← Баляга

Баляга · id 7357

الأسلوب

أحمد الشايب

Полный текст (204 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وسدت مسامعه الشهوات١، واختار الفانية على الباقية؟ ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ... إني رأيت آخر هذا الأمر٢ لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وأني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى٣، والمقيم بالظاعن٤، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد٥ أو تستقيم قناتكم٦ ... أيها الناس إنَّا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء٧ الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء، ولا رزقًا عن إبانة، ولا مجمرًا٨ لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطوله له حزنكم.

стр. 142

ولا تدركوا له حاجتكم؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم، أسأل الله أن يعين كلا على كل". هذه الخطب الثلاثة تدور حول الحكومة الإسلامية وإقرارها بعد الثورة التي انتهت بمقتل عثمان بن عفان، والنزاع بين علي ومعاوية، ونشأة الأحزاب السياسية وعناية معاوية وأعوانة بإقرار الحكومة في البيت الأموي. ١- فأما علي فساخط على العراقيين، يائس من صلاحهم، يرميهم بالجبن والهوان لا تجمعهم كلمة، ولا يغضبون لكرامة، ومع ذلك تراه يبين لهم هذه الصلة التي تربطه بهم. وهذه الخطبة صورة لكثير من آثاره الخطابية التي ألقاها إبان النزاع على الخلافة وهي تدل على شخصية علي، فقد كان شجاعا، قوي البأس، ذكي الفؤاد، واسع العلم، شديد الإيمان، متحرجا في الدين، حدبًا على المسلمين، حزينًا على حقه المسلوب صريحًا في القول، غلبت نزعته الدينية على كياسته السياسية حتى غلب على أمره بعكس معاوية، وكان مثله الأعلى قائمًا على الشجاعة والتحرج في الدين مع دالة على المسلمين لمكانته من الرسول وماضيه في خدمة الإسلام، لم يظفر من العراقيين بشعب يعتمد عليه ويخلص له، فعاش مجاهدًا حزينًا ومات دون تحقيق مآربه. ٢- وأما معاوية، فقد كلم أهل المدينة بلغة المنتصر الشامت، الذي يرميهم بعدم الكفاية لحسن سيرة الحكام فيهم لأنهم تغيروا وفسدت نفوسهم فلا بد من سياسة جديدة تلائم نفسيتهم الجديدة، وهي تقوم على الحيلولة بينهم وبين السياسة العليا ورضاهم بالواقع، وحلمه على سفه الكلام، واعتداده بالسلوك العملي. فهو شخصية سياسية حليمة، عملية مرنة، تصطنع الأناة، وتبرر الوسائل

стр. 143

في سبيل الغايات لم يتسبث بتحرج علي وسرعة غضبه، اعتمد على قوة عقله أكثر من قلبه، تلمسه حريرًا ولكنك تلبسه شوكًا وقتادًا. هذه هي الشخصية السياسية المرنة التي غلبت شخصية علي المتحرجة فكانت النتيجة انتصار البراعة الأموية على الشجاعة الهاشمية. ٣- ولكن زيادًا رفع في وجوه البصريين -والعراقيين جميعًا- سيفًا صارمًا، ولقيهم بأيد خشنة، وأقام عليهم الحجة بما عملوا من آثام ثم رسم الخطة التي يحكم بها مقلدًا عمر بن الخطاب ومتجاوزه في الشدة إذ أخذ بالشبهة وفرض النظام فرضًا فلا مفر للناس من اعتناقه، وإن تهاونوا فالسيف أو الباطل يخوضه ليصل إلى الحق. زياد -كهتلر وموسوليني ومصطفى كمال- حازم الرأي، صارم العزيمة ذكي عملي، إذا اقتنع بالرأي فرضه، حاد الذكاء واللسان، منظم التفكير حسن التدبير، هو وسط بين عمر بن الخطاب والحجاج في سياسته، مخلص لمصالح الدولة، غضب من الناس وألزمهم ما شاء ولكن عليا سخط عليهم وتحاشاهم فكان زياد أصلح حاكم للعراقيين. ويمكن تلخيص ذلك في أن عليًّا شجاع ساخط، ومعاوية سياسي بارع، وزيادًا حاكم حازم.

стр. 144

ثالثًا: الكتابة للجاحظ١ رسالة التربيع والتدوير التي كتبها إلى أحمد بن عبد الوهاب: ١- كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول. كان مربعًا وتحسبه لسعة جفرته٢ واستفاظة خاصرته مدورًا، وكان جعد٣ الأطراف، قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة، وأنه عتيق٤ الوجه أخمص٥ البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي أنه طويل الباد٦، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد، وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها. وتكلفه للإبانة عنها على قدر رغبته فيها. وكان كثير الاعتراض. لهجا٧ بالمراء. شديد الخلاف. كلفا بالمجاذبة متتابعا في العنود. مؤثرًا للمغالبة، مع إضلال الحجة. والجهل بموضع الشبهة. والخطرفة عند قصر الزاد والعجز عند التوقف. والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء ومغبة فساد القلوب، ونكد الخلاف، وما في الخوض من اللغو الداعي إلى السهو. وما في المعاندة من الإثم الداعي إلى النار. وما في المجاذبة من النكد. وما في المغالبة من فقدان الصواب. وكان قليل السماع غمرا٨ وصحفيا غفلا٩ لا ينطق عن فكر. ويثق بأول خاطر. ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق. يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها. ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب

стр. 145

أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك، قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين، وجودة القد، وعلى طيب الأحدوثة، والصنعة المشكورة، وأن هذه الأمور هي مِنْ خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج، وإنما يحسد أبقاك الله، المرء شقيقه في النسب، وشقيقه في الصناعة، ونظيره في الجوار على طارف١ قدره أو تالد حظه أو على كرم في أصل تركيبه ومجاري أعراقه، وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك، مقصورة عليك، وأنها لا تليق إلا بك ولا تسحن إلا فيك، وأن لك الكل، وللناس البعض، وأن لك الصافي، ولهم المشوب. هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه، فما هذا الغيظ الذي أنضجك؛ وما هذا الحسد الذي أكمدك؛ وما هذا الإطراق الذي قد اعتراك؛ وما هذا الهم الذي قد أضناك؟ ". ب- وكتب بديع الزمان٢ الهمداني إلى أبي الطيب في شأن شخص متغير عليه: "أنا -أطال الله بقاء الشيخ الإمام- بصير بأبناء الذنوب وأولاد الدروب٣ أعرفهم بشامةٍ؛ وأثبتهم بعلامةٍ؛ والعلامة بيني وبينهم أن يفسدوا الصنيع على صانعه؛ ويحرفوا الكلم عن مواضعه؛ ويرموا في الحكاية بهم الشكاية، ويجيلوا في الشكاية قدح النكاية٤؛ ثم لا يرون النكاية إلا السعاية

стр. 146

وإن أعوزهم الصدق مالوا إلى الكذاب، وإن حلم لهم الجد عرضوا باللعب، ومن علاماتهم قبح مقاماتهم، وإيراد ظلاماتهم موارد النصيحة لكبرائهم، ومن آياتهم كثرة جناياتهم على الفضلاء، وشدة حنقهم على من لم يخطرهم بباله، ولا يحطبهم في حباله١، فإذا انضاف إلى ضيق أكنافهم سعة آنافهم٢ وإلى قبح مقاماتهم صغر قاماتهم، وإلى خبث محضرهم خبث منظرهم، وإلى صعر خدودهم، غلظ جلودهم٣، وإلى لين فقاحهم، غلظ ألواحهم، فذلك من أعلى القوم طبقة في السفال، وأبعدهم غاية في النكال، والذي فاوضني القاضي في معناه جلي في باب ما حكاه، لا يجمع هذه الخصال وقيادة، وينظم هذه الأوصاف وزيادة. فلم يبعد الشيخ عن مثله أن يكذب؟ ألطهارة أصله، أم نجابة نسله، أم خشانة أهله، أم رجاحة عقله، أم ملاحة شكله، أم غزارة فضله؟ ولم يجوز علي ما حكاه؟ ألم يؤوني طريدًا، ويلمني حصيدً٤، ويؤنسني وحيدًا، ويصطنعني٥ مبديًا ومعيدًا، وكان بقدري أنه إذا رآني أفعل شنيعًا، أو سمع أني ألفظ بمنكر لم يأل٦ في تحسين أمري فعل الوالد بولده جهته، ونظر المولى لصنيعه أقرب. والآن إذا عاد الأمر إلى العتاب فهلم إلى الحساب؛ إن كنت أخللت بطرف

стр. 147

من طاعتي من جهة فقد نقصن ما عودني من وجوه. وذلك أنه كان لا يتجاسر أحد على أن يفريني١ عنده، فقد صار يقريني عنده ويبرئ جلده، وكان يقوم قناتي٢ فقد صار يحبط حسناتي، وكان يثمر مالي فقد صار يبطل آمالي، وكان يحشد٣ لأمري احتشاده لأمره؛ فقد نبذت وراء ظهره، وقد كان يحتمل فقد صار يتحامل، وكان لا يضايقني في الألوف من الدراهم والدنانير، فقد ضايقني في الشعير في حمل بعير. والعبودية ذل اليهودية وذل المردوية٤ والإدلال مع الإذلال٥. والطاعة مع الإفضال٦. فليستأنف الشيخ حالي المولى ليستأنف حال العبد٧ والله من وراء التسديد٨ ونعم الوكيل". جـ- ومن فصل كتبه ابن خلدون٩ -في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب- وكان في ذلك متاثرًا بعصبية بربرية أو تكريبة سلت الملك من العرب. وبجالية من عرب المغرب الجاهلين:

стр. 148

"والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقا وجبلة وكان عندهم ملذودًا، لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافيه للعمران، ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب، وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومنافٍ له، فالحجر مثلا إنما حاجتهم إليه لنصبه أثاقي١ للقدر فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك، والخشب أيضًا إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربوا السقف عليه لذلك، فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران. هذا في حالهم على العموم، وأيضًا، فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس وأن رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه، فإذا ما تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران. وأيضًا، فلأنهم يتلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم. لا يرون لها قيمة ولا قسطًا من الأجر والثمن. والأعمال -كما سنذكره- هي المكاسب وحقيقتها وإذا فسدت الأعمال وصارت مجانًا ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل وابذعر السكان٢. وفسد العمران وأيضًا فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض. إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبًا أو مغرمًا فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أموالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد وزجر المعترض لها بل يكون

стр. 149

ذلك زائدًا فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض فتبقى الرعايا في مملكتهم كأنها فوضى، وحكم الفوضى مهلكة للبشر، مفسدة للعمران. وأيضًا، فهم متنافسون في الرياسة، وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره من أجل الحياة فيتعدد الحكام منهم والأمراء وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام فيفسد العمران وينتقض". هذه فصول يجمعها موضوع واحد هو الإنكار والهجاء ومع ذلك فهي دالة على كتاب ثلاثة متمايزين. ١- الجاحظ فقد سلك في رسالته طريق التصوير المضحك، والسخرية المرة، معتمدًا على المقابلات وعرض المتناقضات، يقلب صاحبه بين يديه، ويعبث به، قبل أن يقتله، فإذا به شكل غريب، وخلق عجيب، وغرور وحسد، وجهل ولجاجة، مع حسن القامة وعظم الهامة، وحور العين وطيب الأحدوثة. ثم يلح فيما يتناول، ويبالغ في سرد النكتة، ويدس السم في الدسم حتى تركه صورة أو قصة تضحك القارئين وتعجب المتأدبين على مر العصور. فالجاحظ داهية، ماكر عابث، ساحر. يغيظ عدوه وهو يضحك ملء شدقيه، ويقتله وهو آمن مستريح. دقيق الملاحظة، واسع النظرة بارع في الأسلوب طيعه، خبير بدخائل النفوس. لا يبالي ما ضحى به في سبيل فنه ومآربه. متنوع الثقافة. فيلسوف الحياة يهزأ بها وبالناس ومذاهبهم وعصبياتهم يتأنى فيما يتناول حتى لا يترك لغيره مجالًا لا يتحرج ولا يتشدد، خبر الحياة من جميع نواحيها. فكان صورتها المخلوقة ولغتها الناطقة.

стр. 150

٢- وأما البديع فقد هاجم خصمه هجومًا مباشرًا، ونال منه بالسب البذيء إذ رماه بالكذب والجمود، والسفاية، وسوء الخلق، وضعة الأصل وضعف العقل، مع سخرية قليلة بأسلوب إنكاري عنيف. وأخذ يوازن بين حاليه: الأولى أيام كان راضيًا، والثانية بعد أن صار ساخطًا، كل ذلك وهو غاضب عابس الوجه حاقد القلب ثائر العاطفة ليس فيه هدوء الجاحظ ومرونته وسعه صدره وبراعة حيلته، وسلامه أسلوبه. فالبديع، إذا، ذكي، صريح، قوي الطبع، عنيف، هجاء، حريص على المال، ضيق الصدر، شديد الحس، ينصرف ذكاؤه إلى التصوير الفني، وذكاء الجاحظ منصرف إلى الإحاطة النفسية والجسمية. كلاهما يردد.. ولكن ترديد الجاحظ استكمال وتجديد، وترديد البديع تكرار وتصوير. وليس البديع في دهاء الجاحظ ومكره وسخريته، وإن كانت براعته الفنية ممتازة بجزالة العبارة، وقوة التصوير. ٣- وأما ابن خلدون فقد ذهب في مهاجمة العرب مذهب العلماء، والمناطقة؛ إذ اعتمد على التقرير، وإقامة الدعوى، وتأييدها بالبراهين، مستعينًا في ذلك بما شهد من أحداث، وعرف من نظريات، في أسلوب عادي بسيط وموجدة متوارية مكبوتة، لا تكاد تظهر، لا يعمد إلى التكرير والتهويل؛ فهو إذًا، رجل عالم وقور، يلقى الحياة بعقله الفاهم، هادئ، له عقله الرياضي المنتظم، بأسلوب رتيب، لا يتنوع، كأنه قياس منطقي مقرر لا يسب خصمه، وإن نال منه بما هو شر من السباب، لم يتوافر له دهاء الجاحظ وبراعته. ولا عنف البديع وجزالته، يستملي الحياة ويكتب، وكلاهما يتصور الحياة ويسطر وهو عالم، وهما أديبان.

стр. 151

رابعًا: التأليف وربما لم تكن هناك حاجة إلى الكلام في هذه النقطة بعد ما سبق من أن الأسلوب العلمي -ومنه التأليف- لا يعد معرضًا قويًّا لظهور الشخصية كما هو الشأن في الأسلوب الأدبي؛ إذ العلم يرتكز على العقل أكثر من سواه، ومظهر العاطفة فيه ثانوي أو شكلي لا غير، والعقل مهما يتفاوت الناس في قوته وانتظام تفكيره، لا تبلغ أشكاله، وألوانه، مبلغ العاطفة، التي تعرض علينا الأمزجة، والأخلاق، والأخيلة، والأذواق، والمذاهب الاجتماعية والأدبية وغيرها. على أن الأساليب العلمية الخالصة لا تكون الفروق اللفظية فيها كثيرة. ولا قوية. وربما كان خضوعها لمناهج البحث وموضوعاته أشد وأوضح. ومع ذلك فليس ما يمنع -اعتمادًا على اختلاف مناهج البحث العلمي، وعلى مقدار تفرد العقل في التأليف، وأثر ذلك في العبارة- أن نشير هنا إلى مظاهر اختلاف الشخصيات في الكتب العلمية أيضًا. ولكن في إيجاز. طه حسين في "الأدب الجاهلي" وأحمد أمين في "فجر الإسلام وضحاه"، ومصطفى عبد الرازق في "البهاء زهير". ثلاثة مؤلفون. وزملاء علميون. تجمعهم رابطة الثقافة العالية. والقيام على دعم وتنظيم طرائق البحث العلمي في هذه البلاد. ولكنهم مع ذلك كله يتغايرون فيما سلكوه من مناهج. وفيما تحروا من غاية. وفيما سطروا من أساليب.

стр. 152

طه حسين يضع مراجعه خلفه، ومصطفى عبد الرازق يضعها أمامه، وأحمد أمين يضعها بجانبه. طه حسين يدعو إلى المناهج الحديثة، ويتحدى المحافظين مستفزًا ثائرًا، وأحمد أمين يطبق هذه المناهج، ويقنع المحافظين هادئًا معتدلًا، ومصطفى عبد الرزاق يختار من هذه المناهج، محتاطًا محبوبًا رزينًا. طه حسين يعرض نفسه فقط، ويكتب بأسلوبه القوي، وأحمد أمين يعرض نفسه وغيره، ويكتب بأسلوبه الواضح، ومصطفى عبد الرزاق يعرض العلم والعلماء بأسلوبه الجميل. وإذ أردت أن تعرف ذلك فارجع إلى هذه الكتب التي ذكرت تجد طه حسين داعيًا، جريئًا، متحديًّا، يعرض نظرياته وآراءه في سرعة كأنه يريد من الزمن الإسراع، ويفرض على بنيه الفروض، يشير إلى المراجع جملة، كأنها معروفة ومقروءة، ثم يبني ما شاء من النتائج في ثقة وبراعة لم تسلم من السخرية والفكاهة، وأسلوبه هنا يغلب عليه التقرير العلمي، وإن لم يسلم من الصفات الأدبية المعروفة. وأحمد أمين هادئ، موضوعي، مخلص للحقائق، يساير الزمن، ويعرض مصادره، وشواهده، مستشيرًا ناقدًا، ثم يستعين بها أمامك وينتهي إلى نتائجه في قصد بأسلوبه العلمي الخالص. ومصطفى عبد الرزاق يجمع الوثائق في أمانه ونظام، ويعرضها عليك منسقة في سلك منطقي، وذوق أدبي، تتحدث بنفسها عن حقيقتها، وينتهي إلى نتائجها، دون أن يلح في الظهور، فكأن الحياء الجميل، والتواضع الجم،

стр. 153

والحيطة الشديدة قد غلبت عليه فقدم الماضين أمامه كما كانوا، وذلك في أسلوب صاف، دقيق جميل. وارجع إلى القدماء لترى "عبد القاهر الجرجاني" في كتابيه "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة" العالم الأديب، الواثق بنفسه. والمعتز بمذاهبه البلاغية، و"ابن الأثير" في "المثل السائر" الأديب المغرور، الفخور بفنه دائمًا، والمبرد الجيل ذا الذوق الأدبي الجزل.. وهكذا تجد الشخصيات مظاهرها فيما يترك الأدباء من آثار.

стр. 154

الفصل الرابع: أثر الشخصية في اختلاف الأساليب الناحية الأولى ... الفصل الرابع: أثر الشخصية في اختلاف الأساليب وأما في هذا الفصل فالمراد بيان آثار هذه الشخصية في الأسلوب. ومعنى ذلك أننا نفرض معرفتنا شخصيات جماعة من الأدباء كتابا وشعراء وخطباء، ثم نلتمس مظاهر هذه الميزات الفردية فيما ينشئون من نصوص أدبية، ونقصر الكلام في هذا على نواح ثلاثة: الأولى: من حيث الألفاظ حين يختلف الأدباء في الألفاظ والجمل، والفقر والعبارات. الثانية: من حيث المعاني، كالمطابقة بين اللفظ والمعنى، أو ترجيح جانب اللفظ على جانب المعنى، وعكس ذلك. الثالثة: من حيث الصنعة حيث يعمد الأدباء إلى الأسلوب الطبعي أو المصنوع صنعة بديعية، قوامها السجع، والجناس، والمطابقة، ونحو ذلك. وسنحرص هنا على الإيجاز مكتفين بالإشارة إلى بعض الأمثلة ومحيلين على ما سبق ذكره في الفصول السابقة. الناحية الأولى: وتتناول الاختلاف في الألفاظ، والجمل، والفِقَر، والعبارات. والمراد بالألفاظ الكلمات المفردة التي تتألف منها الجمل، وهي أسماء، وأفعال،

стр. 155

مع ذلك ذات خواص متباينة، كأن تكون دقيقة محدودة أو مبهمة مشتركة، اصطلاحية علمية. أو فينة عامة، رقيقة أو خشنة، عامية، أو فصحى، موسيقية رشيقة، أو عادية جافة، لونية أو صوتية إلى نحو ذلك. وتتألف الجملة من الألفاظ لتؤدي فكرة واحدة تامة، وتكون الجملة اسمية أو فعلية، خبرية أو إنشائية، طويلة أو قصيرة، جزلة أو رقيقة، تامة العناصر أو مختصرة، مثبتة أو منفية، أصلية أو فرعية؛ وغير ذلك. والفقرة عدة جمل تكون فصلا من المقالة، وهي تقوم على الصلات بين الجمل، وتنوعها، وربطها معًا، ففيها الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والمساواة، وفيها الرابطة اللفظية والمعنوية التي تصلها بما قبلها وما بعدها. وتكون بسيطة سهلة أو معقدة مضطربة؛ وهي تختلف بحسب موقعها من الموضوع مقدمة أو نتيجة أو غرضًا. وأما العبارة فهي العنصر اللفظي من الأسلوب، أو هي هذا الأسلوب اللفظي الذي يقابل الأسلوب العقلي والصوري، والعبارات تقوم على هذه العناصر المذكورة قبلًا ثم تتأثر بمنهج البحث وبالموضوع وبمزاج الكاتب، وذوقه وطبيعته كلها، والأدباء يختلفون في ذلك كله تبعًا لطبائعهم وأذواقهم وثقافتهم وبيئاتهم فترى الموضوع الواحد من الفن الأدبي، يتوارد عليه أصحابه فإذا كل طراز بعينه في اختيار الكلمات، وصوغ التراكيب والعبارات التي تمثل نفسه وخلقه ودرجة انفعاله. يقول ابن الأثير١: "أعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دمائة ولين أخلاق. ولطافة

стр. 156

مزاج، ولهذا نرى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم واستلأموا سلاحهم وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي". وهذا القانون طبعي في الخطابة والكتابة إذ كانت شخصية الأديب تتخذ من هذه العناصر اللفظية وسيلة للتعبير عن طبيعتها وعرض مزاياها. ١- فإذا رجعت١ إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة "أبي تمام، والبحتري، والمتنبي" وهم يعتبون. تبين لك: رقة البحتري، وجزالة أبي تمام، وقوة المتنبي في الألفاظ المفردة، ثم سهولة البحتري وتدقيق أبي تمام وصرامة المتنبي في الجمل، والبحتري بعد ذلك سلس العبارة عذب الموسيقى له، ديباجة الحرير واطراد الماء الجاري. وأبو تمام محكم العبارة. مركب الموسيقى بطيء متئد يتقن الصنعة، ويؤلف التراكيب بحكم العقل، وأما المتنبي فعبارته كخطته في الحياة، سريعة موجزة عجلى، لا تبالي بما قد تتعثر فيه من أخطاء وتعقيد، فاضطراب العبارات عند أبي تمام نتيجة صنعته المقصودة، وهو عند المتنبي ثمرة سرعته الشديدة وهجومه العنيف أو -كما يرى بعض النقاد- مفارقات محبوبة، ومع ذلك فاقرأ هذه الأمثلة للبحتري: ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرًا من صبابةٍ أو مطيلا قف مشوقًا أو مسعدًا اوحزينًا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا إن بين الكثيب فالجزع فالا ... رام ربعًا لآل هند محيلا لم يكن يومنا طويلا بنعما ... ن ولكن كان البكاء طويلا تجد العبارات متدفقة متواصلة، تمر كالنسيم العليل أو الألحان العذبة،

стр. 157

لا توقف فيها، ولا تكلف؛ لأن البحتري يستلهم طبعه السمح ونفسه الراضية وعاطفته الرقيقة الصادقة، وذوقه الفني الجميل١. ولأبي تمام: لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا قالوا: الرحيل، فما شككت بأنها ... نفسي من الدنيا تريد رحيلا الصبر أجمل غير أن تلددًا ... في الحب أحرى أن يكون جميلا أتظنني أجد السبيل إلى العزا؟ ... وجد الحمام إذًا إلي سبيلا رد الجموح الصعب أسهل مطلبا ... من رد دمع قد أصاب مسيلا ذكرتكم الأنواء ذكرى بعضكم ... فبكت عليكم بكرة وأصيلا إني تأملت النوى فوجدتها ... سيفًا على أهل الهوى مسلولا ترى آثار عقله وصنعته وحذره وأناته وذكائه٢، في التنسيق المنطقي وإحكام التركيب شرطًا، وجزاء، واستثناء، وترتيبًا، واستنباطًا، فعبارته كالموسيقى المقسمة المتئدة، أو الماء الجاري بين الصخور، يتمهل ليظفر بالمنافذ والمسارب. وللمتنبي: وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب وللخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب٣ وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب

стр. 158

وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب١ وتركنا لأطراف القنا كل شهوة ... فليس لنا إلا بهن لعاب٢ فهذه الشخصية العجلة العنيفة، الطامحة المتعالية٣ قد جعلت الكلمات قوية متحركة، والتراكيب موجزة منوعة والعبارة منساقة بسرعة كالريح العصاف أو الموسيقى الصاخبة، أو السيل يجرف ما يصادفه لا يبالي كيف تكون النتيجة. فالشعر عند البحتري فن التصوير والتعبير، وعند أبي تمام فن التفكير والتصوير والتعبير، وعند المتنبي فن الحكمة والمراسيم التي تلقى قضايا حاسمة لا مرد لها. وتجد نحو ذلك بين جرير والفرزدق، وبين حافظ وشوقي، والعقاد والمازني ومطران والجارم؛ لكل ميزاته الشخصية فيما يقول. ٢- وهؤلاء الكتاب الذين أشرنا إلى صفاتهم الشخصية في الفصل الماضي -الجاحظ، والبديع، وابن خلدون- وأوردنا شواهد من آثارهم يفترقون في التعبير كذلك. فالجاحظ يتحرى دقة الألفاظ ليحسن الوصف، ويردد الجمل أو بعض عناصرها ليكمل معانيه ويؤكدها، ويلجأ إلى الازدواج والتقسيم الموسيقي دون التزام السجع، ويستخدم الاعتراض داعيًا أو محترسًا ويطنب ملحا وراء الأفكار والصور، ويكثر من المقابلة والتقسيم.

стр. 159

ولكن البديع يتخير جزل الألفاظ والتراكيب، ويكثر من الصور البيانية التي هي تكرار صوري للفكرة الواحدة، يكثر من البديع طباقًا وجناسًا، يقتبس لغة الشعر ليوشي بها نثره، سجعه قصير، وعباراته جزلة إيجازية إذا قيست بعبارة الجاحظ السمحة المبسوطة، فالرجلان يمثلان مدرستين مختلفين في التفكير والتصوير والتعبير. وابن خلدون دقيق الكلمات بسيط العبارات تشيع فيها المصطلحات العلمية والفنية، رتيب الأسلوب لا ينوعه، لا يسلم من الركاكة والجفاء، لا يتراءى فيه الجمال والبراعة، معني بالمعنى أكثر من اللفظ، نزعته تقريرية، فهو من طراز آخر، وإذا كان لا بد من اختصار ذلك كله فالجاحظ في أسلوبه جميل، والبديع قوي، وابن خلدون واضح. وإذا ذهبت تتبين شواهد ذلك بين المعاصرين من الكتاب وجدت أشكالًا شتى من العبارات التي تمثل الشخصيات، فالمازني سهل جميل، والعقاد جزل عفيف، وهيكل واضح هادئ، والبشري دقيق اجتماعي، وهكذا لكل سمة عليه غالبة. ٣- أما الخطباء فليسوا أقل من زملائهم في هذه الناحية، فهذا معاوية بن أبي سفيان الداهية، الحليم، والسياسي البارع١ تقرأ خطبته فتلقى ألفاظًا سهلة وجملًا كأنها رسالة مكتوبة، وعبارات منطقية مطردة كأنها عتاب، أو خطة للحكم يعرضها رئيس الحكومة على النواب، لا إغراب، ولا عنف جعلها المنطق الإقناعي، والتحبب العاطفي الحذر أشبه بعقد مصالحة أو قصيدة عتاب،

стр. 160

وزياد بن أبي سفيان الحكام الحازم، والقوي الصارم١ يعتمد على نوعين من التأثير: المعنوي واللفظي؛ فالكلمات جزلة قوية، والسجع والمبالغة وقوة التصوير شائعة في خطبته البتراء "أما بعد؛ فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار.... أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات؟ "، جملة قصيرة عنيفة متنوعة "لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، فإياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه ... فمن أغرق قومًا أغرقناه، ومن أحرق قومًا أحرقناه، ومن نقب بيتًا تقينا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفناه فيه حيًّا" وعبارته، على العموم حسنة التقسيم، والتنويع، قوية التأثير، سريعة الحركة، وهي -كشعر المتنبي- أوامر صارمة أو مراسيم ملكية. وأما الحجاج بن يوسف الثقفي فقد أربى على زياد، وتجاوز العنف إلى التهديد والوعيد وإلى الرغبة في الدماء؛ وتمنى المصارع والمهالك، كان الحجاج جاهليًّا، جبارًا، لا يراعي حرمة دينية ولا يؤمن إلا بالقوة والتخويف، يقوم الحكم عنده على السيف، ويفترق عن زياد بطغيانه الشديد على الرعية، مع ضعفه أمام الخليفة عبد الملك، ولكن زيادًا مع عنفه في الحكم استطاع أن يعرف لنفسه كرامتها مع معاوية، وعلى أية حال فإن خطبة الحجاج حين ولي العراق٢ تعد معرضًا لصفاته المذكورة. فالألفاظ ضخمة كالصخور. والجمل مقتضبة صاخبة. والتصوير يمثل الهلاك والبلاء. والعبارة أقوى من إعلان الحرب. والتأثير يعتمد فوق ذلك على اقتباس الأشعار وآيات الإنذار الإرهابية:

стр. 161

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني يا أهل الكوفة إني لأرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى. ثم قال بعد أبيات: قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد لابد مما ليس منه بد ثم يقول: "والله لأحرمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون". كان سعد زغلول خطيبًا كامل الأداة، قوي التأثير، وبارع الأسلوب يجمع بين قوة الإقناع، وبلاغ الأداء، ومصطفى النحاس تغلب عليه في خطابته النزعة التقريرية الوصفية مع صحة المنطق ووضوح العبارة، ومكرم عبيد، يعتمد في التأثير على التصوير البياني، والخيال الشعري، فإن حاول الإقناع عاد مقررًا، أو كاتبًا أديبًا.

стр. 162

الناحية الثانية: وهناك مظهر ثان لآثار الشخصية في الأسلوب، وهو مقدار الصلة بين اللفظ والمعنى، فمن الأدباء من يطابق بين اللفظ والمعنى، ومنهم من يعنى بأحدهما أكثر من الآخر. ١- والأصل الذي يتصل به هذا المظهر هو أن الغرض من التعبير والبيان إظهار ما في النفس من الحقائق والعواطف والأخيلة، وإيصالها إلى القراء والسامعين، ووسيلة ذلك هي الأسلوب -أو العبارات اللفظية- إذ كانت غايته الإفهام أو التأثير أو هما معًا. ومعنى هذا أن الواجب على الأسلوب تحقيق هذه الغاية تحقيقًا كاملًا، فلا بد أن يكون صادق الأداء، مساويًا للمعنى المراد، لا يزيد ولا ينقص. وقبل ذلك يكون الأديب المنشئ فاهمًا ما يريد أداءه، صادق الشعور به١. وعنده الوسائل اللغوية والتصويرية اللازمة، فإذا ما توافر له ذلك استطاع البليغ أن يحقق المطابقة بين اللفظ والمعنى، وأن يجعل كلا منهما كفئًا للآخر. وأما القاعدة النفسية أو العلمية لهذه الظاهرة فهي أن ما يتوافر في نفس الأديب من فكرة واضحة أو انفعال صادق يجذب إليه من الألفاظ، والعبارات، والصور ما يلائمه بطريقة تكاد تكون آلية لا تكلف فيها ولا صنعة، وهذا هو المثال الطبيعي للأسلوب، بل هناك هذا الرأي القائل بأنه لا توجد فكرة في الذهن دون لفظ يحددها. ولا توجد عاطفة بغير صورة تمثلها. وفي هذا المعنى يقول ابن رشيق٢: "اللفظ جسم وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم يضعف بضعفه، ويقوى بقوته. فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصًا للشعر. وهجنة عليه كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور. وما أشبه ذلك غير أن تذهب الروح. وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظا كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح. ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ وجريه فيه على غير الواجب قياسًا على ما قدمت

стр. 163

من أدواء الجسوم والأرواح. فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتًا لا فائدة فيه. وإن كان حسن الطلاوة في السمع. كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين إلا أنه لا ينتفع به ولا يفيد فائدة. وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى لأنا لا نجد روحًا في جسم ألبته". وهذا الذي ذكره ابن رشيق كما يجري في الشعر ينطبق على النثر تمامًا: "وبعضهم وأظنه ابن وكيع مثل المعنى بالصورة واللفظ بالكسوة. فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس. فقد بخست حقها وتضاءلت في عين مبصرها"١. ويقول ابن الأثير٢: "اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها. وأكرم عليها. وأشرف قدرًا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بالألفاظ لأنها لما كانت عنوان معانيها. وطريقًا إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، وبالغوا في تحسينها ليكون ذلك أوقع لها في النفس وأذهب بها في الدلالة على القصد. فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها. ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط. بل هي خدمة منهم للمعاني. ونظير ذلك إبراز الصور الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة. فإنا قد نجد من المعاني الفاهرة ما يشوه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه". والمطابقة بين اللفظ والمعنى تتحقق بالتعبير الطبيعي الذي يترك فيه الأديب نفسه على سجيتها السمحة دون أن يعمد إلى صنعة شاذة أو تكليف ممقوت. فيكون من ذلك المساواة وصدق الأداء وتنوع العبارة حسب الموضوع والشخصية كما سبق ذلك فلا حاجة إلى إعادته أو تمثيله.

стр. 164

ونشير هنا إلى أن مظاهر هذه المطابقة، كما تتراءى في الألفاظ والعبارات، تظهر أيضًا في الوزن الشعري أو البحر العروضي الذي يختاره الشاعر، وفي القافية التي يؤثرها على غيرها١، وفي الصورة الخيالية التي يؤثر بها عواطفه، ليكون الأسلوب من روح المعنى وعلى مثاله من غير حاجة إلى ركوب الضرورات الشعرية٢. ومع ذلك فإن حاولت الظفر بأمثلة لذلك رأيتها عند أمثال عبد الحميد الكاتب، وزياد بن أبيه، والبحتري ممن يعدون طبيعين في التعبير، ولم يتشبثوا بصنعه، ولم يحبسوا نفوسهم عند تعمق في المعاني، ولا تكلف في الألفاظ. فهذا البحتري يذكر قتال الأقارب معًا، وما يلابسه من عواطفه متباينة؛ إذ يصطدم الحب والبغض، والشفقة والقسوة، وتمتزج الدماء بالدموع، بأسلوب لا يصلح غيره لتصوير هذه الحالة التي كانت بين تغلب مع دقة الصنعة: أسيت لأخوالي ربيعة إذ عفت ... مصايفها منها، وأقوت ربوعها٣ بكرهي أن باتت خلاء ديارها ... ووحشًا مغانيها، وشتى جميعها٤ وأمست تساقي الموت من بعدما غدت ... شروبًا تساقي الراح رفهًا شروعها٥ إذ افترقوا عن وقعة جمعتهم ... لأخرى دماء ما يطل نجيعها٦

стр. 165

تذم الفتاة الرود شيعة بعلها ... إذا بات دون الأثر وهو ضجيعها١ حمية شغب جاهلي وعزة ... كليبة أعيا الرجال خضوعها٢ تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها٣ إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها٤ فمن أية ناحية نظرت إلى هذا النص وجدته مطابقًا لمعناه أحسن مطابقة: جزالة تلائم مواقف الحروب، وتقسيم، ومقابلات، لتصوير الصلات المتناقضة وصور تملك ما ملك النفوس من تعاطف مكبوت وغل ثقيل بغيض وعبارة موسيقية تردد بعناصرها اللفظية ما يتردد في النفوس من تيارات عاطفة متنافرة. لذلك تجد أسلوب الشاعر هنا بطيئًا بعض الشيء يشبه اعتذار أبي تمام السابق وذلك لاضطراري البحتري إلى شيء من الصنعة والجزالة يحقق به حسن التصوير ودقة التعبير. فذلك هو الأسلوب المثالي المطبوع، وهذا النص من أروع الشعر العربي جميعه. ٢- ومع ذلك، ظهر منذ العصر الجاهلي جماعة من الشعراء٥ عدلوا عن

стр. 166

هذه الطبيعة الفياضة. وعمدوا إلى أسلوب الشعر يهذبونه ويصقلون لفظه بحذف غريبه أو متنافره، والحرص على انسجام موسيقاه وتحري مساواته. والتناسب بين فقره وجمله. ليكون جزلًا حسن السبك مع خلوه من التكلف الممقوت والبديع المقصود. حتى صار الأسلوب الشعري صنعة أو فنا يقصد إليه ويعنى بأحكامه وخلوه من الفضول اللفظي والغلو المعنوي. وكان زهير بن أبي سلمى أنجب تلاميذ هذه المدرسة، وكان الحطيئة أنجب تلاميذ زهير وتبعهم بعد ذلك أبو تمام -في بعض شعره- ومسلم بن الوليد. وعبد الله بن المعتز ممن أخذوا عن السابقين إحكام الأسلوب فيما بعد. واتخذوه حرفة يدوية وعبث أطفال. يقول ابن رشيق١: "ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولا وعليه المدار، والمصنوع وإن وقع عليه الاسم فليس متكلفًا تكلف أشعار المولدين لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمد. ولكن بطباع القوم عفوًا فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف؛ يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفًا من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة. وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك. والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل فتترك لفظة للفظة أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون. ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته وبسط المعنى وإبرازه وإتقان بنية الشعر وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض".

стр. 167

ومع ذلك قول زهير يمدح هرم بن سنان: وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله١ أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله٢ تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله فالشعر بريء من التنافر والإغراب. مع حذف الفضول. والقصد في المعنى وحسن التناسق بين الجمل وبين المعاني، حتى بدا محكمًا متقنا ملحوم الجوانب قد عمل فيه العقل والذوق بجانب العاطفة وقد مضى مثال الحطيئة من باب المديح. ويقول ابن رشيق٣: "فأما حبيب -أبو تمام- فيذهب إلى حرونة اللفظ وما يملأ الأسماع منه مع التصنع المحكم طوعًا أو كرهًا يأتي للأشياء عن بعد ويطلبها بكلفة. ويأخذها بقوة. وأما البحتري فكان أملح صنعة. وأحسن مذهبًا في الكلام. يسلك منه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ. لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة وما أعلم شاعرًا أكمل ولا أعجب تصنعًا من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر وهو عندي ألطف أصحابه شعرًا وأكثر بديعًا وافتنانًا وأقرنهم قوافي وأوزانًا. ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب". ثم يقول٤: "وقال بعض من نظر بين أبي تمام وأبي الطيب -المتنبي- إنما حبيب كالقاضي العدل يضع اللفظة موضعها ويعطي المعنى حقه، بعد طول النظر والبحث

стр. 168

عن البينة. كالفقيه الورع يتحرى في كلامه ويتحرج خوفًا عن دينه، وأبو الطيب كالملك الجبار يأخذ ما حوله قهرًا وعنوة أو كالشجاع الجرئ يهجم على ما يريده لا يبالي ما لقي ولا حيث وقع". ونحو ذلك حصل في النثر أيضًا، فلقد كان في صدر الإسلام جزلًا طبيعيًّا يرتجل في كثير من الأحيان ويكون فيضا لما في النفوس من المعاني، سواء في ذلك الأحاديث، والخطب، والرسائل، حتى جاء عبد الحميد الكاتب١ فكانت آثاره طبيعة سهلة لا صنعة فيها ولا تكلف، وكان بجانبه عبد الله بن المقفع٢ يقوم في النثر بما كان يقوم به في الشعر زهير والحطيئة، وأبو تمام في خير شعره. وكان كتاب العصر العباسي الأول -كأحمد بن يوسف، وعمرو بن مسعدة وإبراهيم الصولي-٣ يحكمون الرسائل، وينشئونها جزلة، دقيقة المعاني، عالية الأسلوب، كما كتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل يستشفع له بالزيادة في منزلته، وجعل كتابه تعريضًا لنفسه: "أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك علي في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعة، والسلام". فكتب إليه المأمون: "قد عرفنا تصريحك، وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما، ووقفناك عليهما". وجاء الجاحظ في القرن الثالث فكان أستاذًا لمدرسة خاصة أو كان هو هذه

стр. 169

المدرسة الكتابية التي أشرنا إليها فيما مضى. وأما كتاب الصنعة البديعية فقد كانوا في القرن الرابع١ الهجري، وهم الذين فتحوا بابًا كان فيما بعد شرًّا على الأساليب الأدبية لما دخل فيه المتكلفون العاجزون، وقد عرفت طرفًا من أساليبهم عند بديع الزمان. وعندي أن هذه الطبقات من الشعراء والكتاب تمثل طورًا طبيعيًّا من أطوار الحضارة الأدبية التي تُعنى بالأدب كما تعنى بسواه ليكون أقوم أسلوبًا، وأجمع بين قيمة المعاني وقيمة الأساليب، على أنهم كانو، وبخاصة بعد الإسلام متأثرين بألوان من الفنون، والعلوم الإسلامية والدخيلة وبفراغ وتنافس أكسبت الأدب هذا الوضع الفني الجديد، فلا لوم عليهم ولا عتاب ولا مانع أن ينضافوا إلى السابقين كما يرى ابن الأثير٢. ٣- وبعد ذلك تواجهنا هذه القضية الكبيرة أو المعركة العنيفة، بين أنصار اللفظ، وأنصار المعنى، فإن هذه الثقافة الواسعة التي توافرت للأدباء، منذ العصر العباسي، مع ذكاء العقل قد حملتهم على العناية بالمعاني فغذوا الأدب بأفكار فلسفية وآراء دينية، وملاحظات دقيقة عميقة، وكان أبو تمام من أسبق الشعراء وأظهرهم في ذلك، ثم ابن الرومي، والمتنبي، وأبو العلاء في ذخيرته الفلسفية -اللزوميات- وكان من ذلك، ولا سيما عند شعراء الصنعة، أن ضعفت روعة اللفظ وسلاسته، وبدت عليه الجفوة العلمية أو الكلفة البديعية، وبجانب هؤلاء بقي آخرون محتفظين بالطبع السمح والديباجة السهلة الجميلة كالبحتري، وأبي العتاهية والعباس بن الأحنف، وظهرت لهم مقطوعات بالغت في السهولة حتى عادت باردة سخيفة.

стр. 170

فكان من ذلك، ولأسباب أخرى، أن نشطت حركة النقد، وانتصر جماعة لكل فريق، واختلف الباحثون حول هذه المسألة: أين تقع البلاغة؟ أفي اللفظ أم في المعنى أم فيهما معًا؟ وأي هذين الفريقين من الشعراء أظفر بعمود الشعر، وأجدر بالاحترام؟ وخلاصة ما يحتج به أنصار اللفظ١ أن المعاني معروفة للناس سهلة الإدراك، يكفي أن تكون صحيحة، ولكن البراعة البيانية إنما هي في الألفاظ وصوغ العبارات، وأما أنصار المعاني فيقولون٢: إن المعنى هو المقصود بالأداء، وهو مجال الابتكار، وحسن التصور، واللفظ تابعه في ذلك فجماله من جماله، ويدور جهد عبد القاهر الجرجاني على أن البلاغة في الأسلوب تنتهي إلى نظم الكلام وفق حاجة المعنى، وبذلك تتحقق المطابقة بينهما، ويكتسب اللفظ حسنه بصدق أدائه. ولكنك عرفت أن هذه المسألة قد فصل فيها الآن، وأن البلاغة تقوم على حسن التعبير كما ترتكز على قيمة التفكير٣. ٤- وعلى الرغم من ذلك فقد وجد من الأدباء من يؤثر اللفظ على المعنى، فيجعله غايته ومتجه عنايته، ويقصد إليه؛ فأما أن يجعله -في الشعر- فخمًا مجلجلًا؛ لا يتناسب مع معناه كابن هانئ الأندلسي حيث يقول: أصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم وشامت فقالت: لمع أبيض مخذم٤

стр. 171

وما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا برى في مخدم١ يصف امرأة تترقبه، فتوهمت وقع حوافر فرس، ولمع سيف، وإذا بها تسمع حليها، وترى لمعها، ومن يستمع لهذا الصخب اللفظي يظن أنه حماسة أو حرب قائمة٢. وإما أن يجعله سهلًا مفرطًا، كما وقع لأبي العتاهية: يا إخوتي، إن الهوى قاتلي ... فسيروا الأكفان من عاجل ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل عيني على عتبة منهلة ... بدمعها المنسكب السائل يا من رأى قبلي قتيلًا بكى ... من شدة الوجد على القاتل فهذا الشعر كما ترى، سهل، لين، ليس بينه وبين النثر العامي فرق كبير، وللبهاء زهير نحو هذا الأسلوب الذي تسمعه، فكأنك تسمع الشعب المصري في حواره وأحاديثه، جدًّا وهزلًا، في عبثه وأفاكهه، وفي كل ما يلابس حياته٣ الوداعة المطمئنة في هذا الوادي الخصيب. وكذلك الشأن في النثر فقد غلبت العناية اللفظية على فن المقامات، وصارت بذلك وسيلة لتعليم اللغة، وتراكيبها، وبعض عباراتها وأساليبها الجزلة، وقد أسبقنا القول في ذلك فلا نعيده هنا. وكذلك وجد من الأدباء من يؤثر المعنى على اللفظ، فيعنى بعمقه وتركزه.

стр. 172

وجدته، وتوليد بعضه من بعض، لا يعنى بأن يلبسه كفاءة من اللفظ الكاشف الواضح، أو السلس العذب، أو القوي المتين، فيقع في التعقيد، أو الخشونة، أو الهجنة، أو التكلف الممقوت فيفسدون اللفظ ويبهمون المعنى. وقد تورط في ذلك -من الشعراء- أبو تمام والمتنبي في بعض شعرهما، وكذلك ابن الرومي، ومن الكتاب، خلدون العالم والمؤرخ المشهور. ونورد هنا بعض الأمثلة، من ذلك قول أبي تمام: يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام ففي هذا البيت إضمار جعل معناه غامضًا على الرغم من محاولة الدلالة عليه بالشطر الثاني، وتقديره: أنه يتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة﴾ . وقوله: وظلمت نفسك طالبًا إنصافها ... فعجبت مِن مظلومةٍ لم تُظلم معنى ذلك أنك أكرهت نفسك على مشاق الأمور لنيل المجد، فهي إذًا مظلومة من حيث الوسيلة التي كابدتها، ولكنها منصفة من حيث الذكر الجميل والمجد المؤثل، فكانت مظلومة لم تُظلم، وذلك من قول السموءل: وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل وقول المتنبي يمدح علي بن حمد الطائي بسداد الرأي، والتفرد في ذلك: فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع نظام البيت كما يلي: هو فتى رأيه في زمانه ألف جزيء، وأقل جزيء منه، بعضه هو كل ما عند الناس من الرأي.

стр. 173

وقال علي بن عيسى الرماني: "أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك. وكل ذلك اجتمع في بيت الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي، أبوه يقاربه فالتغيير عن الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه يريد بالملك هشام بن عبد الملك، والممدوح هو إبراهيم بن هشام خال بن عبد الملك. وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله: أبو أمه أبوه، وكان يجزئه أن يقول خاله. وأما إيقاع المشترك فقوله: حي يقاربه؛ لأنها لفظة تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان بالحياة. قال: وإذا تفقدت أبيات المعاني رأيتها لا تخرج عن هذه الأسباب الثلاثة"١. وكتب النقد والبلاغة ملأى بهذه النماذج، وأما ابن خلدون فقد مضى فصل من كلامه. ٥- ومما يتصل باللفظ والمعنى مسألة الإيجاز والإطناب والمساواة، وقد وردت هذه الألفاظ في كتب البلاغة أوصافًا للعبارة، وعناصرها، من حيث ما تؤدي من معانٍ، فإذا قصر اللفظ عن المعنى كان إيجازًا، وإن طال لفائدة كان إطنابًا، وإن تساويا كان مساواة أو تقديرًا، ولرجال البلاغة كلام كثير في هذه الأقسام، وفيما يدخل تحتها من فروع لا حاجة بنا إلى تكرارها هنا. ويمكن الرجوع إليها في المثل السابق لابن الأثير٢ وسواه، وقد تناولتها كتب البلاغة -غالبًا- في سياق الجمل والفقر، فمن ذلك في المساواة قوله تعالى:

стр. 174

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . وقول جرير: تمنى رجال من تميم منيتي ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي وفي الإيجاز قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ وقول أمرئ القيس: فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا والمراد لو أنها نفس تموت موتة واحدة لهان الأمر، ولكنها نفس تموت موتات، وفي الإطناب قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ففائدة ذكر الصدور هنا أنه قد علم أن العمى مكانه البصر حقيقة، واستعماله في القلب غير متعارف فلا بد من زيادة التقرير ليعرف أن العمى الحقيقي في القلب لا العين، وقول البحتري: تردد في خلقي سؤدد ... سماحًا مرجى وبأسًا مهيبًا فكالسيف إن جئته صارخًا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا فالبيت الثاني يدل على معنى الأول إلا أن فيه زيادة بيانية تفيد تخييلًا وتصويرًا. ولكننا نشير هنا إلى هذه الأوصاف من ناحيتها العامة التي تبدو في العبارة اللفظية لمقال، أو خطبة، أو رسالة، أو وصف، أو قصيدة، وفي مقدار ما يصل بينها وبين الأغراض المعاني كلها مجتمعة، فمن الكتاب من يؤثر الإيجاز حتى يصل إلى التوقيعات والإشارات، ومنهم من يسهب ويطيل كما في الخطب والمقالات الصحفية غالبًا، ومنهم من يساوي، ويغلب ذلك في الرسائل والمقالات

стр. 175

العلمية، وقد ضرب ابن الأثير مثلًا لذلك في وصف بستان ذي فواكه متعددة، فالإيجاز هو قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَان﴾ والإطناب قول ابن الأثير: "جنة علت أرضها أن تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة، وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمس الذي يسبق بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه. فهو يسمو بطيب الفروع والنجار، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلاده من نضار ... إلخ" كذلك أورد للإطناب مثلًا من الرسائل والتقاليد فلتراجع هناك. والنثر العصري لا يميل إلى الإيجاز إلا في التوقيعات الديوانية، والكلمات السائرة، ولكنه بعد ذلك أميل إلى الإطناب ثم المساواة، وحسبه حياة تخلصه التخلص النهائي من هذه الصنعة البديعية والإغراب اللغوي، إلى خير مستوى ظفر به في حياته من ثراء المعاني وروعة الأساليب.

стр. 176

الناحية الثالثة: وهي ناحية الصنعة البديعية، والتكلف المقصود. طمعًا في زخرفة الأساليب، وتوشيتها بالسجع، والجناس، والمطابقة، والاستعارة، ونحوها من عناصر التحسين اللفظي والمعنوي، وقد كانت هذه المحسنات ترد في الشعر القديم قليلة وعفوًا دون تكلف، واستجابة لقوة المعنى وصدق تصويره كقول أبي ذؤيب الهذلي مستعيرًا: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع١

стр. 177

وقول حيان بن ربيعة الطائي في التجنيس: لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد١ وقول زهير في المطابقة: ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرنه صدقا٢ "فلما أفضى الشعر إلى المحدثين، رأوا مواقع تلك الأبيات من الغرابة البديع، فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومفرط"٣. وقد قيل إن "أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد وابن هرمة وهو ساقة العرب، وآخر من يستشهده بشعره، ثم أتبعها مقتديًا بهما كلثوم بن عمر العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس، واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز فانتهى علم البديع والصنعة إليه، وختم به"٤. والذي يعنينا هنا -في الشعر- أن هؤلاء الشعراء اختلفوا في مقدار عنايتهم بالصنعة البديعية، فاختلفت أساليبهم في النظم تبعًا لذلك: فأما أبو تمام فكان -في كثير من شعره- أشد الشعراء تعلقًا بالبديع، وأكثرهم تكلفًا له، ولا سيما الطباق، والجناس، والاستعارة والتقسيم، حتى شوهت شعره، وذهبت بكثير من روعته وجلاله؛ فإذا لاحظنا أنه أضاف إلى ذلك محاولته الإغراب اللفظي تقليدًا للقدماء، ثم اجتلابه المعاني الغامضة، والأغراض الخفية التي احتمل في سبيلها كل غث ثقيل، علمنا سر ما تورط فيه من اضطراب في التعبير، وتعقيد في الأسلوب، حتى صار هذا القسم من شعره إذ قرئ أجهد الفكر، وكذا الخاطر في فهم معانيه، وتصور أخيلته وأغراضه، وما كان هذا سبيل الشعر، ولا أسلوب الفن الجميل،

стр. 178

فصار أبو تمام علامة التكلف الثقيل، والصنعة الفاسدة في قسم من شعره ليس بالقليل، ولو أنه جرى مع طبعه، وجانب التكلف، مع معانيه المبتكرة وأخيلته الجميلة، لكان سيد الشعراء غير مدافع١؛ فإنك حين تقرأ له ما ورد أول هذا الفصل من الشعر القوي الجميل تعجب كيف يحيد عنه جريًا وراء البديع، وتعلقًا بالصنعة الممقوتة ليقع في مثل هذه الاستعارة القبيحة: باشرت أسباب الغنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوك طبولا ضرام الحب عشش في فؤادي ... وحضن فوقه طير البعاد كأنني، حين جردت الرجاء له ... عضب صببت به ماء على الزمن أو هذا الجناس المستكره: إن من عق والديه لملعو ... ن ومن عق منزلًا بالعقيق فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى ومهما أورق السلم أو ذلك الطباق المتكلف: قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإني بالنجاح لواثق وإن حفرت أموال قوم أكفهم ... مِن النيل والجدوى فكفاه مقطع وشر من ذلك هذه المعاطلة بتداخل الكلمات، وركوب بعضها بعضًا: خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد٢

стр. 179

وقد وقع المتنبي في مثل ذلك، كما تشبث به المتأخرون فأفسدوا الشعر وذهبوا بروائه. وأما البحتري وابن المعتز فقد غلب عليهما الطبع السمح، وسهولة الأسلوب وعدم الكد وراء المعاني العميقة والألفاظ الغريبة، ويتلخص أسلوبهما في السهولة وعدم الشغف بالبديع، إلا ما جاء طبيعيًّا أو خفيًّا لا يكاد يظهر، ومعنى هذا أن قيمة شعرهما قائمة، في الغالب، على جمال الأسلوب وطبيعته، وحسن التصوير الخيالي، فكانا مدرسة أخرى تقابل مدرسة أبي تمام، وقد مضت أمثلة لشعر البحتري نعيد منها هذا البيت فقط: إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها لتلحظ فيه هذا التقسيم، وحسن الترتيب، والمطابقة الملائمة بين الشطرين في المعنى، وهكذا إذا عرض له البديع، ويقول عبد الله بن المعتز يصف سحابة ماطرة: ومزنة جاد من أجفانها المطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر ترى مواقعها في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر فيجمع بين الاستعارة، والمطابقة والتشبيه، ومع هذا لا نرى تكلفًا ثقيلًا ولا تعمقًا عويصًا. وبين هذين الطرفين نضع مسلم بن الوليد، فقد جمع بين الصنعة المعتدلة وتجويد الشعر والبطء في صنعته حتى سموه زهير المولدين١، واستطاع بذلك أن يفترق من أبي تمام بقرب المعاني من جهة، وبسلامه عبارته من الغريب،

стр. 180

والتكلف الممقوت، ولاءم بذلك بين اللفظ والمعنى، فكان لشعره موسيقى قوية جميلة، كقوله يهجو دعبل الخزاعي: أما الهجاء فقد عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل فاذهب، فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل فقد طابق بين المدح والهجاء وبين الدقة والجلالة، وبين العز والذلة، مع جدة المعنى، وإحكام التراكيب وحسن تقسيمها، فكان بذلك من عبيد الشعر. وأما في النثر فقد عرفت مما سبق أن هذه الصنعة البديعية فقد انتهت إلى غايتها المقبولة على يد كتاب القرن الرابع الهجري، أمثال بديع الزمان، والخوارزمي، والصاحب بن عباد، وابن العميد، هؤلاء الذين عرفوا بالسجع والجناس والطباق، واقتباس لغة الشعر أو تضمين معانيه، وقد استطاعوا لإحاطتهم اللغوية وقدرتهم الأدبية أن يجعلوا أساليبهم مقبولة ويحققوا آثار هذه الصناعة، إلا أن كثيرًا ممن خلفهم على هذا الفن -وبخاصة بعد سقوط بغداد وفي عصر المماليك- لم يظفروا بمكانة السابقين في اللغة والادب، ثم غلوا في البديع فأضافوا إلى ما سبق التورية والاستخدام والتلميح للحوادث الشهيرة، ثم التصحيف الذي كان مجال البراعة عند المتكلفين. وقد نشأ عن ذلك فساد الأساليب، وركاكتها، والتضحية بالمعاني في سبيل الألفاظ. ويمكن إرجاع ما كان بين كتاب الصنعة، من خلاف في الأساليب إلى أصلين: الأول: موضوعي حين انتقل بها بعضهم من الرسائل الخاصة، والديوانية، والعامة، إلى كتب العلم أو مخاطبة الملوك في الشئون الدولية، في حين أن هاتين الناحيتين مظهر عقلي أو مصلحي يلائمه الأسلوب البسيط الواضح، ومن ذلك أن
следующие страницы →