يكفرون أصحاب الكبائر وجماعة يرجئونهم فلا تضر مع الإيمان عندهم كبيرة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة المسجد يقرر ما أجاب عن هذه المسألة.
فقال الحسن البصري: "اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة، ثم استقر مذهب الاعتزال بعد ذلك على خمسة أصول وهي:
أولا: التوحيد، وهو عندهم نفي صفات الباري جل وعلا، وإثبات أسماء لا معاني لها كقولهم عالم بلا علم قادر بلا قدرة.
ثانيا: العدل، وحقيقته عندهم نفي قدر الله عزوجل ومشيئته النافذة على خلقه، وأن العباد خالقون لأفعالهم، فسموا لذلك مجوس هذه الأمة، وسموا قدرية لنفيهم القدر، وهم يلقبون أنفسهم أهل العدل والتوحيد.
ثالثا: إنفاذ الوعيد، وهو أن مرتكب الكبيرة عندهم إذا لم يتب فهو من الخالدين في النار.
رابعا: المنزلة بين المنزلتين، وهو قولهم إن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا ولا كافرا.
خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه جواز الخروج على الأئمة عندهم وقتالهم بالسيف.
وعلى هذه الأصول الخمسة يقوم مذهب الاعتزال، وهم ينقسمون إلى إحدى وعشرين فرقة، ذكرها أصحاب كتب المقالات (١).
_________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة ص ١٢٤ - ٢٠٠، الملل والنحل بهامش الفصل ١/ ٥٢ - ٥٣، الفرق بين الفرق ص ١٦٧.
стр. 72
ثانيا: الزيدية:
١ - نشأتها:
الزيدية إحدى الفرق التي تنسب إلى التشيع، وهم ينتسبون إلى زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وكانت ولادته حوالي ثمانين من الهجرة، وقتل سنة اثنتين وعشرين ومائة للهجرة النبوية، وكان من خبره: أنه التف عليه طائفة من الشيعة وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه النصحاء عن الخروج، وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: إن جدك خير منك وقد التف على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا ثم خانوه أحوج ما كان إليهم وإني أحذرك من أهل العراق، فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتاب الله وسنة رسوله، حتى استفحل أمره بها في الباطن وهو يتجول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة فأمرهم أن يتأهبوا للخروج أول هذه السنة، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك، فانطلق رجل يقال له: سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره وهو بالحيرة يومئذ خبر زيد ومن معه من أهل الكوفة، فأرسل يوسف بن عمر يتطلبه ويلح بطلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله، في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة (١)، فقالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذاً؟
_________
(١) قال ابن كثير في تعليقه على هذا الكلام: وفي مذهبهم حق وهو تعديلهم الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدما عليهما بل ولا على عثمان على أصح قولي أهل السنة للأحاديث الثابتة والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة. البداية والنهاية ٩/ ٣٧١.
стр. 73
قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإحياء السنة وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية.
ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من تلك السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر فكتب إلى نائبه على الكوفة، وهو الحكم بن الصلت، يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع فجمع الناس لذلك يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد ورفع أصحابه النيران وجعلوا ينادون: يا منصور يا منصور فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا، فجعل يقول: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون، وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد ابن علي فبعث إليه بسرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وتقاتل الفريقان في اليوم الأول إلى المساء، وفي اليوم الثاني إلى المساء حيث أصيب زيد بسهم في جبهته نفذ إلى دماغه فلما أخرج منه مات لساعته ودفن من ليلته وتفرق بعده أصحابه، ثم أخرج يوسف بن عمر جثته وصلبه (١).
فالزيدية تنتسب إلى زيد هذا ويعدونه الإمام الرابع لهم، وأول الأئمة لديهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم زيد بن علي ثم كل من قام ودعا إلى نفسه وكان موصوفا بالعدل والأمانة وهو من أولاد فاطمة.
وقد قامت لهم دولة في اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري على يد يحيى بن الحسين بن القاسم الملقب بالهادي واستمرت دولتهم بين مد وجزر وظهور وكمون إلى عام (١٣٨٢ هـ).
_________
(١) البداية والنهاية ٩/ ٣٦٧ - ٣٧٢.
стр. 74
٢ - تبني الزيدية لمذهب المعتزلة:
الزيدية تميزت في أول ظهورها بمسألة الإمامة وأنهم يرونها كما تراها الشيعة الاثنى عشرية في علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين بن علي، ثم يختلفون عن الاثنى عشرية بأن الإمامة تثبت لكل من قام ودعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وكان من ولد الحسن أو الحسين وهو جامع لخصال العدل والعلم فلهذا قالوا: بإمامة زيد بن علي بعد الحسين ولم يعدوا أباه زين العابدين ولا أخاه محمد الباقر ولا ابن أخيه جعفر الصادق من أئمتهم لأنهم لم يخرجوا ولم يدعوا لأنفسهم.
هذا ما تميز به الزيدية من الأقوال، وأما بقية أقوالهم في مسائل الاعتقاد فإنها مبنية على مذهب المعتزلة.
وعلاقة الزيدية بالمعتزلة ذكر أنها قديمة من أيام زيد بن علي، فقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن زيد بن علي أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة.
وهذا لم ينقل عن زيد بن علي بسند يطمأن إليه، كما أن الشهرستاني ذكر أن محمد الباقر اعترض على أخيه زيد في أخذه عن واصل لأن واصلا يرى أن عليا أخطأ في قتاله أهل الجمل وصفين وأن كلا الفريقين على خطأ.
وهذا وإن لم ينقل بسند صحيح فإن فيه دلالة على مانع صحيح يمنع زيدا من الأخذ عن واصل، والله أعلم.
ويظهر بعد هذا الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة حيث ذكر الأشعري في مقالاته (١/ ١٥٤) خروج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ في البصرة سنة خمس وأربعين ومائة أيام المنصور قال: وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي، فبعث إليه أبو جعفر بعيسى ابن موسى وسعد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه.
стр. 75
فهذا يدل على الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة، ولعل ما يقرب بينهما هو الخروج وذلك أن الزيدية يرون أنهم أحق بالإمامة، والمعتزلة يرون الخروج على الأئمة إذا جاروا.
ثم يظهر الالتقاء واضحا أكثر مع القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام (٢٤٠ هـ)، وذلك أنه أخذ الفقه عن علماء المذهب الحنفي، وأخذ عن شيوخ المعتزلة في وقته في الأصول، وله مؤلفات منها العدل والتوحيد (الصغير) والعدل والتوحيد (الكبير)، الأساس في علم الكلام وغير ذلك من الكتب (١). ثم جاء بعد القاسم حفيده يحيى بن الحسين الملقب بالهادي، الذي استولى على اليمن وهو معتزلي كتب في الاعتزال كتبا كثيرة (٢) فصار بعده الزيدية معتزلة لا يختلفون عن المعتزلة إلا في الإمامة.
قال الشيخ صالح المقبلي "كالزيدية في هذا الجبل من اليمن هم معتزلة في كل الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة وهي مسألة فقهية وإنما عدها المتكلمون من فنهم لشدة الخصام كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام … والمخالف في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يعد فرقة كما قال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير - رحمه الله تعالى - وهو من أشد الناس شكيمة في مذهب الزيدية والتعصب لهم والرد على مخالفيهم فقال فيهم وفي المعتزلة: "وإنهما فرقة واحدة في التحقيق إذ لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار والتفسيق) ذكر هذا في خطبة منظومتة التي سماها (رياض الأبصار) عدد فيها أئمة الدعاة من الزيدية وعلماءها وعلماء المعتزلة متوسلا بهم، فذكر الأئمة الدعاة من الزيدية، ثم علماء المعتزلة ثم علماء الزيدية
_________
(١) انظر: كتاب الزيدية ص ١١٥ نقلا عن الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية لحميد المحلى ٢/ ١ مخطوط.
(٢) انظر: ثبت كتبه في مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ٥٠٨ - ٥١٧، وانظر: النقول عنه في آرائه الكلامية كتاب الزيدية ص ١٤٥ - ١٨٧.
стр. 76
من أهل البيت ثم من شيعتهم واعتذر عن تقديم المعتزلة على الزيدية بما لفظه: (وأما المعتزلة فقد ذكرت بعض أكابرهم وكراسي منابرهم، مع إجمال وإهمال إذ هم الأعداد الكثيرة والطبقات الشهيرة، ورأيت تقديمهم على الزيدية؛ لأنهم سادتها وعلماؤها فألحقت سمطهم بسمط الأئمة وذلك لتقدمهم في الرتبات، ولأنهم مشايخ سادتنا وعلماءنا القادات، وهذا الذي قال هو حقيقة الأمر في اتحاد هاتين الفريقتين كما لا يخفى على من صح أن يعد من أهل هذا الشأن، هذه كتبهم شاهدة بذلك، وإنما بعضهم يوافق هذا وبعضهم يوافق ذاك. فانظر كلام الإمام المنصور بالله في كتبه كلها، وكلام الإمام المهدي في كتبه، وكلام أبي طالب في كتبه كشرح البالغ المدرك والسيد ما نكديم والمؤيد بالله تجدها كلمات الجبائية بأعيانها مع تصريحهم بقولهم؛ المختار كلام شيخنا أبي علي أو أبي هاشم أو أبي رشيد أو غير ذلك، وكذلك كلام الهادي غالبه كلام أبي القاسم الكعبي وكذلك كلام يحيى بن حمزة موافق غالب أمره لأبي الحسين البصري ساير بسيره" (١) انتهى. وبه ينتهي المراد من بيان تبني الزيدية لمذهب المعتزلة، وينتهي المراد من هذه الدراسة في هذا الفصل حيث تحدثنا فيه عن القدر والقدرية، وهما اللذان تعلق بهما عنوان الكتاب وأهم وأطول موضوعاته.
_________
(١) العلم الشامخ ص ١٢.
стр. 77
المبحث الأول: التعريف بالمخطوط
أولا: عدد النسخ:
يوجد لكتاب الانتصار ثلاث نسخ:
النسخة الأولى: نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم (٨١٨) كلام.
النسخة الثانية: نسخة الأستاذ محمد بن يحيى الحداد ﵀ في مدينة إبّ في اليمن في مكتبته الخاصة في بيته.
النسخة الثالثة: نسخة دار الكتب المصرية بالقاهرة برقم (٨٣٥) علم الكلام.
ثانيا: وصف النسخ:
النسخة الأولى: نسخة دار الكتب المصرية رقم (٨١٨) كلام:
نسخة كاملة واضحة الخط، تم الانتهاء من نسخها في ثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة من الهجرة النبوية، ولم يتبين اسم كاتبها حيث لم يدون عليها اسمه، وهي نسخة مقابلة على النسخة التي نقلت عنها بدليل ذكره في مواضع عديدة في الحاشية جملة (بلغ مقابله) ولم يشر الناسخ إلى النسخة التي نقلت عنها هذه النسخة. ويبلغ عدد أوراقها (٩٢) ورقة من القطع الكبير وعدد الأسطر في الصفحة ما بين (٣٥) إلى (٣٨) سطرا، وعدد الكلمات تتراوح ما بين (١٤) إلى (١٥) كلمة في السطر، ومقاسها (١٨× ٢٧) سم، وقد اعتبرت هذه النسخة الأصل لأنها أقدم النسخ وأكملها، وأرمز إليها بقولي (في الأصل).
النسخة الثانية: نسخة الأستاذ محمد بن يحيى الحداد ﵀ في مدينة إبّ في اليمن.
هي نسخة ناقصة من أولها وتبتدئ من بداية الفصل رقم (٢٦) من نسخة دار الكتب، ورقة (١٥/أ) وهي بخط واضح مشكول، وكان الفراغ
стр. 78
من نسخها نهار الجمعة تاسع عشرة من شعبان سنة ست بعد الألف من الهجرة النبوية بخط عبد القادر بن أحمد الفناضي.
وقد قوبلت على الأصل المنقول عنه، وانتهت المقابلة خامس عشر شهر شوال في سنة ست بعد الألف من الهجرة ولم يذكر الأصل الذي نقلت عنه.
وعدد أوراق الموجود منها (١٩٥) ورقة من القطع المتوسط حيث عدد الأسطر (٢١) سطرا، وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين (١١ - ١٣) كلمة ومسطرتها (١٤× ٢١) سم، وقد أثبت على الحواشي فيها تعليقات عديدة منقولة من بعض الكتب توضيحا لمفردة أو معلومة تتعلق بما هو وارد في الكتاب بخط مغاير للمخطوط.
وقد رمزت لهذه النسخة بحرف -ح- نسبة إلى صاحبها الأستاذ محمد يحيى الحداد، ﵀.
النسخة الثالثة: نسخة دار الكتب المصرية في القاهرة رقم (٨٣٥) علم الكلام: وهي نسخة كاملة وواضحة حديثة النسخ، تم الفراغ من نسخها يوم الخميس ثلاثين من شهر رجب سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية.
بقلم محمود بن محمد بن أحمد الصياد المرصفي، وهي منقولة عن النسخة الأولى ذات الرقم (٨١٨) بدار الكتب حيث التزم الكاتب عدد أسطر الأصل وعدد الكلمات فيه ونهاية كل صفحة تقريبا وحتى الأخطاء الواردة فيها هي نفس الأخطاء وإذا تعسرت عليه كلمة فإنه يرسمها حسب ما يظهر له من قراءتها.
وعدد أوراقها (٩٢) ورقة وعدد أسطر الصفحة ما بين (٣٥ - ٣٨) سطرا وعدد الكلمات في السطر ما بين (١٣ - ١٥) كلمة.
ولهذا لم أعتبر هذه النسخة ولم أقابل بينها وبين النسخ الأخرى لعدم الفائدة من ذلك.
стр. 79
المبحث الثاني: منهج التحقيق
انحصر عملي في الكتاب فيما يلي:
١ - نسخ الكتاب وكتابته على طريقة الإملاء الحديثة.
٢ - عزو الآيات القرآنية إلى السور وبيان السورة ورقم الآية.
٣ - تخريج الأحاديث النبوية وأكتفي بالعزو إلى البخاري ومسلم إذا ورد فيهما أو في أحدهما في الغالب ولا أتجاوزهما إلى غيرهما، فإذا لم يوجد فيهما أعزو إلى السنن والكتب المشهورة من كتب الحديث، وإذا لم يكن الحديث في الصحيحين أذكر درجة الحديث من حيث الصحة وعدمها من كلام العلماء، فإذا لم أجده أجتهد فيها في الغالب وأبين الحكم أو اكتفي بذكر حال الراوي المتكلم فيه من رجال الإسناد.
٤ - تخريج الآثار وعزوها إلى مصادرها.
٥ - ترتيب فصول الكتاب بالتسلسل.
٦ - عزو الأبيات الشعرية إلى قائليها ومصادرها.
٧ - الترجمة للأعلام المذكورين ما عدا الصحابة فلا أترجم لهم خشية الإطالة، ومن أترجم له تكون ترجمته في أول موضع يرد ذكر اسمه فيه ولا أحيل على ذلك.
٨ - شرح الأمثال وعزوها إلى كتب الأمثال وبيان مضرب المثل.
٩ - شرح المفردات الغريبة من كتب اللغة.
١٠ - توضيح ما يكون من عبارة المصنف غير واضح ويحتمل أكثر من معنى.
١١ - عرفت بالفرق الوارد ذكرها ويكون التعريف أول موضع ترد فيه.
١٢ - علقت على المسائل العقدية التي يذكرها المصنف مما رأيت أنه يحتاج إلى توضيح.
стр. 80
١٣ - بينت الحق في المسائل التي خالف المصنف فيها مذهب السلف وذكرت الأدلة على ذلك معتمدا على القرآن والسنة وكلام السلف.
١٤ - أثبت الاختلاف بين نسختي الكتاب، وقد اعتمدت نسخة دار الكتب أصلا، لهذا لا أثبت في الغالب من الاختلاف في نسخة -ح- إلا ما كان فيه تغيير للمعنى خوفا من الإطالة ولكثرة الاختلافات.
وأثبت ما في -ح- في المتن إذا كان أصح مما في الأصل وأشير إلى ذلك في الحاشية.
الرموز المستخدمة في الرسالة:
استخدمت في الرسالة الرموز بدل صريح اسم الكتاب وذلك طلبا للاختصار وهي كما يلي:
خ- صحيح البخاري.
م- صحيح مسلم. واعتمد فيه على تسمية النووي للأبواب.
د- سنن أبي داود.
ت- سنن الترمذي.
ن- سنن النسائي.
جه- سنن ابن ماجه.
دي- سنن الدارمي.
حم- مسند الإمام أحمد.
وما عدا ذلك فإني أذكره باسمه.
كما أرمز بحرف (ب) للباب الذي ورد فيه الحديث من كتب الحديث.
стр. 81
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده
قال الشيخ الإمام الأوحد جمال الدين، مبطل حجج الزائغين، يحيى بن أبي الخير بن أسعد العِمْراني اليماني - قدس الله روحه - الحمد لله خالق الأشياء ومحكمها وموجد البرايا ومعدمها، وناقض العزائم ومبرمها، ولا شريك له في الخلق والتصوير، ولا شبه له في الفعل والتقدير، وسابق الأشياء في القدم، المنزه عن الخرس والصمم، وهادي المهتدين بفضله، وخاذل الضالين بعدله، والعالم بكل مظهر ومكنون، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، الواحد الملك التواب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الموصوف بأكمل الصفات، المتعالي عن الوصف بالآفات. أحمده على إفضاله وإنعامه، وأشكره على نواله وإلهامه.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للحق داعيا، وإلى الجنة هاديا، ختم به النبيين وأنزل عليه قوله الحق المبين، وجعله معجزة له في الأولين والآخرين، وشفى به صدور المؤمنين وجعله حجة على الضالين، فقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
صلى الله عليه وعلى أهل بيته الأكرمين، وعلى صحابته وخلفائه الراشدين وسلم وكرم وشرف وعظم، وبعد.
فانتهى إليّ العلم بأنه قدم إلى قرية إبّ (٢) رجل من ولاة القضاء بصنعاء ينتحل مذهب الزيدية والقدرية، لقبه أهله شمس الدين (٣). فأظهر القول
стр. 82
هنالك بأن العباد يخلقون أفعالهم وأن القرآن مخلوق، وغير ذلك من مذاهبهم، ودعا الناس إلى ذلك وسأل الناس المناظرة من أهل السنة.
فرأيت من الحق الواجب والفرض اللازب إنشاء رسالة ونصيحة إلى أهل السنة، فيها بيان مذهب أهل الحديث بخلق الأفعال وإثبات الإرادة وما تشعب عليهما، وجعلت افتتاحها ذكر الأخبار المروية عن النبي ﷺ بالتحذير عن القدرية، فلما وقف عليها هذا الرجل عبس وبسر، وغضب من ذلك ونفر، وصنف في الرد على ذلك كتابا سماه (الدامغ للباطل من مذاهب الحنابل) (١)، أبان فيه خفي مقاتله بما ذكر من حججه ودلائله.
فقد قيل: من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه وقصمه. ومن نظر من المحققين في كتاب هذا القائل وتبين في معناه الحاصل سماه (الدامغ الباطل)، لأنه جعل كلامه فيه الأذى والشتيمة والجفاء، ولم يراع بنفسه منصب القضاء، ولا تأدب بآداب العلماء، الذين صنفوا الكتب الموضوعة للمخالفين في كل فن من العلوم أصولها وفروعها، فاعتمدوا فيها على ذكر المعاني الدقيقة بالألفاظ الحسنة الأنيفة، ولو كان له بصر بالقرآن لتأدب بما أدب الله به أنبياءه، قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقال لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣).
لكنه سلك طريق أسلافه وأئمته من المعتزلة والقدرية (٤) في الوقيعة والشتيمة لمن هو مبرأ مما رموهم به وهم الصحابة ﵃ وأصحاب الحديث فهم الداخلون تحت قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ (٥)
стр. 83
وتحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١).
ولا يلزم على قولي هذا افتتاحي الرسالة بذكر الأخبار المروية عن النبي ﷺ في القدرية ولا في الرد عليهم، فإن تلك مذمة واردة عن النبي ﷺ وعن الصحابة والعلماء ولقب لهذه الفرقة لا يسع أحد إنكارها (٢)، بل كل فريق يرد ذلك عن نفسه بما أمكنه من التأويل، والله يعلم المفسد من المصلح.
وما أورده من الكلام السخف يدل على انقطاعه وقلة علمه بلا شك ولا ريب عند المحققين من أهل النظر، ولولا خشية دخول الشك والارتياب على من اطلع على كلامه أو بلغه ممن لا خبرة له بمذهب القدرية من أهل السنة لكان الإعراض عن الجواب من الصواب.
فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا كافرا أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما الكافر فيقمعه كفره، وإنما أخاف عليهم منافقا عليم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون" (٣). وليس يعرفهم إلا من استحكم معرفة أصول الدين الذي يعرف به الحق من الباطل وهم الحجة في كل عصر.
стр. 84
وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الله لاينزع العلم من صدور الرجال انتزاعا، ولكن يقبض العلماء فيتخذ الناس رؤوساً جهالا فضلوا وأضلوا" (١).
وقال النبي ﷺ : "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" (٢).
وقال النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من لاوأهم" (٣).
ومن المفترض على من عرفه الله طريق الرشد وأبان له سبيل الهدى إذا ظهرت بدعة في الدين أن يردها بما قدر عليه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٤) وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥).
стр. 85
وقد أخذ الله العهد على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، والعلماء ورثة الأنبياء (١). قال علي ﵁: "خرج النبي ﷺ يوما فقال: "اللهم ارحم خلفائي. قلنا له: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحفظون سنتي وأحاديثي ويعلمونها الناس" (٢).
وروي عن النبي ﷺ : قال: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها من لم يسمعها" (٣).
وقال ﷺ : "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم" (٤).
стр. 86
وأدلة العلماء كمعجزات الأنبياء (١).
ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم. وبذلك أخبر النبي ﷺ بقوله: "يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" (٢).
ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان النبي ﷺ يزيل الشبه من حيث علم دخولها.
روي أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان فعلم النبي ﷺ أن الشبهة قد دخلت عليه بولده، وأنه قد وقع عنده أن زوجته أتت به من غيره، ولو قال له النبي ﷺ هو ابنك الولد للفراش، لم تزل عنه الشبهة، فعدل عن ذلك وقال له: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال له: "هل فيها من أورق؟ " - والأورق ما لونه كلون الرماد - قال: نعم إن فيها لورُقا قال: "فأنى ترى ذلك؟ " قال: لعل عرقا نزعها؟ فقال ﷺ : "وهذا لعل عرقا نزعه .. " (٣).
стр. 87
فأزال عنه الشبهة من الوجه الذي يعلم أنه يفهمه.
وروي أن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر"، فقال له أعرابي كالمعترض عليه: فما لنا نرى الإبل كالضباء فتكون النقبة بمشفر البعير فتجرب الإبل عن آخرها؟ فقال النبي ﷺ : "فما أجرب الأول" (١). فقمعه بالحجة من حيث علم زوال الشبهة عنه، ولم يقتصر على قوله إن الله يخلق الداء.
وقد أدخلت المعتزلة (٢)، والقدرية (٣) على الإسلام وأهله شبها في الدين ليموهوا بها على العوام، ومن لا خبرة له بأصولهم التي بنوا عليها أقوالهم، فاتبعوا متشابه القرآن وأولوا القرآن على خلاف ما نقل عن الصحابة والتابعين المشهورين بالتفسير، لينفقوا (٤) بذلك أقوالهم، فهم أشد الفرق ضرار على أصحاب الحديث، ثم بعدهم الأشعرية (٥). لأنهم أظهروا
стр. 88
الرد على المعتزلة وهم قائلون بقولهم.
فاستخرت الله سبحانه على كشف تلبيسهم، وإظهار تدليسهم بهذا الكتاب، وجعلته فصولا كل فصل فيه يشتمل على ذكر فائدة منفردة ليقرب على قارئه أخذ الفائدة منه، وقدمت ذكر مذاهب أصحاب الحديث جملة، ثم الأصول التي بنى أصحاب الحديث أقوالهم عليها وبينت انسلاخ القدرية منها.
وأما الأصل الذي بنوا عليه أقوالهم فقد (١) ذكرت الآيات والأدلة التي استدللت بها على خلق الله لأفعال العباد وعلى الإرادة والتعليل والتجويز (٢) وما أورده هذا المعترض عليها بدامغه (٣).
فأجبت عما ذكر من الأدلة، وتركت من كلامه ما لا فائدة تحته إلا الأذية، فقدمت الأهم منها فالأهم، ثم ذكرت بعد ذلك المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أصحاب الحديث والمعتزلة والقدرية والأشعرية وما حضرني من الأدلة من الكتاب والسنة التي نقلها أئمة الحديث في أصولهم المشهورة
стр. 89
- كالبخاري (١)، والترمذي (٢) ومحمد بن الحسين الآجري (٣)، واللالكائي (٤)، وغيرهم وحذفت ذكر الأسانيد طلبا للإيجاز ليخف حمله ويسهل حفظه لمن أراد مطالعته. والله أسأله أن يجعله خالصا لوجهه وينفعني والمسلمين به، آمين.
стр. 90
١ - فصل: في بيان عقيدة أصحاب الحديث التي أدين الله بها
وهي الإيمان بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، قديم لا أول له، مُوجد لا موجد له، باق لا انقطاع له، ليس بجوهر (١)، ولا جسم (٢)، ولا عرض (٣) ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام، ولا يحلها (٤)، مستو على العرش كما أخبر بلا كيفية، حي عالم، قادر، مريد سميع، بصير متكلم.
стр. 91
موصوف بصفات الكمال. الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وأن هذه الصفات يستحقها لذاته قديمة بقدمه لا هي هو ولا هو هي، ولا هي غيره ولا هو غيرها (١)، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأن هذه السور و الآيات كلامه تكلم به حقيقة بحرف يكتب وصوت يسمع - لا كحروفنا وأصواتنا - ومعنى يعقل، وأنه أنزله على نبينا محمد ﷺ ، وأنه غير مخلوق ولا عبارة عن القرآن، وأن لله وجها ويدين كما أخبر بكتابه، ولا يفسر ذلك بالجارحة ولا بالذات والنعمة (٢).
стр. 92
ونؤمن بأخبار الصفات الواردة عن النبي ﷺ في النزول وغيره إيمانا مجملا ولا نفسرها (١) بل نُمرُّها كما جاءت، وأن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة بعيون رؤوسهم ولا يراه الكفار، وأن الله خلق أفعال العباد وأقوالهم ونياتهم وخطراتهم في الطاعة والمعصية، وأنه أمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية وأراد منهم وقوع ما هم عليه، وأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام بعض الإيمان وأن عذاب القبر حق، وأن مسألة منكر ونكير في القبر حق. وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنه أسري بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء في يقظة من النبي ﷺ ، وأنه اطلع في الجنة والنار وبلغ سدرة المنتهى، فأوحى الله إليه ما أوحى، ورأى النبي ﷺ ربه.
وقد اختلف الصحابة ﵃ بذلك، فمنهم من قال: رآه بعيني
стр. 93
رأسه، وقالت عائشة ﵂: "ما رآه بعيني رأسه وإنما رآه بعيني قلبه" (١).
وأن للنبي ﷺ شفاعة في أهل الكبائر من أمته، وكذلك لغيره من العلماء والصالحين، وأن الله سبحانه يغفر الكبائر من الذنوب غير الشرك لمن يشاء من عباده، وله أن يعذب على الصغائر، وأن معرفة الله وجبت بالشرع لا بالعقل، وأن بعث الله للرسل وتكليف الله للخلق أمر جائز غير واجب عليه، وأن الله سبحانه بعث نبينا محمدا ﷺ ونسخ بشريعته جميع الشرائع وختم به النبوة فلا نبي بعده، وأن مراتب الخلافة في الصحابة ﵃ كما وقعت أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، وأن الخلافة ثلاثون سنة ثم بعده ملك كما أخبر النبي ﷺ .
وأن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة ووردت أخبار عن النبي ﷺ في تفضيل آحاد الصحابة وجماعتهم لا تتنافى، فيفضل الصحابة ﵃ بما ورد فيهم من الأخبار، وبما جرى لهم من السابقة، ونمسك عن ذكر ما جرى بينهم، ونحمل ذلك على أمور دينية كانوا بها متأولين ويغفر الله لهم ما وقع بينهم فيها من القتل بسابقتهم.
ولا ننكر كرامات الأولياء. ونصب الإمام في وقتنا حق واجب فمن وجدت فيه شروط الإمامة وظهرت شوكته وقوي أمره وجبت طاعته ولا يجوز الخروج عليه بقول ولا فعل، سواء كانت إمامته بعقد أهل الحل والعقد له، أو باستخلاف إمام حق قبله له أو بغلبته (٢) بالسيف (٣).
стр. 94
٢ - فصل: والأصول التي بنى أصحاب الحديث عليها أقوالهم، الكتاب والسنة والإجماع والقياس
وهو: أدلة العقل، أما الكتاب: فهو قول الله تعالى وهو القرآن الذي هو سور وآيات الذي هو خارج عن أجناس النظم وعن كلام البشر بمعاني تصح ولا تفسد (١). منها أنه أخبر به (٢) عما كان في التوراة والإنجيل من القرون الماضية والأنبياء المتقدمين، وكان أميا لا يقرأ كتابا، وأخبر عما يكون قبل أن يكون كدخوله مكة وغَلَبَة الروم وغير ذلك فكان كما أخبر، وأمره الله أن يقول: هذا كلام ربي، وأمرني أن أبلغه إليكم، فقالوا: إنما يعلمه بشر، ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فأمره الله أن يتحداهم بالإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، وهم أفصح العرب على النظم والنشر والخطب والرسائل وأنواع الشعر والسجع وبهم من الحمية والأنفة ورفع العار عن أنفسهم ما يدعوهم إلى أن يعارضوه بمثله، وكان الرجلان إذا تساجلا في الشعر والسجع أو غير ذلك وأتى أحدهما بأفصح مما جاء به صاحبه لحق الآخر من النقص والعار بينهم ما يضيق به ذرعه، وأخبر الله لما تحداهم بالإتيان بمثله أنهم لا يأتون بمثله وإن تظاهروا وتعاونوا فقال تعالى: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٣) فكان كما أخبر أنهم لم يقدروا على معارضته. وقد عاش فيهم نيفا وعشرين سنة مع حرصهم على تكذيبه وتنفير الناس عنه وتسفيه رأيه، فلو كان من جنس كلامهم لعارضوه ولم يعدلوا إلى قتاله وبذل مهجهم وأموالهم وكان تكذيب قوله بالمعارضة أسهل وأبلغ عند الخلق، ومن تعاطى معارضته بشيء من ذلك سخر منه من كان يحب تكذيب النبي ﷺ وذلك مثل مسيلمة الكذاب، حين تعاطى
стр. 95
معارضة سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾، فقال: "إذا زلزلت القصعت زلزالها، وأسر الغضبان أحواه"ا" (١) فالقم فإن اللقم أوحى لها، وفي سورة الفيل بقوله: "الفيل وما أدراك الفيل له ذنب ونبل (٢) ومشفر طويل وإن هذا من كلام ربنا لقليل" (٣).
فضحك منه أصحابه وعلموا بأنه كذاب، فعلم بذلك كله أن القرآن كلام الله أبان به صدق النبي ﷺ فيما أتى به (٤) من النبوة وأنه شاهد من الله له بالصدق لأنه يستحيل من الله إظهار المعجزة على يدي الكذابين لأن ذلك يؤدي إلى قلب الأدلة وبطلانها وقد أمر الله باتباع الوحي والاستدلال له بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥) ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٦) وغير ذلك من الآيات. فأصحاب الحديث هم القائلون بأن القرآن كلام الله حقيقة، وهم المستدلون به على أقوالهم ومذاهبهم وعليه عمدة أمرهم وأساس بنائهم. فأما المعتزلة والقدرية فلا يصح تعلقهم ولا استدلالهم به لأنهم يقولون: إن الله لا يجوز أن يكون متكلما، ولا قائلا وإن هذا القرآن المتلو المنزل على رسول الله ﷺ مخلوق لله يقدرون على الإتيان بمثله.
وإذا احتجوا بآية أو تلوها فلا يقولون إن الذي يسمع منهم هو خلق
стр. 96
الله كالشجر والحجر بل هو خلق لهم (١) لأنه كلامهم وجميع كلامهم خلق لهم، فبطل أن يكون لهم فيه حجة أو دليل، وبطل أن يكون معجزة للنبي ﷺ عندهم لأنه إنما ثبت أنه معجزة له ودليل على صدقه إذا ثبت أنه كلام الله حقيقة، وإذا لم يكن ذلك كذلك عندهم فإنما يضاف بأنه كلام الله مجازا كما يضاف قول الحوض إليه مجازا: وهو قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلا رويدا قد ملأت بطني (٢)
ثبت أن نبوته مجاز (٣) ليست بحقيقة فهم الداخلون تحت عموم قوله تعالى فيما أخبر عن الوليد بن المغيرة (٤) ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٥) وتحت عموم قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (٦) وسأبين الحجة على أنه كلام الله حقيقة بعد هذا إن شاء الله.
стр. 97
٣ - فصل: الأصل الثاني الذي بنى عليه أصحاب الحديث أقوالهم: سنة رسول الله ﷺ .
وقد أمر الله العباد بطاعة رسوله ﷺ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥).
وأولى الناس بالعلم بسنة رسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وإقراره هم الصحابة جميعهم ﵃ شهد الله ورسوله لهم بالنزاهة مما رمتهم به القدرية وغيرهم من أهل البدع وطعنوا عليهم به.
وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦) الآية. وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٧).
стр. 98
وقال النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١).
وقال النبي ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٢).
وقال النبي ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله من هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" (٣).
ولو علم الله قرنا أطهر وأطيب منهم لبعث فيهم النبي ﷺ ، نزل القرآن بلغتهم وعلموا سبب نزوله ومواضع النزول وأخذوا ذلك من النبي ﷺ بلا واسطة بينهم وبينه، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من علماء التابعين وأخذوا
стр. 99
منهم كأخذ كف عن كف، كابن المسيب (١) وعروة بن الزبير (٢) والحسن البصري (٣) وابن سيرين (٤).
ثم نقل التابعون ما أخذوه عن الصحابة إلى من بعدهم.
قال النبي ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٥).
وأيد الله الدين بأئمة جمعوا السنن ودونوها وصنفوا كتباً في أسماء الرواة وأنسابهم ومساكنهم ونخّلوا (٦) عن طرائقهم في الدين، فميزوا العدل عن غير العدل عناية منهم في الدين لا للانتقاض (٧) بل لميزوا النقل الصحيح عن غيره فكان أصحاب الحديث هم أهل السنة.
قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،
стр. 100
وكل بدعة ضلالة" (١).
وقال عبد الله بن عمر: "من خالف السنة كفر" (٢).
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: "أهل السنة والجماعة"و ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ قال: "هم أهل البدع والضلالة" (٤).
وقال سعيد بن جبير (٥) في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٦) قال: "لزوم السنة والجماعة" (٧).
стр. 101
فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث مبتدع زائغ لا يستحق أن يصغى إليه.
فالمعتزلة والقدرية (١) عن سنن النبي ﷺ بمعزل لوجوه:
أحدها: أنهم يطعنون على الصحابة ﵃ الذين بايعوا أبا بكر وعمر وينسبونهم إلى الظلم لعلي ﵁ (٢) - وقد أمرنا النبي ﷺ بالاقتداء بهم جميعاً والأخذ عنهم.
стр. 102
ونقل صاحب كتاب الزيدية ص (٣٥٦) عن القاسم الرسي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) قوله: "لنا أم صديقة غضبت على أبي بكر لمنعها فدك ونحن غاضبون لغضبها".
ونقل عن حفيده الهادي يحيى بن الحسين المتوفى سنة (٢٩٨ هـ) أنه قال بتخطئة أبي بكر ﵁ في فدك بدعوى أنها كانت ملك فاطمة ﵂ قبل وفاة الرسول ﷺ الذي كان قد وهبها إياها، ويعتبر أن أبا بكر قد رد الجميل إلى عمر ﵄ حين عهد إليه بالخلافة من بعده، انظر: كتاب الزيدية ص ١٨١.
فهذا أغلظ كلام أئمة الزيدية في اليمن في الخلفاء، أما الباقون فهم على ما ورد عن زيد بن علي من تفضيل علي بن أبي طالب والترضي عن بقية الصحابة، فقد ذكر يحيى بن حمزة المؤيد بالله المتوفى سنة (٧٤٩ هـ) قول أئمتهم مفصلا في الصحابة في رسالة سماها (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب صحابة سيد المرسلين)، ننقل من ذكر منها صاحب كتاب الزيدية ص ٣١٩ وهو قوله: التكفير والتفسيق لا يكونان إلا بدلالة قاطعة ولم يقم البرهان الشرعي إلا على الخطأ في النظر إلى النصوص دون أمر زائد على ذلك من كفر أو فسق، إنا نعلم قطعا وبالضرورة صحة أديانهم وسلامة إيمانهم واستقامتهم على الدين ومحبتهم لرسول رب العالمين ورضاه عنهم ومعرفته لهم ونصرتهم له في المواطن التي تزل فيها الأقدام، وما ورد عنه نت الثناء عليهم وشهادته لهم بالجنة ورضاه عنهم في أكثر أحوالهم … ثم ذكر بعض النصوص الشرعية في الثناء على الصحابة، ثم ذكر حال علي ﵁ مع الخليفتين، وأنه كان لهما الوزير والمعين وكذلك الحال بالنسبة لابنيه الحسن والحسين، ثم قال: أما حال زيد فقد كان انصراف الرافضة عنه وما لزم عن هذا من قتل كان أهون عليه من أن يقبل التبري من الشيخين قائلا: كيف أتبرأ منهما وقد كانا وزيري جدي وصهريه، يعني النبي ﷺ ، كذلك فإن الأمر من محمد النفس الزكية وإبراهيم ويحيى ابني عبد الله ولو قد سبوهما لما تابعهم أكابر المعتزلة لأن لعن الصحابة عندهم يبطل العدالة فضلا عن الإمامة، وسئل جعفر الصادق عن أبي بكر فقال: ما أقول فيمن أولدني مرتين (يعني بذلك أن أمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فجده لأمه وأم أمه أبو بكر ﵁، وكان الناصر للحق يملي أحاديث مروية عنهما بالترضية عليهما فلما كف المستملي من كتابة الترضية زجره الإمام قائلا: لم لا تكتب ﵄، إن هذا العلم لا يؤثر إلا عنهما أو عن أمثالهما.
فخلص من هذا إلى أنه لم يؤثر عن أمير المؤمنين ولا عن أحد من أئمة أهل البيت بكفر أو فسق أحد من الصحابة، وأن الإقدام على الاكفار والتفسيق من غير بينة وعلى غير بصيرة إثم كبير، بينما التوقف فيهم ليس إقداما على محظور، وليس التوقف مذهبا وإن كان مذهب الهادي والقاسم والمنصور، وإنما الترضية، لأنا رضينا على من رضي الله ورسوله عليهم حيث قال فيهم الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَان﴾.
إن مذهبنا الذي نحب أن نلقى الله ونحن عليه: أن الإمام بعد رسول الله ﷺ هو علي بن أبي طالب مع حسن الظن في الثلاثة الذين تولوا قبله، فما فعلوا ذلك جرأة على الله بل على سبيل الخطأ في النظر، وما خطؤهما في مخالفة النصوص بكبيرة ولا صغيرة لما اشتملت عليه النصوص من دقة وغموض، وما كان إقدامهم على مخالفة النصوص جرأة على الدين وأنهم يدخلون الجنة لما ورد فيهم من الأخبار.
ولقد قال الإمام المنصور: "إن أئمة الزيدية وعلماءها متابعون للجارودية، غير أن غرضه أنهم متابعون لهم في القول بالنص الخفي على علي لا فيما ورد عن أبي الجارود من تفسيق الصحابة فذلك ما لم يرد عن أحد من أئمة الزيدية".
وقال الهادي يحيى بن الحسين في كتاب الأحاكم: "من أنكر النص على أمير المؤمنين فقد كذب الله ورسوله ومن كذب الله ورسوله فقد كفر بالله ورسوله".
ولكن هذا القول من الهادي محمول على من أنكر قول الرسول ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" وليس محمولا على الصحابة، وإلا فكتاب الأحكام محشو بالرواية عن الصحابة وعن أبي بكر وعمر ولو قد كفرهم أو فسقهم لما نقل عنه لأن الكافر أو الفاسق ساقط العدالة ولا يوثق بقوله. انتهى.
وبهذا النقل المطول يتضح أن أكثر أئمة الزيدية في اليمن على مذهب زيد في عدم الطعن في الصحابة ما عدا الكلام الذي سبق ذكره عن القاسم والهادي وقد اعتذر عن الهادي المؤيد بالله بما سبق ذكره عنه، والله أعلم.
стр. 103
والثاني: أنهم يطعنون على أصحاب الحديث بعدهم، وقد صرح هذا الرجل المعترض بدامغه هذا، فقال: أصحاب الحديث حمال أسفار أو أسمار (١).
وهم الواسطة بيننا وبين نبينا ولم يتصل (٢) إلينا القرآن الذي هو أصل السنة إلا منهم.
والثالث: أن السنة فرع للقرآن لأن نبوة النبي ﷺ إنما ثبتت بثبوت معجزته ولا معجزة له فينا باقية إلى يوم القيامة إلا القرآن الذي هو كلام الله القديم (٣).
стр. 104
وإذا كان القرآن عند القدرية مخلوقا كسائر كلامهم لم يثبت فرعه، وهو السنة.
والرابع: أن المعروف منهم اجتناب النقل والرواية عن المشهورين بالنقل ولا عندهم كتب فيها سند صحيح كنحو الكتب المشهورة في الأمصار كالبخاري ومسلم (١) والترمذي، وسنن أبي داود (٢) وغير ذلك من التصانيف التي أجمع أئمة الأمصار على روايتها والاحتجاج بها وإنما عندهم خطب وكتب مزخرفة ينسبونها إلى أهل البيت وهم عنها (٣) برءاء كما اشتهر عنهم من القول بخلافها، ومعتمدهم كلام المتكلمين في الأعراض والجواهر والأجسام (٤).
والوجه الخامس: أن القدرية إذا روي لهم خبر عن النبي ﷺ عارضوه بخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وعلى عقولكم فإن وافق ذلك وإلا فارموا به" (٥).
وهذا الخبر ليس بصحيح لأنا لو عرضناه على كتاب الله لم نجد ما يوافقه ولو عرضنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ في مواقيت الصلاة وأعداد
стр. 105
الركعات وغير ذلك من الأحكام التي نقلت عن النبي ﷺ نقلاً متواتراً وأجمع العلماء عليها على كتاب الله أو على العقل لم نجد ما يوافقها (١) فعلم بذلك أن هذا الخبر لا أصل له، وإنما دعاهم إلى ذلك عجزهم عن ضبط الأحاديث.
стр. 106
٤ - فصل: الأصل الثالث: الإجماع
وهو إجماع علماء العصر على حكم الحادثة (١).
وهو حجة في الأحكام الشرعية، وقال بعض المعتزلة: الإجماع ليس بحجة (٢).
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥).
وقال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على خطأ" (٦). والأدلة في ذلك كثيرة.
стр. 107
فالقائلون بهذا الأصل هم أهل السنة الذين أفنوا أعمارهم بحصر أقاويل العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الأعصار.
كلما ذهب قرن أيد الله الذين بعدهم بقوم على صفتهم بذلك، والمعتزلة والقدرية من هذا بمعزل لوجهين:
أحدهما: أنه لا يعتبر إلا (١) إجماع الفقهاء، والفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، ولا يعتد بخلاف أهل الكلام الذين لا معرفة لهم إلا بالجواهر والأجسام والأعراض، وهذا علم القدرية، ولا ينقل ذلك عن الصحابة والتابعين (٢).
الثاني: أن أول عصر العلماء هم الصحابة ﵁ وهم يطعنون عليهم على ما مضى (٣) فكيف يسوغ لهم النقل عنهم.
стр. 108
٥ - فصل: الأصل الرابع: هو القياس
وهو أدلة العقل (١). وهو أصل من أصول الأدلة عندنا في العقليات والسمعيات، ولكنه غير موجب بنفسه بل الموجب والمحسن والمقبح هو الشرع (٢).
والعقل آلة للتمييز بين الصحيح والباطل، ولم يكلف الله المعرفة به إلا من له عقل (٣) ولكنه تابع للشرع، ولم يلتزم القدرية بشيء من الأصول الأربعة إلا بالعقل إلا أنهم غلوا فيه وجعلوه عمدة أمرهم وأساس بنيانهم وركبوا فيه طرقا وعرة، وجعلوا مات ورد في الكتاب والسنة تابعا لما في عقولهم فإن وافقهم وإلا رموا به (٤).
стр. 109
وهذا خلاف قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات.
وسأبين ما تبعوا فيه العقل وخالفوا فيه الكتاب والسنة
стр. 110
٦ - فصل: معرفة الله وجبت بالشرع، ولو لم يبعث الله الرسل لم يجب علينا معرفة الله ولا عبادته.
ولكن لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر بمعجزاتهم (١). وعرفنا الله تعالى بالعقل.
وقالت المعتزلة والقدرية: معرفة الله وجبت بالعقل ولو لم يبعث الله الرسل لكان في العقول ما يدل على توحيدهم لله سبحانه (٢).
وهذا نفس قول البراهمة الذين قالوا بإبطال الوسائط (٣).
والدليل على بطلان قولهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤)