النوع الثالث: معرفة الضعيف من الحديث .
كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف وأطنب أبو حاتم بن حبان البستي في تقسيمه فبلغ به خمسين قسما إلا واحدا وما ذكرته ضابط١ لجميع ذلك.
وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة معينة منها فيجعل ما عدمت فيه من غير ان يخلفها جابر على حسب ما تقرر في نوع الحسن قسما واحدا.
ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسما ثانيا.
ثم ما عدمت فيه مع٢ صفتين معينتين قسما ثالثا.
وهكذا إلى أن يستوفي الصفات المذكورات جمع ثم يعود ويعين من الابتداء صفة غير التي عينها أولا ويجعل ما عدمت فيه وحدها قسما ثم القسم الآخر ما عدمت فيه مع عدم صفة أخرى ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات.
ثم ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخر الأرذل وما كان من الصفات له شروط فاعمل في شروطه نحو ذلك فتتضاعف بذلك الأقسام.
стр. 72
والذي له لقب خاص معروف من أقسام ذلك الموضوع والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمرسل والمنقطع والمعضل في أنواع سيأتي عليها الشرح إن شاء الله تعالى.
والملحوظ فيما نورده من الأنواع عموم انواع علوم الحديث لا خصوص أنواع التقسيم الذي فرغنا الآن من أقسامه١ انتهى.
قوله الضعيف لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن لا حاجة إلى نفي صفات الصحيح لأنه يكفي فيه نفي صفات الحسن.
وقوله: ما عدم فيه جميع الصفات أي صفات ما يحتج به فهو القسم الآخر بقصر الهمزة وكسر الخاء أي الأرذل وخالف ذلك في النوع الحادي والعشرين فقال الموضوع٢ شر الأحاديث الضعيفة وهذا هو الصواب أن شر أقسامه الموضوع لأنه كذب بخلاف ما عدمت فيه الصفات فإنه لا يلزم من فقدها أن يكون كذبا والصفات المشار إليها ستة.
اتصال السند او جبر المرسل بما يؤكده.
وعدالة الرجال والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة.
ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متهما كثير الغلط.
والسلامة من الشذوذ.
والسلامة من العلة.
فما فقد فيه الاتصال قسم تحته قسمان منقطع ومرسل لم يجبر فإن انضم
стр. 73
إليه فقده شرط آخر دخل تحته اثنا عشر قسما ستة في المرسل وستة في المنقطع:
مرسل في إسناد ضعيف منقطع في إسناده ضعيف.
مرسل فيه مجهول منقطع فيه مجهول.
مرسل فيه مغفل كثير الخطأ وإن كان عدلا منقطع فيه ذلك.
مرسل فيه مستور ولم ينجبر بمجيئه من وجه آخر منقطع فيه ذلك.
مرسل شاذ منقطع شاذ.
مرسل معلل منقطع معلل.
فإن انضم إلى فقد الشرطين فقد شرط ثالث دخل تحته عشرة أقسام:
مرسل شاذ فيه عدل مغفل كثير الخطأ منقطع شاذ فيه ذلك.
مرسل معلل فيه ضعيف منقطع معلل فيه ضعيف.
مرسل معلل فيه مجهول منقطع معلل فيه مجهول.
مرسل معلل فيه مغفل منقطع معلل فيه مغفل.
مرسل معلل فيه مستور ولم ينجبر منقطع معلل فيه ذلك.
ولا تزال هكذا كلما فقد شرط زاد الوهن وانتشرت الأنواع؛
مرسل شاذ معلل فيه مغفل كثير الخطأ منقطع شاذ فيه ذلك.
مرسل شاذ معلل منقطع شاذ معلل.
فإن فقد شرط آخر كثقة الراوي ففيه قسمان:
حديث في إسناده ضعيف حديث في إسناده مجهول.
فيه ضعيف وعلة فيه مجهول وعلة.
فإذا فقد شرط ثالث عد فابدأ بما فقد فيه شرط آخر غير المبدوء به والمثنى به وهو سلامة الراوي من الغفلة ثم زد عليه وجود الشذوذ أو العلة أو هما معا ثم عد فابدأ بما فقد فيه الشرط الخامس: وهو السلامة من الشذوذ ثم زد عليه وجود العلة معه ثم اختم بفقد الشرط السادس: ويدخل تحت ذلك أقسام:
стр. 74
شاذ معلل فيه عدل مغفل كثير الخطأ شاذ معلل ما فيه مغفل كثير الخطأ.
شاذ فيه مغفل كثير الخطأ معلل فيه مغفل كذلك.
شاذ معلل فيه مغفل كذلك شاذ في إسناده مستور لم تعرف أهليته ولم يرد من وجه آخر معلل فيه مستور كذلك.
الحديث الشاذ الحديث الشاذ المعلل الحديث المعلل وقد تركب من الأقسام التي يظن انقسامه إليها بحسب اجتماع الأوصاف عدة وهي اجتماع الشذوذ ووجود ضعيف أو مجهول أو مستور في سنده إلا أنه لا يمكن اجتماع ذلك على الصحيح لأن الشذوذ تفرد الثقة فلا يمكن وصف ما فيه راو ضعيف أو مجهول أو مستور بأنه شاذ.
стр. 75
النوع الرابع: معرفة المسند
ذكر أبو بكر الخطيب أن المسند عند أهل الحديث هو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم.
وذكر ابن عبد البر أن المسند ما رفع إلى النبي ﷺ خاصة وقد يكون متصلا مثل مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ وقد يكون منقطعا مثل مالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فهذا مسند لأنه قد أسند إلى سول الله ﷺ وهو منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس ﵃.
وحكى أبو عمر عن قوم أن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعا إلى النبي ﷺ قلت وبهذا قطع الحاكم أبو عبد الله ولم يذكر في كتابه غيره.
فهذه أقوال ثلاثة مختلفة١ انتهى.
اعترض بعضهم بأنه ليس في كلام الخطيب دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم لا في الكفاية ولا في الجامع
وجوابه ان كلام المصنف يحتمل أن يكون ذلك من كلامه أو من كلام الخطيب ويدخل في حد الخطيب المرفوع والموقوف ويدخل فيه أيضا ما اتصل إسناده إلى قائله من كان فيدخل فيه المقطوع وهو قول التابعين وقول من بعدهم وكلامهم يأباه وعلى قول أبي عمر يستوي المسند والمرفوع.
стр. 76
النوع الخامس: معرفة المتصل
ويقال فيه أيضا الموصول ومطلقه يقع على المرفوع والموقوف وهو الذي اتصل إسناده فكأن١ كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى منتهاه.
مثال المتصل المرفوع من الموطأ مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ .
ومثال المتصل الموقوف مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر قوله انتهى.
وشرطه أن يتصل إسناده إلى النبي ﷺ أو إلى أحد من الصحابة ولا يسمون ما اتصل بأقوال التابعي متصلا.
وقوله: ومطلقه يقع على المرفوع والموقوف أي بخلاف ما إذا قيد المقطوع فإنه جائز وواقع في كلامهم كقولهم هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري أو إلى مالك ونحو ذلك.
стр. 77
النوع السادس: معرفة المرفوع
وهو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة ولا يقع مطلقه على غير ذلك نحو الموقوف على الصحابة وغيرهم ويدخل في المرفوع المتصل والمنقطع والمرسل ونحوها.
فهو والمسند عند قوم سواء والانقطاع والاتصال يدخلان عليهما جميعا١.
وعند قوم يفترقان في أن الانقطاع والاتصال يدخلان على المرفوع ولا يقع المسند إلا على المتصل المضاف إلى رسول الله ﷺ .
وقال الحافظ أبو بكر بن ثابت المرفوع ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول ﷺ او فعله فخصصه بالصحابة فخرج عنه مرسل التابعي عن رسول الله ﷺ .
قلت ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل فقد عني بالمرفوع المتصل انتهى
المشهور في المرفوع أنه ما أضيف إلى رسول الله ﷺ قولا أو فعلا سواء أضافة صحابي أو تابعي أو راو بعدهما سواء اتصل أم لا ويدخل فيه ما قاله المصنف والمعضل أيضا.
стр. 78
النوع السابع: معرفة الموقوف
وهو ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم وأفعالهم ونحوها فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ .
ثم أن منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابي فيكون من الموقوف الموصول ومنه مالا يتصل إسناده فيكون من الموقوف غير الموصول على حسب ما عرف مثله في المرفوع إلى رسول الله ﷺ .
وما ذكرناه من تخصيصه بالصحابي فذلك إذا ذكر الموقوف مطلقا وقد يستعمل مقيدا في غير الصحابي فيقال حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء او على طاوس او نحو هذا.
وموجود في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر قال: أبو القاسم الفوراني منهم فيما بلغنا عنه الفقهاء يقولون الخبر ما يروى عن النبي ﷺ والأثر ما يروى عن الصحابة انتهى.
قوله منهم أي الفوراني هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران المروزي صنف الإبانه وغيرها من أصحاب أبي بكر القفال وكان مقدم أصحاب الحديث بمرو سمع علي بن عبد الله الطيفوني وشيخه أبا بكر القفال وروى عنه عبد المنعم بن أبي القاسم القشيري ومحيي السنة البغوي وتلميذه أبو سعد المتولي صاحب التتمة على الإبانة وأثنى عليه فيها وأطنب في مدحه وحط منه الإمام حين قال: في باب الأذان وكان الفوراني غير موثوق بنقله وهذا غريب من إمام الحرمين رحمهما الله جميعا.
стр. 79
النوع الثامن: معرفة المقطوع
وهو غير المنقطع الذي يأتي ذكره إن شاء الله تعالى ويقال في جمعه المقاطيع والمقاطع وهو ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم قال: الخطيب في جامعه من الحديث المقطوع وقال المقاطع هي الموقوفات على التابعين.
قلت وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الشافعي وأبي القاسم الطبراني وغيرهما
تعريفات:
أحدها قول الصحابي كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا إن لم يضفه إلى زمان١ رسول الله ﷺ فهومن قبيل الموقوف وإن أضافه إلى زمنه٢ فالذي قطع به ابن البيع وغيره من أهل الحديث وغيرهم ان ذلك من قبيل المرفوع.
وبلغني عن أبي بكر البرقاني أنه سأل أبا بكر الإسماعيلي عن ذلك فأنكر كونه من المرفوع والأول هو الذي عليه الاعتماد٣ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة؛
стр. 80
فإنها أنواع منها أقواله ومنها أفعاله ومنها كنا لا نرى بأسا١ بكذا ورسول الله ﷺ فينا أو كان يقال كذا وكذا على عهده أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته فكل ذلك وشبهه مرفوع مسند مخرج في كتب المسانيد.
وذكر الحاكم أبو عبد الله فيما رويناه عن المغيرة بن شعبة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير ان هذا يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندا يعني مرفوعا لذكر رسول الله ﷺ فيه وليس بمسند بل هو موقوف.
وذكر الخطيب أيضا نحوه٢ في جامعه.
قلت بل هو مرفوع كما سبق٣ وهو بأن يكون مرفوعا أحرى لكونه احرى باطلاعه ﷺ عليه والحاكم معترف بكون ذلك من قبيل المرفوع وقد كنا عددنا هذا فيما أخذناه عليه ثم تأولناه له على أنه أراد أنه ليس بمسند لفظا بل هو موقوف لفظا وكذلك سائر ما سبق موقوف لفظا وإنما جلعناه مرفوعا من حيث المعنى انتهى
قوله إن لم يضفه جزم بأنه موقوف تبعا للخطيب.
وقال الحاكم والإمام فخر الدين هو مرفوع.
قال ابن الصباغ وهو الظاهر ومثله بقول عائشة ﵂ كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه
وحكاه في شرح المهذب عن كثير من الفقهاء قال: وهو قوي من حيث المعنى.
стр. 81
قوله: وإن أضافه إلى زمنه ﷺ فهو من قبيل المرفوع وهو الذي قطع به ابن البيع وغيره من أهل الحديث وغيرهم وصححه الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما كقول جابر في الصحيح كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ وفي النسائي وابن ماجه عن جابر "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد النبي ﷺ ".
فإن كان في القصة اطلاع فهو مرفوع إجماعا كقول ابن عمر كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكره.
رواه الطبراني في المعجم الكبير وأصله في الصحيح من غير زيادة الاطلاع.
قال الثاني: قول الصحابي أمرنا بكذا و١نهينا عن كذا من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي والأول هو الصحيح لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي وهو رسول الله ﷺ .
وهكذا قول الصحابي من السنة كذا فالأصح أنه مسند مرفوع لأن الظاهر أنه لا يريد به إلا سنة رسول الله ﷺ وما يجب اتباعه.
وكذلك قول أنس ﵁ أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وسائر ما جاء من٢ ذلك ولا فرق بين أن يقول ذلك في "زمنه ﷺ أو بعده٣" انتهى.
قوله "أمرنا أو نهينا عن كذا" كقول أم عطية "أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور" وقولها "نهينا عن اتباع الجنائز" كلاهما في الصحيح.
стр. 82
فلو صرح الصحابي بالآمر كقوله أمرنا رسول الله ﷺ فلا خلاف أنه حجة إلا ما حكاه ابن الصباغ عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى يصرح بالوجوب لأن منهم من يقول المباح والمندوب مأمور بهما.
ومثال قوله من السنة كذا قول علي ﵁ من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة.
رواه أبو داود وابن الأعرابي والأصح أنه مسند مرفوع وحكى ابن الصباغ عن أبي بكر الصيرفي وأبي الحسن الكرخي وغيرهما انه يحتمل أن يريد به سنة الخلفاء الراشدين.
قال الثالث: ما قيل من أن تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي او نحو ذلك كقول جابر ﵁ كانت اليهود تقول من أتى امراته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية.
فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله ﷺ فمعدودة في الموقوفات.
الرابع: من قبيل المرفوع الأحاديث التي قيل في إسنادها١ عند ذكر الصحابي يرفع الحديث أو يبلغ به أو ينميه او رواية.
مثال ذلك سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية تقاتلون قوما صغار الأعين الحديث
وبه عن أبي هريرة يبلغ به قال: "الناس تبع لقريش" الحديث.
فكل ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول الله ﷺ وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحا.
قلت وإذا قال: الراوي عن التابعي يرفع الحديث أو يبلغ به فذلك أيضا مرفوع ولكنه مرفوع مرسل انتهى.
стр. 83
ذكر المصنف فيما يتعلق بالصحابي أربع مسائل الأولى كنا نفعل كذا أو: كانوا يفعلون كذا.
والثانية: أمرنا بكذا ونحوه.
الثالثة: من السنة كذا.
والرابعة: يرفعه ويبلغ به ونحوهما.
ولم يذكر حكم التابعي إذا قال: ذلك إلا في الرابعة فقول التابعي كنا نفعل ليس بمرفوع قطعا ثم إنه لم يضفه إلى زمن الصحابة فليس بموقوف أيضا بل هو مقطوع وإن أضافه إلى زمنهم فيحتمل أن يقال إنه موقوف لأن الظاهر اطلاعهم على ذلك وتقريرهم ويحتمل أن يقال ليس بموقوف أيضا لأن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي ﷺ فإنه أحد وجوه السنن فأما إذا قال: التابعي كانوا يفعلون كذا فقال النووي في شرح مسلم إنه لا يدل على فعل جميع الأمة بل على البعض فلا حجة فيه إلا ان يصرح بنقله عن أهل الإجماع وفي ثبوت الإجماع بخبر الواحد خلاف.
وإذا قال: التابعي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فجزم ابن الصباغ بأنه مرسل وحكى وجهين فيما إذا قاله سعيد بن المسيب هل هو حجة أم لا؟.
وفي المستصفى احتمالان من غير ترجيح هل هو موقوف أو مرفوع مرسل وإذا قال: التابعي من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات رواه البيهقي في سننه هل هو مرسل مرفوع أو موقوف متصل فيه وجهان حكاهما في شرح مسلم والمهذب والوسيط أصحهما أنه موقوف وحكى الداودي في شرح مختصر المزني قولا قديما ان ذلك مرفوع ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد.
وذكر المصنف أن من المرفوع قول الصحابي يرفع الحديث أو يبلغ به او ينميه أو رواية بخلاف قوله من السنة لأن في هذه الألفاظ تصريحا بالرفع بخلاف السنة فإنه قد يعني بها سنة الخلفاء أو البلد.
стр. 84
ومثال ينمي ذلك ما رواه مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال: أبو حازم لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك قال: مالك١ يرفع ذلك.
ورواه البخاري عن القعنبي عن مالك فقال: "ينمي ذلك إلى النبي ﷺ فصرح برفعه".
стр. 85
النوع التاسع: معرفة المرسل
وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابع الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم كعبيد الله بن عدي بن الخيار ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما إذا قال: قال: رسول الله ﷺ والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك ﵃.
وله صور اختلف فيها أهي من المرسل أم لا؟
أحدها١: إذا انقطع الإسناد قبل الوصول إلى التابعي فكان فيه رواية راو لم يسمع من المذكور فوقه فالذي قطع به الحاكم وغيره من أهل الحديث أن ذلك لا يسمى مرسلا وأن الإرسال مخصوص بالتابعين بل إن كان من سقط ذكره قبل الوصول إلى التابعي شخصا واحدا سمي منقطعا فحسب وإن كان أكثر من واحد سمي معضلا ومنقطعا وسيأتي مثاله٢.
والمعروف في الفقه وأصوله أن كل ذلك يسمى مرسلا وبه قطع الخطيب قال٣: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ وأما ما رواه تابع التابعي عن النبي ﷺ فيسمونه المعضل انتهى.
اعترض بأن عبيد الله بن عدي مذكور من جملة الصحابة.
ورد بأن ذلك جريا على القاعدة الضعيفة أن من عاصره يكون صحابيا
стр. 86
كقيس بن أبي حازم وأمثاله وعبيد الله ولد في حياته ﷺ ولم تثبت له رواية وإنما روى عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم ولم يرو عن أبي بكر شيئا.
وقوله: قبل الوصول إلى التابعي ليس بجيد بل الصواب قبل الوصول إلى الصحابي فإنه لو سقط التابعي أيضا كان منقطعا لا مرسلا عن من ذكر ولكن هكذا وقع في عبارة الحاكم فتبعه المصنف.
قال الثانية قول الزهري وأبي حازم ويحيى بن سعيد الأنصاري وأشباههم من أصاغر التابعين قال: رسول الله ﷺ حكى ابن عبد البر أن قوما لا يسمونه مرسلا بل منقطعا لكونهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين١ وأكثر روايتهم عن التابعين.
قلت وهذا المذهب فرغ لمذهب من لا يسمي المنقطع قبل الوصول إلى التابعي مرسلا والمشهور التسوية بين التابعين في اسم الإرسال كما تقدم انتهى.
ملخص الخلاف في المرسل ثلاثة أقوال المشهور ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ سواء التابعي الكبير والصغير.
والقول الثاني: ما رفعه الكبير فقط أما الصغير فتكون روايته منقطعة على هذا القول.
والثالث: ما سقط من إسناده راو فأكثر من أي موضع كان فعلى هذا المرسل والمنقطع واحد.
واعترض على قوله لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد أو الاثنين بأن الزهري
стр. 87
لقي أكثر من ثلاثة عشر من الصحابة وهم عبد الله بن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وعبد الله بن جعفر وربيعة بن عباية بكسر العين وتخفيف الموحدة وسنين١ أبو جميلة والسائب بن يزيد وأبو الطفيل عامر بن واثلة والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر وعبد الله بن عامر بن ربيعة ومحمود بن الربيع وسمع منهم كلهم إلا عبد الله بن جعفر فرآه رؤية وإلا عبد الله ابن عمر فقال أحمد ويحيى بن معين لم يسمع منه وخالفهما علي بن المديني وقيل إنه سمع من جابر بن عبد الله.
وسمع من جماعة مختلف في صحبتهم كمحمود بن لبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل وثعلبة بن أبي مالك القرظي وقد تنبه المصنف لهذا الاعتراض فأملى حاشية على كتابه فقال الواحد والاثنين كالمثال وإلا فالزهري قد قيل إنه رأى عشرة من الصحابة.
قال الثالثة إذا قيل في الإسناد فلان عن رجل أو عن شيخ عن فلان أو نحو ذلك فالذي ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث أنه لا يسمى مرسلا بل منقطعا وهو في بعض المصنفات المعتبرة في أصول الفقه معدود من أنواع المرسل.
ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه٢ ولهذا احتج الشافعي بمرسلات سعيد بن المسيب فإنها وجدت مسانيد من وجوه أخر ولا يختص ذلك عنده بإرسال ابن المسيب٣.
ومن أنكر هذا زاعما أن الاعتماد حينئذ يقع على المسند دون المرسل فيقع لغوا
стр. 88
لا حاجة إليه١ فجوابه أنه بالمسند يتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال حتى يحكم بأنه صحيح وإنما٢ ينكر هذا من لا مذاق له في هذا الشأن.
وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل وأنه ضعيف هو٣ المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير الحفاظ٤.
وفي صدر صحيح مسلم المرسل ليس بحجة٥.
وحكاه ابن عبد البر عن جماعة أهل الحديث واحتج به مالك وأبو حنيفة وأصحابهما٦ في طائفة.
ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه لأن ذلك في حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول انتهى.
أهمل المصنف قولا ثالثا هو المشهور حكاه "الحافظ: رشيد الدين ابن العطار":
стр. 89
أنه متصل في إسناده مجهول وليس بمرسل ولا بمنقطع واختره هو والعلائي صلاح الدين.
وأشار بقوله: المصنفات المعتبرة إلى البرهان للإمام فإنه قال: فيه وقول الراوي أخبرني رجل أو عدل موثوق به من المرسل أيضا.
وفي المحصول أن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل.
وروى البخاري عن الحميدي إذا صح الإسناد عن الثقات إلي رجل من أصحاب النبي ﷺ فهو حجة وإن لم يسم ذلك الرجل.
وكذلك قال: أحمد وفرق أبو بكر الصيرفي الشافعي بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنا أو مع التصريح بالسماع فإن قال: سمعت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ قبل وإن قال: عن رجل فإنه لا يقبل وهو متجه وعلى هذا التفصيل يحمل كلام من أطلق.
واعترض على قوله: وفي صدر صحيح مسلم إلى آخره ان ذلك ليس من قول مسلم وإنما هو قول الخصم الذي نازعه في اشتراط اللقى في الإسناد المعنعن.
وجوابه أن المصنف ما عزاه إلى قول مسلم بل إلى كتابه.
واعترض أيضا على قوله ونعد١ المرسل في أصول الفقه مع أن المحدثين يذكرون مراسيل الصحابة.
وجوابه إنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها بخلاف الأصوليين فإن الشيخ أبا إسحاق الإسفراييني لا يحتج بها وخالفه عامتهم بل في بعض شروح المنار في أصول الحنفية الاتفاق على الاحتجاج بها.
واعترض على قوله لأن روايتهم عن الصحابة ينبغي أن يقول لأن غالب رواية التابعين عن الصحابة وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين وصنف الخطيب في ذلك جزءا فبلغوا جمعا كثيرا لكن غالبها ليست أحاديث مرفوعة.
стр. 90
وإنما هي من الإسرائيليات أو حكايات أو موقوفات كما روى ابن عباس والعبادلة عن كعب الأحبار وهو تابعي.
وأنكر بعضهم ان يروي صحابي عن تابعي عن صحابي وقد وجد ذلك في أحاديث منها حديث سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ أملى عليه ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجاء ابن أم مكتوم الحديث.
رواه البخاري والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
هذا إن ثبت أن مروان ليست له صحبة كما قاله الذهبي لأنه ولد في الثانية من الهجرة وقال الرشيد العطار في الغرر هو معدود في الصحابة.
وحديث السائب بن يزيد عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "من نام عن حزبه او عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل".
رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وحديث جابر بن عبد الله عن أم مكتوم بنت أبي بكر الصديق عن عائشة: "أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع ثم يكسل هل عليهما من غسل؟ وعائشة جالسة فقال: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".
أخرجه مسلم.
وحديث عمرو بن الحارث المصطلقي عن ابن أخي زينب امراة عبد الله بن مسعود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة".
رواه الترمذي والنسائي.
وحديث يعلي بن أمية عن عنبسة١ بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة عن
стр. 91
النبي ﷺ قال: "من صلى ثنتي عشرة ركعة بالنهار أو بالليل بني له بيت في الجنة".
رواه النسائي.
وحديث عبد الله بن عمر عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة قالت قال: رسول الله ﷺ "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة قصروا عن قواعد إبراهيم" الحديث.
رواه الخطيب في كتابه رواية الصحابة عن التابعين بإسناد صحيح والحديث متفق عليه من طريق مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة بذلك فصح أن ابن عمر سمعه من عبد الله عن عائشة وحديث ابن عمر عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة أن رسول الله ﷺ رخص للنساء في الخفين عند الإحرام.
رواه الخطيب في الكتاب المذكور والحديث عند أبي داود من طريق ابن إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب فقال حدثني سالم ان عبد الله كان يصنع ذلك يعني قطع١ الخفين للمرأة المحرمة ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها: "أن رسول الله ﷺ كان رخص للنساء في الخفين" فترك ذلك.
وحديث جابر بن عبد الله عن أبي عمرو مولى عائشة واسمه ذكوان عن عائشة: "أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يكون جنبا فيرد٢ الرقاد فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يرقد".
رواه أحمد في مسنده وفي إسناده ابن لهيعة.
وحديث ابن عباس قال: أتى علي زمان وأنا أقول أولاد المسلمين مع المسلمين وأولاد المشركين مع المشركين حتى حدثني فلان عن فلان: أن رسول الله ﷺ سئل عنهم فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" قال: فلقيت الرجل فأخبرني فأمسكت عن قولي.
رواه أحمد والطيالسي في مسنديهما بسند صحيح وبين راويه عن الطيالسي.
стр. 92
وهو يونس بن حبيب أن الرجل الصحابي المذكور هو أبي بن كعب وكذا رواه الخطيب عن عبد الله بن عباس عن صاحب لأبي بن كعب.
وحديث ابن عمر عن أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: "ان رسول الله ﷺ أمر١ بالضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر فلما شق ذلك عليهم٢ أمر بالسواك لكل صلاة" رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت أرأيت توضؤ٣ ابن عمر لكل صلاة طاهرا أو غير٤ طاهر عم ذلك٥ فقال حدثته٦ أسماء بنت زيد بن الخطاب ان عبد الله بن حنظلة حدثها فذكره.
وفي رواية علقها أبو داود وأسندها الخطيب عبيد الله٧ بن عبد الله بن عمر كذا أورده الخطيب في رواية ابن عمر عن أسماء.
والظاهر أنه من رواية ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أسماء وإن كانت حدثت به ابن عمر نفسه وكذا قاله المزي٨ أن الراوي عنها عبد الله بن عبد الله ابن عمر.
وحديث ابن عمر أيضا عن أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة
стр. 93
أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" رواه الخطيب فيه.
وحديث سليمان بن صرد عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: تذاكروا غسل الجنابة عند النبي صلي الله عليه وسلم فقال: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا ... الحديث" رواه الخطيب وهو متفق عليه من رواية سليمان عن جبير ليس فيه نافع.
وحديث أبي الطفيل عن بكر بن قرواش عن سعد بن أبي وقاص قال: قال: رسول الله ﷺ : "شيطان الردهة يحتدره١ رجل من بجيلة" الحديث.
رواه أبو يعلي الموصلي في مسنده.
قال صاحب الميزان بكر بن قرواش لا يعرف والحديث منكر.
وحديث أبي هريرة عن أم عبد الله بن أبي ذباب عن ام سلمة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ابتلى الله عبدا ببلاء وهو على طريقة٢ يكرهها إلا جعل الله ذلك البلاء له كفارة".
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات ومن طريقه الخطيب.
وحديث ابن عمر عن صفية بنت أبي عبيد عن حفصة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال٣: "من لم يجمع الصوم قبل الصبح فلا صوم له".
وحديث ابن عمر أيضا عنها عن حفصة لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات فصاعدا
رواهما الخطيب وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي.
стр. 94
وحديث أنس عن وقاص بن ربيعة عن أبي ذر قال: قال: رسول الله ﷺ : "فيما يرويه عن ربه ابن آدم إنك إن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا" الحديث.
وحديث أبي الطفيل عن عبد الملك بن أخي أبي ذر عن أبي ذر: "أن رسول الله ﷺ أخبرني أنهم لن يسلطوا على قتلي ولن يفتنوني عن ديني" الحديث.
وحديث أبي أمامة عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها فتمسه النار".
وحديث أبي الطفيل عن حلام بن جزل عن أبي ذر مرفوعا: "الناس ثلاث طبقات" الحديث.
روى هذه الأحاديث أيضا الخطيب بأسانيد ضعيفة.
فهذه عشرون حديثا مرفوعة من رواية الصحابة عن التابعين عن الصحابة جمعها الحافظ زين الدين العراقي أمتع الله به.
стр. 95
النوع العاشر: معرفة المنقطع
وفيه وفي الفرق بينه وبين المرسل مذاهب لأهل الحديث وغيرهم فمنها ما سبق في نوع المرسل عن الحاكم١ من ان المرسل مخصوص بالتابعي وأن المنقطع منه الإسناد الذي فيه قبل الوصول إلى التابعي راو لم يسمع من الذي فوقه والساقط بينهما غير مذكور لا معينا ولا مبهما ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل او شيخ أو غيرهما.
مثال الأول ما رويناه عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة قال: رسول الله ﷺ "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين" الحديث.
فهذا إسناد إذا تأمله الحديثي وجد صورته صورة المتصل وهو منقطع في موضعين لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجندي عن الثوري ولم يسمعه الثوري أيضا من أبي إسحاق إنما سمعه من شريك عن أبي إسحاق.
ومثال الثاني: الحديث الذي رويناه عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر" الحديث
ومنها ما ذكره ابن عبد البر وهو ان المرسل مخصوص بالتابعين والمنقطع
стр. 96
شامل له ولغيره وهو عنده كل ما لا يتصل إسناده سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره.
ومنها ان المنقطع مثل المرسل وكلاهما شاملان لكل ما لا يتصل إسناده وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم وهو الذي ذكره الخطيب في كفايته.
إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التابعين عن الصحابة مثل مالك عن ابن عمر ونحو ذلك.
ومنها ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث ان المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله.
وهذا غريب بعيد انتهى.
تقدم الكلام على المقطوع وذكر المصنف هناك أنه وجد التعبير بالمقطوع عن المنقطع في كلام الشافعي والطبراني وغيرهما وكذلك هو في كلام الحميدي والدارقطني.
وقوله: ومنها ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم يريد بذلك الحافظ أبا بكر أحمد بن هارون البرديجي البرذعي قال: ذلك في جزء له لطيف.
стр. 97
النوع الحادي عشر: معرفة المعضل
وهو لقب لنوع خاص من المنقطع فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلا وقوم يسمونه مرسلا كما سبق وهو عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدا.
وأصحاب الحديث يقولون أعضله فهو معضل بفتح الضاد وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة وبحثت فوجدت له قولهم أمر عضيل أي مستغلق شديد ولا التفات في ذلك إلى معضل بكسر الضاد وإن كان مثل عضيل في المعنى.
ومثاله ما يرويه تابعي التابعي قائلا فيه قال: رسول الله ﷺ وكذلك ما يرويه من دون تابعي التابعي عن رسول الله ﷺ أو عن أبي بكر وعمر وغيرهما غير ذاكر للوسائط بينه وبينهم
وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي بلغني نحو قول مالك بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته" الحديث وقال أصحاب الحديث يسمونه المعضل.
قلت وقول المصنفين من الفقهاء وغيرهم قال: رسول الله ﷺ كذا وكذا ونحو ذلك كله من قبيل المعضل لما تقدم وسماه الخطيب في بعض كلامه مرسلا وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل مرسلا كما سبق.
وإذا روى تابع١ عن التابع حديثا موقوفا عليه وهو حديث متصل مسند
стр. 98
إلى رسول الله ﷺ فقد جعله الحاكم أبو عبد الله نوعا من المعضل،
مثاله ما رويناه عن الأعمش عن الشعبي١ قال: "يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا فيقول ما عملته فيختم على فيه" الحديث فقد أعضله الأعمش وهو عند الشعبي عن أنس عن رسول الله ﷺ متصلا مسندا.
قلت هذا جيد حسن لأن هذا الانقطاع بواحد مضموما إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين الصحابي ورسول الله ﷺ فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى انتهى
قال: تفريعات:
أحدها الإسناد المعنعن وهو الذي يقال فيه فلان عده فلان عدة بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره.
والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه وكاد أبو عمر ابن عبد البر يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك وادعى أبو عمرو الداني المقرئ الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك.
وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضا مع براءتهم من وصمة التدليس فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال إلا ان يظهر فيه خلاف ذلك.
وكثر في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال عن في الإجازة فإذا قال: أحدهم قرأت على فلان عن فلان أو نحو ذلك فظن٢ أنه رواه عنه بالإجازة ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على ما لا يخفى انتهى.
اعترض على قوله كاد ابن عبد البر يدعي إجماع أئمة الحديث وموضع كاد مقاربة اسمها لخبرها٣ مع ان ابن عبد البر جزم بذلك في مقدمة التمهيد
стр. 99
فقال أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطا ثلاثة عدالة المحدثين ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة وأن يكونوا براء من التدليس وهو قول مالك وعامة اهل العلم.
والعنعنة مصدر عنعن الحديث إذا رواه بلفظ عن من غير بيان التحديث والإخبار والسماع وشرط المصنف أن تثبت ملاقاة بعضهم بعضا وقال اشتراط اللقاء قول مخترع لم يسبق قائله إليه وسيأتي ذلك قريبا في كلام المصنف في الثالث بعد هذا.
وقوله: فظن أمر بالظن.
قال الثاني: اختلفوا في قول الراوي أن فلانا قال: كذا وكذا هل هو بمنزلة عن في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه الانقطاع مثاله مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال: كذا فروينا عن مالك ﵁ أنه كان يرى عن فلان وأن فلانا سواء.
وعن أحمد بن حنبل أنهما ليسا سواء.
وحكى ابن عبد البر عن الجمهور١ ان عن وأن سواء وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة يعني مع السلامة من التدليس فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا كان حديث بعضهم عن بعض بأي اللفظ٢ ورد محمولا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع.
وحكى ابن عبد البر عن أبي بكر البرديجي ان حرف أن محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى.
стр. 100
وقال عندي لامعنى لهذا لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه قال: قال: رسول الله ﷺ : أو ان رسول الله ﷺ قال: او عن رسول الله ﷺ أنه قال: أو سمعت رسول الله ﷺ يقول١.
قلت ووجدت مثل ما حكاه عن البرديجي للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية٢ عن عمار قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي السلام" وجعله مسندا موصولا.
وذكر رواية قيس بن سعد كذلك٣ عن عطاء بن أبي رباح عن ابن٤ الحنفية: "أن عمارا مر بالنبي ﷺ وهويصلي" فجعله مرسلا من حيث كونه قال: إن عمارا فعل ولم يقل عن عمار.
ثم إن الخطيب مثل هذه المسألة بحديث نافع عن ابن عمر عن عمر٥ أنه سأل النبي ﷺ : "أينام أحدنا وهو جنب" الحديث. وفي رواية أخرى عن نافع عن ابن عمر ان عمر قال: "يا رسول الله ﷺ " الحديث.
ثم قال: ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند عمر٦ عن النبي ﷺ والثانية ظاهرها يوجب ان يكون من مسند ابن عمر عن النبي ﷺ .
قلت: ليس هذ المثال مماثلا لما نحن بصدده لأن الاعتماد فيه في الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور إنما هو على اللقاء والإدراك وذلك في هذا
стр. 101
الحديث مشترك متردد لتعلقه بالنبي ﷺ وبعمر ﵁ وصحبة الراوي ابن عمر لهما فاقتضى ذلك من جهة كونه رواه عن النبي ﷺ ومن جهة أخرى كونه رواه عن عمر عن رسول الله ﷺ انتهى.
برديج١ على وزن فعليل بفتح أوله بليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر فرسخا إليها ينسب الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي البرذعي.
واعترض بأن ما حكاه المصنف عن احمد ويعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين عن وأن ليس كذلك على ما فهمه من كلامهما ولم يفرقا بينهما لصيغة أن وإنما فرقا بمعنى آخر غير الذي فهمه المصنف وهو ان يعقوب إنما جعله مرسلا من حيث أن ابن الحنفية لم يسند حكاية القصة إلى عمار وإلا فلو قال: ابن الحنفية إن عمارا قال: "مررت بالنبي ﷺ " ما جعله يعقوب مرسلا فلما أتى به بلفظ إن عمارا مر كان محمد بن الخنفية هو الحاكي لقصة لم يذكرها لأنه لم يذكر مرور عمار بالنبي ﷺ فكان نقله لذلك مرسلا وهذا أمر واضح ولا فرق بين أن يقول ابن الحنفية: "إن عمارا مر بالنبي ﷺ " أو "إن النبي ﷺ مر به عمار" فكلاهما مرسل بالاتفاق بخلاف ما إذا قال: عن عمار قال: مررت أو ان عمارا قال: مررت فإن هاتين العبارتين متصلتان لكونهما أسندتا إلى عمار وكذلك ما حكاه المصنف عن أحمد من تفرقته بين عن وأن فهو على هذا النحو ويتضح ذلك بعبارة أحمد.
روى الخطيب في الكفاية بإسناده إلى أبي٢ داود قال: سمعت أحمد قيل له إن رجلا قال: قال عروة ان عائشة قالت يار سول الله وعن عروة عن عائشة سواء قال: كيف هذا سواء ليس هذا بسواء.
стр. 102
وإنما فرق أحمد بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة وإلا فلو قال: عروة إن عائشة قالت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلملكان ذلك متصلا لأنه أسند ذلك إليها وأما اللفظ الثاني: فأسنده عروة إليها بالعنعنة فكان ذلك متصلا.
فما فعله أحمد ويعقوب صواب ليس مخالفا لقول مالك ولا لقول غيره وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل والقاعدة في معرفة المتصل من المرسل في ذلك أن الراوي إذا روى حديثا فيه قصة أو واقعة فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة فإن كان الراوي لها صحابيا أدرك تلك الواقعة فهي متصلة سواء شاهدها أم لا وإن لم يدركها فهو مرسل صحابي وإن كان الراوي تابعيا فهو منقطع وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلا وإن لم يدركها فإن أسندها إلى الصحابي كانت متصلة أيضا وإن لم يدركها ولا أسندها إلى الصحابي فهي منقطعة كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار.
ولا بد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم وقد حكى أبو عبد الله بن المواق الاتفاق على ذلك في كتابه بغية النقاد عند ذكر حديث عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب الحديث فقال الحديث عند أبي داود مرسل وقد نبه ابن السكن على إرساله قال: ابن المواق وهذا أمر بين ولا خلاف في انقطاع ما يروى كذلك إذا علم ان الراوي لم يدرك زمن القصة كما في هذا الحديث وذكر نحو ذلك أيضا في حديث أبي قيس أن عمرو بن العاص كان على سرية الحديث في التيمم من عند أبي داود أيضا
قال الثالث: قد ذكرنا ما حكاه ابن عبد البر من تعميم الحكم بالاتصال فيما يذكره الراوي عن من لقيه بأي لفظ كان.
وهكذا أطلق أبو بكر الشافعي الصيرفي ذلك فقال كل من علم له سماع من إنسان فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه وكل من علم له لقاء إنسان فحدث عنه فحكمه هذا الحكم
وإنما قال: هذا فيمن لم يظهر تدليسه.
стр. 103
ومن الحجة في ذلك وفي سائر الباب أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسا والظاهر السلامة من وصمة التدليس والكلام فيمن لم يعرف بالتدليس.
ومن أمثلة ذلك قوله قال: فلان كذا وكذا مثل أن يقول نافع قال: ابن عمر وكذلك لو قال: عنه ذكر أو حدث أو كان يقول كذا وكذا وما جانس ذلك.
فكل ذلك محمول ظاهرا على الاتصال وأنه تلقى ذلك منه من غير واسطة بينهما مهما ثبت لقاؤه له على الجملة.
ثم منهم من اقتصر في هذا الشرط المشروط في ذلك ونحوه على مطلق اللقاء أو السماع كما حكيناه آنفا
وقال فيه أبو عمرو المقرئ إذا كان معروفا بالرواية عنه.
وقال فيه أبو الحسن القابسي إذا أدرك المنقول عنه إدراكا بينا.
وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم.
وأنكر مسلم في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا او تشافها.
وفيما قاله مسلم نظر وقد قيل إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم على ابن المديني والبخاري وغيرهما.
قلت وهذا الحكم لا أراه يستمر به المتقدمين فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه ذكر فلان قال: فلان ونحو ذلك فافهم١ فإنه مهم عزيز انتهى.
وهذا هو الذي تقدم الوعد بذكره والصيرفي أبو بكر اسمه محمد بن عبد الله أحد أصحاب الوجوه في فروع الفقه وأصوله تفقه على ابن سريج ويقال إنه
стр. 104
كان أعلم الناس بأصول الفقه بعد الشافعي سمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي وعنه علي بن محمد الحلبي توفي في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة له مصنفات في الفقه وغيره ومن اختياراته أن١ من وطئ في نكاح بلا ولي وهو يعتقد تحريمه حد.
روى الصيرفي بسنده إلى وهب بن منبه أنه قال: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض من ذهب بخاتم الله قضيت حاجته.
رواه الخطيب البغدادي بسنده إلى وهب.
قال: الرابع: التعليق الذي يذكره أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين وغيره من المغاربة في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها وقد استعمله الدارقطني من قبل صورته صورة الانقطاع وليس حكمه حكمه ولا خارجا ما وجد ذلك فيه٢ من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف.
وذلك لما عرف من شرطه وحكمه على ما نبهنا عليه في الفائدة السادسة من النوع الأول.
ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر٣ وأبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ : "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف" الحديث من جهة ان البخاري أورده قائلا فيه قال: هشام بن عمار وساقه بإسناده.
فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعارف
وأخطأ في ذلك من وجوه والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح.
стр. 105
والبخاري ﵀ قد يفعل مثل ذلك لكون ذلك الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع.
وما ذكرنا١ من الحكم في التعليق المذكور فذلك فيما أورده منه أصلا ومقصودا لا فيما اورده في معرض الاستشهاد فإن الشواهد يحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح معلقا كان أو موصولا.
ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدإ إسناده واحد فأكثر حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد.
مثال ذلك قوله: قال: رسول الله ﷺ كذا وكذا قال: ابن عباس كذا وكذا وروى٢ أبو هريرة كذا وكذا قال: سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذلك قال: الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ كذاوكذا٣ وهكذا إلى شيوخ شيوخه.
وأما ماأورده كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرناه قريبا في الثالث: من هذه التفريعات.
وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسما من التعليق ثانيا وأضاف إليه قول البخاري في غير موضع من كتابه وقال لي فلان وزادنا٤ فلان فوسم كل ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى وقال متى رأيت البخاري يقول وقال لي فلان وقال لنا٥ فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به.
стр. 106
وكثيرا ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذكرات والمناظرات وأحاديث المذاكرة قلما يحتجون بها.
قلت وما ادعاه على البخاري مخالف لما قاله من هو أقدم منه وأعرف بالبخاري وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابوري١ فقد روينا عنه أنه قال: كل ما قال: البخاري قال: لي فلان فهو عرض ومناولة.
قلت ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه او من آخره ولا في مثل قوله يروى عن فلان ويذكر عن فلان وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك عنه بأنه قاله وذكره.
وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال انتهى.
اعترض عليه بأن البخاري شرط في كتابه ما سماه به المسند الصحيح وقد وضع فيه مالم يسنده وكذا قال: ابن القطان في بيان الوهم والإيهام إن ما علقه البخاري من الأحاديث غير مبال بضعف رواتها فإنها غير معدودة فيما انتخب وإنما يعد من ذلك ما وصل الأسانيد به.
والجواب أن المصنف إنما يحكم بصحتها إلى من علقها عنه إذا ذكره بصيغة الجزم ولا نظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمن جزم به عنه فأما إذا ذكر فيما أبرزه من السند ضعيفا فإنه ليس بصحيح عنده.
قوله فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام ليس كذلك وإنما قال: في المحلى منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد.
وصدقة هذا شيخ هشام بن عمار في هذا الحديث وهذا قريب إلا أن المصنف لا يجوز تغيير الألفاظ في التصانيف وإن اتفق المعنى.
قوله وأما ما أورده البخاري كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرنا قريبا في الثالث: أي ما قال: فيه البخاري قال: فلان وسمى بعض شيوخه انه محكوم فيه بالاتصال كالإسناد المعنعن.
يشكل على ما ذكره المصنف هنا أن البخاري قال: " في الجنائز" باب: "ما جاء
стр. 107
في قاتل النفس ":وقال حجاج بن منهال ثنا جرير بن حازم عن الحسن قال: ثنا جندب في هذا المسجد فما نسيناه وما نخاف أن يكذب جندب على رسول الله ﷺ قال: كان برجل جراح فقتل نفسه الحديث.
فحجاج بن منهال أحد شيوخ البخاري قد سمع منه أحاديث وقد علق عنه هذا الحديث ولم يسمعه وبينه وبينه واسطة كما ذكره في باب ما ذكر عن بني إسرائيل فقال ثنا محمد ثنا حجاج قال: ثنا جرير عن الحسن قال: حدثنا جندب فذكر الحديث.
فهذا يدل على أنه لم يسمعه من حجاج وهذا تدليس فلا ينبغي أن يحمل ما علقه عن شيوخه على السماع منهم.
ويجوز أن يقال إن البخاري أخذه عن حجاج بالمناولة أو في حال المذاكرة على الخلاف الذي ذكره المصنف وسمعه ممن سمعه منه فلم يستحسن التصريح باتصاله بينه وبين حجاج ما وقع من يحمله١ وهو قد صح عنده بواسطة الذي حدث به عنه فأتى به في موضع بصيغة التعليق وفي موضع آخر بزيادة الواسطة وعلى هذا فلا يسمى ما وقع من البخاري على هذا التقدير تدليسا وعلى كل حال فهو محكوم بصحته لكونه أتى به بصيغة الجزم فما قاله ابن حزم في حديث البخاري عن هشام بن عمار بحديث المعازف من أنه ليس متصلا عند البخاري يمكن أن يكون البخاري أخذه عن هشام مناولة أو في المذاكرة فلم يصرح فيه بالسماع.
وقول ابن حزم إنه موضوع مردود عليه بالاتفاق فقد وصله غير البخاري من طريق هشام ومن طريق غيره.
قال الإسماعيلي في صحيحه ثنا الحسن وهو ابن سفيان الإمام ثنا هشام بن عمار.
وقال الطبراني في مسند الشاميين ثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد.
وقال أبو داود في سننه ثنا عبد الوهاب بن نجدة ثنا بشر بن بكر
стр. 108
كلاهما١ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده.
وقد ذكر المصنف فيما تقدم في النوع الأول في أمثلة تعليق البخاري قال: القعنبي والقعنبي من شيوخ البخاري فجعله هناك من باب التعليق وخالف ذلك هنا.
وقد يجاب عنه بما ذكره هنا عقب الإنكار على ابن حزم وهو قوله والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علق عنه وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكره في موضع آخر متصلا او غير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع.
فحديث المعازف معروف من جهة الثقات عن هشام وحديث جندب ذكره في موضع آخر من كتابه مسندا
وقد اعترض على المصنف في قوله وقد يفعل ذلك لسبب من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع بأن حديث جندب المذكور في الجنائز صحبه خلل الانقطاع فإنه لم يأخذه عن حجاج بن منهال.
وجوابه أنه لم يرد بقوله لا يصحبه خلل الانقطاع في غير الموضع٢ الذي علقه فيه فإن التعليق منقطع قطعا بل مراده لا يصحبها في الواقع بأن يكون الحديث معروف الاتصال إما في كتابه في موضع آخر كحديث جندب او في غيره كحديث أبي مالك الأشعري فإنه إنما جزم به حيث علم صحته واتصاله في نفس الأمر كما تقدم.
واختلف في محمد شيخ البخاري في حديث جندب فقيل هو محمد بن يحيى الذهلي وهو الظاهر فإنه روى عن حجاج بن منهال والبخاري عادته لا ينسبه إذا روى عنه إما لكونه من أقرانه أو لما جرى بينهما وقيل هو محمد بن جعفر السمناني.
قوله: "قلت: ولم أجد لفظ التلعيق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال
стр. 109
الإسناد من وسطه أو من آخره إلى آخره".
وقد وجد ذلك وقد سمى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقا منهم الحافظ أبو الحجاج المزي لقول البخاري في باب مس الحرير ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ فذكره في الأطراف وعلم عليه علامة التعليق للبخاري.
وكذا فعل غير واحد من الحفاظ يقولون ذكره البخاري تعليقا مجزوما أو تعليقا غير مجزوم به إلا أنه يجوز ان هذا الاصطلاح متجدد فلا لوم على المصنف في قوله إنه لم يجده.
قال الخامس: الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا وبعضهم متصلا اختلف أهل الحديث في أنه ملحق بقبيل الموصول أو بقبيل المرسل.
مثاله لا نكاح إلا بولي رواه إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ مسندا هكذا متصلا.
ورواه سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلا هكذا.
فحكى الخطيب الحافظ أن أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل.
وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم أن الحكم للأحفظ.
فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله ثم لا يقدح ذلك في عدالة من وصله وأهليته١.
ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطا فيقبل خبره وإن خالفه غيره سواء كان المخالف له واحدا او جماعة.
قال الخطيب هذا القول هو الصحيح.
стр. 110
قلت وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله وسئل البخاري عن حديث لا نكاح إلا بولي المذكور فحكم لمن وصله وقال الزيادة من الثقة مقبولة.
فقال البخاري هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان١.
ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله وصله في وقت وأرسله في وقت وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي ﷺ ووقفه بعضهم على الصحابي أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضا في وقت آخر فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع لأنه مثبت وغيره ساكت ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه ولهذا الفصل تعلق بفصل زيادة الثقة في الحديث وسيأتي انتهى.
قوله فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة هذا مذهب المحدثين وصحح الأصوليون خلافه وهو أن الاعتبار بما وقع منه أكثر فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه فالحكم للوصل والرفع وإن كان الإرسال أو الوقف أكثر فالحكم له.