هريرة وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في أشباه لذلك كثيرة.
ويجمعون أيضا أبوابا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام فيفردونها بالتأليف فتصير كتبا مفردة نحو باب رؤية الله وباب رفع اليدين وباب القراءة خلف الإمام وغير ذلك.
ويفردون أحاديث فيجمعون طرقها في كتب مفردة نحو طرق حديث قبض العلم وحديث الغسل يوم الجمعة وغير ذلك.
وكثير من أنواع كتابنا هذا قد أفردوا أحاديثه بالجمع والتصنيف.
وعليه في كل ذلك تصحيح القصد والحذر من قصد المكاثرة ونحوه.
بلغنا عن حمزة بن محمد الكناني أنه خرج حديثا واحدا من نحو مائتي طريق فأعجبه ذلك فرأى يحيى بن معين في منامه فذكر له ذلك فقال له أخشى أن يدخل هذا تحت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ .
ثم ليحذر أن يخرج إلى الناس ما يصنفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه وتكريره.
وليتق أن يجمع ما لم يتأهل بعد لاجتناء ثمرته واقتناص١ فائدة جمعه كيلا يكون حكمه ما رويناه عن علي ابن المديني قال: إذا رأيت الحدث٢ أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغسل وحديث من كذب فاكتب على قفاه لا يفلح.
ثم إن هذا الكتاب مدخل٣ إلى هذا الشأن مفصح٤ عن أصوله وفروعه شارح٥ لمصطلحات أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدث بالجهل بها٦ نقصا فاحشا فهو إن شاء الله جدير بأن تقدم العناية به ونسأل الله سبحانه فضله العظيم. انتهى
стр. 352
قوله ثم لا ينبغي لطالب الحديث أي لا يقتصر على السماع والكتابة بل لا بد مع ذلك من معرفة درايته وفهمه وما يتعلق بمعانيه.
وعن أبي عاصم النبيل أنه قال: الرئاسة في الحديث بلا دارية رئاسة نذلة.
قال الخطيب هي١ اجتماع الطلبة على الراوي للسماع منه٢ عند علو سنه.
قال فإذا٣ تميز الطالب بفهم الحديث ومعرفته تعجل بركة ذلك في شبيبته.
قال ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف دون التميز٤ بمعرفة صحيحه من فاسده والوقوف على اختلاف وجوهه والتصرف في أنواع علومه إلا تلقيب المعتزلة القدرية٥ من سلك تلك الطريقة بالحشوية لوجب على الطالب الأنفة لنفسه ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه.
وينبغي له أن يقدم قراءة كتاب في علوم الحديث حفظا او تفهما ليعرف مصطلح أهله ويسارع إلى المحافظة على السماع وأهم ذلك ما ذكره المصنف من المصنفات.
وقال الخطيب بعد أن ذكر الكتب الخمسة٦ ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أحمد وابن راهويه وأبي بكر بن أبي شيبة٧ وأبي خيثمة وعبد بن حميد وأحمد بن سنان والحسن بن سفيان ومحمد بن أيوب الرازي٨.
стр. 353
ثم الكتب المصنفة١ مثل كتب ابن جريج وابن أبي عروبة وابن المبارك وابن عيينة وهشيم وابن وهب والوليد بن مسلم ووكيع وعبد الوهاب بن عطاء وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وغيرهم.
قال وأما موطأ مالك فهو المقدم في هذا النوع ويجب أن يبتدأ بذكره على كل كتاب لغيره.
ثم الكتب المتعلقة بعلل الحديث فمنها كتاب أحمد بن حنبل وابن المديني وابن أبي حاتم وأبي علي النيسابوري والدارقطني والتمييز لمسلم.
ثم تواريخ المحدثين٢ مثل كتاب ابن معين رواية عباس ورواية المفضل الغلابي ورواية الحسين بن حبان٣ وتاريخ خليفة وأبي حسان الزيادي ويعقوب الفسوي وابن أبي خيثمة وأبي زرعة الدمشقي وحنبل بن إسحاق والسراج والجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
قال ويربي على هذه الكتب كلها تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري.
أي التاريخ الكبير وله ثلاثة تواريخ.
قوله على التدريج قليلا قليلا أي فلا يكلف نفسه حفظ ما لا يطيقه ففي الحديث الصحيح خذوا من الأعمال ما تطيقون.
وعن الثوري قال: كنت آتي الأعمش ومنصورا فأسمع أربعة أحاديث خمسة٤ ثم انصرف كراهية أن تكثر وتفلت.
ونحوه عن شعبة وابن علية ومعمر.
وعن الزهري أنه قال: إن هذا العلم إن أخذته بالمكاثرة٥ له غلبك ولكن خذه مع الليالي والأيام أخذا رفيقا تظفر به.
стр. 354
ومما يعين على الحفظ المذاكرة١ لقول علي ﵁ تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.
ونحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ وابن عباس.
وعن الخليل بن أحمد ذاكر بعلمك تذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك.
وعن عبد الله بن المعتز قال: من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.
قوله وليشتغل بالتخريج أي لقول بعضهم٢ من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج.
والتخريج يكتب الذكر إلى آخر الدهر كما قال: الشاعر:
يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم ... والجهل يلحق أمواتا٣ بأموات
وعن الدارقطني أول من صنف مسندا وتتبعه نعيم بن حماد.
قال الخطيب وقد صنف أسد بن موسى مسندا وكان أكبر من نعيم سنا وأقدم سماعا فيحتمل أن يكون نعيم سبقه في حداثته.
قال الخطيب يستحب أن يصنف المسند معللا فإن معرفة العلل أجل٤ أنواع الحديث.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: لأن أعرف علة حديث أحب٥ إلي من أن أكتب عشرين حديثا ليس عندي
وقد جمع يعقوب بن شيبة مسندا معللا.
قال الأزهري ولم يصنف يعقوب المسند كله قال: وسمعت الشيوخ
стр. 355
يقولون لم يتمم مسند معلل قط.
قال وقيل لي إن نسخة بمسند أبي هريرة شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء قال: ولزمه على ما خرج من المسند عشرة الآف دينار.
قال الخطيب والذي ظهر ليعقوب مسند العشرة وابن مسعود وعمار وعتبة بن غزوان والعباس وبعض الموالي هذا الذي رأينا من مسنده.
قوله ومما يعتنون به في التأليف جمع الشيوخ أي والتراجم والأبواب والطرق وقد ذكر جميعها.
مثال جمع الشيوخ ان يجمع حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده كجمع حديث الأعمش للإسماعيلي وحديث الفضيل بن عياض للنسائي وحديث محمد بن جحادة للطبراني وغير ذلك.
وقد ذكر الخطيب ممن جمع١ حديثه إسماعيل بن أبي خالد وأيوب بن أبي تميمة وبيان بن بشر والحسن بن صالح بن حي وحماد بن زيد وداود بن أبي هند وربيعة بن أبي عبد الرحمن وزائدة وزهير وزياد بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وسليمان أبو٢ إسحاق الشيباني وسليمان بن طرخان٣ وسليمان بن مهران الأعمش وشعبة وصفوان بن سليم وطلحة ابن مصرف وعبد الله بن عون وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وعبيد الله بن عمر٤ العمري وأبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي وعمرو بن دينار المكي ومالك بن أنس ومحمد بن جحادة ومحمد بن سوقة ويحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن عبيد البصري٥.
стр. 356
ومثال جمع التراجم وهو جمع ما جاء بترجمة واحدة من الحديث كأيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة
وذكر المصنف مالكا وسهيلا وهشاما.
ومثال جمع الأبواب فتصير كتبا كباب رفع اليدين وباب القرآءة خلف الإمام أفردهما البخاري بالتصنيف
وباب: التصديق بالنظر لله تعالى أفرده الآجري.
وباب: النية أفرده ابن أبي الدنيا١.
وباب: القضاء باليمين مع الشاهد أفرده الدارقطني.
وباب: القنوت أفرده ابن مندة.
وباب: البسملة أفرده ابن عبد البر وغيره.
وغير ذلك.
ومثال جمع الطرق وهو جمع طرق حديث واحد كطرق حديث قبض العلم للطوسي وطرق حديث من كذب علي متعمدا للطبراني وطرق حديث طلب العلم فريضة ونحو ذلك.
وقد أدخل الخطيب هذال القسم في جمع الأبواب وأفرده المصنف بالذكر وهو واضح لأن هذا جمع طرق حديث واحد وذاك جمع باب وفيه أحاديث مختلفة.
стр. 357
المجلد الثاني
النوع التاسع والعشرون
...
النوع التاسع والعشرون
معرفة الإسناد العالي والنازل
أصل الإسناد أولا خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة وسنة بالغة من السنن المؤكدة.
روينا من غير وجه عان "عبد الله بن المبارك ﵁" أنه قال: الإسناد من الدين, "لولا"١ الإسناد لقال من شاء ما شاء".
وطلب العلو فيه سنة أيضا ولذلك استحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره
قال "أحمد بن حنبل ﵁: طلب الإسناد العالي سنة "عن من"٢ سلف
وقد روينا أن "يحيى بن معين" ﵁ قيل له في مرضه الذي مات فيه ما تشتهي قال: بيت خالي وإسناد "عالي"٣
قلت: العلو يبعد الإسناد من الخلل لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا ففي قلتهم قلة جهات الخلل وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل, وهذا جلي واضح
ثم إن العلو المطلوب في رواية الحديث على أقسام خمسة
أولها: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف, وذلك من أجل أنواع العلو
وقد روينا عن "محمد بن أسلم الطوسي الزاهد العالم ﵁" أنه قال:
стр. 358
"قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ".
وهذا كما قال, لأن قرب الإسناد قرب إلى رسول الله ﷺ , والقرب إليه قرب من الله .
الثاني: وهو الذي ذكره "الحاكم أبو عبد الله الحافظ": القرب من إمام من أئمة الحديث, وإن كثر العدد من ذلك الإمام إلى رسول الله ﷺ . فإذا وجد ذلك في إسناد وصف بالعلو نظرا إلى قربه من ذلك الإمام, وإن لم يكن عاليا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ .
وكلام "الحاكم" يوهم أن القرب من رسول الله ﷺ لا يعد من العلو المطلوب أصلا وهذا غلط من قائله لأن القرب منه ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف أولى بذلك ولا ينازع في هذا من له مسكه من معرفة.
وكأن "الحاكم" أراد بكلامه ذلك إثبات العلو للإسناد بقربه١ من إمام وإن لم يكن قريبا إلى رسول الله ﷺ والإنكار على من يراعي في ذلك مجرد قرب الإسناد إلى رسول الله ﷺ وإن كان إسنادا ضعيفا ولهذا مثل ذلك بحديث "أبي هدبة ودينار والأشج" وأشباههم
الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية "الصحيحين" أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة وذلك ما اشتهر آخرا من الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة.
وقد كثر المحدثين اعتناء المحدثين المتأخرين بهذا النوع. وممن وجدت هذا النوع في كلامه: "أبو بكر الخطيب" وبعض شيوخه و"أبو نصر ابن ماكولا وأبو عبد الله الحميدي" وغيرهم من طبقتهم وممن جاء بعدهم
أما الموافقة: فهي أن يقع لك الحديث عن شيخ "مسلم"٢ فيه مثلا عاليا بعدد أقل من العدد الذي يقع لك به الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن "مسلم" عنه.
وأما البدل: فمثل أن يقع لك مثل هذا العلو عن شيخ غير شيخ "مسلم" "مثل شيخ مسلم"٣ في ذلك الحديث
стр. 359
وقد يرد البدل إلي الموافقة فيقال فيما ذكرناه إنه موافقة عالية في شيخ شيخ مسلم. ولو لم يكن ذلك عاليا فهو أيضا موافقة وبدل لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم الالتفات إليه
وأما "المساواة"١ فهي في أعصارنا أن يقل العدد في إسنادك لا إلى شيخ "مسلم" وأمثاله ولا إلى شيخ شيخه بل إلي من هو أبعد من ذلك كالصحابي أو من قاربه وربما كان إلى رسول الله ﷺ بحيث يقع بينك وبين الصحابي مثلا من العدد مثل ما وقع من العدد بين "مسلم" وبين ذلك الصحابي "فتكون"٢ بذلك مساويا "لمسلم" مثلا في قرب الإسناد وعدد رجاله.
وأما المصافحة: فهي أن تقع هذه المساواة التي وصفناها, لشيخك لا لك, فيقع ذلك لك مصافحة, إذ تكون كأنك لقيت "مسلما" في ذلك الحديث وصافحته به, لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم.
فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك فتقول: كأن شيخي سمع مسلما وصافحه.
وإن كانت المساواة "لشيخ شيخ شيخك"٣ فالمصافحة لشيخ شيخك فتقول فيها: كأن شيخ شيخي سمع مسلما وصافحه ولك أن لا تذكر لك في ذلك نسبة بل تقول كأن فلانا سمعه من مسلم من غير أن تقول فيه: شيخي أو شيخ شيخي.
ثم لا يخفى على المتأمل أن في "المساواة و"٤ المصافحة الواقعتين لك لا يلتقي إسنادك وإسناد "مسلم" أو نحوه إلا بعيدا عن شيخ مسلم فيلتقيان في الصحابي أو قريبا منه فإن كانت المصافحة التي تذكرها ليست لك بل لمن فوقك من رجال إسنادك أمكن التقاء الإسنادين فيها في شيخ مسلم أو أشباهه وداخلت المصافحة حينئذ الموافقة فإن معني الموافقة راجع إلى مساواة ومصافحة مخصوصة إذ
стр. 360
حاصلها أن بعض من تقدم من رواة إسنادك العالي ساوى أو صافح "مسلما أو البخاري" لكونه سمع ممن سمع من شيخهما مع تأخر طبقته عن طبقتهما ويوجد في كثير من العوالي المخرجة لمن تكلم أولا في هذا النوع وطبقتهم المصافحات مع الموافقات والأبدال لما ذكرناه.
ثم اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك وكنت قد قرأت "بمرو"١ على شيخنا المكثر "أبي المظفر عبد الرحيم ابن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني رحمهما الله" في أربعي "أبي البركات الفراوي" حديثا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من "البخاري" فقال الشيخ أو المظفر "ليس لك بعال ولكنه للبخاري نازل".
وهذا حسن لطيف يخدش وجه هذا النوع من العلو انتهى
قال أحمد: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف".
وقال الحاكم: "وفي طلب الإسناد العالي سنة صحيحة". فذكر حديث أنس في "مجىء الأعرابي" وقوله: "يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا" الحديث
قال: "ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه".
ولم يحك الحاكم خلافا في تفضيل العلو وحكاه ابن خلاد ثم الخطيب فحكيا عن بعض "أهل النظر أن التنزل في الإسناد أفضل لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله وفي الناقل وتعديله وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا
قال ابن خلاد "وهذا مذهب من يزعم أن الخبر أقوى من القياس".
قال المصنف "وهو مذهب ضعيف الحجة".
قال ابن دقيق العيد "لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها قال ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى". انتهى
وهذا يصير بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة فيسلك طريقا بعيدة لتكثير الخطا فتفوته صلاة الجماعة التي هي المقصود لأن المقصود من الحديث التوصل
стр. 361
إلى صحته وبعد الوهم وكلما كثر رجال الإسناد تطرق إليه الخطأ وكلما قصر سلم.
اللهم إلا أن يكون رجال السند النازل أوثق "و"١ أحفظ أو أفقه فإنه يكون أولى كما سيأتي.
وقسم المصنف العلو إلى خمسة أجزاء تبعا ل"أبي الفضل محمد بن طاهر فإنه أفرد ذلك في "جزء".
القسم الأول: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف فإن كان مع العلو ضعف فلا التفات إليه ولا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعا من الصحابة كإبراهيم بن هدبة ودينار بن عبد الله وخراش و"نعيم"٢ بن سالم ويعلى بن الأشدق وأبي الدنيا الأشج ونحوهم.
قال الذهبي في "الميزان": متى رأيت المحدث يفرح بعوالي أبي هدبة ومن ذكرنا فاعلم أنه عامي بعد.
وهذا "القسم"٣ هو أفضل أنواع العلو وأجلها
وأعلى ما يقع "للشيوخ"٤ في هذا الزمان من الأحاديث المتصلة بالسماع ما هو تساعي الإسناد وقد يقع التساعي الصحيح ولكن "بإجازة"٥ في الطريق.٦
وقول الذهبي في "تاريخ الإسلام" في "ترجمة ابن البخاري": "وهو آخر من كان في الدنيا بينه وبين رسول الله ﷺ ثمانية رجال ثقات" إنه يريد مع اتصال
стр. 362
السماع أما مع "الإجازة"١ فقد تأخر بعده جماعة
القسم الثاني: القرب إلى إمام من الأئمة ك"الأعمش وهشيم وابن جريج والأوزاعي ومالك وسفيان وشعبة وزهير وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية" وغيرهم من أئمة الحديث
وأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بينهم وبين هؤلاء الأئمة من حيث العدد مع صحة الإسناد واتصاله بالسماع أن بينهم وبين الأعمش و"هشيم"٢ وابن جريج والأوزاعي ثمانية "وبينهم"٣ وبين مالك والثوري وشعبة وزهير وحماد بن سلمة سبعة وبينهم وبين ابن علية ستة
القسم الثالث: العلو المقيد بالنسبة إلى رواية الصحيحين وبقية الكتب الستة وسماه ابن دقيق العيد علو التنزيل ولم يذكر ابن طاهر هذا القسم وجعل القسم الثالث: علو تقدم السماع وجمع بينه وبين قسم "تقدم"٤ الوفاة فجعلهما قسما واحدا
وهذا النوع هو الذي يقع فيه الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحات
ف"الموافقة": أن يروي الرواي حديثا في أحد "الكتب الستة بإسناد لنفسه من غير طريقها بحيث يجتمع مع أحد"٥ الستة في شيخه مع علو "الطريق"٦ الذي رواه منه على ما "لو"٧ رواه من طريق أحد "الكتب الستة"
مثاله: حديث رواه البخاري عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس مرفوعا "كتاب الله القصاص".
стр. 363
فإذا رويناه من "جزء الأنصاري" "يقع" ١ موافقة للبخاري في شيخه مع علو درجته
والبدل: أن يوافقه في شيخ شيخه مع العلو أيضا
مثاله: حديث ابن مسعود الآتي في آخر هذا القسم
وقد يسمونه: موافقة مقيدة, فيقال: هو موافقة في شيخ "الترمذي" مثلا.
وقيد المصنف الموافقة والبدل بصورة العلو وفي كلام غيره إطلاقهما مع عدم العلو فإن علا قالوا: موافقة عالية وبدلا عاليا قاله جمال الدين الظاهري وغيره وفي كلام الذهبي "فوافقناه بنزول" فسماه مع النزول موافقة ولكن مقيدة بالنزول كما قيدها غيره٢ بالعلو
والمساواة: أن يكون بين "الصحابي" وبين "الراوي" أو "من قبل الصحابي" إلى شيخ أحد "الستة" كما بين "الأئمة الستة" وبين ذلك "الصحابي" أو "من قبله" على ما ذكر.
أو يكون بينه وبين "النبي ﷺ " كما بين أحد "الأئمة الستة" وبين "النبي ﷺ " من العدد وهذا كله كان يوجد قديما وأما اليوم فلا توجد المساواة إلا "بأن"٣ يكون عد ما بين "الراوي" الآن و"بين"٤النبي ﷺ كعد ما بين أحد "الأئمة الستة" وبين "النبي ﷺ "
"ومثال"٥ المساواة لشيوخنا: "حديث"٦ "النهي عن نكاح المتعة" أخبرنا به "إسماعيل"٧ بن عبد العزيز "إجازة إن لم يكن سماعا"٨ قال: أخبرنا
стр. 364
عبد العزيز بن عبد المنعم الحراني قال: أنبأنا أسعد بن سعيد بن روح وعفيفة بنت أحمد الفارقانية, واللفظ لها قالا: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله "الجوزدانية"١ قالت أنا أبو بكر بن "ريذة"٢ قال أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ثنا يحيى بن بكير حدثني الليث
قال الطبراني: وثنا يوسف القاضي ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا ليث بن سعد حدثني الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه سبرة أنه قال: "أذن لنا رسول الله ﷺ بالمتعة" الحديث وفيه ثم إن رسول الله ﷺ قال: "من كان عنده شىء من هذه النساء اللاتي يتمتع بهن فليخل سبيلها" واللفظ لحديث يحيى بن بكير
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة عن الليث فوقع بدلا لهما عاليا
وورد حديث "النهي عن المتعة" من حديث جماعة من الصحابة منهم: "علي بن أبي طالب" وهو متفق عليه من حديثه من طريق مالك وقد رواه النسائي في "جمعه لحديث مالك" عن زكريا بن يحيى خياط السنة عن إبراهيم بن عبد الله الهروي عن سعيد بن محبوب عن "عبثر"٣ بن القاسم عن سفيان الثوري عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي
فباعتبار هذا العدد كأن شيخنا ساوى فيه النسائي وكأني لقيت النسائي وصافحته به ولله الحمد
والمصافحة: أن "يعلو"٤ طريق أحد "الكتب الستة" عن المساواة بدرجة فيكون الراوي كأنه سمع الحديث من "البخاري أو مسلم" مثلا فكأن الراوي لقي أحد
стр. 365
"الأئمة الستة" وصافحه بذلك الحديث
ومراده١: بالكتب المعتمدة "المعروفة"٢: "الستة" ونحوها لأن الغالب على المخرجين استعمال ذلك بالنسبة إليهم فقط وقد استعمله الظاهري وغيره بالنسبة إلى مسند أحمد ولا "مشاححة"٣ في ذلك
قال الحافظ زين الدين العراقي وقد وقع لنا غير ما حديث مصافحة فمن ذلك الحديث المتقدم مثالا للمساواة فإنه مساواة لشيوخنا مصافحة لنا كما تقدم
"قوله": ثم اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول
"اعترض عليه" بإنه قد لا يكون تابعا لنزول بل قد يكون تابعا لعال أيضا فيكون العلو حصل فيه وفي تابعه فيكون ذلك الإمام وقع له عاليا أيضا مثاله حديث "ابن"٤ مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان على موسى يوم كلمه الله كساء صوف وجبة صوف" الحديث
رواه الترمذي عن علي بن حجر عن خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود
وقد وقع لنا عاليا بدرجتين أخبرني به أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي "إجازة إن لم يكن سماعا"٥ قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني قال: أخبرني عبد المنعم بن عبد الوهاب٦ قال: أنا علي بن أحمد بن محمد بن بيان قال: "أنا"٧ محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد قال أنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن بن عرفة "ثنا"خلف بن خليفة
стр. 366
عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "يوم كلم الله موسى ﵇ كانت عليه جبة صوف وسراويل صوف وكساء صوف وكمه صوف ونعلاه من جلد حمار غير " مذكى"١.
فهذا الحديث بهذا الإسناد لا يقع لأحد في هذه الأزمان أعلى منه على وجه الدنيا من حيث العدد وهو علو مطلق ليس تابعا لنزول فإنه عال للترمذي أيضا فإن خلف بن خليفة من التابعين وأعلى ما يقع للترمذي روايته عن أتباع التابعين.
وأما علو طريقنا فأمر واضح فإن شيخنا أبا الفتح آخر من روى عن النجيب عبد اللطيف بالسماع والنجيب آخر من روى عن عبد المنعم بن كليب بالسماع وابن كليب آخر من روى عن ابن بيان وابن بيان آخر من روى عن ابن مخلد وابن مخلد آخر من روى عن الصفار والصفار آخر من روى عن ابن عرفة وابن عرفة آخر من روى عن خلف بن خليفة وخلف آخر من رأى الصحابة فهو علو مطلق.
قال الرابع من أنواع العلو العلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي.
مثاله ما أرويه عن شيخ أخبرني به "عن"٢ واحد عن البيهقي الحافظ عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ أعلى من روايتي لذلك عن شيخ أخبرني به عن واحد عن أبي بكر ابن خلف عن الحاكم وإن تساوى الإسنادان في العدد لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف لأن البيهقي مات سنة ثمان "وخمسين"٣ وأربعمائة ومات ابن خلف سنة سبع وثمانين وأربعمائة
"و"٤ روينا عن "أبي يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ"، قال: "قد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم "موت"٥ راوية وإن كان متساويين في العدد" ومثل ذلك من حديث نفسه بمثل ما ذكرناه.
стр. 367
ثم إن "هذا الكلام: في"١ العلو المنبني على تقدم الوفاة المستفاد من نسبة شيخ إلى شيخ وقياس راو براو.
وأما العلو المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك من غير نظر إلى قياسه براو آخر فقد حده بعض أهل هذا الشأن بخمسين سنة.
وذلك ما رويناه عن "أبي"٢ علي الحافظ النيسابوري قال: "سمعت أحمد بن عمير٣ الدمشقي وكان من أركان الحديث يقول: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو.
وفيما نروي عن أبي عبد الله ابن منده الحافظ قال إذا مر على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال وهذا أوسع من الأول.
الخامس: العلو المستفاد من تقدم السماع"أنبؤنا"٤ عن محمد بن ناصر الحافظ عن محمد بن طاهر الحافظ قال من العلو تقدم السماع.
قلت: وكثير من هذا يدخل في النوع المذكور قبله وفيه ما لا يدخل في ذلك بل يمتاز عنه مثل أن يسمع شخصان من شيخ واحد وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا وسماع الآخر من أربعين سنة فإذا تساوى السند إليهما في العدد فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى.
فهذه أنواع العلو على الاستقصاء والإيضاح الشافي ولله الحمد كله.
وأما ما رويناه عن "الحافظ أبي طاهر السلفي ﵀" من قوله في أبيات له:
بل علو الحديث بين أولي الحفظ ... والإتقان صحة الإسناد
وما رويناه عن "الوزير نظام الملك" من قوله: "عندي أن الحديث العالي ما صح
стр. 368
عن رسول الله ﷺ وإن بلغت رواته مائة".
فهذا ونحوه ليس من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث وإنما هو علو من حيث المعنى فحسب.
فصل: وأما النزول فهو ضد العلو وما من قسم من أقسام العلو الخمسة إلا وضده قسم من أقسام النزول فهو إذا خمسة أقسام وتفصيلها يدرك من تفصيل أقسام العلو على نحو ما تقدم شرحه.
وأما قول "الحاكم أبي عبد الله": "لعل قائلا يقول: النزول ضد العلو، "فمن"١ عرف العلو فقد عرف ضده وليس كذلك فإن للنزول مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة" إلى آخر كلامه فهذا ليس نفيا لكون النزول ضدا للعلو على الوجه الذي ذكرته بل نفيا لكونه يعرف بمعرفة العلو وذلك يليق بما ذكره هو في معرفة العلو فإنه قصر في بيانه وتفصيله وليس كذلك ما ذكرناه نحن في معرفة العلو فإنه مفصل تفصيلا مفهما لمراتب النزول والعلم عند الله تعالى.
ثم إن النزول مفضول مرغوب عنه والفضيلة للعلو على ما تقدم بيانه ودليله وحكى "ابن خلاد" عن بعض أهل النظر أنه قال "التنزل" في الإسناد أفضل" واحتج "له"٢ بما معناه أنه يجب "الاجتهاد"٣ والنظر في تعديل كل راو وتجريحه فكلما زادوا كان الاجتهاد أكثر فكان الأجر أكثر.
وهذا مذهب "ضعيف الحجة"٤
وقد روينا عن "علي ابن المديني وأبي عمرو المستملي النيسابوري أنهما قالا النزول شؤم".
وهذا ونحوه مما جاء في ذم النزول مخصوص ببعض النزول فإن النزول إذا تعين دون العلو طريقا إلى فائدة راجحة على فائدة العلو فهو مختار غير
стр. 369
"مرذول"١.انتهى
هذا هو القسم الرابع من أقسام العلو وهو تقدم وفاة الراوي عن شيخ على وفاة راو آخر عن ذلك الشيخ.
مثاله: من سمع سنن أبي داود على الزكي عبد العظيم أعلى ممن سمعه على النجيب الحراني ومن سمعه على النجيب أعلى ممن سمعه على ابن خطيب المزة والفخر ابن البخاري وإن اشترك الأربعة في رواية الكتاب عن شيخ واحد وهو: ابن طبرزد لتقدم وفاة الزكي على النجيب وتقدم وفاة النجيب على من بعده.
"هذا"٢كله بنسبة شيخ إلى شيخ أما علو الإسناد بتقدم موت الشيخ لا مع التفات لأمر آخر أو شيخ آخر فمتى يوصف بالعلو؟
قيل: خمسين سنة من موت الشيخ قاله ابن "جوصا"٣
وقول ابن مندة: ثلاثين سنة يحتمل أنه أراد من حين السماع وهو بعيد لأنه يجوز أن يكون شيخه إلى الآن حيا والظاهر أنه أراد إذا مضى على إسناد كتاب أو حديث ثلاثون سنة وهو في تلك المدة لا يقع أعلى من ذلك كسماع كتاب البخاري في سنة ستين وسبعمائة مثلا على "أصحاب أصحاب"٤ ابن الزبيدي فإنه قد مضت عليه ثلاثون سنة من موت من كان آخر من يرويه عاليا وهو الحجار.
"قوله". تقدم السماع أي ممن تقدم سماعه من شيخ كان سماعه منه أعلى ممن سمع منه بعده.
وأهل الحديث مجمعون على أفضلية المتقدم في حق من اختلط شيخه أو خرف لهرم أو مرض وهو واضح.
стр. 370
أما من لم يحصل له ذلك فربما كان السماع المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الضبط والإتقان ثم كان الشيخ متصفا بذلك في حالة سماع الراوي المتأخر السماع فلهذا مزية وفضل على السماع المتقدم وهو أرفع وأعلى لكنه علو معنوي.
وجعل ابن طاهر وابن دقيق العيد "تقدم السماع وتقدم الوفاة" قسما واحدا وزادا بدل الساقط: "العلو إلى صاحبي الصحيحين ومصنفي الكتب المشهورة".
وجعل ابن طاهر هذا قسمين أحدهما العلو إلى البخاري ومسلم وأبي داود وأبي حاتم وأبي زرعة والآخر العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا والخطابي وأشباههما.
قال ابن طاهر واعلم أن كل حديث عز على المحدث ولم يجده عاليا ولا بد له من إيراده في تصنيف أو احتجاج به فمن أي وجه" أورده"١ فهو عال لعزته.
ثم مثل ذلك بأن البخاري روى عن أماثل أصحاب مالك ثم روى حديثا لأبي إسحاق الفزاري عن مالك لمعنى فيه فكان فيه بينه وبين مالك ثلاث رجال والله أعلم.
قوله عن ابن المديني والمستملي النزول شؤم أي وكقول ابن معين الإسناد النازل قرحة في الوجه انتهى
وهذا محمول على ما إذا لم يكن مع النزول ما يجبره كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه أو كونه متصلا بالسماع وفي العالي حضور أو إجازة أو مناولة أو تساهل بعض رواته في الحمل ونحو ذلك "فإن" ٢العدول حينئذ إلى النزول ليس بمذموم ولا مفضول.
وعن وكيع أنه قال٣ الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله. أو"
стр. 371
سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟
فقلنا١: الأعمش عن أبي وائل أقرب فقال الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عنه فقيه "عن فقيه"٢.
وعن ابن المبارك: ليس جودة الحديث قرب الإسناد "بل جودة"٣ الحديث صحة الرجال.
وقال السلفي: الأصل الأخذ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق.
كما ذكر المصنف عن "نظام الملك": وعن السلفي في هذه الأبيات:
ليس حسن الحديث قرب رجال
...
عند أرباب علمه النقاد
بل علو الحديث بين أولي الحفظ
...
والإتقان صحة الإسناد
إذا ما تجمعا في حديث
...
فاغتنمه فذاك أقصى المراد
стр. 372
النوع الموفي ثلاثين
معرفة المشهور من الحديث
ومعنى الشهرة مفهوم وهو منقسم إلى صحيح كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" وأمثاله وإلى غير صحيح كحديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وكما بلغنا عن "أحمد" أنه قال: "أربعة أحاديث تدور عن رسول الله ﷺ في الأسواق ليس لها أصل من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة ومن آذى ذميا أنا خصمه يوم القيامة ونحركم يوم صومكم وللسائل حق وإن جاء على فرس".
وينقسم من وجه آخر "إلى ما هو"١ مشهور بين أهل الحديث وغيرهم كقوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وأشباهه. وإلى ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصة دون غيرهم كالذي رويناه عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس "أن رسول الله ﷺ قنت شهرا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان".
فهذا مشهور بين أهل الحديث مخرج في الصحيح وله رواة عن أنس غير أبي مجلز "ورواة"٢ عن "أبي مجلز" غير التيمي ورواة عن التيمي غير الأنصاري ولا يعلم ذلك إلا أهل "الصنعة"٣ وأما غيرهم فقد يستغربونه من حيث أن التيمي يروي عن أنس وهو ها هنا يروي عن واحد عن أنس.
ومن المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص فإن كان "الحافظ الخطيب" قد ذكره
стр. 373
ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد يوجد في رواياتهم فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروي من الحديث أعياه تطلبه وحديث "إنما الأعمال بالنيات" ليس من ذلك بسبيل وإن نقله عدد التواتر وزيادة لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده ولم يوجد في أوائله على ما سبق ذكره.
نعم حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" نراه مثالا لذلك فإنه نقله من الصحابة ﵃ العدد الجم وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم وذكر أبو بكر البزاز في مسنده أنه رواه عن رسول الله ﷺ نحو من أربعين رجلا من الصحابة.
وذكر بعض الحفاظ أنه رواه "عنه ﷺ "١ اثنان وستون نفسا من الصحابة وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة قال: "وليس في"٢ الدنيا حديث اجتمع على روايته العشرة غيره ولا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين نفسا من الصحابة عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث الواحد.
قلت: وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد وفي بعض ذلك عدد التواتر ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار انتهى.
"قوله": وكما بلغنا عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: "أربع"٣ أحاديث تدور في الأسواق ليس لها أصل. ثم ذكرها. والظاهر أن هذا لا يصح عن أحمد فإنه أخرج منها حديثا في مسنده وهو حديث "للسائل حق وإن جاء على فرس".
وقد ورد من حديث الحسين بن علي وأبيه علي وابن عباس والهرماس بن زياد
أما حديث الحسين بن علي بن أبي طالب فأخرجه أبو داود من رواية يعلي بن أبي يحيى عن فاطمة بنت الحسين "عن"٤ حسين بن علي قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 374
"للسائل حق وإن جاء على فرس".
رواه أحمد في "مسنده" عن وكيع وعبد الرحمن "ابن مهدي"١ كلاهما عن سفيان عن مصعب "بن"٢ محمد عن يعلى بن أبي يحيى.
وهذا إسناد جيد وقد سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح.
ويعلى هذا ذكره ابن حبان في الثقات وجهله أبو حاتم وباقي رجاله ثقات.
وأما حديث علي: فأخرجه أبو داود أيضا من رواية زهير عن شيخ قال رأيت سفيان عنده عن فاطمة بنت حسين عن "أبيها"٣ عن علي عن النبي ﷺ مثله.
وأما حديث ابن عباس فرواه ابن عدي في الكامل من رواية إبراهيم بن يزيد عن سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس عن النبي ﷺ مثله.
أورده في "ترجمة إبراهيم بن عبد السلام المكي المخزومي" "راويه"٤ عن إبراهيم بن يزيد وقال هذا معروف بغير إبراهيم هذا عن إبراهيم بن يزيد سرقه ممن هو معروف به.
قال وإبراهيم بن عبد السلام في جملة الضعفاء المجهولين.
وأما حديث الهرماس بن زياد فرواه الطبراني من رواية عثمان بن "فائدة"٥ عن عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد قال قال: رسول الله ﷺ فذكره.
وعثمان بن فائدة ضعفه ابن معين والبخاري وابن حبان وغيرهم.
وأما حديث: "من آذى ذميا" فإنه معروف أيضا.
رواه أبو داود من رواية صفوان بن سليم عن عدة من أبناء الصحابة عن آباءهم دنية عن رسول الله ﷺ قال "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو
стр. 375
أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة".
سكت عليه أبو داود أيضا فهو عنده صالح وهو كذلك فإن إسناده جيد وهو وإن كان فيه من لم يسم فإنهم عدة من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة ورواه البيهقي في سننه الكبرى عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ ".
-نعم الحديثان الآخران لا أصل لهما.
قال ابن الجوزي في الموضوعات وتذكر العوام أن رسول الله ﷺ قال: "من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة".
قال أحمد لا أصل لهذا.
وروى الطبراني من رواية أبي شيبة القاضي عن آدم بن علي عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ "ما هلك قوم إلا في آذار ولا تقوم الساعة إلا في آذار".
أبو شيبة قاضي واسط اسمه إبراهيم بن عثمان وهو جد أبي بكر ابن أبي شيبة كذبه شعبة وقال ابن معين ليس بثقة.
وبالجملة فهو متفق على ضعفه.
-وأما حديث: "يوم صومكم يوم نحركم" فرواه الإمام أبو بكر محمد بن رمضان ابن شاكر الزيات في كتاب له فيه: "أخبار عن مالك والشافعي وابن وهب وابن عبد الحكم" قال قال محمد بن عبد الله "هو"١ ابن عبد الحكم الحديث الذي روي أن النبي ﷺ قال: "يوم صومكم يوم نحركم" قال: هذا من حديث الكذابين.
واعترض على المصنف في قوله وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص أي المتواتر بأنه قد ذكره أبو عبد الله الحاكم وأبو محمد بن حزم وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم من أهل الحديث.
والجواب عن المصنف أنه٢ إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه الخاص.
стр. 376
المشعر بمعناه الخاص "وهؤلاءلم"١ يقع في كلامهم التعبير عنه بما فسره به الأصوليون وإنما يقع في كلامهم أنه تواتر عنه ﷺ كذا وكذا وأن الحديث الفلاني متواتر "كقول"٢ ابن عبد البر في "حديث المسح على الخفين" إنه استفاض وتواتر.
وقد يريدون الاشتهار لا المعنى الذي فسره به الأصوليون.
واعترض عليه أيضا بأن حديث الأعمال بالنيات ذكر ابن مندة أن جماعة من الصحابة رووه فبلغوا العشرين.
"ورد" بأنه إنما بلغ بهم ثمانية عشر فقط فذكر مجرد أسمائهم من غير رواية لشيء منها ولا عزو لمن رواه وليس هو أبا عبد الله محمد بن إسحاق ابن مندة وإنما هو "أبو القاسم"٣ عبد الرحمن ذكر ذلك في كتاب له سماه المستخرج من كتب الناس للتذكرة فقال وممن رواه عن رسول الله ﷺ غير عمر بن "الخطاب: على"٤ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعبادة بن الصامت وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وأبو ذر الغفاري "وعتبة بن المنذر"٥ وعتبة بن مسلم فعد سبعة عشر غير عمر مع أن فيهم اثنين ليست لهما صحبة "وهما"٦ هلال بن سويد وعتبة بن مسلم وقد ذكرهما ابن حبان في ثقات التابعين فبقي خمسة عشر غير عمر.
وسئل الحافظ أبو الحجاج المزي عن كلام ابن مندة هذا فأنكره واستبعده.
"وتتبعت"٧ هذه الأحاديث فوجد أكثرها في مطلق النية لا بلفظ "إنما
стр. 377
الأعمال بالنيات" وفيها ما هو بهذا اللفظ وقد خرجها الحافظ عبد الرحيم العراقي وزاد على ابن مندة فقال:
-حديث علي بن أبي طالب: رواه ابن الأشعث في سننه والحافظ أبو بكر محمد بن ياسر الجياني في الأربعين العلوي من طريق أهل البيت بلفظ "الأعمال بالنية" وفي إسناده من لا يعرف.
-وحديث سعد بن أبي وقاص كأنه أراد به قوله ﷺ لسعد: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها" الحديث.
رواه الأئمة الستة.
-وحديث أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني في "غرائب حديث مالك" والخطابي في "معالم السنن" بلفظ حديث عمر.
-وحديث ابن مسعود: رواه الطبراني في المعجم الكبير في قصة مهاجر أم قيس وهو حديث غريب ورجاله ثقات.
ولأحمد من حديثه: "إن "أكثر"١ شهداء أمتي "لأصحاب الفرش"٢ ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته"
-وحديث ابن عباس: اتفق عليه الشيخان بلفظ "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".
-وحديث أنس بن مالك: رواه البيهقي في سننه بلفظ "لا عمل لمن لا نية له" وفي إسناده من لم يسم.
وقد رواه ابن عساكر في جزء من أماليه بلفظ حديث عمر من رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أنس "وقال"٣: غريب جدا والمحفوظ حديث عمر
وروينا في مسند الشهاب للقضاعي من حديث أنس: "نية المؤمن خير من
стр. 378
عمله"١
-وحديث أبي هريرة: رويناه في جزء من تخريج الرشيد العطار بلفظ حديث عمر.
ولابن ماجه من حديث أبي هريرة: "إنما يبعث الناس على نياتهم" وحديث معاوية رواه ابن ماجه بلفظ "إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه".
-وحديث عبادة بن الصامت رواه النسائي بلفظ: "من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى".
-وحديث جابر بن عبد الله رواه ابن ماجه بلفظ "يحشر الناس "على نياتهم"٢".
-وحديث عقبة بن عامر: رواه أصحاب السنن بلفظ: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة" فذكره وفيه "وصانعه"٣ يحتسب في صنعته الأجر٤.
-وحديث "أبي ذر"٥ رواه النسائي بلفظ: "من أتى فرشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى "يصبح"٦ كتب له ما نوى" الحديث.
-قال٧: وفي الباب أيضا مما لم يذكره ابن مندة عن أبي الدرداء وسهل بن سعد والنواس بن سمعان وأبي موسى الأشعري وصهيب بن سنان وأبي أمامة
стр. 379
الباهلي وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وصفوان ابن أمية وغزية بن الحارث أو الحارث بن غزية وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وصفية بنت حيي.
-"فحديث أبي الدرداء"١ رواه النسائي وابن ماجة بلفظ حديث أبي ذر المتقدم.
-وحديث سهل بن سعد: رواه الطبراني في المعجم الكبير بلفظ "نية المؤمن خير من عمله وعمل المنافق خير من نيته وكل يعمل على نيته"
-وحديث أبي موسى رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بهذا اللفظ.
-وحديث صهيب: رواه الطبراني في "الكبير"٢ بلفظ: "أيما رجل تزوج امرأة فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئا مات يوم يموت وهو زان وأيما رجل اشترى من رجل شيئا فنوى أن لا يعطيه من ثمنه شيئا مات يوم يموت وهو خائن".
-وحديث أبي أمامة: رواه الطبراني في الكبير بلفظ: "من ادان دينا وهو ينوي أن يؤديه أداه الله عنه يوم القيامة ومن ادان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه" الحديث.
-وحديث زيد بن ثابت ورافع بن خديج: رواه أحمد في مسنده في قصة لحديث أبي سعيد بحديث: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" وقول مروان له كذبت وعنده زيد بن ثابت ورافع بن خديج معه على السرير وأن أبا سعيد قال لو شاء هذان "لحدثاك"٣ فقالا: صدق.
-وحديث غزية بن الحارث: رواه الطبراني في الكبير. بلفظ: "لا هجرة بعد الفتح إنما هي ثلاث الجهاد والنية والحشر".
-وحديث عائشة: رواه مسلم في قصة الجيش الذي يخسف بهم وفيه: "يبعثهم الله على نياتهم".
стр. 380
-وحديث أم سلمة: رواه مسلم وأبو داود بلفظ "يبعثون على نياتهم".
-وحديث أم حبيبة: رواه الطبراني في المعجم الأوسط بلفظ "ثم يبعث كل امرىء على نيته".
-وحديث صفية رواه ابن ماجه بلفظ: "يبعثهم الله على ما في أنفسهم".
قوله: وذكر بعض الحفاظ أي الحافظ أبو الفرج بن الجوزي فإنه ذكر ذلك في النسخة الأولى من الموضوعات أنه رواه أحد وستون أعني حديث "من كذب علي" وزاد في النسخة الأخيرة أشياء فقال فيها رواه من الصحابة ثمانية وتسعون نفسا.١
"وقد اعترض" على المصنف بأمور.
منها: قوله: ليس في الدنيا حديث اجتمع على روايته العشرة إلى هذا فإنه أقر ابن الجوزي على ذلك وابن الجوزي أقر أبا بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب النيسابوري على ذلك كذا حكاه عنه في الموضوعات وأقره مع أن حديث "رفع اليدين في الصلاة" وحديث: "المسح على الخفين" كذلك.
-فأما حديث: "رفع اليدين" فذكر الحافظ أبو عبد الله الحاكم فيما نقل البيهقي عنه أنه سمعه يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله ﷺ الخلفاء الأربعة ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة.
قال البيهقي: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله ﵁ "فقد روي هذه"٢ السنة عن العشرة وغيرهم.
وكذلك ذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة في كتاب: "المستخرج من كتب الناس للتذكرة".
-وأما حديث: "المسح على الخفين" فذكر أبو القاسم بن مندة المذكور وفي الكتاب المذكور أنه رواه العشرة أيضا.
стр. 381
ومنها: أنه أقرهما أيضا أعني ابن الجوزي أقر النيسابوري والمصنف أقر ابن الجوزي على أنه لا يعرف حديث يروى عن أكثر من ستين من الصحابة إلا حديث: "من كذب علي"، مع أن حديث: "المسح على الخفين" رواه منهم أكثر من ذلك.
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد "في كتاب "الإمام" عن"١ ابن المنذر قال روينا عن الحسن أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ "مسح على الخفين".
وذكر أبو القاسم بن مندة في كتابه المستخرج عدة من رواه من الصحابة فزادوا على الستين.
"قوله": وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد أي: أكثر من اثنين "وستين وقد"٢ جمع طرقه أبو القاسم الطبراني ومن المتأخرين الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل في جزأين فزاد فيه على هذا العدد.
وقد رأيت "عد من روي من حديثه"٣ هكذا مرتبين على حروف المعجم وهم: أسامة بن زيد وأنس بن مالك وأوس بن أوس والبراء بن عازب وبريدة بن الحصيب وجابر بن حابس وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وحذيفة بن اليمان وخالد بن عرفطة ورافع بن خديج والزبير بن العوام وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت والسائب بن يزيد وسعد بن "المدحاس"٤ وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وسفينة وسلمان بن خالد الخزاعي وسلمان الفارسي وسلمة بن الأكوع وصهيب بن "سنان"٥ وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن أبي أوفي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن زغب وقيل إنه لا صحبة له وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن
стр. 382
مسعود وعبد الرحمن بن عوف وعتبة بن غزوان وعثمان بن عفان و"العرس"١ بن عميرة وعفان بن حبيب وعقبة بن عامر وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعمر بن الخطاب وعمران بن حصين وعمرو بن "حريث"٢ وعمرو بن عنبسة و"عمرو"٣ بن عوف وعمرو بن مرة الجهني وقيس بن سعد بن عبادة وكعب بن قطبة ومعاذ بن جبل ومعاوية بن حيدة ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة والمنقع" "١ التميمي ونبيط"١" بن شريط وواثلة بن الأسقع ويزيد بن أسد ويعلى"٤" بن مرة وأبو أمامة وأبو بكر الصديق وأبو الحمراء وأبو ذر وأبو رافع وأبو رمثة وأبو سعيد الخدري وأبو عبيدة بن الجراح وأبو قتادة وأبو قرصافة وأبو كبشة الأنماري وأبو موسى الأشعري وأبو موسى الغافقي وأبو ميمون الكردي وأبو هريرة وأبو العشراء"١" الدارمي عن أبيه وأبو مالك الأشجعي عن أبيه وعائشة وأم أيمن"
٥" فهؤلاء خمسة وسبعون نفسا يصح من حديثهم نحو عشرين اتفق الشيخان على إخراج أحاديث أربعة منهم وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بواحد وإنما يصح من حديث خمسة من "العشرة" والباقي أسانيدها ضعيفة ولا يمكن التواتر في شيء من طرق هذا الحديث لأنه يتعذر وجود ذلك في الطرفين والوسط بل بعض طرقه الصحيحة إنما هي أفراد عن بعض رواتها وقد" ٦"زاد بعضهم في هذا الحديث حتى جاوز المائة ولكنه ليس هذا المتن بعينه.
"واعترض" عليه أيضا في قوله إن من سئل عن إبراز مثال للمتواتر أعياه تطلبه ثم لم يذكر مثالا له إلا حديث "من كذب" علي وقد ذكر غيره من
стр. 383
الأئمة عدة أحاديث متواترة فمن ذلك:
-أحاديث "حوض النبي ﷺ " ورد ذلك عن أزيد من ثلاثين صحابيا وأوردها البيهقي في كتاب البعث والنشور وأفرده أيضا المقدسي بالجمع.
قال القاضي عياض: وحديثه متواتر بالنقل رواه خلائق من الصحابة. فذكر جماعة من رواته ثم قال: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا.
-ومن ذلك: أحاديث "الشفاعة" فذكر القاضي عياض أيضا أنه بلغ مجموعها التواتر.
ومن ذلك: أحاديث "المسح على الخفين" فقال ابن عبد البر: رواه نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر وكذا قال ابن حزم في المحلي أنه نقل تواتر يوجب العلم.
-ومن ذلك: أحاديث "النهي عن اتخاذ القبور مساجد" قال ابن حزم: إنها متواترة.
ومن ذلك: أحاديث "رفع اليدين في الصلاة للإحرام والركوع والرفع منه" قال ابن حزم إنها متواترة توجب يقين العلم.
-ومن ذلك: الأحاديث الواردة في قول المصلي: "ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" قال ابن حزم: إنها أحاديث متواترة.
стр. 384
لنوع الحادي والثلاثون
معرفة الغريب والعزيز من الحديث
روينا عن أبي "عبد الله بن مندة الحافظ الأصبهاني" أنه قال: "الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبا فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديث يسمى عزيزا فإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي مشهورا".
قلت: الحديث الذي ينفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب وكذلك الحديث الذي ينفرد فيه بعضهم "بأمر"١ لا "يذكره"٢ فيه غيره إما في متنه وإما في إسناده وليس "كل ما"٣ يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه.
ثم إن الغريب ينقسم إلى: صحيح كالأفراد المخرجة في الصحيح
وإلى غير صحيح وذلك هو الغالب على الغرائب.
روينا عن أحمد بن حنبل أنه قال غير مرة: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء".
وينقسم الغريب أيضا من وجه آخر فمنه ما هو غريب متنا وإسنادا وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راو واحد ومنه ما هو غريب إسنادا لا متنا كالحديث الذي متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة "إذا انفرد"٤ بعضهم
стр. 385
بروايته عن صحابي آخر كان غريبا من ذلك الوجه مع أن متنه غير غريب.
ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة "وهذا"١ الذي يقول فيه الترمذي غريب من هذا الوجه.
ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يوجد إذا ما هو غريب متنا وليس غريبا إسنادا إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون فإنه يصير غريبا مشهورا وغريبا متنا وغير غريب إسنادا.
لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد "فإن إسناده"٢ متصف بالغرابة في طرفه الأول متصف بالشهرة في طرفه الآخر كحديث "إنما الأعمال بالنيات" وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة٣ انتهى.
وصف الحديث بكونه مشهورا أو غريبا أو عزيزا لا ينافي الصحة ولا الضعف بل قد يكون مشهورا صحيحا أو مشهورا ضعيفا أو غريبا صحيحا أو غريبا ضعيفا أو عزيزا صحيحا أو عزيزا ضعيفا.
ولم يذكر المصنف كون العزيز يكون منه الصحيح والضعيف بل ذكر ذلك في المشهور والغريب فقط.
مثال المشهور الصحيح: حديث "الأعمال بالنيات" كذا مثل به المصنف تبعا للحاكم وفيه نظر فإن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن سعيد وأول الإسناد فرد كما نبه عليه "فالأولى التمثيل مما مثل"٤ به الحاكم.
-كحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا".
-وحديث: "من أتى الجمعة فليغتسل".
-وحديث: "رفع اليدين في الصلاة" وغير ذلك.
ومثال المشهور الذي ليس بصحيح: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" كذا مثل به تبعا للحاكم أيضا مع أن بعض الأئمة صحح بعض طرقه فالأولى
стр. 386
التمثيل بما مثل به الحاكم أيضا كحديث "الأذنان من الرأس" وغيره من الأحاديث التي مثل بها إلا أن بعضها صحيح وإن لم تخرج في واحد من الصحيحين
ومثل له المصنف أيضا بما بلغه عن أحمد من الأحاديث الأربعة التي تدور في الأسواق وقد تقدم الكلام عليها قريبا.
ومثال الغريب الصحيح: كأفراد الصحيح وهي كثيرة منها حديث مالك "عن سمي"١ عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا "السفر قطعة من العذاب"
وأما الغريب الذي ليس بصحيح فهو الغالب على الغريب
وعن مالك٢ قال: شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.
وقال عبد الرزاق: كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر
وقسم الحاكم الغريب إلى ثلاثة أنواع: غرائب الصحيح، وغرائب، الشيوخ وغرائب المتون.
وقسمه ابن طاهر إلى خمسة أنواع.
"واعترض" على المصنف في تقسيمه الغريب وقوله ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يوجد إذا ما هو غريب متنا وليس غريبا إسنادا إلى آخره بأن أبا الفتح اليعمري ذكر هذا النوع الذي أنكره من جملة أنواع الغريب فقال في شرح الترمذي الغريب على أقسام غريب سندا ومتنا ومتنا لا سندا وغريب بعض السند فقط "وغريب بعض المتن فقط".٣
فالقسم الأول: واضح. والثاني: هو الذي أطلقه أبو الفتح ولم يمثله.
стр. 387
"و"١القسم الثالث: مثاله حديث رواه الخطيب في كتاب "الرواة عن مالك" من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "الأعمال بالنية".
قال الخليلي في "الإرشاد": أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه.
قال فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة.
قال أبو الفتح: هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح.
والقسم الرابع: مثاله حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي ومن رواية عباد بن منصور فرقهما كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بحديث أم زرع.
والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن عائشة هكذا اتفق عليه الشيخان وكذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن هشام.
قال أبو الفتح: فهذه غرابة تخص موضعا من السند والحديث صحيح.
وأما القسم الخامس: فإنه يصلح أن يكون مثاله ما ذكر من عند الطبراني لأن عبد العزيز وعبادا جعلا جميع الحديث مرفوعا وإنما المرفوع منه قوله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
فهذه غرابة بعض المتن.
وأشار أبو الفتح إلى أنه أخذ هذا التقسيم من كلام محمد بن طاهر المقدسي فإنه قسم الغرائب والأفراد إلى خمسة أنواع.
خامسها: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم وسنن ينفرد بالعمل بها أهل مصر لا يعمل بها في غير مصرهم.
ثم ذكر أبو الفتح الأقسام وقال: وأما النوع الخامس فيشمل الغريب كله سندا ومتنا أو أحدهما دون الآخر قال: وقد ذكر أبو محمد بن أبي حاتم بسند له أن
стр. 388
رجلا سأل مالكا عن "تخليل أصابع الرجلين في الوضوء" فقال له مالك: إن شئت خلل وإن شئت لا تخلل.
وكان عبد الله بن وهب حاضرا فعجب من جواب مالك وذكر لمالك في ذلك حديثا بسند مصري صحيح وزعم أنه معروف عندهم فاستعاد مالك الحديث "واستعاد"١ السائل فأمره بالتخليل هذا أو معناه. انتهى.
والحديث المذكور: رواه أبو داود "والترمذي"٢ من رواية ابن لهيعة عن "يزيد"٣ بن عمرو "المعافري"٤ عن أبي عبد الرحمن "الحبلى"٥ عن المستورد ابن شداد.
قال الترمذي: "حديث غريب"٦ لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. انتهى.
ولم ينفرد به ابن لهيعة "بل"٧ تابعه عليه: الليث بن سعد وعمرو بن الحارث.
كما رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن الثلاثة المذكورين.
صححه ابن القطان لتوثيقه لابن أخي ابن وهب.
فقد زالت الغرابة عن الإسناد بمتابعة الليث وعمرو بن الحارث لابن لهيعة والمتن غريب
"ويحتمل أن يريد بكونه غريب"٨ المتن لا الإسناد: أن يكون ذلك الإسناد مشهورا جادة لعدة من الأحاديث بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض ويكون المتن غريبا لانفرادهم به والله أعلم.
стр. 389
النوع الثاني والثلاثون
معرفة غريب الحديث
وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها.
هذا فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم بأهل العلم عامة.
والخوض فيه ليس "بالهين"١ والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي.
روينا عن الميموني قال: "سئل أحمد عن حرف من غريب الحديث "فقال"٢" سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن "فأخطىء"٣.
وبلغنا عن "التاريخي: محمد بن عبد الملك" قال: "حدثني أبو قلابة عبد الملك بن محمد قال قلت للأصمعي يا أبا سعيد ما معنى قول رسول الله ﷺ "الجار أحق بسقبه"؟ فقال أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق".
ثم إن غير واحد من العلماء صنفوا في ذلك فأحسنوا.
وروينا٤ عن "الحاكم أبي عبد الله قال أول من صنف الغريب في الإسلام النضر بن شميل".
ومنهم من خالفه فقال: أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى وكتاباهما صغيران.
وصنف بعد ذلك "أبو عبيد القاسم بن سلام" كتابه المشهور فجمع وأجاد
стр. 390
واستقصى فوقع من أهل العلم بموقع جليل وصار قدوة في هذا الشأن.
ثم تتبع القتيبي ما فات أبا عبيد فوضع فيه كتابه المشهور.
ثم تتبع أبو سليمان الخطابي ما فاتهما فوضع في ذلك كتابه المشهور.
فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفة في ذلك ووراءها مجامع "تشتمل من ذلك على زوائد وفوائد كثيرة ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان"١ "مصنفوها"٢ أئمة جلة.
وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث: أن يظفر به مفسرا في بعض روايات الحديث نحو ما روي في حديث ابن صياد أن النبي ﷺ قال له: "قد خبأت "لك"٣ خبيئا فما هو؟ " قال: الدخ.
فهذا خفي معناه وأعضل وفسره قوم بما لا يصح وفي معرفة علوم الحديث للحاكم أنه الدخ بمعنى الزخ الذي هو الجماع وهذا تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن.
وإنما معنى الحديث أن النبي ﷺ قال له قد: أضمرت لك ضميرا فما هو؟ "فقال"٤ الدخ. بضم الدال يعني الدخان.
والدخ هو الدخان في لغة إذ في بعض روايات الحديث ما نصه ثم قال رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبيئا" وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فقال ابن صياد: هو الدخ فقال رسول الله ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك".
وهذا ثابت صحيح خرجه الترمذي وغيره فأدرك ابن صياد من ذلك هذه الكلمة فحسب على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين من غير وقوف على تمام البيان ولهذا قال له: "اخسأ فلن تعدو قدرك" أي فلا "مزيد"٥ لك على قدر إدراك الكهان. انتهى.
قال الحافظ محب الدين الطبري في كتاب تقريب المرام وقد قيل إن أول من جمع في هذا الفن أبو عبيدة ثم النضر بن شميل ثم عبد الملك بن قريب الأصمعي وكان في عصر أبي عبيدة وتأخر.