رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك.
فالحديثان الأولان مرسلان والثالث: متصل وإنما ذكره مسلم لأنه سمعه حديثا واحدا من محمد بن رافع فاختار ذكر جميع الحديث بتمامه مع أنه قد أسند الحديثين فأسند الأول من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وأسند الثاني: من حديث ابن١ عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه وكذلك وصله البخاري من الوجه الذي أرسله مسلم.
وفيه من الوجادة حديث أخرجه في كتاب الفضائل قال: فيه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عروة عن عائشة قالت إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ " استبطاء ليوم عائشة.
قالت: فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري".
ولم يخرجه إلا في هذا الموضع وحده وقد أخرجه البخاري متصلا من غير وجادة قال: ثنا محمد بن حرب ثنا أبو مروان ثنا يحيى بن أبي٢ زكريا عن هشام عن أبيه عن عائشة.
ويحيى بن أبي زكريا هذا هو الغساني شامي ربما اشتبه بيحيى بن زكريا بن أبي زائدة لاشتراكهما في الرواية عن هشام بن عروة.
وكذلك حديث في الفضائل أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت قال: لي رسول الله ﷺ : "إني لأعلم إذا كنت علي غضبي أو راضية" الحديث.
وبه قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ لست وبنى بي لتسع" الحديث كلاهما وجادة لكنه وصلهما فقال حدثني أبو كريب عن ابي أسامة.
قال الرشيد العطار ووقع في مسلم أيضا أحاديث فوق العشرة مروية بالمكاتبة لم يسمعها الراوي لها ممن كاتبه فهي مقطوعة سماعا متصلة مكاتبة.
стр. 37
فمنهم من أجاز ذلك بشرط أن يأذن الكاتب للمكتوب له في روايتها كما نص عليه الغزالي في المستصفى وقال الإمام في النهاية كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل والشافعي لا يعمل بالمرسل ونقل القاضي عياض عن الجمهور جواز العمل بالمكاتبة وأنها داخلة في المسند.
وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه حديث مخرمة بن بكير عن أبيه فإنه لم يسمع من أبيه شيئا إنما روى عن كتب أبيه وقال أحمد مخرمة يقال لم يسمع من ابيه إنما روى من كتابه.
وقد وقعت مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد في جلود الميتة إذا دبغت قال: الشافعي دباغها طهورها لحديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة: إنه صلي الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال "هلا انتفعتم بجلدها"
فقال إسحاق حديث ابن عكيم١: "كتب إلينا النبي صلي الله عليه وسلم قبل موته بشهر "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة
فقال الشافعي هذا كتاب وذاك سماع قال: إسحاق: كتب النبي صلي الله عليه وسلم إلى كسرى وإلى قيصر وهو حجة عليهم عند الله تعالى فسكت الشافعي فلما سمع أحمد ذلك عمل بحديث ابن عكيم ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي وأفتى بحديث ميمونة.
واعترض بعضهم على المصنف بأنه مثل للذي حذف من مبتدإ إسناده واحد او أكثر بقوله: "قال عفان كذا قال: القعنبي كذا".
قال٢: وهذا لم يسقط من إسناده أحد لأن عفانا والقعنبي كلاهما من شيوخ البخاري وهذا عجيب وكيف يجهل المصنف هذا وقد نبه عليه بعد وجعله من قبيل المتصل حيث رد على ابن حزم في رابع التعريفات من النوع الحادي عشر كما سيأتي.
وإنما مراده أن يذكر صيغة التعليق من حيث الجملة فقال مثاله قال: رسول الله
стр. 38
صلى الله عليه وسلم كذا وكذا قال: ابن عباس كذا قال القعنبي كذا روى أبو هريرة كذا ولم يقصد البخاري ولا غيره.
وقد رد الناس على ابن منده قوله١ أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها قال: لنا فلان وهي إجازة وقال فلان وهو تدليس قال: وكذلك مسلم أخرجه على هذا انتهى.
ولم يوافقه أحد على ذلك لأن مسلما لم يقل عن أحد من شيوخه قال: فلان وإنما روى عنهم بالتصريح
وقوله: إذا كان الذي علق عنه الحديث دون الصحابة فالحكم بصحته يتوقف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي أي إذا كان رجال الإسناد ثقات واحترز بذلك عن نحو قول البخاري وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلي الله عليه وسلم: "الله أحق أن يستحيى منه".
قال المصنف بعد هذا وليس ذلك من شرط البخاري قطعا ولهذا لم يذكره الحميدي في جمعه بين الصحيحين
واعترض على قوله ما كان مجزوما به فقد حكم بصحته عمن علقه عنه وما لم يكن مجزوما به فليس فيه حكم بصحته بان البخاري يورد الشيء بصيغة التمريض ثم يخرجه في صحيحه مسندا وقد يجزم بالشيء ولا يكون صحيحا كما قال: في كتاب الصلاة ويذكر عن أبي موسى كنا نتناوب النبي صلي الله عليه وسلم عند صلاة العشاء ثم أسنده في "باب فضل العشاء".
وقال في كتاب الطب ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم في الرقى بفاتحة الكتاب٢ وقد وصله بقوله ثنا سيدان بن مضارب ثنا أبو معشر البراء حدثني عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به.
وقال في كتاب الإشخاص ويذكر عن جابر ان النبي صلي الله عليه وسلم رد على
стр. 39
المتصدق صدقته.
قال١: هو حديث صحيح عنده: "دبر رجل عبدا ليس له مال غيره فباعه النبي صلي الله عليه وسلم من نعيم بن النحام".
وقال في كتاب الطلاق ويذكر عن علي بن أبي طالب وابن المسيب وذكر نحوا من ثلاثة وعشرين تابعيا كذا قال: وفيها ما هو صحيح عنده وفيها ما هو ضعيف.
ثم استدل على الضعف بشيء ضعيف بأن قال: قال البخاري في كتاب التوحيد إثر حديث أبي سعيد الناس يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى.
قال٢: وقال الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة فأكون أول من بعث.
قال٣: ورد البخاري بنفسه على نفسه فذكر في أحاديث الأنبياء حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة وكذا رواه مسلم والنسائي ثم قال: قال أبو مسعود إنما يعرف عن الماجشون عن ابن الفضل عن الأعرج انتهى.
ويالله العجب إذا كان الحديث صحيحا عند البخاري ورواه متصلا بأن جعل مكان أبي سلمة الأعرج فكيف يحكم بضعفه وكيف يقول رد البخاري بنفسه على نفسه.
إذ لا مانع من أن يكون الماجشون له سندان عن شيخه ابن الفضل بأن يكون سمعه منهما ثم رواه مرة عن أبي سلمة ومرة عن الأعرج ولا يحكم على البخاري بالوهم والغلط بقول أبي مسعود الدمشقي فشتان ما بينهما مع ان المصنف لم يقل إن صيغة التمريض لا تستعمل إلا في الضعيف بل في كلامه أنها تستعمل في الصحيح أيضا فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس
стр. 40
مخالفا لكلام المصنف فالبخاري حيث علق ما هو صحيح يأتي بصيغة الجزم ولا يعدل عنها إلا لغرض كاختصار بعض الحديث او روايته بالمعنى كحديث أبي موسى.
وأما حديث ابن عباس فإنما لم يجزم به البخاري في الأول لأن فيه والرقية بفاتحة الكتاب وليست هذه اللفظة في الحديث المتصل لا من قوله ولا من فعله صلي الله عليه وسلم ولهذا علقه في كتاب الإجارة وجزم به فقال وقال ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.
وأما حديث جابر فليس المراد به المدبر بل المراد والله اعلم حديثه في الرجل الذي دخل المسجد والنبي صلي الله عليه وسلم يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه فجاء في الجمعة الثانية فأمر صلي الله عليه وسلم بالصدقة فتصدق المتصدق عليه بأحد ثوبيه فرده عليه النبي صلي الله عليه وسلم.
وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني وهو الذي تأول به الحنفي قصة سليك الغطفاني في أمره بتحية المسجد حين دخل حال الخطبة.
وأما حديث علي فإنه لا اعتراض عليه فيه لأنه إذا جمع بين ما صح وما لم يصح أتى بصيغة التمريض لأنها تستعمل فيه وفي الصحيح أيضا وأما صيغة الجزم فإنها لا تستعمل في الضعيف.
وأما قول الحافظ أبي الوائلي السجزي إنه لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح مما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم وأنه قاله إنه لا يحنث قال: الإمام وكذا ما في كتاب مسلم لا أحنثه لإجماع العلماء على صحتهما.
قال المصنف: بل لو حلف على حديث في غيرهما لم يحنث وإن كان راويه فاسقا قاله في القطعة التي عملها في شرح صحيح مسلم.
وقال النووي في شرح مسلم إنه لا يحنث ظاهرا ولا يستحب له التزام الحنث حتى لا١ تستحب له الرجعة بخلاف ما إذا حلف على غير الصحيحين فإنه تستحب له الرجعة٢ اعترض عليه أيضا بقوله لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعا أي من الصحيح قال: مثل قول البخاري باب ما يذكر في
стр. 41
الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلي الله عليه وسلم الفخذ عورة مع أن حديث جرهد صحيح ولا يرد على المصنف لأنه لم ينف صحته مطلقا بل نفى كونه من شرط البخاري مع ان الحديث مضطرب الإسناد فقيل عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه عن جده وقيل عن زرعة عن جده ولم يذكر أباه وقيل عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم وقيل غير ذلك وأخرجه أبو داود وسكت عليه والترمذي من طرق وحسنه وقال البخاري حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط.
قال السابعة وإذ انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما خرجه الأئمة في تصانيفهم١ الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكره فالحاجة ماسة إلى التنبيه على أقسامه باعتبار ذلك.
فأولها صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعا.
الثاني: صحيح أنفرد به البخاري٢.
الثالث: ما انفرد به مسلم٣.
الرابع: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
الخامس: صحيح على شرط البخاري لم يخرجه.
السادس: صحيح على شرط مسلم لم يخرجه.
السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما.
هذه أمهات أقسامه وأعلاها الأول وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرا صحيح متفق عليه يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم لا اتفاق الأمة عليه.
стр. 42
لكن اتفاق الأمة عليه لازم١ وحاصل معه بالاتفاق٢ الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول.
وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لمن نفى٣ ذلك وقال لا يفيد إلا٤ الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول لوجوب العمل٥ بالظن والظن قد يخطئ.
و٦كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح لأن الأمة معصومة٧ من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبني٨ على الاجتهاد حجة مقطوعا٩ بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك.
وهذه نكتة نفيسة نافعة تفيد ان ما١٠ انفرد به البخاري أو مسلم يقطع١١ بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق سوى أحرف يسيرة نبه عليها الحافظ الدارقطني وغيره١٢ انتهى.
стр. 43
اعترض بعضهم بأن الأولى أن يقول أصحها ما رواه الكتب الستة فإن عني بذلك ما اتفق الستة على توثيق رواته فمسلم وإلا فلا.
وقوله: مقطوع بصحته سبقه إلى ذلك الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف.
وعاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا على المصنف لأن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته قال: وهو مذهب ردئ وقال النواوي خالف ابن الصلاح المحققون فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي صلي الله عليه وسلم.
قال الثامنة إذا ظهر بما قدمناه انحصار معرفة١ الصحيح والحسن في٢ مراجعة الصحيحين وغيرهما٣ فسبيل من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك إذا كان ممن يسوغ له العمل بالحديث او الاحتجاج به لذي مذهب أن يرجع إلى أصل قد قابله هو أو ثقة بأصول٤ صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول انتهى.
قال النووي لا يشترط التعدد والتنوع بل لو قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه.
فائدة قال: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المدخل إلى معرفة المستدرك عدد من أخرج لهم البخاري في صحيحه ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في صحيحه ولم يحتج بهم البخاري ستمائة وخمسة وعشرون شيخا.
стр. 44
النوع الثاني: معرفة الحسن من الحديث
روينا عن أبي سليمان الخطابي أنه قال١: الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه٢ مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.
وروينا عن أبي عيسى الترمذي الحسن ان لا٣ يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا٤ ويروى من غير وجه نحو ذلك.
وقال بعض المتأخرين الحديث الذي٥ فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن ويصلح للعمل به.
وكل هذا٦ مستبهم لا يشفي الغليل وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح.
وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث جامعا بين أطراف كلامهم فتنقح٧ لي واتضح ان الحسن قسمان.
стр. 45
أحدهما هو الذي١ لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه ومتهما بالكذب٢ في الحديث يتعمد الكذب٣ ولا سبب آخر مفسق ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله او نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بما له شاهد٤ وهو ورود حديث آخر بنحوه فيخرج٥ بذلك عن ان يكون شاذا او منكرا٦.
وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
القسم الثاني: ان يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ولم٧ يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر٨ عنهم في الحفظ والإتقان وهو مع ذلك برتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا ويعتبر في كل هذا سلامة الحديث عن الشذوذ والإنكار والعلة٩.
وعلى هذا القسم١٠ الثاني: يتنزل كلام الخطابي.
فهذا الذي ذكرته١١ جامع لما تفرق في كلا من بلغنا كلامه في ذلك وكأن
стр. 46
الترمذي والخطابي ذكر كل واحد منهما احد نوعي الحسن واقتصر كل واحد منهما١ على ما رأى أنه يشكل معرضا عما راى أنه لا يشكل أو أنه غفل عن البعض وذهل.
هذا تأصيل ذلك والله أعلم. انتهى.
قوله واشتهر رجاله: هو المعروف ولا عبرة بما وجد بخط أبي علي الجباني ما عرف مخرجه واستقر حاله بالسين المهملة والقاف والحاء المهملة دون راء في أوله.
وقال ابن دقيق العيد في الاقتراح الحد ليس بمانع لأنه يشمل الحسن والصحيح ورده التبريزي بما ذكره بعد من أن الصحيح بعض من الحسن ودخول الخاص تحت العام ضروري.
وادعى بعض المتأخرين اتحاد حدى الخطابي والترمذي فقول الخطابي ما عرف مخرجه هو كقول الترمذي ويروى من غير وجه وقول الخطابي اشتهر رجاله يعني السلامة من الكذب هو كقول الترمذي ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا حاجة إلى ما زاده الترمذي من كونه لا يكون شاذا لأن الشاذ ينافي عرفان المخرج وخرج بقوله عرف مخرجه المرسل وخبر المدلس لا ما أراده من زعم اتحاد الحدين.
واعترض ابن كثير على المصنف قوله: روبنا عن الترمذي أن الحسن هو الذي لا يكون في إسناده إلى آخره فإن كان الترمذي نص عليه ففي أي كتاب وإن فهمه من اصطلاحه في جامعه فليس بصحيح فإنه يقول في كثير من الأحاديث حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى.
وجوابه ان الترمذي نص على ذلك في آخر جامعه في آخر العلل من رواية عبد الجبار بن محمد الجراحي عن المحبوبي ثم اتصلت عنه بالسماع
стр. 47
وليست في رواية كثير من المغاربة ونصه وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن إنما أردنا به حسن إسناده عندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ويروى من وجه غير ذاك١ فهو عندنا حديث حسن.
فلا ينقل عن الترمذي الحديث الحسن بذلك مطلقا في الاصطلاح العام.
وأراد بقوله قال: بعض المتأخرين هو الذي فيه ضعيف أبا الفرج ابن الجوزي قاله في كتابه٢ الموضوعات والعلل المتناهية.
قال ابن دقيق العيد في الاقتراح وهذا ضابط لا يتميز به القدر المحتمل من غيره وإذا اضطرب لم يحصل به التعريف المميز للحقيقة.
تنبيه أنكر بعضهم قول المصنف امعنت النظر في ذلك وكذلك قول الفقهاء في التيمم أمعن في الطلب بأن٣ أمعن ليست عربية.
ورد بما حكاه الأزهري في تهذيب اللغة عن الليث بن المظفر أمعن الفرس وغيره إذا تباعد في عدوه وكذا قال: الجوهري في الصحاح وأمعن الماء إذا اجراه وأمعن إذا أكثر وهو من الأضداد قال: أبو عمرو والمعن الكثير والمعن القليل والمعن الطويل والمعن القصير والمعن الإقرار بالحق والمعن الجحود والكفر بالنعم.
وأورد بعض المتأخرين على القسم الأول المنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروي مثله أو نحوه من وجه آخر ويرد على الثاني: المرسل الذي اشتهر رواته بما ذكر قال: فالأحسن ان يقال الحسن ما في إسناده المتصل مستور له به شاهد او مشهور قاصر عن درجة الإتقان وخلا من العلة والشذوذ.
نعم يرد على الترمذي حيث اشترط في الحسن أن يروى من غير وجه نحوه
стр. 48
مع أنه حسن أحاديث لا تروى إلا من وجه واحد كحديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بردة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذ خرج من الخلاء قال: غفرانك فإنه قال: فيه حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة.
وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بان الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه هو الذي راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته وغايته ان الترمذي عرف بنوع منه لا كل أنواعه.
قال: ويوضحه تنبيهات١ وتفريعات.
أحدها الحسن يتقاصر عن الصحيح لأن شرط الصحيح أن٢ يكون جميع رواته قد ثبتت عدالتهم وضبطهم وإتقانهم إما بالنقل أو الاستفاضة كما سيأتي٣ وذلك غير مشروط٤ في الحسن فإنه يكتفى فيه بمجيئه من وجوه٥ وغير ذلك مما تقدم٦.
وإذا استبعد ذلك شافعي٧ ذكرنا له نص الشافعي ﵁ في مراسيل التابعين أنه يقبل منها المرسل الذي جاء نحوه مسندا أو وافقه٨ مرسل آخر أرسله من أخذ العلم من٩ غير رجال التابعي الأول في كلام له ذكر فيه وجوها من الاستدلال على صحة مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر.
стр. 49
وذكرنا له أيضا ما حكاه الإمام أبو المظفر السمعاني وغيره عن بعض أصحاب الشافعي من أنه تقبل رواية المستور لا شهادته١.
وله٢ وجه متجه كيف وأنا لم نكتف في الحديث الحسن بمجرد رواية المستور٣ انتهى.
اعترض عليه بان هذه الشروط لا توجد إلا في النزر٤ اليسير من رواة الصحيح.
وجوابه: ان طرق العدالة كثيرة متفاوتة بالضبط والإتقان فلا يشترط أعلاها كمالك وشعبة بل المراد أن لا يكون مغفلا كثير الغلط بان يوافق حديثه حديث أهل الضبط والإتقان غالبا.
وقوله: بمجيئه من وجوه ليس شرطا بل لو جاء من وجهين كفى.
وقوله: ذكرنا له نص الشافعي أهمل منه ان الشافعي لا يقبل المرسل إلا من أكابر الصحابة٥ وغير ذلك من الشروط كما نبه عليه النووي في شرح الوسيط المسمى بالتنقيح ولم يكمله بقوله وأما الحديث المرسل فليس بحجة عندنا إلا أن الشافعي قال: بجواز الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين بشرط أن يعتضد بأحد أمور أربعة.
وعبارة الشافعي في الرسالة:
стр. 50
والمنقطع مختلف فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدث حديثا منقطعا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور منها.
أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة من قبل١ عنه وحفظه فإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك.
ويعبتر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم٢ من غير رجاله الذين قبل عنهم فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله وهي أضعف من الأولى.
فإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم قولا له فإن وجد من يوافق ما روي عن رسول الله ﷺ كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى.
وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ .
ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه ويكون إذا شارك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحدا قبول مرسله.
قال وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله.
ثم قال: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحدا يقبل مرسله لأمور.
أحدها أنهم أشد تجوزا فبمن يروون عنه والآخر أنه وجد عليهم الدلائل
стр. 51
فيما أرسلوا بضعف مخرجه والآخر كثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه.
هذه عبارة الشافعي ﵀ في الرسالة.
قال الثاني: لعل الباحث الفهم يقول إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث الأذنان من الرأس ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأن بعضه يعضد١ بعضا كما قلتم في نوع الحسن٢.
وجوابه٣ أنه ليس كل ضعف٤ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه بل ذلك يتفاوت فمنه ضعف يزيله ذلك بان يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجوه أخر٥.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذا.
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة انتهى.
اعترض عليه بأن حديث الأذنان أخرجه ابن حبان في صحيحه فكيف جعله
стр. 52
ضعيفا
وجوابه١ أنه أخرجه من رواية شهر بن حوشب عن أبي أمامة وشهر ضعفه الجمهور ومع هذا فهو موقوف على أبي أمامة فهو من قوله كما نبه عليه أبو داود عقب٢ تخريجه له وكذلك الترمذي قالا قال: حماد بن زيد لا أدري أهو من قول النبي ﷺ : أم أبي أمامة وقال سليمان بن حرب يقولها أبو أمامة وقال الترمذي حديث ليس إسناده بذاك القائم.
وروي من حديث جماعة من الصحابة جمعهم ابن الجوزي في العلل المتناهية وضعفها كلها.
قال الثالث: إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة اهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين بالصدق والستر٣ وروي مع ذلك من غير٤ وجه فقد اجتمعت له القوة من الجهتين وذلك يرقي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح.
مثاله حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" فمحمد بن عمرو
стр. 53
ابن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته فحديثه من هذه الجهة حسن فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه وانجبر به ذلك النقص اليسير فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح انتهى.
وقد أخذ المصنف هذا الكلام من الترمذي وقال إنما صح حديث أبي هريرة لأنه قد روي من غير وجه وأراد بذلك متابعة شيخ محمد بن عمرو وهو أبو سلمة فقد تابعه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وسعيد المقبري وأبوه أبو سعيد وعطاء مولى ام حبيبة وحميد بن عبد الرحمن وأبو زرعة بن عمرو بن جرير وهو متفق عليه من طريق الأعرج والمتابعة قد يراد بها متابعة الشيخ وقد يراد بها شيخ الشيخ.
قال الرابع: كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما.
وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله هذا حديث حسن او هذا حديث حسن صحيح ونحو ذلك فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول وتعتمد على ما اتفقت عليه.
ونص الدارقطني في سننه على كثير من ذلك.
ومن مظانه سنن أبي داود السجستاني روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه وروينا عنه أيضا ما معناه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه١ وقال: "ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض".
قلت فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا وليس في واحد من
стр. 54
الصحيحين ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق إذ حكى أبو عبد الله ابن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي١ بمصر يقول كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي ان يخرج عن كل من لم يجمع على تركه قال: ابن منده وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال انتهى.
اعترض عليه بان غير الترمذي قد أكثر ذكر الحسن أيضا كيعقوب بن شيبة في مسنده وأبي علي الطوسي شيخ أبي حاتم فيقولان حسن صحيح.
وجوابه ان الترمذي أول من أكثر من ذلك لأنهما صنفا كتابيهما بعد الترمذي وكأن أبا علي خرج كتابه على كتاب الترمذي وشاركه في كثير من شيوخه.
وقد وقع التعبير بالحسن في كلام الشافعي ﵁ فقال في كتاب اختلاف الحديث قال: ابن عمر لقد أرتقيت على ظهر بيت لنا الحديث حديث ابن عمر مسند حسن الإسناد.
وقال فيه أيضا وسمعت من يروى بإسناد حسن أن أبا بكرة ذكر للنبي ﷺ أنه ركع دون الصف الحديث.
واعترض على قوله ومن مظانه سنن أبي داود فقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد لا يلزم أن يستفاد من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف ولا نص عليه غيره بصحة أن يكون عند أبي داود حسنا إذ قد يكون عنده صحيحا وإن لم يكن عند غيره كذلك.
واستحسن هذا الاعتراض أبو الفتح اليعمري في شرح الترمذي وليس بصحيح لأن رتبة الصحيح اعلى من الحسن فليس لنا أن نقدم على التصحيح إلا بمستند
стр. 55
وهو قد قال: إذا لم ينبه على ضعفه فإنه يكون صالحا أي للاحتجاج به١ ولا سيما إن كان أبو داود يرى أن بين الضعيف والصحيح مرتبة الحسن وإلا فالاحتياط أن يقال هو صالح كما قال: ابن المواق.
وتعقب اليعمري ابن الصلاح بأمر آخر فقال: لم يرسم أبو داود شيئا بالحسن وعلمه بذلك شبيه بعمل مسلم أنه اجتنب الضعيف الواهي وأتى بالقسم الأول والثاني: وكلاهما موجود في كتابه فهلا ألزم أبو عمرو مسلما ما ألزم أبا داود لأن معنى كلامهما واحد.
وقول أبي داود وما يشبهه يعني في الصحة وما يقاربه يعني فيها أيضا فهو نحو قول مسلم ليس كل الصحيح تجده عند مالك وشعبه وسفيان فاحتاج ان ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق وإن تفاوتوا في الحفظ والإتقان.
وفي قول أبي داود إن بعضها أصح من بعض إشارة إلى القدر المشترك بينهما في الصحة
والجواب أن مسلما شرط الصحيح بل الصحيح المجمع عليه فليس لنا أن نحكم على حديث في كتابه بأنه حسن عنده لا عرف من قصور الحسن عن الصحيح وأبو داود لم يشرط ذلك فافترقا.
واعترض الحافظ ابن كثير فقال: إن الروايات لسنن أبي داود كثيرة٢ ويوجد في بعضها ما ليس في الأخرى ولأبي عبيد الآجري عنه أسوله٣ في الجرح والتعديل ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه فقوله٤: "ما
стр. 56
سكت عنه فهو حسن" ما سكت عنه في سننه فقط أو مطلقا هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتفطن له.
وجوابه ان ذلك خاص بما في السنن فإن المصنف قال: إن من مظان الحسن سنن أبي داود وأبو داود نفسه قال: ذكرت في كتابي هذا الصحيح إلى آخره فكيف يحسن الاستفسار مع النص على التخصيص بالسنن.
قال الخامس: ما صار إليه صاحب المصابيح من تقسيم أحاديثه إلى نوعين صحاح وحسان١ مريدا بالصحاح ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما وبالحسان ما في أبي داود٢ والترمذي وأشباههما في تصانيفهم فهذا اصطلاح لا يعرف وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن٣ انتهى.
وأجاب بعضهم عن صاحب المصابيح وهو البغوي بأنه يبين في المصابيح عقب كل حديث كونه صحيحا أو حسنا أو غريبا فلا يرد عليه شيء.
ورد بانه لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن وإنما يسكت عليها وإنما يبين الغريب غالبا وقد يبين الضعيف كما قال: في خطبة كتابه وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه وإنما سكت عن٤ تمييز الصحيح من الحسن في كتابي السنن لاشتراكهما في الاحتجاج بهما.
قال السادس: كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يذكر فيها٥ مطلقا كمسند أبي داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ومسند أحمد بن حنبل ومسند
стр. 57
إسحاق بن راهويه ومسند عبد بن حميد ومسند الدارمي ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن سفيان ومسند البزار أبي بكر وأشباهها.
فهذه عادتهم فيها ان يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بان يكون حديثا محتجا به فلهذا تأخرت مرتبتها وإن جلت لجلالة مؤلفيها عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب انتهى.
اعترض عليه: كونه عد مسند الدارمي في جملة هذه المسانيد مما أفرد فيه حديث كل صحابي وحده وليس كذلك وإنما هو مرتب على الأبواب كالكتب الخمسة وسمي بالمسند كما سمي البخاري بالمسند الجامع الصحيح وإن كان مرتبا على الأبواب لكون أحاديثه مسندة إلا أن مسند الدارمي كثير الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة.
واعترض أيضا: بصحة بعض هذه المسانيد فإن أحمد بن حنبل شرط في مسنده ألا يخرج إلا حديثا صحيحا عنده قاله أبو موسى المديني.
وبأن إسحاق ابن راهويه يخرج أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي ذكره عنه أبو زرعة الرازي
وبأن مسند الدارمي أطلق عليه اسم الصحيح غير واحد من الحفاظ وبأن مسند البزار بين فيه الصحيح وغيره
وجوابه أنا لا نسلم ان أحمد اشترط الصحة في كتابه والذي رواه أبو موسى بسنده إليه أنه سئل عن حديث فقال انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة وهذا ليس صريحا في أن جميع ما فيه حجة بل فيه ان ما ليس في كتابه ليس بحجة ويرد عليه حديث أم زرع وغيره من الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيح وليست في مسنده بل فيه المحقق الضعيف١ وفيه
стр. 58
الموضوع ما نبه عليه الإمام أحمد نفسه وابن الجوزي وغيرهما وقد جمعها الحافظ زين الدين العراقي ثم في جزء منها حديث عائشة مرفوعا "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" في إسناده عمارة بن زاذان قال: الإمام أحمد هذا حديث كذب منكر وعمارة يروى أحاديث مناكير وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات مما في المسند.
وحديث عمر ﵁ قال: ولد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلام فسموه الوليد فقال النبي ﷺ : "سميتموه باسم فراعينكم ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه".
ذكره ابن حبان في تارخ الضعفاء في ترجمة إسماعيل بن عياش وقال هذا خبر باطل.
وذكره ابن الجوزي في الموضوعات في موضعين.
وحديث أنس قال: قال: رسول الله ﷺ "ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء الجنون والجذام والبرص فإذا بلغ خمسين لين الله عليه الحساب فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب فإذا بلغ سبعين أحبه الله واحبه أهل السماء فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع لأهل بيته" رواه أحمد مرفوعا ورواه موقوفا على أنس وعلة طريقة الرفع١ يوسف بن أبي ذرة قال: ابن حبان يروى المناكير التي لا أصل لها ولا يحل الاحتجاج به بحال وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الرفع والوقف.
وحديث عسقلان روى بسنده إلى أنس قال: قال: رسول الله ﷺ "عسقلان
стр. 59
أحد١ العروسين يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفا لا حساب عليهم ويبعث منها خمسون ألفا شهداء وفودا إلى الله تعالى وفيها٢ صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثج أوداجهم دما يقولون ربنا آتنا ما وعدتنا" الحديث.
أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال حديث لا يصح جميع طرقه تدور على أبي عقال هلال بن زيد بن يسار قال: ابن حبان يروى عن أنس أشياء موضوعة لا يجوز الاحتجاج به بحال.
وحديث الاحتكار روي بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله ﵎ منه وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله ﵎".
رواه ابن عدي في الكامل في ترجمة أصبغ بن زيد وقال ليس بمحفوظ ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أحمد وقال لا يصح وقال ابن حبان أصبغ لا يجوز الاحتجاج به وذكره أبو حفص عمر بن بدر الموصلي في موضوعاته.
والإنصاف أن الحديث ليس بموضوع فإن الحاكم أخرجه في "مستدركه" من طريق أصبغ فإنه ثقة عند أحمد وابن معين والنسائي.
وحديث بعث خراسان روي بسنده إلى أوس بن عبد الله بن بريدة قال: أخبرني أخي سهل عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون٣ بعدي بعوث كثيرة فكونوا في بعث خراسان ثم انزلوا بمدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة ولا يضر أهلها سوء".
أورده أبو حاتم في الضعفاء وقال سهل بن عبد الله منكر الحديث وأخوه
стр. 60
أوس ضعيف جدا وقال النسائي ليس بثقة وقال الداقطني متروك.
ولعبد الله بن أحمد في المسند زيادات فيها الضعيف والموضوع فروى بسنده إلى عبد الله بن شريك عن عبد الله بن الرقيم قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل فلقينا سعد بن مالك بها فقال أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشاعة في المسجد وترك باب علي.
قال ابن الجوزي في الموضوعات إنه حديث باطل لا يصح وضعته الرافضة ليقابلوا به الحديث المتفق على صحته في سد الأبواب غير باب أبي بكر وأعله بعبد الله بن شريك فإنه كان من أصحاب المختار وقيل إنه تاب قال: الجوزجاني هو كذاب مع ان أحمد وابن معين وثقاه.
وبسنده أيضا إلى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: سدوا الأبواب في المسجد إلا باب علي ذكره أيضا في الموضوعات وقال باطل لا يصح وضعته الرافضة.
وحديث العير روي بسنده إلى أنس قال: بينما عائشة ﵂ في بيتها سمعت صوتا في المدينة فقالت ما هذا فقالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء وكانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول قد رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبوا فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله عز وجل١.
أورده ابن الجوزي في الموضوعات وقال قال: أحمد هذا حديث كذب منكر وعمارة يروي المناكير وقال أبو حاتم عمارة بن زاذان لا يحتج به.
وقد اعتذر الشيخ تقي الدين ابن تيمية عن هذه الأحاديث بأنها ليست من رواية الإمام أحمد ولا من رواية ولده عبد الله وإنما هي من رواية القطيعي وليس
стр. 61
كذلك بل وجدت مخرجة من روايتهما.
وأما مسند إسحاق بن راهويه فإن فيه الضعيف ولا يلزم من كونه يخرج أمثل ما عند الصحابي ان يكون جميع ما خرجه صحيحا بل هو أمثل بالنسبة لما تركه.
فمما فيه من الضعيف:
حديث سليمان بن نافع العبدي عن أبيه قال: وفد المنذر بن ساوى من البحرين إلى المدينة ومعه أناس وأنا غليم١ أمسك جمالهم فيسلموا على النبي ﷺ ووضع المنذر سلاحه ولبس ثيابه وأنا مع الجمال أنظر إلى رسول الله ﷺ كما أنظر إليك قال: ومات أبي وهو ابن عشرين ومائة سنة.
قال الذهبي سليمان غير معروف وهو يقتضي ان نافعا عاش إلى دولة هشام والمعروف ان آخر الصحابة موتا أبو الطفيل كما قاله مسلم وغيره.
وأما مسند البزار فإنه لا يبين الصحيح من الضعيف إلا قليلا إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث به ومتابعة غيره عليه.
قال السابع: قولهم هذا حديث صحيح الإسناد او حسن الإسناد دون قولهم هذا حديث صحيح أو حديث حسن لأنه قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذا أو معللا.
غير ان المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه فالظاهر منه الحكم بصحته في نفسه٢ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر.
الثامن: في قول الترمذي وغيره هذا حديث حسن صحيح إشكال لأن
стр. 62
الحسن قاصر عن الصحيح كما سبق١ ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته وجوابه ان ذلك راجع إلى الإسناد فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح استقام ان يقال فيه إنه حديث حسن صحيح فهو حسن٢ بالنسبة إلى إسناد صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر ولا يستنكران٣ يكون بعض من قال: ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي وهو ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي انتهى.
اعترض الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد على قوله: يكون له إسنادان سند للصحيح وسند للحسن فإن فيه أحاديث كثيرة يقول فيها الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا" قال: أبو عيسى حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
وأجاب بعض المتأخرين عن المصنف بان الترمذي حيث قال: هذا يريد به تفرد أحد الرواة به عن الآخر لا التفرد المطلق.
ويوضح ذلك ما ذكره في الفتن من حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة يرفعه من أشار إلى أخيه بحديدة الحديث قال: فيه هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه فاستغربه من حديث خالد لا مطلقا.
ورد الشيخ تقي الدين الجواب الثاني: بأنه يلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن وذلك لا يقوله أحد.
стр. 63
وجوابه: أنهم قد يطلقون على الضعيف بأنه حسن أي حسن اللفظ لا المعنى الاصطلاحي.
فروى ابن عبد البر في كتاب بيان آداب العلم حديث معاذ بن جبل مرفوعا تعلموا العلم فإن تعلمه١ لله خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدي بفعالهم وينتهي إلى رأيهم ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتهم تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة والتفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام هو إمام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء.
قال ابن عبد البر: "وهو حديث حسن جدا ولكن ليس له إسناد قوي".
فأراد بالحسن حسن اللفظ قطعا فإنه من رواية موسى بن محمد البلقاوي عن عبد الرحيم بن زيد العمى والبلقاوي كذاب كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث والظاهر ان هذا الحديث مما صنعت يداه وعبد الرحيم العمى متروك.
وقال أمية بن خالد قلت لشعبة تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وتدع عبد الملك بن أبي سليمان وقد كان حسن الحديث قال: من حسنها فررت.
وأجاب ابن دقيق العيد بأن الحسن لا يشترط فيه قيد القصور عن الصحيح
стр. 64
فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة فيصح أن يقال صحيح باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان وحسن باعتبار الصفة التي دونها وهي مجرد الصدق.
وسبقه إلى ذلك ابن المواق في كتابه بغية النقاد فقال ظهر من هذا كله ان الحسن عند أبي عيسى صفة لا تخص الحسن بل قد يشركه فيها الصحيح فكل صحيح عنده حسن ولا عكس.
واعترض اليعمري على ابن المواق فقال في مقدمة شرح الترمذي بقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر ولم يشترط ذلك في الصحيح فانتفى أن يكون كل صحيح حسنا فعلى هذا الأفراد الصحيحة ليست بحسنة عنده كحديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "السفر قطعة من العذاب" وحديث "نهى عن بيع الولاء وهبته".
مع أن اليعمري خالف ذلك في أثناء الشرح عند حديث عائشة كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك " فإن الترمذي قال: عقبه هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة.
فأجاب اليعمري عن هذا الحديث بأن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته فأكثر ما في الباب ان الترمذي عرف بنوع منه لا بكل أنواعه.
وأجاب ابن كثير بما حاصله أن الجمع في حديث واحد بين الصحة والحسن درجة متوسطة بينهما فيقول فيها حسن صحيح وفوقها أن يقول صحيح فقط ودونها أن يقول حسن فقط.
وما قاله تحكم لا دليل عليه.
قال التاسع: من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لاندراجه في أنواع ما يحتج به وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته وإليه يومئ في تسميته كتاب الترمذي بالجامع الصحيح وأطلق الخطيب أبو بكر أيضا عليه اسم الصحيح وعلى كتاب النسائي.
стр. 65
وذكر الحافظ أبو الطاهر السلفي الكتب الخمسة وقال اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب.
وهذا تساهل لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف.
وصرح أبو داود بانقسام١ ما في كتابه إلى صحيح وغيره والترمذي بالتمييز٢ بين الصحيح والحسن ثم إن من سمى الحسن صحيحا لا ينكر أنه دون الصحيح المبين٣ أولا فهذا إذا اختلاف في العبارة دون المعنى انتهى.
اعترض المصنف على قول السلفي إن علماء الشرق والغرب اتفقوا على صحة الكتب الخمسة بقوله وهذا تساهل من السلفي إلى آخره.
وإنما عنى السلفي بذلك صحة أوصولها فإنه قال: في مقدمة الخطابي٤ وكتاب أبي داود أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء والحفاظ على قبولها والحكم بصحة أصولها وما يلزم من الحكم بصحة أصولها أن يكون جميع ما فيها صحيحا ولهذا قال: المصنف في التعليق إن ما لم يكن في لفظه جزم مثل روي فليس في شيء منه حكم بصحة ذلك عمن ذكره عنه لكن إيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله٥.
стр. 66
..........................................
стр. 67
........................................
стр. 68
................................
стр. 69
.......................................
стр. 70
...........
стр. 71
النوع الثالث: معرفة الضعيف من الحديث .
كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف وأطنب أبو حاتم بن حبان البستي في تقسيمه فبلغ به خمسين قسما إلا واحدا وما ذكرته ضابط١ لجميع ذلك.
وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة معينة منها فيجعل ما عدمت فيه من غير ان يخلفها جابر على حسب ما تقرر في نوع الحسن قسما واحدا.
ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسما ثانيا.
ثم ما عدمت فيه مع٢ صفتين معينتين قسما ثالثا.
وهكذا إلى أن يستوفي الصفات المذكورات جمع ثم يعود ويعين من الابتداء صفة غير التي عينها أولا ويجعل ما عدمت فيه وحدها قسما ثم القسم الآخر ما عدمت فيه مع عدم صفة أخرى ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات.
ثم ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخر الأرذل وما كان من الصفات له شروط فاعمل في شروطه نحو ذلك فتتضاعف بذلك الأقسام.
стр. 72
والذي له لقب خاص معروف من أقسام ذلك الموضوع والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمرسل والمنقطع والمعضل في أنواع سيأتي عليها الشرح إن شاء الله تعالى.
والملحوظ فيما نورده من الأنواع عموم انواع علوم الحديث لا خصوص أنواع التقسيم الذي فرغنا الآن من أقسامه١ انتهى.
قوله الضعيف لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن لا حاجة إلى نفي صفات الصحيح لأنه يكفي فيه نفي صفات الحسن.
وقوله: ما عدم فيه جميع الصفات أي صفات ما يحتج به فهو القسم الآخر بقصر الهمزة وكسر الخاء أي الأرذل وخالف ذلك في النوع الحادي والعشرين فقال الموضوع٢ شر الأحاديث الضعيفة وهذا هو الصواب أن شر أقسامه الموضوع لأنه كذب بخلاف ما عدمت فيه الصفات فإنه لا يلزم من فقدها أن يكون كذبا والصفات المشار إليها ستة.
اتصال السند او جبر المرسل بما يؤكده.
وعدالة الرجال والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة.
ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متهما كثير الغلط.
والسلامة من الشذوذ.
والسلامة من العلة.
فما فقد فيه الاتصال قسم تحته قسمان منقطع ومرسل لم يجبر فإن انضم
стр. 73
إليه فقده شرط آخر دخل تحته اثنا عشر قسما ستة في المرسل وستة في المنقطع:
مرسل في إسناد ضعيف منقطع في إسناده ضعيف.
مرسل فيه مجهول منقطع فيه مجهول.
مرسل فيه مغفل كثير الخطأ وإن كان عدلا منقطع فيه ذلك.
مرسل فيه مستور ولم ينجبر بمجيئه من وجه آخر منقطع فيه ذلك.
مرسل شاذ منقطع شاذ.
مرسل معلل منقطع معلل.
فإن انضم إلى فقد الشرطين فقد شرط ثالث دخل تحته عشرة أقسام:
مرسل شاذ فيه عدل مغفل كثير الخطأ منقطع شاذ فيه ذلك.
مرسل معلل فيه ضعيف منقطع معلل فيه ضعيف.
مرسل معلل فيه مجهول منقطع معلل فيه مجهول.
مرسل معلل فيه مغفل منقطع معلل فيه مغفل.
مرسل معلل فيه مستور ولم ينجبر منقطع معلل فيه ذلك.
ولا تزال هكذا كلما فقد شرط زاد الوهن وانتشرت الأنواع؛
مرسل شاذ معلل فيه مغفل كثير الخطأ منقطع شاذ فيه ذلك.
مرسل شاذ معلل منقطع شاذ معلل.
فإن فقد شرط آخر كثقة الراوي ففيه قسمان:
حديث في إسناده ضعيف حديث في إسناده مجهول.
فيه ضعيف وعلة فيه مجهول وعلة.
فإذا فقد شرط ثالث عد فابدأ بما فقد فيه شرط آخر غير المبدوء به والمثنى به وهو سلامة الراوي من الغفلة ثم زد عليه وجود الشذوذ أو العلة أو هما معا ثم عد فابدأ بما فقد فيه الشرط الخامس: وهو السلامة من الشذوذ ثم زد عليه وجود العلة معه ثم اختم بفقد الشرط السادس: ويدخل تحت ذلك أقسام:
стр. 74
شاذ معلل فيه عدل مغفل كثير الخطأ شاذ معلل ما فيه مغفل كثير الخطأ.
شاذ فيه مغفل كثير الخطأ معلل فيه مغفل كذلك.
شاذ معلل فيه مغفل كذلك شاذ في إسناده مستور لم تعرف أهليته ولم يرد من وجه آخر معلل فيه مستور كذلك.
الحديث الشاذ الحديث الشاذ المعلل الحديث المعلل وقد تركب من الأقسام التي يظن انقسامه إليها بحسب اجتماع الأوصاف عدة وهي اجتماع الشذوذ ووجود ضعيف أو مجهول أو مستور في سنده إلا أنه لا يمكن اجتماع ذلك على الصحيح لأن الشذوذ تفرد الثقة فلا يمكن وصف ما فيه راو ضعيف أو مجهول أو مستور بأنه شاذ.
стр. 75
النوع الرابع: معرفة المسند
ذكر أبو بكر الخطيب أن المسند عند أهل الحديث هو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم.
وذكر ابن عبد البر أن المسند ما رفع إلى النبي ﷺ خاصة وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ وقد يكون منقطعا مثل مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فهذا مسند لأنه قد أسند إلى سول الله ﷺ وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس ﵃.
وحكى أبو عمر عن قوم أن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعا إلى النبي ﷺ قلت وبهذا قطع الحاكم أبو عبد الله ولم يذكر في كتابه غيره.
فهذه أقوال ثلاثة مختلفة١ انتهى.
اعترض بعضهم بأنه ليس في كلام الخطيب دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم لا في الكفاية ولا في الجامع
وجوابه ان كلام المصنف يحتمل أن يكون ذلك من كلامه أو من كلام الخطيب ويدخل في حد الخطيب المرفوع والموقوف ويدخل فيه أيضا ما اتصل إسناده إلى قائله من كان فيدخل فيه المقطوع وهو قول التابعين وقول من بعدهم وكلامهم يأباه وعلى قول أبي عمر يستوي المسند والمرفوع.