Полный текст (9 517 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ لا يحصي عدد نعمته العادون، ولا يؤدي حق شكره المجتهدون، ولا يبلغ مدى عظمته الواصفون، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
أحمده على الآلاء، وأشكره على النعماء، وأستعين به في الشدة والرخاء، وأتوكل عليه فيما أجراه من القدر والقضاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأعتقد أن لا رب إلا إياه، شهادة من لا يرتاب في شهادته، واعتقاد من لا يستنكف عن عبادته، وأشهد أن محمدا عبده الأمين، ورسوله المكين، ختم الله به النبيين، وأرسله إلى الخلق أجمعين، بلسان عربي مبين، فبلغ الرسالة، وأوضح الدلالة، وأظهر المقالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في سبيل الله المشركين، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمد سيد المرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين، وأصحابه المنتجبين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين.
هذا كتاب تاريخ مدينة السلام، وخبر بنائها، وذكر كبراء نزالها،
стр. 2
ووارديها، وتسمية علمائها، ذكرت من ذلك ما بلغني علمه، وانتهت إلي معرفته، مستعينا على ما يعرض من جميع الأمور بالله الكريم، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أخبرنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني، قال: سمعت عمر بن أحمد بن عثمان يقول: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال لي الشافعي: يا أبا موسى دخلت بغداد؟ قال: قلت: لا. قال: ما رأيت الدنيا!
باب
القول في حكم بلد بغداد وغلته، وما جاء في جواز بيع أرضه
وكراهته
أول ما نبدأ به في كتابنا هذا: ذكر أقوال العلماء في أرض بغداد وحكمها، وما حفظ عنهم من الجواز والكراهة لبيعها؛ فذكر عن غير واحد منهم أن بغداد دار غصب لا تشترى مساكنها ولا تباع. ورأى بعضهم نزولها باستئجار، فإن تطاولت الأيام فمات صاحب منزل أو حانوت أو غير ذلك من الأبنية لم يجيزوا بيع الموروث، بل رأوا أن تباع الأنقاض دون الأرض، لأن الأنقاض ملك لأصحابها، وأما الأرض فلا حق لهم فيها إذا كانت غصبا.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي. وأخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد أبو الحسين، قال:
стр. 3
حدثني أبو الفضل جعفر بن محمد المؤدب: أن أباه لما مات أرادت والدته أن تبيع دارا ورثتها، فقالت لي: يا بني امض إلى أحمد بن حنبل وإلى بشر بن الحارث فسلهما عن ذلك، فإني لا أحب أن أقطع أمرا دونهما، وأعلمهما أن بنا حاجة إلى بيعها. قال: فسألتهما عن ذلك، فاتفق قولهما على بيع الأنقاض دون الأرض، فرجعت إلى والدتي فأخبرتها بذلك فلم تبعها.
ومنع جماعة من العلماء من بيع أرض بغداد لكونها من أرض السواد؛ وأرض السواد عندهم موقوفة لا يصح بيعها. وأجازت طائفة بيعها، واحتجت بأن عمر بن الخطاب ﵁ أقر السواد في أيدي أهله، وجعل أخذ الخراج منهم عوضا عن ذلك.
وكان غير واحد من السلف يكره سكنى بغداد والمقام بها، ويحث على الخروج منها، وقيل: إن الفضيل بن عياض كان لا يرى الصلاة في شيء من بغداد لأجل أنها عنده غصب.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس الخزاز قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن خالد النيسابوري المعروف بابن القصير، قال: حدثنا عمرو بن أيوب، قال: سألت الفضيل بن عياض عن المقام ببغداد، فقال لي: لا تقم بها، اخرج عنها، فإن أخبثهم مؤذنوهم.
أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الحافظ بأصبهان،
стр. 4
قال: أخبرنا أحمد بن بندار بن إسحاق، قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن منده، قال: حدثنا إبراهيم بن يزداد البغدادي بأصبهان، قال: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، قال: قلت لعبد الله بن داود: إن لي خالة ببغداد، قال: أقطعها قطع القثاء.
حدثني أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال وأبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه؛ قالا: أخبرنا يوسف بن عمر القواس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق المقرئ، قال: حدثني أبو عبد الله أحمد بن يوسف بن الضحاك، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: بغداد ضيقة على المتقين، ما ينبغي لمؤمن أن يقيم فيها، قلت له: فهذا أحمد بن حنبل فما تقول؟ قال: دفعتنا الضرورة إلى المقام بها كما دفعت الضرورة إلى أكل الميتة.
أنبأنا أبو الحسن أحمد بن أبي جعفر القطيعي، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبي عبد الرحمن بن محمد الزهري، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن جناد، قال: سمعت أبا عمران الجصاص، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله هذه أربعة دراهم: درهم من تجارة برة، ودرهم من صلة الإخوان، ودرهم من التعليم، ودرهم من غلة بغداد، فقال: ما منها شيء أحب إلي من التجارة، ولا فيها شيء أكره عندي من صلة الإخوان؛ وأما التعليم فإني أرجو أن لا يكون به بأس لمن احتاج إليه، وأما غلة بغداد فأنت تعرفها، إيش تسألني عنها.
حدثني عبد العزيز بن علي الوراق، قال: أخبرنا علي بن عبد الله
стр. 5
الهمذاني بمكة، قال: حدثنا الخلدي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن خالد، قال: سئل أحمد بن محمد بن حنبل عن مسألة في الورع، فقال: أنا أستغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع، وأنا آكل من غلة بغداد، لو كان بشر بن الحارث صلح أن يجيبك عنه؛ فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد، فهو يصلح أن يتكلم في الورع.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد، قال: وكان مما بقي في كتابي غير مسموع عن أبي الحسن علي بن إسماعيل البزاز المعروف بعلويه، قال: حدثنا يحيى بن الصامت، قال: سأل رجل عبد الله بن المبارك: أين ترى لي أن أنزل من بغداد متى ما دخلتها؟ قال: إن ابتليت بذلك فانزل نهر الدجاج فإنه في أيدي أربابه لم يغصبوا عليه أحدا.
أخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، قال: حدثنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري، قال: حدثنا أبو الحسين طلحة بن أحمد بن حفص الصفار، قال: حدثنا العباس بن يوسف، قال: حدثنا أبو الطيب الرام، قال: سمعت ابن المبارك يقول [من الخفيف]:
الزم الثغر والتعبد فيه … ليس بغداد مسكن الزهاد
إن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد
стр. 6
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، قال: أخبرنا مفضل بن محمد الجندي، قال: أخبرنا يونس بن حمد، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: المتعبد ببغداد كالمتعبد في الكنيف.
أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي، قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها فأخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد.
أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن محمد بن مخلد الوراق وأبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي المحتسب؛ قالا: أخبرنا أبو الحسن محمد بن جعفر بن هارون النحوي الكوفي، قال: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني، قال: قال أبو بكر محمد بن خلف، وهو وكيع القاضي: لم تزل بغداد مثل أرض السواد إلى سنة خمس وأربعين ومائة.
قلت: يعني: إنها كانت تمسح ويؤخذ عنها الخراج، حتى بناها أبو جعفر المنصور ومصرها ونزلها وأنزلها الناس معه.
стр. 7
باب
الخبر عن السواد وفعل عمر فيه ولأية علة ترك قسمته بين
مفتتحيه
أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز، قال: حدثنا دعلج بن أحمد بن دعلج المعدل، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، قال: حدثنا إبراهيم التيمي، قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر بن الخطاب: اقسمه بيننا، فأبى. فقالوا: إنا افتتحناها عنوة. قال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وأخاف أن تقتتلوا. فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الضرائب، يعني الجزية، وعلى أرضهم الطسق، يعني الخراج، ولم يقسمها بينهم.
أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة، قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الرحمن، يعني ابن مهدي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله
стр. 8
ﷺ خيبر.
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي بنيسابور، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لولا أني أترك الناس ببانا لا شيء لهم، ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي، قال: أخبرنا عمر بن نوح البجلي، قال: أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: أراد عمر أن يقسم السواد، فعدوهم، فأصاب كل رجل ثلاثة من الفلاحين، فاستشار عمر فيهم أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: للناس نائبة، ولا يبقى لمن بعدهم شيء، فتركهم.
стр. 9
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم؛ فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين؛ فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء.
قلت: اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون ويقهرون العدو عليها؛ فذهب بعضهم إلى أن الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم، فيعزل منها السهم الذي ذكره الله تعالى في آية الغنيمة، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، ويقسم السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها؛ فإن لم يختر ذلك وقف جميعها كما فعل عمر بن الخطاب في أرض السواد. وممن ذهب إلى هذا القول: سفيان بن سعيد الثوري، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت.
وقال مالك بن أنس: تصير الأرض وقفا بنفس الاغتنام، ولا خيار فيها للإمام.
стр. 10
وقال محمد بن إدريس الشافعي: ليس للإمام إيقافها وإنما يلزمه قسمتها؛ فإن اتفق المسلمون على إيقافها ورضوا ألا تقسم جاز ذلك. واحتج من ذهب إلى هذا القول بما روي أن عمر بن الخطاب قسم أرض السواد بين غانميها وحازوها؛ ثم استنزلهم بعد ذلك عنها واسترضاهم منها ووقفها. فأما الأحاديث التي تقدمت بأن عمر لم يقسمها فإنها محمولة على أنه امتنع من إمضاء القسم واستدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم، أو أنه لم يقسم بعض السواد وقسم بعضه ثم رجع فيه.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كنا ربع الناس يوم القادسية، فأعطانا عمر ربع السواد، فأخذناه ثلاث سنين، ثم وفد جرير إلى عمر بعد ذلك، فقال: أما والله، لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما قسم لكم، فأرى أن ترده على المسلمين؛ ففعل، وأجازه بثمانين دينارا.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز لعمر: يا أمير المؤمنين، إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلمه فقال لها: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا. قال: ففعل عمر ذلك.
стр. 11
قال أبو عبيد: فاحتج قوم بفعل عمر هذا، وقالوا: ألا تراه قد أرضى جريرا والبجلية وعوضهما. وإنما وجه هذا عندي: أن عمر كان نفل جريرا وقومه ذلك نفلا قبل القتال، وقبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله، ولو لم يكن نفلا ما خصه وقومه بالقسمة خاصة دون الناس، وإنما استطاب أنفسهم خاصة لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل، فلا حجة في هذا لمن زعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم.
قلت: ثم إن عمر أقر أهل السواد فيه وضرب عليهم الخراج بعد أن سلم إليهم الأرض يعملون فيها وينتفعون بها، وبعث عماله لمساحتها وقبض الواجب عنها؛ فأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا الأنصاري محمد بن عبد الله، ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلا قد حدثناه أيضا عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز: أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. ثم فرض لهم في كل يوم شاة، أو قال: جعل لهم كل يوم شاة، شطرها وسواقطها لعمار، والشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سريعا في خرابها. قال: فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القضب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة
стр. 12
دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين.
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله القرشي، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم: أن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر حيث يناله الماء قفيزا ودرهما. قال وكيع: يعني الحنطة والشعير، ووضع على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطاب خمسة دراهم.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن مجالد، عن أبيه مجالد بن سعيد، عن الشعبي: أن عمر بعث عثمان بن حنيف فمسح السواد، فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهما وقفيزا. قال أبو عبيد: أرى حديث مجالد عن الشعبي هو المحفوظ.
стр. 13
ويقال: إن حد السواد الذي وقعت عليه المساحة من لدن تخوم الموصل مادا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، هذا طوله. وأما عرضه: فحده منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب. فهذا حدود السواد وعليها وقع الخراج.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع الصوفي، قال: أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: أخبرنا محمد بن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة؛ قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حصين، عن مطرف، قال: ما فوق حلوان فهو ذمة، وما دون حلوان من السواد فهو فيء، وسوادنا هذا فيء.
أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ بأصبهان، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن الليث الواسطي قال: حدثنا أسلم بن سهل، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب، قال: سمعت أبي يقول: إنما سمي السواد سوادا لأن العرب حين جاءوا نظروا إلى مثل الليل من النخل والشجر والماء فسموه سوادا.
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين الأصبهاني بها، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبيد: كان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنما سمي به للكثرة، وأما أنا فأحسبه سمي بالسواد للخضرة التي في النخيل والشجر والزرع؛ لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد فتوضع أحدهما موضع الآخر. ومن ذلك قول الله تعالى حين ذكر الجنتين فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ هما في التفسير: خضراوان، فوصفت الخضرة
стр. 14
بالدهمة وهي من سواد الليل، وقد وجدنا مثله في أشعارهم، قال ذو الرمة:
قد أقطع النازح المجهول معسفه في ظل أخضر يدعو هامه البوم يريد بالأخضر: الليل، سماه بهذا لظلمته وسواده.
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: قال حسن، يعني ابن صالح: وأما سوادنا هذا فإنا سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج، فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط والدهاقين على حالهم، ووضعوا الجزية على رؤوس الرجال، ومسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الأرض، ووضعوا عليها الخراج، وقبضوا كل أرض ليست في يد أحد، فكانت صوافي إلى الإمام.
قال يحيى: كل أرض كانت لعبدة الأوثان من العجم، أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب، ممن تقبل منهم الجزية، فإن أرضيهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رؤوسهم والخراج على أرضيهم؛ فإن ذلك يقبل منهم، وإن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعدما يخمسه وهي الغنيمة التي لا يوقف شيء منها، وذلك قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وأما القرى والمدائن والأرض فهي فيء كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ فالإمام بالخيار في ذلك إن شاء وقفه وتركه للمسلمين، وإن شاء قسمه بين من حضره.
стр. 15
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبيد: إنما جعل، يعني عمر، الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات الحب والثمار والتي تصلح للغلة من العامر والغامر؛ وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم فلم يجعل عليهم فيها شيئا.
باب
ذكر حكم بيع أرض السواد وما روي في ذلك من الصحة والفساد
أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: أخبرنا الحسن بن علي بن عفان، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثني الحسن بن صالح، قال أبو علي الصفار: أظنه عن منصور، عن عبيد أبي الحسن، عن عبد الله بن مغفل المزني، قال: لا تباع أرض دون الجبل إلا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة فإن لهم عهدا.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عباد بن
стр. 16
العوام، عن حجاج، عن الحكم، عن عبد الله بن مغفل، قال: لا تشترين من أهل السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأليس. قال أبو عبيد: فأما أهل الحيرة؛ فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبي بكر، وأما أهل بانقيا وأليس فإنهم دلوا أبا عبيد وجرير بن عبد الله البجلي على مخاضة حتى عبروا إلى فارس؛ فبذلك كان صلحهم وأمانهم.
قلت: ويروى عن الحسن بن صالح بن حي: أنه رخص في شراء أرض الصلح، وكره شراء أرض العنوة، وهو مذهب مالك بن أنس.
وجاء عن مجاهد بن جبر في أرض العنوة نحو ذلك؛ أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي، قال: حدثنا علي بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أيما مدينة افتتحت عنوة فأسلموا قبل أن يقسموا فأموالهم للمسلمين.
أخبرنا محمد بن أبي نصر النرسي، قال: حدثني جدي علي بن أحمد بن محمد بن يوسف القاضي بسر من رأى، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، قال: أخبرنا أبو مصعب، عن مالك بن أنس، قال: أما أهل الصلح فإن من أسلم منهم أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فإن من أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه، وكانت أرضه للمسلمين فيئا؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين.
стр. 17
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: قال مالك: كل أرض فتحت صلحا فهي لأهلها، لأنهم منعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وكل بلاد أخذت عنوة فهي فيء للمسلمين.
أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي العامري، قال: قال يحيى بن آدم: وكره حسن، يعني ابن صالح، شراء أرض الخراج، ولم ير بأسا بشراء أرض الصلح مثل الحيرة ونحوها.
قلت: فهؤلاء الذين كرهوا شراء أرض السواد إنما كرهوه لجهتين؛ هما: أن الخراج كانوا يذهبون إلى أنه صغار فلم يروا أن يدخلوا فيه؛ والثانية أن السواد لما فتح عنوة ووقف فلم يقسم حصل عندهم مما لا يجوز بيعه سوى من رخص في المواضع التي ذكر أن لأهلها ذمة وهي بانقيا والحيرة وأليس خاصة. وقد روي عن محمد بن سيرين أنه قال: بعض السواد عنوة وبعضه صلح، من غير تمييز لأحد الأمرين من الآخر.
أخبرنا علي بن محمد المعدل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا أبو زبيد، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: السواد منه صلح ومنه عنوة؛ فما
стр. 18
كان منه عنوة فهو للمسلمين، وما كان منه صلحا فلهم أموالهم.
وقال يحيى: حدثنا الحسن بن صالح، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: ما نعلم من له صلح ممن ليس له صلح من أهل السواد.
قلت: فيحتمل أن يكون الصلح الذي ذكره ابن سيرين من السواد هو لأهل المواضع التي سميناها في حديث أبي عبيد، ويحتمل أن يكون لقوم آخرين، وإنا نظرنا في ذلك فوجدنا في السواد شيئا ذكر أنه صلح سوى ما تقدم ذكرنا له.
أخبرنا علي بن أبي بكر العبدي، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أشعث، عن الشعبي، قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة وأهل عين التمر، قال: وكتب بذلك إلى أبي بكر فأجازه.
قال يحيى: قلت للحسن بن صالح: فأهل عين التمر مثل أهل الحيرة، إنما هو شيء عليهم وليس على أرضيهم؟ قال: نعم. وقال يحيى: حدثنا حسن بن صالح، عن جابر، عن الشعبي، قال: لأهل الأنبار عهد، أو قال: عقد.
وذكر محمد بن خلف وكيع القاضي أن محمد بن إسحاق الصغاني أخبرهم، قال: حدثنا أبو سعيد الحداد، قال: حدثنا محمد بن الحسن، عن أبي شيبة، عن الحكم، قال: كلواذا صلح؛ أخبرنا بذلك محمد بن علي
стр. 19
الوراق، قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف.
وبغداد من أفنية كلواذا، فقد حصلت من بلاد الصلح على هذه الرواية، وفي كونها صلحا جواز بيع أرضها؛ ولا أحسب الذين كرهوا شراء أرض بغداد انتهت إليهم هذه الرواية عن الحكم. وقد كان الليث بن سعد اشترى شيئا من أرض مصر وحكمها حكم سواد العراق؛ وإنما استجاز الليث ذلك لأنه كان يحدث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح. وكان مالك بن أنس وعبد الله بن لهيعة ونافع بن يزيد ينكرون على الليث ذلك الفعل؛ لأن مصر كانت عندهم عنوة. ولعل حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم، أو بلغهم فلم يثبت عندهم، والله أعلم.
فصل
قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة وصار غنيمة للمسلمين، فقال بعض أهل العلم: لما لم يقسم ووقف صار بيعه لا يصح، ويؤيد هذا قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله وعتبة بن فرقد.
أما قوله لطلحة؛ فأخبرنا الحسين بن شجاع الصوفي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة؛ قالا: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مطرف، عن بعض أصحابه، قال: اشترى طلحة بن عبيد الله أرضا من النشاستك، نشاستك بني طلحة، هذا الذي عند السيلحين. فأتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال: إني اشتريت أرضا معجبة. فقال له عمر: ممن اشتريتها؟ اشتريتها من أهل الكوفة؟
стр. 20
اشتريتها من أهل القادسية؟ قال طلحة: وكيف أشتريها من أهل القادسية كلهم؟ قال: إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء.
وأما قوله لعتبة؛ فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن عبد السلام بن حرب، عن بكير بن عامر، عن عامر، قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج، ثم أتى عمر فأخبره، فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها. قال: فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا. قال: فاذهب فاطلب مالك.
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا قيس، عن أبي إسماعيل، عن الشعبي، عن عتبة بن فرقد، قال: اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي، فذكرت ذلك لعمر،
стр. 21
فقال لي: اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال: رح إلي، فرحت إليه، فقال: يا هؤلاء أبعتموه شيئا؟ قالوا: لا، قال: ابتغ مالك حيث وضعته.
وقال قوم: بل السواد ملك لأهله؛ لأن عمر أقره في أيديهم وفرض الخراج عليهم.
وقال قوم: باعهم عمر الأرض بالخراج، فلهم رقاب الأرض يتوارثونها ويتبايعونها. واحتجوا على ذلك بما أخبرنا القاضي أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد المعدل، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا عبد الله بن داود الخريبي، قال: كان الحسن والحسين لا يريان بأسا بأرض الخراج.
وأخبرنا ابن رزق وابن بشران؛ قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، قال: اشترى الحسن بن علي ملحة أو ملحا، واشترى الحسين شريدين من أرض الخراج، وقال: قد رد إليهم عمر أرضيهم وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم. قال: وكان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأسا.
стр. 22
أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن المبارك، عن سفيان بن سعيد، قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبي بعدما يخرج الخمس من ذلك، وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال فكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر بن الخطاب بأهل السواد. فإن تركهم صاروا عهدا توارثوا وباعوا أرضهم. قال يحيى: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين وتقسم في المواريث.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: قال أبو عبيد: ومع هذا كله إنه قد تسهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم، ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا، منهم من الصحابة عبد الله بن مسعود، ومن التابعين محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وكان ذلك رأي سفيان الثوري فيما يحكى عنه.
أما حديث ابن مسعود؛ فأخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي بنيسابور، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش. وأخبرناه أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، قال: أخبرنا أبو بدر، قال: حدثنا سليمان بن مهران، وهو الأعمش، عن شمر
стр. 23
ابن عطية، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال عبد الله: وبراذان ما براذان، وبالمدينة ما بالمدينة. فقد ذكر ابن مسعود في هذا الحديث أن له براذان مالا.
أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الدقاق وأبو محمد عبد الله بن يحيى السكري قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: اشترى عبد الله أرضا من أرض الخراج، قال: فقال له صاحبها، يعني دهقانها: أنا أكفيك إعطاء خراجها والقيام عليها.
وأما حديث ابن سيرين؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثني قبيصة، عن سفيان، عن عبد العزيز بن قرير، عن ابن سيرين: أنه كانت له أرض من أرض الخراج، فكان يعطيها بالثلث والربع.
стр. 24
وأما حديث عمر بن عبد العزيز؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن رجاء أبي المقدام، عن نعيم بن عبد الله: أن عمر بن عبد العزيز أعطاه أرضا بجزيتها. قال عبد الرحمن: يعني من أرض السواد. قال أبو عبيد: وكأن عمر بن عبد العزيز تأول الرخصة في أرض الخراج أن الجزية التي قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ إنما هي على الرؤوس لا على الأرض، وكذلك يروى عنه. قال أبو عبيد: وكان يقول: فالداخل في أرض الجزية ليس يدخل في هذه الآية.
قال أبو عبيد: وقد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي ﷺ بالسواد، والذي يروى عن سفيان أنه قال: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها، فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها.
قال أبو عبيد: وإنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره شراءها وحيازتها وسكناها، قد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر بن الخطاب وهو أذن في ذلك، ونزلها من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ رجال منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمار،
стр. 25
وحذيفة، وسلمان، وخباب، وأبو مسعود، وغيرهم. ثم قدمها علي ﵇ فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعد بها، فما بلغنا أن أحدا منهم ارتاب بها ولا كان في نفسه منها شيء بحمد الله ونعمته، وكذلك سائر السواد. والحديث في هذا أكثر من أن يحصى.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر أبو الحسين، قال: كان فيما حدثني عن العباس بن عبد الله الترقفي قال: حدثني علي بن الصباح ابن أخت الهروي، قال: أتيت عبد الله بن داود الخريبي فسألته عن سكنى بغداد، قال: وما بأس. قلت له: فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها. فقال: كان سفيان يكره جوار القوم وقربهم. قلت: فابن المبارك يقولون: إنه كان كلما دخلها تصدق بدينار. فقال: ومن يصحح هذا لنا عن ابن المبارك؟ قلت: فشعيب بن حرب، والفضيل بن عياض. فقال: لم تذكر لنا فقيها بعد. قلت: فما تقول في أرض السواد؟ فقال: خذ بيدك من اتخذ من أصحاب رسول الله ﷺ في أرض السواد، اتخذ بها سعد بن أبي وقاص، وابن
стр. 26
مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة، وسلمان الفارسي، وأنس بن مالك. قال الترقفي: وسمعت الحسن بن الربيع البوراني قال: قيل لابن المبارك: إن الناس يقولون: إنك كلما دخلت بغداد تصدقت بدينار. فقال: إن دنانيرنا إذا لكثيرة. قال أبو الحسين أحمد بن جعفر: وهذا احتجاز من ابن المبارك وليس هو بجواب سؤال السائل، وكأنه كره المراجعة فاستعمل المحاجزة، وإلا فإن المشهور عنه فيها التغليظ والذم الصريح والصدقة إذا دخلها مجتازا غير مختار، وقد ذكر عنه في ذم ساكنيها مع الكلام أشعار. فمنها ما أخبرته عن أبي الحسن محمد بن محمد المعروف بحبش بن أبي الورد قال: قال ابن المبارك يذم الناسك الذي يسكن بغداد [من الخفيف]:
أيها الناسك الذي لبس الصو … ف وأضحى يعد في العباد
الزم الثغر والتعبد فيه … ليس بغداد مسكن الزهاد
стр. 27
إن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العابد، قال: شهدت معروفا، يعني الكرخي، ورجل عنده فذكر أن بغداد غصب، فقال له معروف: يا هذا اتق الله، احفظ لسانك ما نعرف شيئا غصب.
أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي التوزي القاضي المحتسب؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر بن هارون الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن محمد السكوني، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: زعم عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدثني أبي، عن جدي جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها: المباركة، وكانت لستين نفسا من البغداديين فعوضهم منها عوضا أرضاهم، فأخذ جدي جبلة قسمه منهم. وكان شارع طريق الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترابنة. قال: وقال ابن أبي سعد، عن أبيه، قال: سمعت السري بن الحكم، وأظنه من بجيلة، يزعم أن المنصور كان ابتاع منه ما بين قنطرة البردان إلى الجسر، وأنه لم يقبض ثمن ذلك منه، وأن
стр. 28
حد أرضه من الجسر حتى ينتهي إلى قرية تعرف بالأثلة على فرسخ من الجانب الشرقي، ومنزله بالحطمية على ميلين من بغداد، ورفع في ذلك إلى الرشيد وإلى المأمون فلم يعطياه.
قلت: وفي حديثي ابن أبي سعد هذين إبطال لقول من زعم أن بغداد دار غصب، ودحض لزعمه وكسر لدعواه. وقد قدمنا القول عمن حكيناه عنه في إجازة بيع أرض السواد، ويحصل منه أن أرض بغداد ملك لأربابها، يصح أن تورث وتستغل وتباع، وعلى ذلك كان من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء، لا يكرهون الشهادة في مبيع، ولا يتوقفون عن الحكم في موروث، وبهم يقتدى فيما وقع التنازع فيه، وحكمهم هو الحجة على مخالفيه. مع ما أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى. وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المنادي، قال: سأل رجل أحمد بن محمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله ويسكن في دار منه، كيف سبيله عنده؟ فقال له: هذا شيء ورثته عن أبي؛ فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه.
стр. 29
ذكر أقاليم الأرض السبعة وقسمتها
وإن الإقليم الذي فيه بغداد سرتها
ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة، وأن الهند رسمتها فجعلت إقليم بابل وسطها، وجعلت صفة الأقاليم كأنها حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر على هذه الصفة:
فالدائرة الوسطى هي إقليم بابل، والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى، كل دائرة منها إقليم من الأقاليم الستة.
فالإقليم الأول منها إقليم بلاد الهند.
والإقليم الثاني إقليم الحجاز.
والإقليم الثالث إقليم مصر.
والإقليم الرابع إقليم بابل، وهو الممثل بالدائرة الوسطى التي اكتنفتها سائر الدوائر، وهو أوسط الأقاليم وأعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا. وحد هذا الإقليم مما يلي أرض الحجاز وأرض نجد الثعلبية من طريق مكة، وحده مما يلي الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخا، وحده مما يلي أرض خراسان وراء نهر بلخ، وحده مما يلي الهند خلف الدبيل بستة فراسخ، وبغداد في وسط هذا الإقليم.
стр. 30
والإقليم الخامس بلاد الروم والشام.
والإقليم السادس بلاد الترك.
والإقليم السابع بلاد الصين.
فالإقليم الرابع الذي فيه العراق، وفي العراق بغداد، هو صفوة الأرض ووسطها لا يلحق من فيه عيب سرف ولا تقصير.
قالوا: ولذلك اعتدلت ألوان أهله، وامتدت أجسامهم، وسلموا من شقرة الروم والصقالبة، ومن سواد الحبش وسائر أجناس السودان، ومن غلظة الترك، ومن جفاء أهل الجبال وخراسان، ومن دمامة أهل الصين ومن جانسهم وشاكل خلقهم، فسلموا من ذلك كله. واجتمعت في أهل هذا القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار. وكما اعتدلوا في الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بالعلم والأدب ومحاسن الأمور، وهم أهل العراق ومن جاورهم وشاكلهم.
ذكر تعريب اسم العراق ومعناه
وأن حده حد السواد ومنتهاه
أخبرنا علي بن أبي علي البصري، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل، قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري: قال ابن الأعرابي: إنما سمي العراق عراقا لأنه سفل عن نجد ودنا من البحر، أخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها. وقال غيره: العراق معناه في كلامهم الطير. قالوا: وهو جمع عرقة والعرقة ضرب من الطير. ويقال أيضا: العراق جمع عرق. وقال قطرب: إنما سمي العراق عراقا لأنه دنا من البحر وفيه سباخ وشجر، يقال: استعرقت إبلكم إذا أتت ذلك الموضع.
стр. 31
أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي، قال: حدثنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، قال: أخبرنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب، قال: قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: العراق من بلد إلى عبادان، وعرضا من العذيب إلى جبل حلوان. وإنما سميت العراق لأن كل استواء عند نهر أو عند بحر عراق، وإنما سمي السواد سوادا لأنهم قدموا يفتحون الكوفة فلما أبصروا سواد النخل؛ قالوا: ما هذا السواد؟
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير المقرئ، قال: حدثني أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنباري، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن أحمد الحليمي، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن معن بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي ﷺ : اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وفي شامنا وفي يمننا وفي حجازنا. قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك النبي ﷺ فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك النبي ﷺ ، فلما كان في اليوم الثالث قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك النبي ﷺ ، فولى الرجل وهو يبكي، فدعاه النبي ﷺ فقال: أمن العراق أنت؟ قال: نعم. قال: إن أبي إبراهيم ﵇ هم أن يدعو عليهم فأوحى الله تعالى إليه لا تفعل، فإني جعلت خزائن علمي فيهم، وأسكنت الرحمة قلوبهم.
стр. 32
أخبرنا الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي الكوفي، قال: أخبرنا الجلودي، يعني أبا أحمد البصري، قال: حدثنا محمد بن زكويه، عن ابن عائشة، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار: اختر لي المنازل. قال: فكتب: يا أمير المؤمنين، إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت، فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: أنا معك، وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك. وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: وأنا معك، وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك. وقال الغنى: أريد مصر، فقال الذل: وأنا معك؛ فاختر لنفسك. قال: فلما ورد الكتاب على عمر قال: فالعراق إذا؛ فالعراق إذا.
أخبرنا محمد بن الحسين القطان، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل، عن عمر، قال: أهل العراق كنز الإيمان، وجمجمة العرب، وهم رمح الله يحرزون ثغورهم ويمدون الأمصار.
стр. 33
ذكر خبر غارة المسلمين على سوق بغداد
كانت بغداد في أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة التجار، ويقوم بها للفرس سوق عظيمة. فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد، ذكر للمثنى بن حارثة الشيباني أمر سوق بغداد.
فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: حدثنا الحسن بن علي القطان، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: أخبرنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، قال: قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله: أن أهل الحيرة قالوا للمثنى: ألا ندلك على قرية تأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد، ويجتمع بها في كل سنة من أموال الناس مثل خراج العراق، وهذه أيام سوقهم التي يجتمعون فيها، فإن أنت قدرت على أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالا يكون فيه عز للمسلمين وقوة على عدوهم، وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم. فقال لهم: فكيف لي بها؟ فقالوا له: إن أردتها فخذ طريق البر حتى تنتهي إلى الأنبار، ثم تأخذ رؤوس الدهاقين فيبعثون معك الأدلاء، فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى. قال: فخرج من النخيلة ومعه أدلاء أهل الحيرة حتى دخل الأنبار فنزل بصاحبها فتحصن منه، فأرسل إليه: ما يمنعك من النزول؟ فأرسل إليه: إني أخاف، فأرسل إليه: انزل فإنك آمن على دمك وقريتك وترجع سالما إلى حصنك. فتوثق عليه ثم نزل، فقال: إني أريد أن تبعث معي دليلا يدلني على بغداد، فإني أريد أن أعبر منها إلى المدائن، قال: أنا أجيء معك. قال المثنى: لا أريد أن تجيء معي ولكن ابعث معي من يعرف الطريق. ففعل، وأمر لهم بعلف وطعام وزاد، وبعث معهم دليلا، فأقبل حتى إذا بلغ المنصف، قال له المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قال: أربعة فراسخ أو خمسة وقد بقي
стр. 34
عليك ليل، فقال لأصحابه: انزلوا فاقضموا واطعموا وابعثوا الطلائع، فلا يلقون أحدا إلا حبسوه. ثم سار بهم فصبحهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف فقتل وأخذ الأموال، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته، وهرب الناس وتركوا أمتعتهم وأموالهم، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء، ثم رجع راجعا حتى نزل بنهر السيلحين، فقال للمسلمين: احمدوا الله الذي سلمكم وغنمكم، انزلوا فأعلفوا خيلكم من هذا القضب وعلقوا عليها وأصيبوا من أزوادكم، ثم سار وسمع القوم يهمس بعضهم إلى بعض: أن القوم سراع الآن في طلبنا. فقال: قبح الله ما تتناجون به، أيسر بعضكم إلى بعض أتحسبونهم الآن في طلبكم؟ فوالله لو كان الصريخ قد بلغهم الآن إنه لكثير، ولو كان الصريخ عندهم لدخلهم من رعب غارتنا عليهم إلى جنب مدائنهم ما يشغلهم عن طلبنا حتى نلحق معسكرنا وجماعتنا، ولو كان بهم من القوة والجرأة ما يحملهم على طلبنا ثم جهدوا جهدهم ما أدركونا، نحن على الجياد العراب وهم على المقاريف البطاء، ولو أنهم طلبونا فأدركونا لم نكن نقاتلهم إلا التماس الثواب ورجاء النصر، عمركم الله، لقد نصرتم عليهم وهم أكثر منكم وأعز. فأقبلوا ومعهم دليلهم حتى انتهى إلى الأنبار واستقبلهم صاحبها بالكرامة، فوعده المثنى الإحسان إليه لو قد استقام أمرهم، فرجع المثنى إلى عسكره.
قلت: والمثنى هو ابن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهو أول من حارب الفرس في أيام أبي بكر الصديق.
стр. 35
باب
ذكر أحاديث رويت في الثلب لبغداد والطعن على أهليها
وبيان فسادها وعللها وشرح أحوال رواتها وناقليها
أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن عيسى بن موسى البزاز، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق قال: حدثنا إبراهيم بن زياد، قال: حدثنا خلف بن تميم، قال: حدثنا عمار بن سيف، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل عاصما الأحول عن هذا الحديث فحدثه عاصم وأنا حاضر، عن أبي عثمان، عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، تجبى إليها خزائن الأرض وجبابرتها، لهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عمر بن روح النهرواني، قال: أخبرنا طلحة بن أحمد بن الحسن الصوفي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن صفوة، قال: حدثنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا خلف بن تميم، قال: حدثني عمار بن سيف، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: مر جرير بن عبد الله بقنطرة الصراة، فقيل: يا صاحب رسول الله ألا تنزل فتصيب من الغداء؟ قال: فضرب خاصرة فرسه بسوطه وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة
стр. 36
ودجيل وقطربل والصراة، يجبى إليها خزائن الأمصار وجبابرتها، يخسف بها وبمن فيها، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.
أخبرنا علي بن أبي علي المعدل والحسن بن علي الجوهري؛ قالا: حدثنا علي بن محمد بن أحمد بن لؤلؤ الوراق، قال: حدثنا أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي، قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثنا حسين الأشقر، عن عمار بن سيف الضبي، عن عاصم، عن أبي عثمان النهدي، قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، يجبى إليها خراج أهل الدنيا وجبابرتها، لهي أسرع انقلابا بأهلها من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.
أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الواعظ، قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي، قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا الحسن بن حماد، قال: حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، عن عمار بن سيف، قال: سمعت عاصما الأحول وسأله سفيان عن أبي عثمان، عن جرير، عن النبي ﷺ قال: تبنى مدينة بين قطربل والصراة، ودجلة ودجيل، يخرج بها جبابرة أهل الدنيا يجبى إليهم الخراج، يخسف الله بها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من المعول في الأرض النخرة أو الخوارة.
أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ، قال: حدثنا إسماعيل بن الحسن الصرصري، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال:
стр. 37
حدثنا محمد بن إشكاب، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عمار بن سيف الضبي، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن جرير قال: كنا معه بقطربل، فقال: ما هذه؟ قال: قطربل. قال: فضرب بطن فرسه حتى وقف خارجا منها، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل، يجبى إليها خزائن الأرض وجبابرتها، يخسف بأهلها، فلهي أسرع هويا في الأرض من وتد الحديد في الأرض الرخوة. قال عمار: سمعته يحدث به رجلا. قال أبو غسان: فقلت له: أبا سفيان؟ فقال: قد أخذ علي أن لا أسميه، ولم يقل لي: قال عمار، فشككت في بعضه فقومني فيه، وقد حفظت إسناده من عاصم والحديث إلا الشيء.
أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: حدثنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد الجعابي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، قال: حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب المسعودي، قال: قلت لعمار بن سيف: سمعت هذا الحديث من عاصم؟ قال: لا. قلت: من حدثك عن عاصم؟ قال: رجل ثقة كأنك تسمعه منه، يعني: حديث جرير تبنى مدينة.
قلت: هذا خلاف الحديث الذي بدأنا به؛ لأن عمارا ذكر في تلك الرواية أنه حضر الثوري يسأل عاصما عنه، وفي هذه الرواية أنكر أن يكون سمعه من عاصم، والله أعلم، وقد روى هذا الحديث عن عاصم: سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري وهو أخو عمار بن محمد، ومحمد بن جابر اليمامي، وأبو شهاب الحناط. وروي عن سفيان الثوري، عن عاصم.
فأما حديث سيف، فأخبرناه عبيد الله بن أحمد بن محمد الحربي القزاز، قال: حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه، قال: حدثنا إدريس بن عبد الكريم، قال: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني. وأخبرنا علي بن أبي علي، قال: أخبرنا طلحة
стр. 38
ابن محمد بن جعفر المعدل، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وعمر بن إسماعيل بن أبي غيلان؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، قال: حدثنا سيف بن محمد، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: كنت مع جرير بن عبد الله بقطربل، فقال: ما اسم هذه القرية؟ قال: قلت: قطربل. قال: ثم أومأ إلى الدجيل. قال: قلت: دجيل. قال: ثم أومأ إلى دجلة. قال: قلت: دجلة. قال: ثم أومأ إلى الصراة. قال: قلت: ذاك يسمى الصراة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، يجبى إليها خزائن الأرض وكنوز الأرض وجبابرتها، يخسف بأهلها فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة. لفظ حديث إدريس.
وأما حديث محمد بن جابر؛ فأخبرنيه أبو الحسن علي بن حمزة بن أحمد المؤذن بجامع البصرة، قال: حدثنا أبو القاسم عمر بن محمد بن سيف، قال: حدثنا عمر بن الحسن الحلبي القاضي، قال: حدثنا محمد بن سليمان لوين، قال: حدثنا محمد بن جابر، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : تبنى مدينة بين دجلة والدجيل وقطربل والصراة، يجبى إليها خراج الأرض، هي أسرع خسفا من السكة في الأرض الخوارة.
وأما حديث أبي شهاب؛ فأخبرناه الحسن بن أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي بن مخلد الجوهري، قال: حدثنا أحمد بن موسى الشطوي، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا أبو شهاب، عن
стр. 39
عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير يرفعه، قال: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، لأهلها أسرع هلاكا في الأرض من السكة الحديد في الأرض الرخوة.
وأما حديث سفيان الثوري؛ فأخبرناه أبو القاسم إبراهيم بن عبد الواحد بن الحباب الدلال والحسن بن أبي بكر؛ قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا عمار بن سيف، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير، قال: قال رسول الله ﷺ : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل والصراة وقطربل، يجتمع فيها خزائن الأرض يخسف بها، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الحديد، أو الحديدة، في الأرض الخوارة.
أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي البرقاني، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني الحسن بن سفيان، وحدثنا عمران بن موسى؛ قالا: حدثنا محمد بن الحسن الأعين أبو بكر، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن عمار بن سيف، عن سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : يكون خسف بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، بأمراء جبابرة يخسف الله بهم الأرض، ولهي أسرع بهم هويا من الوتد اليابس في الأرض الرطبة.
أخبرنا علي بن محمد بن عيسى بن موسى البزاز، قال: أخبرنا علي بن محمد بن أحمد المصري، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، قال:
стр. 40
سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه. قال أحمد بن عمرو: ولا أعلم روى أبو عثمان عن جرير غير هذا.
حدثني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا صالح بن أبي مقاتل الحافظ، قال: حدثنا محمد بن إشكاب، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : تبنى مدينة بين دجلة والدجيل، لهي أسرع خرابا من السكة في الأرض الرخوة.
أخبرنا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري، قال: أخبرنا عمر بن أبي الطيب الوراق، قال: حدثنا علي بن أحمد بن نوح التستري، قال: حدثنا عمران بن عبد الرحمن شاذان، قال: حدثنا إسماعيل بن نجيح، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: كنت مع جرير بالتل والتلول، فقال: أين الدجلة؟ فقلت: هذه. فقال: أين الدجيل؟ فقلت: هذه. فقال: أين قطربل؟ قال: قلت: هذه. فقال لي: النجاء النجاء، ارتحل ارتحل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة، يجبى إليها خزائن الأرض، لهي أشد خرابا من المرود في الأرض الرخوة.
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ، قال: حدثنا محمد بن
следующие страницы →