← Баляга

Баляга · id 7357

الأسلوب

أحمد الشايب

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولولا أن عبارات اللغة كلمات موضوعة لمعان فكرية محدودة، لكانت العبارات غناء وألحانًا كما كانت قديمًا، أو كانت موسيقى مجلجلة، أو جميلة مؤثرة، أو متنوعة. ومع ذلك -أو على الرغم من ذلك- نجد العبارات الأدبية تحتال دائمًا -مع تأثرها بالمعاني العقلية- لتكون صورة لموسيقى النفس إلى درجة محمودة. فالكلمات رشيقة ذات جرس خاص، تحكي صوت الطبيعة التي تصفها، والألوان التي تصورها، والجمل موجزة مقسمة حرة في تكوين عناصرها تخضع لشيئين: الصحة النحوية، والموسيقى الأدبية، وعن ذلك نشأت البحور في الشعر، والقافية فيه وفي النثر.. وعن ذلك ينشأ الأسلوب المثالي الذي يختصر في هذه الكلمة القديمة: ائتلاف اللفظ والمعنى. والنتيجة الطبعية لكل ما سبق من: ١- اختلاف درجة الانفعال في القوة. ٢- وصدق التعبير عنها باللغة، أن الأسلوب نفسه يختلف باختلاف معناه الوجداني، فالعبارة التي تصور الغضب أو السخط أقوى من تلك التي تعبر عن الحزن أو الخوف أو الوله أو الخذلان. ومعنى هذا أيضًا أن أسلوب الحماسة أو الوعيد أقوى من أسلوب النسيب أو الاعتذار أو الرثاء؛ ونجد وصف الطبيعة أو المدح أو الخمريات أو الحكمة متوسطًا، كما أن الوصف العام الذي يتناول كل شيء مختلف حسبما يتناول من قائع حربية، أو أصوات طبعية، أو حوادث هامة، فهو صادق على كل هذه الفنون. هذا هو القانون العام الذي تخضع له الأساليب الأدبية عامة، وأساليب الشعر خاصة، ولنسرع فنذكر هنا مثالا يوضح ما ذكر. قال بشار بن برد مفتخرًا: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

стр. 72

إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلةٍ ... ذرا منبر صلى علينا وسلما وإنا لقوم ما تزال جيادنا ... تاسور ملكا أو تناهب مغنما فأسمعك هذا الصخب العالي الذي يصور الاعتزاز بالقبيل، كما يصور العنف والتحفز، ويبعث الرهبة في النفوس، وذلك هو ما في نفس الشاعر من انفعال قد طبع العبارة بطابعه أو -على الأصح- خلقها وألفها على وفقه ومثاله، فكانت صداه الصادق، وثوبه اللائق، ولغته الطبيعية الجميلة، وبشار نفسه هو القائل ينسب بمن تدعى "عبدة": لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم وإذا قلت لها: جودي لنا ... خرجت بالصمت عن لا ونعم رفهي يا عبد عني واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم إن في بردي جسما ناحلا ... لو توكأت عليه لانهدم فتحس هنا نفسا متألمة ذليلة تترضى أخرى أقوى منها وأشد، فلان الأسلوب لذلك ورق، وكأنك ترهب بشارًا وتفر منه أولًا، ثم ترق له وتعطف عليه ثانيًا وهو القائل: هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدنى إليك فإن الحب أقصاني يقول ابن الأثير: "الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منها موضع يحسن استعماله فيه؛ فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف وأشباه ذلك، وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات وملاينات الاستعطاف وأشباه ذلك"١ وربما كانت الدقة العلمية تقتضي أن يعكس الوضع فيقول: إن مواقف الحروب تنتج أسلوبًا ذا ألفاظ جزلة، والأشواق تنشئ أسلوبًا ذا ألفاظ

стр. 73

عذبة رقيق. وللقاضي الجرجاني كلام في هذا المعنى تجده في مقدمة الوساطة١ ومع ذلك هناك أمور يحسن أن نسرع فنلاحظها هنا: الأول: أن الفن الشعري الواحد يختلف أسلوبه باختلاف معانيه وأنواعه فالنسيب الوصفي يخالف الشاكي الحزين أو الثائر، وكلهما يختلف من القصص، ونحو ذلك يقال في المديح، والحماسة، والهجاء كما يأتي بيانه. الثاني: أن لشخصية الشاعر تأثيرًا قويًّا في لون الأسلوب فتضيف إليه مزايا خاصة فوق هذه المزايا الموضوعية العامة؛ فرقة النسيب أو العتاب قد تتوارى خلف قوة الشخصية وجفائها كما قد تلحظ عند المتنبي، على أن تفصيل ذلك يلقاك في الباب التالي. الثالث: أن هذا الاختلاف العام الذي نشعر به في الأساليب يبدو في الكلمات، والصور، والتراكيب، والعبارات مع طيف موسيقي عام، هو في الأصل من عبقرية الشاعر وموسيقى نفسه الشاعرة، وستجد مثلًا لذلك فيما يلي. -٣- علينا بعد ذلك أن نبين هذه الصلة بين العواطف الإنسانية والفنون الغنائية للشعر، فأي عاطفة تنتج الحماسة، وأيها تنتج العتاب، وأيها تنتج الرثاء؟ وما القاعدة التي يقوم عليها تقسيم الشعر الغنائي إلى فنون مختلفة، وكيف تختلف أساليبه لذلك؟ نستطيع مثلًا، أن نقول: الحماسة ثمرة الغضب أو الطموح، والعتاب ظاهرة المودة والإبقاء، والرثاء نتيجة الحزن والوفاء، والنسيب ينشأ عن المحبة والغزل، والمديح ينشأ عن الإعجاب والاحترام، وهكذا نستطيع رد كل فن إلى عاطفة ما

стр. 74

ولكن ذلك تقسيم عام غير دقيق؛ إذ ليست هناك حدود واضحة بين فنون الشعر ولا بين العواطف والانفعالات فكثيرًا ما تتداخل ويمتزج بعضها ببعض، فلا يخلو الغضب من الحزن، ولا يسلم النسيب من الشكوى ولا المديح من الوصف. لذلك كان من العسير أن نظفر بقاعدة علمية دقيقة لتقسيم مظاهر الوجدان أو لتقسيم الشعر إلى فنونه المختلفة، وهذا هو سبب اضطراب النقاد القدماء والمحدثين في ذكر أبواب الشعر العربي وحصر أقسامه. تجد ذلك في مثل نقد الشعر لقدامه، وديوان الحماسة لأبي تمام، والعمدة لابن رشيق، ومختارات البارودي، وغيرها. ويمكن رد مذاهبهم في التقسيم إلى أصلين: الأول: أن يذكروا الانفعالات ثم ما تنتجه من فنون كقولهم: قواعد الشعر أربعة: الرغبة وتنتج المدح والشكر، والرهبة وتنتج الاعذار والاستعطاف والطرب وينتج الشوق ورقة النسيب، والغضب وينتج الهجاء والتوعد والعتاب. الثاني: أن يذكروا الفنون نفسها، ملاحظين ما تثيره من انفعالات في نفوس السامعين، فقالوا: الشعر نسيب، ومدح، وفخر، ووصف إلى غير ذلك. وأما حديثهم عن الأسلوب فكان مقتضبًا غير قائم على أصول نفسية عميقة ولا منظمة١. وليس هناك تضاد بين الأصلين في حقيقة الأمر، فعاطفة الشاعر القوية تثير مثلها في نفوس القراء والسامعين بوساطة الأسلوب، لذلك ليس ما يمنع أن نساير القدماء في مذهبهم الأول، ونذكر هنا بعض الانفعالات وما يلابسها من فنون:

стр. 75

فالغضب -أو السخط- ينتج الحماسة، والتهديد، والشكوى، والهجاء. والإعجاب ينتج المديح، والوصف الجميل. والحب ينتج النسيب، والمديح والشكران. والازدراء -أو البغض- ينتج الهجاء. والحزن ينشئ الرثاء والعتاب. والطرب ينشئ الفخر والخمريات. ومطلق الانفعال ينتج الوصف العام أو أي فن من الفنون ويمكننا أن نقول بوجه عام: إن هناك أسلوبًا قويًّا كالحماسة، وأسلوبًا رقيقًا كالنسيب والعتاب وأسلوبًا وسطًا كالمديح والهجاء، ورابعًا مختلفًا كالوصف. -٤- ولنتقدم قليلًا فنذكر بعض هذه الفنون مشيرين إلى خواصها الأسلوبية.

стр. 76

أولًا: الحماسة ١- الحماسة من حمس بمعنى اشتد وقوي، وفن الحماسة في الشعر هو فن القوة أو فن الأسلوب القوي الشديد، ولسنا بحاجة لنعيد هنا ما أسبقنا من أن هذه القوة مصدرها الأول قوة العاطفة أو الانفعال النفسي الشديد. وإذا نظرنا في حماسة أبي تمام رأينا هذا الفن عنده عريضا يتناول، حقًّا، كل مظاهر القوة في الحياة؛ حربية، وخلقية، واستماعية، وغزلية، وكل نزعة قوية إيجابية تمثل السمو والعزة الفردية والقبلية، من ذلك وصف المعارك وأدواتها وآثارها والحث على القتال والجرأة على الموت، والفخر بالنصر، والاعتذار عن

стр. 77

مقاتلة الأقارب، والتأسي للقتلى، والصبر على الشدائد وهجاء الجبان ومدح العصبية والعفة، وهجر المواطن الذليلة، ونفي الضيم والخلوص إلى الحبيب وركوب الصعاب في سبيله.. كل ذلك ونحوه حشده أبو تمام في الباب الأول من مختاراته وبه سمى الديوان جميعه. ٢- وطبيعي أن يكون أسلوب الحماسة قويًّا كذلك. فالكلمات قوية الجرس، إيجابية المعنى هي رماح وسيوف، وطن وضرب، وقتل، وأسر وانتصار ودماء وأشلاء ووقائع. والصور تتخذ عناصرها -ألوانها وأجزاءها وحركاتها- من الدماء الجارية، والسيوف اللامعة، والرماح المشتجرة، والجيوش الكثيفة كقطع الليل. والجمل جزلة، موجزة، ضخمة. والعبارة على العموم تحكي موسيقى النفس العالية الإيجابية، ولا يتسع المقام هنا لإيراد مُثل لهذه المعاني الحماسية كلها، ولا بعضها وهي شائعة في كتب المختارات ودواوين الشعراء، وقد مر مثال من قول بشار، وهذا أبو الغول الطهوي١ يقول: فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقوا فيهم ظنوني فوارس لا يلمون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون٢ ولا يجزون من حسن بسيء ... ولا يجزون من غلظ بلين ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين

стр. 78

هم منعوا حمي الوقبي بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون١ فنكب عنهم درء الأعادي ... ودووا بالجنون من الجنون٢ ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلوا ولا أرض الهدون٣ فقد جمع في أبياته بين الفخر والوصف، والقصص، ولكنها جميعا تنتهي إلى القوة والبسالة في وزن طروب مرقص، وعبارات جزلة ملائمة.. ٣- ومن الحماسة قطع تدعى المنصفات يعرف فيها للعدو قوته وصبره أو ظفره كقول زفر بن الحارث الكلابي القيسي في ملحمة مرج راهط المشهورة، وكان الشاعر مع الضحاك بن قيس وقومه يحاربون مروان بن الحكم الأموي ومعه بنو تغلب وفيها انتصر مروان: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لا قينا جذام وحميرا٤ فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا٥

стр. 79

ولما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جردًا للمنية ضمرا١ سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا٢ هذه الأبيات على إنصافها، تخيل إليك اصطدام القسي والرماح وملاقاة الفرسان والأقران، وتساقي المنون، والثبات في مواطن الهلاك كأنك تسمع قعقعة السلاح وتشهد مطاردة المقاتلين ومصارع المقتولين ذلك لجزالة الأسلوب وحسن تصويره ما وراءه من عواطف وأفكار فكان عبارات قوية لموضوع قوي. ٤- ولبحور الشعر وأوزانه أثر في الأداء وفي قوة الأسلوب وموسيقى العبارة، فقد لوحظ مثلا، أن الطويل٣ يتسع للفخر والحماسة ومنه القطعة الثانية وقصيدة السموءل المشهورة: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرضُه ... فكل رداء يرتديه جميل وأن الوافر٤ ألين البحور يشتد إذا شددته ويرق إذا رققته، وأكثر ما يجود به النظم في الفخر ومنه القطعة الأولى٥ وقصيدة عمرو بن كلثوم التي يقول فيها: ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وماء البحر نملؤه سفينا ويمكنك أن تقيس على الحماسة سائر الفنون القوية التي لم يستع المجال هنا للخوض فيها وتمثيلها، كالوعيد، والسخط، والطموح وما إليها.

стр. 80

ثانيًا: النسيب ١- ويسمى التشبيب والتغزل، وهو الفن الذي يتناول الحب الإنساني وما يتصل به، وقد يسمى الغزل، والغزل مصدر من معانيه الضعف في السعي وإلف النساء، والتخلق بما يوافقهن من شمائل حلوة، وكلام مستعذب ومزاج مستغرب والتعبير عن ذلك يسمى النسيب١ ومهما يكن فالنسيب أو الغزل فن رقيق لين، طريف يصور عاطفة اجتماعية طبيعة تنحل إلى شعور بالنقص ورغبة في إكماله، والتلطف في ذلك إلى أبعد غاية، لذلك كان الشاعر فيه ذليلا إذا طلب، شاكيًا إذا حُرِم، ثابتًا لا ييأس مأخوذًا بمن يهوى يكاد يفنى فيه والشاعر إما أن يصف المرأة وما يتعلق بها معجبًا مشببًا، وإما أن يصف نفسه شاكيًا حرقة الجوى وتباريح الهجر، وآلام الدلال والحرمان. وإما أن يصف نفسه والمرأة معا وما قد يحدث بينهما عف اللسان أو مسفا مرذولا. فالأول وصف، والثاني شكوى، والثالث قصص. وإذا كانت المرأة هي الشاعرة الغزلة فالأصل أنها تعشق في الرجل جماله وفضائله ومواهبة القوية السامية ويظهر أن قلة الغزل الصادر عن المرأة في الشعر العربي راجعة إلى خجلها قديما فكتمت حبها في نفسها حتى ماتت معها وإلى غرورها حديثا فلا زالت ترجو أن تكون معبودة مدللة وإلى قلة الشواعر وضعفن في الإنتاج الأدبي. على أن المرأة كثيرًا ما تكتم شعور الحب فإذا مات من تحب

стр. 81

رثته فإذا الرثاء نوع من النسيب، تلم فيه بالفضائل التي كانت تعشقها في الرجل أو تعشق الرجل من أجلها١. ٢- وعلى أية حال فأسلوب الغزل يمتاز على العموم بالرقة واللين والسهولة في غير ابتذال ما دام عبارة عن هذه العاطفة الرقيقة، ولن تخرجه الشكوى أو الثورة عن رقته وعذوبته لأن مداره الأول إلف النساء، والتعلق بهن، وخضوع النفس لداعي المحبة والغرام؛ فالكلمات رقيقة، خفيفة، عذبة تحكي نوازع نفسية رقيقة، كالشوق، والدلال، والفتنة، والهيام. أو حادة مقبولة كالصد، والجوى، والسهاد لأن هذه الألفاظ جاءت في الأصل مشربة هذه المعاني. والصور كذلك مشتقة من الشمس المشرقة، والبدر السافر، والأزهار الناضرة، والبلابل الغريدة، أو من الهجر القاتل، والنار المضطرمة، والحرقة الممضة، أو من اللهو الحلو والعبث السخيف، والجمل سهلة بسيطة، لا تعقيد ولا إغراب. وبخاصة في هذا الغزل الصادق الذي لم يصدر عن القلب فلا يعوزه صنعه ولا يتوارى خلف التراكيب، وعبارة النسيب تتمثل في الموسيقى الجميلة. يقول القاضي الجرجاني: "وترى رقة الشعر أكثر ما تأتيك من قبل العاشق المتيم. والغزل المتهالك فإن اتفقت لك الدماثة والصبابة. وانضاف الطبع إلى الغزل فقد جمعت لك الرقة من أطرافها"٢. يقول العباس بن الأحنف: وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلا عدتمو بحميل

стр. 82

وقول عروة بن أذينة: إن التي زعمت فؤادك ملتها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها فالأول يستعطف النفوس بلغة النساء في البيت الثاني، والثاني يجمع بين وصفها بالجمال والدلال، ووصف نفسه بالوفاء والإخلاص، وأما ابن الطثرية فإنه على خشونة عيشة قد أتى "بما ترقص له الأسماع ويرن على صفحات القلوب" كما يقول ابن الأثير: بنفسي من إن مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كل شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله ومن خير أمثلة ذلك قصيدة ابن الدمينة التي مطلعها: قفي يا أميم القلب نقض لبانة ... ونشك الهوى ثم أفعلى ما بدا لك ولجرير وعمر بن أبي ربيعة، وجميل، والمجنون وسواهم أمثلة تصور هذا الأسلوب الرقيق أصدق تمثيل.

стр. 83

ثالثا: الرثاء الرثاء فن الموت، ولغة الحزن، ومجال اليأس، ومعرض الوفاء، والحزن في الأصل عاطفة سلبية تحمل الإنسان على العكوف على النفس، والتفكير في شأنها فهو انهزام أمام الكوارث، ومدعاة إلى العظة والاعتبار لذلك يكون أسلوب المرائي رقيقًا لينًا وبخاصة إذا صدر عن شاعرة لأن "النساء أشجى الناس قلوبا عند المصيبة وأشدهن جزعا على هالك لما ركب الله طبعهن من الخور وضعف العزيمة، وعلى شدة الجزع يبنى الرثاء، فانظر إلى جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليبًا حين قتله أخوها جساس ما أشجى لفظها وأظهر الفجيعة فيه وكيف يثير كوامن الأشجان ويقدح شرر النيران"١. والرثاء كغيره خاضع للتنوع ولقبول معانٍ أخرى متصلة به كوصف الكارثة، وتفخيم آثارها، وذكر فضال الميت واتخاذ مصرعه موعظة، وقد يتسع أفقه فيشمل فلسفة الموت والحياة؛ وينتقل الشاعر فيه من رثاء فرد إلى بكاء قبيلة أو أمة أو دولة أو الدنيا جميعا٢ تبعا لمكانة المتوفى. لذلك يتعرض الأسلوب لشيء من الاختلاف واضح تبعا لهذه المعاني والأغراض ولكنه مع ذلك لا يكون في قوة الحماسة ولا عذوبة النسيب، فالكلمات تدل على معان سلبية مؤلمة كالفجيعة والكارثة، والجزع، والبكاء، والخراب، والصور من وادي الموت فالبيوت كالقبور والأطفال مروعون والنهار ليل، والأزهار ذابلة واليأس قاتل والأمل مقتول، وأما الجمل فرقيقة تصور الجزع، أو شاكية صاخبة تحكي الفزع. أو جزلة تعبر عن هول المصاب، ومن ذلك تكون العبارة شجية مؤذنة بالأسى والحسرة. ومن ذلك رثاء ابن الرومي ابنه، وأبو تمام محمد بن حميد الطوسي، والبحتري المتوكل على الله. والمتنبي أمه والمعري فقيها. وكلها مشهورة ومعروفة. ونذكر هنا أبياتًا لديك الجن يرثي جاريته بعد أن قتلها:

стр. 84

يا مهجة جثم الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها رويت من دمها التراب وربما ... روى الهوى شفتي من شفتيها حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها١ ومن ذلك قول حافظ إبراهيم في رثاء محمد فريد رئيس الحزب الوطني المتوفى في برلين سنة ١٩١٩: من ليوم نحن فيه، من لغد ... مات ذو العزة والرأي الأسد لهف نفسي هل "بيرلين" امرؤ ... فوق ذاك القبر صلى وسجد هل بكت عين فروت تربه ... هل على أحجاره خط أحد ههنا قبر شهيد في هوى ... أمةٍ أيقظها ثم رقد٢ والعزاء قرب من الرثاء، وإن كان مذهبه تهوين المصاب، وبث السلوى والتأسي بالسلف الهالك. وقد سلك البحتري في ذلك مذهبًا طريفًا حين عزى محمد بن حميد الطوسي عن ابنته، فقال من قصيدة مطلعها: ظلم الدهر فيكم وأساء ... فعزاء بني حميد عزاء أتبكي من لا ينازل بالسيـ ... ـف مشيحًا ولا يهز اللواء٣ والفتى من رأى القبور لما طا ... ف به من بناته أكفاء٤ قد ولدن الأعداء قدما وورثـ ... ـن التلاد الأقاصي البعداء٥ وتلفت إلى القبائل فانظر ... أمهات ينسبن أم آباء ولعمري ما العجز عندي إلا ... أن تبيت الرجال تبكي النساء ومن خير النماذج القديمة في هذا الفن ما أورده أبو تمام في حماسته لجماعة من الشعراء والشاعرات ومنها قصيدة تأبط شرًّا: إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلًا دمه ما يطل٦

стр. 85

رابعًا: المدح والهجاء والمديح فن الاحترام والمحبة كما أن الهجاء فن الازدراء والبغض، وهما متعادلان في الأسلوب وإن كانا متقابلين في باعثهما الوجداني، وللنقاد السابقين كلام كثير في أصول هذين الفنين نجده في العمدة لابن رشيق ونقد الشعر لقدامة الوسطاة للقاضي الجرجاني. فالمديح يكون ملائمًا لطبقة الممدوح: لوظيفته في الحياة ملكًا كان أو قاضيًا أو قائدًا أو كاتبًا كما يحسن أن يتجه إلى الأعمال والآثار فيكون موضوعيًّا. ويحسن أن يبرأ الهجو من الفحش والسباب، وأن يخرج مخرج السخرية والتعريض مع قرب المعاني وسهولة الحفظ، ومع اختلاف العبارات باختلاف المعاني التي يتناولها كل من الفنين، نجد أسلوبهما متوسطًا على العموم فليس كالحماسة العنيفة ولا النسيب الرقيق، وإنما يخضع للجزالة غالبًا وللسهولة أحيانًا، ويذكرون زهيرًا والنابغة والحطيئة من السابقين الموفقين في هذا الباب لما اجتمع لهم من جزالة الأسلوب والقصد في المعاني والأوصاف كقول الحطيئة يمدح بني بغيض ويعرض بقرنائهم من بني سعد: يسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها ... وإن غضبوا جاء لحفيظة والجد١

стр. 86

أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكم ... من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا١ كما يذكر البحتري من المحدثين لرقه شعره وحلاوة معانيه، فمن ذلك قوله في الفتح بن خاقان من قصيدة مدح وعتاب: بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن وجدنا لفتح ضريبا٢ هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزمًا وشيكًا ورأيًا صليبًا٣ تنقل في خلقي سؤدد ... سماحًا مرجى وبأسًا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جثته مستثيبا ومن أمثلة الهجاء قول جرير في الراعي النمري: ولو وزنت حلوم بني نمير ... على الميزان ما وزنت ذبابا٤ فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا٥ ولبيان خواص الأسلوبين نذكر فيهما الجزالة والوضوح وشدة التأثير، وإن اختلفت الكلمات والصور بين مجد وهوان، وانتصار وخذلان، وكرم وبخل، وشجاعة وجبن، وأثرة وإيثار، وشرف وضعة، وبلاغة وعي، وظلم وعدالة من هذه الكلمات التي تستدعيها المعاني. ثم بين السيف الصارم والرعديد الجبان، ومضاء العزيمة وتخاذل الإرادة، والبحر في الجود، والمغلول المنكود، والبدر وضاءة والقرد دمامة، إلى نحو هذه الصور المشهورة.

стр. 87

خامسًا: الوصف وهو الكشف والإظهار، والمراد هنا الوصف الأدبي الذي يتناول الطبيعة والإنسان، والآثار القائمة، والمنشآت الجميلة، والحوادث الكبيرة وكل ما يعن للإنسان تسجيله باللغة فهو نظير الرسم والتصوير، يعتمد على الخيال وصدق التعبير والعاطفة الأساسية التي تنشئ الوصف هي الإعجاب والروعة بما يشهده الأديب فيفسره تفسيرًا خاصًّا متأثرًا بمزاجه ووجهه نظره، ويخلع عليه من نفسه تفاؤلها أو تشاؤمها، إكبارا أو ازدراءها. ولما كان هذا الفن واسعا يتناول كل شيء كان أسلوبًا متنوعًا كثيرًا١ فوصف الحسيات غير وصف المعنويات، ووصف الحروب يختلف عن وصف المناظر الجميلة، ولغة الأصوات المدوية تغاير لغة الألوان الزاهية، وفوق ذلك لا يخلو فن من الوصف، فهو في الحرب حماسة وفي الجمال نسيب وفي الفضائل مديح وفي الحزن رثاء. وهكذا تجد الشعر إلا أقله راجعا إلى باب الوصف. يختلف أسلوب الوصف إذًا باختلاف ما يوصف فهو جزل قوي في وصف الحروب وأصوات الطبيعة وحوادثها المفزعة. ولين سلس في وصف العواطف الرقيقة حبًا وعتبًا واعتذارًا ولهوًا وطربًا. ورائع جذاب في وصف البروق اللامعة والكواكب النيرة والأزهار النضرة والأنغام الحلوة والجمال كيف كان، وقد سبق أكثر ذلك إلا وصف المشاهد الطبيعية، والآثار الضخمة فيجب أن تكون كلماته حاكيه صوت الطبيعة من لون وصوت وحركة حتى إذا قرأه الإنسان أو سمعه تمثل له الموت كأنه يراه بعينه؛ ويسمعه بأذنه. ويحس في نفسه بجماله، أو بجلاله، وأما الصور الخيالية فإنها تعتمد على الطبيعة والإنسان. فالماء فضة، والوجه بدر، والخد ورد أو العكس. والبلابل غريدة. والإنسان الرخيم الصوت كالكروان والنسيم أنفاس الأحبة.. إلى نحو ذلك حتى تجد الجمل والعبارات موسيقى

стр. 88

طبيعة ولن يتوافر ذلك إلا لقدير ذي لغة طيعة مواتية. من ذلك قول البحتري في الربيع: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غسق الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما١ يُفَتِّقها برد الندى فكأنه ... يبث حديثًا كان قبل مكتما ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيًا منمنما٢ ورق نسيم الريح حتى حسبته ... يجيء بأنفاس الأحبة نعما وقول شوقي في إحدى خمائل الجزيرة: وخميلة فوق الجزيرة مسها ... ذهب الأصيل حواشيا ومتونا٣ كالتبر أفقًا والزبرجد ربوة ... والمسك تربا واللجين معينا٤ وقف الحيا من دونها مستأذنًا ... ومشى النسيم بظلها مأذونا وجرى عليه النيل يقذف فضة ... نثرًا، ويكسر مرمرًا مسنونًا٥ في هذين المثالين نجد الوصف يتناول الألوان، والحركات، كما نجد الربيع، والنيل، والمطر، والنسيم، كائنات حية، لها إرادة وشعور كالأناسي حتى لا يبعد الفرق بين هذه الأبيات وبين لوحة الراسم، إلا أن الثانية تعرض عليك النظر دفعة واحدة، ولكن الأبيات تعرضه متتابعًا في كل شطر أو بيت جزء، وهي مع ذلك مُفصحة واضحة. ومن الأوصاف المعنوية ما قاله ابن خفاجة الأندلسي يصف جبلًا:

стр. 89

وقور على ظهر الفلاة كأنه ... طوال الليالي ناظر في العواقب أصخت إليه وهو أخرس صامت ... فحدثني ليل السرى بالعجائب وقال: إلى كم كنت ملجأ قاتل ... وموطن أواه تبتل تائب١ وكم مر بي من مدلج ومؤوب ... وقال بظلي من مطي وراكب٢ فما كان إلا أن طوتهم يد الردى ... وطارت بهم ريح النوى النوائب فما خفق أيكي غير رجفة أضلع ... ولا نوح ورقي غير صرخة نادب٣ وما غيض السلوان دممي وإنما ... نزفت دموعي في فراق الصواحب٤ فقد خلع على الجبل صفات الإنسان الوقور الواعظ وفسر ما يتصل به من نوح وجدب تفسيرًا فنيًّا ملائمًا.

стр. 90

الفصل الرابع: في اختلاف أساليب النثر النثر العلمي ... الفصل الرابع: في اختلاف أساليب النثر تقدم القوم في الفرق بين النثر العلمي والأدبي، وقد لوحظ أن الأول لغة العقل والثاني لغة العاطفة على الأصل فيهما، وعلى هذا الفرق الأساسي قامت أوجه الخلاف بين أسلوبيهما كما مر. وفي هذا الفصل نتقدم قليلًا فنذكر بعض فنون -أو موضوعات- كل من النوعين وما قد يكون بينهما من الفروق الأسلوبية. النثر العلمي: وإذا كان الأصل في هذا النوع قيامه على العقل، ونشر الحقائق الفكرية، والمعارف العلمية والفلسفية فليس يخلو من العاطفة خلوًّا ما، حتى قال بعض النقاد: ليست هناك نصوص خالية من العاطفة إلا أن تكون الأرقام الحسابية، والرموز الجبرية، والعلمية. ويمكن للقارئ أن يتبين مظاهر العاطفة في الآثار الفلسفية والتاريخية والسياسية، الاقتصادية، والاجتماعية فيما يحس به من حرص الكاتب على نشر آرائه، وصدق عقيدته فيها، وترجيحه بعض الأفكار، وإعجابه بشخص أو عمل ثم ازدرائه آخر واستخدامه الخيال في سد النقص الروائي وإكمال ما فات المؤرخين. وإذا كابد من الإشارة إلى هذه الصفة العامة اللازمة لأسلوب النثر العلمي أو الأدب بمعناه العام فهي الوضوح Clearness؛ ولكن هذا لا يعفينا من الإلمام هنا ببعض الخواص التي تميز كلام من أهم فنون النثر العلمي تاركين بعضها الآخر إلى الكلام في صفات الأسلوب. ونذكر هنا: المقالة، والتاريخ، والسيرة، والمناظرة ثم التأليف.

стр. 91

المقالة: وتطلق في الحديث على الموضوع المكتوب الذي يوضح رأيًا خاصًّا وفكرة عامة، أو مسألة علمية أو اقتصادية أو اجتماعية يشرحها الكاتب ويؤيدها بالبراهين. والمقالة من الأدب بمعناه العام أو العلم بمعناه العلوم تقوم على عنصرين رئيسيين: المادة والأسلوب "العبارة"؛ ولها بعد ذلك خطة "أو أسلوب عقلي". ولما كانت المادة من المسائل الفكرية التي ترمي إلى التعليم والإقناع؛ وجب أن تكون صحيحة، بريئة من الأخطاء والتناقض، حتى تؤدي إلى نتائج معقولة ولا بد من الحيطة في تقرير الأحكام والنتائج، فإذا تحقق الاستقرار أمكن تعميم الأحكام وإلا اقتصد الكاتب فيما يقول، وبقدر كمية المعلومات وجدتها تكون قيمة المقالة. وأما خطأ المقالة plan فهي أسلوبها المعنوي من حيث تقسيمه، وترتيبه لتكون قضاياه متواصلة، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها مقدمة لما بعدها حتى تنتهي جميعًا إلى الغاية المقصودة. وهذه الخطة تقوم على المقدمة والعرض والختام. فالمقدمة تتألف من معارف مسلم بها لدى القراء، قصيرة متصلة بالموضوع معينة عليه بما تعد النفس له، وما تثير فيها من معارف تتصل به. والعرض -أو صلب الموضوع- هو النقط الرئيسية أو الطريقة التي يؤديها الكاتب سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم إلى عدة نتائج هي في الواقع متصلة معًا، وخاضعة لفكرة رئيسية واحدة ويكون العرض منطقيًّا، مقدمًا الأهم على المهم، مؤيدًا بالبراهين، قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجهًا إلى الخاتمة

стр. 92

لأنها مناره الذي يقصده. والخاتمة هي ثمرة المقالة عندها يكون السكوت؛ فلا بد أن تكون نتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسية المراد إثباتها، حازمة تدل على اقتناع ويقين. لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة. وأهم ما يعنينا هنا هو الأسلوب أو العبارة اللفظية، والصفة العامة اللازمة لأسلوب المقالة هي الوضوح، وإن لم يخل من القوة والجمال ونرجئ القول في ذلك إلى مكانه من هذا البحث، ومن كتب المقالات: الفصول ومطالعات للعقاد، وفيض الخاطر لأحمد أمين وحصاد الهشيم للمازني والمختار للبشري. فإذا اتخذنا مقالة -أكاذيب المدينة- لأحمد أمين١، مثلًا تطبيقيًّا لهذا الفن الكتابي، لاحظنا، أولًا، المقدمة التي استغرقت الصفحة الأولى لبيان جانبي المدنية: المادي والروحي، وثانيًا هذا العرض الذي سلك فيه طريقة التركيب إذ قال رأيه في الموضوع مقدما، ثم أخذ يؤيده بالبراهين فكرة فكرة، كما كان يفعل ابن خلدون في أهم فصول مقدمته، وقد انتهت به البراهين إلى أن المدنية عرجاء تمشي على ساق واحدة هي الناحية المادية دون الناحية الروحية، وإن علة ذلك ضيق النظر بتغليب القومية على الإنسانية. وثالثًا هذه الخاتمة التي تقوم على الدعوة إلى جعل "الإنسانية" المذهب الذي يعتنقه الجميع ويخضع له كل ما في الحياة حتى يسعد الناس وإلا فالمدينة مجموعة أكاذيب. مهما يكن من قيمة هذه المقالة من الناحية العلمية، فلا شك أن أسلوبها مثال الوضوح الناشئ عن دقة الكلمات، وسهولة التراكيب، وتواصل الفقرات لفظيًّا ومعنويًّا! فكانت العبارة واضحة، بمعونة أو على الرغم من العبارات العلمية.

стр. 93

التاريخ: وقد كثر الكلام فيه: أعلم هو أم أدب١، فمن نظر إلى أنه يتناول الحقائق الواقعية، ويعنى بتجميعها، ونقدها نقدًا موضوعيًّا قال بأنه علم يشبه علم طبقات الأرض "الجيولوجيا". ومن لحظ أنه لا بد للتاريخ من خيال الشاعر لنشر الحوادث وبعث الحياة فيها، ثم لا بد له من براعة الكاتب البليغ لتعرض هذا الواقع بالثوب اللائق بها قال بأنه أدب. على أن من قال بعلميته يعترف بأنه ليس كالفلك علم معاينة مباشرة، ولا كالكيمياء علم تجربة واختبار، ولكنه علم نقد وتحقيق. ويمكن أن يعد التاريخ علمًا بالمعنى العام أو أدبا بالمعنى العام، ما دام خاليًا من التجارب الدقيقة التي تدخله دائرة العلوم الطبيعية. ولم تستأثر به العاطفة أدبًا خالصًا. وللتاريخ -كالمقالة- خطة ومادة وعبارة "أو أسلوب لفظي". أما مادة التاريخ فهي الشئون الماضية التي يرجع إليها في الآثار الباقية، والسجلات القديمة والتقاليد التي سلمت من عدوان الدهر وصروفه، فعليها يقيم أبحاثه، وينهض بما يجب عليه من تحقيق، وتأويل، وتعبير. حتى إذا أشرف على ذلك وجد أن الحوادث الماضية مغمورة بكثير من الآراء والانفعالات، فلجأ إلى الخيال لاستحضار الماضي، وإلى العاطفة لبعثه حيا كما كان يقع سابقا. وأما خطة

стр. 94

التاريخ أو أسلوبه العقلي فتقع في ثلاث مراحل: جمع الوثائق التاريخية، ونقدها لتعرف قيمتها، وصلاحيتها للتصديق، ثم تفسيرها تفسيرًا معتمدًا على طبيعتها وعلى الخيال المكمل، وعلى ما قد ينفع من أصول العلم الحديثة كعلم النفس، والاجتماع، والجغرافيا. أما الأسلوب اللفظي، فيجب أن يكون واضحًا جميلًا، كما يذكر ذلك بعد، ومع هذا فنذكر هنا بعض الخواض الشديدة الاتصال بالكتابة التاريخية: ١- يجب على المؤرخ أن يحرص على استعمال المصطلحات التاريخية في مواضعها، فإنها تحدد المعاني والعصور، وتصل بين الكاتب وسواه وتريحه من عناء التفصيل والتكرار ما دامت هذه المصلطحات ألفاظا مقررة تشبه الحدود وعلامات الطريق، مثل الجاهلية والعصر العباسي، وعصر النهضة والقرون الوسطى والميلاد والهجرة وعصر الأهرام. ٢- يجب أن يكون واضحا في منهجه وآرائه وعباراته فلا تكرار ولا صنعة؛ إذ إن النثر العلمي يرفض التكرار، ويمقت التكلف لما في ذلك من الغموض، وضياع المعنى، وتنفير القراء الذين ينتظرون الحقائق التاريخية منطقية واضحة. ٣- ليحذر المؤرخ أن يتخذ التاريخ معرضًا للخطب والمواعظ؛ لأن التاريخ كالرواية تؤخذ العظة منه بطريق غير مباشر. على أن ذلك يعد نقلا للتاريخ من دائرة النثر العلمي إلى مجال النثر الأدبي الخالص وذلك خلط واضطراب لا يليق بالكاتب البليغ. ٤- ولما كان التاريخ بعث الماضي من ناحية، ونقدًا فلسفيًّا من ناحية أخرى، كان أسلوبه وسطا بين العلمي الدقيق والأدبي الرقيق، لا يسلم من مظاهر القصص أو الروايات حتى لا يجف ويثقل، ولا يخلو من النقد والتقرير ليؤدي مهمته الرئيسية. لذلك يقصر فيه الوصف والحوار والاقتباس وإن ظهرت آثار العاطفة والخيال في عبارته الجامعة بين الوضوح والجمال. ومن أمثلة الكتب التاريخية: في الأدب الجاهلي لطه حسين، وفجر الإسلام، وضحاه لأحمد أمين، وتاريخ الأمم الإسلامية للخضري.

стр. 95

السيرة: وهي التاريخ الخاص بحياة الأفراد في الغالب: وتخضع في خطتها لطرق ثلاثة: الأولى: أن يكتب المؤرخ في سيرة غيره، فيختار الحوادث والآثار وينسقها ويفسرها، ثم يصدر أحكامه على صاحبها تعديلًا أو تجريحًا، وهي طريقة نافعة تبدو السيرة فيها متجانسة العناصر ذات وحدة واحدة، ونغمة متسقة، تهب للكاتب حرية النقد والاختيار، ولكنها مع ذلك معرضة للغلو في المدح أو الثلم وسوء الأحكام، ما دام متأثرًا بوجهه نظره هو. من ذلك: تراجم لهيكل، وحياة محمد له، وذكرى أبي العلاء لطه حسين، وحديث الأربعاء له، وكثير من البحوث الجامعية. الثانية: يسلك مسلكًا غير مباشر ويتوارى هو خلف الموضوع ليجعله يدل على نفسه بنفسه، فيعرض علينا أقوال الفرد وآراءه ومذهبه الخلقي، ويذكر أصدقاءه وأساتذته وشعره ونثره دون أن يلح عليها بالنقد والتحليل وهي طريقة معرضة لعدم الإنصاف الناشئ عن سوء الاختيار أو الإيجاز فيه ونقص المختارات أو عدم تجانسها، أو إيراد أشياء تافهة ثانوية لا تمثل رأيًا ولا حياة جدية، وتجد مثلا لذلك في نحو الأغاني، ومعجم الأدباء ووفيات الأعيان لابن خلكان؛ وكتب الطبقات. الثالثة: أن يكتب المؤرخ سيرته بقلمه مثل الأيام لطه حسين وحياة ابن خلدون التي أثبتها آخر تاريخه المشهور، وحياتي لأحمد أمين، وهي طريقة مفيدة في إيراد الحقائق وتفسير الحوادث بوجهة نظر صاحبها، وصدق الشعور في تصوير المواقف المختلفة ولكنها معرضة للقصور إذا حابى الكاتب نفسه أو أخفى بعض أسرارها، أو استعمل الرياء والصنعة فيما يقول أو عجز عن استحضار ماضيه دقيقا، ومهما تكن السيرة فأسلوبها كأسلوب التاريخ في وضوحه، وجماله وترتيبه، وإن كانت السيرة أميل إلى أسلوب القصة وسيأتي الكلام فيه.

стр. 96

المناظرة والجدل: يقول ابن خلدون: وأما الجدل -وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم- فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا وَكَلَ واحدًا من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطأ فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول١ وسميت هذه الآداب فيما بعد "أدب البحث والمناظرة"، والخلاف والجدل في عرف العلماء الآن يخالفان البحث والمناظرة من حيث إن الغرض منها الإلزام، والغرض من المناظرة إظهار الصواب٢ فهي تعنى بخدمة الحقيقة والصواب؛ لا يعنيها الناس كما يعنيها إثبات الحق وبيان وجه الصواب، وعلى أية حال فنحن هنا أمام ضرب من الكلام يشترك فيه اثنان على الأقل يحاول كل منهما إثبات رأيه وإبطال رأي

стр. 97

خصمه بالحجة والبرهان ويتناول المسائل العلمية والسياسية والاجتماعية والفلسفية وغيرها. وقد كان فيما مضى وسيلة الفرق الإسلامية، وأصحاب المقالات الفلسفية والأدبية في الحوار وتقرير الآراء، بدأ شفويًّا كالحديث والخطابة، ثم صار كتابيًّا يسجل في كتب ورسائل حتى الآن. وقد زادته المطبعة انتشارًا وقوة حتى ملأ الصحف والمجلات، والكتب العلمية والأدبية، وهو فن نافع في كشف الحق وإزهاق الباطل بالحجة الصحيحة، والمنطق والصواب. والنوع الأدبي منه الحقيقي كهذه المناظرة التي حدثت في نيسابور بين الهمذاني والخوارزمي١، ومنه الخيالي الذي يكتبه الأديب لبيان رأيين مختلفين في مسألة بهذا الأسلوب الجدلي كمناظرة صاحب الديك وصاحب الكلب التي كتبها الجاحظ في الحيوان، والمناظرة التي كتبها الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري والمناظرة بين السيف والقلم لابن الوردي وغيرها كثير. والناظر في هذا الفن يجد له أصولًا خاصة به دونها العلماء تتناول المتن والسند والمقدمة والدليل والتقسيم وغيرها من مسائله الموضوعية والمعنوية٢، والذي يعنينا هنا العبارة أو الأسلوب اللفظي الذي يؤدي هذه المعاني وهو لا يمتاز في الواقع بشيء جديد غير ما نجده في المقالة والخطابة إذا كانت كلها فنونا إقناعية، ولكنه مع ذلك ذو مظاهر ثانوية أشد اتصالا به. ١- منها أن المناظر مرتبط بخصمه، مقيد بأفكاره إلى حد ما، فهو

стр. 98

يستمع إليها، أو يقرؤها ثم يناقشها، ولذلك يردد في عبارته كثيرًا من ألفاظ نظيره وعباراته إذا كانت موضوع الحوار. ٢- ومنها أن موضوع المناظرة والجدل يكون مقسما إلى فصول ونقط يدور عليها الحوار واحدًا بعد الآخر، حتى يستحيل الأسلوب الشفوي أحيانًا إلى سؤال فجواب، وإذا عرضت نقط الجدل كلها أولًا، أعيدت ثانيًا لتأييدها أو رفضها، فالترديد واستعمال الأقيسة المنطقية من عناصر المناظرة. ٣- ولا بد من الحرص على الألفاظ الاصطلاحية الخاصة بموضوع المناظرة تسهيلا للتفاهم، وتحديدًا للأفكار. كذلك يجب أن تكون العبارة دقيقة واحدة ليس فيها إسهاب مخل ولا تكرار غير مفيد. ٤- إذا اضطر المتناظر إلى استخدام الأسلوب الخطابي للتأثير فليحذر الغلو فيه أو الصنعة؛ لأن المناظرة موضوع عقلي إقناعي قبل كل شيء. وكل من الغلو والصنعة داعية إلى السخرية والسقوط. ٥- وأما القوة والجمال الأسلوبي فسيأتي القول فيهما.

стр. 99

التأليف: وهذا الفن من أبواب المنطق التطبيقي. يخضع لما يسمى مناهج البحث والتأليف باختلاف موضوعاتها: الرياضية والطبيعية، والاجتماعية، والأدبية١ ولكل أثره في الأساليب ما دامت العبارة صورة للمعاني والموضوعات. هذا من ناحية؛ ومن الناحية الثانية نرى أن للشخصية أثرًا واضحًا في منهج التأليف والبحث فاقتضى ذكره هنا. وإذا كان لا بد من الإشارة إلى نحو من ذلك مقارب، فهؤلاء كتاب السيرة النبوية المعاصرون، محمد حسين هيكل، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، فالصفة التقريرية العلمية كانت لأولهم، فظهر كتابه خاضعًا لمناهج البحث العلمي الواضح في الفصول والأقسام، وفي عرض الآراء ومناقشتها، وفي الاستقصاء والعناية بالحق وتخليصها من الأساطير وتفسيرها بروح العلم والدين، وكان أسلوبه لذلك ممتاز بالوضوح، والدقة العلمية، والمساواة، وإن لم يخلص من الشعور الديني. وقد أخلص ثايها لفنه القصصي فاستلهم المراجع القويمة التي صاحبت حوادث السيرة وانتقل إلى أماكنها كذلك. وعاش مع أهلها يتلقى عنهم الحقائق والخرافات والتورايخ والأساطير، حتى اندمج في هذا الماضي وأعاده إلينا قصصًا جميلًا حقًّا، بأسلوبه الفياض، الموسيقى، المستقصي، فلم يتقيد بالمنهج العلمي في التحقيق، والتقسيم، وفي مجانبة الخيال ومناقشة الآراء والأقوال. وأما ثالثهم فكان عالمًا أديبًا "ممثلا" استخلص الحقائق ولكن بالروح الإسلامية، واختار رءوسها الهامة، وقسمها فصولا ومناظر، وأداها بهذا الأسلوب الحواري الذي هو أسلوب القصص التمثيلية، مع الاحتفاظ بعباراته القديمة ما أمكنه ذلك. الأول عالم، والآخران أديبان: قصاص وممثل.

стр. 100

النثر الأدبي: وأما النثر الأدبي فيمتاز بقوة العاطفة التي تؤثر في عباراته تأثيرًا واضحًا يبدو في الكلمات والصور، والتراكيب، وليس معنى ذلك خلوه من الأفكار القيمة والحقائق المبتكرة؛ كلا فإن الحقيقة عنصر أدبي هام وهي في النثر ألزم، لذاتها أولًا، ولأنها تسند العاطفة وتبعث فيها القوة ثانيًا. لذلك نجد هذه الفنون الأدبية للنثر تعتمد على العنصر العقلي مهما تتوسل بقوة الشعور، وجمال التعبير، نجد ذلك في الرواية، والرسالة، والخطابة، والوصف والمقامة ونحوها. وإذا كان الوضوح هو الصفة الأصلية في الأسلوب العلمي. فهو هنا لازم كذلك للأسلوب الأدبي مع صفتي القوة والجمال. ولكل صفة وسائل لتوافرها، تراها قريبًا. ونذكر هنا بعض فنون النثر الأدبي مشيرين إلى أهم قوانينها ذالت الأثر الواضح في عباراته؛ تاركين تفصيل هذه القوانين إلى مناسبة أخرى.

стр. 101

الوصف: سبق أن معناه في اللغة الكشف والإظهار، ومعناه الأدبي تصوير خواص الأشياء الحسية والمعنوية باللغة، وهو كالرسم في أنهما من الفنون الجميلة وفي اعتمادها على الألوان للإفهام والتأثير، وفي انقسامهما من إلى نوع واقعي وآخر مثالي جميل، وكلاهما يتناول الأشياء في حاليها المستقرة الثابتة والمتغيرة المتتابعة. والوصف -فوق ما له من قيمة فنية تظهر في نصوصه نظمًا ونثرًا- يدخل في تكوين الفنون الأدبية الأخرى كالرواية، والرحلات، والتاريخ، والخطابة، والرسالة. ولهذا الفن قوانين متصلة بأقسامه، وتكوينه، نذكر منها هنا أهم ما يؤثر في أسلوبه اللفظي: ١- يقوم الوصف الأدبي على اختيار أهم العناصر التي تميز الموصوف وتكون مصدر الجمال، والتأثير، تاركا الأشياء التافهة أو التفاصيل العلمية الدقيقة. ثم يفسر هذه العناصر تفسيرًا عاطفيًّا خياليًّا متأثرًا بمزاج الأديب. وذكائه: فالزهرة

стр. 102

بألوانها الجميلة، وشكلها المنسق، وعبيرها الفياح، ثم ما تبعثه في النفوس من معاني الذل، والشباب، والأمل، والإعجاب: ومائسة تزهى وقد خلع الحيا ... عليها حلي حمرًا وأردية خضرا يذوب لها ريق الغمائم فضة ... ويسكن في أعطافها ذهبًا نضرا ٢- ولما كان هذا الفن معتمدًا على الخيال في التصوير كانت عبارته حاوية هذه الصورة الخيالية من تشبيه، ومجاز، واستعارة ومبالغة، ومقابلة؛ لأن في كل صورة من هذه ميزة لتقوية المعنى أو تجسيده، أو إلحاقه، بما هو أقوى منه استجابة لقوة العاطفة والانفعال. وقد رأيت في المثال السابق كيف استحالت الزهرة فتاة مزهرة بنفسها، معجبة بما خلع عليها المطر من حلي وحلل، وكيف فتن بها الغمام، فسال ريقه فضة، ثم أحالته ذهبًا حين استقر في أعطافها، كل تلك صور خيالية متتابعة، لا بد منها لتصوير إعجاب الشاعر -ابن خفاجة الأندلسي- بالزهرة؛ وما بعثت في نفسه من معان وانفعالات. وكذلك الشأن في المنثور. يقول السيد توفيق البكري في وصف البحر: "فإذا كان الأصيل١ وسرى البسيم العليل؛ رأيت البحر كأنه مبرد؛ أو درع مسرد٢؛ أو أنه ماوية٣ تنظر السماء فيها وجهها بكرة وعشية؛ وكأنما كسر فيه الحلي أو مزج بالرحيق القطربلي٤ وكأنما هو قلائد العقيان٥، أو زجاجة

стр. 103

المصور يؤلف عليها الأصباغ والألوان. حتى إذا أخضل١ الليل، وأرخى الذيل، يدا الهلال كأنه خنجر من ضياء، يشق الظلماء"٢ وقد غلب التشبيه على هذا النص وإن لم يخل من الصور الأخرى. ٣- يجب أن يكون الكلمات من الدقة بحيث تكون صدى صادقا لما تحكي من صوت، أو تؤدى من معنى ولون، لذلك حسن الاستعانة بالنعوت التي تزيد في التحديد أو الروعة ليكون الوصف كاشفًا حاكيًا ما وراءه، يسمعه الإنسان فكأنما يشهد الطبيعة في ائتلافها، والصور في ائتلافها، وكأنما يسمع الرعد القاصف أو الآذي الصاخب، أو البلابل الغريدة، أو نجوى النفوس، وهمسات الفؤاد، وخواطر الضمير. ومن ذلك خصت اللغة كل صوت باسم، وكل لون بميزة، وكل طور في الحياة يعلمه، وكثرت فيه الكلمات والتراكيب التي تحكي صوت الطبيعة، وتدل بجرسها على معانيها. ومن ذلك الصخب لصوت الخصومة، والزجل رفع الصوت عند الطرب، واللجب صوت العسكر، والهتاف رفع الصوت بالدعاء، وزئير الأسد. ونباح الكلب, وضُباح الثعلب. ومواء الهرة. ويقال: جيش لجب وعسكر جرار. كما يقال أصفر فاقع. وأحمر قان. وأسود حالك إلى غير ذلك. ويحسن مثالًا لذلك ما ورد لأبي زبيد الطائي في صفة الأسد. "وأقبل أبو الحارث من أجمته٣. يتظالع٤ في مشيته، كأنه مجنوب أو في هجار٥ لصدره نحيط ولبلاعمه غطيط٦.

стр. 104

ولطرفه وميض. ولأرساغه نقيض١ كأنما يخبط هشيما، أو يطأ صريما٢، وإذا هامة كالمجن٣، وخد كالمسن٤، وعينان سجراوان٥ كأنهما سراجان يتقدان"٦ ولا يظن أن ذلك إغراب في اللفظ وإنما هي الدقة في تحديد الأفكار، وتصوير العواطف، وحكاية الحوادث. ٤- يجب أن تكون التراكيب والعبارات ذات نغمة عامة ملائمة لما يوصف سواء أكان منظرًا رائعًا يبعث الإعجاب، أم معركة حامية تثير الرهبة أو حوادث متتابعة تملك العقل، أو يأسًا قاتلا أم أملا عريضًا، بحيث يكون الأسلوب اللفظي حكاية الأسلوب المعنوي، ويتحقق بذلك ائتلاف اللفظ والمعنى كما بينا ذلك في فنون الشعر ولذلك تجد الوصف النثري مختلف العبارات قوة ولينًا باختلاف الموضوعات كما رأيت في الموضعين السابقين. روعة في الأول. ورهبة في الثاني. وقد أورد ابن الأثير٧ في هذا المعرض مثال لقوة الأسلوب وجزالته وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى

стр. 105

مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . وأورد مثال الرقيق ممن الألفاظ قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ٥- وكما يكون الوصف حسيًّا يتناول مظاهر الأشياء ثابتة ومتحركة كذلك يتناول النواحي المعنوية، كالفضائل النفسية والعواطف النبيلة والآلام المبرحة، والآمال البهيجة، وما يدور في النفس من شك ويقين، ومن أمثلة ذلك ما كتبه طه حسين في وصف الفيلسوف الحائر "ثم يخيل إلى الفتى كأن عقله قد وقف عن التفكير، وكأن قلبه قد عجز عن الشعور حينا، كأن في نفسه شيئًا يشبه النوم، وليس بالنوم، وكأنه يسمع الصوت الغليظ الخشن وهو يبعث في الفضاء قهقهة عالية ملؤها السخرية والاستهزاء. فيعود الفتى إلى شعوره الأليم وتفكيره العقيم، وإذا هو يسأل نفسه مرة أخرى فيها سخرية مرة واستهزاء حزين فهو يسأل نفسه ألا يمكن أن يكون هذا الصوت: ما هو؟ وما عسى أن يكون؟ وترتسم على ثغره ابتسامة أخرى عن هذا الصوت الذي أغراه بالعودة صوت إله من هؤلاء الآلهة القدماء الذين كان يعبدهم، ويقبل عليهم في المدينة مع صاحبيه ثم لم يلبث أن شك فيهم وتنكر لهم وأعرض عنهم، واستجاب لصديقه الشيخ وجعل يبحث عن آله جديد دون أن يبلغه أو يهتدي إليه، فأضاع نفسه بين قديم كان يعرفه، وجديد لا يألفه"١. وللجاحظ قطع رائعة من هذا الضرب منبثة في البخلاء والحيوان٢.

стр. 106

الرواية: إذا كان الأصل في الوصف تصوير المشاهد والمشاعر؛ فإن الأصل في الرواية حكاية الحوادث والأعمال بأسلوب ينتهي إلى غرض مقصود وكلا الفنين يتناول ما يحيط بالإنسان، وإذا كان الوصف يقابل الرسم فإن الرواية تشبه الخيالة "السينما". والرواية -أو القصة- فن طبعي قديم صاحب الأمم من عهد البداوة إلى ذروة الحضارة، ولا يزال إلى اليوم يمثل مكانة ممتازة بين الفنون الأدبية الأخرى لاتصاله بحياة الناس الماضية أو الحاضرة، ولمرونته واتساعه للأغراض المختلفة ولجمال أسلوبه وخفته على النفوس. وقد كان هذا الفن سمر العرب في الجاهلية حتى بلغ القرآن الكريم أسمى درجة بأبلغ أسلوب وأفصح بيان، ثم نشط بعد ذلك وتعددت أنواعه وأغراضه فكان حقيقيًّا كقصص الرحل والملوك والأدباء، وخياليًّا مثل كليلة ودمنة وفاكهة الخلفاء، ومنه نوع أدبي قصير كالمقامات، وحماسي طويل كقصة عنترة١. وفي العصر الحديث أخذت الرواية وضعًا فنيًّا، وخضعت لبعض القوانين في التأليف والأسلوب، فكثرت أشخاصها وحوادثها وتشابكت ثم تعدد مواقفها ونتائجها، ودونها في ذلك القصة Story ثم الأقصوصة أو الحكاية ذات المغزى الواحد والفكرة الواحدة على قصرها وقلة حوادثها وأشخاصها وبساطتها فهي للرواية كالمقطوعة من الشعر بالنسبة للملحمة الكبيرة. ثم تنوعت من

стр. 107

ناحية موضوعها إلى رواية تاريخية واجتماعية وفلسفية وفكاهية ومنها النوع التمثيلي والقصصي للقراءة إلى غير هذا. ويعنينا هنا أن نذكر أهم الخواص المتصلة بأسلوب الرواية وخطتها العامة. ١- الصفة العامة التي تخضع لها خطة الرواية plot هي التسلسل والاطراد بحيث يشعر القارئ أنه مسوق دائمًا إلى غاية فهو في ترقب وانتظار شائق، وكل قسم أو فصل يُعِدّ لما يتلوه حتى تتوالى الحوادث والمناظر وتنتهي إلى الغاية المقصودة. ٢- لذلك يحسن أن تختار الحوادث الهامة -من التاريخ القديم أو المعاصر- وتنسق تنسيقًا منطقيًّا، وتوجز فتحذف تفاصيلها التافهة، كل ذلك ليطرد سياق الرواية، ولا يبدو فيها عرقلة أو اضطراب، وتسير مختلفة بين السرعة والبطء حسن المواقف، وإن كانت السرعة أليق بنهاية الرواية. ٣- تكون الرواية ذات مغزى رئيسي يفهم من السياق وبطريق غير مباشر حتى لا تستحيل القصة خطابة، أو مقالة، وهناك عظات أو غايات أولية تظهر أثناء الرواية، وتندمج فيها لتحقيق الغرض الرئيسي، كخبر جديد أو حادثة هامة، أو نقد سياسي أو اجتماعي. ٤- يجب أن تكون العبارات سهلة واضحة، لا تحوج القارئ ولا السامع إلى توقف لأنه معني بمجرى الحوادث، ومغازيها. فهي هنا كالخطابة إذا تعقدت تراكيبها أو غربت ألفاظها ذهبت فائدتها وروعتها. ٥- العبارة منوعة بين الرقة والقوة حسب المواقف والشخصيات فلغة الرجل غير لغة النساء، ومواقف الوعيد تخالف مواقف العتاب ولكنها مع ذلك قوية

стр. 108

تصور العواطف والأفكار والمناظر أصدق تصوير وتجعل القارئ كالمشاهد كأنه يشترك في حوادث الرواية. ٦- يتنوع الأسلوب بين القصص، والوصف، والحوار، وقد تكون خطابة أيضًا ولكن الوصف يقصر ويوجز -لأن مهمته التمهيد وتصوير البيئات- حتى لا يعرقل سياق القصة. والحوار يكون بسيطًا دقيقًا، يخلص القصة من الرتابة، وهو عماد الروايات التمثيلية، وإذا كان لا بد من الخطابة فلتكن قصيرة غير مملة. ٧- من مظاهر الأسلوب القصصي المبالغة أحيانًا للتنبيه إلى النقط الهامة، والمفاجأة وذلك حين تتحقق النتائج قبل أوانها لطارئ من الطوارئ، والرمز حينما يكتفي بأول الحادثة أو الإشارة إليها ثم يترك للخيال مجال التصوير والإتمام. ٨- يدخل عنصر الحب في الروايات والقصص -ولو أنه ثانوي- لقوته، وسلطانه العام على النفوس، ولأنه في الغالب سمة الشباب المحبوب، ولكل إنسان فيه مشاركة، على أنه قد ينفرد بالقصة فيكون موضوعها. والقصص التمثيلية وغيرها مشهورة متداولة بين أيدينا منها المترجم والموضوع، تراها في آثار المنفلوطي، وتوفيق الحكيم، وهيكل، وطه حسين: في العبرات، والفضيلة، وأديب، وعلى هامش السيرة، وإبراهيم الكاتب، وسارة وغيرها كثير.

стр. 109

المقامة: وهي نوع من القصص الأدبية القصيرة التي تعتمد على الخيال في تأليف حوادثها، وترمي إلى غاية مثل تعليم اللغة، وسرد الموعظة، ووصف الأشياء ونقد الأدب، والعناية بالعبارات الجزلة البديعة، واشتقاقها من المقام أي مكان القيام، وكل ذلك في الخطب والتكلم في المحافل ثم قيل لما يقال فيها من خطبة أو موعظة مقامة١. وقد ترقى هذا الفن على يد بديع الزمان الهمذاني "٣٩٥هـ" إذ أنشأ مقاماته ونحلها أبا الفتح الإسكندري على لسان عيسى بن هشام، ثم تبعه الحريري "٥١٦هـ" فأنشأ خمسين مقامة نحلها أبا زيد السروجي على لسان الحارث بن همام ثم تبعهما فيها الأدباء على مر العصور كالسيوطي، وابن الجوزي، والقلقشندي، وغيرهم كثير، وحتى أطلقها المعاصرون على مقالات فكاهية عامية نشرتها ولا تزال تنشرها بعض الصحف الأسبوعية في النقد والفكاهة. وقد ترجمت مقامات الحريري إلى اللاتينية، والفرنسية، والإنجليزية والألمانية، والفارسية والتركية، ولا تزال تدارس في الجامعات الأوربية بشرح سلفستردساسي الذي وضعه سنة ١٨٢٢م. ويمكن تمييز المقامات بما يلي: ١- أنها تدور في الغالب على حادث عادي واحد يتكرر فيها، فالبطل -كأبي الفتح الإسكندري في مقامات البديع أو أبي زيد السروجي في مقامات الحريري- يبدو للراوي متنكرًا ثم يكون بينهما في حوار في موضوع ما، وأخيرًا يعرفه الراوي، فكأن السر هو عرفان البطل بعد ما كان متنكرًا مجهولًا. ٢- وتتناول -موضوعيًّا- مسائل منوعة من النقد الأدبي؛ والاجتماعي والديني، والخلقي، ثم العظات، والفكاهات، والأوصاف، والحكايات التي تصور كثيرًا من خواص البيئات التي أنشئت فيها كالمقامة القريضية والعراقية والأسدية لبديع الزمان.

стр. 110

٣- وعباراتها تقوم على الصنعة البديعية من سجع وجناس، وازدواج وطباق ومبالغة، واستعارات على اختلاف يعد ذلك في الإغراب اللغوي، ودرجة التكلف، فلا شك أن الحريري كان أكثر إغرابًا، وأشد تكلفًا ومبالغة من بديع الزمان. ٤- يختلف الأسلوب بعد ذلك بين الوصف، والقصص، والحوار، فيه المديح والهجاء، والجد والمجون، وهو -على صنعته- مختلف بين الرقة واللين والجزالة والقوة، وكثيرًا ما تجد النوعين في مقامة واحدة. ٥- تجمع المقامات إلى هذا النثر الجزل البديعي قطفًا من نظم الرجز وغيره، وليس المنظوم هذا في روعة الشعر الممتاز الذي نجده عند البحتري والمتنبي مثلًا، فهو من إنشاء مؤلفي المقامات، وقد عرفت طبعهم الصناعي ووقوفهم عند غرائب المنثور. وقد يظن الناس أن المقامات من باب القصة كما يعرفها الأدب الحديث، والحق أن المقامات لا تثبت لقصة من كل ناحية، نعم فيها الحكاية، والحوار والوصف والمغزى النقدي أو الوعظي، ولكنها تنقصها أشياء أخرى تبعدها عن طبيعة القصة، من ذلك عدم التنويع فيها فالأشخاص لا يتغيرون، والحادثة واحدة والحرص على المال سائد فيها. ومن ذلك التجافي عن التحليل النفسي أو عرض المشاكل وعلاجها، أو الابتكار في تصوير المواهب والأشخاص. ومن ذلك عدم استكمالها عنصري الحياة -الرجل والمرأة معًا- بأسلوب يبعث المشاكل أو يثير العواطف أو يدرس المسائل الاجتماعية. على أن المواعظ ترد فيهم صريحة مباشرة مقصودة لذاتها. وفوق ذلك فعندي أن أسلوبها في صنعته وغرابته ليس أسلوب الرواية أو القصة التي تعنى بالموضوعات والأفكار التي تهم القراء وحسبها أنها من هذه الناحية مدرسة لغوية أدبية، وليس من اللازم أن نورد هنا أمثلة للمقامات، ونعرض لها بالشرح والتحليل، فهي مشهورة ذائعة، على أن المقام لا يتسع هنا لمثل ذلك.
следующие страницы →