← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم قال: "وقد وجدنا الزنا قبل ورود الشرع لا يسمى قبيحاً إلا بعد ورود الشرع بتحريمه وتقبيحه وكذلك تزويج الأمهات والأخوات وذاوت المحارم غير قبيح في العقل .. ". وهذا كله كلام باطل وهو قول الأشعرية، والصواب أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل ومنه ما يعرف بالشرع وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك، وقد تم التعليق على ذلك في موضعه. ٥ - عبر المصنف ﵀ في عدة مواطن من كتابه بعبارات المتكلمين التي تحتمل الحق والباطل مثال ذلك قوله في وصف الله عزوجل ص (٩٨): "ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام ولا يحلها". وقوله ص (٢٦٦): "والله ليس بمحل للحوادث". "وهو ليس بمحل للحوادث". وقوله ص (٦٣٥) عن الصفات: "فإن العقول تقصر عن معرفة المراد بها". وهذه كلها عبارات المتكلمين ولم ترد في الشرع فاطراحها ونبذها أولى إلا أن تذكر ويبين المراد بها فإن كانت حقاً قبل، وإن كانت خلاف ذلك رد، وقد تم التعليق عليها في مواضعها. ٦ - قوله ص (١١١): "القرآن الذي هو كلام الله القديم" فَوَصْفُ القرآن بأنه قديم ليس من كلام السلف كما وضح في مكانه. وكذلك قوله ص (٥٤١): "فإن كلام الله هو القرآن" والعبارة فيها قصور لأن القرآن من كلام الله. ٧ - تأويله صفة الساق بأنها الشدة ص (٤٧١) والصواب أن الساق صفة لله عزوجل بدليل ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فينظر التعليق على ذلك في موضعه.

стр. 37

٨ - قال المصنف ﵀ ص (٣٤٦): "ولا يوصف بالاقتدار على نفسه" يعني بذلك الله عزوجل وهي عبارة لا يليق ذكرها عن الله وقد بين ذلك في موضعه. ٩ - كلامه في الفرق بين الإسلام والإيمان فيه ارتباك وعدم وضوح وذلك أنه قال في أول الرسالة ص (٩٩): "وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام بعض الإيمان". وهو قول صحيح، إلا أنه في التفصيل قال ص (٧٣٧): "والإسلام عام والإيمان خاص، والإيمان بعض الإسلام وهو أشرف أجزائه .. " وهو قول لا يتفق مع الحق في هذه الألفاظ ولا مع ما تقدم من كلامه، وقد تم التعليق على ذلك في موضعه. ثانياً: الناحية الحديثية: مما يؤخذ على المصنف ﵀ في كتابه الناحية الحديثية حيث أورد فيه عدة أحاديث ضعيفة وموضوعة مستدلا بها، نذكر بعضا منها: حديث: "أصحابي كالنجوم" ص (١٠٦). حديث: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم .. " ص (١٥١). حديث: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعود" ص (٥٤٨). حديث: "يا معاذ العرش والكرسي وحملتهما .. " ص (٥٤٨). حديث: "إن الله تعالى قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام .. " ص (٥٩٨). حديث الطير في فضل علي ص (٨٩٦).

стр. 38

حديث: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" ص (٨٩٧) وغير ذلك من الأحاديث التي تم التعليق عليها في موضعها. ويؤخذ عليه أيضا رفعه أثرا عن علي إلى النبي ﷺ وهو موقوف وذلك قوله ص (٩٢): "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" وذلك إن ثبت عن علي ﵁. وكذلك رفعه ما ليس بحديث إلى النبي ﷺ وإنما هو من كلام العلماء، وذلك ص (٣٩٩) حيث قال: وقوله ﷺ : "الأخوات مع البنات عصبة" وقد بين في موضعه. قوله في عدة مواطن: (وهو في الصحاح) "وهو مروي في الصحاح". انظر: ص (١٤٧) و (١٥١) وذلك عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة كما بين في موضعه وهو تجوز منه ﵀ وتساهل. وأنه ذكر بعض الأحاديث الصحيحة بصيغة التمريض (روي) مثل قوله ص (٩٢): "روي أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال .. " الحديث، وقوله ص (٩٣): "وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي .. " الحديث. وقوله: ص (٩٥): "وروي أن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر .. " الحديث. كما أنه لا يعزو الأحاديث إلى مصادرها وفي بعض الأحيان لا يذكر راوي الحديث من الصحابة. وهذا كله يدل على أن بضاعته في الحديث مزجاة مع أن ذلك لا يقلل من قيمة الكتاب فقد اشتمل الكتاب على أكثر من أربعمائة حديث عدا الآثار عن الصحابة وغيرهم.

стр. 39

المبحث السابع: قيمته العلمية كتاب الانتصار ذكر عنه الجعدي أن الفقهاء في تلك المنطقة فرحوا به وانتسخوه ودانوا الله به واعتقدوه (١). وذكر أيضا في ص (٢٠٣) أنه مر على قرية ألخ (٢) سنة (٥٦١ هـ) ? عيسى بن مفلح وأحمد بن سليمان وموفق بن مبارك وهم ينسخون كتاب الانتصار. وانتشار كتاب الانتصار بين فقهاء تلك المنطقة لما تضمنه من إفحام الطائفة القدرية التي كان الزيدية في ذلك الوقت هم دعاتها وكانت لهم دولة في ذلك الزمان، كما تضمن رداً وإفحاماً للأشعرية الذين يزعمون أنهم ينتصرون لعقيدة أهل السنة ويردون على المعتزلة وهم يقولون في الواقع بقول المعتزلة في مسائل عديدة - وقد ذكر العامري في غربال الزمان ص (٤٣٨) أن فقهاء الجبال في اليمن في ذلك الوقت شافعية وكانوا على عقيدة السلف وكانوا مولعين بكتاب الشريعة للآجري ﵀ وكانوا يقدحون في عقيدة الغزالي المخالفة لعقيدة السلف (٣). فعليه سيفرحون أشد الفرح بكتاب مثل كتاب الانتصار ويكون له أبعد الأثر فيهم. _________ (١) طبقات فقهاء اليمن ص (١٨١). (٢) ألخ قرية من بلاد بني حبيش وهي من أعمال إب في الشمال الغربي منها. معجم المدن اليمنية ص (١٠٦)، طبقات فقهاء اليمن ص (٢٠٣). (٣) يلاحظ أن العامري زعم أن الغزالي سني وأن من خالفه هم أصحاب العقائد الحشوية من الحنابلة ومن وافقهم فيتضح من هذا أنه أشعري يرى ما يرى الأشعرية من أن إثبات الصفات تشبيه وتجسيم.

стр. 40

المبحث الثامن: موضوع الكتاب موضوع الكتاب هو الانتصار لعقيدة السلف وإثباتها بإظهار أدلتها والرد على المخالفين المبتدعة وقد شغل إثبات القدر النصف الأول من الكتاب، حيث ذكر أدلة إثباته من القرآن والسنة وأقوال الصحابة ورد على المعتزلي القدري فيما اعترض به على الآيات والنصوص الشرعية بالوجوه العديدة المفيدة مما جعل الكتاب في استيعابه للنصوص الشرعية في القدر واستيعاب أوجه الرد على اعتراضات وشبه القدرية فريداً في بابه. وعقب على ذلك بإثبات الصفات والرد على منكريها من الجهمية والمعتزلة وكذلك الرد على الأشعرية فيما أنكروه أو تأولوه من الصفات كالكلام بحرف وصوت والاستواء وغيرها. وذكر أيضا رؤية الله عزوجل بالأبصار يوم القيامة ورد على منكريها. ثم ذكر مذهب السلف في الإيمان ومرتكبي الكبائر والشفاعة ورد على المرجئة والخوارج والمعتزلة المخالفين للحق في ذلك، ثم ذكر الميزان والصراط والحوض والجنة والنار والدجال والإمامة ورد على طوائف المبتدعة في ذلك وأطال في ذكر الخلافة ورد على الرافضة المنكرين لخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة وبه انتهى الكتاب.

стр. 41

المبحث التاسع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب الكتاب كما تقدم بيانه ص (٣٣) هو رد على القاضي القدري الزيدي جعفر بن أحمد بن عبد السلام قاضي صنعاء الذي اعترض على كتاب كتبه الشيخ العمراني في بيان عقيدة أهل الحديث بكتاب ألفه لهذا الغرض في نصرة عقيدة المعتزلة القدرية في القدر وغيره. فاستقصى المؤلف العمراني ﵀ بهذا الكتاب الأدلة لمذهب السلف في القدر التي ذكرها في الرسالة الأولى، وذكر اعتراضات القدري عليها ورد عليها بإجابات مطولة وأضاف إلى ذلك مسائل العقيدة الأخرى كالكلام والرؤية وإثبات الصفات وغيرها.

стр. 42

وبين مذاهب المنحرفين عنها من المعتزلة والأشعرية والخوارج والروافض ورد عليهم. ولأن القدر والقدرية قد شغلوا الجزء الأكبر من الكتاب ولتعلق عنوان الكتاب بذلك فلا بد من دراسة موضحة مختصرة للقدر والقدرية تجمع ما تفرق من كلام الشيخ في الكتاب مع بعض الإضافات المهمة في الموضوع وذلك كله في أربعة مطالب وهي: المطلب الأول: تعريف القدر لغة. المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلف. المطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر. المطلب الرابع التعريف بالقدرية

стр. 43

المطلب الأول: تعريف القدر لغة القدر لغة: بسكون الدال وفتحها القضاء والحكم وهو ما يقدره الله عزوجل من القضاء ويحكم به من الأمور قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١). أي الحكم أو التي تقدر فيها الأرزاق وتقضى، وقدر الله عليه ذلك: بفتح الدال مخففة ومشددة كتبه عليه، والقدرة: بفتح القاف وسكون الدال، والقدرة: بضم القاف وسكون الدال والمقدار: القوة. وقدر عليه الشيء: بفتح القاف والدال ضيقه، وقدرت الشيء بفتح القاف والدال مشددة ومخففة من التقدير. والتقدير يأتي على معان أحدها: التروية والتفكير في تسوية أمر وتهيئته. والثاني: تقديره بعلامات يقطعه عليها، والثالث: أن تنوي أمرا بعقدك تقول قدرت أمر كذا وكذا أي نويته وعقدت عليه (٢). _________ (١) سورة القدر آية (١). (٢) انظر: اللسان ٥/ ٣٥٤٥، القاموس المحيط ص ٥٩، المفردات ص

стр. 44

المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلف وفيه ثلاث نقاط: أولا: الإيمان بالقدر إجمالا: وأدلته: السلف ﵏ يؤمنون بأن كل شيء بقضاء من الله وقدر سبق صغيرا أو كبيرا حقيرا أو جليلا خيرا أو شرا حلوا أو مرا طاعة أو معصية والأدلة على ذلك بحمد الله ظاهرة وكثيرة منها قوله عزوجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) و ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٢) ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (٣) ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤) ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥) _________ (١) سورة القمر آية (٤٩). (٢) سورة الأحزاب آية (٣٨). (٣) النساء آية (٤٧). (٤) سورة التغابن آية (١١) (٥) سورة آل عمران آية (١٦٦).

стр. 45

ومن السنة حديث جبريل وفيه: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) وحديث طاووس قال: "أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون كل شيء بقدر" قال: "وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" (٢). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدر له ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله تعالى به من البخيل، فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل" (٣). وحديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول اله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" (٤). فهذه الأدلة كافية في بيان المراد من إثبات الإيمان بالقدر وأن كل شيء بقضاء وقدر. ثانيا: مراتب الإيمان بالقدر وأدلتها: الإيمان بالقدر لا يقوم ولا يتم إلا بالإيمان بأربع مراتب قامت عليها الأدلة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ وهي: - _________ (١) سيأتي تخريجه حيث ذكره المصنف ص ٧٤٣. (٢) سيأتي تخريجه حيث ذكره المصنف ص ١٧١. (٣) أخرجه خ. كتاب الأيمان والنذور ب الوفاء بالنذر ٨/ ١١٩. (٤) أخرجه م. كتاب القدر ب الأمر بالقوة ٤/ ٢٠٥٢.

стр. 46

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله السابق بكل شيء فعلم جل وعلا ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وعلم طاعات العباد ومعاصيهم وكل دقيق وجليل من أحوالهم علما تاما لا يغيب عنه جل وعلا منه شيء صغر أو كبر. وهذا مقتضى وصفه جل وعلا بالعلم وأنه العليم قال عزوجل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (١) ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٣) ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (٤) ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٥) ﴿عَالِمِ الْغَيْب لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ (٦) ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٧). وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: "سئل النبي ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٨). وعلى هذا فإن الله عزوجل علم أهل الجنة وأهل النار وخلقهم وهو عالم بما يصيرون إليه، وهم سيصيرون إلى علمه بهم جل وعلا يؤكد هذا ويوضحه حديث عمران بن الحصين ﵁ قال: "قال رجل: "يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال: نعم قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له" (٩). _________ (١) سورة البقرة آية (٢٨٢). (٢) سورة التحريم آية (٢). (٣) سورة الحشر آية (٢٢). (٤) سورة الطلاق آية (١٢). (٥) سورة الجن آية (٢٨). (٦) سورة سبأ آية (٣). (٧) سورة النجم آية (٣١). (٨) أخرجه خ. كتاب القدر ب. (الله أعلم بما كانوا يعملون) ٨/ ١٠٤، و م. القدر ب. معنى كل مولود يولد على الفطرة .. ٤/ ٢٠٤٧. (٩) أخرجه م. القدر ب. كيفية الخلق الأول … ٤/ ٢٠٤١.

стр. 47

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله عزوجل قد كتب كل ما هو كائن إلى يوم القيامة الصغير والكبير والحقير والجليل من أحوال بني آدم وأعمالهم، فهم يصدون عن شيء قد كتب عليهم وسجل قبل خلقهم ووجودهم، ويردون إلى شيء قد سجل عليهم وخط به القلم، فكتبت طاعاتهم ومعاصيهم وكتب أهل الجنة وأهل النار وهم لن يتعدوا ما كتب لهم وعليهم. والدليل على ذلك قوله عزوجل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١) ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٢) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (٦) وحديث عمران بن الحصين قال إني عند رسول الله ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا _________ (١) سورة يس آية (١٢). (٢) سورة القمر آية (٥٢ - ٥٣). (٣) سورة الحج (٧٠). (٤) سورة يونس آية (٦١). (٥) سورة فاطر آية (١١). (٦) سيأتي تخريجه حيث ذكره المصنف. ص ().

стр. 48

جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء" (١). فكل شيء قد كتب ومضى به القدر وعُرِفَ أهل الجنة وأهل النار يقول علي بن أبي طالب ﵁: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله تعالى مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال: اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ: - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢). المرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله عزوجل وأنها الموجبة لكل ما في الوجود فما وقع في الوجود من عمل فإنما وقع بمشيئة الله، وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله عزوجل لم يشأ وقوعه ولو شاء وقوعه لوقع، وهذا معنى قول المسلمين: - ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ (٣) ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٥) ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ (٦) _________ (١) سيأتي تخريجه ص (٤١٤). (٢) سورة الليل من آية (٥ - ١٠). (٣) سورة الإنسان آية (٣٠). (٤) سورة المدثر آية (٥٦). (٥) سورة السجدة آية (١٣). (٦) سورة الأعراف آية (١٥٥).

стр. 49

﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ (١) ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" (٤). وفي قصة نومهم في الوادي قال ﷺ : "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء" (٥). وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الله عزوجل له المشيئة النافذة في خلقه فكل صلاح وخير وطاعة وإيمان وقعت في هذه الحياة إنما وقعت بمشيئته جل وعلا ولو شاء لم تقع قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ (٦). وكل فساد وانحراف ومعصية وكفر وقع في هذه الحياة إنما وقع بمشيئة الله عزوجل ولو شاء لم يقع قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (٧) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ (٨) ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (١٠). ويعتقد السلف أن الله عزوجل يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله. _________ (١) سورة الكهف آية (٦٩). (٢) سورة الأعراف آية (١٨٨). (٣) سورة آل عمران آية (٢٦). (٤) أخرجه خ. كتاب التوحيد (ب. المشيئة والإرادة) ٩/ ١١٢. (٥) المصدر السابق. (٦) سورة يونس آية (١٦). (٧) سورة البقرة آية (٢٥٣). (٨) سورة الأنعام آية (١١٢). (٩) سورة الأنعام آية (١٤٩). (١٠) سورة السجدة آية (١٣).

стр. 50

وقد دلت الآيات الكثيرة على هذا منها قوله عزوجل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (٢) ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٣) ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ (٤) ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ولا بد أن يعلم هنا أن الله عزوجل أعلم بخقله وأخبر وأنه جل وعلا الرحيم الحكيم المحمود على كل فعل فمن هداه الله عزوجل فذلك محض تكرم وتفضل منه سبحانه من غير استحقاق من العبد لذلك، قال عزوجل: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإيمَانِ﴾ (٦) وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٧). وقال ﷺ يرتجز ومعه المسلمون في حفر الخندق: "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا" (٨) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩) الآية. وله الحكمة البالغة فيمن هدى وأضل لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه المناسب. _________ (١) سورة الأعراف آية (١٥٥). (٢) سورة الرعد آية (٢٧). (٣) سورة إبراهيم آية (٢٧). (٤) سورة الكهف آية (١٧). (٥) سورة الأنعام آية (٣٩). (٦) سورة الحجرات آية (١٧). (٧) سورة الأعراف آية (٤٣). (٨) أخرجه خ. كتاب الجهاد ب. حفر الخندق ٤/ ٢١، م. كتاب الجهاد ب. غزوة خيبر ٣/ ١٤٣٠. (٩) سورة النساء آية (٩٤).

стр. 51

فهدايته جل وعلا مع أنه تفضل منه فهو أيضا وضع لها في الموضع المناسب إذ هذا مقتضى وصفه جل وعلا بالحكمة قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (١). ومن ضل فإن الله سبحانه لم يظلمه شيئاً ولم يبخسه حقه إنما منعه فضله وهدايته، وذلك أيضاً لحكمة بالغة فإن الضال ليس بمحلٍ للهداية فهدايته وضع لها في غير موضعها قال عزوجل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢). فكل من ضل عن الحق فإنه من هذا الصنف الذين علم الله عزوجل أنه لا خير فيهم ولو علم فيهم خيراً لهداهم. بقي هنا مسألة تتعلق بالمشيئة وهي: أنه لا تلازم بين المشيئة والمحبة وذلك أن المشيئة لا تأتي إلا بمعنى الإرادة الكونية القدرية حيث الإرادة تنقسم إلى نوعين: النوع الأول: الإرادة الكونية القدرية مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٣) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥). وغير ذلك من الآيات، وهذا النوع من الإرادة بمعنى المشيئة إذ لابد من وقوعه لأنه يتعلق بالقضاء والأمر الكوني القدري. النوع الثاني: الإرادة الدينية الشرعية مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ _________ (١) سورة الأنعام آية (٥٣). (٢) سورة الأنفال آية (٢٣). (٣) سورة هود آية (١٠٧). (٤) سورة البقرة آية (٢٥٣). (٥) سورة الأنعام آية (١٢٥).

стр. 52

يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) الآية ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣). فهذا النوع من الإرادة ليس بمعنى المشيئة وإنما تعلقه بما يحب الله ويرضى فقد يقع وقد لا يقع فلا تلازم بينه وبين المشيئة (٤). المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك العباد وأفعالهم فلا يخرج شيء في هذا الوجود عن ملكه وخلقه فهو خالق كل عامل وعمله وكل صانع وصنعته، وما من حركة ولا سكون في هذا الكون إلا وهو خالقه وربه لا يشركه في ذلك أحد بل هو المتفرد سبحانه بالخلق وحده. قال عزوجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٥). وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦). وقال ﷺ : "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (٧). فهذا أربع مراتب يؤمن بها السلف ويثبتونها للباري جل وعلا، فمن أثبتها وآمن بها فقد آمن بالقدر ومن أنكرها أو أنكر شيئا منها فقد كفر بالقدر (٨). ثالثا: مسائل تتعلق بالإيمان بالقدر أولا: قيام الحجة على الخلق: مع ما تقدم من بيان مراتب الإيمان بالقدر فإن السلف يعتقدون أن الله عزوجل له الحجة البالغة على خلقه ويتضح ذلك بأمور: _________ (١) سورة النساء آية (٢٦ - ٢٧). (٢) سورة المائدة آية (٦). (٣) سورة الأحزاب آية (٣٣). (٤) انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٨/ ١٨٨، ٤٧٦. (٥) سورة الزمر آية (٦٢). (٦) سورة الصافات آية (٩٦). (٧) سيأتي تخريجه حيث أورده المصنف ص (٩٦). (٨) انظر: هذه المراتب الأربع بأدلتها في شفاء العليل لابن القيم ص ٢٩ - ٤٩.

стр. 53

١ - أن الله خلق للعباد قدرة وإرادة ومشيئة وفعلا، فبالقدرة يستطيعون القيام بالتكاليف المناطة بهم، وبالإرادة والمشيئة يصح توجيه الخطاب إليهم بالأوامر والنواهي. وعلى الفعل يقع الجزاء على الخير خيرا وعلى الشر شرا، إلا أن يعفو الله جل وعلا فأثبت السلف ﵏: أن الله له مع ما تقدم من تقديره السابق الحجة البالغة على خلقه بأن خلقهم على الهيئة الصالحة للتكليف والخلقة المناسبة لمخاطبتهم بالأوامر والنواهي (١) وقد دل على ذلك الأدلة. قال عزوجل: في إثبات القدرة للعبد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ (٣) ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ (٤). وفي إثبات المشيئة والإرادة للعبد قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٦) ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٧) ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (٨) ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَة فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٩) ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (١٠). وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾ (١١) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (١٢) ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْن﴾ (١٣) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ _________ (١) الفتاوى ٨/ ٣٩٣ - ٤٥٩، شرح الطحاوية ص ٤٨٨. (٢) سورة البلد آية (٨، ٩، ١٠). (٣) سورة الأعلى آية (٢). (٤) سورة الروم آية (٥٤). (٥) سورة الإنسان آية (٣٠). (٦) سورة التكوير آية (٢٨). (٧) سورة الفرقان آية (٥٧). (٨) سورة المدثر آية (٣٧). (٩) سورة المدثر آية (٥٤ - ٥٥). (١٠) سورة الكهف آية (٧٧). (١١) سورة الحج آية (٢٥). (١٢) سورة هود آية (١٥). (١٣) سورة القصص آية (٢٧).

стр. 54

وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١) ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢). إلى غير ذلك من الآيات المثبتة أن للعبد إرادة. وقال عزوجل إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (٦) ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ (٧) وفي إثبات القدرة والمشيئة والإرادة والفعل للعبد كما أنه ظاهر من الشرع فهو ظاهر من حال الإنسان، حيث يدرك ذلك تمام الإدراك من حاله وأحواله مع الأمور في الأخذ أو الترك والفعل أو عدمه والإرادة وعدمها، ومن أنكر ذلك فقد أنكر أظهر الأمور وأوضحها وأجلاها، فالسلف يثبتون هذه الأمور مع إثباتهم للقدر بمراتبه الأربع المتقدم ذكرها، فتكون قدرة العبد هي من إقدار الله عزوجل له، وإرادته ومشيئته تابعة لمشيئة الله وإرادته لا يخرج عنها، كما قال عزوجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وكذلك فعل العبد إنما وقع بإقدار الله له على هذا الفعل ومشيئته وخلقه جل وعلا لفعل العبد على ما تقدم بيانه في خلق الأعمال. ٢ - إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع وترتيب الجزاء عليه. يعتقد السلف أن الله عزوجل مع خلقه للعباد الإرادة والمشيئة والقدرة على الفعل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، فدعوا العباد إلى الله عزوجل ووضحوا وبينوا طريق النجاة والفلاح، وجاهدوا في الله حق _________ (١) سورة الأحزاب آية (٢٩). (٢) سورة الروم آية (٣٩). (٣) سورة المدثر آية (٣٨). (٤) سورة الأعراف آية (٤٣). (٥) سورة النحل آية (٩١). (٦) سورة الطلاق آية (٢). (٧) سورة النساء آية (٩٣).

стр. 55

جهاده حتى يحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة وتقوم الحجة على الخلق بالتكليف، قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) (٢) ٣ - عدم التكليف بما لا يطاق. يعتقد السلف مع ما تقدم أن الله من فضله ورحمته بخلقه لم يكلفهم إلا ما هو في طاقتهم، فلم يكلفهم ما يشق ويثقل عليهم فعله وإن كانوا مستطيعين لذلك رحمة منه وتفضلا قال جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣) ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) قال ابن جرير: "يعني بذلك فيتعبدها إلا بما يسعها فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (٥) وهو تحقيق لقوله عزوجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (٧) (٨). ثانيا: تنزه الله جل وعلا عن الظلم: ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (٩) وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٠) ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١١) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً _________ (١) سورة النساء آية (١٦٥). (٢) انظر: الفتاوى ٨/ ٤٥٢ - ٤٦٦، طريق الهجرتين لابن القيم ص ٤١٣. (٣) سورة البقرة آية (٢٨٦). (٤) سورة الأنعام آية (١٥٢). (٥) تفسير ابن جرير ٣/ ١٤٥. (٦) سورة البقرة آية (١٨٥). (٧) سورة الحج آية (٧٨). (٨) انظر: طريق الهجرتين لابن القيم ص ١٣٥، شرح العقيدة الطحاوية ٣/ ٥٠٣ - ٥٠٥. (٩) سورة الشعراء آية (٢٠٩). (١٠) سورة فصلت آية (٤٦). (١١) سورة آل عمران آية (١٤٠).

стр. 56

يُضَاعِفْهَا﴾ (١) ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ (٣) ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ (٥). وقال ﵊ فيما يروي عن ربه عزوجل: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجلته بينكم محرما فلا تظالموا" (٦). وغناه جل وعلا وقدرته وربوبيته أمور تجعل الظلم منتفيا عنه سبحانه والظلم عند السلف هو: وضع الشيء في غير موضعه وهذا منتفٍ عنه، إذ هو العدل الحكيم فلا يظلم الناس شيئا، ومن ذلك أنه لا يحمل العباد في القيامة سيئات لم يعملوها ولا ينقص من حسناتهم (٧) - كما دلت عليه الآيات السابقة. ثالثا: إثبات الحكمة له جل وعلا في فعله وأمره: يعتقد السلف أن الله عزوجل حكيم في فعله وأمره قال عزوجل فيما حكاه الله عزوجل عن ملائكته: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٨) وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩) ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠) ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١١) إلى غير ذلك من _________ (١) سورة النساء آية (٤٠). (٢) سورة آل عمران آية (٢٥). (٣) سورة النساء آية (١٢٤). (٤) سورة غافر آية (١٧). (٥) سورة طه آية (١١٢). (٦) أخرجه م. كتاب البر ٤/ ١٩٩٤، من حديث أبي ذر ﵁. (٧) انظر: الفتاوى ٨/ ٥٠٥، جامع العلوم والحكم، ص ٢١١، شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٠٧ - ٥١١. (٨) سورة البقرة آية (٣٢). (٩) سورة آل عمران آية (١٨). (١٠) سورة الأنعام آية (٧٣). (١١) سورة يوسف آية (١٠٠).

стр. 57

الآيات الكثيرة التي تدل على إثبات الحكمة له جل وعلا صفة من صفات ذاته لا تنفك عن فعله وأمره جل وعلا، ومن نظر في نفسه وما حوله من خلق الله أدرك أنه صدر عن حكيم خبير، وأنه إنما خلق لغاية وحكمة، وكذلك أمره جل وعلا وشرعه فيه دلالة واضحة على حكمة المشرع جل وعلا. ويعتقد السلف أن الله إنما خلق الجن والإنس لغاية وحكمة وهي عبادته جل وعلا فلم يخلقهم عبثا ولم يكلفهم شططا. وله جل وعلا الحكمة البالغة في قدره وقضائه الذي قضاه على العباد وقد تعلم هذه الحكمة وتظهر وقد لا تعلم ولا يضر عدم العلم بها إذ المراد هو الإيمان بأنه الحكيم جل وعلا في فعله وأمره (١). رابعا: التلازم بين الإيمان بالقدر والتوحيد: يقول ابن عباس ﵁: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه بالقدر توحيده" (٢)، كيف صار الإيمان بالقدر ينظم التوحيد والتكذيب بالقدر ينقض التوحيد؟ الجواب عن ذلك أن الإيمان بالقدر على ضوء ما تقدم هو اعتراف بالسيادة الكاملة للباري جل وعلا على ملكه، والتكذيب بالقدر وصف للباري جل وعلا بالعجز وخروج أمور كثيرة عن ملكه. وذلك أن الإيمان بالقدر إيمان بعموم علم الله عزوجل وأنه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يغيب عنه الظاهر ولا الخفي، ولا الجزء ولا الكل كل ذلك في علمه، والتكذيب بذلك وصف له جل وعلا بالجهل وعدم الإحاطة، والجاهل _________ (١) انظر: الفتاوى ٨/ ٣٧٧، شفاء العليل ص ١٩٠. (٢) شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٦٢٣.

стр. 58

وعديم الإحاطة لا يكون ربا ولا إلها تعالى ربنا عن ذلك. أما الكتابة فإنها تأكيد للعلم وتأكيد للسيادة على الكون في انتظامه على ما هو مكتوب لا يخرج عنه قيد شعرة، فالكتابة دليل على عظمة هذه السيادة والربوبية. أما المشيئة فشأنها عظيم، فإثباتها إثبات لربوبية الله عزوجل وسيادته السيادة الكاملة والمباشرة على خلقه، فإرادته جل وعلا ومشيئته نافذة فيهم في الصغير والكبير والحقير والجليل، ومن أنكرها فقد طعن في هذه الربوبية المطلقة على الخلق، لأن إنكارها معناه أنه يوجد في هذا الوجود شيء لا يريده الله ولا يشاؤه، وقد يشاء أمرا فلا يقع، فأي طعن في ربوبية الله عزوجل أعظم من هذا الطعن، وأي تنقص للرب جل وعلا أعظم من هذا التنقص؟ وهو كاف في نقض التوحيد وانهدام أركانه، لأنه إذا كانت مشيئته غير نافذة فملكه ناقص وعجزه ظاهر، ومن هذه صفته لا يصلح للربوبية ولا أن يكون معبودا تعالى الله عن ذلك. ومعلوم من حال ملوك البشر أن الملك الذي يصدر شعبه عن رغبته وينصاع لأمره وإرادته فيهم أعظم ملكا من الملك الذي يأمر ولا يطاع ويريد ولا تنفذ إرادته، بل هذا الأخير ليس له من الملك في الحقيقة إلا اسمه، فالله عزوجل أحق بإثبات الحال الأكمل، وملكه وسيادته وربوبيته أعلى وأظهر من كل ملك وسيادة، والأمور جميعها منوطة به جل وعلا، قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) أما خلق الأعمال فهو إثبات بأن الخالق واحد ولا شريك له في ذلك، وأن جميع ما في الوجود من متحرك وساكن هو خلق له سبحانه فإثباته إثبات لعموم الخلق الذي هو من لوازم الربوبية قال عزوجل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ _________ (١) سورة آل عمران آية (٢٦).

стр. 59

مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) فعاب على هؤلاء أن عبدوا ما لا خلق له، بل جعل الله من يخلق هو المستحق للعباد فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). فمن أنكر خلق أفعال العباد فقد زعم أنه يوجد خالق آخر مع الله أو من دون الله وهذا هو الكفر، لهذا ثبت عن كثير من السلف وصف القدرية المنكرين لخلق أفعال العباد بأنهم مجوس هذه الأمة (٤) حيث زعموا مع الله خالقين وهم العباد الذين يخلقون أفعالهم. فثبت بهذا كله أن الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع بينه وبين التوحيد تلازم فينتقض التوحيد بالتكذيب بالقدر. خامسا: فوائد الإيمان بالقدر: تقدم بيان أن الله حكيم في خلقه وأمره جل وعلا وهو إذ جعل الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فله في ذلك الحكمة البالغة فإن للإيمان فوائد عديدة: أولا: تعظيم الرب عزوجل التعظيم الواجب له سبحانه باعتقاد شمول علمه ونفوذ مشيئته وعموم خلقه جل وعلا لكل شيء (٥). ثانيا: تنشيط النفوس الصالحة إلى العمل وتخويف النفوس المفرطة لعلها تتوب وترجع إلى ربها، وذلك على ضوء قوله ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما _________ (١) سورة الصافات آية (٩٥ - ٩٦). (٢) سورة فاطر آية (٤٠). (٣) سورة النحل آية (١٧). (٤) شرح اعتقاد أهل السنة ٤/ ٦٤٦ - ٦٤٩. (٥) شفاء العليل ص ٥٢.

стр. 60

خلق له، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة" (١). فإن السائر على طريق الخير يزداد نشاطه في الخير لتوقعه أن يكون قد سلك الله به طريق أهل السعادة فإن من علامة ذلك كونه على الطريق، وكذلك المنحرف عن طريق أهل السعادة فإن ذلك يخيفه من أن يكون قد سُلكَ به طريق أهل الشقاوة فيختم له به فينتبه ويفيق ويرجع إلى ربه جل وعلا لعله يسلم ويسلك طريق النجاة، وما عند الله جل وعلا لا يحصل إلا بالعمل. يوضح ذلك أن الإنسان إذا أراد أن يكون صانعا أو تاجرا أو عالما فإنه لا يمكن أن يكون كذلك بدون عمل، فإذا كان ماهرا بالصناعة يدرك أنه سيكون في المستقبل صانعا، وكذلك إذا كان ماهرا في التجارة فإنه سيكون في المستقبل تاجرا، فإذا كان راغبا في هذه الوجهة فإنه يضاعف من جهده حتى يحسن العمل ويصل إلى غايته بأكمل ما يكون من العدة والاستعداد. وكذلك إذا كان يأمل أن يكون من العلماء ويرى نفسه مهتما بالتجارة فلا شك أنه سيجتهد في صرف نفسه عن التجارة، ويجتهد في العلم حتى يبلغ الغاية التي يأملها ويتمناها، فكذلك من أيقن أن الله قد يسر كل إنسان لما خلق له فإنه إن رأى نفسه على الطريق فرح بذلك واستبشر وزادت همته ونشاطه بدافع الحرص والوصول إلى أسمى المراتب. وإذا رأى نفسه قد تنكب الصراط فإنه يخاف أن يكون قد سلك به طريق الهالكين فيحزم ويعزم حتى يسلك سيبل السعادة لعله يكون من أهلها وهذا ظاهر بحمد الله (٢). _________ (١) سيأتي تخريجه فقد ذكره المصنف ص ٤١٤. (٢) انظر: نحو هذا المعنى في كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ٨/ ٢٧٦ - ٢٨٠، وابن القيم في شفاء العليل ص ٢٥ - ٢٦.

стр. 61

ثالثا: أن الإيمان بأن الله قد كتب كل شيء وأن ما كتب سيكون لا محالة يدفع النفوس إلى الإقدام والعمل والجد والاجتهاد وكسر طوق الخوف من الفشل والهزيمة الذي كثيرا ما يستولي على السالك أو الراغب في أمر فيثنيه عن أمره ووجهته، لهذا قال ﷺ في حديث أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل". ويروى عن علي ﵁ أنه قال: "حرس أمراً أجله" (١) وهذا حق فإن الإنسان إذا كان لن يموت إلا في يومه الذي قدر له، فإنه محروس محفوظ إلى حين الأجل وهذا يدفعه إلى الإقدام والشجاعة. رابعا: أن المسلم إذا آمن بالقدر على ضوء حديث النبي ﷺ "حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك" (٢)، أيقن بأن المقدر لا بد أن يكون فتهون عليه المصيبة إذا وقعت ووجد في احتساب الأجر فيها عند الله أعظم العزاء. كما أن الإنسان العاصي بعد توبته وإقلاعه عن ذنبه يجد في القدر عزاءً لنفسه فيقل من لومها وعتابها، فإن اللوم وعتاب النفس إذا تعدى حدَّه قد يوصل إلى اليأس أو يشغل عما ما هو أولى من الطاعة والعبادة (٣). النافع الضار وأن كل خير بيده وأن كل شر لا يدفعه إلا هو جل وعلا، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن مشيئته هي الموجبة لكل ما يقع في هذه الحياة، فإن المسلم تزداد رغبته في _________ (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٧٥. (٢) سيذكره المصنف ص ١٤٤ من حديث أبي بن كعب ﵁. (٣) انظر: الفتاوى ٨/ ٧٧.

стр. 62

الله جل وعلا رجاء النفع ورجاء دفع الضر فيدعوه ويلتجئ إليه، وهذا الدعاء واللجوء إليه جل وعلا هو أعظم المنة وغاية الرحمة فإنه العبادة التي من أجلها خلق الإنسان، والدعاء هو: العبادة، فلا أعظم بركة من الأمر الذي يوصل أو يشد إلى هذه الغاية التي خاتمتها مستقر رحمة الله ورضوانه، وأما من لم يؤمن بهذا فإنه لا يجد في نفسه التعظيم الواجب للباري وتقل رغبته فيه جل وعلا، إذ لا خير يرجى جلبه ولا شر يُرْجى دفعه، فبالتالي لا يسأل الله عزوجل ولا يدعوه ولا يرغب إليه، وأي شيء على الإنسان أعظم من إحساسه بالاستغناء عن ربه وسيده ومن بيده خير الدنيا والآخرة (١). _________ (١) انظر: نحو هذا المعنى في كلام شيخ الإسلام في الفتاوى ٨/ ٢١٤ - ٢١٦.

стр. 63

المطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلك الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وقد ورد بيانه وتوضيحه في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم متبعين لا مبتدعين، يقفون الأثر وينشطون في العمل ويعرضون عن الجدل ولم يعرف منهم رضوان الله عليهم من دخل في بدعة. وكان أول البدع ظهورا بدعة الخوارج، وكما هو معروف فإن أول ظهورهم كان في زمن الخليفة الراشد علي ﵁، ثم ظهرت بعدهم الشيعة في زمنه أيضاً ﵁، ثم ظهر نفاة القدر وذلك أواخر عهد الصحابة بعد موت الخليفة معاوية بن أبي سفيان ﵁، وقد سئل عنهم ابن عمر وابن عباس وغيرهم ممن تأخرت وفاتهم. وكان أول ظهورهم بالبصرة في العراق على يد رجل ينسب إلى الزهد يقال له معبد الجهني. وقد روى الآجري واللالكائي بإسناد جيد عن الأوزاعي أنه قال: "أول من

стр. 64

نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيا فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد" (١). ومعبد هذا كان ينسب إلى الزهد، وهو الذي أظهر القول بنفي القدر وخرج إلى المدينة وأفسد بها أناسا، وقد حذر منه الأئمة كطاووس والحسن وابن عون (٢) وقد قتله الحجاج صبرا مع ابن الأشعث، وقيل إن عبد الملك بن مروان الذي صلبه ثم قتله سنة (٨٠ هـ) (٣) وقد بلغ خبر إنكارهم للقدر عبد الله بن عمر كما في صحيح مسلم عن يحيى بن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم فال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ فذكر حديث جبريل (٤). ثم إن معبداً هذا أخذ عنه غيلان بن مسلم (٥) القدري وقد رفع أمره إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ فأتي به واستتابه فأظهر توبته فأطلقه فلم يتكلم بنفي القدر زمن عمر بن عبد العزيز، فلما توفي وتولى يزيد بن عبد الملك تكلم غيلان بنفي _________ (١) الشريعة للآجري ص ٢٤٣، السنة للالكائي ٤/ ٧٥٠. (٢) انظر: الشريعة للآجري ص ٢٤٢. (٣) انظر: البداية والنهاية ٩/ ٣٨. (٤) صحيح مسلم ١/ ٣٧. (٥) انظر: ترجمته في لسان الميزان ٤/ ٤٢٤.

стр. 65

القدر وكان يزيد لا يهتم بهذا الأمر، فلما ولي هشام بن عبد الملك أحضر غيلان وذكره بتوبته أمام عمر بن عبد العزيز، فقال غيلان: أقلني يا أمير المؤمنين فوالله لا أعود، قال هشام: لا أقالني الله إن أقلتك هل تقرأ فاتحة الكتاب قال: نعم، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال قف على ما استعنته؟ على أمر بيده لا تستطيعه أو على أمر في يدك. اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه (١). ثم لما اعتزلت المعتزلة بقول واصل بن عطاء (٢) في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين انضم إليه عمرو بن عبيد (٣) فضموا إلى بدعتهم في الإيمان وإنكَارَهم خروج أحد من النار وخلود أهل الكبائر في النار وإنفاذ الوعيد إنكارهم للقدر. ونفي القدر كانت له مرحلتان: المرحلة الأولى إنكار العلم السابق وكان على هذا معبد الجهني وبعض القدرية وقد كفرهم الأئمة بهذا، ثم إنهم رجعوا عن هذا وأنكروا المشيئة وخلق الأعمال وعموم القدرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفيهم العلم والكتابة السابقة: "وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين بني أمية في أواخر عصر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة، وكان أول من ظهر عنه ذلك بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرؤا منه وأنكروا مقالتهم كما قال _________ (١) روى هذا عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/ ٤٢٩، واللالكائي في السنة ٤/ ٧١٤ وإسناده حسن فيه مؤمل بن إسماعيل قال عنه في التقريب ص ٣٥٣، صدوق سيء الحفظ. (٢) انظر: ترجمته في لسان الميزان ٦/ ٢١٤، سير أعلامم النبلاء ٥/ ٤٦٤. (٣) انظر: ترجمته وذم الأئمة له لبدعته في الكامل لابن عدي ٥/ ١٧٥، الميزان ٣/ ٢٧٣، تاريخ بغداد ١٢/ ١٦٦.

стр. 66

عبد الله بن عمر … وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم فيهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون. ثم كثر خوض الناس في القدر فصار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب السابق، إلا أنهم ينكرون عموم مشيئة الله وعموم خلقه وقدرته ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره فما شاء فقد أمر به وما لم يشأ لم يأمر (١) به. ثم إن المعتزلة قعدوا لأنفسهم قواعد تتفق مع مخالفتهم التي انحرفوا بها عن الشرع. وأول هذه القواعد زعمهم: أن العقل مقدم على الشرع وحاكم عليه، وأن الشرع متى ما خالف العقل في زعمهم فإنه يجب اطراحه أو تأويله قال عبد الجبار المعتزلي: "اعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل". ثم قال: "الكلام في أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل، فلأن ما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله ولحال هذه كنا مستدلين بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز" (٢). ومراده هنا بقوله معرفة الله أي من ناحية صفاته جل وعلا وأفعاله، فقدموا هنا حجة العقل على الشرع ليردوا الشرع الصريح الواضح في إثبات ما يخالف مذهبهم بهذا الزعم. وهذا القول منهم قلب للحق على مقتضى العقل، لأن الله عزوجل بصفاته وأفعاله لا يمكن للعقل الوصول إلى العلم به إلا على وجه الإجمال، وإن كان الإنسان مفطورا على الإيمان بالله والإقرار له بالربوبية، _________ (١) الفتاوى ٨/ ٢٢٨. (٢) شرح الأصول الخمسة ص ٨٨.

стр. 67

ولكن هذا الإقرار لا يعطي الإنسان علما وافيا عن الله عزوجل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول إلى معرفة الله على التفصيل إلا منه جل وعلا وذلك بطريق الوحي. لهذا تخبط المعتزلة في كلامهم عن الله عزوجل وضلوا فيه جل وعلا ضلالا بعيدا سواء في صفاته أو في الكلام على أفعاله . بعد هذا قعد المعتزلة أصل (العدل) وهو الأصل الثاني من أصولهم وينسبون أنفسهم إليه بقولهم: (أهل العدل) وقد نمقوا بيانهم للمراد بالعدل بألفاظ ظاهرها التنزيه والتعظيم لله عزوجل، وباطنها تعجيز الله والحد من قدرته وسيادته والرد لشرعه ودينه. فقال عبد الجبار المعتزلي في تعريفه للعدل: هو توقير حق الغير واستيفاء الحق منه، ثم قال في تطبيق هذا التعريف على عدل الله "وأما علوم العدل فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه وأنه لا يكذب في خبره ولا يجور في حكمه" (١). فهذه العبارات من سمعها ظن أن المراد بها حق، فإن قولهم: إن أفعال الله تعالى كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه، يدخل تحتها أمور عديدة: أولها: أن الحسن والقبح إنما يعرف بالعقل وما حسن في العقل من الإنسان حسن من الله عزوجل وما قبح في العقل من الإنسان قبح من الله عزوجل، فهذا فيه تشبيه وتحكم في أفعال الله عزوجل بميزان النظر البشري. ثانيها: أن ما حسن يجب على الله أن يفعله، وما قبح لا يجوز له فعله، فهذان الأصلان جعلهما المعتزلة في كلامهم ميزان العدل الإلهي، فكل فعل أردوا إثباته أو نفيه عرضوه على هذا الميزان، فإن كان موافقا لهذا الميزان _________ (١) شرح الأصول الخمسة ص ١٣٢ - ١٣٣.

стр. 68

قبلوه وقالوا به، وإن خالف هذا الميزان ردوه ولم يقبلوه ولو قامت الأدلة الشرعية الصحيحة على إثباته، وزعموا في ردهم له أنه يخالف عدل الله وحكمته، وما لم يعلم أن الله عدلٌ حكيمٌ لا يمكن أن تعرف صحة الشرع. وهذا الميزان الجائر قد رُدت به أمور قطعية ورد الشرع بها، وأُثبت به أمور لم ترد في الشرع بل الدليل الشرعي على خلافها وهذه الأمور هي: أولا: زعموا أن الله خلق الخلق لينفعهم وهذا لم يرد في الشرع بل الذي ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ثانيا: زعموا أن الله لا يضل أحدا، وأنه لم يختم على قلوب الكفار لأن هذا عندهم قبيح ينزه الله عنه، وهذا باطل فقولهم قبيح ينزه الله عنه غير صحيح لوجهين: ١ - أن هذا ثبت في الشرع وهو الحاكم على كل شيء. ٢ - أن الله ثبت أنه عدل حكيم، فإضلاله لمن ضل إنما بمقتضى عدله جل وعلا وحكمته، وليس باللزوم أن يظهر لنا وجه هذا العدل وهذه الحكمة. ثالثا: زعموا أن الله لم يقدر على العباد المعاصي فردوا بذلك ما ثبت في السنة من أن الإيمان بأن الله يقدر الخير والشر ركن من أركان الإيمان. رابعا: زعموا أن الله لا مشيئة له نافذة في خلقه لأن هذا إجبار وهو قبيح ينزه الله عنه، فردوا بذلك الأدلة الثابتة في الشرع مع أن هذا ليس جبرا لأن العباد لهم مشيئة أيضا وقد جاءهم الشرع، وقد تقدم بيان قول السلف في القدر بالتفصيل. خامسا: أنكروا خلق أفعال العباد، وزعموا أن هذا فيه نسبة فعل القبائح إلى الله عزوجل، وهذا قبيح. _________ (١) سورة الذاريات آية (٥٦).

стр. 69

وأهل السنة لا يقولون إن الله يفعل القبائح بل هو منزه جل وعلا عن ذلك، لأن المنسوب إلى الله هو الخلق للفعل على مقتضى الدلالة الشرعية وكمال الربوبية، أما الفعل فهو فعل العبد على ما تقدم بيانه في مذهب أهل السنة. سادسا: أن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده، فأوجبوا على الله ما لم يوجبه جل وعلا على نفسه افتراءً عليه. وهكذا نرى أن نفي القدر مر بعدة مراحل، أولها نفي العلم الإلهي السابق لأفعال العباد وتبعه إنكار الكتابة وعموم المشيئة وخلق أفعال العباد، ثم إن نفي القدر خف بفعل إنكار السلف وتكفيرهم للقائلين بهذا وقوة الشرع والسنة وارتباط الناس بها إلى إثبات العلم والكتابة وإنكار المشيئة والخلق، ثم إن المتكلمين المعتزلة صاغوا هذا النفي وقعدوه بقواعد يلتزمون بأصولها ويختلفون كثيرا في فروعها، إذ مناطها العقل، والعقول مختلفة فلا تجدهم يتفقون على فرع، وهذه القواعد أدت إلى توسيع الدائرة في نفي القدر وإلى القول على الله بغير علم.

стр. 70

المطلب الرابع: التعريف بالقدرية القدرية اسم يطلق على من نفى القدر وقد سبق بيان أن المعتزلة تبنوا نفي القدر وضموه إلى بدعهم الأخرى، فنعرف هنا بالمعتزلة وبالزيدية الذين تبنوا مذهب المعتزلة وهم المعنيون برد المصنف في هذا الكتاب: أولا: المعتزلة: هم أتباع واصل بن عطاء الغزال تلميذ الحسن البصري، وكان زمنه بين أيام عبد الملك بن مروان وأولاده الثلاثة وعمر بن عبد العزيز، وكان اعتزل الحسن البصري بسبب قوله في مرتكب الكبيرة، وذلك أنه جاء رجل إلى حلقة الحسن البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة

стр. 71

يكفرون أصحاب الكبائر وجماعة يرجئونهم فلا تضر مع الإيمان عندهم كبيرة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة المسجد يقرر ما أجاب عن هذه المسألة. فقال الحسن البصري: "اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة، ثم استقر مذهب الاعتزال بعد ذلك على خمسة أصول وهي: أولا: التوحيد، وهو عندهم نفي صفات الباري جل وعلا، وإثبات أسماء لا معاني لها كقولهم عالم بلا علم قادر بلا قدرة. ثانيا: العدل، وحقيقته عندهم نفي قدر الله عزوجل ومشيئته النافذة على خلقه، وأن العباد خالقون لأفعالهم، فسموا لذلك مجوس هذه الأمة، وسموا قدرية لنفيهم القدر، وهم يلقبون أنفسهم أهل العدل والتوحيد. ثالثا: إنفاذ الوعيد، وهو أن مرتكب الكبيرة عندهم إذا لم يتب فهو من الخالدين في النار. رابعا: المنزلة بين المنزلتين، وهو قولهم إن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا ولا كافرا. خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه جواز الخروج على الأئمة عندهم وقتالهم بالسيف. وعلى هذه الأصول الخمسة يقوم مذهب الاعتزال، وهم ينقسمون إلى إحدى وعشرين فرقة، ذكرها أصحاب كتب المقالات (١). _________ (١) انظر: شرح الأصول الخمسة ص ١٢٤ - ٢٠٠، الملل والنحل بهامش الفصل ١/ ٥٢ - ٥٣، الفرق بين الفرق ص ١٦٧.

стр. 72

ثانيا: الزيدية: ١ - نشأتها: الزيدية إحدى الفرق التي تنسب إلى التشيع، وهم ينتسبون إلى زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وكانت ولادته حوالي ثمانين من الهجرة، وقتل سنة اثنتين وعشرين ومائة للهجرة النبوية، وكان من خبره: أنه التف عليه طائفة من الشيعة وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه النصحاء عن الخروج، وقال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: إن جدك خير منك وقد التف على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا ثم خانوه أحوج ما كان إليهم وإني أحذرك من أهل العراق، فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتاب الله وسنة رسوله، حتى استفحل أمره بها في الباطن وهو يتجول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة فأمرهم أن يتأهبوا للخروج أول هذه السنة، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك، فانطلق رجل يقال له: سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره وهو بالحيرة يومئذ خبر زيد ومن معه من أهل الكوفة، فأرسل يوسف بن عمر يتطلبه ويلح بطلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له: ما قولك يرحمك الله، في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة (١)، فقالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذاً؟ _________ (١) قال ابن كثير في تعليقه على هذا الكلام: وفي مذهبهم حق وهو تعديلهم الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدما عليهما بل ولا على عثمان على أصح قولي أهل السنة للأحاديث الثابتة والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة. البداية والنهاية ٩/ ٣٧١.

стр. 73

قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإحياء السنة وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية. ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من تلك السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر فكتب إلى نائبه على الكوفة، وهو الحكم بن الصلت، يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع فجمع الناس لذلك يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد ورفع أصحابه النيران وجعلوا ينادون: يا منصور يا منصور فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا، فجعل يقول: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون، وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد ابن علي فبعث إليه بسرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وتقاتل الفريقان في اليوم الأول إلى المساء، وفي اليوم الثاني إلى المساء حيث أصيب زيد بسهم في جبهته نفذ إلى دماغه فلما أخرج منه مات لساعته ودفن من ليلته وتفرق بعده أصحابه، ثم أخرج يوسف بن عمر جثته وصلبه (١). فالزيدية تنتسب إلى زيد هذا ويعدونه الإمام الرابع لهم، وأول الأئمة لديهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم زيد بن علي ثم كل من قام ودعا إلى نفسه وكان موصوفا بالعدل والأمانة وهو من أولاد فاطمة. وقد قامت لهم دولة في اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري على يد يحيى بن الحسين بن القاسم الملقب بالهادي واستمرت دولتهم بين مد وجزر وظهور وكمون إلى عام (١٣٨٢ هـ). _________ (١) البداية والنهاية ٩/ ٣٦٧ - ٣٧٢.

стр. 74

٢ - تبني الزيدية لمذهب المعتزلة: الزيدية تميزت في أول ظهورها بمسألة الإمامة وأنهم يرونها كما تراها الشيعة الاثنى عشرية في علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين بن علي، ثم يختلفون عن الاثنى عشرية بأن الإمامة تثبت لكل من قام ودعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وكان من ولد الحسن أو الحسين وهو جامع لخصال العدل والعلم فلهذا قالوا: بإمامة زيد بن علي بعد الحسين ولم يعدوا أباه زين العابدين ولا أخاه محمد الباقر ولا ابن أخيه جعفر الصادق من أئمتهم لأنهم لم يخرجوا ولم يدعوا لأنفسهم. هذا ما تميز به الزيدية من الأقوال، وأما بقية أقوالهم في مسائل الاعتقاد فإنها مبنية على مذهب المعتزلة. وعلاقة الزيدية بالمعتزلة ذكر أنها قديمة من أيام زيد بن علي، فقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن زيد بن علي أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة. وهذا لم ينقل عن زيد بن علي بسند يطمأن إليه، كما أن الشهرستاني ذكر أن محمد الباقر اعترض على أخيه زيد في أخذه عن واصل لأن واصلا يرى أن عليا أخطأ في قتاله أهل الجمل وصفين وأن كلا الفريقين على خطأ. وهذا وإن لم ينقل بسند صحيح فإن فيه دلالة على مانع صحيح يمنع زيدا من الأخذ عن واصل، والله أعلم. ويظهر بعد هذا الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة حيث ذكر الأشعري في مقالاته (١/ ١٥٤) خروج إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ في البصرة سنة خمس وأربعين ومائة أيام المنصور قال: وشخص عن البصرة في المعتزلة وغيرهم من الزيدية يريد محاربة المنصور ومعه عيسى بن زيد بن علي، فبعث إليه أبو جعفر بعيسى ابن موسى وسعد بن سلم فحاربهما إبراهيم حتى قتل، وقتلت المعتزلة بين يديه.

стр. 75

فهذا يدل على الالتقاء بين الزيدية والمعتزلة، ولعل ما يقرب بينهما هو الخروج وذلك أن الزيدية يرون أنهم أحق بالإمامة، والمعتزلة يرون الخروج على الأئمة إذا جاروا. ثم يظهر الالتقاء واضحا أكثر مع القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفى عام (٢٤٠ هـ)، وذلك أنه أخذ الفقه عن علماء المذهب الحنفي، وأخذ عن شيوخ المعتزلة في وقته في الأصول، وله مؤلفات منها العدل والتوحيد (الصغير) والعدل والتوحيد (الكبير)، الأساس في علم الكلام وغير ذلك من الكتب (١). ثم جاء بعد القاسم حفيده يحيى بن الحسين الملقب بالهادي، الذي استولى على اليمن وهو معتزلي كتب في الاعتزال كتبا كثيرة (٢) فصار بعده الزيدية معتزلة لا يختلفون عن المعتزلة إلا في الإمامة. قال الشيخ صالح المقبلي "كالزيدية في هذا الجبل من اليمن هم معتزلة في كل الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة وهي مسألة فقهية وإنما عدها المتكلمون من فنهم لشدة الخصام كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام … والمخالف في مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يعد فرقة كما قال السيد الهادي بن إبراهيم الوزير - رحمه الله تعالى - وهو من أشد الناس شكيمة في مذهب الزيدية والتعصب لهم والرد على مخالفيهم فقال فيهم وفي المعتزلة: "وإنهما فرقة واحدة في التحقيق إذ لم يختلفوا فيما يوجب الإكفار والتفسيق) ذكر هذا في خطبة منظومتة التي سماها (رياض الأبصار) عدد فيها أئمة الدعاة من الزيدية وعلماءها وعلماء المعتزلة متوسلا بهم، فذكر الأئمة الدعاة من الزيدية، ثم علماء المعتزلة ثم علماء الزيدية _________ (١) انظر: كتاب الزيدية ص ١١٥ نقلا عن الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية لحميد المحلى ٢/ ١ مخطوط. (٢) انظر: ثبت كتبه في مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ٥٠٨ - ٥١٧، وانظر: النقول عنه في آرائه الكلامية كتاب الزيدية ص ١٤٥ - ١٨٧.
следующие страницы →