التمثيل بما مثل به الحاكم أيضا كحديث "الأذنان من الرأس" وغيره من الأحاديث التي مثل بها إلا أن بعضها صحيح وإن لم تخرج في واحد من الصحيحين
ومثل له المصنف أيضا بما بلغه عن أحمد من الأحاديث الأربعة التي تدور في الأسواق وقد تقدم الكلام عليها قريبا.
ومثال الغريب الصحيح: كأفراد الصحيح وهي كثيرة منها حديث مالك "عن سمي"١ عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا "السفر قطعة من العذاب"
وأما الغريب الذي ليس بصحيح فهو الغالب على الغريب
وعن مالك٢ قال: شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال عبد الرزاق: كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر
وقسم الحاكم الغريب إلى ثلاثة أنواع: غرائب الصحيح، وغرائب، الشيوخ وغرائب المتون.
وقسمه ابن طاهر إلى خمسة أنواع.
"واعترض" على المصنف في تقسيمه الغريب وقوله ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يوجد إذا ما هو غريب متنا وليس غريبا إسنادا إلى آخره بأن أبا الفتح اليعمري ذكر هذا النوع الذي أنكره من جملة أنواع الغريب فقال في شرح الترمذي الغريب على أقسام غريب سندا ومتنا ومتنا لا سندا وغريب بعض السند فقط "وغريب بعض المتن فقط".٣
فالقسم الأول: واضح. والثاني: هو الذي أطلقه أبو الفتح ولم يمثله.
стр. 387
"و"١القسم الثالث: مثاله حديث رواه الخطيب في كتاب "الرواة عن مالك" من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "الأعمال بالنية".
قال الخليلي في "الإرشاد": أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه.
قال فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة.
قال أبو الفتح: هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح.
والقسم الرابع: مثاله حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي ومن رواية عباد بن منصور فرقهما كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بحديث أم زرع.
والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن عائشة هكذا اتفق عليه الشيخان وكذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن هشام.
قال أبو الفتح: فهذه غرابة تخص موضعا من السند والحديث صحيح.
وأما القسم الخامس: فإنه يصلح أن يكون مثاله ما ذكر من عند الطبراني لأن عبد العزيز وعبادا جعلا جميع الحديث مرفوعا وإنما المرفوع منه قوله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
فهذه غرابة بعض المتن.
وأشار أبو الفتح إلى أنه أخذ هذا التقسيم من كلام محمد بن طاهر المقدسي فإنه قسم الغرائب والأفراد إلى خمسة أنواع.
خامسها: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم وسنن ينفرد بالعمل بها أهل مصر لا يعمل بها في غير مصرهم.
ثم ذكر أبو الفتح الأقسام وقال: وأما النوع الخامس فيشمل الغريب كله سندا ومتنا أو أحدهما دون الآخر قال: وقد ذكر أبو محمد بن أبي حاتم بسند له أن
стр. 388
رجلا سأل مالكا عن "تخليل أصابع الرجلين في الوضوء" فقال له مالك: إن شئت خلل وإن شئت لا تخلل.
وكان عبد الله بن وهب حاضرا فعجب من جواب مالك وذكر لمالك في ذلك حديثا بسند مصري صحيح وزعم أنه معروف عندهم فاستعاد مالك الحديث "واستعاد"١ السائل فأمره بالتخليل هذا أو معناه. انتهى.
والحديث المذكور: رواه أبو داود "والترمذي"٢ من رواية ابن لهيعة عن "يزيد"٣ بن عمرو "المعافري"٤ عن أبي عبد الرحمن "الحبلى"٥ عن المستورد ابن شداد.
قال الترمذي: "حديث غريب"٦ لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. انتهى.
ولم ينفرد به ابن لهيعة "بل"٧ تابعه عليه: الليث بن سعد وعمرو بن الحارث.
كما رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن الثلاثة المذكورين.
صححه ابن القطان لتوثيقه لابن أخي ابن وهب.
فقد زالت الغرابة عن الإسناد بمتابعة الليث وعمرو بن الحارث لابن لهيعة والمتن غريب
"ويحتمل أن يريد بكونه غريب"٨ المتن لا الإسناد: أن يكون ذلك الإسناد مشهورا جادة لعدة من الأحاديث بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض ويكون المتن غريبا لانفرادهم به والله أعلم.
стр. 389
النوع الثاني والثلاثون
معرفة غريب الحديث
وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها.
هذا فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم بأهل العلم عامة.
والخوض فيه ليس "بالهين"١ والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي.
روينا عن الميموني قال: "سئل أحمد عن حرف من غريب الحديث "فقال"٢" سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن "فأخطىء"٣.
وبلغنا عن "التاريخي: محمد بن عبد الملك" قال: "حدثني أبو قلابة عبد الملك بن محمد قال قلت للأصمعي يا أبا سعيد ما معنى قول رسول الله ﷺ "الجار أحق بسقبه"؟ فقال أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق".
ثم إن غير واحد من العلماء صنفوا في ذلك فأحسنوا.
وروينا٤ عن "الحاكم أبي عبد الله قال أول من صنف الغريب في الإسلام النضر بن شميل".
ومنهم من خالفه فقال: أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى وكتاباهما صغيران.
وصنف بعد ذلك "أبو عبيد القاسم بن سلام" كتابه المشهور فجمع وأجاد
стр. 390
واستقصى فوقع من أهل العلم بموقع جليل وصار قدوة في هذا الشأن.
ثم تتبع القتيبي ما فات أبا عبيد فوضع فيه كتابه المشهور.
ثم تتبع أبو سليمان الخطابي ما فاتهما فوضع في ذلك كتابه المشهور.
فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفة في ذلك ووراءها مجامع "تشتمل من ذلك على زوائد وفوائد كثيرة ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان"١ "مصنفوها"٢ أئمة جلة.
وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث: أن يظفر به مفسرا في بعض روايات الحديث نحو ما روي في حديث ابن صياد أن النبي ﷺ قال له: "قد خبأت "لك"٣ خبيئا فما هو؟ " قال: الدخ.
فهذا خفي معناه وأعضل وفسره قوم بما لا يصح وفي معرفة علوم الحديث للحاكم أنه الدخ بمعنى الزخ الذي هو الجماع وهذا تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن.
وإنما معنى الحديث أن النبي ﷺ قال له قد: أضمرت لك ضميرا فما هو؟ "فقال"٤ الدخ. بضم الدال يعني الدخان.
والدخ هو الدخان في لغة إذ في بعض روايات الحديث ما نصه ثم قال رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئا" وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فقال ابن صياد: هو الدخ فقال رسول الله ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك".
وهذا ثابت صحيح خرجه الترمذي وغيره فأدرك ابن صياد من ذلك هذه الكلمة فحسب على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين من غير وقوف على تمام البيان ولهذا قال له: "اخسأ فلن تعدو قدرك" أي فلا "مزيد"٥ لك على قدر إدراك الكهان. انتهى.
قال الحافظ محب الدين الطبري في كتاب تقريب المرام وقد قيل إن أول من جمع في هذا الفن أبو عبيدة ثم النضر بن شميل ثم عبد الملك بن قريب الأصمعي وكان في عصر أبي عبيدة وتأخر.
стр. 391
وكذلك: قطرب وغيره من أئمة الفقه واللغة جمعوا أحاديث تكلموا على لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد ولم يكن أحد منهم ينفرد عن غيره بكثير حديث لم يذكره الآخر واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام وذلك بعد المائتين فجمع كتابه المشهور في "غريب١ غريب الحديث" والآثار انتهى.
ثم بعد ذلك صنف أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري "القتيبي"٢ كتابه المشهور فزاد على أبي عبيد مواضع وتتبعه في مواضع.
ثم صنف بعده أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي كتابه في ذلك فزاد على القتبي ونبه على أغاليط له.
وصنف فيه جماعة منهم: قاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي٣ وعبد الغافر الفارسي صنف فيه كتابا سماه مجمع الغرائب وصنف الزمخشري كتابه الفائق وبعده أبو الفرج بن الجوزي وكان جمع بين الغريبين غريبي القرآن والحديث أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب أبي منصور الأزهري وذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني ذيلا حسنا ثم جمع بينهما مقتصرا على غريب الحديث فقط أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري وزاد عليهما زيادات كثيرة وذلك في كتابه النهاية وقيل: إن الإمام صفي الدين محمود بن محمد بن حامد الأرموي كتب حواشي عليها ثم أفردت.
"قوله": ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة أي ولا يعتمد على الحواشي فقد قرأ بعضهم في المصابيح "حديث"٤: "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقيها" فقرأها: نقبها فقيل له: إنما هي نقيها بكسر النون وسكون القاف وبمثناة من تحت فقال: كذا ضبطها بعض الشراح في طرة الكتاب وقال: النقب الطريق الضيق.
وهذا خطأ والصواب نقيها والنقى المخ الذي في العظم ومنه حديث "أم زرع": "لا سمين فينتقى"، وفي الأضحية: "والعجفاء التي لا تنقى".
стр. 392
وحديث ابن صياد متفق: عليه والدخ: لغة في الدخان حكاها ابن دريد وابن السيد والجوهري وغيرهم.
وحكى ابن السيد أيضا فيه فتح الدال.
قوله: وهذا ثابت صحيح أي: زيادة الآية في الحديث رواه أبو داود والترمذي من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال له: "إني قد خبأت لك خبيئة" وقال الترمذي: "خبيئا" وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ .
قال الترمذي: حديث صحيح
وقال أبو موسى المديني: السر في كونه خبأ له "الدخان" أن عيسى ﷺ يقتله بجبل الدخان.
فهذا هو الصواب في تفسير "الدخ" هنا وضد الصواب ما فسره به "الحاكم وغيره في "علوم الحديث" فإنه"١ قال فيه: سألت الأدباء عن تفسير الدخ "قال: "يدخها ويزخها" بمعنى واحد و"الدخ والزخ"""٢
قال: والمعنى الذي أشار إليه "ابن صياد" وخذله الله فيه مفهوم ثم أنشد لعلي ابن أبي طالب ﵁:
طوبى لمن كان له "مزخة"٣ ... يزخها ثم ينام الفخة
فالمزخة بالفتح هي المرأة قاله الجوهري. ومعنى يزخها: يجامعها.
والفخة: أن ينام فينفخ في نومه. وليس في اللغة "أن"٤ "الدخ" بالدال هو الجماع وإنما ذكروه بالزاي فقط.
وممن فسره على غير الصواب - أيضا-: أبو سليمان الخطابي فرجح أن "الدخ"
стр. 393
نبت موجود بين النخيل وقال: لا معنى للدخان ها هنا إذ ليس مما يخبأ إلا أن يريد بخبأت أضمرت وليس بجيد.
قلت: ومما وقع فيه التصحيف أيضا: قوله ""تاوا في"١ الأمرين من الشفا الصبر والبفا" بالفاء فيهما وكسر الباء الموحدة وتشديد الراء في "الأمرين" فجعل الفاء قافا وسكن الموحدة وخفف الراء والصبر معروف "والبفا"٢ بالفاء حب الرشاد.
стр. 394
النوع الثالث والثلاثون
معرفة المسلسل من الحديث
التسلسل من نعوت الأسانيد وهو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة.
وينقسم ذلك إلى ما يكون صفة للرواية والتحمل وإلى ما يكون صفة للرواة "أو"١ حالة لهم
ثم إن صفاتهم في ذلك وأحوالهم أقوالا وأفعالا ونحو ذلك تنقسم إلى ما لا نحصيه. ونوعه الحاكم أبو عبد الله إلى ثمانية أنواع والذي ذكره فيها إنما هو صور وأمثلة ثمانية.
"ولا انحصار لذلك في ثمانية كما ذكرناه"٢
ومثال ما يكون صفة للرواية والتحمهل ما يتسلسل بسمعت فلانا قال سمعت فلانا إلى آخر الإسناد أو "يتسلسل"٣ بحدثنا أو أخبرنا إلى آخره ومن ذلك أخبرنا والله فلان قال أخبرنا والله فلان إلى آخره.
ومثال ما يرجع إلى صفات الرواة وأقوالهم ونحوها إسناد حديث "اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك" المتسلسل بقولهم: "إني أحبك فقل"٤ وحديث التشبيك باليد وحديث العد في اليد٥ في٦ أشباه لذلك "نرويها"٧ وتروى كثيرة.
стр. 395
وخيرها ما كان "فيه"١ دلالة على اتصال السماع وعدم التدليس.
ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة "وقل ما"٢ تسلم المسلسلات من ضعف أعنى في وصف التسلسل لا في أصل المتن.
ومن "المتسلسل"٣ ما نقطع تسلسله في وسط إسناده وذلك نقص فيه. وهو "كالمتسلسل"٤ بأول حديث سمعته على ما هو الصحيح في ذلك انتهى.
اعترض على قوله: ونوعه الحاكم ثم قال: ولا انحصار لذلك في ثمانية مع أن الحاكم ما حصرها فيها وإنما ذكر أنواع التسلسل الدالة على الاتصال لا مطلق التسلسل ويظهر ذلك بسرد عبارته فإنه قال الأول المسلسل بسمعت والثاني: المسلسل بقولهم: "قم فصب علي حتى أريك وضوء فلان" والثالث: المسلسل بمطلق ما يدل على الاتصال من سمعت أو أنا أو ثنا وإن اختلفت ألفاظ الرواة في ألفاظ الأداء والرابع المسلسل بقولهم فإن قيل لفلان من أمرك بهذا؟ قال: يقول: أمرني فلان والخامس: المسلسل بالأخذ باللحية وقولهم: آمنت بالقدر خيره وشره والسادس المسلسل بقولهم وعدهن في يدي والسابع المسلسل بقولهم شهدت على فلان والثامن المسلسل بالتشبيك باليد.
ثم قال الحاكم: فهذه أنواع المسلسل من الأسانيد المتصلة التي لا يشوبها تدليس وآثار السماع بين الراويين ظاهرة انتهى.
فلم يذكر الحاكم من المسلسلات إلا ما دل على الاتصال دون "استيعاب بقية"٥ المسلسلات.
نعم بقي على الحاكم عدة من المسلسلات الدالة على الاتصال لم يذكرها كالمسلسل بقوله أطعمنا وسقانا والمسلسل بقوله: أضافنا بالأسودين: التمر
стр. 396
والماء والمسلسل بقولهم: أخذ فلان بيدي والمسلسل بالمصافحة والمسلسل بقص الأظفار يوم الخميس ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بأحوال الرواة القولية: حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ إني أحبك فقل في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
ومثال التسلسل بأحوال الرواة الفعلية: حديث أبي هريرة قال: "شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال خلق الله الأرض يوم السبت" الحديث.
وقد اجتمع تسلسل الأقوال والأفعال في حديث أنس بن مالك. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره". قال: قبض رسول الله ﷺ على لحيته وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره".
قال: وقبض أنس على لحيته وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره" وهكذا إلى أن انتهى إلى مشايخنا.
ومثال التسلسل بصفات الرواة القولية: كالحديث المسلسل بقراءة سورة "الصف " ونحوه.
وأحوال الرواة القولية وصفاتهم القولية متقاربة بل متماثلة.
ومثال التسلسل بصفات الرواة "الفعلية"١: كالحديث المسلسل بالفقهاء وهو حديث ابن عمر مرفوعا: "البيعان بالخيار" فقد تسلسل برواية الفقهاء.
وكالحديث المسلسل برواية الحفاظ ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بصفات الإسناد والرواية: كقول كل من رواته: "سمعت فلانا" أو "ثنا" أو "أنا" وكذلك قولهم: "شهدت على فلان قال: شهدت علا فلان" ونحو ذلك.
ومثال التسلسل في وقت الرواية: حديث ابن عباس قال: "شهدت رسول الله ﷺ
стр. 397
في يوم عيد فطر أو أضحى" الحديث
ومنه حديث: "قص الأظفار في يوم الخميس".
ومثال التسلسل بالمكان: الحديث المسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم.
"قوله": ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في وسط إسناده وكذا في أوله أو آخره كحديث عبد الله بن عمرو المسلسل بالأولية١ فإنه إنما يصح التسلسل فيه إلى "عمرو بن دينار" ٢ وانقطع التسلسل بالأولية في سماع "عمرو من أبي قابوس" ٣ وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو وفي سماع عبد الله بن عمرو من النبي ﷺ .
وما وقع في هذا الحديث متصل التسلسل فإنه لا يصح.
стр. 398
النوع الرابع والثلاثون
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
هذا "فن"١ مهم مستصعب. روينا عن "الزهري" أنه قال: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه ".
وكان للشافعي ﵁ فيه "يد" طولى وسابقة أولى.
روينا عن "محمد بن مسلم بن وارة" أحد أئمة الحديث أن أحمد بن حنبل قال له وقد قدم من مصر "كتبت كتب الشافعي؟ "فقال"٢: لا. قال: فرطت ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه حتى جالسنا الشافعي".
وفيمن عاناه من أهل الحديث من أدخل فيه ما ليس منه لخفاء معنى النسخ وشرطه وهو عبارة عن رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر وهذا حد وقع لنا سالم من اعتراضات وردت على غيره.
ثم إن ناسخ الحديث ومنسوخه ينقسم أقساما:
فمنها: ما يعرف بتصريح رسول الله ﷺ به كحديث بريدة الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" في أشباه لذلك.
ومنها: ما يعرف بقول الصحابي كما رواه الترمذي وغيره عن أبي بن كعب أنه قال: "كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنه" وكما خرجه النسائي عن جابر بن عبد الله قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" في أشباه لذلك.
стр. 399
ومنها: ما عرف بالتاريخ كحديث "شداد بن أوس" وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" وحديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم".
"بين"١ الشافعي أن الثاني ناسخ للأول من حيث أنه روي في حديث شداد أنه كان مع النبي ﷺ زمان الفتح فرأى رجلا يحتجم في شهر رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" وروي في حديث ابن عباس أنه ﷺ احتجم وهو محرم صائم فبان بذلك أن الأول كان "في"٢ زمن الفتح في سنة ثمان والثاني في حجة الوداع في سنة عشر.
ومنها: ما يعرف بالإجماع كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة فإنه منسوخ عرف نسخه بانعقاد الإجماع على ترك العمل به والإجماع "لا ينسخ ولا ينسخ"٣ ولكن يدل على وجود ناسخ غيره انتهى.
النسخ في اللغة يطلق على الإزالة وعلى التحويل وأما نسخ الأحكام الشرعية وهو المحدود "ها هنا"٤ فهو عبارة عن رفع الشارع حكما من أحكامه سابقا بحكم من أحكامه لاحق والمراد برفع الحكم قطع تعلقه عن المكلف.
واحترز "بالرفع" عن: بيان المجمل فإنه ليس برفع.
وبالشارع عن: إخبار من شاهد النسخ من الصحابة وأخبر به غيره.
وبرفع الحكم عن: رفع الإباحة الأصلية فإنه لا يسمى نسخا.
وبالسابق عن: التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه.
و"بحكم من أحكامه" عن: رفع الحكم لموت المكلف أو زوال التكليف بجنون أو نحوه.
و"باللاحق" عن: انتهاء الحكم بانتهاء الوقت كقوله ﷺ "إنكم "لاقوا"٥ العدو غدا والفطر أقوى لكم فأفطروا".
стр. 400
فالصوم بعد ذلك ليس لنسخ متأخر.
والمصنف تبع في حده القاضي أبا بكر الباقلاني فإنه حده برفع الحكم واختاره الآمدي وابن الحاجب١
"واعترض" عليه بأن الحكم قديم لا يرتفع "وربما تقدم"٢ أن المراد برفع الحكم قطع تعلقه عن المكلف"١".
ويعرف النسخ بأربعة أمور: بنص الشارع عليه أو بنص صحابي أو بمعرفة التاريخ أو بالإجماع.
فالأول: كقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم وكنت نهيتكم عن الظروف" الحديث.
أخرجه: مسلم والترمذي وصححه من حديث بريدة بن الحصيب.
والثاني: كقول جابر: "كان آخر الأمرين".. إلى آخره٣.
"واعترض" "على"٤ المصنف في جعله قول الصحابي يكون ناسخا والصحيح عن الأصوليين كالإمام والآمدي وابن الحاجب أنه لا يكتفى بقوله هذا منسوخ بل لا بد من التصريح بقوله: "هذا متأخر عن هذا" ولا يكفي قوله: "هذا منسوخ" لاحتمال أن يقوله عن اجتهاد "أو يراه"٥
نعم حكي في المحصول عن الكرخي أنه يكفي ويعضده ما حكاه البيهقي في المدخل "بإسناده"٦ إلى الشافعي وعبارته: "ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله ﷺ أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر أو "بقول"٧ من سمع الحديث أو العامة"
فذكر الأربعة وجعل منها: "قول من سمع الحديث" وهو الصحابي وما قاله
стр. 401
الشافعي والمحدثون أوضح وأشهر إذ لا يصار إلى النسخ بالاجتهاد والرأي وإنما يصار إليه عند معرفة التاريخ والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ من غير أن يعرف تأخر الناسخ عنه.
والثالث: كحديث شداد بن أوس١ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قال الشافعي: هو منسوخ بحديث ابن عباس: "أنه ﷺ احتجم وهو محرم صائم". أخرجه: مسلم فإن ابن عباس إنما صحبه محرما في "حجة الوداع" سنة عشر.
قال ابن كثير٢: وإنما أسلم مع أبيه في "الفتح"٣.
والرابع: كحديث معاوية٤: "من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". رواه: أصحاب السنن.
ورواه: أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن شرحبيل بن أوس ورواه الطبراني من حديث جرير بن عبد الله والشريد بن أوس٥
"واعترض" على المصنف بأن هذا الحديث نسخ بنص الشارع لا بالإجماع٦.
روى البزار في مسنده من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
قال: فأتي بالنعيمان قد شرب الرابعة فجلده ولم يقتله فكان ذلك نسخا للقتل.
قال البزار: لا نعلم أحدا حدث به إلا ابن إسحاق.
стр. 402
"وذكره"١ الترمذي تعليقا من حديث ابن إسحاق ثم قال: وكذلك "روى الزهري"٢ عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي ﷺ نحو هذا. قال٣: فرفع القتل وكانت رخصة.
وقبيصة: ذكره ابن عبد البر في "الصحابة" وقال: ولد في أول سنة من الهجرة وقيل: ولد عام الفتح وهو الصحيح٤.
"واعترض" أيضا بأنه كيف يدعي الإجماع والخلاف موجود؟ وكأنه قلد الترمذي في ذلك حيث قال في آخر الجامع جميع ما في هذا الكتاب معمول به وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين:
- حديث: ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر٥.
- وحديث: إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن "عاد الرابعة"٦ فاقتلوه.
قال النووي في "شرح مسلم": وهذا في حديث شارب الخمر هو كما قاله فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه.
قال: وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به.
فأقر النووي الترمذي على أن الإجماع نسخه وفيه نظر. فقد قال بقتله ابن حزم.
فإن قيل: خلاف الظاهرية لا يقدح في الإجماع وسلمناه فقد حكي ذلك عن الحسن البصري.
ورواه أيضا أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله.
стр. 403
وإذا ثبت الخلاف في هذا فالأولى أن يمثل له بحديث رواه الترمذي١ من حديث جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان.
قال الترمذي: "حديث غريب"٢ لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال: وقد أجمع أهل العلم عن أن المرأة لا يلبي عنها غيرها هي تلبي عن نفسها.
فهذا حديث قد أجمعوا على ترك العمل به فكان ينبغي للترمذي أن يستثنيه مع الحديثين السابقين.
والجواب عن الترمذي من "وجهين"٣:
أحدهما: ما أجاب به الشيخ محب الدين الطبري في كتاب القرى أن المراد أن المرأة لا ترفع صوتها ويجزىء عن رفع صوتها رفع صوت الرجال لا أنها لا تلبي مطلقا وأن فيه استعمال المجاز بجعله عن النساء للاجتزاء "بجهر"٤ الرجال بالتلبية عن استحبابه في حق النساء وكأن الرجال قاموا عن النساء بهذه السنة وفيه تكلف.
والثاني: أن هذا الحديث قد اختلف في لفظه على "ابن نمير"٥ فرواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل الواسطي عنه هكذا.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن نمير بلفظ: "حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان "ورمينا"٦ عنهم. هكذا رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ومن طريقه رواه ابن ماجه في "سننه".
قال ابن القطان: وهذا أولى بالصواب وأشبه به.
وإذا اضطربت رواية الترمذي٧ فلا يحكم على الحديث بالنسخ عند ترك العمل به إجماعا إلا إذا علمنا صحته
وقد أشار إلى ذلك الفقيه أبو بكر الصيرفي في كتاب "الدلائل" عند الكلام
стр. 404
على تعارض حديثين فقال: فإن أجمع على إبطال حكم أحدهما، فأحدهما منسوخ أو غلط، والآخر ثابت.فيمكن حمل "كلام الصيرفي" على ما إذا لم يثبت الحديث الذي أجمع على ترك العمل به فإن الحكم عليه بالنسخ فرع عن ثبوته.
ويمكن حمل كلامه على ما إذا كان صحيحا أيضا وهو خبر آحاد وأجمعوا على ترك العمل به "ولا"١ يتعين المصير إلى النسخ لاحتمال وجود الغلط من رواته فهو "كما قال"٢ منسوخ أو غلط.
وأما من أجاب٣ بأن هذا الحديث قد قال ببعضه بعض أهل العلم وهو الرمي عن الصبيان فلم يجمع على ترك العمل بجميع الحديث ففيه نظر.
стр. 405
النوع الخامس والثلاثون
معرفة المصحف من أسانيد الأحاديث ومتونها
هذا فن جليل إنما ينهض بأعبائه الحذاق من الحفاظ و"الدارقطني" منهم وله فيه تصنيف مفيد.
وروينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟.
فمثال التصحيف في الإسناد حديث شعبة عن العوام بن مراجم عن أبي عثمان النهدي عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها" ... الحديث.
صحف فيه يحيى بن معين فقال ابن مزاحم بالزاي والحاء فرد عليه وإنما هو ابن مراجم بالراء المهملة والجيم.
ومنه: ما رويناه عن أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن جعفر١ قال: "ثنا"٢ شعبة عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن عائشة "أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت" وقال أحمد صحف شعبة فيه وإنما هو خالد بن علقمة وقد رواه زائدة بن قدامة وغيره على ما قاله أحمد.
وبلغنا عن الدارقطني أن ابن جرير الطبري قال فيمن روى عن النبي ﷺ من بني سليم ومنهم عتبة بن "البذر"٣ قاله بالباء والذال المعجمة وروى له حديثا وإنما هو ابن الندر بالنون والدال غير المعجمة.
стр. 406
ومثال التصحيف في المتن ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن "زيد"١ بن ثابت أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد وإنما هو بالراء "احتجر في المسجد بخص أو حصير حجرة يصلي فيها" فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع ذكر ذلك مسلم في كتاب التمييز له.
وبلغنا عن الدارقطني في حديث أبي سفيان عن جابر قال: "رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله فكواه رسول الله ﷺ " أن غندرا قال فيه أبي وإنما هو أبي بن كعب
وفي حديث أنس ""ثم"٢ يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" قال فيه شعبة ذرة بالضم والتخفيف ونسب فيه إلى التصحيف
وفي حديث أبي ذر تعين الصانع قال فيه هشام بن عروة بالضاد المعجمة وهو تصحيف والصواب ما رواه الزهري الصانع بالصاد المهملة ضد الأخرق
وبلغنا عن أبي زرعة الرازي أن يحيى بن سلام هو المفسر "حدث"٣ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: "مصر"٤ واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه وذكر أنه في تفسيره عن قتادة مصيرهم.
وبلغنا عن الدارقطني أن محمد بن المثنى أبا موسى العنزي حدث بحديث النبي ﷺ "لا يأتي أحدكم يوم القيامة ببقرة لها خوار" فقال فيه "أو شاة تنعر بالنون وإنما هو تيعر بالياء المثناة من تحت وأنه قال لهم يوما: "نحن"٥ قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى النبي ﷺ إلينا يريد ما روي "أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة" "توهم٦ أنه صلى إلى قبيلتهم وإنما العنزة ها هنا حربة نصبت بين يديه فصلى إليها.
وأظرف من هذا ما رويناه عن الحاكم أبي عبد الله عن أعرابي زعم أنه ﷺ كان إذا صلى نصبت بين يديه شاة "أي صحفها عنزة"٧ بإسكان النون.
стр. 407
وعن الدارقطني أيضا أن أبا بكر الصولي أملى في الجامع حديث أبي أيوب من "صام رمضان وأتبعه ستا من شوال" فقال فيه: شيئا بالشين والياء.
وأن "أبا بكر الإسماعيلي الإمام" كان فيما بلغهم عنه يقول في حديث عائشة عن النبي ﷺ في الكهان: قر الزجاجة بالزاي وإنما هو "قد"١ الدجاجة بالدال.
في حديث يروى عن معاوية بن أبي سفيان قال "لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون "الخطب"٢ تشقيق الشعر"
"و"٣ ذكر الدارقطني عن وكيع أنه قاله مرة بالحاء المهملة وأبو نعيم شاهد فرده "عليه"٤ بالخاء المعجمة "المضمومة"٥
وقرأت بخط مصنف أن ابن شاهين قال في جامع المنصور في الحديث إن النبي ﷺ نهى عن تشقيق الحطب فقال بعض الملاحين يا قوم فكيف نعمل والحاجة ماسة؟
قلت: فقد انقسم التصحيف إلى قسمين: أحدهما في المتن والثاني في الإسناد.
وينقسم قسمة أخرى إلى قسمين أحدهما تصحيف البصر كما سبق عن ابن لهيعة وذلك هو الأكثر والثاني تصحيف السمع نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال عن واصل الأحدب فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر كأنه ذهب والله أعلم إلى أن ذلك مما "لا"٦ يشتبه من حيث الكتابة وإنما أخطأ فيه سمع من رواه.
وينقسم قسمة ثالثة إلى تصحيف اللفظ وهو الأكثر وإلى تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ كمثل ما سبق عن "محمد بن المثنى" في الصلاة إلى عنزة.
وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفا مجاز والله أعلم.
стр. 408
وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه". ونسأل الله التوفيق "والعصمة وهو أعلم"١ انتهى.
"قوله": وله فيه تصنيف أي: الدارقطني وكذلك صنف فيه أبو محمد العسكري كتابه المشهور في ذلك مجلدا كبيرا.
قال ابن كثير: وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنه كان يصحف في قراءة القرآن فغريب جدا لأن له كتابا في التفسير وقد نقل عنه أشياء ولا "تصدر"٢ عن صبيان المكاتب.
وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك "فمنه"٣ ما يكاد اللبيب يضحك منه كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول "يا أبا "عمير"٤ ما فعل البعير" فافتضح عندهم وأرخوها عنه.
وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد أنه "أول"٥ يوم إجلاسه أورد "حديث"٦: "صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين" فقال: "كنار كنار في غلس" فلم يفهم الحاضرون ما يقول حتى "أخبرهم"٧ بعضهم بأنه تصحف عليه من "كتاب في عليين".
ثم "قال":٨ "وكان"٩ شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي من أبعد الناس عن هذا بل لم يكن على وجه الأرض مثله فيما نعلم١٠ انتهى.
ومن أمثلة تصحيف المعنى: ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى" حديث "النهي"١١ عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة" قال: "ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة".
فهم منه تحليق "الرأس"١٢ وإنما المراد تحليق الناس حلقا.
стр. 409
النوع السادس والثلاثون
معرفة مختلف الحديث
وإنما يكمل للقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه الغواصون على المعاني الدقيقة.
اعلم أن ما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيهما فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معا ومثاله حديث "لاعدوى ولا طيرة" مع حديث: "لا يورد ممرض على مصح" وحديث "فر من المجذوم فرارك من الأسد".
وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ولكن الله ﵎ جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لأعدائه مرضا ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب.
ففي الحديث الأول نفى ﷺ ما كان يعتقده "الجاهل"١ من أن ذلك "يعدي"٢ بطبعه ولهذا قال: "فمن أعدى الأول؟ " وفي الثاني أعلم "أن"٣ الله سبحانه جعل ذلك سببا لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله "سبحانه"٤ وتعالى.
ولهذا في الحديث أمثال كثيرة.
وكتاب "مختلف الحديث لابن قتيبة" في هذا المعنى إن يكن قد أحسن فيه من وجه فقد أساء في أشياء منه قصر "٢" باعه فيها وأتى بما غيره أولى وأقوى.
وقد روينا عن محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام أنه قال لا أعرف أنه روي عن "النبي"٥ ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده.
стр. 410
فليأتني به لأؤلف بينهما".
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
"و"١الثاني: ألا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما فيفرغ حينئذ في الترجيح ويعمل بالأرجح منهما والأثبت كالترجيح بكثرة الرواة أو بصفاتهم في خمسين وجها من وجوه الترجيحات وأكثر ولتفصيلها موضع "غير هذا"٢ والله أعلم انتهى.
أول من تكلم في هذا الفن: الشافعي ﵁ في كتابه "اختلاف الحديث" ذكر فيه جملة من ذلك "نبه"٣ بها على طريق الجمع ولم يقصد استيفاء ذلك ولم يفرده بالتأليف وإنما هو جزء من كتاب الأم.
ثم صنف في ذلك أبو محمد بن قتيبة٤ وصنف في ذلك محمد بن جرير الطبري وأبو جعفر الطحاوي كتابه مشكل الآثار وهو من أجل كتبه وكان الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة من أحسن الناس كلاما في ذلك فقال ما تقدم"٤".
"قوله": وجه الجمع بينهما أي على الصحيح فإن بعضهم جعلها متعارضة"٤" وبعضهم أدخلها في الناسخ والمنسوخ كأبي حفص بن شاهين.
والصواب: الجمع بينهما فنفى"٤" بقوله "لا عدوى": ما كانت الجاهلية تعتقده وبعض الحكماء: من أن هذه الأمراض "تعدي"٥ بطبعها ولهذا قال: "فمن أعدى الأول؟ " أي: أن الله هو الخالق لذلك بسبب "وغير"٦ سبب.
وبين بقوله: "لا يورد ممرض" و"فر من المجذوم": أن الله هو الخالق من
стр. 411
الأسباب عند المخالطة للمريض وقد يتخلف ذلك عن سببه وهذا مذهب أهل السنة كما أن النار لا تحرق بطبعها ولا الطعام يشبع بطبعه ولا الماء يروي بطبعه وإنما يخلق الله تعالى الإحراق والشبع والري عند ذلك والقدرة وراء ذلك.
وقد وجدنا من خالط المصاب بالأمراض التي اشتهرت بالإعداء ولم يتأثر بذلك "ووجدنا من برز وابتلى"١.
"وقوله" في خمسين وجها تبع فيه الحازمي فإنه كذلك قال في كتاب: "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" قال فيه: ووجوه الترجيحات كثيرة أنا أذكر معظمها فذكر خمسي وجها ثم قال: وهذا القدر كاف في ذكر الترجيحات وثم وجوه كثيرة أضربنا عن ذكرها كي لا "يطول هذا"٢ المختصر انتهى.
مع أن وجوه الترجيحات تزيد على المائة وقد رأيت عدها مختصرا فأبدأ بالخمسين التي عدها الحازمي ثم أسرد بقيتها على الولاء.
الأول: كثرة الرواة الثاني كون "أحد"٣ الروايين أتقن وأحفظ. الثالث كونه متفقا على عدالته الرابع كونه بالغا حالة التحمل الخامس: كون سماعه تحديثا والآخر عرضا السادس: كون أحدهما سماعا أو عرضا والآخر كتابة أو وجادة أو مناولة السابع: كونه مباشرا لما رواه الثامن: كونه صاحب القصة التاسع: كونه أحسن سياقا "واستيفاء"٤ لحديثه العاشر: كونه أقرب مكانا من النبي ﷺ حالة تحمله الحادي عشر: كونه أكثر ملازمة لشيخه الثاني عشر: كونه سمع من مشايخ بلده الثالث عشر: كون أحد الحديثين له مخارج الرابع عشر: كون إسناده حجازيا الخامس عشر: كون رواته من بلد لا يرضون "التدليس"٥ السادس عشر: دلالة "الألفاظ" على الاتصال "كسمعت وثنا"٦ السابع عشر:
стр. 412
كونه مشاهدا لشيخه عند الأخذ الثامن: عشر كون الحديث لم يختلف فيه التاسع عشر: كون راويه لم يضطرب لفظه العشرون: كون الحديث متفقا على رفعه الحادي والعشرون: كونه متفقا على اتصاله الثاني والعشرون: كون راويه لا يجيز الرواية بالمعنى الثالث والعشرون: كونه فقيها الرابع والعشرون: كونه صاحب كتاب يرجع إليه الخامس والعشرون: كون أحد الحديثين نصا وقولا والآخر ينسب استدلالا واجتهادا السادس والعشرون: كون القول "يقارنه"١ الفعل السابع والعشرون: كونه موافقا لظاهر القرآن الثامن والعشرون: كونه موافقا لسنة أخرى التاسع والعشرون: كونه موافقا للقياس الثلاثون: كونه معه حديث آخر مرسل أو منقطع الحادي والثلاثون: كونه عمل به الخلفاء الراشدون الثاني والثلاثون: كونه معه عمل الأمة الثالث والثلاثون: كون ما تضمنه من الحكم منطوقا الرابع والثلاثون: كونه مستقلا لا يحتاج إلى إضمار الخامس والثلاثون: كون حكمه مقرونا بصفة والاخر بالاسم السادس والثلاثون: كونه مقرونا بتفسير الراوي السابع والثلاثون: كون أحدهما قولا والآخر فعلا فيرجح القول الثامن والثلاثون: كونه لم يدخله التخصيص التاسع والثلاثون: كونه غير مشعر بنوع قدح في الصحابة الأربعون: كونه مطلقا والآخر ورد على سبب الحادي والأربعون: كون الاشتقاق يدل عليه دون الآخر الثاني والأربعون: كون أحد الخصمين قائلا بالخبرين الثالث والأربعون: كون أحد الحديثين فيه زيادة الرابع والأربعون: كونه فيه احتياط "للفرض"٢ وبراءة الذمة الخامس والأربعون: كون أحد الحديثين له نظير متفق على حكمه السادس والأربعون كونه يدل على التحريم والآخر على الإباحة السابع والأربعون: كونه يثبت حكما موافقا لما قبل الشرع فقيل هو أولى وقيل هما سواء الثامن والأربعون: كون أحد الحديثين مسقطا للحد فقيل هو أولى وقيل لا "ترجيح"٣ التاسع والأربعون: كونه إثباتا يتضمن النقل عن حكم العقل والآخر نفيا يتضمن الإقرار على حكم العقل الخمسون: كون الحديثين في الأقضية وراوي أحدهما "علي"
стр. 413
أو في "الفرائض" وراوي أحدهما زيد أو في الحلال والحرام وراوي أحدهما معاذ وهلم جرا فالصحيح الذي عليه الأكثرون الترجيح بذلك انتهى.
وقد خالفه بعض الأصوليين في بعض ما ذكره ورجح مقابل أو سوى بينهما وقد زاد الأصوليون كالإمام والآمدي وأتباعهما وجوها كثيرة زيادة على هذه نحو الستين.
ويترجح بكونه: أعلى إسنادا وكون راويه عالما بالعربية وكونه عالما باللغة وكونه أفضل في الفقه أو العربية أو اللغة وكونه حسن الاعتقاد وكونه ورعا وكونه جليسا للمحدثين أو "غيرهم"١ من العلماء وكونه أكثر مجالسة لهم وكونه عرفت عدالته بالاختبار والممارسة وعرفت عدالة الآخر بالتزكية أو العمل على روايته وكون المزكي زكاه وعمل بخبره وزكى الآخرون خبره وكونه ذكر سبب تعديله وكونه ذكرا وكونه حرا وكونه أشهر وكون نسبه أشهر وكون اسمه لا يلتبس وكونه له اسم واحد والآخر له اسمان فأكثر وكون من زكاه أكثر وكون مزكيه أعلم وكونه دام عقله ولم يختلط. كذا أطلقوه وشرط في المحصول مع ذلك أن لا يعلم هل رواه في حال سلامته أو اختلاطه وكونه تأخر إسلامه وقيل عكسه وبه جزم الآمدي وكونه من أكابر الصحابة وكون الخبر حكي بسبب وروده إن كانا خاصين فإن كانا عامين "فبالعكس"٢ وكونه حكى فيه لفظ الرسول ﷺ وكونه لم ينكره راوي الأصل أو لم يتردد فيه وكونه مشعرا بعلو شأن الرسول ﷺ وتمكنه وكونه مدنيا والآخر مكيا وكونه متضمنا للتخفيف وقيل بالعكس وكونه مطلق التاريخ على المؤرخ بتاريخ متقدم وكونه مؤرخا بتاريخ مؤخر على مطلق التاريخ وكون الراوي تحمله في الإسلام على ما تحمله راويه في الكفر أو شك "فيه"٣ وكون لفظ الحديث فصيحا والآخر ركيكا وكونه بلغة قريش وكون لفظه حقيقة وكونه أشبه بالحقيقة وكون أحدهما حقيقة شرعية والآخر حقيقة عرفية أو لغوية وكون أحدهما حقيقة عرفية.
стр. 414
والآخر حقيقة لغوية وكونه يدل على المراد من وجهين وكونه يدل على المراد بغير واسطة وكونه يومىء إلى علة الحكم وكونه ذكر معه معارضه وكونه مقرونا بالتهديد وكونه أشد تهديدا وكون أحد الخبرين "يقل"١ فيه اللبس وكون اللفظ "متفقا"٢ على وضعه لمسماه وكونه منصوصا على حكمه مع تشبيهه لمحل آخر وكونه مؤكدا بالتكرار وكون أحد الخبرين دلالته مفهوم الموافقة والآخر مفهوم المخالفة وقيل بالعكس وكونه قصد به الحكم المختلف فيه ولم يقصد بالآخر ذلك وكون أحد الخبرين مرويا بالإسناد والآخر معزوا إلى كتاب معروف وكون أحدهما معزوا إلى كتاب معروف والآخر مشهور وكون أحدهما اتفق عليه الشيخان وكون العموم في أحد الخبرين مستفادا من الشرط والجزاء والآخر من النكرة المنفية وكون وكون الخطاب في أحدهما تكليفا وفي الآخر وضعيا وكون الخطاب في أحدهما شفاهيا فيقدم على خطاب الغيبة في حق من ورد الخطاب عليه وكون الخطاب على الغيبة فيقدم على الشفاهي في حق الغائبين وكون أحد الخبرين قدم فيه ذكر العلة وقيل بالعكس وكون العموم في أحدهما مستفادا من الجمع المعرف فيقدم على المستفاد من "ما، ومن"٣ وكون الحكم في أحد الخبرين معقول المعنى وكونه مستفادا من الكل فيقدم على المستفاد من الجنس المعرف لاحتمال العهد.
وثم وجوه أخر فيها نظر وكذلك في بعض ما تقدم.
стр. 415
النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في متصل الأسانيد
مثاله ما روي عن عبد الله بن المبارك قال: "حدثنا"١ سفيان عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر قال حدثني "بسر"٢ بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس يقول سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
فذكر "سفيان" في هذا الإسناد زيادة ووهم وهكذا ذكر أبي إدريس أما الوهم في ذكر سفيان "فممن"٣ دون ابن المبارك لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن جابر نفسه ومنهم من صرح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
وأما ذكر "أبي إدريس" فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم وذلك وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة وفيهم من صرح فيه بسماع بسر"٢" من واثلة.
قال: "أبو حاتم الرازي": "يرون أن ابن المبارك وهم في هذا"٤ قال: وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس فغلط ابن المبارك وظن أن "هذا مما"٥ روي عن أبي إدريس عن واثلة وقد سمع هذا بسرمن واثلة نفسه".٦
стр. 416
قلت: قد ألف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتابا "سماه: تمييز"١ المزيد في متصل الأسانيد وفي كثير مما ذكره نظر: لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظ "عن" في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله ويجعل معللا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد لما "عرف"٢ في نوع المعلل وكما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في النوع الذي يليه. وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه ثم سمعه منه نفسه فيكون "بسر"٣ في هذا الحديث قد سمعه من "أبي إدريس عن واثلة"٤ ثم لقي واثلة فسمعه منه كما جاء مثله مصرحا به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهما كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور.
وأيضا فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين فإذا لم يجيء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة والله أعلم.
стр. 417
النوع الثامن والثلاثون
معرفة المراسيل الخفي إرسالها
هذا نوع مهم عظيم الفائدة يدرك بالاتساع في الرواية والجمع بطرق الأحاديث مع المعرفة التامة. "وللخطيب الحافظ" فيه "كتاب التفصيل لمبهم المراسيل".
والمذكور في هذا الباب منه: ما عرف فيه الإرسال بمعرفة عدم السماع من الراوي فيه أو عدم اللقاء كما في الحديث المروي عن العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان النبي ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض وكبر".
روي فيه عن "أحمد بن حنبل" أنه قال: العوام لم يلق ابن أبي أوفى.
ومنه: ما كان "الحكم"١ بإرساله محالا على مجيئه من وجه آخر بزيادة "شخص أو أكثر"٢ في الموضع المدعى فيه الإرسال كالحديث الذي سبق ذكره في النوع العاشر عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق فإنه حكم فيه بالانقطاع والإرسال بين عبد الرزاق والثوري لأنه روي عن عبد الرزاق قال: "حدثني النعمان ابن أبي شيبة "الجندي"٣ عن الثوري عن أبي إسحاق". وحكم أيضا فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق لأنه روي عن الثوري عن شريك عن "أبي إسحاق
وهذا"٤ وما سبق في النوع الذي قبله يتعرضان لأن يعترض "بكل"٥ واحد
стр. 418
منهما على الآخر على ما تقدمت الإشارة إليه والله أعلم انتهى.
هذان النوعان متقاربان وجعلهما المصنف نوعين تبعا للخطيب ولنقدم الكلام على النوع الثاني وليس المراد به هنا ما تقدم في حد المرسل "لهذا أفرد المصنف هذا بالذكر"١ إنما المراد به هنا مطلق الانقطاع. ثم الإرسال: ظاهر وخفي
فالظاهر هو: أن يروي الرجل عمن لم يعاصره بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث كأن يروي مالك مثلا عن سعيد بن المسيب وكحديث رواه النسائي من رواية القاسم بن محمد عن ابن مسعود قال: "أصاب النبي ﷺ بعض نسائه ثم نام حتى أصبح" فإن القاسم لم يدرك ابن مسعود.
والخفي: هو أن يروي "عن من"٢ سمع منه ما لم يسمعه منه أو عن من"٢" لقيه ولم يسمع منه أو عن من"٢" عاصره ولم يلقه.
فهذا قد يخفي على كثير من أهل الحديث لكونهما قد جمعهما "عصر"٣ واحد.
وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين ويعرف خفي الإرسال بأمور أربعة:
أحدها: أن يعرف عدم اللقاء بينهما بنص بعض الأئمة على ذلك أو يعرف ذلك بوجه صحيح كحديث رواه ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "رحم الله حارس الحرس".
فإن عمر لم يلق عقبه كما قال المزي في "الأطراف"
والثاني: بأن يعرف عدم سماعه منه مطلقا بنص إمام على ذلك أو نحوه كأحاديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وهي في السنن الأربعة.
فقد روى الترمذي أن عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا.
والثالث: بأن يعرف عدم سماعه منه لذلك الحديث فقط وإن سمع منه غيره إما بنص إمام أو بإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث أو نحو ذلك
والرابع: بأن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راو بينهما كالحديث الذي
стр. 419
أشار إليه بقوله: "سبق ذكره في النوع العاشر"
رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن "يثيع"١ عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين". فهو منقطع في موضعين لأنه روي عن عبد الرزاق قال حدثني النعمان ابن أبي شيبة عن الثوري "وروي عن"٢ الثوري عن شريك عن أبي إسحاق.
وهذا القسم الرابع محل نظر لا يدركه إلا الحفاظ النقاد ويشتبه ذلك على كثير من أهل الحديث لأنه ربما كان الحكم للزائد وربما كان الحكم للناقص والزائد وهم فيكون من نوع: "المزيد في متصل الأسانيد" ولهذا حسن٣ الجمع بين: "خفى الإرسال ومتصل الأسانيد" في نوع واحد وإن كان الخطيب جعلهما نوعين وصنف في كل نوع كتابا لكن في كثير "من ما"٤ قاله نظر والصواب ما ذكره المصنف من التفصيل وهو أن الإسناد "الخالي"٥ عن الراوي.. إلى آخره.
والحديث الذي مثل به رواه مسلم والترمذي من طريق ابن المبارك عن عبد الرحمن ابن يزيد "بن"٦ جابر عن "بسر"٧ بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"
فذكر أبي إدريس في هذا الحديث وهم من ابن المبارك فقد رواه جماعات من الثقات بالاتصال"٣" بين بسر وواثلة من غير ذكر أبي إدريس. كذا رواه
стр. 420
مسلم والترمذي والنسائي عن علي بن حجر "عن"١ الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن بسر قال: سمعت واثلة.
وكذا رواه أبو داود عن إبراهيم بن موسى٢ وكذا حكاه الترمذي عن البخاري وقال وقال الدارقطني٣: زاد ابن المبارك في هذا أبا إدريس ولا أحسبه إلا أدخل حديثا في حديث.
وقوله في الوجه الآخر وهو إدخال "سفيان"٤ بين ابن المبارك وابن جابر رواه جماعة عن ابن المبارك عن ابن جابر من غير ذكر سفيان أي: كعبد الرحمن ابن مهدي وحسن بن الربيع وهناد بن السري وغيرهم.
стр. 421
النوع التاسع والثلاثون
معرفة الصحابة ﵃ أجمعين
هذا علم كبير قد ألف الناس فيه كتبا كثيرة ومن أحلاها وأكثرها فوائد: كتاب الاستيعاب لابن عبد البر لولا ما شأنه به من إيراده كثيرا مما شجر بين الصحابة وحكاياته عن الأخباريين لا المحدثين وغالب على الأخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه.
وأنا أورد نكتا نافعة إن شاء الله تعالى قد كان ينبغي لمصنفي كتب الصحابة أن يتوجوها بها مقدمين لها في فواتحها.
إحداها اختلف أهل العلم في أن الصحابي من؟ فالمعروف من طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله ﷺ فهو من "الصحابة"١.
قال البخاري في صحيحه من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من الصحابة
وبلغنا عن أبي المظفر السمعاني المروزي أنه قال أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ أعطوا كل من رآه حكم الصحبة وذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة والظاهر: يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ "وكثرت له مجالسته"٢ على طريق "التبع"٣ له والأخذ عنه. قال: وهذا طريق الأصوليين.
стр. 422
قلت: وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.
وكأن المراد بهذا إن صح عنه راجع إلى المحكي عن الأصوليين ولكن في عبارته ضيق يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا "نعرف"١ خلافا في عده من الصحابة.
وروينا عن شعبة عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرا قال: "أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه فأما من صحبه فلا" إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة.
ثم إن كون الواحد منهم صحابيا تارة يعرف بالتواتر وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت "عدالته"٢
الثانية للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة.
قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية. قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ.
وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية.
وفي نصوص السنة الشاهدة بذلك "كثرة"٣ منها: حديث أبي سعيد المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".
стр. 423
ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة. "ومن"١ لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانا للظن بهم ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله سبحانه أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة انتهى.
ألف العلماء في معرفة الصحابة كتبا كثيرة منها الصحابة لأبي حاتم بن حبان البستي "مختصرا"٢ في مجلدة.
ومنها: كتاب معرفة الصحابة لأبي عبد الله بن مندة وهو كتاب كبير جليل وقد ذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني بذيل كبير.
ومنها: الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني كتاب جليل.
ومنها: الاستيعاب لابن عبد البر وهو كثير الفوائد وذيل عليه ابن فتحون بذيل في مجلد.
ومنها: معرفة الصحابة للعسكري "على"٣ غير ترتيب الحروف.
وصنف "معاجم"٤ الصحابة جماعة منهم: أبو القاسم البغوي "وابن قانع والطبراني"٥ إلا أن من صنف المعاجم"٤" لا يورد غالبا إلا من له رواية٦.
وقد صنف أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري كتابا سماه أسد الغابة جمع فيه بين كتاب ابن مندة وذيل "أبو"٧ موسى عليه "و"٨كتاب أبي نعيم والاستيعاب وزاد من غيرها أسماء ولم يقع له ذيل ابن فتحون.
وقد اختصره جماعة منهم الذهبي في مختصر لطيف وذيل عليه الحافظ العراقي.
стр. 424
واختلف في حد الصحابة على ستة أقوال المعروف والمشهور: أنه من رأى النبي ﷺ في حال إسلامه.
هكذا أطلقه كثيرون ومرادهم زوال المانع من الرواية كالعمى وإلا فمن صحبه ﷺ ولم يره كابن أم مكتوم صحابي بلا خلاف.
وهو يرد على المصنف.
وفي دخول الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ مسلما ولم يصحبه ولم يجالسه في عبارة البخاري نظر.
ويرد على المصنف أيضا من ارتد عن الإسلام ومات "على رؤية"١ كافرا؟ ك"عبد الله بن خطل وربيعة بن أمية "ومقيس"٢ بن صبابة" ونحوهم.
"فإنه"٣ ليسوا بصحابة والحد منطبق عليهم إلا أن "نقول"٤ بأحد قولي الأشعري أن إطلاق اسم الكفر والإيمان هو باعتبار الخاتمة فمن ارتد ومات كافرا لم يزل كافرا ومن مات مسلما بعد كفره لم يزل مسلما وعلى هذا لا يدخلون في الحد.
وأما من ارتد منهم ثم عاد إلى الإسلام في حياته ﷺ فالصحبة عائدة إليهم كعبد الله بن أبي سرح فإن ارتد في حياته أو بعد موته ثم عاد إلى الإسلام بعد موته ﷺ ك"الأشعث بن قيس وقرة بن هبيرة"١"٥". ففي عود الصحبة له نظر عند من يقول: إن الردة محبطة للعمل وإن لم يتصل بها الموت وهو قول أبي حنيفة.
وفي عبارة الشافعي في الأم ما يدل عليه والمشهور عنه ما حكاه الرافعي أنها لا تحبط إلا إذا اتصلت بالموت وحينئذ فالظاهر عود الصحبة.
стр. 425
وبقي النظر في أمور أخر من التمييز أو البلوغ في "الرائي"١ "واشتراط"٢ كون الرؤية بعد النبوة أو أعم من ذلك واشتراط كونه ﷺ حيا "يخرج"٣ ما لو رآه بعد موته قبل الدفن واشتراط كون الرؤية له في عالم الشهادة دون عالم الغيب.
فأما التمييز ففظاهر كلامهم اشتراطه كما هو موجود في كلام يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وابن عبد البر وغيرهم وهم جماعة أتي بهم النبي ﷺ وهم أطفال فحنكهم ومسح وجوههم أو تفل في أفواههم "فلم يكتبوا"٤ لهم "صحبة منهم محمد بن"٥ حاطب بن الحارث وعبد الرحمن بن عثمان التيمي ومحمود بن الربيع وعبيد الله بن معمر وعبد الله بن الحارث بن نوفل وعبد الله بن أبي طلحة ومحمد بن ثابت بن قيس بن شماس ويحيى بن خلاد بن رافع الزرقي ومحمد بن طلحة ابن عبيد الله وعبد الله بن ثعلبة بن "صعير"٦ وعبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن "عبد القاري"٧ ونحوهم.
فأما محمد بن حاطب فإنه ولد بأرض الحبشة قال يحيى بن معين: له "رؤية"٨ ولا تذكر له صحبة "التيمي"٩.
وأما عبد الرحمن بن عثمان فقال أبو حاتم: الرازي كان صغيرا له رؤية وليست له صحبة.
وأما محمود بن الربيع فهو الذي عقل منه ﷺ مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين كما ثبت في البخاري وقال أبو حاتم له رؤية وليست له صحبة.
وأما عبيد الله بن معمر فقال ابن عبد البر ذكر بعضهم أن له صحبة وهو غلط بل له رؤية وهو غلام صغير.
وأما عبد الله بن الحارث بن نوفل فإنه الملقب "ببه و"١٠ذكر ابن عبد البر أنه