← Баляга

Баляга · id 7357

الأسلوب

أحمد الشايب

Полный текст (204 стр.). Показаны 176–204 · переход к 181.

стр. 176

الناحية الثالثة: وهي ناحية الصنعة البديعية، والتكلف المقصود. طمعًا في زخرفة الأساليب، وتوشيتها بالسجع، والجناس، والمطابقة، والاستعارة، ونحوها من عناصر التحسين اللفظي والمعنوي، وقد كانت هذه المحسنات ترد في الشعر القديم قليلة وعفوًا دون تكلف، واستجابة لقوة المعنى وصدق تصويره كقول أبي ذؤيب الهذلي مستعيرًا: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع١

стр. 177

وقول حيان بن ربيعة الطائي في التجنيس: لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد١ وقول زهير في المطابقة: ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرنه صدقا٢ "فلما أفضى الشعر إلى المحدثين، رأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومفرط"٣. وقد قيل إن "أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد وابن هرمة وهو ساقة العرب، وآخر من يستشهده بشعره، ثم أتبعها مقتديًا بهما كلثوم بن عمر العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز فانتهى علم البديع والصنعة إليه، وختم به"٤. والذي يعنينا هنا -في الشعر- أن هؤلاء الشعراء اختلفوا في مقدار عنايتهم بالصنعة البديعية، فاختلفت أساليبهم في النظم تبعًا لذلك: فأما أبو تمام فكان -في كثير من شعره- أشد الشعراء تعلقًا بالبديع، وأكثرهم تكلفًا له، ولا سيما الطباق، والجناس، والاستعارة والتقسيم، حتى شوهت شعره، وذهبت بكثير من روعته وجلاله؛ فإذا لاحظنا أنه أضاف إلى ذلك محاولته الإغراب اللفظي تقليدًا للقدماء، ثم اجتلابه المعاني الغامضة، والأغراض الخفية التي احتمل في سبيلها كل غث ثقيل، علمنا سر ما تورط فيه من اضطراب في التعبير، وتعقيد في الأسلوب، حتى صار هذا القسم من شعره إذ قرئ أجهد الفكر، وكذا الخاطر في فهم معانيه، وتصور أخيلته وأغراضه، وما كان هذا سبيل الشعر، ولا أسلوب الفن الجميل،

стр. 178

فصار أبو تمام علامة التكلف الثقيل، والصنعة الفاسدة في قسم من شعره ليس بالقليل، ولو أنه جرى مع طبعه، وجانب التكلف، مع معانيه المبتكرة وأخيلته الجميلة، لكان سيد الشعراء غير مدافع١؛ فإنك حين تقرأ له ما ورد أول هذا الفصل من الشعر القوي الجميل تعجب كيف يحيد عنه جريًا وراء البديع، وتعلقًا بالصنعة الممقوتة ليقع في مثل هذه الاستعارة القبيحة: باشرت أسباب الغنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوك طبولا ضرام الحب عشش في فؤادي ... وحضن فوقه طير البعاد كأنني، حين جردت الرجاء له ... عضب صببت به ماء على الزمن أو هذا الجناس المستكره: إن من عق والديه لملعو ... ن ومن عق منزلًا بالعقيق فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم أو ذلك الطباق المتكلف: قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإني بالنجاح لواثق وإن حفرت أموال قوم أكفهم ... مِن النيل والجدوى فكفاه مقطع وشر من ذلك هذه المعاطلة بتداخل الكلمات، وركوب بعضها بعضًا: خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد٢

стр. 179

وقد وقع المتنبي في مثل ذلك، كما تشبث به المتأخرون فأفسدوا الشعر وذهبوا بروائه. وأما البحتري وابن المعتز فقد غلب عليهما الطبع السمح، وسهولة الأسلوب وعدم الكد وراء المعاني العميقة والألفاظ الغريبة، ويتلخص أسلوبهما في السهولة وعدم الشغف بالبديع، إلا ما جاء طبيعيًّا أو خفيًّا لا يكاد يظهر، ومعنى هذا أن قيمة شعرهما قائمة، في الغالب، على جمال الأسلوب وطبيعته، وحسن التصوير الخيالي، فكانا مدرسة أخرى تقابل مدرسة أبي تمام، وقد مضت أمثلة لشعر البحتري نعيد منها هذا البيت فقط: إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها لتلحظ فيه هذا التقسيم، وحسن الترتيب، والمطابقة الملائمة بين الشطرين في المعنى، وهكذا إذا عرض له البديع، ويقول عبد الله بن المعتز يصف سحابة ماطرة: ومزنة جاد من أجفانها المطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر ترى مواقعها في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر فيجمع بين الاستعارة، والمطابقة والتشبيه، ومع هذا لا نرى تكلفًا ثقيلًا ولا تعمقًا عويصًا. وبين هذين الطرفين نضع مسلم بن الوليد، فقد جمع بين الصنعة المعتدلة وتجويد الشعر والبطء في صنعته حتى سموه زهير المولدين١، واستطاع بذلك أن يفترق من أبي تمام بقرب المعاني من جهة، وبسلامه عبارته من الغريب،

стр. 180

والتكلف الممقوت، ولاءم بذلك بين اللفظ والمعنى، فكان لشعره موسيقى قوية جميلة، كقوله يهجو دعبل الخزاعي: أما الهجاء فقد عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل فاذهب، فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل فقد طابق بين المدح والهجاء وبين الدقة والجلالة، وبين العز والذلة، مع جدة المعنى، وإحكام التراكيب وحسن تقسيمها، فكان بذلك من عبيد الشعر. وأما في النثر فقد عرفت مما سبق أن هذه الصنعة البديعية فقد انتهت إلى غايتها المقبولة على يد كتاب القرن الرابع الهجري، أمثال بديع الزمان، والخوارزمي، والصاحب بن عباد، وابن العميد، هؤلاء الذين عرفوا بالسجع والجناس والطباق، واقتباس لغة الشعر أو تضمين معانيه، وقد استطاعوا لإحاطتهم اللغوية وقدرتهم الأدبية أن يجعلوا أساليبهم مقبولة ويحققوا آثار هذه الصناعة، إلا أن كثيرًا ممن خلفهم على هذا الفن -وبخاصة بعد سقوط بغداد وفي عصر المماليك- لم يظفروا بمكانة السابقين في اللغة والادب، ثم غلوا في البديع فأضافوا إلى ما سبق التورية والاستخدام والتلميح للحوادث الشهيرة، ثم التصحيف الذي كان مجال البراعة عند المتكلفين. وقد نشأ عن ذلك فساد الأساليب، وركاكتها، والتضحية بالمعاني في سبيل الألفاظ. ويمكن إرجاع ما كان بين كتاب الصنعة، من خلاف في الأساليب إلى أصلين: الأول: موضوعي حين انتقل بها بعضهم من الرسائل الخاصة، والديوانية، والعامة، إلى كتب العلم أو مخاطبة الملوك في الشئون الدولية، في حين أن هاتين الناحيتين مظهر عقلي أو مصلحي يلائمه الأسلوب البسيط الواضح، ومن ذلك أن

стр. 181

عماد الدين الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧هـ كتب في التاريخ بهذا الأسلوب الذي عاد مغلقًا فألف كتابه "الفيح القسي في الفتح القدسي" وصف فيه فتح صلاح الدين لبيت المقدس بعبارة مسجوعة منها: "رحل من عسقلان للقدس طالبًا، وبالعزم غالبًا، وللنصر مصاحبًا، ولذيل العز ساحبًا، قد أصبحت ريض مناه، وأخصب روض غناه، وأصبح رائح الرجاء، سيب العزف، طيب العرف ظاهر اليد قاهر الأيد، سنا عسكره قد فاض بالفضاء فضاء، وملا الملأ فأفاض الآلاء". والثاني: شكلي حين يختلفون في مقدار حرصهم على المحسنات وما يجمعون منها في رسائلهم وفي طول السجع وقصره، ودقة الطباق، وطبعية الأسلوب وقد رأيت مثالًا للبديع يمثل السجع القصير، القصد في الجناس وملاءمة الطباق. ونورد هنا قسما من الرسالة١ لشهاب الدين بن فضل الله العمري -تصور لنا التعلق بالصنعة في غير موضعها ثم الإسراف فيها حتى عادت غثة غير مقبولة- كتبها بين يدي سلطانه إلى نائب الشام صحبة طيور صيد جوارح أرسلها إليه، قال بعد الديباجة: "ولا زالت مواهبنا تخصه بالمزيد، وتنفحه بما يريد، وتجعل له من الجوارح ما تعترف لها السهام بأنها بغير جناحية لا تصيب ولا تصيد. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام جميل الافتتاح، وثناء يطير إليه، وكيف لا تطير قادمة بجناح؟ ونعلمه أن مكاتبته المتقدمة الورود تضمنت التذكار من الجوارح بما بقي رسمه، وجرب عادة صداقتنا الشريفة أن تحسب في قسمه، وقد جهزنا له الآن ثلاثة طيور، لا يبعد

стр. 182

عليها مطار، ولا يوقد للقرى في غير حماليقها جذوة نار، ولا تؤم صيدًا إلا وترشى بدمه فلا يلحقها بغبار". ومثل هذه الصنعة بقيت إلى أول العصر الحديث حين تشبث بها قوم من الكتاب ظانين أنها مظهر البراعة، فلما هبت هذه النهضة، وحملت الثقافة والسرعة الناس على العناية بالمعاني والموضوعات، انهزمت هذه الصنعة ولم تستطع مجاراة هذا التيار المعنوي الدافع، فتحررت الأساليب بالتدريج وألقت عن كواهلها هذه السخافات اللفظية، وأخذت ترقى مستجيبة للرقي العقلي والذوقي حتى بلغت الآن منزلة رفيعة لعلها لم تظفر بها قبل الآن.

стр. 183

الباب الخامس: صفات الأسلوب مدخل ... الباب الخامس: صفات الأسلوب للأسلوب أوصاف شتى يمكن معرفتها بالنظرة السريعة، كالأسلوب الموجز أو المساوى أو السهل أو الغامض أو التصويري إلى غير ذلك من السمات الواضحة في العبارات، والتي يمكن بها تعدد الأساليب إلى أشكال كثيرة، ولكن الذي يذكر هنا إنما هو أعم الصفات من جهة، وأعمقها من جهة أخرى، لتناولها جميع الأساليب، ولصلتها بنفس الأديب، ومعارفه، وعواطفه، وذوقه، وأخيرًا بعباراته، لذلك كان من الأصح أن تسمى عناصر أو أركانًا ولعلها ترجع جميعًا إلى أصل واحد هو صدق التعبير؛ فالإخلاص في تصوير ما في النفس من فكرة واضحة أو عاطفة صادقة، يجعل الأسلوب مثاليًّا متى توافرت للأديب هذه الوسائل البيانية التي ترد عليك في الفصول الآتية. وبذلك يتحقق ما كررناه كثيرًا فيما مضى ويصبح الأسلوب مرآة العقل، والخلق، والمزاج، وطرق التفكير والتخيل، سواء أكانت تلك قوية أم ضعيفة، مستقيمة أم مضطربة، جميلة أم قبيحة؛ لأن مصدر ذلك كله إنما هو نفس الكاتب، فمنها تنشأ هذه الصفات، وإليها ترد. ويمكن إرجاع هذه الصفات إلى ثلاثة قياسًا على الغايات التي يقصد إليها المنشئون: أولًا: الوضوح Clearness لقصد الإفهام١. ثانيًا: القوة Force لقصد التأثير. ثالثًا: الجمال Beautuy الإمتاع "أو السرور". وسنتناول كل صفة بشيء من التفصيل فيما يلي:

стр. 184

الفصل الأول: وضوح الأسلوب مدخل ... الفصل الأول: وضوح الأسلوب أول واجب على البليغ أن يكون واضحًا مفهومًا يرمي إلى إفادة قرائه ورفع مستواهم الثقافي، ولا يستطيع ذلك بالوقوف عند تزويدهم بالمعارف جافة ثقيلة، بل يحسن به أن يكسب معارفه حياة وروعة شائقة بما يبث فيها من عواطف وأخيلة ملائمة كما قيل من قبل. والمصدر الأول للوضوح هو عقل الأديب، فيجب على الكاتب أن يكون فاهمًا ما يريد أداءه فهمًا دقيقًا جليًّا، ثم يحرص على أدائه كما هو، ولذلك أثره البعيد في قيمة الأسلوب؛ لذلك كان الوضوح صفة عقلية قبل كل شيء. وبعد ذلك يأت التعبير اللغوي الذي يتطلب من المنشئ ثروة لغوية وقدرة على التصرف في التراكيب والعبارات لتلائم أفكاره وطريقة تفكيره، فلا يرضى عن كلمة أو جملة تعبث الإبهام أو الاشتراك، ولا يشعر الناس بأن عبارته في حاجة إلى أن تفهم. ولن يجوز في فن البلاغة هذا القانون الذي ارتجله أبو تمام حين قال: ولم لا يفهم ما يقال؟ جوابًا لمن قال له: لم لا تقول ما يفهم؟ لأن البلاغة قائمة على العنابة بالقراء والسامعين، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإذا بدا الأسلوب بعد ذلك غامضًا توجه الطعن إلى منشئته، ورمي إما بعدم فهمه ما يقول وإما بعجزه عن التعبير عما يفهم. نعم قد تكون الفكرة في ذاتها غامضة لأنها لم يتم بحثها، فعليه عرضها كما هي بأحدث أوضاعها كما ترى ذلك في تاريخ العلوم والفلسفة، وقد يكون القراء أنفسهم دون مستوى الأديب أو من طراز آخر غير ما يكتب فيه، فعليه -ليكون البليغ التام- أن يكتب لهم باللغة التي يفهمونها تاركًا التحرج أو الاعتزال١. وهاتان الخطوتان اللازمتان لتحقيق الوضوح الأسلوبي تستلزمان أمرين: أحدهما متصل بالأفكار نفسها هو الدقة. والثاني متصل بالقارئ وهو الجلاء. ولكن كيف يتحققان؟

стр. 185

أولًا: الدقة أو وضوح الفكرة فيجب أن تؤدى كما هي ممتازة من سواها، ظاهرة الخواص والمعالم سواء أكانت قريبة سهلة كقول الطغرائي: ومن يستعين بالصبر نال مراده ... ولو بعد حين إنه خير مسعد وقول بعضهم: "عظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك" أم كانت لطيفة دقيقة مخترعة تلفت النظر وتحتاج إلى أناة كقول أبي تمام: وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه وقول بعضهم لأحد الملوك: "أخلاقك تجعل العدو صديقًا، وأحكامك تجعل الصديق عدوًّا" ويلاحظ أن هذه الدقة تتعارض مع البساطة؛ فإذا كانت الكلمات المألوفة تستطيع أداء الأفكار العادية، فإن المعاني العميقة القائمة على التحليل الدقيق، والملاحظة البعيدة، لا بد لها من ألفاظ وصور أخرى تلائمهما ولو كانت غير عادية، كما رأيت في وصف الأسد قبلا، وكقول ابن المعتز: "سافر فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم

стр. 186

قرون الوعول، وكأن دروعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها". يقوم وضوح الفكرة ودقتها على لغة الكاتب، وكلماته المفردة التي يؤثرها لأنها أدل من سواها على ما يريد ونذكر هنا بعض القوانين التي تساعد في تحقيق الدقة وتحديد الأفكار. ١- اختيار الكلمات المعنية غير المشتركة بين معانٍ، والتي تدل على الفكرة كاملة: وذلك يدعو إلى ملاحظة هذه الفروق الدقيقة بين ما تسمى المترادفات حتى لا يصير المعنى ذاهب المعالم. من ذلك، العاطفة والانفعال، والسقم والمرض والهضبة والجبل، والسهو والغفلة، وقد وقع جرير فيما يسمى الاشتراك حتى ذهب الناس كل مذهب فيما يعني، وذلك في قوله: لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فماذا كان يفعل؟ أيبكي أم يهيم على وجهه، أم يمنعهم المسير، أم يدفع إليهم شيئًا يذكرونه به أم ماذا؟ ١. ومن يدري فلعل في هذه الإبهام بلاغة أرادها جرير ولم يفطن لها النقاد. وعندي أن المراد بهذا التراكيب هو مجرد التهويل دون إرادة شيء بعينه، فهو يريد بذل آخر جهده في التحفي بأحبتَّه، وليس بلازم أن يفهم التعبير فهمًا حرفيًا. ٢- يحسن بالأديب الاستعانة بالعناصر الشارحة، أو المقيدة، أو المخيلة، كالنعت، والمضاف إليه، والحال، والتمييز، والاستثناء. فذلك من عوامل إيضاح المعاني وتحديدها، كقولك: شوقي شاعرًا أحسن منه ناثرًا، وليلة نابغية، ونهر النيل من أطول أنهار الدنيا، وقول ابن الرومي: كأن مواهبه في المحو ... ل آراؤه عند ضيق الحيل

стр. 187

فلو كان غيثًا لعم البلاد ولو كان سيفًا لكان الأجل ولو كان يُعطى على قدره لأغنى النفوس وأفنى الأمل ٣- ومما يساعد وضوح الفكرة استعمال الكلمات المتقابلة المتضادة المعاني؛ إذ كانت مقابلة الأضداد مما يزيد في كل بيان خواصه، وشرط ذلك عدم الغلو فيه، وإلا عاد صنعه بديعية تفسد الأسلوب كقولك: طول النهار من قصر الليل، لا نقض ولا إبرام، والورد والصدر، العقل في الحياة كدفة السفينة، والعاطفة شراعها، وكقول البحتري: متى أرت الدنيا نباهة خاملٍ ... فلا ترقب إلا خمول نبيه ٤- البعد عن الغريب الوحشي، والعمد إلى لغة الناس وما يستطيعون إدراكه، وذلك يختلف باختلاف العصور وطبقات الناس. فلكل ألفاظ ومستوى أليق به. وعكس ذلك حيلولة بين المعنى والقراء أو السامعين. ولكل مقام مقال، ومن ذلك ما قاله رجل من أهل خراسان للخليفة المهدي١: "أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا وما فيه مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما في الضمير دون التفسير" وقال الشاعر: حلال لليلى أن تروع فؤاده ... بهجر ومغفور لليلى ذنوبها تطلع من نفسي لليلى نوازع ... عوارف أن اليأس منها نصيبها وزالت زوال الشمس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرض غروبها؟ وإذا أردت أمثلة للإغراب فارجع إلى الصناعتين٢.

стр. 188

٥- ثم المصطلحات العلمية، والفنية، والاجتماعية، والتاريخية التي وضعت لمعان خاص محدودة، لتكون بين الكتاب والقراء، علامات واضحة وروابط عقلية مشتركة، وقد ذكرنا ذلك في الكلام على أسلوب التاريخ. والذي يخشى هو أن ينهمك البليغ في تحري الدقة فيعود الأسلوب بذلك جافًّا أشبه بالصكوك التجارية أو القانونية، خاليًا من الروح الفنية تقرؤه محكمًا دقيقًا ولكنك تشعر بعقمه وملاله. وهذا ما لحظه ابن قتيبه١ على قول لبيد بن ربيعة: ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح فقال: "هو جيد المعنى والسبك وإن كان قليل الماء والرونق"، وعندي أن ذلك راجع إلى أن البيت قد استأثر به العقل دون العاطفة فذهبت روعته، وضاع جماله الأسلوبي.

стр. 189

ثانيا: الجلاء أو وضوح التراكيب ... ثالثًا: الجلاء أو وضوح التراكيب بعد أن يتوافر للكاتب دقة الفكرة ووضوحها، تكون خطوته الثانية مطابقة الأسلوب لإدراك القارئ، وهي تبدو في صور شتى من الرقة والجزالة أو السهولة والصعوبة حسب المعاني التي تؤديها العبارات. على أنه لو كانت الأفكار عويصة وجب على البليغ أن يحقق من السهولة أبعد درجاتها، ويكسب تراكيبه صفة الشفافية، لتكون كالزجاج الأبيض الصافي، يحفظ الرسم، وينم عنه كما هو أو كأنه لا زجاج يحميه. والقانون الأساسي لتحقيق هذا الجلاء هو تحري البساطة في صوغ العبارات ومجانبة التعقيد، مع الاحتفاظ بسموها وقوتها. وهذا القانون نفسه متصل بالتكوين المنطقي والنحوي للأسلوب؛ هذا التكوين الذي يسلك الكلمات والجمل والعبارات في نظام لفظي هو صورة لنظام عقلي، وتفكير منطقي مطرد وهذه بعض القواعد التي تفيد في تكوين التراكيب الواضحة. ١- لا بد للبليغ من ذوق نحوي شديد، يحسن التألف بين الكلمات لتدل على معنى دقيق معين، وتسلم من هذين العدوين اللذين يفسدان الكلام؛ اللبس حينما يدل التركيب على معنيين ممكنين أو أكثر كقول المتنبي: وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب فقد يكون معناه -بناء على عود ضمير نعمائه على من الثانية- أن أشد الظالمين ظلما من تقلب في نعمة إنسان ثم بات يحسده عليها، وقد يكون المعنى -بناء على عودة ضمير نعمائه على من الأولى- أن أشد الناس ظلما من أولى إنسانا نعمة ثم حسده على تمتعه بها، فهو الواهب وهو الحاسد، والمعروف أن الشاعر لم يرد إلا معنى واحدًا ولكنه يحترس من الثاني. ثم الغموض حينما لا يدل التركيب على معنى معين دلالة قاطعة كبيت جرير السابق عند النقاد السابقين. ومن خير العبارات التي لوحظ فيها هذا التكوين النحوي السديد ما كتبه أخ إلى أخيه: "ابتدأتني بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير هفوة، فأطعمني أولك في إخائك، وأيأسني آخرك من وفائك، فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك في حالك فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على خلاف" وهذا المثال ينفعنا فيما يلي.

стр. 190

٢- الوثوق من أن العناصر التركيبية التي يرتبط بعضها ببعض في المعنى -كأصل وتابع أو معنى وضده- قد ركبت بنظام دقيق، وتأليف منسق بحيث لا يتعب القارئ في تبين هذه الصلات بين الأجزاء، فينصرف عن المعنى ويجهد عقله في غير نفع، فإذا رجعت إلى المثال السابق وقرأت الجملة الأولى وحدها رأيت الكاتب بعد ما ذكر الفعل والفاعل والمفعول، يقيد ذلك بقوله:بلطف، ثم بقوله: من غير خبرة؛ لأن القيدين لا زمان لإتمام المعنى الأول، ثم يقابل ذلك في الجملة الثانية بتأليف هو كالأول تمامًا، ويسير بهذا النظام والتقسيم حتى ينتهي إلى غايته، فنجا من التعقيد. ٣- بعد ذلك تأتي مراعاة الجمل معًا وما يكون بينها من فصل أو وصل، وما يربطها من حروف العلة، أو الحال، أو الاستثناء، بحيث لا يترك فواصل دون داع، ولا يغفل حرف وصل حيث يجب ذكره، ولا توجد فكرة دون التمهيد لها. وهنا يتراءى الوضوح التام للأسلوب جملة، وإذ تجده سلسلة لفظية لسلسلة معنوية وتكون الأولى موسيقى عقلية هادئة عميقة كمثال النثر السابق، وكقول الشريف الرضي: ولقد وقفت على ربوعها ... وطلولها بيد البلى نهب بكيت حتى ضج من لغب ... نضوى، ولج بعذلي الركب وتلفتت عيني فمد خفيت ... عني الطلول تلفت القلب فانظر إلى واو الحال أول الشطر الثاني، والفاء صدر البيت الثاني، وحتى التي تفيد الغاية، ثم قوله: فمذ وجملة تلفت القلب. وتلك الروابط عنصر هام في اللغة إذ فقدتها عادت الأفكار والتراكيب مفككة بغير نظام.

стр. 191

٤- ومما يتصل بذلك الإطناب، والمساواة والإيجاز، ولسنا نريد هنا فرض أحد هذه الأوصاف على العبارة؛ لأن كل صفة منها تكون أوفى بالغرض في مقام دون سواها. فالشعر تكفي فيه الكلمة الموجزة، واللمحة الخاطفة أحيانًا؛ لأن طبيعته الإيجاز والرمز، والأسلوب العلمي تلائمه المساواة، وكل من الإيجاز والتطويل ضار فيه؛ إذ كان مقدمات ونتائج دقيقة محدودة، ويكون الإطناب أحيانًا في الخطب والمقالات السياسية، والاجتماعي، ولعل أسلوب الصحافة الآن أميل إلى ذلك.

стр. 192

الفصل الثاني: قوة الأسلوب مدخل ... الفصل الثاني: قوة الأسلوب إذا كان الوضوح ألزم صفات الأسلوب وأولاها بالرعاية -لأنه يحقق الغاية الأساسية، وهي الإفهام- فإننا نلاحظ أن الفنون الأدبية التي يغلب فيها الوضوح هي النصوص القائمة على المعاني العقلية لقصد الثقافة كالقانون، والفلسفة، والجغرافيا. ولكننا أحيانًا لا نقتصر فيما نكتب على نشر الحقائق وإنما نعني كذلك أو أكثر من ذلك بإيقاظ العقول الخامدة وبعث الشعور والحماسة، وإثارة العواطف في نفوس الناس، وبذلك نهب للأفكار حياة أقوى من حياتها العقلية، لتكون ممتعة مؤثرة، فهذه الحياة هي التي تسمى القوة. نلاحظ إذًا أن القوة صفة نفسية، تنبع أول أمرها من نفس الأديب الذي يجب أن يكون نفسه متأثرًا منفعلًا إذا شاء من قرائه حماسة وانفعالا، وهي لذلك صفة العاطف والإرادة والأخلاق قبل أن تكون صفة الأسلوب؛ فالكاتب الذي يدرك الحقائق بوضوح، ويعتقدها بصدق، ويحرص على إذاعتها، تجد في عبارته صدى ذلك، وهي قوة لا تكون بالتقليد والتصنع، وإنما هي من قوة الأخلاق وصدق العقيدة وصحة الفهم وبعد أغواره، وإذا كان الغرض من الوضوح هو الاقتصاد المباشر، في إجهاد مواهب القارئ، فإن الغرض من القوة الاقتصاد غير المباشر بإيقاظ عقله، وعواطفه، وأخيلته، لتدرك المعاني بقوة، وتحظى بمتعة جديدة؛ إذ كانت قوة الأسلوب صدمة للعقل، ودعوة للنزال، والبحث عن مواطن الرالعة والفائدة، وهناك قاعدتان لتحقيق القوة الأسلوبية، نذكرها فيما يلي:

стр. 193

أولًا: قوة الصورة ويراد بالصورة القوية ما تتجاوز بالعقل معناها الحرفي إلى معنى أو معانٍ أخرى مجازية أو غيرها، وذلك يكون بالتمثيل، والكناية، والاستعارة من كل ما يفتح أمام القارئ آفاقًا من التفكير أو التخييل، من ذلك قول بشار: إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فيمكن أن نفهم من هذا البيت معاني ثلاثًا بهذا الترتيب: أولها: هذا المعنى الحرفي الساذج، وهو أن يحتمل الإنسان شرب الماء على قذاه أحيانًا لأنه لا يضمن صفاءه دائمًا. ثانيها: احتمال الصديق على ما به من عيب، فلم يسلم إنسان من العيوب وهذا المعنى هو المناسب؛ لأن بشارًا كان يعاتب. وثالثها: وهو الأخير، احتمال السقوط في الحياة وتحمل عنت الدهر، فالفوز المطلق غير محتوم. على أن مثل هذه الصورة الخيالية، والعبارات البيانية، تبين لنا كيف يتصور الأديب الأشياء، ويتناولها بعقله وخياله، وتجعلنا نشعر بشعوره ونتحد معه، ولو لحظات. ونذكر هنا بعض الوسائل التي تحقق للبليغ قوة التعبير: ١- من ذلك، ما ذكر قبلا، من استعمال الكلمات المألوفة، المحدودة المعنى، العربية، فذلك يفيد في وضوح الأفكار والصور، كما يفيد في قوتها

стр. 194

واستقرارها في العقول، وليس ينفع هنا اللفظ المشترك، ولا الغامض، ولا الكلمات الأجنبية التي لم تشرب روح العربية؛ لانها إذا فقدت الإلف والوضوح فقدت القوة. ولقد حمل ذلك بعض كتابنا على استعمال الكلمات والأمثال العامية بحجة أنها تحمل ذوق الشعب، وشعوره، وتدل على كل ما يحيط بالفكرة من أطياف. ٢- استخدام الكلمات الوصفية التي تفيد في جمال الأسلوب وفي قوته معًا، ويراد بالكلمات الوصفية، تلك التي تصور مشاهد أو حوادث تلفت النظر، وتروع الفؤاد، وتثير الإعجاب، دالة على ما في الموصوف من بهجة ممتعة، أو صوت مجلجل، أو إبداع عجيب، كما رأيت ذلك في فن الوصف، وكقول بديع الزمان في المقامة الأسدية: "فإذا السبع في فروة الموت، وقد طلع من غابة، منتفخًا في إهابه، غريبة تؤدى معنى المبالغة المقبولة والإيجاز الطريف، وتفتح للقارئ مجال التفكير والتخييل؛ ومن هذا الأخير قولهم: ليلة نابغية، ورأس كليب، وثالثة الأثافي والمستحيلات الثلاث. ومن المجاز قول ابن خفاجة الأندلسي يصف نهرًا: متعطف مثل السوار كأنه ... والزهر يكنفه مجر سماء وغادت تحف به الغصون كأنها ... هدب يحف بمقلة زرقاء والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء ٤- التحاشي عن الكلمات الضعيفة، والحشو الفارغ، والعناصر الثانوية في العبارات، ثم الاكتفاء بأركان الكلام، حتى يترك لها المجال لتبعث آثارها دون عائق. وأكثر ما يبدو ذلك في الخطابة، والجدل، والمناظرة، وفي الشعر والنثر الأدبي كما سبق، ومن هذا الضرب الأمثال والحكم، ومثل: رب عجلة تهب ريثًا، حسبك من شر سماعه، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ .

стр. 195

ثانيًا: قوة التركيب يستطيع المتكلم أن يدل على الكلمات ذات المعاني الهامة بغيرها في المنطق وتكرارها، ولكن الكلام المكتوب لا أثر فيه للصوت، لذلك يجب أن يعرف القارئ، أهمية هذه المعاني بوسيلة أخرى ليست صوتية، وهي وضع كلماتها حيث تكتسب عناية وانتباهًا. ويتم هذا بالوسائل الآتية: ١- تقديم الكلم أو تأخيرها بالنسبة إلى موضعها الطبيعي دلالة على القصر أو التفخيم، أو حسن الذوق واللياقة أو الأهمية مطلقًا، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ ، على الأخلاق خطوا الملك وابنوا، لا إله إلا الله. هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما ٢- من أسباب القوة الطباق البديعي الذي مر ذكره في الوضوح؛ لأن المقابلة نوع من التحدي بين المعاني والمنافسة في الظهور وهذه قوة المعاني، مثل: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ - ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ . لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك ٣- لما كانت القوة تستلزم السرعة في أكثر الأحيان، كان الإيجاز

стр. 196

لازمًا في العبارة عامة، وفي التراكيب خاصة، لذلك تجد تراكيب الخطابة مقتضبة سريعة، كأنها أوامر ونذر صارمة، كذلك الحوار التمثيلي والجدل الأدبي لما تتطلب من سرعة الأداء. وقد يظهر التناقض بين القوة والوضوح، إذا كانت تلك إلى الإيجاز والاكتفاء بالعناصر الهامة في حين أنه محتاج إلى هذه العناصر الثانوية لبسط الأفكار وإنارة جوانبها. ومعنى هذا أن تحاول صفة الحياة على حطام الأخرى. وللخلاص من ذلك يترك الأمر للأديب، فيؤثر أحد الجانبين تبعًا لمقتضى الحال. ومع ذلك فإن مَهَرَة الكتَّاب والخطباء يجمعون في أساليب بين الصفتين: الإطناب في مرتبة العرض لإيضاح الأفكار والتدليل عليها، ثم الإيجاز أخيرًا لتلخيصها وقوة تأثيرها.

стр. 197

الفصل الثالث: جمال الأسلوب مدخل ... الفصل الثالث: جمال الأسلوب الجمال صفة لازمة للأساليب الأدبية، لا غنى لها عنه ما دام الأديب معنيًّا بإمتاع القراء واحترام أذواقهم، ومن السهل معرفة ذلك، فقد تقرأ نصًّا أدبيًّا واضح الأفكار، قوي العاطفة، ولكنك تحس مع هذا أنها نابية عن الذوق، فجة العبارة، لا تمتزج بالنفس. هذا النقص ناشئ في الغالب عن سقم التعبير، ودليل على خمود الشعور والذوق الأدبي، وهو سبب وحده يكفي للعناية بجمال الأسلوب وموسيقى العبارة لعلنا نستطيع إرضاء ذوق القارئ وخياله فوق عواطفه وعقله. وهنا نلاحظ أن ليس من جمال الأسلوب في شيء هذه المحسنات البديعية، والصورة الخيالية التي يصطنعها الكتاب عمدًا، ظانين أنها حلى بديعة، أو مدارين بها فقرًا عقليًّا ونقصًا ذوقيًّا، والحق أنها تدخل الأساليب الأدبية حين تدعوها طبيعة المعاني لتقويتها أو إيضاحها، أو حين يلجأ إليها الخيال ليصور بها عاطفة صادقة وانفعالا قويًّا. والجمال صفة نفسية تصدر عن خيال الأديب وذوقه، فالخيال المصور يدرك ما في المعاني من عمق وما يتصل بها من أسرار جميلة إدراكًا حادًّا رائعًا والذوق يختار أصفى العبارات وأليقها بهذا الخيال الجميل. وإذا ذكرنا الذوق فإنما نعني الذوق المهذب "الذي صقله الأدب، وشحذته الرواية، وجلته الفطنة، وألهم الفصل بين الرديء والجيد، وتصور أمثلة الحسن والقبح"١ وبذلك تتحقق هذه الصفة الفنية للأسلوب. الجمال صفة سلبية وإيجابية، يكون بخلو الأسلوب من التنافر والخشونة التي تؤذي الحس والذوق، ثم يجعله صدى صادقًا لجمال الذوق والخيال.

стр. 198

أولًا: الناحية السلبية ويراد بالناحية السلبية أن تكون العبارة خالية من أساس الاضطراب الصوتي والخشونة القاسية التي لا تنم عن عاطفة أو خيال، وبذلك تجد الكلمات مطردة، متناسقة الحروف والكلمات، تقرؤها جهرة فتحس بالصوت متناسب الأنغام صافيًا، ومما يعين في ذلك ما يلي: ١- قدرة الكاتب -بذوقه المصفى- على إبعاد الكلمات المتنافرة الحروف أو العبارات المتنافرة الكلمات والجمل مهما يكن سبب التنافر١ وذلك نجده في قول البحتري: حلفت لها بالله يوم التفرق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلق والأصل من قلبي المتعلق بها، فلما فصل بين الموصف -قلبي- والصفة "المتعلق" بالضمير "بها" قبح ذلك ونجد تتابع الإفاضات أفسد أسلوب البيت الثاني من قول كشاجم: والزهر والقطر في رباها ... ما بين نظم وبين نثر حدائق كف كل ريح ... حل بها كل قطر وهذه الميمات التي اعتصمت بأوائل الكلمات، في البيت الآتي، جعلته ثقيل النغم:

стр. 199

ملكت مطال مولود مفدى ... مليح مانع مني مرادي وفي النثر ما ورد لرجل يمدح كريمًا: "يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح، وببابك المفتوح تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفه الطليح". ومما ذكر مثالًا للكلمات المتناسقة والعبارات المتناسبة السلسلة ما ورد لامرأة في أخيها عمرو: فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذًا نبها منك داء عضالًا إذًا نبها ليث عريسة ... مغيثًا مفيدًا نفوسًا ومالًا ٢- سرعة الأذن في إدراك الرتابة الصوتية التي تبدو في ترديد نغمة بعينها في النص الأدبي حيث تبعث الملل، وخير منه التنويع الذي يحتفظ فيه بمستوى الموسيقى لتلائم الموضوع. وكثيرًا ما يقع الكتاب والشعراء والخطباء في هذا الخطأ وهو نوع من المماطلة اللفظية وقع فيه الشاعر حيث قال: دان بعيد محب مبغض نهج ... أغر حلو ممر لين شرس ٣- وبعد ذلك لا بد من ملاحظة النغمة العامة للأسلوب، والتيار الصوتي الذي يجب أن يطرد في غير قوة ولا ملل، وذلك متوقف على براءة العبارة من الكلمات الطويلة الكثيرة، وترديد الجمل المتشابهة والعبارات العادية إلى مدى بعيد.

стр. 200

ثانيًا: الناحية الإيجابية على أن ما سبق كان عملًا سلبيًّا يراد به إعداد الأسلوب لقبول العنصر الإيجابي للجمال، وهو ما يمكن تسميته بالتناسب، أو مطابقة اللفظ للمعنى، وقد رأيت فيما مضى أمثلة هذا القانون وبواعثه، حين اختلفت العبارات باختلاف الموضوعات والفنون، ومع ذلك فنذكر هنا شيئًا من مظاهر هذا التناسب: ١- الملاءمة الطبيعية بين الألفاظ والمعاني حتى تكون الأولى حكاية للثانية فتمثل حركاتها، وأصواتها، وروعتها إذا كانت مشاهد طبيعية، وتصور الحماسة قوية صارمة، والنسيب عذبًا رقيقًا، والعتاب سهلًا لطيفًا كما مر. ٢- وذلك يستلزم استيحاء الكاتب شعوره الصادق، وخياله اليقظ ليمدا الذوق بالمقياس السديد الذي يستخدمه في تكوين العبارات الملائمة. ٣- وثمرة ذلك الظفر بهذه الهندسة الجميلة في صوغ وتأليف العبارات المتواصلة التي تكون صورة مطابقة لهذا النموذج المعنوي القائم بنفس الأديب، وهنا يعرض عليك الأسلوب جميع الخواص الفنية لشعور الكاتب وذوقه وخياله وقد مرت أمثلة لذلك.

стр. 201

الفصل الرابع: تداخل الصفات وتعادلها صفات الأسلوب أشبه شيء بأنغم الموسيقى أو أدواتها، فكما أن هذه لا بد من تعاونها، وتآلفها لتكوين نغمة تلائم الدور الملحن موضوعًا وغاية، كذلك لا بد من تآزر هذه الصفات وتناسقها حتى يكون الأسلوب متزنًا كاملًا، يغذي العقل، والشعور، ويرضي نواحي النفس الإنسانية معبرًا عنها أو مؤثرًا فيها؛ لأن الأسلوب الواضح الذي تعزه قوة العاطفة يكون بليدًا فاترًا، وإذا لم يظفر بالخيال الجميل كان جافًّا. وتجد ذلك عند من يعنون بالسهولة أكثر من سواها وقع فيه أبو العتاهية، والبهاء زهير، وإلياس بن الأحنف، والأسلوب القوي الذي فقد التفكير الواضح ثرثرة فارغة، والذي ألغى قيمة الذوق الجميل، والتناسب الدقيق، صعب جامد، وقد رأيت مثال ذلك عند ابن هانئ الأندلسي والحجاج الثقفي، أما الأسلوب الحريش على جمال الصور أو الصوت غير مال هذه البساطة الواضحة فإنه يكون زهيدًا، فإذا لم يعن بالعقيدة القوية والإرادة الصارمة عادوهما ميتا، كما بدا ذلك في عصور الانحطاط الأدبي. وأساس النجاح ألا يسمح الأديب لصفة بالحياة على فناء الأخرى، بل لا بد من توفيرها جميعًا، وحفظ التوازن بينها بدرجة تجعل الأسلوب قائمًا بواجبه خير قيام، وذلك لا يكلف الأديب أكثر من يقظة نفسية، وبراعة أسلوبية، وصدق في الأداء، فنجد روحه سارية في أسلوبه، تحيا فيه ولو أدركه الممات، وإذا كان لا بد من مثال يقرب لنا هذا المثال الذي للأسلوب، فإنك واجده نثرًا عند طه حسين في الأدب الجاهلي خاصة، وعند المتنبي -مثلًا- في هذه الأبيات التي بدأت بها هذه الرسالة، وهأنذا أختمها بها.

стр. 202

من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم وأن ترد الماء الذي شطره دم ... فتُسقى إذا لم يُسق من لم يزاحم ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى رمحه غير راحم فلا هو مرحوم إذا ظفروا به ... ولا في الردى الجاري عليهم بآثم لئلا تظن أن الجمال يتراءى بالرقة فقط أو القوة وحدها، وإنما هو عبارة تحكي ما في النفس صادقة، فالجمال معناه الصدق، ومن هناك تستطيع أن تدعو الأساليب العلمية جميلة متى كانت صادقة التعبير عن عقول الكتاب، وعقائدهم، وما يشعرون به حين يكتبون. أما بعد، فلا أستطيع أن أترك القلم دون أن أحمد الله كفاء ما وفق، وليتني أستطيع. أحمد الشايب

стр. 203

مراجع للمؤلف: أ- كتب مطبوعة: ١- الأسلوب. ٢- أصول النقد الأدبي. ٣- تاريخ الشعر السياسي. ٤- تاريخ النقائض في الشعر العربي. ٥- أبحاث ومقالات. ب- آثار علمية نفدت طبعاتها، منها: ١- ملحمة الراعي: نشرت بمجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ١٩٥١. ٢- دراسة أدب اللغة العربية بمصر في النصف الأول من القرن العشرين، ١٩٥٢. ٣- الأدب العربي بين الوحدة والتنوع، ١٩٥٠. ٤- بحث في العصور السياسية والأدبية للدولة العباسية ١٩٥٠. ٥- العامل السياسي في أدب العصر العباسي الأول ١٩٥٠. ٦- تاريخ أدب اللغة العربية "مقرر السنة الخامسة الثانوية" ١٩٣٠. ٧- تراجم موجزة طبعت بمطبعة الإسكندرية. محمد عبده ١٩٢٩، البهاء زهير ١٩٢٩، ابن حمديس الصقلي ١٩٢٨، الشريف الرضي ١٩٢٨، زهير بن أبي سلمى ١٩٢٦، جرير ١٩٢٧، علي بن أبي طالب ١٩٢٦، الأخطل ١٩٢٦، شوقي ١٩٥٠.

стр. 204

٨- حافظ وشوقي "نقد نشر بصحيفة الجامعة المصرية" ص٤٩٥-٥٠٤. ٩- الأدب ما هو؟ "صحيفة دار العلوم السنة ٢ عدد ٣". ١٠- بين اللفظ والمعنى "صحيفة دار العلوم سنة ٢ عدد ٣". ١١- العبارة في الأدب "صحيفة دار العلوم سنة ٥ عدد ٣". ١٢- الجارم الشاعر "تحت الطبع".