← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٣٠ - فصل استدل هذا المخالف على أن الله سبحانه لم يخلق أقوال العباد في الكذب بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، فنفى الله سبحانه أن يكون الكذب من عنده وكذب من نسبه إليه. والجواب أن يقال: إنه (٢) لا حجة لك في الآية إن أقوال العباد في الكذب خلق للعباد وليس بخلق لله، لأن الذي لووا اليهود ألسنتهم فيه هو بعث النبي ﷺ لأنهم غيروه وبدلوه، وقالوا: هذا من عند الله أي أنزله الله في التوراة على موسى فأكذبهم الله بأنه أنزله كما قالوا فقال: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي ما أنزله على موسى (٣)، ولم يرد سبحانه أنه أنطقهم بالكذب بل ذلك معلوم من قوله: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فخلقه سبحانه النطق فيهم حق وحسن في الصنع، وهو كذب وباطل منهم، كما أن قول الله سبحانه (٥) في خبره عن قولهم: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ حق وصدق وهو بالإضافة إليهم كذب وزور وباطل، فكذلك الكلام في سائر الكلام الباطل والكذب، وكلمة (عند) ليست بصريحة في العبارة عن الخلق، بدليل أن رجلاً لو قال: عندي لفلان عبد أو قال: فلان عند الأمير، لم يدل على أنه

стр. 212

خلق العبد، والأمير خلق من عنده، بل المراد هاهنا ظرف المكان، وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ (١)، أي ما معكم من الأموال، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (٢) أي ما معكم، ولو قال قائل: أشهد أن مسيلمة ليس من عند الله لم يحكم بكفره، بل يسبق إلى الفهم أنه ليس برسول من الله، وإن كان الله سبحانه خلقه، ولأن الله سبحانه خلقه، ولأن الله سبحنه أخبر: إن سلام الخلق على بعضهم من عنده وأمرهم بذلك فقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٣) وأراد يسلم بعضكم على بعض (٤)، كما قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) أي يقتل بعضكم بعضا (٦)، فإذا كان سلامهم على بعضهم من عند الله فينبغي أن يكون كلامهم بذلك خلقاً (٧) لله لأنه وصفه أنه من عنده، وإذا سلمتم ذلك في كلامهم بالسلام لزمكم أنه (٨) خلق كلامهم في غير السلام لأن الخلاف في الجميع واحد (٩).

стр. 213

٣١ - فصل واستدل المخالف على أن العباد يخلقون أفعالهم بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١)، وهذا نص في أنهم يخلقون أفعالهم (٢). وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ (٣). والجواب: أنه (٤) يقال له: خطؤك في رد التنزيل أعظم من خطئك في التأويل فإن كنت مصرا على رد التنزيل وأنه ليس بقول الله حقيقة فلا جواب لك في بيان التأويل، وإن صدقت بالتنزيل أنه كلام الله حقيقة أوضحنا لك المراد بالتأويل وهو: أن الخلق في اللغة ينقسم إلى: التقدير، وإلى الإنشاء والإبداع (٥) فالمراد بقوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وبقوله: ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ التقدير، فكأنه أراد أحسن المقدرين (٦)، وكذلك

стр. 214

عيسى ﵇ (١) قدر وصور من الطين كهيئة الخفاش الذي هو لحم يطير بغير ريش، ونفخ فيه الروح فكان طيراً بإذن الله كما أخبر سبحانه (٢)، والله سبحانه خالق المُقَدِّر وتقدير المُقَدِّر وإنما أضاف التقدير إليهم لأنه كسب لهم، وأما خلق الذي هو الإنشاء والإبداع فلا يوصف به غير الله، بل نفى الله ذلك عن غيره وأثبته لنفسه بقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٣) وأكذب من ادعى (٤) أنه يخلق كخلقه فقال سبحانه: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)، فمن قال: إن العباد يوصفون بإنشاء الخلق في أفعالهم وإبداعه، فقد أكذب الله في خبره، ولو كان كذلك لكان يطلق على الإنسان اسم الخالق كما يطلق ذلك على الله سبحانه كاشتراكهما في اسم الموجود والشيء، وفي اختصاص ذلك سبحانه بالله سبحانه دليل على أنه لا يوصف غيره بالإنشاء والإبداع.

стр. 215

٣٢ - فصل احتج المخالف على أن العباد يخلقون أفعالهم أن الله سبحانه نسب أفعالهم إليهم في آي كثير من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (١) وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) وما في هذا القبيل (٤) من القرآن كثير فصح أن ذلك خلق لهم. الجواب: أن وصف الله سبحانه باختراع (٥) أفعال العباد وإنشائها لا يخرج أفعالهم عن كونها مقدورة لهم على سبيل الاكتساب، فالله خالق القدرة ومقدورها والعبد موصوف (٦) بالحركة في فعله، فلذلك نسب الفعل إليهم في كل ما كان من القرآن من ذلك، والله موصوف بخلق الحركة في العبد وقد نسب الفعل إلى ما خلق فيه الفعل من الجمادات التي لا كسب لها فيه لكونها (٧) محلاً لخلق الله المفعول (٨) فيها فالعباد بذلك أولى (٩)، والدليل على ما ذكرته قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه﴾ (١٠) وقوله تعالى:

стр. 216

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ﴾ (١) وقوله في الأرض: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ (٣) فأخبر عنه بالفعل في هذه القراءة، وفي القراءة الأخرى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ (٤) فأخبر أنه سبحانه يفعل الغشيان، وهذا (٥) القبيل كثير، فبطل احتجاجه أن نسبة الفعل إليهم تقتضي نفي خلق الله عن فعلهم (٦).

стр. 217

٣٣ - فصل ذكر القدري المخالف كلاماً كثيراً نكتته، هل خَلْقُ الله المعاصي هل (١) هو نفس المعصية أم غيرها؟ وهل كسب العبد فيها هي المعصية أم غيرها؟ وهل كسب العبد في المعصية هو خلق الله لها أم غيرها؟ فإن قلتم إن كسب العبد هو خلق الله فهو قول المجبرة، وكذلك إذا قلتم إن الخلق أو الكسب هو نفس المعصية رجعتم إلى شيء واحد، وإن قلتم إن الكسب غير الخلق رجعتم إلى قولنا. والجواب: أن المعصية هي فعل العبد المنهي عنه، وخلق الله الذي هو إنشاؤه وإبداعه لها هو غيرها، كما أن نهيه عنها هو غيرها وعلمه لها هو غيرها، وعلى أن اسم الخلق يقع أيضاً على المخلوقات قال الله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٢) أي مخلوق الله، فالخلق مشترك بين الإنشاء والشيء المخلوق. وأما قوله: هل كسب العبد لها هو نفسها أم غيرها. فإنا نقول له: خلق العبد للمعصية على قولكم هل هو نفس المعصية أو غيرها؟ فكل جواب لهم عن هذا وهي خلق للعبد عندهم هو جوابنا لهم عن ذلك وهي كسب للعبد عندنا (٣). وأما قوله: هل خلق الله لها هو كسب العبد لها أو غيره؟ فإنا نقول: الله

стр. 218

سبحانه موصوف بذلك بصفة لا يوصف بها العبد، والعبد موصوف بذلك بصفة لا يوصف بها الله، وإن كان المعنى الذي وُصِفْنَا به لأجله واحداً فيوصف الله بأنه خالق لفعل العبد أي أنه أنشأه واخترعه وأراده وعلمه وقدره بإرادة قديمة وعلم قديم وقدرة قديمة (١)، ولا يوصف سبحانه بأنه مكتسب للفعل والعبد موصوف بأنه مكتسب لفعله، ولا نصفه بأنه خالق له كما أنه موصوف بأنه متحرك بفعله ومباشر له، ولا يوصف الله سبحانه بأنه متحرك فيما فعل (٢) ولا مباشر له (٣) وينفصل عن قول المجبرة، لأن المجبر هو: المقهور، والمكتسب هو من يقع الفعل منه وهو مختار لوقوعه ومؤثر لوقوعه على تركه. والمجبر على الفعل هو: المضطرب برعدة الحمى والفالج، ولا يلزمنا القول بالحق، لأن الخالق (٤) هو: المنشئ بقدرة قديمة على ما مضى ويوصف بالعلم بما خلق قبل الفعل وبعده، ويقدر على إعادة الخلق، وبهذا نبه الله على خلقه للأشياء بقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٦) ووصف العباد بالكسب بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٨) وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٩) وكل ما أخبر الله عنهم بالعمل

стр. 219

والفعل فالمراد حقيقته لكونه كسباً لهم لا لأنهم خلقوه، فهذا هو الفرق بين الخلق والكسب لا يعقله إلا من نور الله بصيرته وهداه إلى الحق ولم يضله على سبيل الهدى. ثم يعارض هذا بما هو أقوى منه ويقال لهم: إذا قلتم إن العبد يخلق أفعاله هل خلقها بإرادة أم بغير إرادة، فإن قلتم: خلقها بغير إرادة لم يكن وجود الفعل منه على الصفة التي وجد عليها بأولى من وجوده على خلاف ذلك، وجوز في العقل وجود الصناعات المحكمة (١) ممن لا إرادة له من البهائم والجمادات، وإن قلتم خلقها (٢) بإرادة، قلنا لهم: فهل تلك الإرادة خلق للعبد أو خلق لله، فإن قلتم إنها خلق للعبد، قلنا: فهل خلق تلك الإرادة بإرادة غيرها أم بغير إرادة، فإن قلتم خلقها بغير إرادة. قلنا: يجوز أيضاً أن يكون خلق الفعل بغير إرادة، وإن قالوا: خلقها (٣) بإرادة غيرها، قلنا: فتلك الإرادة تفتقر إلى إرادة مخلوقة له وتسلسل إلى غير نهاية، وما كان هذا سبيله حكم بإبطاله، وثبت أن (٤) إرادته خلق لغيره وهو الله سبحانه الخالق لكل شيء من جنسها ومن غير جنسها، ويقال لهم: كيف يكون الحيوان موصوفاً باختراع الخلق وإنشائه ونحن نشاهد العنكبوت والنحل وسائر الطيور يصدر منها من لطائف صناعات يتحير في كيفيتها عقول ذوي الألباب، وكيف انفردت هي بذلك دون الله وهي عالمة بتفاصيل ما يصدر منها!؟.

стр. 220

٣٤ - فصل ذكرت في الرسالة من الاستدلال لنا: أن أفعال العبد خلق لله وليست بخلق العباد لأن أفعال العباد تقع على صفات محكمة وحقائق ثابتة وإعداد في الفعل، والفاعل لها من الخلق لا يعلم تلك الأوصاف (١) وأعداد الحركات فيها قبل وجودها منه، بل تقع منه وهو ساه أو نائم وتقع من الصبيان والمجانين، فلما لم يعلم ذلك قبل الفعل ولا بعده دل على أنه غير خالق لها لأن الخالق يعلم خلقه قبله وبعده، وقد نبه الله بذلك على الخالق بقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (٢). ويدل على أنه لا يعلم خلقه أن رجلين لو ثرد (٣) كل واحد منهما رغيفاً ثم جمعها ما ثردا لم يقدر أحدهما على تمييز ما ثرده عما ثرده الآخر ولا يقدر على ذلك، ولا يعلم عدد حركات المكتسبين وصفة ذلك قبل الفعل وبعده إلا الله سبحانه الذي خلق كل شيء وقدره تقديراً، فعلم أنه الخالق لهما ولما ثرداه ولما فعلاه في الثرد، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). فأجاب هذا المخالف عن ذلك بكلام منحوله (٥) وحاصله: أن علم الله بما فعل لا يدل أن كل فاعل يجب أن يعلم ما فعل، ألا ترى أن العباد مكتسبون لهذه الأفعال عند هذا المستدل وهم غير عالمين بما اكتسبوا

стр. 221

من ذلك قبل الفعل وبعده، فلما لم يخرجهم عدم علمهم بما اكتسبوا عن كونهم مكتسبين لأفعالهم فكذلك لا يخرجهم عدم علمهم بما خلقوه عن كونهم خالقين لها، ولا يلزم علم الله بما خلق لأنه عالم بجميع المعلومات الجلي منها والخفي، والعباد يعلمون بعلوم محصورة، وعدم العلم لا يمنع من وجود الأفعال من غير العالم بها وإنما يمنع من وجودها محكمة، لأن كون الفاعل عالماً شرط (١) لوقوع فعله محكماً، وعلمه بإحكامها أيضاً لا يمنع أن يجهل التمييز بينها وبين غيرها بعد وجودها عند الالتباس وإنما الذي يحيل وجود الأفعال عدم القدرة فينا، هذا تحرير كلامه والجواب: إن قول هذا المخالف: إن علم الله بما فعل لا يدل على أن كل فاعل (٢) يجب أن يكون عالماً بما فعل غير صحيح، بل وجود الفعل يدل على وجود أمور في الفاعل هي شرط في كونه فاعلاً، وعدمها يقتضي عدم الفعل. أحدها: كون الفاعل موجوداً. الثاني: كونه حياً. الثالث: كونه عالماً بما فعل. الرابع: كونه قادراً على ما فعل. إذ لو لم يكن وجوده شرطاً لتصور وجود الفعل من المعدوم، ولو لم تكن حياته شرطاً لتصور وجود الفعل من الميت والجمادات، ولو لم يكن علمه شرطاً لتصور وجود المتاب ممن ليس بكاتب والنساجة والتجارة ممن ليس بنساج (٣) ولا تاجر، وكون الفعل محكماً يدل على تزايد علمه (٤) بما فعل.

стр. 222

وقول المخالف: عدم العلم لا يمنع من وجود الأفعال، لا يصح لما بينته (١). وأما قوله: الذي يحيل وجود الأفعال عدم القدرة فصحيح ولكن يشترط وجود القدرة ووجود العلم (٢) من الفاعل كما اشترطت حياته، وترتيب أفعال الفاعل في التقديم والتأخير يدل على أن له إرادة لما فعل. فإذا تقرر بما ذكرت كون العلم شرطاً لوجود الاختراع ووجدنا الحركات التي تصدر من الإنسان وغيره من الحيوان لو سئل عن عددها وتفاصيلها (٣) لم يكن عنده خبر منها، ووجدنا الصبي حين يولد يقصد إلى ثدي أمه ويمص اللبن، والهرة حين تولد تدب إلى ثدي أمها وهي مغمضة عينيها، والعنكبوت ينسج من البيوت أشكالاً غريبة، وكذلك النحل تعمل بيوتها على شكل يعجز المهندسون عن معرفة كيفية أشكالها، علم (٤) أن الصانع لها هو الله الخالق لكل شيء العالم بهذه الأشكال والتصويرات. وأما قول المخالف: لما لم يخرج العباد عدم علمهم بأفعالهم عن كونهم مكتسبين لها عندكم لم يخرجهم عدم علمهم عن كونهم خالقين لها عندنا، فغير صحيح، لأن الخلق الذي هو: الاختراع والإنشاء اسم مدح تسمى به الله سبحانه فاختص بذلك بوصف مختص به زايد على ما يوصف به غيره، وهو الكسب وهو كونه عالماً بما اخترعه وأنشأه قبل الاختراع وبعده، وقد نبه الله تعالى (٥) على ذلك بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (٦) ولم يقل

стр. 223

ألا يعلم من كسب، فلم يُحمل أحدهما على الآخر بالوصف، وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء، فقال تعالى إخباراً عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ومن سمى غير الله خالقاً لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله، وقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فثبت (٢) ما قلما وبطل ما قالوه.

стр. 224

٣٥ - فصل قال القدري: لو كانت أفعال العباد خلقاً لله لما مدحهم الله بشيء منها ولا ذمهم على شيء منها. والجواب أنا نقول: إن الله لم يمدحهم ولا ذمهم على خلقه لها فيهم وإنما مدحهم على كسب ما أمرهم به وذمهم على كسب ما نهاهم عنه، وقد نسب إلى نفسه شيئاً من أفعالهم خلقاً له، ونسبه إليهم كسباً فمدحهم على شيء منها، وذمهم على شيء منها، ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (١)، فأخبر سبحانه عن إضحاكه وإبكائه لهم بالصيغة والتنبيه (٢) التي أخبر بها عن إماتته وإحيائه لهم، فلما كان إحياؤه وإماتته لهم هو خلقه للحياة والموت فيهم، بدليل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٣) دل على أن إضحاكه وإبكاءه لهم هو خلقه الضحك والبكاء فيهم لقوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ (٤)، ونسب الضحك إليهم لكونه كسباً لهم وذمهم عليه، وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (٥)، ونسب البكاء إليهم لكونه كسباً لهم، ومدحهم عليه يقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُون﴾ (٦)، وبقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٧) وذمهم على ترك البكاء بقوله تعالى: ﴿وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٨) وإذا ثبت أنه

стр. 225

الخالق للضحك والبكاء فيهم فهو خالق لهما فيهم في الطاعة والمعصية، فمن بكى من خشية الله أو بكى على فوت (١) امرأة أراد الزنا بها، فالله هو الذي أبكاه، وكذلك من ضحك في وجه أخيه المسلم لإظهار السرور له (٢)، أو ضحك عامداً في الصلاة فالله الذي أضحكه (٣). والقدرية يقولون: العبد هو الخالق للضحك (٤) والبكاء لنفسه رداً منهم لقول الله سبحانه فيما أخبر به بكتابه.

стр. 226

٣٦ - فصل قال القدري: لو كان أفعال العباد خلقاً لله (١) لم يأمر العباد بشيء منها ولا نهاهم عن شيء منها. والجواب: أنا نقول (٢): إنما يأمرهم (٣) بكسب أفعالهم ونهاهم عن كسب أفعالهم، وقد وصف الله سبحانه نفسه بخلق شيء من أفعالهم ونسب ذلك إليهم لكونه كسباً لهم فقال سبحانه: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا﴾ (٤) والتقدير الخلق، وقوله تعالى: ﴿هُوَ (٥) الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ (٦)، فقوله يسيركم، على وزن يصوركم في الأرحام، فلما كان قوله تعالى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾ (٧) المراد به (٨) يخلق تصويركم كان قوله: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ أي يخلق تسييركم (٩)، ثم أمرهم باكتساب ما أخبر أنه يخلقه فيهم وهو السير فقال سبحانه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ (١٠) وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ (١١) والمسيّر لهم في البر والبحر للطاعة والمعصية هو الله، وعند القدرية أن المسير لهم في البحر هو أنفسهم برفعهم الشراع للريح، فإذا ساروا في البحر

стр. 227

لمعصية فإن الشيطان هو الذي يسيرهم (١) وهذا غير صحيح،؛ لأن الله أخبر في الآيات (٢) أنهم إذا خافوا الغرق تضرعوا إلى الله سبحانه بأن ينجيهم بقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا (٣) رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) الآية. ومعلوم أن الكفار والفسقة إذا ركبوا في البحر لمعصية وخافوا الغرق يدعون إلى الله سبحانه بالنجاة ولا يدعون إلى الشيطان (٥)، فدل أن الله تعالى هو المسير لهم والمغرق لهم والمنجي لا شريك له بشيء من ذلك.

стр. 228

٣٧ - فصل ومن الدليل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢). فأخبر أنه جعل الرأفة والرحمة في القلوب (٣)، والجعل هاهنا خلقه للرأفة والرحمة (٤) في قلوب الخلق من بني آدم والبهائم والطير، حتى إن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، والطير تخرج ما في حواصلها (٥) لأولادها، والأم من بني آدم يسهر الليالي من الرحمة التي في قلبها إذا خافت عليه، ولو كانت الأم من بني آدم هي الخالقة للرحمة في قلبها لولدها، أفترى البهائم والطير تخلق تلك الرحمة في قلبها لولدها؟ ثم (٦) تخلق من ذلك مات يضرُّ بها؟ كذب الجاحدون لذلك فضلوا ضلالاً بعيداً.

стр. 229

٣٨ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة: أن العبد لو كان هو الفاعل لإبانة غصن الشجرة منها وأن القاتل هو الفاعل للموت في المقتول لكان قادراً على إعادته لأنه من جنسه (١)، ومن قدر على فعل شيء قدر على فعل شيء قدر على مثله، وقد أخبر الله سبحانه بذلك وأمرنا بالاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٢) الآية إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى (٣) أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (٥). فأجاب القدري عن ذلك وقال: أما القطع فإنه تفريق ولا يحتاج فيه إلا إلى استعمال الآلة الصالحة للتفريق، فأما (٦) الإعادة فهو تأليف لطيف بين أجزاء الأصول وأجزاء الفرع، وهو يحتاج إلى أجزاء من الرطوبة وأجزاء من اليبوسة، وأجزاء من العود متغايرة مقدرة بمقادير معلومة، وذلك مما لا يهتدي إلى معرفته العباد، فلذلك امتنع عليهم إعادة الغصن كما كان، هذا كلامه في الغصن. والجواب عنه: أنا لا ننكر أن الفعل المنسوب إلى العبد بالاكتساب للقطع هو حركته باستعمال الآلة، وأما الإبانة للغصن المقطوع فليس من فعله بل من خلق الله وبإرادته وقوع ذلك، بدليل أن الإنسان قد يضرب بالآلة القاطعة غصناً ضربة أو ضربات بين بها في العادة، فإذا لم يخلق الله

стр. 230

إبانته بذلك لم تقع به (١) إبانة (٢)، وأما انفصاله عن إلزامنا

стр. 231

له الإعادة بما (١) ذكر من التأليف اللطيف، فلا حجة له عليه ولا سبيل له إلى العلم بذلك، ولا لأحد من الخلق وقد أكذب الله سبحانه من ادعى العلم بذلك فقال: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقد خلق الله أشياء من غير شيء، فإذا ثبت عجزهم عن إعادة خلق الغصن المقطوع دل على عجزهم عن خلق إبانته. قال القدري: وأما الموت فقد اختلف فيه (فمنهم من قال) (٢): إنه معنى من جملة الأعراض، ومنهم من يقول: إنه ليس بمعنى وإنما هو عدم الحياة (٣). فمن قال: إنه معنى لا يقدر عليه إلا الله، والقتل هو: تخريب البنية إذ حصل بسببه الموت، والموت معنى سوى ذلك، فلا يلزم من قدر على شيء أن يقدر على غيره لا سيما إذا كان من غير جنسه، والموت من غير جنس الحياة فلا يلزم علينا هذا الإلزام. والجواب: أن يقال لهذا المخالف: المشهور من مذهب أكثر القدرية القول بأنهم يقدرون على أن يخلقوا في محل الحياة ضداَ ينافي الحياة (٤)، وضد الحياة الموت فشاركوا بذلك قول نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت﴾ (٥)، ومن قال هذا

стр. 232

لا شك في كفره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (١)، ويزعمون مع ذلك أن الواحد إذا كان في علم الله بقي من أجله خمسون سنة يقدرون على أن يقطعوا أجله (٢) إذا قتلوه (٣)، فيلزمهم على هذا إذا كان في علم (٤) الله أنه يتزوج في الخمسين الباقية امرأة أو أكثر ويولد منهن أولاداً أن يعطوا (٥) النساء والأولاد حقوقهم، وإن (٦) كان في معلوم الله أنه يرتد في السنين الباقية فلا يورثوا ورثته من المسلمين، ويدفن في غير مقابر المسلمين، أو كان في معلوم الله أن الكافر يسلم في الخمسين الباقية يجب أن يكون في الجنة، ويلزم على أصلهم إذا بقي من أجل رجل في معلوم الله خمسون سنة فقتل رجلاً (٧) بقي من أجله في معلوم الله يوم أم شهر أن لا يقتل به (٨). ولا شك أن هذا المخالف استشنع قول أسلافه: إن القاتل يقطع

стр. 233

الأجل وأنه يخلق الموت في المقتول (١) لئلا ينفر عنه من يريد استدراجه من العامة فاختار إظهار قول الفرقة القليلة منهم الموافقة لقول أهل التوحيد (٢) والمشهور عنهم ما قدمناه، والدليل على فساد قولهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤) ولم يفرق في ذلك بين الميت والمقتول.

стр. 234

٣٩ - فصل دليل لنا مذكور في الرسالة يقال للقدرية أجمعتم معنا أن القدرة في العبد على الفعل خلق لله (١)، فإن ادعيتم أن الفعل الموقع بهذه القدرة مخلوق (٢) لكم، قلنا: يستحيل وقوع فعل واحد بقدرة قديمة وقدرة محدثة، كما يستحيل وقوع فعل واحد من (٣) فاعلين، وإن ادعيتم الاستبداد بخلق الفعل كله وليس لله فيه اختراع ولا خلق توجه على قولكم أن خلقكم أحسن من خلق الله لأن الطاعات والأعمال المستحسنة أحسن من خلق الأعيان، وأدى إلى تكذيب قوله تعالى فيما مدح به نفسه بأنه أحسن الخالقين (٤)، وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (٥) وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ (٦) وإن ادعيتم المشاركة لله في الخلق في إيجاده بالقدرة القديمة من الله ومنكم بالقدرة المحدثة كنتم مدعين لمشاركة الخالق وقد كذبكم الله بقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا (٧) لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) وطالبناكم بتمييز ما وقع بقدرتكم المحدثة، عما وقع بقدرة الله القديمة، لأن الخالق يعلم ما خلق وهذا لا محيص لهم عنه.

стр. 235

فأجاب المخالف عن هذا وقال: لا شك أن القدرة التي في العبد من فعل الله ومن اجل نعمه على خلقه، وأما قول هذا (١) المستدل أن الفعل الواحد لا يكون إلا بقدرة قديمة وقدرة محدثة فإن هذا مبني على أصل فاسد وهو أن الباري له قدرة قديمة وذلك باطل عندنا، بل لا يحتاج إلى قدرة قديمة ولا إلى علم ولا حياة (٢) ولا إرادة ولا سمع ولا بصر بل هو قادر بذاته (٣) على جميع المقدورات وعالم بذاته وهو مستغن عن كل شيء، وصرح بأنه لا كلام له وإن القائلين بإثبات هذه الصفات لله كالقائلين بالتثنية من المجوس وبالتثليث من النصارى، هذا نكتة قوله. والجواب أن يقال: شرح القولين في القدرة المخلوقة في العبد مختلف فيه، فقول أهل التوحيد والسنة: إن الاستطاعة في العبد صفة قائمة به لا تبقى زمانين، بل يخلق الله كل جزء منها فيه حال حدوثه، واستطاعته في كل جزء غير استطاعته بالجزء الآخر (٤)، والله خالق كل جزء، والعبد غير

стр. 236

مستغن عن الله في كل حال من أحواله، فاستطاعة الطاعة تسمى عوناً من الله وتوفيقاً وتسديداً، واستطاعة المعصية تسمى خذلاناً وإضلالاً والقدرة والقوة والاستطاعة تعم ذلك كله وهي معنى لا يعلم ما ذاتها، بل ينتفي بوجودها أضدادها، فالقدرة ينتفي بوجودها العجز (١)، كما ينتفي الجهل بوجود العلم، والموت بوجود الحياة، والحركة بوجود السكون، والسكون بوجود الحركة، وعند (٢) المعتزلة والقدرية أن الاستطاعة في العباد يوصفون بالقدرة عليها قبل الفعل وتبقى زمانين، وأما في حال الفعل فتتولد من الاستطاعة المتقدمة ولا يوصفون بالقدرة على الفعل حال الفعل، فهم بالجبر الذي عابوه على خصمهم وأضافوه إليهم (٣) أولى (٤)، وهم مستغنون عن خالقهم حال الفعل، قال هشام بن الحكم شيخ المعتزلة والقدرية (٥). الاستطاعة صفة للمستطيع ليست غيره ولا هي منه (٦)

стр. 237

وكذا قال إبراهيم النظام (١) منهم: إن الإنسان هو الروح وهو مستطيع لنفسه (٢)، فيؤول قولهما إلى معنى واحد، فأثبتنا أنفسهما قادرة مستغنية عن الله خالقة مصورة، وكان هشام هذا لا يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل على أصله هذا (٣)، وإذا ثبت من قولهم أن الاستطاعة تبقى قبل الفعل ولا تبقى مع الفعل فهم متبعون لأصحاب الطبائع، وعبروا عن قول أصحاب الطبائع بهذه العبارة لأن أصحاب الطبائع يقولون: أصول العالم أربعة: الحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وسائر الحوادث كلها تتولد من هذه الأصول، والمعتزلة والقدرية قالوا: إن الفاعل يقدر على فعله حال الفعل ولا يحتاج إلى القدرة ولا يخل بالفاعل يقدر على فعله حال الفعل ولا يحتاج إلى القدرة ولا يخل بالفاعل عدمها (٤). فتجويز فعلهم ممن ليس بقادر كتجويز أصحاب الطبائع الحوادث من الموات وهي الطبائع (٥) من غير فاعل بل يتولد منها. وأما قول المخالف في القدرة القديمة، وأن المستدل بنى كلامه بذلك على أصله الفاسدة في إثباته لله سبحانه صفات قديمة وهي القدرة والعلم والحياة

стр. 238

والإرادة والسمع والبصر والكلام فيقال له: رميت خصمك بذنبك، وليس من بنى قوله على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بناه على أصل فاسد، بل من بنى قوله على خلافهما (١) ومتابعة قول جهم (٢) وأضرابه (٣) فهو الأصل الفاسد، فنحن وهم (٤) كما قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ (٥) فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّم﴾ (٦)، وقد مضى الكلام عليهم في الصفات (٧)، وأنا أعيد الكلام هاهنا بذلك ليتقرر بطلان مذهبهم (٨) ويتضح أساسهم الذي بنو عليه لحذر منهم من لا خبرة له بمذهبهم فأقول (٩): اعلم أن جهماً ومن تابعه قالوا: لا قدرة لله ولا علم ولا حياة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام، فقيل (١٠) لجهم: أتقول: إن الله شيء؟ فقال: لا أقول إنه شيء لأن معنى شيء معنى محدث مخلوق ومعنى مخلوق معنى شيء (١١)، وهذا كفر ظاهر لا يخفى على أحد؛ لأن الله

стр. 239

سمى نفسه شيئاً فقال: ﴿قُلْ (١) أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (٢)، ولأن معنى شيء معنى موجود فكل شيء موجود وكل موجود شيء والموجود ضد المعدوم، فلما كان الباري غير معدوم سمي موجوداً أو شيئاً. فلما ظهرت (٣) شناعة قول جهم بذلك وخالف قوله بذلك قول العلماء قبله وخافت المعتزلة والقدرية السيوف إن أظهروا القول بقوله قالوا: إن الله قادر حي عالم مريد سميع بصير، ولكن ليس له قدرة ولا حياة ولا علم، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، بل هو موصوف بهذه الصفات لذاته (٤)، إلى أن قال أبو الهذيل العلاف من رؤسائهم (٥): إن علم الله هو الله (٦)، فقيل له فيلزم على قولك أن يقول الإنسان في الدعاء "يا علم اغفر لي وارحمني" فأبى ذلك لما علم تناقض قوله فيه. وقولهم يرجع بالتحقيق إلى قول جهم (٧) لأن حقيقة الموصوف أن يكون

стр. 240

له صفة موجودة به، وحقيقة الصفة أن لا تتعرى عن الموصوف، وهذا اسم حرره أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم، فلا يسمون الأحمر إلا لما فيه حمرة ولا الأسود إلا لما فيه سواد، فكذلك لا يسمون القادر إلا لمن له قدرة، والعالم إلا لمن له علم، والحي إلا لمن له حياة، وكذلك الكلام في السمع والبصر والإرادة، يستحيل وجود قادر لا قدرة له، وعالم لا علم له، كما يستحيل وجود قدرة ولا قادر ووجود علم ولا عالم ووجود حياة ولا حي، ولأن القدرية وصفوا الله بهذه الصفات وجعلوها ألقاباً لا حقيقة لها؛ لأنه إذا كان لا قدرة له ولا علم ولا حياة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر كانت هذه الصفات له هي قول الواصفين (١) له وعباراتهم فلا يكون موصوفاً بهذه الصفات عند عدم الواصف له بذلك، فيؤدي عدم وصفه بذلك إلى وصفه بضدها وهي العجز والجهل والموت والصمم والعمى تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقد صرحوا بذلك حيث قالوا: أسماء الله مخلوقة لأنها قول القائلين

стр. 241

وأنا إذا قلنا الله فهو غير الإله والرحمن والرحيم وإنما هي أقوالنا (١) وهذا رد لنص (٢) القرآن قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣)، وقد أخبر الله سبحانه أن له علماً وقدرة وكلاماً (٤) بكتابه فقال سبحانه ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٧) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٨). وقال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (٩).

стр. 242

ويقال لهم: لم قلتم إن الله عالم، فإن قالوا: لأنه قال: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) قيل لهم: فما يمنعكم (٢) أن تثبتوا له علماً بقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ويقال لهم: لو قال قائل: إن الله آمر (٣) وناه وقائل ولا أمر له ولا نهي ولا قول أليس يكون قوله متناقضاً، فلا بد أن يقولوا: نعم، فقيل لهم: فكذلك من يقول: إنه قادر أو عالم أو حي ولا قدرة ولا علم ولا حياة فإنه يكون منقضاً لقوله. وأما قول المخالف: لو أثبتنا له هذه الصفات قديمة لأدى إلى (٤) أن تكون آلهة (٥) كهو (٦) فغير صحيح؛ لأن الصفة لا تساوي الموصوف بها حتى تكون كهو ألا ترى أن صفات الإنسان تساويه في كونها محدثة كهو ولا تساويه في كونها إنساناً كهو. قال هذا المخالف: ولأن ما قال هذا المستدل من استحالة وقوع الفعل بقدرتين قديمة ومحدثة غير لازم؛ لأن عنده أهل مذهبه أن الفعل من العبد يقع بقدرة قديمة من الله وبكسب من العبد، فنقول له: هذا لا يلزم لأن كسب العبد وقع بقدرة قديمة من الله، فالعبد لا يشارك الله سبحانه في الخلق وإنما يسمى كسباً للعبد بخلق الله فيه الاختيار وإرادة وقوع الفعل فتقع منه الحركة في الفعل المختار بخلاف الحركة منه في حالة الضرورة كالرعدة من الحمى والفالج.

стр. 243

تصحيح

стр. 244

٤٠ - فصل دليل لنا مذكور في الرسالة يقال لهم: خلق الله أحسن أم خلقكم، فإن قالوا: خلقنا، بان كفرهم وكانوا محجوجين بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) وبقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٢) وإن قالوا: خلق الله، أحسن من خلقهم، قيل لهم: فالعذرة والقردة أحسن من إيمان محمد ﷺ ومن إيمان الملائكة وسائر المؤمنين؛ لأن العذرة والقردة من خلق الله، وإيمان النبي والملائكة والمؤمنين من خلقهم على زعمكم، وهذا كفر من أي وجه صرفوه. فأجاب هذا المخالف وقال: إن أراد المستدل بالحسن هاهنا وفي الاستدلال قبله (٣) جمال الصور واتساق التركيب فلا شك أن أفعال العباد لا تشارك أفعال الله بذلك وكيف تساويه أو تزيد عليه، وإن أراد بالحسن هاهنا ما يضاد القبيح من أحكام الأفعال فلا شك أن طاعات العباد حسنة والحسن هاهنا لايتزايد (٤). والجواب أنا نقول لهذا المخالف: يكفينا في الإلزام موضع واحد، فإن قلنا أردنا أحسن في التصوير واتساق التركيب فكيف يكون التصوير والتركيب في العذرة والقردة أحسن من التصوير والتركيب من صلاة النبي -

стр. 245

صلى الله عليه وسلم- والملائكة (١) ومن نطقهم بقول: (لا إله إلا الله) فإذا وجدنا على مقتضى قولكم للعذرة (٢) والقردة مزية على صلاة النبي ﷺ وقوله بالشهادة وتولاوته للقرآن على قولكم كان ذلك شنيعاً ومقتضياً لكفر (٣) قائله. وإن حملنا ذلك على الحسن في التصوير وعلى ما يضاد الحسن من القبيح في الفعل لم يتناف الكلام فيه (٤). وقول هذا المخالف: إن الحسن لا يتزايد خطأ وخلف من (٥) الكلام؛ لأنه يقال: قول (٦) فلان أحسن من قول فلان أي في المعانى فقد اجتمعا في الحسن وأحدهما أكثر حسناً في اللسان قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ (٧).

стр. 246

٤١ - فصل وقد اعترض المخالف على قولنا في صفات الله سبحانه أنها ليست هو ولا هو هي ولا هو غيرها ولا هي غيره. فقال: هذا متناقض لأنها متى (١) لم تكن إياه كانت غيره، ومتى لم تكن غيره كانت إياه وإلا صار هذا القول كمن يقول هي هو وليست هو. والجواب أنا نقول لهذا المخالف: هذا الاعتراض صدر ممن لا يعرف حقيقة الغيرين والمثلين. وحقيقة الغيرين: ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، وصفات الله ليست بغير الله لأنه لم يزل موصوفاً بصفات الكمال إذ لا يجوز عليه النقص والآفات (٢).

стр. 247

وحقيقة المثلين: ما جاز على كل واحد منهما ما جاز على الآخر، ولهذا قلنا: إن الصفة للقديم والمحدث ليست هي الموصوف لأنها (١) لا تسد مسده فلا تسمى صفة الإنسان إنساناً وإنما تماثله في التسمية بالحدث، وكذلك (٢) صفات الله لا تساويه في كونها آلهة، وليس ذلك كقول القائل هي هو ليست هو فإن القول الثاني نفي الإثبات في الأول. ونقول للمخالف: التناقض في قولك هو عالم بلا علم وقادر بلا قدرة هو الظاهر؛ لأن حقيقة الموصوف من له صفة، وحقيقة الصفة معنى في الموصوف كالوجود صفة لموجود صفة موصوف بالوجود.

стр. 248

٤٢ - فصل ذكرت في الرسالة أن الله سبحانه أراد من العباد ما وقع منهم من خير وشر، وذهبت المعتزلة والقدرية إلى أن الله أراد منهم الخير ولم يرد منهم الشر وإنما المريد الشر (١) إبليس (٢) والدليل على صحة قولنا قول الله

стр. 249

تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (١). فأخبر (٢) سبحانه أنه أراد فتنة قوم ولم يرد تطهير قلوبهم. والقدرية يقولون: إن الله سبحانه لم يرد فتنة أحد وأراد تطهير قلوب جميع العباد (٣)، وهذا خلاف ما أخبر الله عنه (٤). فأجاب هذا القدري عن هذا وقال: الفتنة في القرآن منقسمة إلى نعان أحدها: الحريق والعذاب بدليل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٥) أي يعذبون.

стр. 250

والثاني: الامتحان والتشديد في التكاليف بدليل قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١). والثالث: الإضلال بدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (٢) أي لا يضلنكم الشيطان. فإذا تقرر هذا فيجوز أن تحمل (٣) هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ (٤) على العقاب والإهلاك، فيكون كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٥) ولا يجوز أن تحمل الفتنة هاهنا على الإضلال؛ لأن ذلك قبيح، والله تعالى لا يأتي بالقبيح لعلمه بقبحه وغناه عن فعله وعلمه باستغنائه عنه (٦)، ولا شك أن من كان بهذه الصفة (٧) لا يفعل القبيح، قال: وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٨) فمحمول على أحد معنيين: إما أن يريد بتطهير القلوب الزيادة في التوفيق والتسديد والهداية، فإن الزيادة في ذلك تختص بالمؤمنين الذين اهتدوا بأصل الهداية العامة للمؤمن والكافر، فإن من اهتدى منهم بذلك زاده الله هدى وتوفيقاً كما قال الله
следующие страницы →