← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٤ - فصل: الأصل الثالث: الإجماع وهو إجماع علماء العصر على حكم الحادثة (١). وهو حجة في الأحكام الشرعية، وقال بعض المعتزلة: الإجماع ليس بحجة (٢). والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥). وقال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ" (٦). والأدلة في ذلك كثيرة.

стр. 107

فالقائلون بهذا الأصل هم أهل السنة الذين أفنوا أعمارهم بحصر أقاويل العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الأعصار. كلما ذهب قرن أيد الله الذين بعدهم بقوم على صفتهم بذلك، والمعتزلة والقدرية من هذا بمعزل لوجهين: أحدهما: أنه لا يعتبر إلا (١) إجماع الفقهاء، والفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، ولا يعتد بخلاف أهل الكلام الذين لا معرفة لهم إلا بالجواهر والأجسام والأعراض، وهذا علم القدرية، ولا ينقل ذلك عن الصحابة والتابعين (٢). الثاني: أن أول عصر العلماء هم الصحابة ﵁ وهم يطعنون عليهم على ما مضى (٣) فكيف يسوغ لهم النقل عنهم.

стр. 108

٥ - فصل: الأصل الرابع: هو القياس وهو أدلة العقل (١). وهو أصل من أصول الأدلة عندنا في العقليات والسمعيات، ولكنه غير موجب بنفسه بل الموجب والمحسن والمقبح هو الشرع (٢). والعقل آلة للتمييز بين الصحيح والباطل، ولم يكلف الله المعرفة به إلا من له عقل (٣) ولكنه تابع للشرع، ولم يلتزم القدرية بشيء من الأصول الأربعة إلا بالعقل إلا أنهم غلوا فيه وجعلوه عمدة أمرهم وأساس بنيانهم وركبوا فيه طرقا وعرة، وجعلوا مات ورد في الكتاب والسنة تابعا لما في عقولهم فإن وافقهم وإلا رموا به (٤).

стр. 109

وهذا خلاف قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات. وسأبين ما تبعوا فيه العقل وخالفوا فيه الكتاب والسنة

стр. 110

٦ - فصل: معرفة الله وجبت بالشرع، ولو لم يبعث الله الرسل لم يجب علينا معرفة الله ولا عبادته. ولكن لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر بمعجزاتهم (١). وعرفنا الله تعالى بالعقل. وقالت المعتزلة والقدرية: معرفة الله وجبت بالعقل ولو لم يبعث الله الرسل لكان في العقول ما يدل على توحيدهم لله سبحانه (٢). وهذا نفس قول البراهمة الذين قالوا بإبطال الوسائط (٣). والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤)

стр. 111

وقوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١). فقال بعد الرسل ولم يقل بعد العقل. وأي طريق في العقل يؤدي إلى تحريم ما حرم الله وتحليل ما أحل الله وما الفرق بين العمة وبنتها في النكاح.

стр. 112

٧ - فصل ومن أصول القدرية الفاسدة التي بنوها على عقولهم الفاسدة وخالفوا بها الكتاب وإجماع المسلمين قولهم: إن المعدوم شيء (١). وعندنا: أن اسم الشيء لا يقع إلا على الموجود فالموجود هو شيء والشيء هو الموجود. وعند أهل اللغة: أن المعدوم لم يستحق اسماً لعدمه وما يقوم به. والقدرية: قائلون بقدم العالم، فعبروا عنه بقولهم المعدوم شيء والعالم في حال عدمه كهو في حال وجوده، وأن الله لم يتقدم الأشياء في كونها أشياء (٢). وهذا قول الدهرية: الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (٣).

стр. 113

وهو كفر لا إشكال فيه على من له فطنة صحيحة. والدليل على فساد قولهم، قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (٢). وقد احتج النبي ﷺ على من قال بالعدوى، وأنه يتولد شيء من شيء بقوله: "فمن أعدى الأول" (٣).

стр. 114

٨ - فصل وعند المعتزلة والقدرية لا تصح المعرفة بالله لأحد إلا بالأدلة التي رتبها المتكلمون في الجواهر والأعراض، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى يعرف ستة أبواب وضعها الفلاسفة وهي: معرفة الجواهر الأعراض والأجسام، واستحالة الظهور والكمون عليها (١)، واستحالة عرو الأجسام والجواهر عن الأعراض، والبقاء، والمداخلة، والمجاورة (٢). وقد أظهر هذا الرجل بدامغه الإنكار عليّ بقولي في الرسالة: تركت الاستدلال بأدلة المتكلمين، ولا شك أن رأيه بذلك رأي أسلافه. واعتماد أهل السنة وأصحاب الحديث في الاستدلال على الله تعالى

стр. 115

وعلى صفاته وعلى البعث إنما هو بما أرشد الله إليه في القرآن، لأن الله سماه شفاءاً وبياناً بقزله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وليس بعد بيان الله بيان ولا بعد شفائه شفاء، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (٤) ونبه الله العباد على الاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٥). وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبَابِ﴾ (٦)، وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾ (٧). ومن خلق الله فيه أذناً فطنة، وأمده الله بالتوفيق إذا نظر ابتداء خلقه من نطفة وتنقلها من حالة إلى حالة إلى أن تصير لحماً وعظماً وعصباً ودماً وصوراً مختلفة، وما ركب فيها من السمع والبصر والشم والروح، وتغذيته في بطن أمه الذي أوصل إلى كل عرق وعضو من الغذاء ما يقوم به، وتنميته على التدريج في المادة التي لو أراد ذلك في لحظة لأمكنه، وإخراجه له من مكان ضيق، وما جعل فيه من الشهوة للغذاء التي يقوم بها جسده وما ركب به من الإلهام الذي يقصد به حين يولد إلى ثدي أمه ويمتص اللبن ويعلم أن

стр. 116

بالمص اللبن إلى بطنه، علم أن لذلك صانعاً صنعه ومدبراً دبره (١). وقد ضرب الله المثل بالبعوضة مع صغر خلقها ووهن قوتها، فمن فكر في نفسه في صغر خلقها وتقدير أعضائها وأجزائها والإلهام المركب فيها حتى حصل لها به المعرفة لمنافعها ومضارها، فلو أراد العاقل أن يعرف كيف ركب الإلهام فيها حتى عرفت أن بين جلد الإنسان ولحمه دماً هو غذاؤها ولولا معرفتها بذلك لم تقصد إلى مص الجلد ثم تديم المص إلى أن يخرج لها ذلك الدم، وكيف الإلهام الذي عرفت به أن في وقع الكفّ عليها تلفها، وكيف حذرها ومعرفتها بأن في الفرار من وقوع الكف عليها نجاة لها، وكيف هيئتها التي قصدت بها الطيران والفرار، لم يقدر على إدراك ذلك فيعلم بذلك أن لها خالقاً ومدبراً دبر هذا الصنع العجيب فيها. ومن نظر إلى السماء وحسن خلقها واتساقه وعدم الفطور فيها، وإلى الشمس والقمر والنجوم الجارية فيها بلا فتور على نظام متسق في أوقات مختلفة متراخية، أو نظر إلى الأرض وما فيها من الجبال والرمال والأشجار والثمار والزروع المختلفة في المنظر والطعم والريح علم أن لها محدثاً وخالقاً ومدبراً دبرها، ومن توهم بنفسه أو تصور بعقله أن هذا كله أو بعضه وجد بغير صانع صنعه ولا موجد أو جده نسب إلى الجهل والحماقة، كما ينسب إلى الجهل وقلة العقل من كان بين يديه تراب وتصور عنده أنه يصير بنفسه طيناً ثم لُبْناً ثم داراً مبنية بغير صانع يصنعه من بني آدم، يستدل بما شاهد من الدور المبنية والصُنَع المتقنة ومشاهدته لمن يصنع ذلك على أن خلق السموات والأرض وما فيهن من الصنع المتقن من صانع صنعها، واستدل بإتقان الصنع بذلك على أن صانعها عالم بما صنع وقادر على (٢) ما صنع، إذ لا يتأتى الصنع العجيب المتقن ممن لا علم له ولا قدرة على ما صنع،

стр. 117

واستدل بتقديم ما تقدم منها وتأخر ما تأخر منها على أن صانعها مريد لما صنع وأن له إرادة. واستدل على أنه حي بأن الأفعال المحكمة المتقنة لا تتأتى من الجماد والموت. واستحال أن يكون الفاعل الحي العالم القادر المريد موصوفاً بصفات النقص وهي: الصمم والعمى والخرس، ويتعين وصفه بضد ذلك وهو السمع والبصر والكلام، وقد وصف نفسه بذلك في القرآن (١). ويستدل على البعث من القبور بالآيات التي أرشد الله الخلق إليها بالاستدلال على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٢). فنبه الله الخلق على الاستدلال بإعادته الخلق بابتدائه لخلقهم لأنهم قد أقروا بأنه خلقهم ابتداءً والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٦).

стр. 118

قال الضحاك (١): ليس شيء من خلق الله إلا هو يطيعه في التسبيح والسجود والحياة والموت والنشور وإن كانوا عاصين له فيما سوى ذلك من العبادة (٢). وتأويل الآية أنه إذا قدر على خلقه في الابتداء في بطن أمه نطفة ثم علقة ثم مضغة بغير مثال سبق فهو على إعادة خلقه أقدر ثم قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، والهين السهل الذي لا مشقة فيه من العمل. وقد اختلف الناس في الهاء وهي الضمير في عليه فقال قوم: الهاء عائد على الله أي هين عليه الابتداء والرجوع، قال مجاهد (٣): ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال: "خلق الإنسان في الابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة فإذا أعاده فإنما يقول له كن فيكون" (٤).

стр. 119

وقال قوم: الهاء عائدة على الميت لأن إعادته هينة عليه وهو أهون من خلقه طوراً بعد طور، وقال السدي (١): "ليس يشتد على الله ولكن يعني به المخلوق أي يصاح به ويقوم سويا" (٢). وقال قوم: الهاء لله ومعناه وهو عليه عندكم فيما تعالجون أنتم لأن الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً فكر فيه وتثبت فيه كيف يعمله طويلاً أو قصيراً فإذا عمله ثم أراد إعادته رده بلا تفكر ولاتثبت، أي فأنتم قد أقررتم بابتداء الخلق وهو عندكم أشد من إعادته فمن أقر بابتداء الخلق فهو أحرى أن يقر بالإعادة (٣). ومثل هذه الآية في الاستدلال قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٤). وسبب نزول هذه الآية أن أبي بن خلف بن وهب الجمحي، أخذ عظماً قد نخر بيده وجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد تزعم أن الله يحي الموتى بعد أن كنوا عظاماً بالية وترابا، أترى الله يحي هذا بعد أن أرم

стр. 120

وجعل يفتته بيده، فقال له النبي ﷺ : "يحي الله هذا ويميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار جهنم"، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية (١). فاحتج الله عليهم بابتدائه لخلقهم الذي أقروا به وأنه يحييهم بعد أن صاروا عظاماً رميما كما أنشأهم أول مرة ثم أخبر عن صنعه الذي يشاهدونه فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً﴾. أي الذي أخرج النار وهي حارة يابسة من الشجر الأخضر الرطب وهما ضدان فلا النار تحرق الشجر ولا رطوبة الشجر تطفئ النار (٢) وكل عود يقدح منه النار إلا من عود العُنّاب (٣) فإنه لا يقدح منه النار.

стр. 121

فمتى حصل للإنسان المعرفة بالله وبصفاته وعلم أن من جاء به النبي ﷺ حق، حصلت له المعرفة وأدنى المعرفة ما لا يجامعها الشكوك، وأعلى معارف الخلق لله معارف الأنبياء والملائكة لله وهم بذلك متفاضلون (١). ولم يكلف الله الخلق أن يعرفوه كمعرفته لنفسه ولا كمعرفة الأنبياء له بل إذا حصلت للإنسان المعرفة بالأدلة من القرآن أو أخذ ذلك بالتلقين من أبويه في الصغر أو بتقليده العلماء والصالحين في صغره ثم بلغ وصمم على هذه العقيدة فإنه مؤمن كامل الإيمان (٢) وإن لم يحصل له المعرفة بالأدلة التي رتبها المتكلمون ووضعوها، بل قد صرح العلماء من أهل الحديث والفقهاء المشهورون بتحريم الكلام، وقالوا: هو محدث وبدعة في الدين، وقالوا: لو كان طريقاً صحيحاً لمعرفة الله سبحانه لنبه الله سبحانه عليه في القرآن ولأمر النبي ﷺ به وتكلمت به الصحابة ﵃. وقد علَّم النبي ﷺ أصحابه الاستنجاء ودلهم على جميع الأحكام فلو كان الكلام من مهمات الدين لنبه النبي ﷺ عليه. وروي عن الشافعي (٣) أنه قال: "لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا

стр. 122

الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام" (١) وسئل الشافعي ﵀ عن شيء من الكلام فغضب وقال: "سل عن هذا حفص الفرد (٢) وأصحابه لعنهم الله" (٣). ودخل حفص الفرد على الشافعي ﵀ وهو مريض فقال حفص: من أنا؟ وكان من المتكلمين فقال: "حفص لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت عليه" (٤). وقال الشافعي: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة إلى الكلام" (٥). وقال أحمد بن حنبل (٦): "لا يفلح صاحب الكلام أبداً ولا يكاد أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل" (٧). وقال أحمد: "علماء الكلام زنادقة" (٨).

стр. 123

وقال أبو يوسف (١): "من طلب العلم بالكلام تزندق" (٢). وقال الحسن البصري: "لا تجالس أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (٣). وروي أن رجلاً (٤) كان يتهم بالإرجاء فقال لمالك (٥): "يا أبا عبد الله اسمع شيئا مني، أكلمك به وأحاجك قال مالك: فإن غلبتني قال: تتبعني، قال مالك: فإن جاءنا آخر فغلبني وإياك، قال: تبعناه، فقال مالك: بعث الله محمداً ﷺ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين" (٦). قال الغزالي (٧) ﵀ وهو ممن عرف الكلام وخبره: "ما يشوشه الكلام في الدين والجدل أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه، وتقوية المعرفة بالكلام يضاهي ضرب الشجر بالمرقة من الحديد رجاء تقويتها، فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا يحركه شيء، وعقيدة المتكلم الحارس

стр. 124

عقيدته بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا" (١).

стр. 125

. . . . . وحجج القرآن والسنة لا يدفعها ويردها إلا صاحب هوى أو عناد كما أنها مأمونة العاقبة على المستدل بها، أما الكلام فإنه غير مأمون العاقبة على المستدل به كما ذكر الغزالي وهو حجة في هذا وقد ذكر هذا الأمر أيضا كثير ممن ابتلوا بالكلام وبلغوا فيه الرئاسة والتقدم فقد ذكر شارح الطحاوية ص ٢٢٧ عند قول الطحاوي: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائها شاكا ﵀ مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً" نقل الشارح بعد هذا الكلام اعترافات أساطين الكلام بفساد الكلام وحيرتهم، فنقل ذلك عن ابن رشد الفيلسوف والآمدي المتكلم والرازي والشهرستاني والجويني وشمس الدين الخسروشاهي من كبار تلاميذ الرازي وابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة وأبي عبد الله محمد بن ناماور الخونجي، وفي هؤلاء العبرة والعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والمراد بأدلة المتكلمين ومناهجهم هو كل دليل ومنهج في الاستدلال على الخالق وصفاته والأمور الغيبية لم يرد له أصل في الشرع، وإنما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين أكثروا في الإله من غير قواعد شرعية ولا مناهج إلهية، ومن ذلك قولهم في الاستدلال على حدوث العالم: إن العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث مخلوق ونحو ذلك مما يوصل في حالة تعميمه إلى إنكار وردما جاء به الشرع، كإنكار الصفات أو تأويلها، أو إنكار القدر والشفاعة، وإخراج أحد من النار إلى غير ذلك مما هو معلوم من أقوال المبتدعة والمتكلمين.

стр. 126

٩ - فصل ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله (١). قال هذا الرجل بخطبة دامغه المنقلب عليه: استغنى الله بذاته عن كل مجهول من الأشياء ومعروف (٢) لا يحتاج في الاتصاف بأوصاف الكمال والاستحقاق لا سيما (٣) العزة والجلال. وهذا متابعة منه لأسلافه من المعتزلة في نفي هذه الصفات عن الله، ونسب أهل السنة لماّ وصفوه بذلك إلى الكذب. واستدل على قوله هذا بأن قال: كأنهم لم يسمعوا الله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ودليلنا على إثبات هذه الصفات لله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ (٥).

стр. 127

وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢). والقوة القدرة وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ (٤). والدليل على إثبات الكلام له قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ (٦). وقال النبي ﷺ : "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي" (٧). والدليل على إثبات السمع والبصر ما أخبر الله عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ (٨). ولو كان إله إبراهيم لا يسمع ولا يبصر لكان دليله منقلباً عليه. وقال النبي ﷺ في دعائه: "يا من وسع سمعه الأصوات" (٩).

стр. 128

والدليل على إثبات الحياة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، فوصف الله سبحانه نفسه بأنه يسمع ويبصر ويتكلم وأنه حي، وحقيقة الموصوف بصفة ثبوت الصفة له وليس بين الموصوف بهذه الصفات وبين الموصوف بضدها وهي: الموت والعجز والجهل والعمى والصمم والخرس فرق إلا ثبوت هذه الصفات وعدمها، كما أنه موصوف بالوجود لئلا يكون موصوفاً بضده وهو العدم، وأما إثبات الوجه واليدين فإنه إثبات صفة لا إثبات جارحة له (٢) كما أثبتته المجسمة (٣). ولا نفسر ذلك كما فسرته الأشعرية (٤)، ولا ننفي ذلك كما نفته القدرية. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ (٦). وقال الله لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧)، وأراد الله بذلك إظهار الفضيلة لآدم على إبليس.

стр. 129

وأما قول هذا المخالف إنه لا يحتاج في الاتصاف إلى آخر كلامه. فإن أراد بقوله هذا أنه يحتاج ويفتقر فلسنا نقول إنه يوصف بالحاجة والافتقار، وإن أراد أنه لا يوصف بصفة العزة والجلال فغير صحيح، لأن الله وصف نفسه بكتابه بذلك فقال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ (٢)، ولا يوصف بالعزة والجلال إلا من له العزة والجلال. وأما الجواب عن استدلال القدري على عدم هذه الصفات لله تعالى بقوله ﴿هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ … ﴾ (٣) الآية. فإنه يقال له ولأهل مذهبه في كل دليل يستدلون به بأنه من كتاب الله قولك: قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أهذا قول الله حقيقة، أو هو قولك حقيقة وقول الله مجازاً؟ فإن قال: بل هو قول الله حقيقة، فقد رجع عن قوله بأن القرآن مخلوق (٤) وقلنا الدليل على إبطال تأويلك لهذه الآية من وجهين: أحدهما: أن نقول: لو كان قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليلا على عدم ثبوت هذه الصفات لله حقيقة لبطل أن تكون هذه الآية قولا له حقيقة (٥) لأن قوله من صفاته وإذا لم تكن قولا له حقيقة لم تكن دليلا على عدم إثبات صفته لأنه يؤدي ثبوت كونها دليلا (٦) إلى عدم ثبوتها، وما أدى ثبوته إلى بطلانه بطل ثبوته، وهذا من التنافي الذي لا يعقله إلا العالمون.

стр. 130

ثم يعارض هذا التأويل بالنص على ثبوت هذه الصفات على ما مضى (١). والوجه الثاني من الاستدلال أن نقول: هذه الآية واردة على سبب، وذلك أن اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت قريش: الملائكة بنات الله، وأخبر الله عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾ فنزه نفسه عن قولهم هذا، ثم قال: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي عن الولد، وأخبر أن الجميع ممن نُسب أنه ولد له ملك له، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي حجة أن له ولداً ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فإذا ثبت أن الآية نزلت على هذا السبب كان تأويل هذا المخالف على ما ذكر مما يوافق مذهبه تبديلا، وإن تجاهل هذا الرجل وتجاسر بالتصريح عن مذهبه وقال بل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ليس بقول الله حقيقة وإنما هو قولي حقيقة (٣). قلنا عن قوله هذا جوابان: أحدهما: بأن نقول له: إذا لم يكن هذا قول الله حقيقة فلا جواب لك علينا، لأنا إنما يلزمنا الجواب عن الاحتجاج بقول من قوله حجة (٤) وهو الشارع، فأمّا قول غيره فليس بحجة.

стр. 131

والثاني: أن نقول له: فإذا لم تكن هذه الآية وغيرها قول الله حقيقة فكيف ساغ لك أن تقول: قال الله، وهو كذب وباطل أنه ليس بقول له، وقد شنعت على خصمك بالكذب حين أثبتوا هذه الصفات لله، وهم إنما قالوا كما قال الله، ونطالب هذا القائل وغيره من أهل مذهبه عند الاحتجاج بالقرآن بالتصريح بأي القسمين ليرجع إلى الحق، بأن القرآن قول الله حقيقة، أو بأن القرآن قوله وخلقه، ليتبين كفره، ونقول له إذا صرح بذلك: فمن القائل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (١)، ومن القائل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٢).

стр. 132

١٠ - فصل وقد سمى هذا المعترض نفسه وأهل مذهبه أهل العدل، وسمى أهل الحديث الحشوية (١) لاستدلالهم بالأخبار المروية عن النبي ﷺ ، فيقال له: أما تسميتك وأهل مذهبك لأهل الحديث (الحشوية)، فقد أخبر النبي ﷺ عن ذلك فقال ﷺ : "يأتي في آخر الزمان قوم من الزنادقة يسمون أمتي الحشوية لاتباعهم الأخبار" (٢). وأما تسميتهم لأنفسهم بأهل العدل: هذا اسم لقب فيهم غير مشتق من معنى موجود فيهم بل ضده (٣).

стр. 133

وقد تسمي العرب الشيء بضده كما قالوا في المهلكة: إنها مفازة، وكما قالوا في تسميتهم للغراب بـ: أبي البيضاء، وتسمية النبي ﷺ لهم بالقدرية (١). والزنادقة (٢) هو الاسم الحقيقي لأن الله أخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو (٣) إلا وحي يوحى.

стр. 134

١١ - فصل روي أن النبي ﷺ خرج يوماً فإذا ناس من أصحابه على بابه يخوضون في القدر، فسمعهم النبي ﷺ فغضب حتى كأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال ﷺ : "ألهذا خلقتم أم بهذا أمرتم؟ إنما هلكت الأمم قبلكم بمثل هذا انظر الذي أمرتم به فاعملوا به وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه" (١). فهذا الخبر وما أشبهه من الأخبار الواردة في النهي عن الخوض في القدر محمول على الكلام الذي تكلمت به القدرية، كيف خلق الله المعاصي ونهى عنها وعذب عليها. وكما تعرض عزير (٢) لذلك فقال: "يارب كيف خلقت الخلق وتعلم أنهم لا يؤمنون ولم تجعل الخلق كلهم طائعين وأنت

стр. 135

تقدر على ذلك، وقال: اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت أن لا تعصي لما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يارب"؟ فأوحى الله إليه أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، ونهاه الله عزوجل عن الكلام بذلك فأبت نفسه فمحى الله اسمه من النبوة (١). فهذا الوجه من الكلام هو المنهي عنه، فأما القول بأن الأشياء كلها بإرادة الله وخلقه وأن أحداً لا يمنعه عن إرادته وما أشبهه من الكلام فليس ينهى عنه وقد تكلم آدم وموسى في القدر بمثل ذلك (٢) وتكلم به جبريل وميكال (٣)

стр. 136

وتكلم به أبو بكر وعمر وتكلمت به الصحابة (١). روي عن ابن الديلمي (٢) أنه قال: قلت لأُبي بن كعب: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بحديث لعل الله أن يذهب ذلك عن قلبي فقال أبي: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير هذا مت على غير فطرة محمد ﷺ ". قال: "فأتيت ابن مسعود وسألته فحدثني بمثله، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثني بمثله، وكلهم يقول عن النبي ﷺ " (٣).

стр. 137

١٢ - فصل وقد أظهر القدري المعترض على كلامي في الرسالة الإنكار وأكثر التعنيف لما ذكرت فيها أنها نصيحة للمسلمين، فأورد كلاماً كثيراً عمدته أن قال: إن كانت هداية المقصودين بالنصيحة إن اهتدوا أو ضلالتهم إن ضلوا من الله وخلقا له كما في مذهبك فأي فائدة بنصيحة من نصحهم؟ وإن كان لكلام الناصح تأثير في إرشادهم فقد خرج من مذهبه، وإن كان لا تأثير له فلا فائدة به، وكذلك إن كان كلام خصمه الذي نهوا عن استماعه خلقاً لله فأضلهم الله به فأي ذنب على خصمه؟. والجواب أن يقال له: قد ورد الشرع بالنصيحة لدين الله والمسلمين. روي أن النبي ﷺ قال: "رأس الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ فقال: لله ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وللمسلمين عامة" (١). وأمر الله نبيه بتذكير العباد فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (٣). فالنصيحة والتذكير من الناصح والمذكر هو كسب له مأمور به ومندوب إليه ويثاب عليه، والهداية للمنصوح بقبول ذلك والعمل بموجبه تفضل من الله على

стр. 138

العبد المنصوح، إن شاء أنعم به عليه وإن شاء منعه منه، وأرسل عليه الشيطان وختم على قلبه عن قبوله وأضله عنه وقد انتفع الناصح والمذكر، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى بما أخبر به عن نوح ﷺ أنه قال: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم﴾ (١). فأضاف نوح ﷺ النصح وإرادته إلى نفسه لأنهما كسب له وهو محل لخلق الله ذلك فيه، وأخبر أنه لا ينفعهم نصحه إن كان الله يريد أن يغويهم. والإغواء، والإضلال واحد (٢). وهكذا الكلام في دعاء الداعي الناس إلى الضلال هو قول له منهي عنه غير مأمور به، وهو كسب للداعي وخلق الله فيه وقبول القوم الذين دعاهم إليه أو ردهم له هو كسب لهم وخلق الله فيهم (٣).

стр. 139

١٣ - فصل ذكرت في الرسالة أخباراً ثبتت عن النبي ﷺ في الصحاح (١) وهو قوله ﷺ : "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم" (٢) وروي أن النبي ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم شيعة الدجال" (٣).

стр. 140

وقال ﷺ : "صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية" (١). فلما نظر الزيدي المخالف هذه الأخبار علم لا محالة أنه هو وأهل مذهبه هم المرادون بهذه الأخبار أخذته العزة بالإثم وأطلق لسانه بالأذية والشتيمة لأصحاب الحديث، وذلك لما لم يمكنه رد هذه الأخبار، وادعى أن المراد بهذه الأخبار هم أهل الحديث الذين يثبتون القدر لله وينفونه عن أنفسهم (٢)، واحتج على ذلك بأخبار لا تعرف بشيء من الأصول المشهورة عند الأئمة فقال: روى حذيفة وأنس أن النبي ﷺ قال: "صنفان لا تنالهما

стр. 141

شفاعتي لعنهم الله على لسان سبعين نبيّاً القدرية والمرجئة. قيل يا رسول الله: ومن القدرية؟ قال الذين يعملون المعاصي ويقولون هي من قبل الله" (١). والجواب أن يقال له ولأهل مذهبه: إذا أدلوا بالاحتجاج بشيء من الأخبار عن النبي ﷺ أو الصحابة ﵃ "ليس بعشك فادرجي" (٢) اعتمادكم على تحكيمكم العقل، وتسمون أهل الحديث الحشوية (٣) لاحتجاجهم بالأخبار فكيف تشاركونهم الاحتجاج بها، ثم يقال لهم: الأخبار إنما يحتج بها إذا صح إسنادها. قال عبد الله بن المبارك (٤): "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (٥) فإذا قيل له من حدثك بقي متحيراً. وقال ابن سيرين: "كان الناس في الزمن الأول - يعني عصر الصحابة والتابعين - لا يسألون عن الإسناد لكونهم أهل سنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ليميزوا رواية أهل السنة من رواية أهل البدعة" (٦). فعلى هذا المستدل أن يثبت سند هذا التفسير (٧)، فإن هذا التفسير لا يعرف عن أحد من أهل النقل الذين أرصدوا أنفسهم لجمع السنن واختلاف

стр. 142

الألفاظ في الروايات حتى إن كثيراً منهم اعتمد على نقل ما سمع من غير زيادة حرف ولا نقصان حرف معولين على قول النبي ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع" (١)، ومنهم من اعتمد على نقل المعاني وتساهل باللفظ الذي لا يخل بالمعنى (٢) معولين على قوله ﷺ "إذا أصبت المعنى فلا بأس" (٣)، وصنفوا بذلك كله كتباً مشهورة لا ينكرها إلا من لا يعتد بخلافه في الأخبار وفي الرواة وأنسابهم وحلاهم (٤) ومساكنهم وحرفهم حتى لا يشتبه الواحد منهم بغيره يرويها ثقات عن ثقات إلى وقتنا هذا، ولذلك سموا أهل الحديث وأهل السنة، وسماهم القدرية لذلك (الحشوية) لينفروا أتباعهم عنه، وإلا فليظهر القدرية لهم كتباً محبرة هذا التحبير (٥) ومنظومة على هذا النظم فإذا ذكر فيها هذا التفسير لزمنا الجواب

стр. 143

عنه، فأما اختراع الكذب والباطل على ما يوافق مذهبهم فلا تقوم به حجة ولا ينقطع به خصم بل يجري مجرى رواية اليهود عن موسى بن عمران ﷺ أنه قال: "شريعتي مؤبدة لا تنسخ" لقنهم ذلك ابن الراوندي (١) فقيل لهم: هذا شيء باطل، لأنه لو كان صحيحاً لاحتجت به اليهود على النبي ﷺ لأنهم أقرب إلى موسى منكم، ثم يقال لهذا المخالف: تروي عن حذيفة وأنس وابن عمر وغيرهم من الصحابة وأنت وأسلافك تطعنون عليهم وتكفرونهم لبيعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وتركهم لعلي ﵃ (٢) -؟ وكيف يسوغ لك الرواية عنهم؟، وأيضاً فإن الأخبار والقرآن لم يتصل لنا العلم به عن الصحابة إلا من أصحاب الحديث، وقد صرحت بالطعن عليهم بقولك: "هم حمال أسفار أو أسمار (٣) لا يميزون بين الصحيح والسقيم والحق والباطل". وهذا قول شنيع لا يقبله إلا من لا بصر له، فما حمل هذا المخالف على الاحتجاج بالأخبار التي أوردها إلا ليري العامة الذين يطلب استمالة قلوبهم أن له تعلقاً في الأخبار وهو عن هذا الباب بمعزل، ثم يعارض هذا التفسير الذي ذكر بتفسير منقول في الصحاح التي اتفق على صحتها أئمة الأمصار (٤) وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيّاً أنا آخرهم، قلنا: من هم يا رسول

стр. 144

الله؟ القدرية والجهمية والمرجئة والرافضة، قلنا يا رسول الله ومن القدرية؟ قال: الذين يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم ألا وإن الخير والشر من الله، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا: يا رسول الله فمن الجهمية؟ قال: الذين يقولون القرآن مخلوق ألا وإن القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله، قلنا يا رسول الله: فمن المرجئة؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، ألا إن الإيمان قول وعمل من قال غير ذلك فعليه لعنة الله. قلنا: يا رسول الله، فمن الرافضة؟ قال: الذين يسبون أبا بكر وعمر، ألا فمن أبغض أبا بكر وعمر فعليه لعنة الله" (١). وهذا المخالف وأهل مذهبه يقولون بقول الجهمية (٢) والرافضة (٣) بخلق

стр. 145

القرآن وسب أبي بكر وعمر مع قولهم بأن الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم فيحق فيهم الوعيد من جميع الجهات. وروي أن النبي ﷺ قال: "يكون في آخر الزمان قوم يكفرون بالله ولا يشعرون فقيل: يا رسول الله وكيف يقولون؟ قال: يقولون الخير من الله والشر من إبليس ومن أنفسهم" (١)، وهذه نصوص في موضع الخلاف.
следующие страницы →