محمد بن مرزوق الزعفراني١، أنبأنا أبو بكر الخطيب قال: " [أما] ٢ الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها٣، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات٤ تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته فإنما هو إثبات وجود (ق٨٧/أ) لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول إن معنى اليد: القدرة، ولا نقول: إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات الفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب
стр. 807
نفي التشبيه عنها، لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١، وقوله ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢"٣.
[أبو سليمان الخطابي (٣٨٨هـ) ]
٢٧٤- وقال مثل هذا القول٤ قبله٥ الإمام أبو سليمان الخطابي٦ في "الغنية عن الكلام" له، وهو: "فأما٧ ما سألت
стр. 808
عنه من١ الكلام في الصفات، وما جاء٢ منها في الكتاب وروي في السنن الصحاح".
وقال: "مذاهب٣ السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها"٤.
[الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي (٥٣٥هـ) ]
٢٧٥- وقال مثل هذا القول بعدهما، الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي٥، صاحب "الترغيب والترهيب"، وقد سئل عن صفات الرب تعالى فقال: "مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد٦،
стр. 809
وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه١ بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيه، ولا تشبيه ولا تأويل، قال (ق٨٧/ب) سفيان بن عيينة: "كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره"٢ أي على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل"٣.
[القاضي أبو يعلى الفراء (٤٥٨هـ) ]
٢٧٦- ١- وقال القاضي أبو يعلى الفراء٤ في كتاب "إبطال التأويل" له: "لا يجوز [رد] ٥ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها،
стр. 810
والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله لا تُشبَّه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق١. ويدل على إبطال التأويل، لأن ٢ الصحابة و٣ من بعدهم من التابعين حملوها على [ظاهرها] ٤، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه"٥
يعني على زعم من قال إن ظاهرها التشبيه٦.
٢- وقال بعد أن ذكر حديث الجارية: "اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء"٧.
وذكر أشياء، إلى أن قال: "وقد أطلق أحمد بذلك فيما أخرجه في "الرد على الجهمية" فقال٨: فقد أخبرنا
стр. 811
بأنه١ في السماء فقال ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ٢، وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣، وقال ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٤ فقد أخبر الله أنه في السماء وهو على عرشه"٥.
وذكر كلاماً طويلاً ليس هذا موضعه.
وأما (ق٨٨/أ) القاضي هذا فهو أجل الحنابلة في وقته، وأعلم بمذهب أحمد، وباختلاف العلماء، صنف كتباً كثيرة في المذهب، والخلاف، والأصول، ﵀، توفي قبل الستين وأربعمائة.
[أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني (٤٧١هـ) ]
٢٧٧- وقد تقدمت فتيا الإمام أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني٦،
стр. 812
وأنه أجاب بنص قول الإمام أبي العباس بن سريج١.
أبو القاسم هذا إمام كبير، حافظ، فقيه، صوفي، ذكره ابن الجوزي٢ في "صفة الصفوة" فقال: "سعد بن علي، طاف الآفاق، ورأى المشايخ، وسكن مكة فصار شيخ الحرم، وكان إذا خرج إلى الحرم يترك الناس الطواف ويقبلون يده أكثر من تقبيل الحجر، وكانت له كرامات، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة"٣.
لكن في النفس شيء من عزو الفتيا التي ذكرها إلى ابن سريج، فإني لا أرى عليها لوائح صحة الإسناد والله أعلم، على٤ أنني أجزم أن ابن سريج لم يكن يخالف تيك٥ الأصول.
[أبو المعالي الجويني (٤٧٨هـ) ]
٢٧٨- وقال الإمام أبو المعالي الجويني٦ في كتاب "رسالة النظامية":
стр. 813
"اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في [آي] ١ الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب عز وجل٢.
والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به (ق٨٨/ب) عقيدةً، اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه٣ المتبع"٤.
стр. 814
انتهت معرفة مذهب الشافعي إلى أبي المعالي هذا، وصنف كتباً كثيرة وكان بحراً في دقائق الفقه وفروعه، ومعرفة أصوله، توفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
[الإمام أبو إسماعيل الأنصاري (٤٨١هـ) ]
٢٧٩- و [قال] ١ الإمام العارف شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله ابن محمد الأنصاري٢ في كتاب "الصفات" له: "باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة، بائناً من خلقه، من الكتاب والسنة".
فذكر ﵀ دلالات ذلك من الكتاب والسنة، إلى أن قال: "في أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، علمه، وقدرته، واستماعه، ونظره، ورحمته، في كل مكان"٣.
أبو إسماعيل الأنصاري هذا معروف عند مشايخ الطريق، مصنف٤
стр. 815
"منازل السائرين (ق٨٩/أ) إلى الله"، كان عالماً بالحديث صحيحه وسقيمه، وآثار السلف، وبلغات العرب واختلافها، وتفسير الكتاب ومعانيه، وأقوال المفسرين، وبأحوال القلوب، وكان له كرامات معروفة، وقد جمع عبد القادر الرهاوي كتاباً سماه "المادح والممدوح" لعل معظم الكتاب١ في ترجمته، فمن طالع ذلك عرف منزلته وجلالته في الأمة، افتتح القرآن يفسره إلى قوله ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٢ فافتتح تجريد المجالس في الحقيقة والمحبة وأنفق على هذه الآية مدة طويلة من عمره، وكذا في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ ٣ بقي يفسر فيها ثلاثمائة وستين مجلساً، وقد كان في وقته، مثل الجنيد٤ في وقته، وبشر الحافي٥ في وقته، توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وله خمس وثمانون سنة.
[الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (٥١٠هـ) ]
٢٨٠- ١- وقال الإمام محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود
стр. 816
البغوي١ في تفسيره "معالم التنزيل"، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢: "قال الكلبي٣، ومقاتل٤: استقر. وقال أبو عبيدة٥: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء (ق٨٩/ب) على العرش صفة لله، بلا كيف، يجب الإيمان به"٦.
٢-وقال رحمه الله تعالى في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي َدُخَانٌ﴾ ٧ قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ارتفع إلى السماء٨.
٣- وقال في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ ٩:"الأولى١٠ في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل
стр. 817
علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة"١.
٤- وقال في قوله ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٢: "يعني وهو إله في السموات والأرض، قال الزجاج٣: فيه تقديم وتأخير تقديره، وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض٤"٥.
٥- وقال في قوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ٦: " [في العلم] ٧"٨.
أبو محمد البغوي هذا من كبار الأئمة والفقهاء الشافعية، مصنف "شرح السنة"، وكتاب "التفسير" وغير ذلك، شهرته تغني عن التعريف
стр. 818
به، توفي ﵀ سنة خمس عشرة وخمسمائة.
[أبو إسحاق الثعلبي (٤٢٧هـ) ]
٢٨١- وقال أبو إسحاق الثعلبي١ في تفسيره٢ لهذا الموضع نحواً من هذا القول.
[الإمام أبو الحسن الكرجي (٥٣٢هـ) ]
٢٨٢- وقال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك [الكرجي] ٣ صاحب (٩٠/أ) شيخ الإسلام٤ في عقيدته المعروفة التي أولها:
محاسن جسمي بدلت بالمعايب ... وشيب [فَوْدي] ٥شيب وصل
إلى أن قال:
وأفضل زاد في المعاد عقيدة ... على منهج في الصدق
[عقيدة أصحاب الحديث فقد ... بأرباب دين الله أسنى المراتب] ٦
стр. 819
عقائدهم أن الإ له بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وأن استواء الرب يعقل كونه ... ويجهل فيه الكيف جهل
من مائتي بيت.
وكان أبو الحسن هذا إماماً، زاهداً١، شافعي المذهب، معاصراً للشيخ أبي محمد البغوي٢ وذويه، وهذه القصيدة مشهورة عند الخاصة والعامة في بلاد المشرق.
[الإمام عبد القادر الجيلي (٥٦١هـ) ]
٢٨٣- وقال الإمام شيخ الإسلام صفوة العارفين، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي٣ الحنبلي٤، في كتاب "الغنية" له، الموجود بأيدي الناس: "أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن [يعرف ويتيقن] ٥ أن الله واحد أحد". إلى أن قال: "وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه
стр. 820
بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (ق٩٠/ب) مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ٢، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وينبغي إطلاق صفة الاستواء٤ من غير تأويل، وأنه استواء٥ الذات على العرش، وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف"٦.
وذكر كلاماً طويلاً اختصرته. رحمة الله عليه.
стр. 821
سمعت شيخنا أبا الحسن اليونيني١ يقول سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام٢ بمصر يقول: ما نعرف أحداً كراماته متواترة إلا الشيخ٣ عبد القادر، وقد صنف العلماء كتباً في كراماته وفضائله ومكاشفاته المدهشة، مات سنة٤ إحدى وستين وخمسمائة ﵁.
стр. 822
٢٥٦- وقول الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري المتكلم١ -صاحب أبي الحسن الأشعري- في كتاب "مشكل الآيات" تأليفه في٢ باب قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣: "اعلم أن الله سبحانه في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عالٍ عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير٤ على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي، فالقديم٥ ﷻ عالٍ على عرشه.
قوله ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ٦، وقوله ﴿يَا عِيسَى إِني (ق٧٧/أ)
стр. 823
شهرة الدارقطني تغني عن التعريف، ألف كتاب السنن فانتفع به الموافق والمخالف، كان من نظراء البخاري وذويه في الإتقان، وإن تأخر في الزمان، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وله ثمانون سنة.
سمع البغوي١، وابن صاعد٢ (ق٧٩/أ) ، وابن أبي داود٣، والخلائق بعدهم، وطاف البلاد، وحَصَّل ما لم يُحَصِّل غيره، وله جزء في الصفات٤، وكتاب "الرؤية"٥، وكتاب "الأفراد"٦، وكتاب في "القراءات"٧، مبوباً ولم يبوب أحد قبله الأبواب في القراءات٨، وله كتب كثيرة لا يحضرني الآن ذكرها.