← Баляга

Баляга · id 7357

الأسلوب

أحمد الشايب

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الباب الثاني: في التعريف بالأسلوب الفصل الأول: في حد الأسلوب ١- إذا سمع الناس كلمة الأسلوب فهموا منها هذا العنصر اللفظي الذي يتألف من الكلمات فالجمل والعبارات، وربما قصروه على الأدب وحده دون سواه من العلوم والفنون، وهذا الفهم -على صحته- يعوزه شيء من العمق والشمول ليكون أكثر انطباقًا على ما يجب أن يؤديه هذا اللفظ من معنى صحيح، وذلك أن هذه الصورة اللفظية التي هي أول ما تلقى من الكلام لا يمكن أن تحيا مستقلة، وإنما يرجع الفضل في نظامها اللغوي الظاهر إلى نظام آخر معنوي انتظم وتألف في نفس الكاتب أو المتكلم فكان بذلك أسلوبًا معنويًّا، ثم تكون التأليف اللفظي على مثاله، وصار ثوبه الذي لبسه أو جسمه إذا كان المعنى هو الروح، ومعنى هذا أن الأسلوب معانٍ مرتبة قبل أن يكون ألفاظًا منسقة، وهو يتكون في العقل قبل أن ينطق به اللسان أو يجري به القلم، فهذا وجه. والوجه الثاني: أن كلمة الأسلوب صارت هذه الأيام حقًّا مشتركًا بين البيئات المختلفة، يستعملها العلماء ليدلوا بها على منهج من مناهج البحث العلمي، ويستعملها الأدباء في الفن الأدبي قصصًا أو جدلًا أو تقريرًا وفي العنصر اللفظي سهلًا أو معقدًا،

стр. 37

وفي إيراد الأفكار منطقية أو مضطربة، وفي طريقة التخييل جميلة ملائمة أو مشوهة نابية. وكذلك الموسيقيون يتخذونها دليلًا على طرق التلحين وتأليف الأنغام للتعبير عما يحسون أو يخالون، ومثلهم الرسامون فهي عندهم دليل على طريق تأليف الألوان ومراعاة التناسب بينها، وهكذا حتى أصبحت هذه الكلمة "أسلوب" تكاد ترادف كلمة الشخصية في المعنى. لهذا كله كان إطلاقها على هذا العنصر اللفظي ضرورة اقتضاها التعليم أولا، ولأنه هو مظهر العناصر الأخرى ومعرضها ثانيًا.. فما الأسلوب؟ في لسان العرب: ويقال للسطر من التخيل أسلوب. وكل طريق ممتد في أسلوب، والأسلوب: الطريق، والوجه، والمذهب. يقال: أنتم في أسلوب سوء، ويجمع على أساليب، والأسلوب الطريق تأخذ فيه، والأسلوب الفن يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه. هذه المعاني التي نقلناها عن ابن منظور قسمان: قسم حسي يمثل الوضع الأسبق للفظ، كسطر النخيل والطريق الممتد أو المسلوك، والأسلوب عليه خطة يسلكها السائر. وقسم معنوي هو الخطوة الثانية في الوضع اللغوي حين تنتقل الكلمات من معانيها الحسية إلى هذه المعاني الأدبية، أو النفسية، وذلك هو الفن من القول أو الوجه والمذهب في بعض الأحيان. على أن هذه المعاني كلها تنتهي بنا عند فكرة إذا أردنا استعمالها في باب الأدب كانت ملائمة، فالأسلوب هو فن من الكلام يكون قصصًا أو حوارًا، تشبيهًا أو مجازًا أو كناية، تقريرًا أو حِكمًا وأمثالا. فإذا صح هذا الاستنباط كان للأسلوب معنى أوسع إذ يتجاوز هذا العنصر اللفظي فيشمل الفن الأدبي الذي يتخذه الأديب وسيلة للإقناع أو التأثير.

стр. 38

٢- وإذا تركنا لسان العرب إلى مقدمة ابن خلدون رأيناه يتناول الأسلوب في فصل صناعة الشعر ووجه تعلّمه حيث يقول: "ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل الصناعة -صناعة الشعر- وما يريدون بها في إطلاقهم، فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها، ويصيّرها في الخيال كالقلب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصّها فيه رصًّا كما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال، حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكه اللسان العربي فيه، فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به، وتوجد فيه على أنحاء مختلفة؛ فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول، كقوله: "يَا دَار مَيَّةَ بالعليْاَءِ فالسندِ" ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال، كقوله: "قِفَا نَسْألِ الدارَ التي خَف أهْلُها" أو باستبكاء الصحب على الطلل، كقوله: "قِفَا نَبْك من ذكْرَى حبيب ومنزل" وأمثال ذلك كثير في سائر فنون الكلام ومذاهبه، وتنتظم التراكيب فيه بالجمل وغير الجمل إنشائية وخبرية، اسمية وفعلية، متفقة وغير متفقة، مفصولة وموصولة على ما هو شأن التراكيب في الكلام العربي، في كل مكان كلمة من الأخرى

стр. 39

يعرفك فيه "كذا" ما تستفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور، فإن العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنيين وجاءوا به مفصلا في النوعين ففي الشعر بالقطع الموزونة والقوافي المقيدة واستقلال الكلام في كل قطعة، وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتشابه بين القطع غالبًا وقد يقيدونه بالأسجاع وقد يرسلونه وكل واحدة من هذه معروفة في لسان العرب". هذا النص الذي نقلناه عن ابن خلدون يضع أمامنا عدة قوانين قيمة في الدراسات الأدبية: أولها: أن هناك فارقًا بين الوجهين العلمي والفني في تكوين الأسلوب الأدبي فعلوم النحو والبلاغة والعروض تنفعنا على أنها نظريات ترشدنا في إصلاح الكلام ومطابقته لقوانين النظم والنثر. وقد يعرفها الطالب ولا يحسن معها الإنشاء أو ينشئ الصحيح فقط. وأما صياغة الأسلوب الجميل فهي فن يعتمد على الطبع والتمرس بالكلام البليغ١، وتتكون من الجمل والعبارات والصور البيانية. ثانيها: أن الأسلوب في الأصل صورة ذهنية تتملأ بها النفس وتطبع الذوق من الدراسة، والمرانة وقراءة الأدب الجميل، وعلى مثال هذه الصورة الذهنية تتألف العبارات الظاهرة التي اعتدنا أن نسميها أسلوبًا لأنها دليله، وناحيته الناطقة الفصيحة. ثالثها: أن هذه الصورة الذهنية -التي هي الأصل الأول للأسلوب-

стр. 40

ليست معاني جزئية، ولا جملا مستقلة، بل طريقة من طرق التعبير يسلكها المتكلم، كخطاب الطلل، أو استدعاء الصحب للوقوف والسؤال أو الدعاء له بالسقيا، كقوله: أسقى طلوهُم أجَشُّ هزيمُ ... وَغَدتْ عليهم نَضرة وَنَعيمُ أو بتسجيل المصيبة على الأكوان عند فقد شجاع كقوله: مَنابتَ العُشب، لا حاَمٍ ولا رَاع ... مَضَى الردى بطويل الرمح والباعِ رابعها: هذه الفروق اللفظية والمعنوية بين المنظوم والمنثور من حيث الأسلوب، وأهم ما ذكره امتياز النظم والوزن، والقافية، واستقلال كل بيت بمعنى تام، كما هو مذهب العرب، وسيأتي تفصيل القول في ذلك. والذي يعنينا هنا أن الأسلوب منذ القدم كان يلحظ في معناه ناحية شكلية خاصة هي طريقة الأداء أو طريقة التعبير التي يسلكها الأديب لتصوير ما في نفسه أو لنقله إلى سواه بهذه العبارات اللغوية. ولا يزال هذا هو تعريف الأسلوب إلى اليوم، فهو طريقة الكتابة، أو طريقة الإنشاء، أو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو الضرب من النظم والطريقة فيه. هذا تعريف الأسلوب الأدبي١ بمعناه العام. وأما إذا أردنا أن يكون التعريف عاما يتناول العلوم والفنون. فإنا نعرفه بأنه طريقة التعبير؛ لأن الفنون الأخرى لها طرق في التعبير يعرفها الفنيون، ويتخذون وسائلها أو عناصرها من الألحان والألوان والأحجار، وكذلك العلماء لهم رموزهم، ومصطلحاتهم، ومناهجهم في البحث والأداء.

стр. 41

٣- ومع ذلك ففي الأدب وحده نرى -كما يمر بك تفصيله- أن التصرف والاختلاف يكون في صوغ العبارات بين إيجاز وإطناب، وسهولة وإغراب، وبساطة وتعقيد، وجمال وتنافر، ويكون قبل ذلك في اختيار الأفكار، وكيفية ترتيبها ترتيبًا منطقيًّا أو مضطربًا، ووضوحها أو غموضها، وصحتها أو خطئها، وإخضاعها لطريقة الاستقراء أو الاستنباط، ويكون بعد هذا في طريقة التخييل والتصوير: هل يسلك الكاتب طريقة التشبيه غالبا أو الاستعارة أو الكناية، وما مقدار ابتكاره في ذلك أو تقليده، فلكل كاتب مذهبه في ذلك أو أسلوبه الخاص، فالشيب في رأي المعري: والشيبُ أزهار الشبابِ فماله ... يخفى، وحسنُ الروضِ في الأزهار وهو في رأي الفرزدق: تَفارِيقُ شيب في الشباب لوامعُ ... وما حُسْنُ ليلٍ ليس فيه نجوم لكن الشريف الرضي يقول: غالطوني عن المشيب وقالوا ... لا ترع إنه جلاء حسام قلت ما أمْنُ على الرأس منه ... صارم الحد في يد الأيام انظر بعد ذلك إلى كتاب السيرة المعاصرين؛ كيف اختلفوا في طريقة العرض بين البحث العلمي المنسق، والتمثيلي المقسم، والقصصي الجميل١، وانظر إلى هذه الشخصيات المتباينة في الخطابة كعلي ومعاوية وزياد والحجاج وفي الكتابة كالجاحظ وبديع الزمان وابن خلدون وفي الشعر كأبي تمام وابن الرومي والبحتري والمتنبي فإنا نجد أنماطا شتى، وأساليب متباينة تجعل لكل فرد طابعا، أفيكون من الغريب إذا قلنا: إن الأسلوب هو طريقة التفكير والتصوير والتعبير؟

стр. 42

الحق أن هذا التعريف الأخير يتناول عناصر الأسلوب كلها ويقوم على أساس الصلة بينها وإن كان العنصر اللفظي مظهر الفكر والصورة؛ لأنه الجانب الحسي لهما زيادة عما يتوافر له جمال خاص: وهو أيضًا يتضمن المراد من الأسلوب في سائر الفنون، فهو تفكير وتصوير وتعبير. ٤- وأعود مرة ثانية إلى تعريف الأسلوب فقد غم الأمر على بعض الدارسين بصدد ذلك؛ أعود لأقول: إن تعريف الأسلوب يَنْصَبُّ بداهة على هذا العنصر اللفظي فهو الصورة اللفظية التي يعبر بها عن المعاني أو نظم الكلام وتأليفه لأداء الأفكار وعرض الخيال، أو هو العبارات اللفظية المنسقة لأداء المعاني إلا أننا -حين نريد الإيضاح والتقسيم- مضطرون إلى ملاحظة أمرين: أولهما: وحدة النص الأدبي الذي لا يمكن الفصل بين عناصره، فاللفظ لا يتصور بدون سائر العناصر الأدبية كما أنها لا تبدو بغير اللفظ. ثانيهما: أن الفرق بين الأسلوب العلمي والأدبي مثلا لا يمكن إلا بملاحظة ما وراء اللفظ من فكرة أو عاطفة أو خيال، لذلك كان هناك فرق بين تعريف الأسلوب، وتحليله، وبين تقسيمه ... هو فرق أساسه وجهة النظر فقط، وإن النص الأدبي وحدة لا تتجزأ.

стр. 43

الفصل الثاني: تكوين الأسلوب وهنا نجد فرقًا واضحًا -في تكوين الأسلوب واستكمال عناصره- بين الطالب المبتدئ والأديب المنتهي؛ فالطالب الذي يأخذ في دراسة الكتابة يسلك الطريق الذي يسلكه زميله طالب الموسيقى أو الرسم؛ تجد تلميذ الموسيقى يبدأ درسه بتعرف الأدوات الموسيقية والفرق بينها، وطرق استخدامها، وأنواع الألحان والأنغام التي تنتجها كل أداة، ثم ينتقل من ذلك إلى تأليف الألحان المركبة واستخدام أداتين أو أكثر مع مراعاة الانسجام والتأليف بين الأنغام ... وآخر الأمر يتعلم كيف يؤلف الدور الموسيقي العام ويتخذ من الأدوات وأنغامها وسائل لتوقيع المقطوعات وقد يصل به الأمر إلى التجديد والابتكار. كذلك طالب الأدب يبدأ دروسه بتعلم الحروف وتأليف الكلمات منها، ثم تأليف الجمل من الكلمات تأليفًا خبريًّا أو إنشائيًّا فعلية كانت أو اسمية، إيجابية أو سلبية، مع ملاحظة الفروق الدقيقة بينها وينتقل من الجمل إلى الفقرات المؤلفة من الجمل مفصولة أو موصولة حسب مقتضيات المعاني ... ولا ينسى طرائق المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية والمطابقة وحسن التعليل ... وأخيرًا هذه الأساليب القصصية أو الجدلية أو التقريرية أو الوصفية منثورة ومنظومة ... ومعنى هذا أنه يبدأ بالألفاظ وينتهي إلى الفنون الأدبية. أما الكاتب المنتهي فإنه يسير في طريق عكسية، شأنه شأن الموسيقار البارع

стр. 44

تعرض له القطعة الأدبية أو يبدو له تصوير معنى نفسي أو مظهر طبعي فيفهم المراد ثم يسمعك ألحانًا منسجمة منسقة، تؤدي ما وراءها في دقة وجمال، كذلك الأديب إذا شاء قولا في الوصف، أو الرثاء، أو القصص، اختار معانيه، ورتبها، وفسرها طوع مزاجه تفسيرًا فنيًّا، ثم عبر عنها بالألفاظ التي تجذبهاالمعاني. هذا الكاتب كما رأيت يبدأ باختيار الفن وينتهي بالألفاظ، عكس التلميذ الناشئ. وسواء أعنينا بحال الطالب أم الكاتب، فإن تكون الأسلوب أهم المظاهر لبراعة الكتاب والشعراء، وأوضح معرض لقوة الإدراك ويقظة الشعور وجمال الذوق؛ لذلك كان الكاتب الأمين ذو الطبع الأدبي الصادق، منصرفًا إلى تخير الكلمات الفصيحة الدقيقة المعنى، المتلائمة مع أخواتها، حتى تطمئن عناصر العبارة في موضعها دون إكراه، وحتى يجمع الأسلوب بين وضوح التفكير وجمال التصوير. وهذه الدرجة تتطلب من غير شك مرانة دائبة، وصبرًا طويلًا، وذوقًا جميلا صادقًا وتملأ بخير الأساليب الأدبية فهمًا، ونقدًا، وتمثلًا، ويمكن للكاتب أن يلزم نفسه بأمرين اثنين ليوفر لنفسه الفوز بحسن التعبير. الأول: الحرص الشديد على الدقة سواء في أداء الفكرة أو صوغ الخيال فلا يسمح بكلمة أو عبارة هي أقل أو أكبر من فكرته كما يرفض استعارة قبيحة، أو كناية غامضة، أو تعليلا غير حسن. الثاني: التصرف السديد في بناء الجمل والعبارات بتقديم بعض العناصر

стр. 45

أو تأخيرها، وبالقصر أو الفصل أو الوصل، حتى تكون العبارة صورة صادقة لما في نفسه من المعاني وما في وجدانه من تصور وموسيقى. ذلك يتلخص في أن يكون الأسلوب للكاتب طبيعته الثانية، وبذلك يكون سهل الإنشاء؛ يصدر عن صاحبه حديثًا أو محاضرة أو تأليفًا، كأنه يتنفس أو يبصر، وهذه آخر درجات القدرة البيانية.

стр. 46

الفصل الثالث: عناصر الأسلوب رأينا في الفصل الماضي أن الخطوة الأولى للكاتب إنما هي اختيار الفن الأدبي الذي يعتمد عليه لأداء ما في نفسه من المعاني، فهو مقالة أو قصيدة أو رسالة أو قصة أو خطابة عامة أو محاضرة أو كتاب مؤلف، وبعد ذلك يختار المعاني أو الأفكار والحقائق التي يعتبرها هامة جديرة بموضوعه لجدتها أو قوة تأثيرها أو ملاءمتها لقرائه وسامعيه، ثم يرتب هذه الأفكار ترتيبًا يصل به إلى نتائجها المرادة، سواء اختار طريقة التحليل أم التركيب، فإذا انتقل من ذلك إلى التعبير عنه بعبارات واضحة تكشف عنه فقد تكون له الأسلوب العلمي أو الأدبي بمعناه العام، كما قيل في وصف الشمس: "الشمس كوكب مضيء بذاته وهي أعظم الكواكب المرئية لنا منظرًا، وأسطعها ضوءًا، وأغزرها حرارة، وأجزلها نفعًا للأرض التي نسكنها، والشمس كرة متأججة نارًا، حرارتها أشد من حرارة أي ساعور أرضي، ويبلغ ثقلها ثلاثمائة وزن من ثقل الأرض، وهي أكبر منه جرمًا بثلاثمائة ألف وألف ألف مرة، وتدور الشمس على محورها من الغرب إلى الشرق مرة واحدة في نحو خمسة وعشرين يومًا وتبعد عنا بنحو اثنين وتسعين ألف ألف ميل وخمسمائة ألف ميل، وهي مع كل هذا العِظَم الهائل لا تعد في النجوم الكبرى، بل إن أكثر ما نشاهده من النجوم الثابتة شموس أكبر من الشمس بألوف، والشمس بسياراتها تابع من توابع أحدها"١.

стр. 47

فالفن هنا مقالة اقتبس منها هذا النص، ويلاحظ أن الكاتب كان حريصا على إيثار الحقائق القيمة الدقيقة، ثم رتبها ذاكرًا مسائل عامة تميز الشمس من الكواكب الأخرى، وأتبع ذلك بذكر الخواص المتصلة بشكلها وحرارتها وحركتها، وأخيرًا هذه العبارة الواضحة المؤلفة من الكلمات والتراكيب، وهنا نستطيع أن نقول إن الأسلوب العلمي يتكون من عنصرين أساسيين: الأفكار والعبارات. وأما اختيار الأفكار وتنسيقها، وإيثار الكلمات الدقيقة والجمل الواضحة، فذلك عمل أسلوبي لأنه طريقة يقوم بها الكاتب متأثرًا بموضوعه من جهة وبشخصيته من جهة أخرى. وقد يتوافر للأسلوب خاصة أخرى، حين يلجأ الكاتب إلى الخيال يصور به انفعاله -عاطفته- فيضيق دائرة الأفكار ويأخذ منها أجلها وأشملها على أسباب القوة والجمال، ثم يفسرها تفسيرًا أديبًّا كما يشاء خياله ويملي عليه طبعه ومزاجه، وبذلك نقرأ أسلوبًا أدبيًّا خالصًا تبدو فيه شخصية الكاتب أشد وضوحًا وأبعد تأثيرًا كما قيل في الشمس كذلك: "سَلِ الشمس من رفعها نارًا، ونصبها منارًا، وضربها دينارًا؟ ومن عقلها في الجو ساعة، يدب عقرباها إلى يوم الساعة؟ ومن الذي آتاها معراجها وهداها أدراجها، وأحلّها أبراجها، ونقل في سماء الدنيا لمسراجها؟ الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابه بأجزائه وفصوله، وُلد على ظهرها، ولعب على حجرها، وشاب في طاعتها وبرها ولولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه، ذهبُ الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها وتحطمت القرون على قرنها، ولم يعل تطاول السنين بسنها، ولم يمح التقادم لمحة حسنها"١. هذا النص يختلف عن سابقة مع اتحاد موضوعهما؛ فالأول وقف عند الحقائق

стр. 48

والعبارات وصاغ منها الأسلوب العقلي الخالص، والثاني تجافى عن الحقائق التفصيلية الدقيقة كالأعداد والمقاييس ووقف عند رءوس الأفكار وأهمها، ثم تصورها أشياء جميلة لإعجابه بها، وصورها بخياله فكانت جميلة مؤثرة، فالشمس دينار مضروب وساعة معلقة عقربها الليل والنهار، وهي كتاب الزمن ومهده وأمه، وهذا الأصيل ذهب من مناجم الشمس والشفق سائل من محاجمها ... إلى غير ذلك مما نفصله بعد، وبذلك نقول: إن الأسلوب الأدبي ينحل إلى عناصر ثلاث: الأفكار والصور والعبارات، وكذلك يكون الاختيار الذي يتناول الأفكار والصور والعبارات عملًا أسلوبيًّا، هو طريقة الصياغة التي تتصرف في تلك العناصر بما تراه أليق بموضوع الكلام. فإذا كان الفن شعرًا كقول حافظ إبراهيم في الشمس: لاحَ منها حاجبٌ للناظرين ... فَنسُوا بالليل وضّاع الجبين ومحت آيتُها آيتُه ... وتبدَّت فتنة للعالمين هي أم النار والنور معا ... هي أمَّ الريح والماء المعين هي طَلعُ الروض نورًا وجنَى ... هي نشر الورد طيب الياسمين هي موتٌ وحياة للورى ... وضلالٌ وهدى للغابرين١ لاحظت الوزن والقافية يلزمان الشعر فوق هذه العناصر التي ذكرت في الأسلوب الأدبي والتي سنجد أنها في بيان النظم تختص بميزات فنية نشرحها في الكلام على أنواع الأساليب. وهناك عنصر العاطفة الذي يعد في الأدب الدافع المباشر إلى القول وروحه، وهذا العنصر هام إلى درجة أنه احتاج غالبًا، لأجل أدائه، إلى الخيال الذي هو لغة العاطفة ووسيلة تصويرها من ناحية الأديب، وبعثها في نفس القارئين، فالعاطفة في الأدب عنصر أسلوبي يُحسّ دون أن يشرح أو يعرض عرضًا مباشرًا صريحًا

стр. 49

فإذا أراد الكاتب درس عاطفة وتحليلها، وبيان مبعثها وآثارها، كان كاتبا عالما. هذه هي عناصر الأسلوب كما نتصوره نصًّا أدبيًّا لا يتجزأ، وكما نتصوره أقسامًا لكل قسم خواصه المترتبة على ما فيه من أفكار وانفعالات وأخيلة. وأما إذا وقفنا عند الجانب اللفظي فقط وهو ما يتصرف إليه اللفظ عند الإطلاق فيمكن أن تعتبر العناصر هي الكلمة، والجملة، والصورة "التشبيه، والاستعارة، والكناية ... " والفقرة والعبارة، وعلى ذلك يدرس الأسلوب للتلاميذ، دراسة تطبيقية، وتكون هذه العناصر -التي ذكرت سابقًا في التحليل- خصائص يتميز كل قسم ببعضها، ولا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 50

الباب الثالث: الأسلوب والموضوع مدخل ... الباب الثالث: الأسلوب والموضوع نذكر في هذا الباب وما يليه أسباب اختلاف الأساليب، ومظاهر هذا الاختلاف، ونعني بالأساليب هنا هذه العبارات اللفظية التي هي المظهر لطريقتي التفكير والتصوير كما سبق، وإنما يرجع اختلاف الأساليب إلى سببين رئيسين: الأول: الموضوع. الثاني: الأديب. وهناك أشياء أخرى يذكرها بعض الباحثين كاختلاف الصنعة، ومقدار الملائمة بين اللفظ والمعنى وغير ذلك، ولكنها في الواقع مظاهر تطبيقية لأحد هذين السببين أو لكليهما كما يتضح ذلك أثناء الكلام الآتي. فالموضوع هو السبب الأول الذي يقوم عليه اختلاف الأساليب، ويراد بالموضوع الفن الذي يختاره الكاتب ليعبر به عما في نفسه، علمًا أو أدبًا، نظما أو نثرًا مقالة أو قصة أو رسالة أو خطابة ... فلكل فن منها أسلوبه الخاص الذي يلائم طبيعته. وأما الأديب فإن اختلاف الأساليب بالنسبة له راجع إلى اختلاف شخصيات الأدباء من حيث أذواقهم ومواهبهم العقلية ودرجة انفعالهم، وطبعائهم الخشنة أو الرقيقة، وطريقة تفكيرهم وتصويرهم؛ إذ كان لكل ذلك معنى خاصًّا

стр. 51

ونفرد هذا الباب للكلام في السبب الأول وهو الموضوع، فنلاحظ أن: ونذكر في الفصول التالية خواص كل أسلوب، وما يميزه من سواه، بناء على اختلاف هذه الفنون، وليلاحظ أن بعض فنون النثر أدب خاص والآخر أدب عام يمكن عده في الأسلوب العلمي العام أيضًا كما يمر بك.

стр. 52

الفصل الأول: الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي الخطوة الأولى لاختلاف الأساليب تبدأ بالفرق بين الأسلوبين: العلمي والأدبي. وقد رأيت فيما مضى أن الكاتب حين يريد الكتابة في موضوع يجب عليه أولًا أن يختار الأفكار التي يريد أداءها لجدتها أو قيمتها أو ملاءمتها لمقتضى الحال، ثم يرتب هذه الأفكار ترتيبًا معقولًا ليكون ذلك أدعى إلى فهمها وحسن ارتباطها في ذهن القارئ وأخيرًا يعبر عنها بالألفاظ اللائقة بها، فإذا ما فعل ذلك حصل على الأسلوب العلمي، وقد ذكرنا مثال ذلك قبل ونذكر هنا مثالًا آخر نستعين به على بيان ما يمتاز به كل من النوعين؛ فالأسلوب العلمي، كما قيل في وصف الأهرام: "كان القصد من بناء الأهرام إيجاد مكان حصين خفي يوضع فيه تابوت الملك بعد مماته؛ ولذلك شيدو الهرم الأكبر وجعلوا فيه أسرابًا خفية زَلِقَة صعبة الولوج لضيقها، وانخفاض سقفها وإملاسها حتى لا يتسنى لأحد الوصول إلى المخدع الذي به التابوت، ومن أجل ذلك أيضًا سُدَّ مدخل الهرم بحجر هائل متحرك، ولا يَعرف سر تحريكه إلا الكهنة والحراس، ووُضِعَت أمثالُ هذا الحجر على مسافات متتابعة في الأسراب المذكورة. وبهذه الطريقة بقي المدخل ومنافذ تلك الأسراب مجهولة أجيالا من الزمان. ويُعد الهرم الأكبر من عجائب الدنيا. قرر المهندسون والمؤرخون أن بناءه يشمل ٢.٣٠٠.٠٠٠ حجر، متوسط وزن الحجر منها طنان ونصف طن، وكان يشتغل في بناء الهرم مائة ألف رجل يستبدل بهم غيرهم كل ثلاثة أشهر، وقد استغرق بناؤه عشرين عاما. وجميع هذا الهرم شيد من الحجر الجيري الصب ما عدا المخدع الأكبر فإنه من

стр. 53

الصخر المحبب وكَان الهرم مغطى بطبقة من الجرانيت فوقها أخرى من الحجر الجيري المصقول ووضع الملاط بين الأحجار في غاية الدقة حتى كان الناظر إلى الهرم يكاد يظنه صخرة واحدة"١. فليس من شك أن كاتب هذه القطعة. ١- قد اختار هذه الحقائق أو المعارف لأهميتها في تاريخ الأهرام. ٢- ثم رتبها هذا الترتيب الذي رأيته فعرض لسبب البناء، ولهذا الوصف الذي يطابق سر هذا البناء، ثم انتقل إلى ذكر هذه الأفكار التفصيلية المتصلة بالبناء. ٣- وأخيرًا عبر عنه بهذه العبارة السهلة الكاشفة، وهذا هو الأسلوب العلمي الذي يتخذ وسيلة لنشر المعارف وتغذية العقل دون أن تطغى شخصية الكاتب فيه. وأحيانًا يقف الكاتب عند هذه الحقائق والمعارف ولا يجعل قصده الفذّ تغذية العقل بالأفكار، وإنما يعرف هذه الحقائق، ويختار أهمها وأبرزها الذي يستطيع أن يجد فيه مظهرًا لجمال ظاهر أو خفي أو معرضًا لعظة واعتبار أو داعيًا لتفكير وتأثير ثم يفسر ما اختار تفسيرًا خاصًّا به، بما يخلع عليه من نفسه المتعجبة أو المتعظة، الراضية أو الساخطة، ثم يحاول نقل هذا الانفعال -أو إثارة مثله- إلى نفوس القراء والسامعين ليكونوا معجبين أو مغتبطين، راضين أو ساخطين، وبذلك يدخل في الأسلوب هذا العنصر الجديد الذي يصور الشعور وهو الخيال. وهنا نرى الأسلوب الأدبي كما قيل في الأهرام:

стр. 54

"ولما وقفتْ بنا الركاب في ساحة الأهرام، وقفنا هناك موقف الإجلال والإعظام، قبالة ذلك العَلم الذي يطاول الروابي والأعلام، والهضِبة التي تعلو الهضاب والآكام والبِنية التي تشرف رَضْوى وشمام، وتُبلى ببقائها جدة الليالي والأيام، وتطوى تحت ظلالها أقوامًا بعد أقوام، وتفنى بدوامها أعمار السنين والأعوام، خَلِقت ثيابُ الدهر وهي لا تزال في ثوبها القشيب، وشابت القرون وأخطأ قرنها وخط المشيب، ما برحت ثابتة تناطح مواقع النجوم، وتسخر بثواقب الشهب والرجوم"١. موضوع النصين واحد، هو وصف الأهرام إلا أننا رأينا في عبارات القطعة الثانية خواص لا نجدها في عبارات الأولى سواء في هذه الكلمات الجزلة الفخمة البريئة من المصطلحات العلمية، والتحديد الدقيق، وفي هذه الجمل المختارة القوية المسجوعة، وهذه الصور المتتابعة تشابيه واستعارات فالهرم مرة جبل، وأخرى حرب الدهر، وثالثة فتاة شابة خالدة الشباب.. وأخيرًا هذه الموسيقى العامة الفخمة التي هي في الحقيقة صوت هذا الانفعال النفسي الذي ملك على الكاتب شعوره الباطني ففاض على قلمه ألفاظًا وعبارات. هذا الإعجاب هو -هنا- ما منح الأسلوب صفته الأدبية، وأيدي شخصية الكَاتب في هذا الموقف فإذا بها تُكبِرُ الأهرام، تعجب بقوة الإنسان، ثم تدل على درس للأدب القديم واعتزاز بهذه الصنعة اللفظية والجزالة اللغوية والصور البيانية القديمة. وهذا الإعجاب -باعتباره انفعالا- تعجز اللغة العادية عن تصويره؛ لأنها وضعت بأزاء الأفكار لتعبر عن هذا الفعل الهادئ المحدود، أما الانفعال فهو قوة تعوزه لغة خاصة به وهي التي يحتال لها الأديب فيؤلفها -مستعيًنا بالخيال- من

стр. 55

تشبيه واستعارة وكناية وحسن تعليل، ونحو ذلك لتكون ملائمة لما تؤدي من روعة وسخط وحب وما إليها. وبالموازنة بين هذين النصين نستطيع أن نفرق بين الأسلوبين: العلمي والأدبي فيما يلي: ١- الأصل الأول الذي قام عليها الخلاف بين الأسلوبين هو دخول الأنفعال "أو العاطفة" في الأسلوب الأدبي بجانب أهم الحقائق والأفكار. وأما العلمي فإن المعارف العقلية هي الأساس الأول في بنائه، وقلما تجد للانفعال أثرًا واضحًا؛ لذلك كانت عنايته باستقصاء الأفكار بقدر عناية زميله بقوة الانفعال، ولسنا نعدو الصواب إذا قلنا: إن الأسلوب العلمي لغة العقل والأدبي لغة العاطفة. ٢- ويتبع ذلك أن يكون الغرض من الأسلوب العلمي أداء الحقائق قصد التعليم وخدمة المعرفة، وإنارة العقول، ولكن الغاية في الأسلوب الأدبي هي إثارة الانفعال في نفوس القراء والسامعين، وذلك بعرض الحقائق رائعة جميلة كما أدركها أو تصورها الكاتب الأديب، وبهذا يجمع الأسلوب الأدبي بين الإفادة والتأثير. ٣- تمتاز العبارة الأولى بالدقة والتحديد والاستقصاء، ولكن الثانية تعنى بالتفخيم والتعميم والوقوف عند مواطن الجمال والتأثير. ٤- هذه المصطلحات العلمية، والأرقام الحسابية، والصفات الهندسية التي هي في الأسلوب العلمي مظهر العقل المدقق، يقابلها هذه الصور الخيالية والصنعة البديعة والكلمات الموسيقية التي هي في الأسلوب الأدبي مظهر للانفعال العميق. ٥- والعبارة الأولى تمتاز بالسهولة والوضوح إذا كانت صادرة عن عقل

стр. 56

رزين فاهم كما تمتاز بالجزالة والقوة ما دامت تعبر عن عاطفة قوية حية، فكانت كل منهما موسيقى صادقة لمعناها. ٦- ومن ناحية التكرار لا ترى في الأسلوب العلمي تكرار الفكرة وترديدها، ولكن الأسلوب الأدبي يأخذ المعنى الواحد ويعرضه علينا في عدة صور بيانية مختلفة، تُمثل الإجلال والإعظام، ثم انظر إلى فكرة الضخامة تجدها مرة في صورة علم، وأخرى في صورة هضبة، وثالثة فوق الجباب والهضاب، وكذلك فكرة الخلود تجدها مصورة عدة صور، والخلاصة أن بين الأسلوبين فرقًا في المصدر والغاية والوسيلة، ونورد لك هنا ما قال شوقي في الأهرام ليكون مثالًا تطبيقيًّا. "ما أنت يا أهرام؟ أشواهق أجرام أم شواهد إجرام، وأوضاع معالم أم أشباح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم دلائل أنانية واستئثار؟ وتمثال منصب من الجبرية أم مثال صاح من العبقرية؟ يا كليل البصر عن مواضع العِبر، قليل من البصر بمواقع الآيات الكبر: قف ناج الأحجار الدوارس وتعلم فإن الآثام مدارس، هذه الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذه الصفائح صفائح ممالك ودول، وذلك الركام، من الرمال، غبار أحداج وأحمال، من كل ركب ألم ثم مال. في هذا الحرم درج عيسى صيبًّا، ووقعت بين يديه الكواكب جثيا، وههنا جلال الخلق وثبوته، ونفاذ العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته، ومن هنا نتعلم أن حُسن الثناء، مرهون بإحسان البناء"١. هذا هو الأصل العملي للأسلوبين والفرق بينهما.

стр. 57

وقد يتجه بعض الباحثين اتجاها آخر، لعله نوع من المراء والجدل النظري الممقوت، فيقول: إن مواهب النفس وحدة واحدة، والإنشاء كله صنف واحد لا فرق بينه فنونه شعرًا أو نثرًا، فهو تعبير عن النفس أو عن تفاعلها مع الطبيعة أو هو أدب وكفى، ولكن هل تنبهوا إلى أن النفس البشرية لا تكون بحال واحدة دائمًا كما قلنا؟ ألم يلاحظوا أن هذه الفنون الأدبية ذات خواص متباينة؟ فيم هذا التباين؟ وما سره؟ الذي أخشاه أن تكون مثل هذه الدعاوى فرارًا من دقة النقد الأدبي، وهربًا من تحليل النصوص واستخلاص ما فيها من ميزات أسلوبيه هي التي تفرق بين الفنون الأدبية وكتابها، وهذا هو الخطر الخطير.

стр. 58

الفصل الثاني: في أسلوب الشعر أ- وقد يكون الأسلوب الأدبي شعرًا، فتبدو فيه مظاهر لفظية تلائم طبيعة هذا الفن الشعري، وإن لم تكن في أصلها خاصة به، بل يشاركه النثر الأدبي فيها إلى حد ما، وبيان ذلك بالإيجاز، أن النثر الأدبي يمتاز من النثر العلمي بدخول عنصر العاطفة "الانفعال" في تكوينه، فكان لذلك آثاره الأسلوبية التي ذكرت في الفصل الماضي، فإذا تجاوزناه إلى الشعر رأينا أن الشعر كذلك يعبر عن العاطفة والفكرة ويتخذ الخيال المصور، العبارة الموسيقية، وسيلة إلى هذه الغاية البيانية، وهذا طبعي إذا كان الفنان -الشعر والنثر والأدبي- أدبًا، يصور العقل والشعور كما سبق بيانه، فليس هناك إذًا تضاد مطلق بين الشعر والنثر، وإنما تقوم الصلة بينهما على اتحاد موضوعي واختلاف شكلي. ب- ناحية الاتحاد تظهر أن كلا منهما يتناول الموضوعات التي يتناولها صاحبه مما يتصل بالإنسان والطبيعة؟ فالحماسة والعتاب والمدح والهجاء والغزل والرثاء والوصف والاعتذار، فنون الشعر كما هي فنون النثر الأدبي.. وكل منهما يتناول الأشياء بالطريقة الفنية التي تبدو فيها شخصية الأديب، وتكون معرضًا لانفعالاته وأخيلته وعباراته الخاصة ومزاجه الممتاز، وقد رأيت أن العناصر التي يتألف منها النثر الأدبي تتوافر في الشعر أيضًا ومعنى هذا أن طبيعة كل منهما تتصل بالأخرى، وأنهم جميعاً غذاء العقل والشعور، وأن هذه الظواهر اللفظية التي تذكر في أسلوب الشعر إنما تعد فيه أقوى مظهرًا، وأحسن ملاءمة.

стр. 59

جـ- وأما ناحية الاختلاف فتقوم على اعتبار أن النثر تغلب عليه صفة الإفادة والشعر تسوده صفة التأثير؛ فمهما يكن النثر أدبيًّا فنيًّا فإنه ينزع دائما إلى طبيعته التقريرية وأصله العقلي النافع الذي يظهر واضحا في النثر العلمي في حين أن الشعر مهما يكن عقليا فإنه يتشبث دائما بطبيعته الرمزية وأصله الموسيقي الجميل الذي تسمعه حماسة قوية، ونسيبا رقيقا، ووصفا جميلا، ورثاء حزينا، حتى قيل: إن الفكرة أصل في النثر والعاطفة مساعد، وعكس ذلك في الشعر حيث تتصدر العاطفة متكئة على حقيقة تسندها وتبعث فيها الصدق والقوة والبقاء، وعلى ناحية الخلاف الشكلية هذه تقوم المظاهر التي تتراءى في أسلوب الشعر، وهي ظواهر تميزه كما لا كيفا، أي أنها ترى الشعر بدرجة أسمى مما ترد في النثر الأدبي. ولنذكر لأسلوب الشعر هذا المثال من قول شوقي في الأهرام: قف ناج أهرام الجلال وناد ... هل من بناتك مجلس أو ناد نشكو ونفزع فيه بين عيونهم ... إن الأبوة مفزع الأولاد ونبثهم عبث الهوى بتراثهم ... من كل ملق للهوى بقياد ونبين كيف تفرق الإخوان في ... وقت البلاء تفرق الأضداد إن المغالط في الحقيقة نفسه ... باغ على النفس الضعيفة عاد قل للأعاجيب الثلاث مقالة ... من هاتف بمكانهن وشاد لله أنت! فما رأيت على الصفا ... هذا الجلال، ولا على الأوتاد لك كالمعابد روعة قدسية ... وعليك روحانية العباد أسست من أحلامهم بقواعد ... ورفعت ممن أحلاقهم بعماد

стр. 60

تلك الرمال بجانبيك بقية ... من نعمة وسماحة ورماد١ وقبل الكلام في الخواص اللفظية نلاحظ أن الانفعال الذي تبعثه هذه الأبيات يتوزع بين الحزن في القسم الأول والإعجاب في الثاني. وذلك لأن القصيدة قيلت في الحفاوة بأديب سوريا الأستاذ أمين الريحاني أيام الاضطرابات التي شملت بلاد الشرق العربي عقب الحرب العظمى، وكانت "مصر" مسرحًا لكثير منها فشكا شاعرنا ذلك في مطلع قصديته. ولعل الإعجاب أسبق انفعال إلى النفس حين ترى الأهرام؛ فبدا واضحا في الأبيات الأخيرة وهذا الاعجاب أحسسته من قبل عند المويلحي، وعند شوقي آخر كلمته المنثورة الواردة في الفصل السابق، ومع ذلك فإنك ترى في النثر المذكور ميلا إلى استخراج العظات والعبر وإلى إيراد الحقائق التاريخية، وبيان اختلاف الرأي فيما تدل عليه الأهرام من مجد ينسب إلى الفراعنة أو ظلم نال المصريين، على أن هذه النماذج النثرية من النوع الذي علا وأخذ يقرب من الشعر حتى كاد ينسى طبيعته الأولى ويعود شعرًا منثورًا. وأول ما يلقانا بعد ذلك هذه العبارات الموسيقية التي تمتاز بالوزن والقافية، ورقة الكلمات أو جزالتها، وتخير التراكيب وتجنب الفضول والابتذال، حتى عادت العبارات أصلح للأسلوب الشعري الجامع بين التهذيب وقوة التأثير. وهذا القدر الذي ذكرناه يسمح لنا أن نتقدم قليلا، فنذكر الخواص الآتية على أنها أشد ظهورًا في الشعر وأقوى به اتصالا:

стр. 61

١- فالوزن أخص ميزات الشعر وأبينهما في أسلوبه ويقوم على ترديد التفاعيل المؤلفة من الأسباب والأوتاد والفواصل، وعن ترديد التفاعيل تنشأ الوحدة الموسيقية للقصيدة كلها، فأبيات شوقي المذكورة آنفًا قائما على هذه التفعيلة -متفاعلن- فلما كررت ثلاث مرات كان الشطر، ولما كررت ستًّا كان البيت أو الوزن الذي يسمى في علم العروض -بحر الكامل- والقصيدة كلها من هذا الوزن. وللشعر العربي أوزان -أو بحور- أساسية بلغ عددها ستة عشر بحرًا عدا ما استحدث من أوزان مخترعة فصيحة وعامية، منها الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والهزج، والسريع والخفيف، والمجتث، والرمل، كما هو موضح في علم العروض. وليس معنى ذلك أن النثر خال من الوزن مطلقًا، فلا نزال نحس فيه وزنًا أيضًا وإن كان أقل من وزن الشعر ظهورًا وانتظامًا، فهو في النثر مظهر لقوة العبارة وجمالها تجده في الخطابة ذات العبارة المقسمة المفصلة، وفي الوصف الرائع الرقيق والتقرير الواضح، فإذا رجعت إلى نثر شوقي مثلا في الأهرام تراءى لك هذا الوزن النثرى واضحًا في عبارته المقسمة: "ما أنت يا أهرام، أشواهق أجرام؟ أم شواهد إجرام؟ وأوضاح معالم أم أشباح مظالم؟ " فتجد شواهد إجرام على مثال شواهد إجرام وكلاهما على وزن: فواعل أفعال، وهكذا في الباقي، واقرأ هذه الأسطر لطه حسين متمثلًا معانيها بين أخذ ورد، وجذب ودفع، واستعجال وحماسة وتجد واستفزاز، تحس هذه التيارات النفسية واضحة متتابعة في موسيقى هذه العبارة: "والشعوبية، ما رأيك فيهم، وفيما يمكن أن يكون لهم من الأثر القوي في انتحال الشعر والأخبار؟ " فالكلمة الأولى تقوم وحدها مقام تفعيلة والاستفهام بعدها تفعيلة أخرى تمهيدية وليتها عبارة منسقة انتهت بهم بهذا الوقف والقافية

стр. 62

الموسيقية، فلما بدأ يعد ذلك علت موسيقاه وعادت مقسمة تدل على عقيدة قوية، واعتزاز واضح "أما نحن فنعتقد أن هؤلاء الشعوبية قد انتحلوا أخبارًا وأشعارًا كثيرة وأضافوها إلى الجاهليين والإسلاميين"١. ويظهر أن الوزن ظاهرة طبيعية للعبارة ما دامت تؤدي معنى انفعاليًّا، فقد ثبت في علم النفس أن الإنسان حين يملكه انفعال تبدو عليه ظاهرات جثمانية عملية كاضطراب النبض، وضعف الحركة أو قوتها وسرعة التنفس أو بطئه، وحركة الأيدي قبضًا وبسطا، وهذه نفسها دليل على ما في النفس من قوة قوية طارئة، فاللغة التي تصور هذا الانفعال لا بد أن تكون موزونة، ذات مظاهر لفظية متباينة لتلائم معناها وتكون صداه الصحيح، وسيأتي تفصيل ذلك في الفصل الآتي. ٢- والقافية كذلك ظاهرة شعرية تصور المقطع الذي تنتهي به أبيات القصيدة، ويبقى وزنه مرددا آخر كل بيت ليحفظ لها وحدتها أو نغمتها الأخيرة، وقد غلبت على الشعر العربي القديم وحدة القافية والتزامها في جميع الأبيات كما غلبت عليه وحدة الوزن العروضي، وهذه قصيدة شوقي السابقة، جميعها من بحر الكامل، وقافيتها دالية لم يشذ عن ذلك بيت ولا مقطع في آخره ولا شك أن الروي أهم حروف القافية لتكراره بذاته مع حركته الخاصة، على أن القافية تكون في النثر أيضًا وإن لم تكن لازمة، وذلك في الكلام المسجوع حيث تتوارد القوافي على حرف واحد، مع الاعتدال في مقاطع الكلام، كما قال شوقي في الجندي المجهول: "ذلك الغفل في الرمم، صار نارًا على علم، جمع ضحايا الأمم، كما جمع الكتابة القلم أو الكتيبة العلم"٢ على أن لو فرضنا تحلل الشعر

стр. 63

من وحدة القافية في القصيدة وترك النثر حيلة السجع، فلا زال هناك حسن الانتهاء آخر البيت أو الفقرة وفيه يجب أن تتوافر نغمة ملائمة قد تتحقق بحروف الوصل أو الخروج أو الردف التي تجعل الوقف لينًا رشيقًا كقول الشاعر: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفعُ فالوصل هو هذه الواو المولدة عن إشباع حركة العين في "تنفع" وهي علامة الراحة وحسن الانتهاء؛ ومن ذلك ما ورد في آخر رسالة للجاحظ كتبها إلى قليب المغربي يعاتبه: "والله يا قليب لولا أن كبدي في هواك مقروحة، وروحي بك مجروحة، لساجلتك هذه القطيعة، وماددتك حبل المصارمة، وأرجو الله تعالى أن يُديل صبري، من جفائك، فيردك إلى مودتي، وأنف القِلا راغم، فقد طال العهد بالاجتماع، حتى كدنا نتناكر عند اللقاء". ٣- كذلك كلمات الشعر يجب أن تكون منتقاة، غير مبتذلة، تدل بجرسها وبمعناها على ما تصور من أصوات، وألوان، أو نزعات نفسية، وبذلك يحاول الشعر أن يكتسب صفة الموسيقى والرسم وبخاصة حين تحكي الكلمات صوت الطبيعة أو الحركة، أو تكون ذات صفة حسية، فقد رأيت في وصف الأهرام كلمات الروعة، والجلال، والقدسية والروحانية، وإذا قرأت لابن المعتز قوله يصفُ سحابة: وسارية لا تمل البكا ... جرى دمعها في خدود الثرى فلما دنت جلجلت في السما ... ء رعد أجش كجرس الرحا رأيت كلمات: الخدود وتقدح وبرق وهندية وجلجلت وأجش وجرس الرحا، التي تعد كلمات لونية وصوتية صادقة في نقل ما تعرض له من أوصاف.

стр. 64

والنثر الأدبي يحرص على تحقيق هذه الخاصة وإن لم يبلغ فيها مبلغ الشعر لحاجته إلى التقرير النسبي الذي يسدل عليه صفة عقلية تحد من موسيقاه وتصويره. وقد لاحظ ابن الأثير١ أن من الألفاظ ما يحسن استعماله في الشعر دون النثر ومما مثل به لذلك كلمة مشمخر الواردة في قصيدة للبحتري يصف إيوان كسرى: مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رءوس رضوى وقدس ولعل السر في ذلك، عندي، أن مثل هذا اللفظ وجد في موسيقى الشعر أولًا في عدم تقيده بالصفة التقريرية العقلية الواضحة ثانيًا، ما جعله ملائمًا لأسلوب الشعر دون النثر. ٤- أما الصور الخيالية كالتشبيه، والمجاز، والكناية، والمطابقة، وحسن التعليل فإنها تكون في الشعر أشد قوة وأروع جمالًا، وهي في النثر أميل إلى الإيضاح والإيجاز ثم التأثير أيضًا، لذلك كانت الكناية والاستعارة أكثر ورودًا في النظم وكان التشبيه أكثر دورانًا في النثر وهذا الفرق يقوم كما ذكر على أن وظيفة الشعر التأثير وبعث الانفعال أولًا ووظيفة النثر الإفادة وتغذية العقل أولًا؛ فاحتاج الشعر إلى هذه الصور الخيالية القوية لتكون وسيلته الصالحة، واعتمد عليها النثر حين تفيده في الدقة والوضوح، فإذا غلا النثر وسلك سبيل الشعر في استخدام الأنواع البيانية هذه، كان ذلك منه بعدًا عن طبيعته الأولى ونزوعًا إلى طبيعة الشعر قال البحتري: إذا ما نسبت الحادثات وجدتها ... بنات زمان أرصدت لبنيه من أردت الدنيا نباهة خاملٍ ... فلا ترتقب إلا خمول نبيه فالاستعارة في البيت الأول قائمة على أن الزمان يبتلي الناس بحوادثه وغايتها

стр. 65

التشنيع والبرم بهذه الحادثات لا التفسير والإيضاح حتى إذا قرأت البيت الثاني رأيت في هذه المقابلة مثلا من آثار هذه البلاء وهو أثر سيئ شنيع، ويقول رسول الله ﷺ : $"إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاء ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها". فهذا التمثيل البياني يراد به التوضيح والإفهام. فالرسول في إخراج الناس من ظلمات يتهافتون عليها، إلى الهدى والنور كأنه ينزع فراشًا ودوابَّ من نار تتهالك عليها، هذا هو الأصل في كل من النظم والنثر. ٥- تراكيب الشعر أكثر حرية في تأليف كلماتها من حيث التقديم والتأخير، وذلك ناشئ عن قصد التوفيق بين وزن الشعر وحركات العبارة فتبدو الجمل في نظام غير طبيعي؛ على أن شيئًا من ذلك قد يكون لغرض معنوي أو فني كالقصر أو التفاؤل. أما النثر فلا يخرج نظم الكلام فيه عن الأصل إلا لباعث معنوي، ومن ذلك في الشعر ما قال المتنبي: وشيخ في الشباب وليس شيخًا ... يُسمَّى كل ممن بلغ المشيبا ففصل بين ليس واسمها "كل" وقدم المعمول "شيخًا" على عامله "يسمى" ليستقيم له الوزن ومن ذلك قوله: وكان أطيب من سيفي مضاجعة ... أشباه رونقة الغيد الأماليد فأخر اسم كان "أشباه" وأضافه إلى المتصل بضمير السيف ليعود هذا على متقدم في الذكر. ومن ذلك في النثر قول زيادة: "حرام على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا" مما التقديم فيه للإلزام والإرهاب أو للقصر والتوكيد.

стр. 66

٦- وفي محاولة التوفيق بين الأوزان الشعرية والتراكيب اللغوية، يضطر الشاعر إلى إحدى اثنتين: إما أن يجوز على الأوزان فتنشأ العلل والزحاف، وإما أن يجوز على الكلمات فتنشأ الضرورات، أو الضرائر التي تجوز للشاعر دون الناثر١، ومعنى ذلك أن أسلوب الشاعر يمتاز بجواز قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك الساكن وعكسه، ومنع المصروف وصرف الممنوع، ومجاوزة بعض القوانين النحوية، كل ذلك قصد الملاءمة بين موسيقى الوزن وحركات العبارات فنحو قول الشاعر: سيروا معًا إنما ميعادكم ... يوم الثلاثاء ببطن الوادي تغير فيه وزن البسيط فالعروض مجزوءة٢ والضرب مقطوع٣ هذا من جهة، ومن جهة ثانية حذفت همزة "الثلاثاء" كما ترى لتحصيل الوزن، وفي قول امرئ القيس: ويوم دخلت الخدرَ خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنك مرجلي فصرف كلمة "عنيزة" لضرورة الوزن. ومع ذلك يحسن الشاعر أن ينزه شعره عن الضرورات وكثرة الفصل والتقديم والتأخير بدون داعٍ أدبي حتى لا يشوه شعره أو يتورط في التعقيد، يقول أبو هلال العسكري٤: والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور في سلامته وسهولته وقلت ضرورته، ومن ذلك قول بعض المحدثين:

стр. 67

وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة في دارها كأنك مطلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها فكرات طرفك مردودة ... إليك يغامض أخبارها وفي راحتيك الردى والندى ... وكلتاهما طوع ممتارها وأقضية الله محتومة ... وأنت منفذ أقدارها ولأبي العتاهية، والبهاء زهير، والبحتري، وغيرهم أمثلة لهذه المحمودة. ٧- ولما كان الشعر أدخل في باب الفن وأشد تمثيلا له كان أميل إلى الإيجاز والقصد في تأليف العبارات؛ فمن حقه الاكتفاء بالعناصر الرئيسية كالمسند والمسند إليه دون التزام الفضلة، وكثرة الروابط مثل حروف العطف، والجر، والضمائر، كذلك يكتفي الشعر بالمقدمات دون النتائج، وعكس ذلك أيضًا، مائلا بذلك إلى الرمز والإشارة واللمحة دون التصريح والتفسير. ولنذكر مثالا لذلك قول المتنبي: ومراد النفوس أصغر من أن ... تتعادى فيه وأن تتفانى غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحاتٍ ولا يُلاقي الهوانا فإن نثر هذين البيتين يبين لنا العبارات المحذوفة إيجازًا واكتفاء، يقول: إن ما تبتغيه النفوس "من طعام وشراب ولباس" أصغر من أن يحتاج الناس في "الحصول عليه" إلى التعادي والتفاني، ولكن الناس مع ذلك لا يكفون عن التحارب والتباغض فما سر ذلك إذًا؟ السر هو الحرص على الحرية والكرامة والعزة التي "يفضل الإنسان الموت في سبيلها عن أن يقبل المذلة والهوان" مسلمًا راضيًا.

стр. 68

من ذلك ترى مقدار ما بين الشعر والنثر من الفرق في العناية بعناصر العبارة، اكتفاء وإيجاز في الأول، وتصريح واكتمال في الثاني. ٨- لأسلوب الشعر بعد ذلك صفة خاصة هي خلاصة هذه الميزات المذكورة مع طبع الشاعر وذوقه، فهو الذي يطبع العبارة بطابع القوة، أو الجمال ويكسبه روح الشاعر وشخصيته الفنية الممتازة، وفيها يحار النقاد ويسمونها مرة عبقرية الشاعر، ومرة أخرى شيئًا يدرك ولا يمكن تعليله وتفسيره تدركه في قوة المتنبي، وجمال البحتري ورقة جرير في النسيب، وسهولة أبي العتاهية والبهاء زهير، ويكفي هنا أن أشير إلى مثل قول جرير: بان الخليط ولو طووعت ما بانا ... وقطعوا من حِبال الوصلِ أقرانا حي المنازل إذ لا نبتغي بدلًا ... بالدار دارًا ولا الجيران جيرانا لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت ... أسباب دنياك من أسباب دنيانا إن العيون التي في طرفها حور ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن عن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا١ وعندي أن مصدر هذه الموسيقى الرائعة الأول هو عاطفة الشاعر الرقيقة التي تبدو هنا في الأسف، والوفاء، وإدراك ما في الجمال من روعة وقوة آثار، وهذه الموسيقى النفسية هي التي استدعت هذا الوزن الغنائي وتلك القافية المطلقة، مع رقة العبارة فتنامت بذلك أسباب الجمل.

стр. 69

الفصل الثالث: في اختلاف أساليب الشعر مدخل ... الفصل الثالث: في اختلاف أساليب الشعر -١- وهنا نشير إلى مسألة أخرى هي اختلاف أساليب الشعر باختلاف الموضوعات التي يتناولها؛ إذ كان من الملاحظ أن أسلوب الحماسة أو الفخر قوي جليل، وأن أسلوب العتاب أو النسيب، رقيق جميل، وأسلوب الوصف الطبيعي رائع جذاب؛ فما سبب هذا الاختلاف، وما مظاهره اللفظية؟ من المقرر الثابت أن الشعر فن جميل ينشأ عن الناحية الوجدانية للنفس الإنسانية فيعبر بلغته الكلامية الموسيقية عن أنواع الانفعال والعواطف. والانفعال قوة وجدانية تسيطر على النفس وتصحبها تغبيرات جثمانية ظاهرة وأخرى عقلية باطنة، واضطرابات عصبية من الممكن أن يلحظها الإنسان في نفسه، وفي غيره، في أحوال الغضب والرضا، والفرح والحزن، والتفاؤل والتشاؤم، والفزع والهدوء، على تفاوت في الكم والكيف، وفي طبيعة الانفعال لذة وألما، وبساطة وتركيبًا إلى غير ذلك. لاحظ الخائف وما يحل به من انقباض عام، وضيق نفسي، وجفاف في الحلق، وخفة في النفس، وارتعاد في العضلات، ثم ضيق دائرة الشعور وقصره على ما يتصل بموضوع الانفعال، وقد يبلغ به الأمر إلى نسيان عهوده ومواثيقه، واكتسابه شخصية أخرى. فالانفعال يؤثر في الجسم والعقل والسلوك سواء أكان خوفًا أم حبًّا، أم بغضًا أم إعجابًا.. ولكن بدرجات مختلفة كما أسلفنا.

стр. 70

ولعلماء النفس كلام كثير في تفسير الانفعالات، وصلتها بالغرائز، وفي أقسامها المختلفة القائمة على أسس متباينة١ فهي مثلًا لذيذة أو مؤلمة، بسيطة أو مركبة، قوية أو ضعيفة. ولعل أهم ما يعنينا هنا أن هذه الانفعالات -التي هي موضوع الشعر- تختلف في طبيعتها واتجاهها، قوة وضعفًا إيجابًا وسلبًا، إقدامًا وإحجامًا، ويتبع ذلك اختلاف مظاهرها في جسم الإنسان وفي نفسه؛ فالغضب أقوى من الحزن، وهذا أقوى من الأسف، والفرح أقوى من الإعجاب، كل ذلك غالبي؛ لهذا يصحب الغضب مثلًا نشاط عام في القول والعمل يتجه نحو العدو، كما أن الفرح تصحبه حركات طروبة بهيجة، وعبارات مؤثرة وغناء ورقص أحيانًا. والحزن واليأس كثيرًا ما يصحبهما فتور وبكاء. وهذا ينتهي بنا إلى تقسيم الانفعالات الأدبية قسمين رئيسيين: قسم إيجابي أو إقدامي، وقسم سلبي أو إحجامي، فالأول قوة دافعة كالغضب والقلق، والثاني ضعيف متخلف كالحزن والأسف، والخوف في بعض الأحيان. -٢- وحينما تعرض اللغة لتصوير هذه الانفعالات تصويرًا صادقًا يلائم طبيعتها كانت هذه اللغة موزونة حتما لتكون عبارتها صدى لقوى العواطف والانفعالات التي تؤديها، فهي ذات موسيقى قوية أو ضعيفة، خشنة أو رقيقة ناعمة، منسجمة أو مختلفة، كل تلك ظواهر طبيعية لما يحويه الأسلوب من معنى هو هنا قوة الوجدان أو موسيقاه.

стр. 71

ولولا أن عبارات اللغة كلمات موضوعة لمعان فكرية محدودة، لكانت العبارات غناء وألحانًا كما كانت قديمًا، أو كانت موسيقى مجلجلة، أو جميلة مؤثرة، أو متنوعة. ومع ذلك -أو على الرغم من ذلك- نجد العبارات الأدبية تحتال دائمًا -مع تأثرها بالمعاني العقلية- لتكون صورة لموسيقى النفس إلى درجة محمودة. فالكلمات رشيقة ذات جرس خاص، تحكي صوت الطبيعة التي تصفها، والألوان التي تصورها، والجمل موجزة مقسمة حرة في تكوين عناصرها تخضع لشيئين: الصحة النحوية، والموسيقى الأدبية، وعن ذلك نشأت البحور في الشعر، والقافية فيه وفي النثر.. وعن ذلك ينشأ الأسلوب المثالي الذي يختصر في هذه الكلمة القديمة: ائتلاف اللفظ والمعنى. والنتيجة الطبعية لكل ما سبق من: ١- اختلاف درجة الانفعال في القوة. ٢- وصدق التعبير عنها باللغة، أن الأسلوب نفسه يختلف باختلاف معناه الوجداني، فالعبارة التي تصور الغضب أو السخط أقوى من تلك التي تعبر عن الحزن أو الخوف أو الوله أو الخذلان. ومعنى هذا أيضًا أن أسلوب الحماسة أو الوعيد أقوى من أسلوب النسيب أو الاعتذار أو الرثاء؛ ونجد وصف الطبيعة أو المدح أو الخمريات أو الحكمة متوسطًا، كما أن الوصف العام الذي يتناول كل شيء مختلف حسبما يتناول من قائع حربية، أو أصوات طبعية، أو حوادث هامة، فهو صادق على كل هذه الفنون. هذا هو القانون العام الذي تخضع له الأساليب الأدبية عامة، وأساليب الشعر خاصة، ولنسرع فنذكر هنا مثالا يوضح ما ذكر. قال بشار بن برد مفتخرًا: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

стр. 72

إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلةٍ ... ذرا منبر صلى علينا وسلما وإنا لقوم ما تزال جيادنا ... تاسور ملكا أو تناهب مغنما فأسمعك هذا الصخب العالي الذي يصور الاعتزاز بالقبيل، كما يصور العنف والتحفز، ويبعث الرهبة في النفوس، وذلك هو ما في نفس الشاعر من انفعال قد طبع العبارة بطابعه أو -على الأصح- خلقها وألفها على وفقه ومثاله، فكانت صداه الصادق، وثوبه اللائق، ولغته الطبيعية الجميلة، وبشار نفسه هو القائل ينسب بمن تدعى "عبدة": لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم وإذا قلت لها: جودي لنا ... خرجت بالصمت عن لا ونعم رفهي يا عبد عني واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم إن في بردي جسما ناحلا ... لو توكأت عليه لانهدم فتحس هنا نفسا متألمة ذليلة تترضى أخرى أقوى منها وأشد، فلان الأسلوب لذلك ورق، وكأنك ترهب بشارًا وتفر منه أولًا، ثم ترق له وتعطف عليه ثانيًا وهو القائل: هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدنى إليك فإن الحب أقصاني يقول ابن الأثير: "الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منها موضع يحسن استعماله فيه؛ فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف وأشباه ذلك، وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات وملاينات الاستعطاف وأشباه ذلك"١ وربما كانت الدقة العلمية تقتضي أن يعكس الوضع فيقول: إن مواقف الحروب تنتج أسلوبًا ذا ألفاظ جزلة، والأشواق تنشئ أسلوبًا ذا ألفاظ

стр. 73

عذبة رقيق. وللقاضي الجرجاني كلام في هذا المعنى تجده في مقدمة الوساطة١ ومع ذلك هناك أمور يحسن أن نسرع فنلاحظها هنا: الأول: أن الفن الشعري الواحد يختلف أسلوبه باختلاف معانيه وأنواعه فالنسيب الوصفي يخالف الشاكي الحزين أو الثائر، وكلهما يختلف من القصص، ونحو ذلك يقال في المديح، والحماسة، والهجاء كما يأتي بيانه. الثاني: أن لشخصية الشاعر تأثيرًا قويًّا في لون الأسلوب فتضيف إليه مزايا خاصة فوق هذه المزايا الموضوعية العامة؛ فرقة النسيب أو العتاب قد تتوارى خلف قوة الشخصية وجفائها كما قد تلحظ عند المتنبي، على أن تفصيل ذلك يلقاك في الباب التالي. الثالث: أن هذا الاختلاف العام الذي نشعر به في الأساليب يبدو في الكلمات، والصور، والتراكيب، والعبارات مع طيف موسيقي عام، هو في الأصل من عبقرية الشاعر وموسيقى نفسه الشاعرة، وستجد مثلًا لذلك فيما يلي. -٣- علينا بعد ذلك أن نبين هذه الصلة بين العواطف الإنسانية والفنون الغنائية للشعر، فأي عاطفة تنتج الحماسة، وأيها تنتج العتاب، وأيها تنتج الرثاء؟ وما القاعدة التي يقوم عليها تقسيم الشعر الغنائي إلى فنون مختلفة، وكيف تختلف أساليبه لذلك؟ نستطيع مثلًا، أن نقول: الحماسة ثمرة الغضب أو الطموح، والعتاب ظاهرة المودة والإبقاء، والرثاء نتيجة الحزن والوفاء، والنسيب ينشأ عن المحبة والغزل، والمديح ينشأ عن الإعجاب والاحترام، وهكذا نستطيع رد كل فن إلى عاطفة ما

стр. 74

ولكن ذلك تقسيم عام غير دقيق؛ إذ ليست هناك حدود واضحة بين فنون الشعر ولا بين العواطف والانفعالات فكثيرًا ما تتداخل ويمتزج بعضها ببعض، فلا يخلو الغضب من الحزن، ولا يسلم النسيب من الشكوى ولا المديح من الوصف. لذلك كان من العسير أن نظفر بقاعدة علمية دقيقة لتقسيم مظاهر الوجدان أو لتقسيم الشعر إلى فنونه المختلفة، وهذا هو سبب اضطراب النقاد القدماء والمحدثين في ذكر أبواب الشعر العربي وحصر أقسامه. تجد ذلك في مثل نقد الشعر لقدامه، وديوان الحماسة لأبي تمام، والعمدة لابن رشيق، ومختارات البارودي، وغيرها. ويمكن رد مذاهبهم في التقسيم إلى أصلين: الأول: أن يذكروا الانفعالات ثم ما تنتجه من فنون كقولهم: قواعد الشعر أربعة: الرغبة وتنتج المدح والشكر، والرهبة وتنتج الاعذار والاستعطاف والطرب وينتج الشوق ورقة النسيب، والغضب وينتج الهجاء والتوعد والعتاب. الثاني: أن يذكروا الفنون نفسها، ملاحظين ما تثيره من انفعالات في نفوس السامعين، فقالوا: الشعر نسيب، ومدح، وفخر، ووصف إلى غير ذلك. وأما حديثهم عن الأسلوب فكان مقتضبًا غير قائم على أصول نفسية عميقة ولا منظمة١. وليس هناك تضاد بين الأصلين في حقيقة الأمر، فعاطفة الشاعر القوية تثير مثلها في نفوس القراء والسامعين بوساطة الأسلوب، لذلك ليس ما يمنع أن نساير القدماء في مذهبهم الأول، ونذكر هنا بعض الانفعالات وما يلابسها من فنون:

стр. 75

فالغضب -أو السخط- ينتج الحماسة، والتهديد، والشكوى، والهجاء. والإعجاب ينتج المديح، والوصف الجميل. والحب ينتج النسيب، والمديح والشكران. والازدراء -أو البغض- ينتج الهجاء. والحزن ينشئ الرثاء والعتاب. والطرب ينشئ الفخر والخمريات. ومطلق الانفعال ينتج الوصف العام أو أي فن من الفنون ويمكننا أن نقول بوجه عام: إن هناك أسلوبًا قويًّا كالحماسة، وأسلوبًا رقيقًا كالنسيب والعتاب وأسلوبًا وسطًا كالمديح والهجاء، ورابعًا مختلفًا كالوصف. -٤- ولنتقدم قليلًا فنذكر بعض هذه الفنون مشيرين إلى خواصها الأسلوبية.
следующие страницы →