ثم إني نظرت فوجدت أحسن شيء عليه كلام الحافظ زين الدين العراقي أمتعنا الله تعالى به نظمه ألفية وشرحها في مجلدة وله عليه نكت في مجلدة لطيفة١ ذكر فيها اعتراضات وأجوبة عن المصنف ورد على من اعترض عليه فلخصت من كلامه وكلام غيره لنفسي جملة جمة وأمورا مهمة٢ وضممت
стр. 3
إلى ذلك فوائد حديثية ومهمات فقهية فأذكر أولا كلام المصنف بنصه من أول النوع أو المسألة إلى آخر كلامه غالبا ثم أقول في آخره انتهى ثم أردف ذلك بكلام الحافظ زين الدين١ أو كلام غيره إن وجد أو ما يسره الله تعالى من فضله وأستوفي كلام المؤلف نوعا نوعا كما رتبه ولا أغادر شيئا من أنواعه ولا من غالب كلام الحافظ زين الدين بل استوعب ما في الكتب الثلاثة٢ من غير تكرار مع ما أضمه إلى ذلك من كلام غيرهما وأسأل الله العظيم أن يجعله خالصا لوجهه وسميته: "الشذى الفياح من علوم ابن الصلاح" نفع الله به كاتبه وقارئه وكل من نظر فيه والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 4
النوع الأول: من أنواع علوم الحديث معرفة الصيحيح من الحديث
...
النوع الأول من أنواع علوم الحديث معرفة الصحيح من الحديث
أعلم علمك الله وإياي أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.
أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ وما فيه علة قادحة وما في راويه نوع جرح.
وهذه أنواع يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى١.
فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل ومتى قالوا هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد وليس من الأخبار التي "أجتمعت٢" الأمة على تلقيها بالقبول وكذلك إذا قالوا في حديث إنه غير صحيح فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الأمر إذ قد يكون صدقا في نفس الأمر وإنما المراد به إنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور انتهى.
стр. 5
اعترض عليه بأمور
الأول: أنه قدم الدعاء لغيره على الدعاء لنفسه ففي الترمذي يرفعه إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه فكان ينبغي له أن يقول علمنا الله وإياك.
وجوابه: أن الذي في الترمذي إنما هو من فعله لا من قوله خرج ذلك من حديث أبي بن كعب: "كان صلي الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه" ثم قال: حسن غريب صحيح.
ولفظ أبي داود "كان صلي الله عليه وسلم إذا دعا بدأ بنفسه" وقال: رحمة الله علينا وعلى موسى وإذا لم يكن من قوله فهو مقيد بما إذا ذكر نبيا من الأنبياء فيبدأ بنفسه ففي مسلم من حديث أبي في قصة موسى مع الخضر وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه رحمة الله علينا وعلى أخي كذا رحمة الله علينا الحديث وقد دعا صلي الله عليه وسلم لبعض الأنبياء ولم يذكر نفسه معه لقوله صلي الله عليه وسلم "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد" متفق١ عليه من حديث أبي هريرة وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود "يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" وقد دعا صلي الله عليه وسلم لغير الأنبياء ولم يذكر نفسه ففي البخاري في قصة زمزم عن ابن عباس يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو لم تغترف من الماء لكانت زمزم عينا معينا وفي البخاري من حديث عائشة ﵂ أنه صلي الله عليه وسلم سمع عبادة بن بسر يقرأ سورة بالليل فقال "يرحمه الله" وفيه من حديث سلمة بن الأكوع "من السائق" قالوا عامر قال: "يرحمه الله".
الثاني: أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف وأكثر المحدثين يسقط الحسن.
وجوابه: أنه ذكره بعد ذلك فقال من أهل الحديث من يجعل الحسن مندرجا في الصحيح لكونه يحتج به مع أن الخطابي قسمه إلى الثلاثة ونقله عن أهل
стр. 6
الحديث ثم إن ذكر الحسن موجود في كلام الشافعي والبخاري وغيرهما
الثالث: أن قوله في حد الصحيح هو المسند الذي يتصل إسناده إلى آخر كلامه يرد عليه المرسل فإن من يقبله لا يشترط إسناده.
وجوابه: في قوله بعد ذلك وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لكذا وكذا كما في المرسل.
الرابع: ما أورده الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الاقتراح أن سلامته من الشذوذ والعلة إنما شرطه المحدثون قال: وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء فإن كثيرا من علل المحدثين لا تجري على أصول الفقهاء وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا.
وجوابه أن قول المصنف عند أهل الحديث يخرج نظر الفقهاء.
الخامس: قوله بلا خلاف أي إذا وجدت فيه هذه الشروط عند المحدثين فيندفع بالمحدثين اعتراض من أورد شرط العدد كالشهادة كما حكاه الحازمي عن بعض متأخري المعتزلة وأشار إليه البيهقي في رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني قال: له فيها رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ حرسه الله تعالى حكاية عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروى عدلان عن عدلين مثنى مثنى حتى يتصل برسول الله ﷺ ، كالمنكر لذلك.
السادس: اعترض بعضهم على قوله وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث إلى أخره وقال فيه نظر من حيث أن أحدا لم يذكر أن المعضل والشاذ والمنقطع صحيح.
ورد بأن كلامه إنما هو في أوصاف القبول لا في الشاذ ونحوه وأيضا فمن يحتج بالمرسل لا يتقيد بكون التابعي أرسله بل لو أرسله أتباع التابعين احتج به وهو عنده صحيح وأن كان معضلا ومن يحتج بالمرسل يحتج بالمنقطع بل المنقطع والمرسل عند المتقدمين واحد وقوله: إن أحدا لم يذكر أن الشاذ صحيح مردود بقول أبي يعلى الخليلي في الإرشاد: "إن الشاذ ينقسم إلى: صحيح ومردود"
стр. 7
قال:
فوائد مهمة
أحدها ١: الصحيح يتنوع إلى متفق عليه ومختلف فيه كما سبق ذكره ويتنوع إلى مشهور وغريب وبين ذلك ثم إن درجات الصحيح تتفاوت في القوة بحسب تمكن الحديث من الصفات المذكورة التي تنبني٢ الصحة عليها وتنقسم باعتبار ذلك إلى أقسام يستعصى إحصاؤها على العاد الحاصر ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث بأنه الأصح على الإطلاق على أن جماعة من أئمة الحديث خاضوا غمرة ذلك فاضطربت أقوالهم. فروينا عن إسحاق بن راهويه أنه قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه.
وروينا نحوه عن أحمد بن حنبل.
وروينا عن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة٣ عن علي وروينا نحوه عن علي بن المديني وروي ذلك عن غيرهما ثم منهم من عين٤ الراوي عن محمد وجعله أيوب السختياني ومنهم من جعله ابن عون.
وفيما نرويه عن يحيى بن معين أنه قال: أجودها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة أنه٥ قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن
стр. 8
علي بن الحسين عن أبيه عن علي.
وروينا عن أبي عبد الله البخاري صاحب الصحيح أنه قال: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر.
وبنى الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي على ذلك أن أجل الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي ﵃ أجمعين انتهى.
ولك أن تقول: وأجل من روى عن الشافعي أحمد بن حنبل باتفاقهم فيكون أجل الأسانيد أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن بن عمر وقد وقع ذلك في حديث أصله مفرق في البخاري من حديث مالك.
حدث به عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي أحمد ﵀ قال: حدثنا محمد بن إدريس قال: أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن بيع حبل الحبلة ونهى عن المزابنة والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا".
واعترض على المصنف بأن الحاكم وغيره ذكروا أن هذا بالنسبة إلى الأمصار أو إلى الأشخاص فلا يبقى خلاف.
وجوابه: أن الحاكم لم يقيده بذلك بل ولو قيده بالأشخاص كان الخلاف موجودا أيضا فيقال في أصح أسانيد علي فقيل كذا وقيل كذا وعبارة الحاكم لا تقطع الحكم في أصح الأسانيد لصحابي واحد بل يقول أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي إذا كان الراوي عن جعفر ثقة.
وأصح أسانيد الصديق ﵁ إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر.
وأصح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه عن جده.
وأصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سيعد بن المسيب عنه.
وأصح أسانيد ابن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر.
стр. 9
وأصح أسانيد عائشة عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن القاسم عنها
قال ابن معين هذه ترجمة مشبكة بالذهب.
وأصح أسانيد ابن مسعود سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه.
وأصح أسانيد أنس بن مالك مالك عن الزهري عنه
وأصح أسانيد المكيين سفيان.
بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر.
وأصح أسانيد اليمنيين معمر عن همام عن أبي هريرة.
وأثبت أسانيد المصريين الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة ابن عامر.
وأثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة.
وأثبت أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
قال الثانية إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدارك الصحيح بمجرد اعبتار الأسانيد لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد١ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله٢ شرفا آمين انتهى٣.
стр. 10
_________
= فنبه ﵀ أن الاعتماد بعد عصر الرواة على الكتب لا الرواة ومن ثم كان الاعتماد بعد عصر الرواية على الكتب المعتمد المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف كما نبه ﵀ على أن المقصود بالأسانيد التي تتداول خارج هذه الكتب المعتمدة إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة. ومن ثم نبه على تعذر جزم الحكم بصحة ما لم نجده في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة والاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد في هذه الأعصار التالية لعصر الرواية قال: لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان.
فبطل الاعتماد على الرواة في هذه الأعصار وتعذرت شرائط الصحيح في هذه الأسانيد فلم يبق إلى الاعتماد على الكتب فكان لزاما الاعتماد على الكتب المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف.
وهذا حق لا مرية فيه فقد صارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب وتساهل الناس في شرائط الرواية إذ صار الاعتماد على الكتب لا الرواة.
قال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في الباعث ١: ٣٢١ – ٢٣٣ ط دار العاصمة الشروط السابقة في عدالة الراوي إنما تراعى بالدقة في المتقدمين وأما المتأخرون بعد سنة ثلاثمائة تقريبا فيكفي أن يكون الراوي مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بفسق أو بما يخل بمروءته وأن يكون سماعه ثابتا بخط ثقة غير متهم وبرواية من أصل صحيح موافق شيخه لأن المقصود بقاء سلسلة الإسناد وإلا فإن الروايات استقرت في الكتب المعروفة وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط.
قال الحافظ البيهقي: توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث١فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل نه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه: أن يصير الحديث مسلسلا بحديثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا ﷺ =
стр. 11
.......................................
стр. 12
...................................
стр. 13
..............................
стр. 14
........................................
стр. 15
.........................................
стр. 16
..........................................
стр. 17
......................................
стр. 18
اعترض بعضهم بقول النووي في كتابه التقريب الأظهر عندي جواز ذلك لمن تمكن وقويت معرفته وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح جماعة من
стр. 19
المتأخرين أحاديث لم نجد فيها تصحيحا لمن تقدمهم١.
فمن المعاصرين للمصنف أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان قاضي سجلماسة من الغرب٢ مات بها سنة ثمان وعشرين وستمائة صحح في كتابه بيان الوهم والإيهام عدة أحاديث.
منها حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل.
أخرجه أبو بكر البزار في مسنده قال: ابن القطان حديث صحيح.
ومنها حديث أنس كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة.
رواه هكذا قاسم بن أصبغ وصححه ابن القطان.
وقال وهو كما ترى صحيح.
وممن صحح من المعاصرين له أيضا الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي فجمع كتابا سماه المختارة التزم فيه الصحة فصحح فيه أحاديث لم سيبق إلى تصحيحها وتوفي في السنة التي مات فيها المصنف سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
قال الحافظ ابن كثير: "وهذا الكتاب إعني المختارة لم يتم وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم".
وصحح بعده أيضا الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري حديثا في جزء له جمع فيه ما ورد فيه "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وتوفي الزكي سنة ست وخمسين وستمائة.
ثم صححت الطبقة التي تلي هذه أيضا فصحح الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي حديث جابر مرفوعا "ماء زمزم لما شرب له" في جزء جمعه في ذلك أورده من رواية عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن
стр. 20
جابر ومن هذه الطريق رواه البيهقي في شعب الإيمان وإنما المعروف رواية عبد الله بن المؤمل عن ابن المنكدر كما رواه ابن ماجه وضعفه النووي وغيره من هذا الوجه وطريق ابن عباس أصح من طريق جابر.
ثم صححت الطبقة التي تلي هذه وهم شيوخنا فصحح الشيخ تقي الدين السبكي ﵀ حديث ابن عمر في الزيارة في تصنيفه المشهور.
ولك أن تقول وليس من تجاسر على التصحيح وصحح يكون حجة على المؤلف إذ لا يلزم أن يكون ما صححه هؤلاء المتأخرون صحيحا عند المتقدمين.
قال الثالثة: أول من صنف الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري من أنفسهم ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه يشاركه في أكثر شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بع كتاب الله العزيز وأما ما رويناه عن الشافعي ﵁ من أنه قال: ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ١ فإنما قال: ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا وأكثرهما فوائد.
واما ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ من أنه قال: ما تحت أديم السماء كتابا أصح من كتاب مسلم بن الحجاج فهذا وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرودا غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشروط في الصحيح٢
стр. 21
فهذا لا بأس به وليس يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري وإن كان المراد به أن كتاب مسلم أصح صحيحا فهذا مردود على من يقوله انتهى.
اعترض عليه من وجوه:
أحدها: أن مالكا متقدم بالتصنيف على البخاري.
وجوابه: أن مالكا وإن تقدم إلا أنه ما أفرد الصحيح والبخاري أفرده فإن في كتاب مالك المرسل والمنقطع والبلاغات حتى قال: ابن عبد البر في التمهيد عقب قول مالك بلغني أن رسول الله ﷺ كان يقول "إذا نشأت١ بحرية يعني السحاب ثم تشاءمت فتلك عين غديقة.
ثم قال: كل بلاغات مالك في موطأه مسندة إلا أربعة أحاديث فإنها لم توجد في شيء من كتب العلماء إلا في الموطأ أو من نلقها منه كالشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن النبي - قال: "إذا نشأت بحرية ثم أستحالت شامية فهو أمطر لها" الحديث.
الثاني: قوله صلي الله عليه وسلم: "إني أنسى أو أنسى لأسن".
الثالث: قول معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن حسن خلقك للناس يا٢ معاذ بن جبل.
الرابع: "أنه صلي الله عليه وسلم رأى أعمار الناس أو ما شاء الله منها فكأنه تقاصر أعمار أمته فأعطاه الله ليلة القدر".
هكذا قال: ابن عبد البر٣.
стр. 22
واعترض عليه الحافظ إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي في جزء أسندها فيه فقال أما الحديث الأول فأخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا بإسناده إلى محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي قال: حدثنا محمد بن عمر ثنا عبد الحكم بن عبد الله بن أبي فروة قال: سمعت عوف بن الحارث يقول سمعت عائشة ﵂ تقول سمعت رسول الله ﷺ يقول "إذا أنشأت السماء بحرية ثم تشاءمت فتلك عين" أو قال: عام غديقة يعني مطرا كثيرا.
ذكره ابن أبي الدنيا في كتابه المطر والرعد والبرق.
ثم اعترض الحافظ إسماعيل أيضا على ابن عبد البر حكايته عن الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى مع أن الشافعي ما صرح بإبراهيم وإنما قال: حدثني من لا أتهم وكأن ابن عبد البر اعتمد في ذلك على قول الربيع بن سليمان إن
стр. 23
الشافعي إذا قال: حدثنا الثقة يريد يحيى بن حسان وإذا قال: من لا أتهم فهو إبراهيم بن أبي يحيى وإذا قال: بعض الناس يريد أهل العراق وإذا قال: بعض أصحابنا يريد أهل الحجاز فالشافعي لم ينص على أن مراده بمن لا يتهم هو إبراهيم بن أبي يحيى فلا يحل لأحد أن ينسبه إلى الشافعي إلا أن يكون الشافعي قد نص على ذلك ولهذا اختلف العلماء في مراد الشافعي بالثقة ونحوه فقال الربيع ما تقدم وقال البيهقي١ تفطن لذلك شيخنا أبو عبد الله فقال غالب الظن أنه إذا قال: أنا الثقة قد يريد إسماعيل بن علية وقد يريد أبا أسامة وقد يريد عبد العزيز بن محمد وقد يريد هشام بن يوسف الصنعاني وقد يريد أحمد بن حنبل ولا يكاد يعرف ذلك باليقين.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي وذكر الشافعي فقال ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه قال: عبد الله وكل شيء في كتب الشافعي حدثني الثقة عن هشيم وعن غيره فهو أبي.
وقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري سمعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول إنما يعرف مراد الشافعي ﵁ بالثقة بشيخه الذي يروى عنه فإذا قال: أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب فهو ابن أبي فديك وإذا قال: أنا الثقة عن الليث فهو يحيى بن حسان وإذا قال: الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة وإذا قال: الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة وإذا قال: الثقة عن صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن أبي يحيى.
قال ابن عبد البر وإذا قال: مالك أنبا الثقة عن بكير بن عبد الله الأشج فالثقة مخرمة بن بكير وحيث قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب فقيل الثقة عبد الله ابن وهب وقيل الزهري.
وقد اختلف العلماء في قول الراوي حدثني الثقة أو أخبرني من لا أتهم أو نحو ذلك ولم يسمه هل يكون ذلك توثيقا له أم لا فقال أبو حنيفة يكون توثقيا له وتقبل كما في المرسل والصحيح خلافه.
стр. 24
وقال الخطيب إذا قال: العالم كل من أروي لكم عنه وأسميه فهو عدل رضى مقبول الحديث كان ذلك تعديلا لكل من روى عنه وسماه واختار بعض المحققين أنه إن كان عالما كمالك والشافعي فإن ذلك يكون تعديلا وإلا فلا.
وأما الحديث الثاني: فإن المعترض قال: بحثت عنه فلم أظفر به غير أن بعض طلبة الحديث ذكر لي أنه وجده مسندا ولم يحضر ما يدل على قوله.
وأما الحديث الثالث: فإنه خرجه ابن أبي الدنيا أيضا في كتابه المسمى بالتقوى بسنده إلى معاذ قلت يا رسول صلي الله عليه وسلم أوصني قال: "أتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وأخرجه أيضا الطبراني في مسند معاذ بن جبل بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاذا أراد سفرا فقال يا رسول الله ﷺ أوصني قال: "أعبد الله ولا تشرك به شيئا قال: زدني قال: إذا أسأت فأحسن فقال زدني قال: استقم وليحسن خلقك" وذكر له طرقا غير هذه.
واما الحديث الرابع: فأخرجه أيضا ابن مندة بسنده إلى النبي صلي الله عليه وسلم.
الاعتراض الثاني: على قوله وتلاه أبو الحسين مسلم اعترض بقول أبي الفضل أحمد بن سلمة كنت مع مسلم في تأليف هذا الكتاب سنة خمس ومائتين فيكون متقدما على البخاري وقد تصحف على المعترض فأسقط ياء ونونا وإنما هي خمسون ومائتان ويعرف ذلك بالتاريخ فمولد مسلم سنة أربع ومائتين وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين ومولد البخاري سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين.
الثالث: أنه أقر من فضل كتاب مسلم على البخاري بأنه لم يمازجه بعد الخطبة غير الصحيح وهذا ليس بجيد فقد مزجه بغيره قال: في كتاب الصلاة بسنده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال: "لا يستطاع العلم براحة الجسم".
وجوابه أن هذا نادر في كتاب مسلم بخلاف البخاري١.
стр. 25
ثم اختلفوا في المراد بقولهم على شرط البخاري أو مسلم فقال محمد بن طاهر شرطهما أن يخرجا المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي.
ورد بأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان او أحدهما١.
وقال الحازمي شرط البخاري أن يخرد ما اتصل إسناده بالثقات الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة ولم يشترط مسلم طول الملازمة إلا إذا لم يسلم الذي أخرج عنه من غوائل الجرح فإنه يشترط طولها كحماد بن سلمة في ثابت البناني وأيوب.
وقال النووي المراد بذلك أن يكون رجال إسناده في كتابيهما لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما وعلى هذا جرى ابن دقيق العيد فإنه ينقل تصحيح حديث عن الحاكم ثم يستدرك عليه بأن فيه فلانا ولم يخرج له البخاري وكذلك فعل الذهبي في مختصر المستدرك وليس بجيد منهما لأن الحاكم لم
стр. 26
يلتزم أنه لايخرج إلا عن رجال مسلم والبخاري بل قال: في الخطبة أخرج أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما وعبارة ابن كثير والبخاري أرجح لأنه اشترط في إخراجه١ أن يكون الرواي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه ولم يشترط مسلم الثاني: بل اكتفى بمجرد المعاصرة ومن هنا٢ ينفصل النزاع في ترجيح البخاري٣ كما قاله الجمهور.
قال الرابعة: لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال٤ الطول وروينا عن مسلم أنه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا يعني في كتابه الصحيح إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.
قال المملي أبقاه الله تعالى٥ أراد والله أعلم أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم ثم إن أبا عبد الله بن الأخرم الحافظ قال: قلما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت من الحديث يعني في كتابيهما ولقائل أن يقول ليس ذلك بالقليل فإن المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير مشتمل٦ مما فاتهما على شيء كثير وإن يكن عليه في بعضه مقال
стр. 27
فإنه يصفو له منه صحيح كثير وقد قال: البخاري أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وقد قيل إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث١ إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين وربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشهورة٢ لأئمة الحديث كأبي داود السجستاني وأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الرحمن النسائي وأبي بكر بن خزيمة وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم منصوصا على صحته فيها ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب النسائي وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره ويكفي مجرد كونه موجودا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم ككتاب أبي عوانة الإسفراييني وكتاب أبي بكر الإسماعيلي وكتاب أبي بكر البرقاني وغيرها من تتمة لمحذوف أو زايدة شرح في كثير من أحاديث الصحيحين وكثير من هذا موجود في الجمع بين الصحيحين لأبي عبد الله الحميدي واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين وجمع ذلك في كتاب سماه المستدرك أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما
стр. 28
أو على شرط البخاري وحده أو على شرط مسلم وحده وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم يكن على شرط واحد منهما وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به.
فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حبان البستي ﵏ انتهى.
ابن الأخرم هو أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم شيخ الحاكم.
قال النووي في التقريب والصواب أنه لم يفت الخسمة إلا اليسير يعني البخاري ومسلما وأبا داود والترمذي والنسائي.
وخالفه ابن كثير فقال يوجد ذلك كثيرا في المسانيد والمعاجم كمسند أحمد وأبي يعلى ومعجم الطبراني وكذا في الأجزاء وغير ذلك لمن أمعن النظر في سنده ومتنه وكان أهلا للتصحيح وفاقا للنوري وخلافا للمصنف
وقوله: في أحاديث البخاري: قيل أربعة آلاف وبالمكرر كذا هذه رواية الفربري وأما رواية حماد بن شاكر فهو دونها بمائتي حديث ودون هذه بمائة حديث أي إبراهيم بن معقل ولم يذكر عدة أحاديث مسلم١ قال: النووي هي نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر أي وبالمكرر اثنا عشر ألفا قاله أبو الفضل أحمد بن سلمة وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه.
وقوله: إلا أن ينص ذلك المصنف على صحته هذا بناء على مذهبه في امتناع التصحيح في هذا العصر بل لو نص أحد ممن له ذلك على صحة إسناد كما في سؤالات يحيى بن معين وسؤالات الإمام أحمد وغير ذلك كفى في صحته.
стр. 29
وقوله: وكثير من هذا موجود في الجمع بين الصحيحين للحميدي يقتضي ان ما وجد من زيادات الحميدي على الصحيحين يحكم بصحته وليس كذلك فإن المستخرجات المذكورة قد رووها بأسانيدهم الصحيحة فكانت الزيادات التي تقع فيها صحيحة لوجودها بإسناد صحيح في كتاب مشهور وأما الذي زاده الحميدي فإنه لم يروه بإسناده حتى ننظر فيه١ ولا أظهر لنا اصطلاحا أنه يزيد فيه رواية التزم فيها الصحة فنقلده٢ فيها وليست الزوائد في واحد من الكتابين فهي غير مقبولة حتى توجد في غيره بإسناد صحيح وقد نص المصنف بعد هذا على أن من نقل شيئا من زيادات الحميدي على الصحيحين أو أحدهما فهو مخطئ.
واعترض بعضهم على قول المصنف: إن الحاكم اودع في المستدرك أحاديث لم تكن في واحد من الصحيحين مع أن فيه أحاديث كثيرة موجودة فيهما كما بينه الذهبي في مختصر المستدرك.
من ذلك حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن خرجه الحاكم وهو في صحيح مسلم قال: ابن كثير وفي المستدرك أنواع من الحديث كثيرة فيه الصحيح المستدرك وهو قليل وفيه صحيح خرجاه أو أحدهما لم يعلم به الحاكم وفيه الحسن والضعيف والموضوع وقد بين ذلك الذهبي وجمع ما فيه من الموضوع فبلغ قريبا من مائة حديث.
وفهم بعضهم من قوله: ويقاربه في حكمه صحيح ابن حبان ترجيح كتاب الحاكم على كتاب ابن حبان وليس ذلك بمراد له بل أراد أنه يقاربه في التساهل فالحاكم أشد تساهلا منه.
وقال الحازمي ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم.
قال ابن كثير إن ابن خزيمة وابن حبان التزما الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتونا.
стр. 30
قال الخامسة: الكتب المخرجة على كتاب البخاري أو كتاب مسلم لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتها في ألفاظ الأحاديث بعينها من غير زيادة ونقصان لكونهم رووا تلك الأحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلبا لعلو الإسناد فحصل فيها بعض التفاوت في الألفاظ وهكذا ما أخرجه المؤلفون في تصانيفهم المستقلة كالسنن الكبير للبيهقي وشرح السنة لأبي محمد البغوي وغيرهما مما قالوا فيه أخرجه البخاري أو مسلم فلا نستفيد١ بذلك أكثر من أن البخاري أو مسلما أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ وربما كان تفاوتا في بعض المعنى فقد وجدت في ذلك ما فيه بعض التفاوت من حيث المعنى.
وإذا كان الأمر في ذلك على هذا فليس لك أن تنقل حديثا منها وتقول هو على هذا الوجه في كتاب البخاري أو٢ كتاب مسلم إلا أن تقابل لفظة أو يكون الذي خرجه قد قال: أخرجه البخاري بهذا اللفظ بخلاف الكتب المختصرة من الصحيحين فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظ الصحيحن أو أحدهما غير أن الجمع بين الصحيحن للحميدي الأندلسي منها يشتمل على زيادة تتمات لبعض الأحاديث٣ كما قدمنا ذكره فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده فيه عن الصحيحين او أحدهما وهو مخطئ لكونه من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحد من الصحيحين.
ثم إن التخاريج المذكورة على الكتابين يستفاد منها فائدتان.
إحداهما: علو الإسناد.
والثانية: الزيادة في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظ زائدة وتتمات في بعض الأحاديث تثبت٤ صحتها بهذه التخاريج لأنها واردة بالأسانيد الثابتة.
стр. 31
في الصحيحين أو أحدهما وخارجه من ذلك المخرج الثابت والله أعلم انتهى.
أهمل المصنف فائدة ثالثة: وهي تكثير طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض فالاستخراج عبارة عن أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري مثلا فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري في شيخه أو من فوقه كالمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي ولأبي بكر البرقاني ولأبي نعيم الأصبهاني والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة ولأبي نعيم أيضا ولم يلتزم المستخرج لفظ الكتاب الذي خرج عليه فلهذا لا يعزى منها شيء إلى البخاري مطلقا إلا بالشرط المتقدم.
وفائدة علو الإسناد أن المستخرج لو روى حديثا من طريق البخاري لوقع أنزل من طريقه.
مثاله حديث في مسند أبي داود الطيالسي فلو رواه أبو نعيم من طريق البخاري كان بينه وبين أبي داود أربعة شيخان بينه وبين البخاري والبخاري وشيخه وإذا رواه من غير طريق البخاري كان بين أبي نعيم وبين أبي داود رجلان فقط فإن أبا نعيم سمع مسند أبي داود على ابن فارس بسماعه من يونس بن حبيب بسماعه منه مع ان البخاري لم يرو عن أصحاب أبي داود عنه وإنما علق عنه ولم يسمع.
قال السادسة ما أسنده البخاري ومسلم في كتابيهما بالإسناد المتصل فذلك الذي حكما بصحته بلا إشكال واما الذي١ حذف من مبتدإ إسناده واحد او أكثر وأغلب٢ ما وقع ذلك في كتاب البخاري وهو في كتاب مسلم قليل جدا ففي بعضه نظر وينبغي أن نقول ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علقه عنه فقد حكم بصحته عنه.
стр. 32
مثاله قال: رسول الله ﷺ كذا وكذا قال: ابن عباس كذا قال: مجاهد كذا قال: عفان كذا قال: القعنبي كذا روى أبو هريرة كذا وكذا وما أشبه ذلك من العبارات.
فكل ذلك حكم منه على من ذكره عنه بأنه قد قال: ذلك ورواه فلن يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك١.
ثم إذا كان الذي علق الحديث عنه دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي.
وأما ما لم يكن فيه لفظ٢ جزم وحكم مثل روى عن رسول الله ﷺ كذا وكذا أو روى عن فلان كذا أو في الباب عن النبي ﷺ كذا وكذا فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه.
ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل جدا٣ يوجد في كتاب البخاري في مواضع٤ من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به وهو الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه وإلى الخصوص الذي بيناه٥ يرجع مطلق قوله ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح وكذلك مطلق قول الحافظ أبي نصر الوائلي السجزى أجمع أهل العلم٦ الفقهاء وغيرهم أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي٧ ﷺ قد صح عنه
стр. 33
ورسول الله ﷺ قاله: "لا شك فيه أنه١ لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته".
وكذلك ما ذكره أبو عبد الله الحميدي في كتابه الجامع بين الصحيحين٢ من قوله لم نجد من الأئمة الماضين من أفصح لنا في جميع ما جمعه بالصحة إلا هذين الإمامين.
فإنما المراد بكل ذلك مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون٣ الأبواب دون التراجم ونحوها لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعا مثل قول البخاري باب ما يذكر في الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلي الله عليه وسلم: "الفخذ عورة" وقوله: في أول باب من أبواب الغسل وقال بهز٤ عن أبيه عن جده عن النبي صلي الله عليه وسلم "الله أحق أن يستحيا منه".
فهذا قطعا ليس من شرطه ولذلك لم يورده الحميدي في جمعه بين الصحيحين فاعلم ذلك فإنه مهم خاف والله أعلم انتهى.
قال ابن حزم وما وجدنا في كتاب البخاري ومسلم سوى حديثين فيهما وهم٥ مع اتقانهما وحفظهما.
فذكر للبخاري حديث شريك عن أنس في الإسراء وأنه قبل أن يوحى إليه وفيه شق صدره.
قال ابن حزم والآفة من شريك.
وذكر لمسلم حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس كان
стр. 34
المسلمون لا ينظرون إلي أبي سفيان فقال للنبي صلي الله عليه وسلم: "ثلاث أعطينهن" قال: "نعم" قال: عندي أحسن العرب وأجمله ام حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال: "نعم".
قال ابن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار.
وقوله: وذلك كثير في البخاري وقليل في مسلم جدا أي أن فيهما مواضع لم يصلاها١ بإسنادها بل قطعا أول أسانيدها مما يليهما وليس في مسلم منها سوى موضع واحد في التيمم حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل الحديث فقال مسلم وروى الليث ابن سعد ولم يوصل سنده إلى الليث وقد أسنده البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث قال: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي الجهيم فقال أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل الحديث مع أن في مسلم غير هذا مواضع يسيرة كقوله في البيوع وروى الليث بن سعد حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الحديث.
وقال مسلم في الحدود وروى الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله.
стр. 35
وهذان الحديثان رواهما قبل ذلك بإسناده المتصل ثم عقبهما بهذين الإسنادين المعلقين فليس ذلك من باب التعليق في شيء فليس فيه من التعليق غير حديث أبي الجهيم١ وقد وصله البخاري والنسائي أيضا قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي قال: حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه وكذا وصله غيرهما.
وأول من نبه على ما وقع في مسلم الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري فنبة على أربعة عشر حديثا جمعها الحافظ رشيد الدين يحيى بن علي بن العطار وزاد عليها عشرين حديثا غير ما وقع فيه من المرسل والمكاتبة والوجادة جمع ذلك في كتاب سماه غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في مسلم من الأحاديث المقطوعة وكذا استدرك عليه الدارقطني مواضع جمع ذلك كله الحافظ العراقي فسح الله في مدته وكلها مسندة صحيحة وصلها مسلم كلها إلا حديث أبي الجهيم المتقدم واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة أنصاري ويقال فيه أيضا أبو الجهم بفتح الجيم والمشهور تصغيره٢ ووقع في مسند مسلم عبد الرحمن بن يسار وصوابه عبد الله بن يسار كما تقدم وكما رواه البخاري وأبو داود والنسائي ويسار مولى ميمونة زوج النبي صلي اله عليه وسلم وبنوه أربعة عبد الله وعطاء وسليمان وعبد الملك٣.
ومن المرسل ما أورده في كتاب البيوع قال: فيه حدثني محمد بن رافع حدثنا حجين حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة والمحاقلة.
ثم قال: وأخبرني سالم بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر" ٤.
وقال سالم أخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 36
رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك.
فالحديثان الأولان مرسلان والثالث: متصل وإنما ذكره مسلم لأنه سمعه حديثا واحدا من محمد بن رافع فاختار ذكر جميع الحديث بتمامه مع أنه قد أسند الحديثين فأسند الأول من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وأسند الثاني: من حديث ابن١ عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه وكذلك وصله البخاري من الوجه الذي أرسله مسلم.
وفيه من الوجادة حديث أخرجه في كتاب الفضائل قال: فيه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عروة عن عائشة قالت إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ " استبطاء ليوم عائشة.
قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري".
ولم يخرجه إلا في هذا الموضع وحده وقد أخرجه البخاري متصلا من غير وجادة قال: ثنا محمد بن حرب ثنا أبو مروان ثنا يحيى بن أبي٢ زكريا عن هشام عن أبيه عن عائشة.
ويحيى بن أبي زكريا هذا هو الغساني شامي ربما اشتبه بيحيى بن زكريا بن أبي زائدة لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة.
وكذلك حديث في الفضائل أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت قال: لي رسول الله ﷺ : "إني لأعلم إذا كنت علي غضبي أو راضية" الحديث.
وبه قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ لست وبنى بي لتسع" الحديث كلاهما وجادة لكنه وصلهما فقال حدثني أبو كريب عن ابي أسامة.
قال الرشيد العطار ووقع في مسلم أيضا أحاديث فوق العشرة مروية بالمكاتبة لم يسمعها الراوي لها ممن كاتبه فهي مقطوعة سماعا متصلة مكاتبة.
стр. 37
فمنهم من أجاز ذلك بشرط أن يأذن الكاتب للمكتوب له في روايتها كما نص عليه الغزالي في المستصفى وقال الإمام في النهاية كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل والشافعي لا يعمل بالمرسل ونقل القاضي عياض عن الجمهور جواز العمل بالمكاتبة وأنها داخلة في المسند.
وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه حديث مخرمة بن بكير عن أبيه فإنه لم يسمع من أبيه شيئا إنما روى عن كتب أبيه وقال أحمد مخرمة يقال لم يسمع من ابيه إنما روى من كتابه.
وقد وقعت مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد في جلود الميتة إذا دبغت قال: الشافعي دباغها طهورها لحديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة: إنه صلي الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال "هلا انتفعتم بجلدها"
فقال إسحاق حديث ابن عكيم١: "كتب إلينا النبي صلي الله عليه وسلم قبل موته بشهر "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة
فقال الشافعي هذا كتاب وذاك سماع قال: إسحاق: كتب النبي صلي الله عليه وسلم إلى كسرى وإلى قيصر وهو حجة عليهم عند الله تعالى فسكت الشافعي فلما سمع أحمد ذلك عمل بحديث ابن عكيم ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي وأفتى بحديث ميمونة.
واعترض بعضهم على المصنف بأنه مثل للذي حذف من مبتدإ إسناده واحد او أكثر بقوله: "قال عفان كذا قال: القعنبي كذا".
قال٢: وهذا لم يسقط من إسناده أحد لأن عفانا والقعنبي كلاهما من شيوخ البخاري وهذا عجيب وكيف يجهل المصنف هذا وقد نبه عليه بعد وجعله من قبيل المتصل حيث رد على ابن حزم في رابع التعريفات من النوع الحادي عشر كما سيأتي.
وإنما مراده أن يذكر صيغة التعليق من حيث الجملة فقال مثاله قال: رسول الله
стр. 38
صلى الله عليه وسلم كذا وكذا قال: ابن عباس كذا قال القعنبي كذا روى أبو هريرة كذا ولم يقصد البخاري ولا غيره.
وقد رد الناس على ابن منده قوله١ أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها قال: لنا فلان وهي إجازة وقال فلان وهو تدليس قال: وكذلك مسلم أخرجه على هذا انتهى.
ولم يوافقه أحد على ذلك لأن مسلما لم يقل عن أحد من شيوخه قال: فلان وإنما روى عنهم بالتصريح
وقوله: إذا كان الذي علق عنه الحديث دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي أي إذا كان رجال الإسناد ثقات واحترز بذلك عن نحو قول البخاري وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلي الله عليه وسلم: "الله أحق أن يستحيى منه".
قال المصنف بعد هذا وليس ذلك من شرط البخاري قطعا ولهذا لم يذكره الحميدي في جمعه بين الصحيحين
واعترض على قوله ما كان مجزوما به فقد حكم بصحته عمن علقه عنه وما لم يكن مجزوما به فليس فيه حكم بصحته بان البخاري يورد الشيء بصيغة التمريض ثم يخرجه في صحيحه مسندا وقد يجزم بالشيء ولا يكون صحيحا كما قال: في كتاب الصلاة ويذكر عن أبي موسى كنا نتناوب النبي صلي الله عليه وسلم عند صلاة العشاء ثم أسنده في "باب فضل العشاء".
وقال في كتاب الطب ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم في الرقى بفاتحة الكتاب٢ وقد وصله بقوله ثنا سيدان بن مضارب ثنا أبو معشر البراء حدثني عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به.
وقال في كتاب الإشخاص ويذكر عن جابر ان النبي صلي الله عليه وسلم رد على
стр. 39
المتصدق صدقته.
قال١: هو حديث صحيح عنده: "دبر رجل عبدا ليس له مال غيره فباعه النبي صلي الله عليه وسلم من نعيم بن النحام".
وقال في كتاب الطلاق ويذكر عن علي بن أبي طالب وابن المسيب وذكر نحوا من ثلاثة وعشرين تابعيا كذا قال: وفيها ما هو صحيح عنده وفيها ما هو ضعيف.
ثم استدل على الضعف بشيء ضعيف بأن قال: قال البخاري في كتاب التوحيد إثر حديث أبي سعيد الناس يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى.
قال٢: وقال الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة فأكون أول من بعث.
قال٣: ورد البخاري بنفسه على نفسه فذكر في أحاديث الأنبياء حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة وكذا رواه مسلم والنسائي ثم قال: قال أبو مسعود إنما يعرف عن الماجشون عن ابن الفضل عن الأعرج انتهى.
ويالله العجب إذا كان الحديث صحيحا عند البخاري ورواه متصلا بأن جعل مكان أبي سلمة الأعرج فكيف يحكم بضعفه وكيف يقول رد البخاري بنفسه على نفسه.
إذ لا مانع من أن يكون الماجشون له سندان عن شيخه ابن الفضل بأن يكون سمعه منهما ثم رواه مرة عن أبي سلمة ومرة عن الأعرج ولا يحكم على البخاري بالوهم والغلط بقول أبي مسعود الدمشقي فشتان ما بينهما مع ان المصنف لم يقل إن صيغة التمريض لا تستعمل إلا في الضعيف بل في كلامه أنها تستعمل في الصحيح أيضا فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس
стр. 40
مخالفا لكلام المصنف فالبخاري حيث علق ما هو صحيح يأتي بصيغة الجزم ولا يعدل عنها إلا لغرض كاختصار بعض الحديث او روايته بالمعنى كحديث أبي موسى.
وأما حديث ابن عباس فإنما لم يجزم به البخاري في الأول لأن فيه والرقية بفاتحة الكتاب وليست هذه اللفظة في الحديث المتصل لا من قوله ولا من فعله صلي الله عليه وسلم ولهذا علقه في كتاب الإجارة وجزم به فقال وقال ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.
وأما حديث جابر فليس المراد به المدبر بل المراد والله اعلم حديثه في الرجل الذي دخل المسجد والنبي صلي الله عليه وسلم يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه فجاء في الجمعة الثانية فأمر صلي الله عليه وسلم بالصدقة فتصدق المتصدق عليه بأحد ثوبيه فرده عليه النبي صلي الله عليه وسلم.
وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني وهو الذي تأول به الحنفي قصة سليك الغطفاني في أمره بتحية المسجد حين دخل حال الخطبة.
وأما حديث علي فإنه لا اعتراض عليه فيه لأنه إذا جمع بين ما صح وما لم يصح أتى بصيغة التمريض لأنها تستعمل فيه وفي الصحيح أيضا وأما صيغة الجزم فإنها لا تستعمل في الضعيف.
وأما قول الحافظ أبي الوائلي السجزي إنه لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح مما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم وأنه قاله إنه لا يحنث قال: الإمام وكذا ما في كتاب مسلم لا أحنثه لإجماع العلماء على صحتهما.
قال المصنف: بل لو حلف على حديث في غيرهما لم يحنث وإن كان راويه فاسقا قاله في القطعة التي عملها في شرح صحيح مسلم.
وقال النووي في شرح مسلم إنه لا يحنث ظاهرا ولا يستحب له التزام الحنث حتى لا١ تستحب له الرجعة بخلاف ما إذا حلف على غير الصحيحين فإنه تستحب له الرجعة٢ اعترض عليه أيضا بقوله لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعا أي من الصحيح قال: مثل قول البخاري باب ما يذكر في