← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

استحباب العمى إليهم لأنه كسب لهم، ولأنهم محل لخلق ذلك فيهم، ولم يرد الهداية التي هي اللطف والتسديد، لأنه لو هداهم لاهتدوا كما أخبر في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ (١). وأما قوله: الهداية التي هي بمعنى الزيادة والتسديد وهي تختص بالمهتدين، فإذا وافقت أن الله يخلق الهداية في قلوب المهتدين ويكون ذلك إنعاماً منه عليهم وتفضلاً لاهتدائهم أولاً بأنفسهم، قلنا لك: فلا يمنع أن ينعم الله عليهم أولاً بخلق الهداية في قلوبهم، لأن الموصوف بالهداية في الاستدامة والانتهاء كان موصوفاً بابتداء الهداية لهم، ونقول: لولا هداهم الله أولاً لما اهتدوا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ (٢) اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٣) ويرد بالهداية هاهنا اللطف في (٤) التسديد والتأييد الذي يختص بالمؤمنين، ويدل على صحة قولنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ (٥) ولا يمكن استعمال هذه الهداية على البيان والدلالة، بل هداية الإرشاد والتوفيق فقد خص بها من يريد. وأما قوله: في الهداية التي بمعنى الثواب في الآخرة فلا دليل له على ذلك، ولا نسلم له احتجاجه على ذلك بقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ (٦) أنه أراد الثواب، بل المراد به: الإرشاد والتسديد بدليل قوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ وهذه صفة إنعامه عليهم في الدنيا، وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّة﴾ إخبار منه عن إنعامه عليهم في الآخرة، والنعم على العبد في الدنيا والآخرة من الله يختص بها من يشاء من عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٧) وقال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨) ولو كانت الهداية التي هي التوفيق والتسديد

стр. 352

عامة لجميه الخلق كما يدعي القدرية لما خصها وعلقها بمن يشاء له ذلك، ويدل على هداية الله للمؤمنين في الدنيا هداية التسديد قوله تعالى في الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار … ﴾ (١) الآية ثم قال بعدها: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْل﴾ الطيب من القول الشهادتان (٢) ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وهذا لا يمكن حمله على ثواب الآخرة (٣).

стр. 353

٦١ - فصل قال المخالف القدري: وأما الطبع والختم الذي أوردناه في الاحتجاج فهو العلامة على الشيء، كما يقال: طبع فلان الدينار والدرهم معناه أظهر فيهما من العلامات والنقوش ما يتميزان به عن غيرهما، ومعنى هذا أنه علَّم على قلوبهم علامة تظهر للملائكة يعرفون بها ما هم عليه من الكفر الذي يضمرونه. أو يعلمون بها منزلتهم (١) في استحقاق الذم واللعن لينزلوهم (٢) منزلتهم من ذلك، ويكون في ذلك للملائكة ولمن علم به من المكلفين (٣)، لأنهم متى علموا أنه من أضمر شيئاً من المعاصي ظهرت على قلبه علامة تشهد به (٤) وتدل عليه كان أقرب إلى توقي الخبائث، هذا معتمد قوله ونكتته في الطبع. قال: وكذلك الختم معناه ومعنى الطبع واحد وهو العلامة (٥).

стр. 354

والجواب: أن حمل الطبع والختم على القلوب على العلامة عليها من التأويل الذي قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾ (١) ومن الجدل في الدين بغير علم ولا هدى و لا كتاب منير، لأنه على ذلك في لغة

стр. 355

العرب ولا في الشرع، ولا يقبل إلا من أعدمه الله العقل وأغفله عن ذكره. والدليل على بطلانه أن العلامة في اللغة تسمى السيما (١) ولهذا قال الله في علامة المؤمنين: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢) وقال سبحانه في علامة الكفار يوم القيامة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ﴾ (٣) وسيماهم اسوداد في وجوههم وزرق في أعينهم (٤)، وقال في علامة الفقير: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ (٥) يعني بعلامة الفقر، فإذا صح في السيما وهي العلامة أن تسمى بهذه (٦) المعاني مع اختلافها فيجوز على مقتضى هذا أن يسمى أثر السجود في وجوه المؤمنين طبعاً وختماً، لأن حقيقة الاسم لا يتغير ولا يختلف لاختلاف المحل المسمى به، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: إذا صح في اللغة والشرع أن يحمل الختم والطبع على قلوب الكافرين على علامة على قلوبهم يعرفهم (٧) بذلك الملائكة ليستعملوا فيهم ما هم له أهل من اللعن والذم وينزلوهم بمنزلتهم التي يستحقونها فما المانع أن تسمى الهداية (٨) والتنوير في قلوب المؤمنين طبعاً وختماً، ويحمل ذلك على أن الله جعل ذلك علامة على قلوبهم ليعرفهم بها الملائكة ليستمعلوا بهم ما ندبوا إليه من الصلاة عليهم والدعاء

стр. 356

لهم، ويستوي المسلم والكافر في هذه التسمية كما استويا في اسم السيما وهي العلامة على ما مضى وهذا لا يقبله عاقل (١). وأما استدلال المخالف على تأويل هذا بقوله: طبع الدينار والدرهم إذا جعل عليه علامة فلا يسلم له، (٢) بل يقال: طبع الدينار والدرهم إذا ختم عليه بالطبع المنقوش عليه ويسمى الطابع والخاتم، والطبع والختم معنى واحد، وهو: التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه يسمى ختام الكتاب: خاتمة لتغطية ما في باطنه وصيانته عن نظر الناظرين إلى باطنه (٣). والدليل على أن الطابع يستعمل في معنى الختم، ما روي أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليكن كتب في رق ثم طبع عليه بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة" (٤). ومعناه: ختم على الكتاب بطابع. والطبع في اللغة: الوسخ والدنس يغشيان السيف ثم يستعمل فيما يشبه (٥) الوسخ من الآثام والأوزار (٦) ومنه الحديث

стр. 357

عن النبي ﷺ : "استعيذوا (١) بالله من طمع يهدي إلى طبع" (٢). أي إلى دنس. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب" (٣) أي يخلق عليها، ويدل على أن الختم هو التغطية والسد على الشيء قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ (٤) أي تغطي أفواههم ويسد عليها، ولو كان الختم في اللغة هو العلامة لكانت العلامة على أفواههم هاهنا لا تمنعهم عن الكلام ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ (٥) أفترى يحسن استعمال العلامة على الختم على قلوبهم هاهنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ (٦) يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِك﴾ (٧) أي يربط على قلبك فلا تدخله المشقة لأنه شق على النبي ﷺ تكذيب قومه (٨) وهو قوله

стр. 358

: ﴿يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ (١) حين زعم أن القرآن من عند الله، فهل يحسن (٢) استعمال العلامة في شيء من هذا أو يقبله عقل؟ ويدل على أن المراد بالطبع على قلوبهم هو سدها وتغطيتها عن الهداية والإسلام قوله تعالى: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٣) فأخبر أن الطبع أورثهم عدم الفهم، وهذا المعنى لا يوجد في العلامة على القلوب. ويدل على صحة قولنا: ما روي أن قوماً من المنافقين حضروا خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة فلما خرجوا من المسجد قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفاً؟ يعنون الساعة (٤) وقد سمعوا قول النبي ﷺ ولم يفقهوه، فأخبر الله عن أن المعنى الذي أورثهم عدم تفقههم (٥) قول النبي ﷺ (٦) فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي في الكفر، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٧)، فنسب إغفال قلوبهم إليه، كما نسب الطبع على قلوبهم إليه، واتبعوا لذلك أهواءهم ونسب اتباعهم لأهوائهم إليهم، لأنه كسبهم ولأنهم محل لخلق الله ذلك فيهم. ويدل على صحة قوله قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى

стр. 359

أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (١) وقد قرأ بعض القراء (غشاوة) بالنصب فيكون تأويل الآية غطاءاً على قلوبهم فلا تفقه (٢) وعلى أسماعهم فلا تسمع وعلى أبصارهم غشاوة (٣) فلا تبصر (٤)، ولو كان المراد بالختم هاهنا: العلامة، لكانت العلامة على آذانهم وعلى أعينهم مشاهدة يدركها كل أحد كما يدرك العلامة على وجوههم وعلى أبصارهم يوم القيامة ويشاهدها كل أحد، فبطل أن يكون الختم والطبع هو العلامة. واستدل المخالف على تأويله بقوله تعالى: ﴿بَلْ (٥) طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦) فأخبر أن الإيمان بالطبع يحصل من قليل منهم (٧). والجواب: أن هذه الآية حجة عليه، وأن الطبع: هو السد (٨) والتغطية لأن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنون قلوبنا في أكنة: أي عليها الغطاء فلا نفقه ولا نفهم ما يقول محمد ﷺ فقال الله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ أي ختم عليها بكفرهم: أي جعل ذلك مجازاة لهم على كفرهم، وقيل: لما سبق في علمه بكفرهم، وأما قوله: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾

стр. 360

يقول ما أقل ما يؤمنون البيتة، ويجوز أن يكون المراد فلا يؤمنون إلا قليلاً ممن أراد الله منه الإيمان فأزال الطبع عن قلبه (١) لأنه قال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).

стр. 361

٦٢ - فصل يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحداً بالهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهل ساوى بين النبي ﷺ وبين أبي جهل وأبي لهب بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى ﵇ وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن أصلهم الفاسد أن (١) يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) قال النبي ﷺ : "لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه علما" (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة (٥) بالجنة، فكيف يتصور عاقل أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه في اللطف

стр. 362

أن الله سوى بين قلب من قال فيه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (١) وبين قلب من قال الله فيها وهي أم موسى ﷺ : ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ومثلها قوله تعالى في أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ (٣) وهل يتصور التسوية بين من قال الله فيهم: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٤) وبين من قال فيهم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٦). ويقال للمعتزلة والقدرية: قلتم إن الله لم يخص أحداً بالعلم والإيمان ولكنهم آمنوا بأنفسهم فأين أنتم من قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ﴾ (٧) وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ (٩)، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (١٠)، وقال: ﴿عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١١)، وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١٢) فلو كان الإنسان علم نفسه، أو لم يخص أحداً بإيتاء الإيمان والحكمة، أو سوى بين الخلق بذلك لم يكن لذكر تخصيص الله بمن ذكر ممن ذكر معنى.

стр. 363

٦٣ - فصل يقال للقدري: إذا قلتم عن الله سبحانه لم يخص أحداً بالهداية إلى الإيمان والمعرفة، فهل ساوى بين النبي ﷺ وبين أبي جهل وأبي لهب بهذه المنزلة؟ أو هل سوى بين موسى ﵇ وفرعون بهذه المنزلة؟! فمن أصلهم الفاسد أن (١) يقولوا: نعم سوى الله بينهم فيقال لهم قال الله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) قال النبي ﷺ : "لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه علما" (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وهل درجة أفضل من المعرفة بالله، وهل فاضل الله بين الأنبياء بشيء أفضل من المفاضلة بينهم بالمعرفة به سبحانه، وعلى قدر درجاتهم بالمعرفة بالله في الدنيا تكون درجاتهم في الآخرة (٥) بالجنة، فكيف يتصور عاقل أن الله سوى بين أنبيائه وبين أعدائه في الهداية واللطف والتوفيق لمعرفته، ولو حلف حالف بطلاق نسائه ثلاثا ما سوى الله بين أنبيائه وبين أعدائه في اللطف

стр. 364

والهداية إلى الإيمان به (١) لم يحكم أحد ممن له أدنى فطنة في الفقه بطلاق امرأة (٢) من حلف، بل الذي لا شك فيه ولا مرية عند من له فهم ودراية في الفقه أن رجلاً لو قال: امرأته طالق ثلاثاً لقد ضل الله من يقول إن الله لم يساو بين الخلق في الهداية والإيمان على من قال إنه ساوى بينهم بذلك لم يحكم عليه بطلاق امرأته، لأن على ذلك أدلة قطعية من الكتاب والعقل. ولو حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أن القدرية هم الذين يقولون: إنهم يخلقون أفعالهم دون من يقول إن الله خلق أفعالهم لم يحكم بطلاق امرأته على قول جميع الأئمة الذين جعل الله جميع أهل الأرض تابعين لهم وجمع هممهم على ذلك وهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأهل الظاهر ولم يخرج عن هؤلاء إلا من لا يعد قوله خلافاً. استدل المخالف بقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (٣). والجواب: أن نقول لا شك أن الله سبحانه قدر أفعال الشر على يد إبليس وخلقه سبباً للشر، وقال ﷺ : "لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس" (٤)، وروي في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "قال الله عزوجل: أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير والشر وقدرته على يدي من يكون فطوبى لمن خلقت الخير على يديه وويل لمن خلقت الشر على يديه" (٥). ومن أشنع ما شهد به هذا المخالف على نفسه قوله:

стр. 365

إن الله خلق إبليس للعبادة (١). فيقال له: قل إن الله خلق إبليس لما خلق له جبريل وميكال ولما خلق له النبي ﷺ من العبادة ولطف به في الهداية إلى معرفته وطاعته كما لطف بهؤلاء، ولم يفضلهم عليه إلا بالنبوة. وهذا قول يشهد على قائله بالشناعة، فليت شعري من المراد بقوله (٢) تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ (٣)، إن كان إبليس لم يخلق لجهنم؟! وأما تمويهه بتأويل (٤) هذه الآية فلا يقبله من أنعم الله عليه بشيء من العقل وسيأتي بيان فساده (٥).

стр. 366

٦٤ - فصل قال المخالف القدري: وأما استدلال المستدل بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (١). فقد اختلف في تفسيره فمنهم من قال: إن الكفار كانوا إذا سمعوا تلاوة النبي ﷺ للقرآن في صلاة الليل في الحرم أيام كان بمكة في أول الإسلام رجموه وآذوه فأراد الله منعهم من ذلك فألقى عليهم النوم والأمور المانعة من السماع للكلام والفهم له فسمى ذلك حجاباً مستوراً ووقراً في الآذان وأكنة على القلوب وهو قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾ (٢). ومنهم من قال: إنما ذكر الله ذلك على جهة التمثيل ممن هو على هذه الصفة كما سماهم عمياً وبكماً وصماً، وإنما أراد أنهم (٣) بمثابة من هو كذلك وإلا فقد علمنا أنهم لم يكونوا كذلك حقيقة بل كانوا يبصرون ويسمعون ويعقلون أكثر الأشياء، فعلى أي التأويلين حملنا ما أورده (٤) المستدل لم يكن فيه حجة. والجواب أن يقال لهذا المخالف: صحة قولك في التأويل فرع على صحة قولك في التنزيل، فإذا كان قولك في التنزيل غير صحيح وهو أنك لا تقر بأن هذا القرآن كلام الله حقيقة وإنما تطلق ذلك في احتجاجك لتغر العوام أنك تحتج بكلام الله وأن لك تأويلاً صحيحاً، وحقيقة قولك الذي تعتمد

стр. 367

عليه أنه لا كلام لله حقيقة فكيف يقبل منك التأويل، ثم يقال: عمن تروي هذا الاختلاف في التأويل من أهل التفسير، والمشهورون في تفسير القرآن من الصحابة علي وابن عباس وأبي بن كعب وابن مسعود، ومن التابعين أبو العالية (١) ومجاهد وعكرمة (٢) وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار (٣) مولى بني أسد (٤) وطاوس (٥) وعلي بن عبد الله بن عباس (٦) وأبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي (٧) وأبو مالك الغفاري (٨). قال مجاهد: "قرأت القرآن على

стр. 368

ابن عباس ثلاثين مرة من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية فأسأله عنها وعمن نزلت فيه" (١). وقال أبو الجوزاء: "أقمت بالمدينة ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة فسألت ابن عباس عن كل آية في القرآن ظهرها وبطنها وفيمن نزلت" (٢). وقال طاوس: "صحبت ابن عباس أربعين سنة وأدركت سبعين شيخاً من أصحاب النبي ﷺ إذا بدروا (٣) في أمر انتهوا فيه إلى قول (٤) ابن عباس" (٥). وروي أن النبي ﷺ دعا لابن عباس وقال: "اللهم علمه التأويل والتنزيل وفقهه في الدين واجعله من عبادك الصالحين" (٦)، ولم يذكر في كتب

стр. 369

هؤلاء (١) الأئمة شيء من هذه التأويلات التي أوردها هذا المخالف، وإنما ذلك من تخيلات المعتزلة والقدرية وتأويلاتهم الفاسدة التي يرومون بها صرف القرآن عن ظاهره الذي يشهد على بطلان مذهبهم الفاسد، والذي ذكره المفسرون المعتمد على تفسيرهم من الصحابة والتابعين أن الأكنة على القلوب: هي الغشاوة والأغطية عليها، وهي معنى الختم والطبع عليها عن الإيمان الهدى بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه﴾ وهذا يراد به عدم فقههم وفهمهم (٢) لمعاني القرآن المودعة في القرآن (٣)، ولو كان المراد به ما ذكره المخالف من منعهم من أذى النبي ﷺ لما كان لذكر فقههم معنى، ولقال: أن يسمعوه. ويدل على بطلان تأويله أن النوم وغيره من الموانع عن أذى النبي ﷺ لا تسمى أكنة على القلوب ولا وقراً في الآذان، بل تسمى شاغلاً ومانعاً عن الأذى، وهذا المعنى الذي ذكره معلوم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ (٤) وقد كان النبي ﷺ تحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فأخرج النبي ﷺ رأسه إلى أصحابه بالليل وقال: "يأيها الناس انصرفوا (٥) فقد عصمني الله من الناس" (٦).

стр. 370

ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ (١). ومعنى الآية أن الله يسمع الإيمان من يشاء من خلقه أن يفقههم ويفهمهم، وما أنت بمفقه (٢) الكفار الإيمان الذين هم بمنزلة من في القبور (٣)، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لآسْمَعَهُمْ﴾ (٤) يعني لأعطاهم الإيمان (٥) ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج في صدورهم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لما سبق عليهم في علم الله أنهم لا يؤمنون. وأما قول المخالف: إنما ذكر ذلك على جهة التمثيل فإنما يحسن هذا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ أي هم (٦) بمنزلة من في القبور، وأما قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّة﴾ في مواضع كثيرة من القرآن فلا يصح (٧)؛

стр. 371

لأنها كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظا﴾ (١) وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٢) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (٣)، فخلق كل قوم لما لم يخلق له الآخرين، فمن قال: إن الله لم يجعل على قلوبهم أكنة وإنما شبههم به فقد رد على الله خبره وصرف الكلام إلى غير ظاهره لغير ضرورة ولا معنى يدل على ذلك.

стр. 372

٦٥ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) وأخبر سبحانه أنه عم جميع الخلق بالدعاء إلى دار السلام (٢) وهي الجنة، وأخبر أن الهداية منه إلى إجابته خاصة لبعضهم (٣). فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا عموم في هذا لأن قوله: (يدعو) فعل مستقل، والعموم أحد أقسام الأسماء ولا يدخل في الأفعال، وأما قوله: فإن الهداية إلى الإجابة خاصة لبعضهم فليس في الآية ما يدل على تخصيص بعض المكلفين بالهداية دون بعض، فإن أكثر ما فيها أنه يهدي من يشاء وليس فيها بيان من يشاء هدايتهم، فيحتمل أنه يريد الهداية العامة فيكون تخصيصاً للمكلفين جميعاً دون من لم يشأ تكليفه كالمجانين ومن شاكلهم، ويحتمل أنه يريد الهداية التي تختص بالمؤمنين وهي الزيادة في التوفيق والتسديد أو الثواب على ما مضى (٤). والجواب أن يقال له: أما قولك بأنه لا عموم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلام﴾ لأنه فعل (٥) فهذا يدل على إفلاسك من العربية وجهلك بأقسام العموم. والمعنى فيما ذكر أنا لا ننكر أن قوله (يدعو) فعل مستقل يتعدى إلى مفعول وهم الخلق المدعون إلى دار السلام، والسلام: هو اسم من أسماء

стр. 373

الله تعالى كقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ (١) فهو يدعو عباده إلى داره وهي الجنة، ويجوز أن يكون سماها دار السلام لأن من صار إليها سلم من الآفات والعذاب (٢)، والدليل على صحة ما ذكرنا أن قولك: دعا يدعو من أفعال التي تتعدى إلى مفعول، فيفهم ذلك بالإطلاق كقولك ضرب وقتل، فلما حذف المفعول دل على أنه أراد دعاء جميع المكلفين (٣)، فلما قال بعده: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كان الظاهر أن الهداية منه إلى بعض من تقدم ذكره في الدعاء. وأما قول المخالف: إنه أراد بالهداية هاهنا الهداية العامة فتكون لبعض المكلفين وهم العقلاء والبالغون. فالجواب أنه لا يصح حمل الآية على هذا لأن المجانين والصغار غير داخلين في التكليف، فهم غير داخلين في عموم المدعين، لأنه لم يدع الخلق إلى دار السلام إلا بالتكليف، وهو: الإيمان به والشرائع، وهؤلاء غير داخلين في الخطاب العام، فيكون المكلفون مخصوصين بالهداية، وأيضاً فإن الهدى العام هو: البيان والدلالة، ولا يجوز أن يخص بالبيان والدلالة بعض الخلق دون بعض (٤)، وإذا بطل هذا ثبت أن المدعيين إلى دار السلام هم جميع المكلفين الداخلين في واجبات التكليف، وأن الهداية إلى الإجابة خاصة منه لبعضهم.

стр. 374

وأما قوله: يحتمل أنه يريد بالهداية هي التي تختص بالمؤمنين من الزيادة في التوفيق والتسديد، فهذا غير صحيح لأنه علق ذلك على من يشاء ولم يخص به المؤمنين الذين اهتدوا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) لا يختص به المؤمنون ولا الكافرون (٢). وأما قوله يحتمل أنه (٣) أراد بالهداية هاهنا الثواب في الآخرة غير صحيح، لأنا قد بينا أن حمل الهدى على الثواب لا يصح في اللغة ولا دليل عليه من الشرع (٤) وعلى أنه لو صح أن الهدى يحمل على الثواب لم يعلقه الله بمن يشاء لأن الثواب يكون للمطيعين، وعندكم أن الله لو لم يثب المطيعين لظلمهم فلا يجوز تعليقه على مشيئته، وأيضاً فإنه قال في الآية: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والصراط المستقيم قيل: "هو الإسلام" (٥)، وقيل: "هو كتاب الله" (٦)، وقيل: "هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره" (٧). وقال ابن عباس: "هو طريق الجنة" (٨).

стр. 375

والصراط: "الطريق بلغة الروم" (١) وهذا كله يدل على أنه لا يمكن حمل الهدى هاهنا على الثواب في الآخرة.

стр. 376

٦٦ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ (١) فنسب الله سبحانه الإرادة في الهداية بشرح صدور المسلمين (٢) إليه، ونسب الإرادة في إضلالهم وجعل صدورهم ضيقة حرجة إليه، وهذا كله أدلة على القدرية لا مخرج لهم عنها. فأجاب المخالف القدري عن هذا الاستدلال وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية وذلك لما بينا أن الهداية منقسمة إلى معان، أحدها: الثواب، والضلالة منقسمة إلى معان أحدها: العقاب (٣)، فمعنى الآية من يرد الله أن يثيبه من المؤمنين يقدم له شرح الصدر الذي من جملة الثواب العاجل وزيادة اللطف لأجل الإسلام الذي فعله هو، فيكون عند الشرح أقرب إلى الاستقامة على ما هو عليه من الإيمان، ومن يرد أن يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر الذي هو جار مجرى العقاب على كفره، فيصير صدره ضيقا حرجا بما هو عليه من الكفر ليكون أقرب إلى الانتقال عن الكفر الذي هو سبب ذلك الحرج في الدنيا والعقاب، وقد دل على أنه أراد بذلك عقابهم بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. والرجس هو العقاب فأخبر أنه جعل عليهم الرجس لما لم يؤمنوا. والجواب أن الهدي يعود إلى معنيين: أحدهما: هدي بيان ودلالة، وهذا هو الهدي (٤) لجميع المكلفين، وهو

стр. 377

الهدي الذي أخبر الله أنه هَدَى له ثمود، والهدي المضاف إلى الرسل. والهدي الثاني: هدي تأييد وتوفيق، وهو هدي الله للمؤمنين، وهو الهدي الذي لم يجعله الله إلى النبي ﷺ ولا إلى غيره من الرسل، بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وهو المراد بالهدي في هذه الآية التي نحن فيها، يشرح له الصدر: أي يوسعها ويفتحها للإسلام (٢). فأما ما ادّعاه المخالف: من أنه قد ورد في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِم﴾ (٣). والمراد به الثواب، وعلى هذا يحمل الهدى في هذه الآية فغير مستقيمة في لغة ولا شرع، وقد قرئ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقرئ: ﴿قَتَلُوا﴾ بفتح القاف والتاء، أي قتلوا غيرهم وهم أصحاب بدر ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ (٤) فيكون تأويل الآية على هذا: سيهديهم في الدنيا هداية التأييد والتوفيق (٥) بدليل قوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ والبال هاهنا: هو سعة الرزق في الدنيا، وقيل عبر بالبال عن القلوب بدليل قول العرب: لم يخطر هذا على بالى (٦) أي على قلبي، ونقول لغيرك: اجعلني واجعل حاجتي على بالك، أي على قلبك (٧)، وأما قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ فأخبر (٨) عما يفعل لهم في الآخرة بعد إخباره عما يفعل لهم في الدنيا، فيكون تأويلنا هذا أولى من تأويلهم؛ لأن ذلك

стр. 378

يفيد الإخبار عن إنعامه عليهم في الدنيا والآخرة، وعلى ما ذكره المخالف يكون مكرراً عن معنى واحد؛ لأن الثواب هو الجنة والجنة هي الثواب، ومتى أمكن حمل الكلامين على فائدتين محددتين كان أولى من الحمل على فائدة واحدة مكررة. وأما قراءة من قرأ ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف، وقراءة من قرأ ﴿قُتِّلُوا﴾ بالتشديد وهم قتلى بدر ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ فإن تأويل الآية على هذا: سيهديهم في القبور عند المسألة منكر ونكير إلى القول الثابت بالتوحيد، وهو قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١) والقول الثابت: قول لا إله إلا الله، وهذا مما يرده القدرية ويجحدونه وينكرون عذاب القبر ومسألة منكر ونكير، ويقولون إن الله لم يثبت الذين آمنوا وإنما هم ثبتوا أنفسهم. والآية حجة عليهم (٢)، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله (٣). ثم أخبر بما ينعم به عليهم في الآخرة وقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قيل: طيبها لهم (٤)، وقيل: يعرفهم منازلهم فيها (٥) ويكون (٦) في هذا التأويل حمل

стр. 379

الكلام على فائدتين محددتين على ما مضى (١). وأما قول المخالف: إن الضلال قد يراد به العقوبة (٢) واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (٣) فغير مسلم له، بل نقول: المراد بهذه الآية أن المجرمين في ضلال من الدين، وسعر يعني بعداً من الحق، وقيل: في شغل وعنا. وروي أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقال: "هذه الآية أنزلت في أناس يكذبون بالقدر" (٤) ويدل على صحة هذا التأويل إخبار الله عن ثمود وهم قوم صالح في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٥) وأرادوا وصف أنفسهم في هذا الحال، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦) وأراد وصف المنافقين بالفسق، وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٧) فأثبت الخلق لنفسه ونفى الخلق عن غيره ثم قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فوصف من أثبت الخلق لغير الله سبحانه بالظلم وأنهم في ضلال مبين، وأراد في ضلال من الدين، مبين أي بين، وهذا كوصف الله المجرمين أنهم في ضلال (٨)، وسعر أي في عناء أو في بعد من الحق. وأما استدلاله على تأويله بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (٩) فلا

стр. 380

يدل على أنه أراد وصفهم بالضلال يوم يسحبون وإنما أخبر سبحانه عما يصنع بهم في الآخرة فقال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ فحذف يقال لهم لدلالة الكلام عليه (١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) أي يقال: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وأما قول المخالف: إن شرح صدور المؤمنين من الله من جملة الثواب على الإسلام الذي فعلوه فيه (٣)، فيقال لهم: هل شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا أو بعد أن يسلموا؟ فإن شرح الله صدورهم قبل أن يسلموا فكيف أثابهم على فعل شيء لم يوجد منهم؟ وإن قلتم: إنه شرح صدورهم بعد أن أسلموا قيل لهم: زاد إيمانهم بهذا الشرح أو لم يزد؟ فإن لم يزد إيمانهم بذلك فما أفاد هذا الشرح فائدة إذا لم تظهر له فائدة. وإن قلتم ازداد إيمانهم (٤) بهذا الشرح أدى ذلك إلى إبطال قولكم إن الإيمان لا يزيد (٥). ثم يقال لهم: أيثيبهم الله على هذه الزيادة التي كانت من الله لهم بشرح صدورهم أم لا؟ فإن قلتم: لا يثيبهم عليها، قلنا: فلا فائدة منها ولا وجه لامتنان الله بذلك عليها، وإن قلتم بل يصيبهم الله عليها كما يثيبهم على ما خلقوه لأنفسهم قبل ذلك، قلنا لهم وكيف يثيبهم الله على شيء خلقه (٦) فيهم كما لا يثيبهم على خلقه لألوانهم وصورهم؟، وأيضاً فإنه يؤدي إلى أن

стр. 381

يكون إيمانهم شيئاً واحداً بعضه خلقوه لأنفسهم، وبعضه خلقه الله فيهم وقد نفى الله أن يكون له شريك فيما خلق. وأما قول المخالف: إن بهذا الشرح يكون المؤمن أقرب إلى الاستقامة على ما هو عليه من الإيمان، فيقال له: فهل علم الله أن هذا المؤمن يستقيم على إيمانه قبل الشرح لو لم يشرح صدره، أو علم أنه لا يستقيم؟ فإن علم أنه لا يستقيم لو لم يشرح صدره أدى ذلك إلى أنه أجبره على الاستقامة بالشرح وأدى إلى أنه لا يستحق الشرح (١)، وإن قلتم: بل علم أنه يستقيم قبل الشرح، قلنا: فلا فائدة بهذا الشرح، ثم يقال لهذا المخالف ولأهل مذهبه: إذا جاز في العقل والشرع أن يشرح صدور خلقه للإيمان ثواباً منه في الدنيا على ما كان منهم من الإيمان ويثيبهم على هذه الزيادة في الآخرة فما المانع لكم من أن تصفوه بأنه يبتدئ الشرح في صدورهم للإيمان تفضلاً منه وإنعاماً عليهم في الدنيا على غير عمل سبق منهم ويثيبهم على ذلك في الآخرة، وتقولوا كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وكقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ (٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٤) وقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٥) وليس فضل أفضل من الإيمان، وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٦) وهلا قلتم كما أخبر الله عن أهل الجنة إذ استقروا في منازلهم فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٧) وتأويله الذي هدانا بالإسلام (٨) إلى هذا الخير ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ فنفوا عن أنفسهم الاهتداء لولا

стр. 382

أن هداهم الله، وهذا يرد قول القدرية، وبمثل هذا أخبر الله عن أهل النار بقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة (١) ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ لدينه وطاعته ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ (٢) لدينه فنسبوا الهداية إلى الله سبحانه، والهدى في هذا كله لا يحتمل إلا التأييد والتوفيق إلى الإسلام. وروي أن الحسن بن علي – ﵁ – قال: "علمني رسول الله ﷺ أن أدعو في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت … " (٣) إلى آخر الكلمات. وهذا الخبر مما تلقته الأمة بالقبول، وعمل به الأئمة الأعلام (٤) وهو موافق لما أمر الله عباده أن يدعوه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٥)

стр. 383

أي أرشدنا الطريق وعرِّفناه وثبتنا عليه، وقيل معناه وفقنا وسددنا (١) فدل على أن الهداية من الله، وروي أن النبي ﷺ كان ينقل التراب يوم أمر (٢) بحفر الخندق وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا … ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا (٣) وهذا موافق لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ (٤) ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٥). وأما تأويل المخالف لقول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ الآية بأنه أراد من يعاقبه من العصاة يقدم له حرج الصدر (٦)، فقد بينّا أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقوبة (٧) وإن سلّمنا له ذلك تسليم جدل لا تسلم نظر قلنا: فهل أراد عقوبته بإحراج صدره قبل وجود الكفر منه أو بعد وجود الكفر منه؟ فإن قال: أراد ذلك قبل وجود الكفر منه، قلنا: فقد وافقت أن الله أراد العقاب والكفر الذي نهى عنه قبل وقوعه (٨)، وإن قال: أراد ذلك بعد

стр. 384

وجود الكفر من الكافر، قلنا لك: فقولك هذا يؤدي إلى أن الله خلق إرادته وأحدثها بعد أن (١) لم تكن، وهو سبحانه ليس بمحل لحوادث (٢)، ثم يقال له أراد تلك الإرادة بإرادة قبلها أم بغير إرادة؟ فإن قال: بل بغير إرادة – ولا يقول إن له إرادة بالجملة (٣) – قلنا: فيجوز وقوع الأفعال منه جميعاً وهو غير مريد لها فليس تقدم ما تقدم من الأشياء الحادثة بأولى من تأخرها، ومن قال: إن الله سبحانه خلق السموات والأرض ومن فيهن وهو غير مريد لخلقها أو لا إرادة له بخلقها يخرج من حيز العقلاء ويدخل في جملة البهائم والمجانين من بني آدم وقد سقط عنا جواب كلامهم فلا فائدة بالكلام معهم. ثم نقول له مع ذلك: فهل بخلق الله الحرج في صدره ازداد كفره أو لم يزدد؟ فإن قالوا: لم يزدد، قلنا: فلا عقوبة إذاً، وإن قالوا: بل ازداد كفره، قلنا: فقد وافقت (٤) أن الله خلق الكفر في صدور الكفار وهو كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٦) وقد وجد الكفر في صدر الكافر، بعضه من خلق الكافر وبعضه من خلق الله، فهل يقدر الكافر على تمييز ما خلق في نفسه من الكفر عما خلقه الله فيه من الزيادة فيه؟ فإن ادعى مدّع أنه يقدر على ذلك ادعى البهت وعُلم خطؤه بذلك ضرورة، وإن قال: لا يقدر على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله قلنا له: فهو الخالق للجميع بدليل قوله تعالى: ﴿أَلا

стр. 385

يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (١) وأيضاً فيقال له: فهل يعاقبه الله على ما خلق في صدره من الزيادة والحرج في الكفر في الآخرة كما عاقبه في الدنيا بزيادة الحرج؟ فإن قال: لا يعاقبه عليه، فلا عقوبة هاهنا أيضاً، وإن قال: بل يعاقبه على تلك الزيادة كما يعاقبه على الكفر الذي خلقه الكافر بنفسه. قلنا: فقد وافقت أن الله عذب الكافر على ما خلق فيه فدخلت فيما أنكرت على خصمك. وأما قول المخالف: إنما عاقبه بذلك (٢) ليكون أقرب إلى الانتقال عن الكفر الذي هو سبب ذلك الحرج، فإن هذا كلام متناقض يشهد على قائله بقلة التمييز، فكيف يكون خلق الله الكفر بصدر سبباً داعياً له لانتقال الكفر؟ هذا كقول القائل: خلق الله الحركة في المتحرك علة أو سبباً للسكون أو خلق السكون علة للتحرك، وكان اللائق بمذهب المخالف وتمويهه أن يقول خلق الله الإيمان بقلب الكافر ليكون أقرب له إلى الانتقال عن الكفر الذي خلقه الله بقلبه ولكن لم يقبله قلبه، ولو قال هذا، قلنا: لو خلق الله الإيمان في قلبه لانتفى عنه الكفر؛ لأنهما لا يجتمعان معاً (٣)، مع أنهم لا يقولون خلق شيئاً من أفعال العباد طاعة ومعصية، وإنما يقولون أراد وقوع الطاعة لا غير. وأما استدلال المخالف على تأويله (٤) هذا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥). فالجواب: أنه لا حجة له بأنه جعل عليهم الرجس بعد أن لم يؤمنوا، وما تنكر أن يقول خصمك: بل جعل الرجس على قلوبهم فمنعهم عن

стр. 386

الإيمان كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ (٢) مع أن الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل (٣)، ويقال: الرجس المأثم ومنه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٤) أي المأثم والكفر (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٦) والرجس: العمل الذي يؤدي إلى العذاب (٧) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٨) يعني اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة (٩). وإن حملنا الرجس في هذه الآية التي نحن فيها على المأثم والكفر وكل ما استقذر من العمل فهو حجة على الخصم لا له، وإن حملناه على اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة فهو عقاب من الله على ما سبق بعلمه وتقديره عليهم من الإضلال وجعله لصدورهم ضيقة حرجة.

стр. 387

٦٧ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). فأجاب المخالف عن هذه بنحو أجوبته فيما مضى على أن المراد بالإضلال العقاب في الدنيا والآخرة (٢) وبالختم العلامة على القلب (٣). والجواب عن هذا: ما مضى على أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقاب (٤)، ولا يستعمل الختم في موضع العلامة على القلب لما تقدم ذكره (٥). ويقال له: هذه الآية (٦) نزلت في النضر بن الحارث السهمي، كان من المستهزئين (٧) وكان يعبد الأوثان، فإذا رأى وثناً أحسن من الأول عبده وترك الأول (٨) فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى

стр. 388

عِلْم﴾ (١) أي أضله الله عن الدين على علم، أي على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضال. وروي عن ابن عباس أنه قال: "علم قد علمه عنده" (٢)، وقيل: "على علم أنه لا ينفعه ولا يضره) (٣)، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا يسمع (٤) الهدى، وعلى قلبه فلا يعقل الهدى ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ يعني (٥) الغطاء ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ إذا أضله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٦) وكقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٧) ويدل على صحة هذا التأويل أنه أراد به إضلالهم عن الدين في الدنيا ما أخبر به عن قولهم بعد هذا (٨) فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ … ﴾ (٩) الآية، أي وما يميتنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار ولا نبعث، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (١٠) أنهم لا يبعثون (١١) ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي ما يستيقنون (١٢).

стр. 389

٦٨ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الآيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١). (فامتن الله على المؤمنين بأنه حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان) (٢)، فلو كان فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه بذلك على المؤمنين معنى. فأجاب المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بذلك لأن عامة ما في ذلك أنه ذكر المؤمنين ولم يذكر الكفار، فإغفال ذكرهم لا يدل على أن حكمهم مخالف لحكم المؤمنين إلا عند من لا بصيرة له ممن تمسك بدليل الخطاب وهو باطل عندنا (٣). وقوله: لو فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه على المؤمنين معنى، بل فيه فائدة من وجهين: أحدهما: أن المؤمنين أعظم انتفاعاً به من الكافر. والثاني: أنه (٤) خصهم بالذكر تعظيماً لمرهم، وإن كان الكفار قد شاركوهم في ذلك، لأن الله تعالى إنما زين الإيمان في قلوب المؤمنين بما علق به من الأحكام الشريفة (٥) والأسماء الحسنة والمدائح العظيمة في الدنيا، وبما وعد (٦) عليه من الثواب الجزيل، وقد اطلع الفار على ذلك ورغب الجميع غاية الترغيب وحسنه عند الجميع، ولذلك أسلم

стр. 390

كثير من الكفار، ولولا أنهم كانوا من جملة من حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ما كانوا من الراشدين، ومن أصر منهم على الكفر فليس لأن الله زين له ما هو عليه، بل زينه الشيطان ما قال: ﴿وَإِذْ (١) زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل﴾ (٣)، هذا نكتة قوله ومعتمده. والجواب أن يقال لهذا المخالف: طعنك على المستدل بدليل الخطاب بأنه لا بصيرة له طعن منك على الصحابة – ﵃، وهذا دأبك ودأب أهل مذهبك في الطعن عليهم، وهذا أدل دليل على قلة البصيرة من الطاعن (٤) عليهم، وذلك أن الصحابة – ﵃ استدلوا بدليل الخطاب، يروى عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر – ﵁: ما لنا نقصر الصلاة في السفر وقد آمنَّا والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥)، فقال عمر – ﵁: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٦). وهذا يدل أنهما (٧) فهما من تعليق القصد على حال الخوف بأنه لا يجوز القصر في
следующие страницы →