← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٤١ - فصل وقد اعترض المخالف على قولنا في صفات الله سبحانه أنها ليست هو ولا هو هي ولا هو غيرها ولا هي غيره. فقال: هذا متناقض لأنها متى (١) لم تكن إياه كانت غيره، ومتى لم تكن غيره كانت إياه وإلا صار هذا القول كمن يقول هي هو وليست هو. والجواب أنا نقول لهذا المخالف: هذا الاعتراض صدر ممن لا يعرف حقيقة الغيرين والمثلين. وحقيقة الغيرين: ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، وصفات الله ليست بغير الله لأنه لم يزل موصوفاً بصفات الكمال إذ لا يجوز عليه النقص والآفات (٢).

стр. 247

وحقيقة المثلين: ما جاز على كل واحد منهما ما جاز على الآخر، ولهذا قلنا: إن الصفة للقديم والمحدث ليست هي الموصوف لأنها (١) لا تسد مسده فلا تسمى صفة الإنسان إنساناً وإنما تماثله في التسمية بالحدث، وكذلك (٢) صفات الله لا تساويه في كونها آلهة، وليس ذلك كقول القائل هي هو ليست هو فإن القول الثاني نفي الإثبات في الأول. ونقول للمخالف: التناقض في قولك هو عالم بلا علم وقادر بلا قدرة هو الظاهر؛ لأن حقيقة الموصوف من له صفة، وحقيقة الصفة معنى في الموصوف كالوجود صفة لموجود صفة موصوف بالوجود.

стр. 248

٤٢ - فصل ذكرت في الرسالة أن الله سبحانه أراد من العباد ما وقع منهم من خير وشر، وذهبت المعتزلة والقدرية إلى أن الله أراد منهم الخير ولم يرد منهم الشر وإنما المريد الشر (١) إبليس (٢) والدليل على صحة قولنا قول الله

стр. 249

تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (١). فأخبر (٢) سبحانه أنه أراد فتنة قوم ولم يرد تطهير قلوبهم. والقدرية يقولون: إن الله سبحانه لم يرد فتنة أحد وأراد تطهير قلوب جميع العباد (٣)، وهذا خلاف ما أخبر الله عنه (٤). فأجاب هذا القدري عن هذا وقال: الفتنة في القرآن منقسمة إلى نعان أحدها: الحريق والعذاب بدليل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٥) أي يعذبون.

стр. 250

والثاني: الامتحان والتشديد في التكاليف بدليل قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١). والثالث: الإضلال بدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (٢) أي لا يضلنكم الشيطان. فإذا تقرر هذا فيجوز أن تحمل (٣) هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ (٤) على العقاب والإهلاك، فيكون كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٥) ولا يجوز أن تحمل الفتنة هاهنا على الإضلال؛ لأن ذلك قبيح، والله تعالى لا يأتي بالقبيح لعلمه بقبحه وغناه عن فعله وعلمه باستغنائه عنه (٦)، ولا شك أن من كان بهذه الصفة (٧) لا يفعل القبيح، قال: وأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٨) فمحمول على أحد معنيين: إما أن يريد بتطهير القلوب الزيادة في التوفيق والتسديد والهداية، فإن الزيادة في ذلك تختص بالمؤمنين الذين اهتدوا بأصل الهداية العامة للمؤمن والكافر، فإن من اهتدى منهم بذلك زاده الله هدى وتوفيقاً كما قال الله

стр. 251

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٢) فيكون المراد بطهارة القلوب هذه الزيادة، وسماها تطهيراً لأنها احدى الدواعي والمقويات على حصول التطهير. وإما أن يريد بالتطهير للقلوب هو: الحكم بطهارتها، كما ثبت قبله في التزكية والتعديل والتفسيق، فإن الحكم المزكي بزكاة غيره وشهادته بذلك يسمى تزكية ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٣) أي يحكم ويشهد لهم بذلك، فكذلك الحكم بالعدالة يسمى تعديلاً، والحكم بالفسق يسمى تفسيقاً فكذلك الحكم بالطهارة يسمى تطهيراً، هذا تحقيق جوابه. فيقال له ولأهل مذهبه قبل هذا: هذه الآية التي استدللنا بها وردت في قوم من اليهود، وذلك أن رجلاً وامرأة من عظماء أهل خيبر زنيا وكانا محصنين وعندهم بكتابهم على المحصن الرجم فشق عليهم (٤) رجمهما، وقالوا لبعضهم: اذهبوا إلى هذا الرجل الذي بيثرب فاسألوه عن هذا فإن كان رسولاً كما زعم فليس له (٥) الرجم بكتابه بل الجلد فإن أمركم بالجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه، والقصة بذلك طويلة فأنزل الله فيهم ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (٦) فأخبر

стр. 252

سبحانه أنه لم يرد أن يطهر قلوبهم، وأخبر الله سبحانه في أهل بيت النبي ﷺ بقوله في آية أخرى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (١) أخبرونا: هل ساوى الله سبحانه بين هؤلاء (٢) اليهود الذي أنزل في شأنهم هذه الآية، وبين أهل بيت النبي ﷺ في تطهير القلوب من الشرك (٣) واللطف والهداية. كما يساوي بينهم في الدعاء إلى الإسلام، أم (٤) خص الله أهل بيت النبي ﷺ بخصيصة بتطهير قلوبهم من الشرك، وفضلهم بشيء لم يخص به هؤلاء اليهود وغيرهم ممن هو أعلى من اليهود ودون أهل البيت من المسلمين؟ فإن قالوا: لم يساوهم بل خص الله أهل بيت النبي ﷺ بتطهير قلوبهم من الشرك والرجس وجعل لهم مزية وفضلهم على هؤلاء اليهود على سائر المسلمين. قلنا لهم: هذا هو الحق وأنتم الآن المصدقون لخبر الله بكتابه بقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ﴾ (٥)، وبقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦)، وأي فضل أفضل من الهداية إلى الإسلام والعصمة من فتنة الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (٨) وكان حقيقة التخصيص لأهل بيت النبي ﷺ في هذه الآية على

стр. 253

اليهود أن خلق التطهير في قلوبهم ولم يخلقه في قلوب اليهود، وإذا أثبت ذلك وفهم استغنينا عن إبطال ما أورده هذا المعترض من التأويل في الفتنة والتطهير. وإن قال هذا المعترض وأهل مذهبه: بل ساوى الله بين أهل البيت وهؤلاء اليهود فيما خلقه بقلوبهم من ذلك، ولم يجعل لأهل بيت (١) النبي ﷺ مزية عليهم ولا خلق في قلوبهم التطهير من الرجس، وإنما هم الذين خلقوا بقلوبهم التطهير من الرجس وليس لله فيه صنع، وتطهير الله الذي أخبر أنه طهرهم إنما (٢) هو زيادة في التطهير أو شهادة لهم بالتطهير الذي خلقوه بأنفسهم، واليهود لم يخلقوا ذلك بأنفسهم بل خلقوا التكذيب والكفر، وهذا حقيقة مذهبهم. قلنا لهم: فهذا يؤدي إلى رد إخبار الله سبحانه أنه طهر قلوب (٣) أهل البيت ولم يرد تطهير قلوب اليهود ويؤدي إلى إسقاط تخصيص الله لأهل البيت وتفضيلهم على غيرهم، لأنهم إذا كانوا هم الخالقين (٤) لتطهير قلوبهم دون الله فلا منة لله عليهم، والمنة لله عليهم وعلى سائر المؤمنين بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ (٥). وأما زيادته لتطهير (٦) قلوبهم بع أن طهروها (٧) فليس لله فيه كبير منة، لأنهم قد بلغوا بتطهيرهم قلوبهم (٨) إلى الحد الذي يجب لله عليهم، وكذلك شهادته لهم بالتطهير لا منة لله عليهم به.

стр. 254

أفترى هذا كان خفياً على النبي ﷺ حين رد عليهم الكساء وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين أذهبت عنهم (١) الرجس وطهرتهم تطهيراً" (٢) فهلا حقق النبي ﷺ فعل أهله، وقال الذين خلقوا في قلوبهم (٣) التطهير وزدت في طهارتهم أو شهدت لهم بالتطهير، معاذ الله أن يتصور صحة هذا من (٤) له أدنى فطنة غلا من ختم الله على قلبه، ثم نرجع إلى إبطال ما ذكره (٥) هذا المخالف من (٦) التأويل في (٧) الفتنة والتطهير فنقول له: لا ننكر أن الفتنة المذكورة في القرآن تنقسم على أقسام، فمنها الغلو في التأويل المظلم كتأويلاتك كلها قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٨)، والفتنة في كلام (٩) العرب الابتلاء والاختبار من قولهم: (فتنت الفضة) إذا أدخلتها في النار لتميز بين

стр. 255

جيدها ورديئها (١)، والفتنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢)، أي حرقوهم في الأخدود الذي ذكر الله في كتابه (٣)، الفتنة بقوله تعالى: ﴿(٤) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٥)، أي يختبرون بالشكر على النعم والصبر على المحن (٦)، والفتنة بقوله تعالى: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (٧) أي في الإثم (٨) ومنه قوله (٩): ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ (١٠) أي ببنات (١١) الأصفر (١٢)، قاله استهزاءاً، والفتنة الإزالة عن الرأي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (١٣) أي ليزيلوك، والفتنة التحريق بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (١٤)، أي

стр. 256

يحرفون (١)، والفتنة الإضلال بقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ (٢)، أي بمضلين (٣) ﴿إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قال الحسن البصري: "إلا من سبق في علمي أنه يصلى الجحيم" (٤)، وزاد هذا المعترض من كيسه: إلا من المعلوم أنه يصير إلى الجحيم وإن كنا نعلم (٥) أنه لا يصير إليها إلا بسوء اختياره (٦)، وهذا على وفق مذهبه (٧) لا يُنْقَل عن أحد من المفسرين.

стр. 257

والفتنة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَه﴾ (١)، فقيل: كفره، وقيل: اختياره، وقيل: عذابه (٢). فإن كان المراد بها عذابه أو كفره فالحجة لنا ثابتة لأن إرادة الله في الخلق قديمة قبل أن يخلق الله الخلق، وقد كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ (٣). ويروى في الصحاح أن ابن مسعود قال: حدثنا النبي ﷺ وهو صادق المصدوق "إن أحدكم يجمع خلقه نطفة في بطن أمه أربعين (٤) يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي (٥) أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع (٦) ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون لينه وبينها إلا ذراع (٧) ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (٨). فإذا تقرر هذا وحملنا هذه الآية على ما قال المخالف: على العقاب

стр. 258

والإهلاك يكون كقوله: (١) ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٢) فنقول له: الحجة ثابتة (٣) عليك مع هذا لأنه إذا أراد عقابه أو هلاكه فإرادته بذلك قديمة على ما مضى، وعندك أن الله لم يرد عذاب أحد إلا بعد أن عصاه (٤)، والإرادة عندك محدثة (٥) وهذا كفر؛ لأن ذلك يقتضي إحداث إرادة قبلها لتحدث عنها الإرادة إلى ما لا يتناهى (٦)، والله ليس بمحل للحوادث (٧). وأما احتجاجك بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ (٨)، فهي حجة عليك لا لك، لأن معنى قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ أي: أفمن سبق عليه القول، أو أفمن وجب عليه في علم الله أنه يدخل النار ينجو أو يتخلص فحذف ينجو ويتخلص (٩) وهي كقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى

стр. 259

أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) أي وجب القول بالسخط على أكثرهم فهم لا يؤمنون في علم الله. وأما قول المخالف: فلا يجوز أن يحمل الآية على الإضلال لأن ذلك قبيح والله تعالى لا يأتي بالقبيح. فيقال: هذا أصل مذهب القدرية الفاسد الذي بنوا عليه قولهم، وهو أنه لا يجوز من الله إلا ما يجوز (٢) من المخلوقين من الأفعال فما كان قبيحاً من أفعالنا كان كذلك من أفعاله، وهذا خطأ لأن القبيح إنما كان قبيحاً منا بمخالفتنا للأمر والنهي، فالشرع هو الذي قبح القبيح وحسن الحسن (٣)، وليس فوق الله سبحانه من يأمره وينهاه فيكون فعله بمخالفة ما أمر به قبيحاً يتعالى الله عن ذلك. والقدرية يسمون القبيح قبيحاً لقبحه في الفعل والحسن حسناً لحسنه في العقل، وهذا خطأ لأنه لو كان كذلك (٤) لم يوجد شيء من جنسه إلا وكان قبيحاً (٥) وقد وجدنا الزنا قبل ورود الشرع لا يسمى قبيحاً إلا بعد ورود الشرع بتحريمه وتقبيحه، وكذلك تزويج الأمهات والأخوات وذاوت المحارم غير قبيح في العقل وإلا فما الفرق بين العمة وابنتها والخالة وابنتها في العقل، لولا الشرع قبح القبيح وحسن الحسن منه، ويوجد الزنا من المجنون ولا يعد قبيحاً منه، ويقبح شكر المنعم إذا نهاه عنه لمعنى (٦) قصده ويحسن كفره إذا أمر به لمعنى قصده، فهذا يبطل (٧) كل ما

стр. 260

أورده هذا المخالف بكتابه وتسمية خلق الله للمعاصي قبائح وخبائث (١).

стр. 261

ثم قال هذا المخالف: إن الله لا يفعل القبيح لغناه عن فعله ولعلمه بقبحه. فنقول له: هذا خلف في الكلام، هو (١) مستغن عن الحسن والقبيح وهو مستغن عن الدنيا والآخرة وما فيها وقد خلقهما الله، ويلزمك على هذا أن تقول: إنه يخلق (٢) الأفعال الحسنة لأنه عالم بحسنها (٣). وأما الجواب عن قوله: إن التطهير يحمل على الزيادة في التسديد والتوفيق (٤)، فغير صحيح؛ لأنه لا دليل له على أن الزيادة في التوفيق تسمى تطهيراً في اللغة ولا في الشرع، وإنما حمله على وفق مذهبه وهذا تبديل لا تأويل؛ لأن الطهارة في القرآن على وجوه منها: الطهارة عن الجنابة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥)، والطهارة تقع على انقطاع دم الحيض لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦) قرئ بالتخفيف أي حتى ينقطع (٧) دمهن، وقرئ بالتشديد فيكون المراد به التطهير بالماء (٨) كقوله فيهن: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي بالماء ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾. والطهارة تقع على الطهارة من أنجاس بني آدم من الغائط والبول والحيض

стр. 262

وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهَا (١) أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (٢) والطهارة تقع على الطهارة من الشرك بقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (٣)، والطهارة تقع على التنزه من الذنوب وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤) فبعض الناس حمل هذه الآية على طهارتها من الأنجاس، وبعضهم قال (٥): عبر عن الجسم بالثياب يعني لا تلبس ثيابك على فجور ولا غدر (٦) قال امرؤ القيس (٧): ثياب بني عوف طهارى (٨) نقية … وأجههم بيض المسافر (٩) غران (١٠) وقال آخر: لا هُمَّ إن عامر بن جهم … أوْذَمَ (١١) حجاً في ثياب دُسْم (١٢)

стр. 263

فإذا تقرر هذا كان حمل هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) على تطهيرها من الشرك والذنوب على ما تقرر في هذه الآيات (٢) أولى. وأما حمل الآية (٣) على المعنى الثاني: وأنه أراد بالتطهير الحكم بطهارتها أي يشهد لها بالطهارة كنحو التزكية وغيرها مما ذكر، فإن هذا تعسف في التأويل، وهل يجد حجة على قوله إلا (٤) أن التطهير على وزن التعديل والإشراك (٥) لما خالف ذلك مذهبه، والمذهب تتبع الأدلة لا تتبع المذاهب، وإنما قصده بذلك التمويه على الطغام والعوام ومن لا خبرة له بحقيقة مذهبه، وإن صح في التطهير أنه الحكم بتطهير قلوبهم فإن الحكم هو القضاء بتطهير قلوبهم فيكون حجة لنا أيضاً. وأما قول المخالف: إن الزيادة في الهدي تختص بالمؤمنين الذين اهتدوا بالهدي العام (٦) كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٨) فلا نسلم له أنهم اهتدوا قبل الزيادة بأنفسهم، بل الله الذي هداهم ثم زادهم هدى لقوله (٩) تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١١).

стр. 264

٤٣ - فصل ومن الدليل لنا (١) قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا (٢) قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ (٥). فأجاب القدري وقال: المراد بقوله: ﴿فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ شددنا عليهم التكليف بالامتناع عن عبادة العجل وامتحناهم بمخالفة السامري ولم يرد أضللناهم بل قال: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. وأما قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ فالمراد به امتحناك بما كلفناك من القيام بأمر النبوة. والجواب: إن الفتنة أريد بها الاختبار والامتحان والابتلاء في بعض الآيات، فالحجة لنا فيها على القدرية، لأن عندهم أن الله سبحانه لا يفعل بالعباد إلا ما فيه الصلاح لهم (٦) ولا مصلحة لهم في أن يبتليهم ويمتحنهم بما يشاء ويعرضهم للمخالفة لأمره (٧) فيعاقبهم على ذلك مع علمه أن كثيراً منهم يخالفه (٨) في فعل ما نهاه عنه، فلما ثبت ذلك علم أنه يفعل بعباده ما شاء ولا يخرج بذلك عن الحكمة والعدل (٩).

стр. 265

وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "مر هارون ﵇ بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر، فقال: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه فخلق الله فيه الخوار فكان إذا خار سجدوا - والخوار من دعوة هارون - فلما رجع موسى ﷺ قال: يا رب من صنع لهم العجل فقال: صنعه السامري فقال: يا رب فمن خلق فيه الخوار، فقال له الله: أنا، فقال موسى: (يا رب إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشلء وتهدي من تشاء" (١). فأضاف موسى س إلى الله (٢) الفتنة والإضلال والهداية، وهو أعلم بما يجوز على الله من القدرية. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال: "من الفتون إلقاؤه في البحر وهَمُّ فرعون بقتله وقتله النفس وخروجه خائفاً يترقب" (٣) وكل هذا لا مصلحة لموسى فيه، فدل على أن الله يفعل بالعباد ما فيه لهم المصلحة وما لا مصلحة لهم فيه (٤)، وكذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ

стр. 266

فِتْنَةً لَهُمْ﴾ (١) قيل بلية لهم ليعلم أيطيعون الله بها أم يعصونه، ومعنى لنعلم

стр. 267

بالمشاهدة والوقوع الذي تقع به الحجة عليهم، فأي مصلحة لهم في ذلك (١).

стр. 268

٤٤ - فصل قال المخالف: ولا حجة لهذا المستدل بقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، فإن الضلال ينقسم إلى معان: منها (٢) العقاب بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٣)، أي في عذاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ … ﴾ (٤)، والثاني: الهلاك بدليل قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ﴾ (٥) أي هلكنا، والثالث: إلى إبطال العمل بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦)، فيحمل كل ما نسب الإضلال إلى الله على إهلاكهم وعذابهم وعلى إبطاله لأعمالهم (٧). فأما الهدى فإنه ينقسم إلى ثلاثة معان: أحدها: الدلالة والبيان بدليل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ (٨) أي بيان. والثاني: زيادة في التوفيق والتسديد بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٩).

стр. 269

والثالث: الثواب في الجنة (١) بدليل قوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (٢). فأخبر أنه يهديهم بعد القتل، والهداية بعد القتل لا تكون إلا ثواباً، والهدى الذي هو الثواب والزيادة لا تكون إلا للمؤمنين، والهدى الذي هو الإرشاد عام لجميع المكلفين، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (٣)، فأخبر أنه هدى الكفار وأنهم استحبوا العمى على الهدى، هذا نكتة قوله وعمدته. والجواب: أنا لا ننكر توارد المعاني المختلفة واشتراكها في اللفظة الواحدة في لغة العرب. والضلال في لغة العرب: سلوك عن القصد يقال: ضل عن الطريق وأضل الشيء إذا أضاعه (٤). وأما إطلاق الضلال في الشرع فأصله من قولهم (٥): ضل عن أمر الله إذا ضيعه ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (٦). ومنه قوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ (٧). والإضلال في القرآن على وجوه كثيرة لأدلة دلت عليه، فورد والمراد (٨) به الإغواء في قوله تعالى اخباراً عن إبليس: ﴿لأضِلَّنَّهُمْ﴾ (٩) يعني لأغوينهم عن الهدى فيكروا (١٠)، وكذلك في قوله:

стр. 270

﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ (١) يعني أغواهم (٢)، ومثله ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ (٣) يعني غوى (٤). وورد والمراد به الصد بقوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوك﴾ (٥) أي يصدونك (٦)، ومثله ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) أي يصدك، وورد والمراد به الخسارة وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ (٨) أي في خسارة (٩)، ومثله قوله: ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٠)، يعني في خسارة (١١) ومثله ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٢) أي في حبه ليوسف وتقديمه علينا ولم ينسبوه إلى الضلال عن الدين (١٣)، وورد في القرآن والمراد به الشقاء والعناء وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (١٤) يعني في شقاء وعناء (١٥). وورد والمراد به الخطأ وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (١٦)

стр. 271

ومثله ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١) حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٢) يعني أخطأ طريقاً (٣). وورد (٤) والمراد به النسيان وهو قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (٥)، أي تنس إحداهما (٦). وورد والمراد به إبطال العمل وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٧) أي أبطل أعمالهم (٨) ومثله قوله: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٩) ومثله قوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١٠) يعني بطل عملهم (١١) في الحياة الدنيا. فإذا تقرر هذا فلا يجوز أن يحمل كل إضلال للعباد ورد في القرآن على غير ضلال عن الدين بغير دليل لا سيما الإضلال المقابل بالهدى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ

стр. 272

مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ (١). فلا يجوز أن يحمل الإضلال هاهنا على الإهلاك والعقوبة في الآخرة، بل قد أخبر أنه أراد به الإضلال في الدنيا بالمثل لكثير من اليهود (٢)؛ لأن الله ضرب الأمثال (٣) والأشباه للخلق وجعلها للقلوب كالمرايا للوجوه، وأمرهم أن يستدلوا بها على ما غاب من أبصارهم، وذلك عام لجميعهم لتثبت الحجة له عليهم وجعل الهداية منه بها خاصة (٤) للمؤمنين فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ فنسب الإضلال والهداية إليه، وقال في آية أخرى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (٥) فنسب في هذه الآية عقل الأمثال إليهم لكونهم مكتسبين عقلها، ولما حرم الكفار الاهتداء والعقل في الأمثال المضروبة وخلق فيهم ضده سماه (٦) إضلالاً، ولا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطاله لأعمالهم لأنه يحتاج إلى إضمار الأعمال، ولا يجوز صرف الكلام عن ظاهره بغير دليل ولا ضرورة، وكذلك الإضلال المذكور في الأعراف بقوله تعالى (٧): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٨)، فلا يجوز حمل الإضلال هاهنا على إبطال العمل ولا على العقوبة في الآخرة لأنه قال في آخر الآية:

стр. 273

﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ووذره لهم في طغيانهم إنما يكون في الدنيا، ولأنه قال قبل هذا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ … ﴾ (١) إلى قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ (٢). فذكر أنه يستدرجهم بالنعم ويملي لهم في الإنظار ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) فذمهم على عدم التفكر ثم قال بعده: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ أي لو هداهم ووفقهم للنظر في ملكوت السموات والأرض لكان منهم ذلك، والهداية منه والتوفيق إنعام وإفضال، وله ترك الإنعام والإفضال ولا يكون (٤) ذلك منه جوراً ولا بخلاً. ويدل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ (٥) أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) والمراد بهذه الآية ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة في الإسلام، ولكن يضل من يشاء عن الإسلام فيحرمه التوفيق والتسديد إليه، ويهدي من يشاء أي يوفقه ويسدده إلى الإسلام، فقيد الإضلال والهداية لمن يشاء ولم يقيد بعمل من عامل استحق (٧) الإضلال أو الهداية بعمله (٨) وليس كذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٩) فإن ذلك إخبار عن قوم بأعيانهم كفروا وصدوا عن سبيله فأضل أعمالهم، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً .. ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (١٠).

стр. 274

وهذا يدل على أن المراد بالضلالة هاهنا الإضلال في الدين لا في إبطال العمل ولا في العقوبة والهلاك؛ لأنه أخبر أنهم قالوا: لن نؤمن لك حتى تفعل لنا كذا وكذا، ثم قال بعده: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ (١) الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ (٢) وأمره أن يبين لهم ما المانع (٣) من أن يبعث ملكاً وهو أنهم ليسوا بملائكة فيبعث (٤) إليهم من جنسهم، ثم أخبر أنه لو هداهم أي وفقهم إلى الإسلام لاهتدوا، ولكنه أضلهم فليس لهم أولياء من دونه، ثم أخبر أنه يحشرهم بعد ذلك فدل على أن الهداية والإضلال في الدنيا لا في الآخرة ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ (٥) والمرشد إنما يكون في الدنيا إلى طريق الدين، ولا يكون مرشدا في الآخرة، ويدل على الإضلال في الدين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني بالقرآن ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون الهدى ﴿وَبُكْمٌ﴾ (٦) لا يتكلمون به ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يعني ظلمات الشرك ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ أي عن الهدى، نزلت في بني عبد الدار بن قصي: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧)، يعني على طريق مستقيم وهو الإسلام، نزلت في علي بن أبي طالب والعباس وحمزة وجعفر عليهم (٨) السلام (٩)، فأخبر سبحانه أنه فاضل بين الفريقين، وأنه جعل

стр. 275

أحدهما على صراط مستقيم وذلك لا يمكن حمله إلا على اختصاصه لهم في الدين فدل انه لم يجعل ذلك لمن أضله،؛ لأنه المفاضلة في الشيئين إنما يكونان من جنس ليكون (١) أحدهما ضد الآخر كقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وكقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٣)، ويدل على ثبوت الإضلال في الدين بالدنيا قول الله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ (٤) يقول شبه له سوء عمل (٠) هـ ﴿فَرَآهُ حَسَناً﴾ يعني ما زين له الشيطان وحسنه عنده، وقيل: ﴿فَرَآهُ حَسَناً﴾ يعني صدقاً فلم يرجع عنه (٥) كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦)، فإن الله يضل من يشاء عن دينه فلا يهديه إلى الإسلام ويهدي من يشاء لدينه، وهذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام (٧)، ويقال في العاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد المطلب (٨) وفيها محذوف لعلم السامع والتقدير: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله (٩) يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٠) ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ

стр. 276

يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (١). وهذه الآية نزلت في تسعة من المنافقين منهم مخرمة بن زيد القرشي هاجروا من مكة إلى المدينة فندموا فرجعوا إلى مكة بغير إذن النبي ﷺ وكتبوا إلى النبي ﷺ إنا على ما كنا عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخواننا وأهلنا، ثم خرجوا تجاراً إلى الشام، واستبضعهم أهل مكة بضائع وقالوا: أنتم على دين محمد فلا بأس عليكم من أصحابه، فبلغ أمرهم إلى المسلمين فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقاتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم تركوا دار الهجرة وصاروا عدواً لنا وقال بعضهم: ما حلت لنا دماؤهم ولا أموالهم، والنبي ﷺ ساكت فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٢) أي تختصمون ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ فردهم إلى الكفر ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن دينه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (٣)، وهذا يدل على إضلال الله لهم في الدين بالدنيا؛ لأن المسلمين أرادوا هدايتهم في الدين بالدنيا (٤) فرد الله ذلك عليهم وأخبر (٥) الله عنهم أنهم ودوا كفر (٦) المسلمين وهذا كله في الدين بالدنيا. وأما قول المخالف بقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٧) أنه أراد (٨) به العقاب في الآخر فغير مسلم، ولم يقل أحد من أهل اللغة ولا من المفسرين أنه أراد بالإضلال هاهنا العقوبة، بل قالوا: إنهم في ضلال بالدين ويقال: في شغل وعناء (٩)، ونزلت في المكذبين في القدر. وروى ابن زرارة

стр. 277

الأنصاري عن أبيه عن النبي ﷺ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ فقال ﷺ : "أنزل الله هذه الآية في أناس يكذبون بقدر الله" (١)، ولا حجة له بقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، أن الإضلال هاهنا العذاب، بل نقول: إنه أخبر في الآخرة على ضلالهم بالدين في الدنيا، فيكون بهذا زيادة فائدة غير ما ذكر المخالف، ويدل على إضلال الله بالدين في الدنيا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (٢) وهذه الآية نزلت في قوم هووا الأوثان (٣) فعبدوها (٤)، فأخبر الله أضلهم حرمهم التوفيق والتسديد على ما سبق في علمه أنه يخلقهم ضلالاً، وأخبر أنه ختم على سمعهم (٥) فلا يسمعون الهدى، وعلى قلوبهم فلا يعقلون الهدى، وجعل على أبصارهم غشاوة يعني الغطاء، فمن يهديهم يعني يرشدهم من بعد الله، ثم أخبر عن قولهم في الدنيا ﴿وَقَالُوا (٦) مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ وهؤلاء دهرية، وقول المخالف: إن الختم على القلوب العلامة في الآخرة تعسف وصرف للقرآن عن ظاهره على وفق مذهبه، وسأبين ذلك إن شاء الله (٧). ويدل على إضلال الله لهم في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾

стр. 278

يعني شبهاء قل لهم يا محمد ﴿سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْض﴾ بأن معه شريكاً، ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول بل بأمر (١) باطل وكذب ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢) يقول: من يضلل الله منهم بحرمانه التسديد فما له من هاد أي (٣) من مرشد قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ فأخبر سبحانه أن الذين أضلهم يعذبهم في الدنيا (٤) بالقتل ببدر ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٥) يقيهم عذابه في الآخرة. وأما قول المخالف: إن (٦) الهدى على أضرب، فلسنا ننكر اشتراك المعاني في لفظة الهدى، فقد ذكر الله الهدى في القرآن في مائتين وستة وثلاثين موضعاً (٧)، وهو على أوجه (٨)، فمنه ما ورد والمراد به التأييد والتوفيق وهو

стр. 279

المراد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) أي ليس عليك توفيقهم وتأييدهم، ولكن الله يؤيد ويوفق لذلك من يشاء، فعلَّقه على من يشاء، فدل على أنه على غير عمل سبق منهم (٢)، ومنه ما ورد والمراد به الدعاء والدلالة وهو المراد بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) أي لتدعو، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٤) أي دليل، ومثله قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٥) أي دلوهم، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦) أي يدل، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ (٧) أي الدلالة على الحق وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ (٨) اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ (٩) أي يدل، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ (١٠) أي دليلا، ومنه ما ورد والمراد به البيان وهو المراد بقوله تعالى: ﴿(١١) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (١٢) أي بينا لهم، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ (١٣) أي ألم يبين، ومثله قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٤) أي بياناً لهم ورشداً (١٥) وخص ذكر المتقين: أي إنما ينتفع بالبيان المتقون الذين سبقت لهم من الله الرحمة

стр. 280

وإن كان الخطاب للجميع وهو كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (١) فعم الناس بالإنذار، وأخبر أنه لا ينتفع بالإنذار إلا البعض، فقال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ (٢) وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ (٣) مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (٤) وكقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) فالدعوة من الله على ألسنة الرسل والبيان والدلالة عامة لجميع الخلق، ولم يجعل الله إلى الرسل إلا ذلك ولا أقدرهم ولا أمرهم إلا بذلك، وأما الهداية الذي هو التأييد والتسديد والتوفيق (٦) وتنوير القلوب فالله تعالى (٧) يختص به من يشاء من عباده ولم يجعل إلى الرسل منه شيئاً، وهو المراد باختباره تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٨)، وذلك أن أبا طالب بن عبد المطلب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدقوه تصلحوا وترشدوا، فقال له (٩) النبي ﷺ : يا عم تأمرهم بالنصيحة وتدها لنفسك قال: فما تريد يا ابن أخي، قال: أريد منك كلمة واحدة فإنك (١٠) في آخر يوم من أيام حياتك أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله، فقال: يا ابن أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع (١١) عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم

стр. 281

وعبد مناف، فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (١) يقول: إنك لا تؤيد ولا توفق إلى الإسلام، خصت أبا طالب وعمت، ولكن الله يوفق ويؤيد إلى الإسلام من يشاء، خصت (٢) العباس (٣) وعمت غيره ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ من قدر له الهدى، ولا يجوز أن يراد بهدى النبي ﷺ هاهنا الدعوة ولا الدلالة، لأنه قد دعى الجميع وبين الله للجميع، ولا يجوز أن يراد بهداية النبي ﷺ هاهنا ثواب الجنة الذي قال المخالف؛ لأن أحداً من أهل اللغة والتفسير لم يذكر أن الهدى يراد به (٤) الثواب وإنما ذلك تعسف في التأويل. وأما قول الله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (٥) فقيل سيهديهم للعمل الصالح في الدنيا وصلح بالهم في الدنيا (٦)، وأما استدلاله على (٧) ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾، فقد قرئ (قَاتَلوا في سبيل الله) فإن تعلقت (٨) بقراءة (قُتُلوا) تعلقنا بقراءة (قَاتَلوا) (٩).

стр. 282

وقيل: سيهديهم في القبور إلى القول بالحق الذي قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) وهو عند مسألة الملكين له في قبره (٢) الذي وردت به الأخبار في الصحاح مما ينكره القدرية (٣). وأما قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ﴾ فلا دليل له أن الهداية في الجنة هو الثواب، بل إدخاله الجنة لهم هو لثواب هدايته لهم في الدنيا إلى الأعمال الصالحة. وأما قول المخالف في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي أراد هدايتهم العامة وهي التأييد والإسلام فاستحبوا العمى على الهدى قد يراد به البيان والدعوة (٤)، وهذا هو الهدى الذي عم الخلق به، فكيف يصح لك أيها المخالف أن تحمل الآية على موضع النزاع والخلاف، ويدل على بطلان قولك، قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٥) فأخبر أن من يهديه الله فهو المهتدي، ولا يجوز أن يراد هاهنا من يدخل الله الجنة أو من يثيبه فهو المهتدي أي فهو الداخل (٦)، هذا ما لا يقبله عقل عاقل. وأما قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ فنقول: لا ننكر أنه نسب استحباب العمى إليهم لكونه مكتسباً لهم ولذلك أخبر أنه عاقبهم بكسبهم

стр. 283

لذلك بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فأخبر الله انه عاقبهم على كسبهم لذلك لا على خلق ذلك فيهم، وكذلك الجزاء في آي كثيرة إنما ذكره الله على الكسب ولأن استحسانهم كان بمشيئتهم لذلك ومشيئتهم متعلقة بمشيئة الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ (٢) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣). وأما قول المحالف في الهدى إنه الزيادة في الهدى (٤)، وكذلك قوله في التطهير فيما مضى (٥) فيقال له: إذا وافقت أن الله تعالى يخلق الزيادة في التوفيق (٦) والتأييد في قلوب المهتدين والمؤمنين الذين خلقوا الإيمان والهدى في قلوبهم أولا، فقد وافقت على أنه خلق (٧) شيئاً من أفعال عباده زيادة فيما (٨) خلقوه أولاً في نفوسهم، ويكون ذلك ثواباً لهم وجزاء على ما خلقوه بأنفسهم، فلا يمتنع أن يبتدئهم ويخلق التوفيق والتسديد والتأييد لهم إلى الإسلام والإيمان قبل أن يخلقوه في أنفسهم، ويكون متفضلاً منعماً عليهم ولا يكون ذلك مستحيلاً منه، ولا يستحيل خلق ضده في قلوب آخرين فلا يكون ذلك جوراً وظلماً لهم، ولا يكون قبيحاً منه، كما أخبر في إعطائه وتفضله عليهم في الدنيا لمن يشاء ومنع ذلك عمن يشاء بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٩) فقد أخبر أنه

стр. 284

آتى الملك من شاء أليس ذلك يعد تفضلاً منه عليهم؟ ونزعه ممن يشاء منهم هل يعد أنه ظلمهم أم يقال منعهم (١) ما لا يستحقونه عليه؟ وأعز من شاء بفضله وأذل من شاء بعدله بيده الخير، أي (٢) خير أفضل وأكثر من الأعمال التي ينال بها الخير الدائم في الآخرة، وأي عز اعز من العز الدائم في الجنة، وأي ذل أعظم من الذل الدائم في النار. ويدل على إضلال الله لهم في الدنيا عن الدين قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٣) الآية. وسبب نزول هذه الآية أن عيينة بن حصن الفزاري دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم وهو جالس على البساط ومعه سلمان الفارسي وليس عنده غيره وبيد سلمان خوص يشقه وعليه شملة وهو (٤) يوم حار، فجعل عيينة يشير إلى سلمان أن (٥) تنحى عن البساط، وجعل سلمان يتنحى وعيينة ينحيه حتى أرحله (٦) عن البساط ثم قال عيينة: يا محمد لو كنت إذا دخل عليك رؤساء قومك وأشرافهم نحيت مثل هذا وأرابه كان أسرع لهم (٧) فيما تحب، أما يؤذيك ريحه لقد آذاني ريحه، إن نُسلم يسلم الناس بعدنا، والله ما يمنعنا من الدخول عليك ولا اتباعك إلا هذا وأضرابه فأنزل الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (٨) إلى قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٩) فأخبر الله تعالى أنه أغفل قلبه عن ذكره وهو

стр. 285

القرآن، فقال النبي ﷺ "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه" وكان النبي ﷺ إذا رآهم قال: "مرحبًا بمن عاتبني ربي فيهم" (١) وهو سلمان الفارسي وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة وبلال ونحوهم من فقراء المسلمين، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢)، قال أهل التفسير: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان قاله سعيد بن جبير (٣)، وعن الضحاك (٤): يحول بين المؤمن والمعصية وبين الكافر والطاعة (٥).
следующие страницы →