← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الإيمان كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ (٢) مع أن الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل (٣)، ويقال: الرجس المأثم ومنه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٤) أي المأثم والكفر (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٦) والرجس: العمل الذي يؤدي إلى العذاب (٧) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٨) يعني اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة (٩). وإن حملنا الرجس في هذه الآية التي نحن فيها على المأثم والكفر وكل ما استقذر من العمل فهو حجة على الخصم لا له، وإن حملناه على اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة فهو عقاب من الله على ما سبق بعلمه وتقديره عليهم من الإضلال وجعله لصدورهم ضيقة حرجة.

стр. 387

٦٧ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١). فأجاب المخالف عن هذه بنحو أجوبته فيما مضى على أن المراد بالإضلال العقاب في الدنيا والآخرة (٢) وبالختم العلامة على القلب (٣). والجواب عن هذا: ما مضى على أن الإضلال لا يستعمل في موضع العقاب (٤)، ولا يستعمل الختم في موضع العلامة على القلب لما تقدم ذكره (٥). ويقال له: هذه الآية (٦) نزلت في النضر بن الحارث السهمي، كان من المستهزئين (٧) وكان يعبد الأوثان، فإذا رأى وثناً أحسن من الأول عبده وترك الأول (٨) فهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى

стр. 388

عِلْم﴾ (١) أي أضله الله عن الدين على علم، أي على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضال. وروي عن ابن عباس أنه قال: "علم قد علمه عنده" (٢)، وقيل: "على علم أنه لا ينفعه ولا يضره) (٣)، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا يسمع (٤) الهدى، وعلى قلبه فلا يعقل الهدى ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ يعني (٥) الغطاء ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ إذا أضله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٦) وكقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٧) ويدل على صحة هذا التأويل أنه أراد به إضلالهم عن الدين في الدنيا ما أخبر به عن قولهم بعد هذا (٨) فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ … ﴾ (٩) الآية، أي وما يميتنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار ولا نبعث، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (١٠) أنهم لا يبعثون (١١) ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي ما يستيقنون (١٢).

стр. 389

٦٨ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الآيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (١). (فامتن الله على المؤمنين بأنه حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان) (٢)، فلو كان فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه بذلك على المؤمنين معنى. فأجاب المخالف عن ذلك وقال: لا حجة لهذا المستدل بذلك لأن عامة ما في ذلك أنه ذكر المؤمنين ولم يذكر الكفار، فإغفال ذكرهم لا يدل على أن حكمهم مخالف لحكم المؤمنين إلا عند من لا بصيرة له ممن تمسك بدليل الخطاب وهو باطل عندنا (٣). وقوله: لو فعل ذلك للكافر لم يكن لامتنانه على المؤمنين معنى، بل فيه فائدة من وجهين: أحدهما: أن المؤمنين أعظم انتفاعاً به من الكافر. والثاني: أنه (٤) خصهم بالذكر تعظيماً لمرهم، وإن كان الكفار قد شاركوهم في ذلك، لأن الله تعالى إنما زين الإيمان في قلوب المؤمنين بما علق به من الأحكام الشريفة (٥) والأسماء الحسنة والمدائح العظيمة في الدنيا، وبما وعد (٦) عليه من الثواب الجزيل، وقد اطلع الفار على ذلك ورغب الجميع غاية الترغيب وحسنه عند الجميع، ولذلك أسلم

стр. 390

كثير من الكفار، ولولا أنهم كانوا من جملة من حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ما كانوا من الراشدين، ومن أصر منهم على الكفر فليس لأن الله زين له ما هو عليه، بل زينه الشيطان ما قال: ﴿وَإِذْ (١) زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيل﴾ (٣)، هذا نكتة قوله ومعتمده. والجواب أن يقال لهذا المخالف: طعنك على المستدل بدليل الخطاب بأنه لا بصيرة له طعن منك على الصحابة – ﵃، وهذا دأبك ودأب أهل مذهبك في الطعن عليهم، وهذا أدل دليل على قلة البصيرة من الطاعن (٤) عليهم، وذلك أن الصحابة – ﵃ استدلوا بدليل الخطاب، يروى عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر – ﵁: ما لنا نقصر الصلاة في السفر وقد آمنَّا والله يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥)، فقال عمر – ﵁: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٦). وهذا يدل أنهما (٧) فهما من تعليق القصد على حال الخوف بأنه لا يجوز القصر في

стр. 391

الأمن (١) وأقرهما النبي ﷺ على هذا الاستدلال. وروي: أن ابن عباس – ﵄ خالف الصحابة –﵃ في توريث الأخت مع الابنة، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٢) وهذا تعلق منه بدليل الخطاب وأنها لا تستحق مع وجود الولد (٣)، وهو ترجمان القرآن ومن فصحاء الصحابة وعلمائهم، ولم ينكر عليه أحد الاستدلال بدليل الخطاب، وإنما احتجوا عليه بما هو أقوى منه، وهو قوله ﷺ : "الأخوات مع البنات عصبة" (٤). فدل على أن المراد بهذه الآية الذكر (٥)، وروي أن جماعة من الصحابة – رضي

стр. 392

الله عنهم - وهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي وسعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، قالوا في الاكسال: وهو إنزال الذكر في الفرج من غير إنزال، لا يوجب الغسل (١) واحتجوا بقول النبي ﷺ : "الماء من الماء" (٢)، وقال غيرهم من الصحابة: "يجب الغسل" (٣) واحتجوا عليهم بقول النبي ﷺ : "إذا التقى (٤) الختانان وجب الغسل" (٥).

стр. 393

وقالت عائشة – ﵂: "فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (١)، فأقرت الصحابة الأنصار على الاستدلال بدليل الخطاب (٢)، واحتجوا عليهم بالنصر بالقول والفعل. وكذلك العلماء احتجوا بأن المطلقة البائن الحائل (٣) لا نفقة لها على الزوج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٤)، وبأن شهادة غير الفاسق تقبل، واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥) فدل على أنه إذا جاءهم من ليس بفاسق أن يقبل قوله (٦). فإذا تقرر هذا الاستدلال ممن ذكرنا من الصحابة والعلماء فكفى لهذا

стр. 394

المخالف نقصاً انتقاصه لهم، ولم نسلك (١) طريقهم في الاستدلال بما ذكرنا على (٢) دليل الخطاب وإن كان دليلاً صحيحاً عندنا، وإنما استدللنا بما أخبر الله بكتابه، وبأنه (٣) أنعم على المؤمنين بما لم ينعم به على الكافرين، فقال في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. ووصفهم بأنهم الراشدون بما فعله لهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ وأخبرنا في (٤) آية أخرى بتخصيصه لهم أنه لولا فضل الله عليهم ورحمته ما زكوا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ (٦)، وكذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٧)، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٨) وهي النعمة التي أنعم الله بها عليه بالإيمان. وأخبر (٩) الله أنه فعل بالكفار ضد ما فعل بالمؤمنين فقال: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (١٠)، وقال في آية أخرى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١١). قال الحسن البصري: "الشرك سلكه الله في قلوب المجرمين" (١٢) وقال

стр. 395

مجاهد: "يسلك التكذيب والضلال" (١) أي يدخله في قلوب المجرمين يقال سلكه وأسلكه لغتان يقال: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها (٢)، قال الشاعر: وقد سلكوك في أمر عصيب (٣) ويدل على صحة ما لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤)، فأخبر سبحانه أنه زين للذين لم يؤمنوا أعمالهم وهو ضلالهم وكفرهم فهم لذلك يعمهون ويترددون في ضلالهم (٥)، وهذا بخلاف ما أخبر الله عن صنعه بالمسلمين (٦) بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٧) والطاغوت الأوثان (٨)، ﴿وَأَنَابُوا﴾ أي رجعوا عن عبادة الأوثان إلى عبادة الله ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ يعني الجنة ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ أي بالجنة، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ يعني القرآن

стр. 396

﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه﴾ أي أحسن ما في القرآن من طاعة المطيعين لله ولا يتبعون المعاصي التي عملها من قبلهم من الأمم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لطاعته ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ يعني أهل اللب والعقل في الدنيا (١). وقيل: إن هذه الآية ونظيرتها في الأعراف نزلتا في ثلاثة نفر وهم: زيد بن عمرو بن نقيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله لم يأتهم كتاب ولا نبي إلا أنهم استمعوا أقوال الناس فكان أحسنها قول لا إله إلا الله فاتبعوه وتركوا أقوال من خالفه (٢). وأما قول المخالف: إن الله قد زين الإيمان في قلوب الكفار وحبه إليهم كم حببه وزينه في قلوب المؤمنين إلى آخر كلامه، فغير صحيح، لأنه لو ساوى بينهم في الهداية لاهتدوا لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٣)، ولأنه لو صح أن يقال: هداهم فلم يهتدوا لصح أن يقال: قد حركهم فلم يتحركوا، وقد سكن جوارحهم فلم يسكنوا، ولأن الله قال في آخر الآية في الذين حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. ومعلوم أن الراشدين هم المؤمنون دون الكفار فكان نتيجة تحبيب الإيمان إليهم الرشد، كما أخبر عمن طبع على قلبه بأن نتيجة ذلك الغفلة والخسران بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٤) وفي أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥).

стр. 397

وأما قول المخالف: بأن الله لم يزين للكافرين أعمالهم، وإنما زينها لهم الشيطان، فقد بينا أن الله زين لهم أعمالهم بقوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١)، ونسب (٢) ذلك إلى الشيطان بأنه (٣) زينه لهم بوسوسة الشيطان، والشيطان ووسوسته خلق الله بدليل أن الله أمر نبيه ﷺ أن يتعوذ به (٤) من الشيطان ومن وسوسته بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٥) وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٦) ولولا أنهما خلق الله لما استعيذ به منهما. وأما قول المخالف: بأن التحبيب هو الترغيب بما وعد في الجنة من النعيم، وقد اطلع الكفار على ذلك ولهذا اسلم خلق منهم. فالجواب: أنا لا ننكر أنه قد ساوى بينهم في الدعاء إلى طاعته وفي الترغيب والترهيب، وإنما المختلف فيه هو الخصيصة في قلوب المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨)، فدل على أنه قد خص برحمته وفضله من يشاء من عباده ولم يعمهم بذلك كما عمهم بالخلق والدعاء إلى طاعته.

стр. 398

٦٩ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١)، ففرق الله في هذه الآية بين من شرح (٢) صدره الإسلام وبين من لم يشرح صدره بتوعده لهم بالويل وأخبر أنهم في ضلال مبين. فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة لنا في هذه الآية لأن الله نسب شرح الصدر إليه، وما نسب قسوة القلب غليه بل ذم عليها وتوعد (٣) أهلها وذلك يدل على أنها فعلهم. والجواب: أن في الآية إضماراً وتأويلها ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ يعنى وسع قلبه وفتحه للتوحيد فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته (٤). وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله ما معنى قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه﴾، فقال النبي ﷺ : "إن النور إذا وقع في القلب انشرح الصدر"، فقال الرجل: فهل لذلك من علامة تعلم. قال: "نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتأهب للموت قبل نزول الموت" (٥). ويدل على صحة قولنا، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٦) فنسب الله جعل القساوة في قلوبهم إليه في هذه الآية، كما

стр. 399

نسب شرح صدر المؤمنين إليه في هذه الآية. مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ (١). وقد مضى بيان صحة (٢) تأويلنا فيها وفساد تأويل المخالف فيها (٣). وأما استدلال المخالف بقوله لما ذمهم الله على قسامة القلوب وتوعدهم عليها دل على أن ذلك خلقهم لا من خلقه. فالجواب أن يقال له: فقد مدحهم الله على انشراح صدورهم بالإسلام، ووعدهم الجزاء عليه، وأخبر أنه شرح صدورهم للإسلام، فإذا لم يمتنع أن يخلق فيهم الشرح في الصدر ويمدحهم عليه ويثيبهم عليه لم يمتنع أن يخلق فيهم القسوة ويذمهم عليها ويعذبهم عليها. وأما إضافة القساوة إليهم فلكونها كسباً لهم وقعت باختيارهم، ولأنهم محل لخلق الله لها.

стр. 400

٧٠ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢)، وعند القدرية أن الله جعل النور لجميع المكلفين فهذا رد نهم لخبر الله سبحانه. فأجاب المخالف عن هذا وقال: قد سمى الله القرآن نوراً والإسلام نوراً والثواب في الآخرة نوراً، ولا شك أن بعض ذلك يخص المؤمنين وبعضه يعم المكلفين كنور القرآن والرسالة، وذلك متوجه إلى المكلفين، فمن قبله نفع نفسه ومن حاول إطفاء نور الله فالله متم نوره. والجواب: أن هذا تسليم من هذا المخالف لما أردنا أن الله سبحانه خص المؤمن بشيء من النور المذكور في القرآن، وهو النور في قلبه بمعرفة الله، لأن أصل النور هو الشيء الذي يبين الأشياء، فالله سبحانه نور. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالآرْض﴾ (٣).

стр. 401

فقيل معناه: منور السموات والأرض (١)، وقيل: هادي أهل السموات والأرض (٢)، ﴿مَثَلُ نُوِهِ﴾ أي الذي هدى به وأصاب سبيل الحق وأراد بقلب المؤمن (٣)، أي مثل نور الله في قلب المؤمن (٤) ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي الكوة غير

стр. 402

نافذة (١) وقيل: المشكاة (٢) من المشكاة القائم في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة (٣) ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ والمصباح النور الذي في قلبه، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ وهي قلبه فقد مضيء كأنه كوكب دري وهذا المضيء (٤)، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يعني شجرة الزيت، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾. قال الحسن: والله ما هذه من شجر الدنيا، ولو كانت من شجر الدنيا لكانت شرقية أو غربية (٥)، وقال غيره: بل في قلعة مرتفعة تصيبها الشمس عند الشروق والغروب فلم تخلص لأحدهما (٦)، إلى قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي للإيمان به من يشاء (٧) وهذا موضع التخصيص، ويدل عليه انه ضرب للكافر مثلاً، فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا … ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً﴾ أي في قلبه كما جعله في قلب المؤمن ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فهذا يبطل قول القدرية في أن الله سوى بين المؤمن والكافر في تنوير القلوب.

стр. 403

وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ (١) فأراد به اليهود والنصارى الذين غيروا صفة النبي ﷺ وكتموها، والنور هاهنا دين الإسلام ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ يعني دين الإسلام يظهره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وهم اليهود والنصارى (٢).

стр. 404

٧١ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١). فأخبر سبحانه أنه الميسر لليسرى والعسرى، والتيسير: التهيئة. فأجاب المخالف القدري وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية لأنه أخبر أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى يسره للجنة، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى يسره للنار، فلولا أن الأفعال من المحسن منهم والمسيء لما استحق المحسن ثواباً ولا المسيء عقاباً، كما لا يثيبهم ولا يعاقبهم على ألوانهم التي هي خلق له. والجواب أن يقال: إضافة الله التصديق والتكذيب إليهم لا يدل أن لا يكون (٢) ذلك خلقاً لله فيهم، لأنه أخبر أنه إذا أنزل الماء على الأرض اهتزت وربت وأنبت، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٣) ومعلوم أنها لا تهتز ولا تربو ولا تنبت بنفسها، وإنما يفعل الله ذلك كله، وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٤)، والله هو الممر لها وإن أضاف الفعل إليها، والتصديق والتكذيب منهم خلق لله وقع بمشيئته منهم لوقوعه، ومشيئتهم معلقة، بمشيئة الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥)، ولأن التصديق منهم نعمة وتفضل من الله بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ (٧)

стр. 405

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (١)، فأنعم الله عليه بالإسلام وأنعم على النبي ﷺ بالعتق (٢)، فأضاف الله الإنعام بالعتق إلى النبي ﷺ لأنه كسبه ووقع بقدرة محدثة من الله فيه، وموضع الحجة لنا من الآيات (٣): أن الله أخبر أنه يسرهم لليسرى: أي للأمر السهل الذي لا يقدر عليه إلا المؤمنون، ويسرهم للعسرى والتيسير هو التهيئة، ومنه يقال يسرت الغنم للولادة إذا تهيأت لذلك وأنشد الفراء (٤): هما سيدانا يزعمان وإنما … يسوداننا أن يَسَّرَتْ غنماهما (٥) وقال الأعشى (٦): ويَسًّر سهماً ذا غرار (٧) يسوقه … أَمِينُ القُوى (٨) في صلبة (٩) المتَرَنّم (١٠)

стр. 406

واليسرى هاهنا: الأعمال التي يستحقون بها الجنة، والعسرى: الأعمال التي يستوجبون بها النار في الآخرة. يدل على صحة ذلك ما روي في الصحاح عن علي ﵁ أنه قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي ﷺ فقعد ونحن حوله وبيده مخصرة ينكت بها الأرض، وهو منكس رأسه ثم رفع رأسه وقال: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار"، فقال رجل من القوم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة، فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فقال ﷺ : "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل (١) السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ … ﴾ الآية" (٢)، وهذا تفسير من النبي ﷺ يدل على صحة قولنا. ويقال: إن قوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. قال ابن عباس: نزلت في أبي بكر خاصة وهي بعد في الناس عامة، وذلك أنه اشترى سبعة من المسلمين كانوا في أيدي المشركين لله (٣)، فأنزل

стр. 407

الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ من نفسه وماله ما كلفه (١) الله عن طاعته ﴿وَاتَّقَى﴾ فيما كلفه من دينه ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي الجنة (٢). وقال الضحاك: "بلا إله إلا الله" (٣)، وقال ابن عباس: "بالخَلَف من الله" (٤) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ للحال اليسرى، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب بخل بماله واستغنى عن الله (٥) ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي للعمل بالعمل بالمعاصي. فدل على أن الله هو الموفق للأعمال.

стр. 408

٧٢ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١) فأخبر أنه ألهمهم الفجور والتقوى. فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأنه أخبر أن الفجور والتقوى من أفعال العباد، لأن الإلهام هو: التعريف للفجور وللتقوى، فلولا أنها من فعلهم لما كان لتعريفهم معنى لذلك، لأنهم متى عرفوا منفعة التقوى خملوا أنفسهم عليه، ومتى عرفوا مضرة الفجور تجنبوه. والجواب: أن إضافة الفجور والتقوى إلى النفس لا يدل أنها خلق لهم، لأن الله قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢) فأضاف الماء والمرعى إلى الأرض، فلا يدل على أن ذلك من فعلها، بل أضافها إلى النفس لأنها (٣) محل لخلق الله ذلك فيها (٤) ولأنهما (٥) كسب لها (٦)، كما أنه أضاف الماء والمرعى إلى الأرض لأنها محل لخلق الله ذلك (٧) فيها. وموضع الحجة من الآية لنا أن كثيراَ من أهل التفسير قالوا: ألهمها فجورها وتقواها أي جعل فجورها وتقواها (٨)، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي الأسود الديلي (٩)

стр. 409

أنه قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قد سبق، أو مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضى عليهم فمضى فيهم فقال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، فقلت: كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: يرحمك الله إني لم أرد بمسألتك إلا لأحرز عقلك، إن رجلاً من مزينة أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم قال: ففيم العمل؟ فقال ﷺ : "من كان خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " (١) وهذا بيان من النبي ﷺ لا يحتمل غير ما قلناه. وأيضاً فإن ثبت بأن الإلهام المراد به التعريف، فلا يدل على أنهم خلقوا ذلك لأنفسهم بل هو كقول الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢) أي الخير والشر (٣) وكقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (٤)، أي بينا له ودللناه عليه. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روى ابن عمر (٥)

стр. 410

- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "فرغ الله من مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام وكان عرشه على الماء" (١)، وروى عمران بن حصين ﵁ أن نفراً من اليمن قالوا: أتيناك يا رسول الله لنتفقه في الدين ونسألك (٢) عن أول هذا الأمر كيف كان؟ فقال ﷺ : "كان الله ولم يكن شيء قبله (٣) وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض" (٤).

стр. 411

٧٣ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٣)، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤). وهذا يدل على أنه لم يساو (٥) بين المؤمنين والكافرين في ذلك. فأجاب المخالف القدري عن الآية (٦) فقال: معنى إرسال الشياطين على الكافرين هو تخليته بينهم وبين الكافرين، ولم يحل بينهم كما حال بين الشياطين وبين المؤمنين. والجواب: أن هذا هو الحجة عليه، لأنه أخبر أنه لم يعصم الكافرين منهم وإنما أرسلهم عليهم ومكنهم من غوايتهم بالوسوسة، كما يقال أرسل السلطان عبيده على الناس، إذا لم يمنعهم من مضرتهم، وليس كذلك المؤمنين فإنه عصمهم منهم وأخبر بذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٧) ومعنى الاستثناء: فإن لك عليهم سلطانا على (٨) من اتبعك من الغاوين، فنسب الاتباع إليهم لأنه كسبهم،

стр. 412

ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، أي أرسلناهم وسلطانهم عليهم ليضلهم، وأخبر عن ذلك بالمؤمنين (٢) فقال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (٣). ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا (٤) مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥). قال سفيان (٦) بقضاء الله (٧)، وقال غيره: "إلا بعلم الله" (٨) ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (٩) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِين إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (١٠) أي بمضلين إلا من سبق في علم الله أنه يصلي الجحيم". قال الحسن، ومحمد بن كعب (١١)، والضحاك، وثعلب: "من قضيت عليه ذلك" (١٢). قال عمر بن عبد العزيز: "لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله جهله من جهله وعرفه من

стр. 413

عرفه، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ " (١). ثم قال هذا المخالف القدري: وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ فالمراد به من يعش عن ذكر الرحمن في الدنيا قيض (٢) له شيطانا في النار وقرنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْن﴾ (٣). والجواب: أن في الآية ما يدل على أنه أراد بأنه يقيض له شيطانا أي يسهل له شيطانا في الدنيا يزين له العاصي، والدليل عليه من وجوه: أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٤) أي سبيل الهدى وهذا لا يمكن حمله على السبيل في النار. والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يعني يظنون أنهم على هدى، وهذا لايكون إلا في الدنيا، فأما في النار فقد تيقنوا أنهم لم يكونوا في الدنيا على هدى، وفي هذا دلالة على أن الإنسان قد يفارق الحق ولا يعرف ذلك، وعلى أن المعرفة ليست اضطرارا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٥). والوجه الثالث: الدال على أن القرين قيض له في الدنيا قوله تعالى:

стр. 414

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قد قرئ بالتثنية في ضمير الفاعلين (١) ﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ فعبر عن قوله: حشرناهما وبعثناها، بأنهما جاء وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (٢)، وكقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (٣). فلو كان ابتداء اتخاذ الشيطان إنما كان في النار لما جمع بينهما في المجيء، وأيضاً فإن خَلَقَ الله القرين معه ابتداءاً في النار، فكيف يعذب القرين على غير ذنب كان منه في الدنيا؟ وهذا لا يجيء على أصل القدرية (٤)، ولأنه قال: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ومعناه فبئس القرين كنت في الدنيا. والوجه الرابع: مما يدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٥). فأخبر أنهم كانوا ظالمين في الدنيا، والمعنى ولن ينفعكم إذ ظلمتم الناس بأنكم في العذاب مشتركون، لأنكم مختلفون في العذاب (٦) لأن المبتلى في الدنيا إذا رأى من ابتلى بمثل بلائه تأسى به وسكن منه بعض ما هو فيه (٧)، قالت الخنساء (٨): فلولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي

стр. 415

وما يبكون مثل أخي ولكني … لأعزر النفس عنه بالتأسي (١) ثم قال المخالف: وأما قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فقد قيل: هو كالأول وتقدير الكلام وقرنا بهم في النار قرناء فزينوا لهم معصية الله (٢)، وهذا لا حجة فيه لأنه أورد ذلك مورد الذم للكفار وبين استحقاقهم للعقوبة على فعلهم، فلو كانت مخلوقة لله لما ذمهم عليها لوما عاقبهم عليها كما لا يحسن ذلك في ألوانهم. والجواب: أن هذا من الكلام الغث الذي لا فائدة تحته ولا يساوي ما كتب فيه من بياض ومداد، والدليل على فساد قوله أن الله أخبر أن القرناء زينوا لهم: أي أحسنوا لهم العمل بالمعاصي ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ أي فيما قد علموه وفيما يستقبلونه وزينوا لهم التكذيب بالبعث والنشور (٣) ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي العذاب لذلك في أمم، فهذا لا يمكن حمله على أنهم زينوا في النار أعمالهم، لأن الله أخبر أنهم أعداء في النار بقوله: ﴿الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) فأخبر أنهم يتكاذبون في النار ويختصمون قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ .. ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ (٥)، فبطل أنهم يزينون لهم في النار. وقول المخالف: وقرنا بينهم قرنا (٦) تفسيراً لقوله: قيضنا، فغير صحيح،

стр. 416

لأن معنى قيضنا: أي سببنا (١)، ومنه قوله ﷺ : "ما أكرم شاب شيخا قيض الله له من يكرمه عند سنه" (٢) أي سبب الله له ذلك. وأما قول المخالف: لما كانت المعاصي أفعالهم ذمهم الله عليها وعاقبهم عليها بخلاف ألوانهم، فقد مضى عن ذلك في مواضع كثيرة فلا معنى لإعادته (٣).

стр. 417

٧٤ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ (١) عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ومثلها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)، ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ (٥)، ومثلها قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (٦). فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة بهذا لأنه خبر عن قوم مخصوصين من الفساق والكفار علم أنهم (٧) لا يؤمنون، فأعلم نبيه ﷺ بهم وليس ذلك يكون في كل فاسق (٨) وكافر (٩)، لأن كثيرا منهم آمنوا وتابوا وكذلك قوله تعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ صحيح ولكن لا يدخل النار أحد إلا بعلمله، وهذا يدل على بطلان مذهب المستدل أن أفعال العباد مخلوقة لله إذ لو كانت مخلوقة لله لم يذمهم عليها ولا عاقبهم عليها. والجواب أن يقال لهذا المخالف: لا ننكر أن هذا خبر من الله عن قوم مخصوصين أنهم لا يؤمنون وأنه لم يرد به جميع المكلفين، وإنما الحجة لنا من هذه الآيات أن من لم يؤمن منهم إنما لم يؤمن بقضاء من الله سابق فيه

стр. 418

وكتاب ثابت بأنه لا يؤمن لأنه قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه لقد وجب القول على أكثرهم بالعذاب فهم لا يؤمنون، فأخبر سبحانه أن الذين وجبت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ يعني يوم القيامة، فإنه لا يمكنهم التكذيب. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روي في الصحاح عن مسلم بن يسار (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٢) فقال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ سئل: "إن الله خلق آدم ﵇ فمسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فقام رجل فقال يا رسول الله: ففيم العمل؟، قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل أهل النار فيدخل النار" (٣).

стр. 419

وروي أن عمر ﵁ قال يا رسول الله: العمل في شيء نأتنفه أو في شيء قد فرغ منه، فقال: "بل في شيء قد فرغ منه"، فقال: ففيم العمل؟، قال: "يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل"، قال: إذاً نجتهد" (١). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "خلق الله الخلق في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل"، قال عبد الله بن عمرو: فلذلك أقول جف القلم بما هو كائن (٢). وهذه الأخبار في الصحاح (٣) مروية عن الثقات وهي موافقة لهذه الآيات التي ذكرها، وأما قول المخالف: إنهم لم يدخلوا النار إلا بعملهم فقد مضى الجواب عنه في مواضعه فلا معنى لإعادته (٤).

стр. 420

٧٥ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنّ … ﴾ (١) الآية، فمن ذرأه الله لجهنم فهل ذلك إلا لأن الله أراد كفره ولم يرد إيمانه. فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: لا حجة لهذا المستدل، لأن الله أورد الاية مورد الذم لهم ولم يستحقوا الذم إلا بأعمالهم، وقد اختلف في معنى الآية فمن الناس من قال معنى قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي ميزنا لجهنم، ومنه سميت الرياح الذاريات من حيث كانت تفصل بين كثير من الأشياء، وإنما ميزهم بعد أفعالهم بأسمائهم وأحكامهم، ومنهم من قال: بل المراد بالذري هو خلقهم بالآخرة بعد الموت، ولا شك أنه يخلق في ذلك الوقت خلقاً للنار، ولكنه قد أعلمنا أنه لا يبعث من الخلق إلى النار إلا من مات مصرا على الكفر، يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الآية وقد علمنا أنهم لم يكونوا في الدنيا هكذا فيجري مجرى قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً … ﴾ (٢) الآية، ومنهم من قال: بل المراد خلقهم في الدنيا إلا أن هذه اللام هي لام العاقبة، ومعناها أنه خلق الخلق للعبادة، إلا أنه علم أن عاقبة كثير منهم تصير إلى النار لكفرهم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٣)، ومتى حملت هذه الآية على أحد هذه الأوجه وافقت قوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤). والجواب أن يقال لهذا المخالف: الآية وردت بلفظ الخبر وخبره لا يكون

стр. 421

بخلاف مخبره وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ (١). وقوله: إنهم لا يستحقون الذم إلا بأعمالهم إن سلمنا أن فيها ذماً فلا ننكر أنهم لايستحقون الذم ولا العقاب ولا الثواب إلا بأعمالهم، وأعمالهم خلق الله وكسب لهم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٤). وقد مضى بيان الفرق بين الخلق والكسب ولكن لا يعقله إلا من جعل الله له نورا في قلبه (٥). وأما قول المخالف: إن من الناس من قال معنى قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي ميزنا لجهنم ومنه سميت الرياح الذاريات، لأنها تفصل بين كثير من الأشياء، فغير صحيح ولا قال أحد من أهل اللغة ولا من أهل التفسير أن (ذَرَأْنَا) معناه: ميزنا، واستدلاله على ذلك بالذاريات يدل على قلة علمه بالعربية، لأن الذاريات من قولهم ذرت تذروا بغير همز ذروا فهي ذارية، والذاريات جمع ذارية وهي المفرقة للتراب (٦)، وليس كذلك ذرا فإنه مهموز يقال ذرأ يذرأ ذرءاً (٧) فهو ذارئ، والمراد به خلقنا (٨) ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي

стр. 422

ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ (١) أي خلقكم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي بعد الموت ومثلها قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيه﴾ (٢) أي يخلقكم في أرحام الأزواج (٣)، وقيل يكثركم بالتزويج (٤)، وفي الحديث عن عمر ﵁ أنه قال: "إني أظنكم آل المغيرة ذرأ النار" (٥) أي خلقها، فهذا يبطل تأويله الأول. وأما الدليل على إبطال تأويله الثاني وأنه أراد خلقناهم بعد الموت فمن وجوه: أحدها: أنه أخبر قبل هذا (٦) بقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا﴾ الآية. فأخبر سبحانه أن من يهديه فهو المهتدي، والمراد به من يوفقه ويسدده للإيمان به وطاعته فهو المهتدي لذلكن ولا يجوز حمله على الثواب، لأن الثواب لا يسمى هدى على ما مضى (٧) ولو جاز أن يسمى الثواب هدى لم يقل هاهنا ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، وإنما كان يقول فهو المُهدي (٨)، فلما قال المهتدي نسب

стр. 423

الاهتداء إلى المَهدي (١) ثم قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وأراد بالإضلال هاهنا ضد الهداية وهو الإضلال عن الدين ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ فأخبر أن الذين أضلهم في الدنيا عن الدين هم الذين ذرأهم لجهنم، فيحمل كل خبر على فائدة متجددة ولو حملناه على صنعه بهم (٢) في الآخرة لكان الخبران خبراً (٣) عن شيء واحد. والوجه الثاني: مما يدل على أنه أراد بالذرء هو خلقهم في الدنيا أنه قال: ﴿كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ وكثيراً لفظه لفظة النكرة يدل على أنه لا يعود على نكرة متقدمة (٤) فلو كان المراد به الذين ماتوا مصرين على الكفر لأخبر عنهم بلفظ المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٥). والوجه الثالث: أنه وصفهم بأنهم ليس لهم قلوب يفقهون بها، بل ختم على قلوبهم عن الهدى وعلى أسماعهم فلا تسمع آذانهم الإيمان، وعلى أبصارهم، فقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأنْعَامِ﴾، لأن الأنعام ليس لها همة غير الأكل والشرب، بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام تبصر مضارها ومنافعها وهم لا يعلمون، وهذه الصفات لا تصلح إلا لمن هو (٦) من أهل الدنيا، فأما أهل النار فلا تضرب الأنعام مثلا لهم لأنها ليست دار (٧)

стр. 424

تكليف ولا ينفع فيها الاهتداء بالعقل (١) والسمع والبصر. والوجه الرابع: أنه قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ أي ولا يوصف بالغفلة إلا أهل الدنيا الذين غفلوا عن الاعتبار بما يدلهم من خلق الله على معرفته. وأما قول المخالف: بأنهم لم يكونوا في الدنيا ليس لهم قلوب ولا سمع ولا بصر، فالجواب أنه أراد أنهم لمالم ينتفعوا بالاعتبار بقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم صاروا كمن لا قلب له ولا سمع ولا بصر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢)، فوصفهم الله بوصف من في القبور حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي ﷺ وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (٣)، فسماهم الله موتى وصما حين لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي ﷺ وإن لم يكونوا كذلك وقال لنبيه ﷺ (تسمع) ولم يرد نفي أسماعهم في آذانهم، لأنهم قد سمعوا ذلك بآذانهم ضرورة، وإنما أراد بغض إسماع النبي ﷺ لهم (٤) الهداية لهم (٥) بما أسمعهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦). وأما استدلال المخالف بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً .. ﴾ الآية، فلا ننكر أن الله يحشرهم عمياً وبكماً وصماً يوم القيامة مجازاة منه على عماهم وصممهم في الدنيا عن الدين. وأما تأويل المخالف الثالث بقوله: إن الله خلقهم في الدنيا للعبادة إلا أن

стр. 425

هذه اللام لام العقبة، لأنه علم أن كثيراً منهم يصير إلى جهنم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها. والجواب: أن هذا تناقض لا يخفى على عاقل فساده، وذلك أن العبادة ثوابها، كما أن الكفر جزاؤه جهنم لو قلنا إنه خلقهم للعبادة لكان تقدير الكلام (ولقد ذرأنا للعبادة والجنة كثيراً منهم، فصار عاقبتهم إلى جهنم) وهذا يخرج من التأويل إلى التبديل الذي قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ (١) ويدل على فساد هذا أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ﴾، ليدل أنه لم يذرأ لذلك جميع المكلفين بل هو كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾. وعند القدرية: أن الله خلق جميع المكلفين للعبادة، وكان ينبغي على هذا أن يقال (ولقد ذرأناهم) فصار (٢) لجهنم كثيراً من الجن والإنس وهذه اللام تسمى لام الاختصاص، كقولهم الباب للدار (٣)، وكقول الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ (٤) أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٥). وإن وافقنا أنها لام العاقبة فالمراد أن الله خلقهم للدنيا وليأمرهم بعبادته وقضى وعلم أن عاقبتهم ومآلهم إلى جهنم، كما قال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ (٦) أي أعصر ما يؤول خمراً لا في حال عصره، كذلك هذا، فصار كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ (٧). وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٨)
следующие страницы →