← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). فقوله: "ناضرة" أي حسنة مشرقة يعلوها النور كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (٢)، قال محمد بن كعب القرظي: "نضر الله تلك الوجوه للنظر إليه" (٣). وروى عطية (٤) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: "يعني حسنة"، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: "نظرت إلى الخالق عزوجل" (٥). وقال الحسن البصري: "نظرت إلى ربها فَنَضُرَت لنوره" (٦). فهذا قول المفسرين في تفسير هذه الآية. ويدل على ذلك من المعنى أن النظر إذا قرن بالوجه وَصْفُه بالنضارة علم أنه أراد به الجارحة الذي فيه (٧) العينان وعدى ذلك بحرف جر، فانصرف

стр. 632

ذلك إلى رؤية البصر، وصار كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ (١) إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (٢) أي انظر بعينك، وصار كقول الشاعر: انظر إلي بوجه لا خفاء به … أريك تاجاً على سادات عدنان (٣) وكل نظر لم يعده بحرف جر ولا قرنه بالوجه فإنه لا يقتضي نظر العين، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٤)، كذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (٥)، فإنه يريد بذلك الانتظار دون نظر العين، ولا يجوز حمل الآية على الانتظار، لأن أهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا يجوز أن يحمل أمرهم على الانتظار، لأنهم كلما خطر ببالهم أتاهم من الله. وأما النظر في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (٦). فإنه أراد به الاعتبار، ولا يجوز أن يحمل النظر هاهنا عليه، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار. وأما النظر في قول الله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٧)، فإنه أراد به التعطف والرحمة، فلا يحمل النظر في الآية على هذا، لأن المؤمنين في الجنة لا يوصفون بالرحمة لربهم فثبت أنه أراد النظر بالعين (٨).

стр. 633

ويدل على ما قلناه: أن الله وصف المشركين ثم قال: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١)، وهذا يبطل قول السالمية (٢). ويدل على أن المؤمنين عن ربهم غير محجوبين، إذ لو كانوا عنه محجوبين لما كان لوصف المشركين بذلك معنى. قال الحسن البصري: "إذا كان يوم القيامة برز ربنا ﵎ فيراه الخلق ويحجب الكفار فلا يرونه، وهو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ " (٣). وقال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: "لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعبر الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ " (٤) وكذلك روي عن الشافعي ﵀ (٥). يدل على ما قلناه ما روى علي بن أبي طالب وأنس بن مالك أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٦)، قالا: "يظهر الرب لهم يوم القيامة" (٧). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٨)، وذلك أن موسى ﵇ لما سمع كلام الله اشتاق

стр. 634

إلى رؤيته فسأل الرؤية، فلو كانت رؤية الله مستحيلة لما سألها موسى ﵊. فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ في الدنيا ولا تطيق (١) عليها في الدنيا، وإنما منعه الله إياها في الدنيا لمعان: أحدها: أن النظر الذي في عينه خلقه الله للفناء فلا ينظر به إلى الله الذي هو باق ولا يفنى. والثاني: أن الدنيا دار تكليف فمعرفة الخلق له إنما هي عن غيب ليكون لهم الثواب لا معرفة ضرورية (٢). والثالث: أن رؤية الله تعالى من أجل النعم التي ادخرها الله لأهل الجنة في الآخرة فلم يعطها أحداً في الدنيا. ولا يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ من (٣) رؤيته في الدنيا والآخرة، لأنه لو أراد ذلك لقال: "لا تراني"، ولأنه لو كان سؤال موسى مستحيلاً لأخبره الله بذلك وقال: لا تسألن عما ليس لك به علم، كما قال لنوح ﵇: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٤)، ولنهى موسى عن ذلك. ثم قال الله لموسى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ أي اجعل الجبل علماً بيني وبينك لأنه أقوى منك، فإن استقر مكانه فسوف تراني، وإن لم يستقر الجبل مكانه لن تطيق رؤيتي في الدنيا. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ دليل على جواز رؤية

стр. 635

الله سبحانه لأن الله قادر على أن يقر الجبل مكانه (١). ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فقيل: إن الله رفع الجبل الآفة المانعة له من النظر وأحياه وخلق فيه الإدراك (٢)، وتجلى الله للجبل، أي رفع الله الحجاب (٣) ﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ يعني قطعاً ستة أجبل ثلاثة بمكة: ثبير، وغار ثور، وحراء، وثلاثة بالمدينة: رضوى، وورقان، وأحد (٤).

стр. 636

وأراد الله بهذا إعلام موسى أن أحداً لا يراه في الدنيا إلا لحقه ما لحق الجبل، فلما رأى موسى تدكك الجبل خر صعقاً أي مغشياً عليه (١)، وقيل ميتاً (٢)، فلما أفاق قيل من غشيته، وقيل: ردت عليه نفسه، قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ كلمة تنزيه لله وإجلال له ﴿تُبْتُ إِلَيْك﴾ أي من سؤالي الرؤية في الدنيا (٣) لهول ما أصابني لا لأنها مستحيلة ولا لأني عاص بسؤالي، كما يقول القائل: تبت إليك من ركوب البحر، ومن تكليم فلان ومعاملته، وإن كان ذلك كله مباحاً، ويحتمل أن يكون سؤاله الرؤية ذكرته ذنوباً قد كان تاب منها فجدد التوبة منها عند ذكرها لهول ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة عند مشاهدة الأهوال (٤). وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أول المصدقين من هذه الأمة أنك لا ترى في الدنيا (٥)، وقال الحسن: "أنا أول المؤمنين بك لأنه أول من آمن في زمانه" (٦). ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (٧)، أي ما يحيون به سلام، ومثله ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ (٨)

стр. 637

وموضع الحجة من الآية قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ واللقاء في اللغة لا يكون إلا بالمعاينة يراهم الله ويرونه ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه (١). ويدل على ما قلناه ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله ﷺ ليلة فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ستعرضون على ربكم عزوجل فترونه كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" (٢). وروى أبو هريرة ﵁ أن أناساً قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" (٣). وروي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري (٤) وغيره من الصحابة ﵃ (٥). وعن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا

стр. 638

يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعداً لم تروه قال: فيقولون ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا (١) عن النار ويدخلنا الجنة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله ما أعطاهم شيئاً هو أحب إليهم مما هم فيه ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: "اللهم ارزقني لذاذة النظر إلى وجهك" (٣). ولا يسأل النبي ﷺ مستحيلاً. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى في جنته" (٤).

стр. 639

وفي هذا من الأخبار الثابتة في الصحاح ما لو ذكرتها لطال الكتاب بذكرها. ويدل على ذلك من جهة العقل أن الله تعالى موجود، وإنما يخالف الموجود الموجودات في استحالة كونه حادثاً أو موصوفاً بما يدل على الحوادث، فلما صح أنه يوصف بأنه معلوم صح بأن يوصف (١) بأنه مرئي (٢). إن قيل: لو كان مرئياً لرأيناه في الدنيا، قلناك لا يلزم، ألا ترى أن ملك الموت يراه المحتضر ولا يراه من عنده، وكان النبي ﷺ يرى جبريل ﵇ ولا يراه أحد ممن يحضره من الصحابة ﵃. فإن قالوا: لو كان مرئياً لكان جسماً أو جوهراً أو عرضاً، لأنه لا ترى إلا الجواهر والأجسام. قلنا: فقد اتفقنا أنه معلوم وإن كان في الشاهد لا يعلم إلا الجواهر والأجسام والأعراض. وأما الدليل على إبطال قول الأشعرية فهو: أن الشرع ورد بثبوت الرؤية لله تعالى بالأبصار فَحُمِل ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، بدليل قوله ﷺ : "كما ترون القمر ليلة البدر" (٣) ولا يقتضي ذلك تحديداً ولا تجسيماً لله، كما لا يقتضي العلم به تحديداً له (٤) ولا تجسيماً. وإن قالوا: إن الرؤية لا تختص بالأبصار (٥)، رجعوا إلى قول المعتزلة، في نفي الرؤية، وأن المراد بالرؤية العلم به علماً ضرورياً (٦)، وقد حكي عن

стр. 640

بعض متأخري الأشعرية أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلت إن الرؤية العلم لا غير (١). وهكذا قالوا في سماع موسى لكلام الله أنه لا يختص الأذن، وإذا لم يختص الأذن رجع إلى معنى العلم. وأقوال الأشعرية مثبتة على أصول المعتزلة لأن أبا الحسن كان معتزلياً (٢). واستدلت المعتزلة على نفي الرؤية لله سبحانه بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ (٣)، فنفى أن تدركه الأبصار وهو عام (٤). والجواب: أنه إنما نفى الإدراك، والإدراك الإحاطة بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٥). أي أنا لمحاط بنا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ (٦)، ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة، ويحتمل أنه أراد نفي الرؤية في الدنيا لأن الرؤية، إليه (٧) أفضل اللذات، فلا تكون إلا في أفضل الدارين بدليل ما ذكرنا من الآيات والأخبار لأن الخاص يقدم على العام (٨).

стр. 641

ثم استدلوا بقول الله تعالى: ﴿يسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة﴾ (١)، فلولا أن رؤية الله مستحيلة لما أنكر الله عليهم سؤالهم الرؤية (٢). والجواب أن يقال: إن الله لم ينكر عليهم سؤالهم الرؤية لأنها مستحيلة، وإنما أنكر عليهم سؤالهم ذلك على وجه التكذيب له لكونه نبياً، وأنهم لا يؤمنون به حتى يروه ويعاينوه جهرة في الدنيا، ألا ترى أن الله أنكر على من سأل النبي ﷺ من أهل الكتاب (٣) نزول الكتاب معه، وأنكر على من قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ (٤) جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾

стр. 642

إلى قوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ (١). ومعلون أن نزول الكتاب وتفجير الأنهار وكون الجنة من النخيل والعنب معه وغير ذلك مما سألوه ليس بمستحيل، وإنما سألوا ذلك على وجه التعنت، وأخبر الله سبحانه أنه لو فعل لهم لم يؤمنوا بقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) وذلك لعلم الله وقضائه السابق فيهم.

стр. 643

١٠٥ - فصل وعند أهل الحديث أن النبي ﷺ أسرى به في اليقظة لا في المنام من المسجد الحرام (١) أي الحرام، وقيل: أسرى به من بيت خديجة بنت خويلد، وقيل: من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: من بين زمزم والمقام إلى بيت المقدس وركب البراق، ثم عرج به إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى ورأى ربه. واختلفت الرواية عن الصحابة ﵃، فروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "رأى ربه بعيني رأسه". وروي عن أبي ذر وعائشة ﵄ أنهما قالا رآه بعيني قلبه (٢)، وقد أنكر المعتزلة والقدرية الإسراء، وقالوا إنما كان ذلك رؤية في المنام (٣)، والقرآن والروايات تبطل

стр. 644

قولهم، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (١).

стр. 645

وروى حديث الإسراء جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبي بن كعب (١)، وأبو ذر (٢)، وأبو سعيد الخدري (٣)، وأنس (٤)، وصهيب (٥)، وحذيفة (٦)، وعثمان (٧)، ومالك بن صعصعة (٨)، وابن مسعود (٩)، وابن عباس (١٠)، وأبو الحمراء (١١)، وعلي (١٢)، وعائشة (١٣)، وأم هانئ (١٤)،

стр. 646

وأبوحنة الأنصاري (١)، وعمرو بن العاص (٢)، وسمرة بن جندب (٣)، وبريدة الأسلمي (٤)، وجابر بن عبد الله (٥)، وأبو هريرة (٦)، وعبد الله بن الحارث (٧). ولا ينكر ذلك إلا من ينكر القرآن والأخبار الواردة فيه. ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى﴾ (٨) - يعني جبريل ﵇ (٩) - ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ و ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ بتشديد الذال في كذب، وقيل: معناه ما كذب الفؤاد ما رآه بعيني

стр. 647

رأسه، ومن قرأ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ بالتخفيف قيل معناه ما كذب الفؤاد ما رأى بعيني قلبه (١). وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "رأى محمد ربه مرة بقلبه ومرة ببصره". فسمع ذلك كعب الأحبار، فقال: "أشهد بالله إن هذا لفي التوراة، وأن الله فسم كلامه ورؤيته بين موسى وبين محمد ﷺ ، موسى سمع كلام الله مرتين، ومحمد ﷺ رأى ربه مرتين" (٢). وأما عائشة ﵂، فروي عنها أنها أنكرت ذلك وقالت: "ثلاث من قال واحدة منهم فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إنه يدري ما يكون في غد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ (٣)، ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤)، ومن زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ

стр. 648

رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (١)، فقيل لها يا أم المؤمنين: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٢)، وقال: ﴿رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٣)، قالت: أنا سألت رسول الله ﷺ عن ذلك قال: "رأيت جبريل ﵇ سادا الأفق على خلقته وهيئته التي خلق عليها فيها" (٤). فهذا اختلاف الصحابة في جواز الرؤية عليه في الدنيا (٥).

стр. 649

وأما رؤية أهل الجنة له في الآخرة فلم يختلفوا بل الرواة لذلك لا ينحصر عددهم، ولو كان الإسراء به مناماً لم يكن للنبي ﷺ فيه فضيلة، ولما أخبر الله أنه أسري به بل كان يقول بروحه.

стр. 650

١٠٦ - فصل وعندنا أن الجنة والنار مخلوقتان (١)، وأن الجنة في السماء والنار تحت الأرضين (٢).

стр. 651

وأنكرت المعتزلة أنهما مخلوقتان (١)، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا (٢) الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٤). وقال الله لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ (٥) مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٦) فأخبر الله سبحانه أنه أخرج آدم وحواء من الجنة، ثم تاب عليهما ووعدهما أن يردهما إلى الجنة، وأخبر أنه أهبط إبليس وأخرجه من الجنة، وأنه لعنه وآيسه من الرجوع إليها. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٧) قال: أي رب لألم تخلقني؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسبق رحمتك إلي قبل غضبك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم" (٨). فأما آدم فسأل التوبة فتيب عليه، وأم إبليس فسأل النظرة فانظر.

стр. 652

ربه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (١). وروي عن عبيد (٢) بن عمير (٣) قال " قال آدم وذكر خطيئته فقال: رب أرأيت معصيتي التي عصيت أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أم شيء ابتدعته من نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال فكما كتبته عليّ فاغفر لي " (٤). وروي عن حسان بن عطية (٥) قال: " بكى آدم على خطيئته ستين عاما وعلى ابنه حين قتل أربعين عاما (٦)، فقيل له في بكائه على خطيئته فقال: أبكي على جوار ربي في دار تربتها طيبة أسمع فيها أصوات الملائكة " (٧) (٨). وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة

стр. 653

أرسل جبريل إليها فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، قال: فحفت بالمكاره، فقال: اذهب فانظر فنظرها ورجع وقال: وعزتك لقد حبست ألا يدخلها أحد، ولما خلق الله النار وما وأعد الله لأهلها فيها قال لجبريل: اذهب إليها فانظرها فنظر إليها فإذا هي تركب بعضها بعضا فرجع وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر الله فحفت بالشهوات، ثم قال له انظر إليها فنظر إليها فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد " (١). وقال ﷺ : "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" (٢)، فقالت امرأة لم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" (٣). والعشير الزوج. وروى أبو هريرة ﵁ قال: "كنا عند رسول الله ﷺ إذ سمعنا وجبة فقال لنا رسول الله ﷺ : أتدرون ما هذا، قلنا: الله ورسوله أعلم

стр. 654

قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفا الآن حين انتهى قعرها" (١). وروي أن النبي ﷺ قال: "أوقد على النار ألف عام فاحمرت، وأوقد عليها ألف عام فابيضت، وأوقد عليها ألف عام فاسودت فهي سوداء مظلمة" (٢)، وقال النبي ﷺ : "ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جنهم، فقيل: والله يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: إنها فضلت (٣) بتسعة وستين (٤) جزءا كلها مثل حرها " (٥). ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦). والمعد في اللغة لا يكون إلا حاضرا موجودا، ومن زعم أن المعد بمعنى يعد غير صحيح، لأن هذا مجاز فلا تترك له الحقيقة. وأما قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ يعني سعتها وإنما ذكر الله هذا تمثيلا للعباد بما يعقلونه ويفهمونه، والعادة أن العرض دون الطول، فإذا كان

стр. 655

العرض على هذا فالطول أكثر، قال الشاعر: كأن بلاد الله وهي عريضة … على الخائف المذعور كفة (١) حابل وروى طارق بن شهاب (٢) أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب ﵁: " تقولون جنة عرضها السموات والأرض فأين تكون النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار فأين يكون الليل، وإذا جاء الليل فأين يكون النهار - يريد لذلك حيث يشاء الله - فقالوا: لقد برعت (٣) بما في التوراة " (٤). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٥)، ومعلوم أنه لم يتمن قومه بذلك إلا لكونهم في الدنيا، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦)، والمعد: المستعد المهيأ (٧). وعن حسان بن عطية (٨) قال: " الأرض التي تحت هذه فيها حجارة أهل النار " (٩).

стр. 656

قال ابن مسعود: "حجارة النار حجارة من كبريت يجعلها كيف يشاء" (١)، وذكر أهل التفسير أن موسى ﷺ ذكر الله له في الهاوية فيها حجارة توقد منذ استويت على عرش أعدت لكل جبار عنيد ولمن حلف باسمي كاذبا، قال: وما تلك الحجارة؟ قال: كبريت في النار عليها مستقر قدمي فرعون، قال: رب وما الكبريت؟ قال: غضبي وعزتي لو قطرت منها قطرة في بحور الدنيا لأخمدت كل بحر ولهدت كل جبل ولسعت (٢) الأرضين من حرها" (٣). وفي بعض الأخبار: "أن الحجر يتعلق في عنق الكفار فإذا اشتعل بالنار أحرق وجهه وفروة رأسه وهو أشد العذاب" (٤). أعوذ بالله وأستجير به منها ونسأله الحنة. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: "من سأل الله الجن ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار" (٥). وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق الجنة بيضاء وإن أحب

стр. 657

الزي إلى الله البياض فلبسوه أحياءكم وكفنوا به موتاكم" (١).

стр. 658

١٠٧ - فصل ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم وإن ماتوا قبل التوبة منها فأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك (١).

стр. 659

وقالت المرجئة: "لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر" (١).

стр. 660

وقالت الخوارج: "من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة" (١). وقالت المعتزلة والقدرية: "لا يجوز أن يعذب الله العباد على الصغائر وإن عذبهم عليها ظلمهم، ومن فعل كبيرة فإنه يخلد في النار، ولا يوصف الله بأنه يغفر الكبائر" (٢). فعند القدرية من عبد الله ألف سنة بأنواع العبادات من الصلاة والصوم والجهاد وغير ذلك لم يعص الله فيها ثم ركب معصية من الكبائر مرة واحدة

стр. 661

غير مستحل لها، إنه يخرج من إيمانه ويخلد في النار، كمن لم يؤمن بالله طرفة عين، وهذا مع تسميتهم لأنفسهم أهل العدل، وجعلوا حكم الشاهد أصلا لهم، وهذا في الشاهد خلاف العدل، وحكم العدل في الشاهد إن لم يعف الله عنه ويصفح عن هذا العبد الذي هذا صفته أن لا يظلمه من حسناته التي عملها لأنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (١)، ويعاقب على المعصية التي عملها بقدرها. وحكى عن بعضهم أنه قال: صاحب الكبيرة يوما في الجنة ويوما في النار (٢). والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). ومعنى الآية أن الله لا يغفر لمن يشرك به فيموت على الشرك، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أهل التوحيد (٤). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). وهذه الآية في وحشي قاتل حمزة (٦)، ولكنها وإن نزلت بسببه إلا أنها عامة في جميع العباد وجميع الذنوب.

стр. 662

والدليل عليه ما روي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: "سمعت النبي ﷺ يقول ما يسرني بهذه الآية الدنيا وما فيها ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١) يقول لا تيأسوا من رجمة الله أنه لا توبة لكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ يعني الشرك والقتل والزنا الذي ذكر الله في سورة الفرقان (٢) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال قوم: إنها لم تنزل بسبب وحشي لأنها مكية، ووحشي أسلم بعد ذلك بعد قتل حمزة بالمدينة، وبين نزولها وإسلامه قدر عشرين سنة، ولكنه أتى النبي ﷺ فقال: هل لي من توبة، فقال له نعم وقرأ عليه هذه الآية (٣). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٤). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (٥) وهذا عام، ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ

стр. 663

السَّيِّئَاتِ﴾ (١) وهذه الآية نزلت في أبي نفيل عباد بن قيس الأنصاري (٢): أتته امرأة تشتري منه تمرا فراودها على نفسها ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني خليت بامرأة فما من شيء يفعل الرجل بالمرأة إلا وقد فعلته بها إلا أني لم أنكحها فنزلت هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَار﴾ يعني صلاة الصبح والظهر والعصر ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني المغرب والعشاء ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال معاذ بن جبل ﵁: يا رسول الله أهذا خاص له أم عام للناس؟ فقال: بل عام للناس" (٣). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٤) والكبائر ها هنا الشرك (٥)، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 664

من الدليل على ما قلنا ما روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق " أخرجه البخاري ومسلم (١). وروى جابر قال: أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله ما الموجبتان، قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا (٢) دخل النار" (٣). عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله ﷺ : "ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ثم يضعها على اليهود والنصارى" (٤). وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "إن رجلا أذنب

стр. 665

ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال الله: عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي " (١). وعن علقمة عن عبد الله مسعود قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْن﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال: ألم تسمعوا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "قال الله من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا" (٣). وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المغفرة تحل على العبد ما لم يقع الحجاب، فقيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: الشرك به، قال فما نفس تلقاه لا تشرك به إلا حلت لها المغفرة من الله، فإن شاء غفر لها وإن شاء عذبها، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ … ﴾ (٤) الآية. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا

стр. 666

الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (١)، قال: "كلهم في الجنة" (٢). وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٣) قال لهم: "ما تقولون فيها؟ قالوا: استقاموا فلم يذنبوا، قال أبو بكر الصديق ﵁: حملتم الأمر على أشده استقاموا لم يرجعوا إلى عباده الأوثان" (٤). وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "أربع آيات في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا وما فيها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ

стр. 667

اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١)، (٢) قال الحسن البصري: "وأنا أقول آية خامسة فيها (٣) للمسلمين خير من الدنيا وما فيها قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (٤)، (٥). وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود ﵃ أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر. وروي عقبة بن علقمة اليشكري (٦) قال: "شهدت مع علي ﵁ صفين فأتي بخمسة عشر رجلا أسرى من أصحاب معاوية وكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه" (٧).

стр. 668

وعن ثابت بن أبي الهذيل (١) قال: "سألت علي بن الحسين (٢) عن أصحاب الجمل، فقال: مؤمنون وليسوا بكفار" (٣). ويدل على ما قلناه أن من وعد الله ثوابا على عمل عمله بفضل من الله ونعمة ولا يوصف الله بأنه يخلف وعده لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤)، ومن أوعده عذابا على ذنب أذنبه فإن الوعيد حق له وترك الوفاء بالوعيد كرم وجود، وربنا موصوف بالجود والكرم، وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحظنا عليه ومدح فاعله. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٦)، قال ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧)، وأخبر عن نفسه بالعفو فقال ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (٨). وروي أن عمرو بن عبيد (٩) كان يقول بالوعيد، فناظر أبا عمرو بن العلاء (١٠)، فاحتج عمرو بن عبيد بأن إخلاف الوعيد قبيح وذم عند أهل اللسان وأنشد لأعرابي يمدح رجلا: أن أبا ثابت لمجتمع الرأي … شريف الآباء والنسب لا يخلف الوعد والوعيد … ولا يبيت من داره (١١) على قرب

стр. 669

فقال أبو عمرو: وإن كان هذا الشاعر قد مدح بالأمرين، فإن كعب بن زهير مدح رسول الله ﷺ وكان قد توعده فأنشده قصيدته: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … إلى قوله: أنبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول فلم ينكر رسول الله ﷺ قوله بل وقع موقعا منه فعفى عنه (١)، وأعطاه بردة كانت له فابتاعها منه معاوية ﵁ بعشرة آلاف ردهم كانت مع الخلفاء خلفية بعد خليفة. وروي أن أبا عمرو قال له يا أبا عثمان: أليس لك علم بمعاني كلام العرب. العرب لا تعد العافي مخلفا ثم أنشده: وما يرهب المولى ولا الجار صولتي … ولا أختفي من سورة (٢) المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته … لأخلف ايعادي وأنجز موعدي (٣) وروي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "من وعد الله على عمل (٤) ثوابا فهو منجزه ومن أوعده على عمل عقابا فهو الخيار" (٥).

стр. 670

والعرب تذم من يفي بوعيده قال الشاعر: كان فؤداي بين أظفار طائر … من الخوف في جو السماء معلق حذار امرئ قد كنت اعلم أنه … متى ما يعد من نفسه الشر يصدق (١) فان احتجوا بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ (٢). فالجواب عنه أن روي عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها قال: "من يشرك بالله" (٣). وروي عن الحسن البصري أنه قال: لمن أراد الله هوانه فأما من أراد كرامته فلا، قد ذكر الله قوما فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤). وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "يا رسول الله أخبرني بأمر من يعمل سوءاً يجز به، فقال النبي ﷺ : يا أبكر ألست تنصب، ألست تجزع، ألست تمرض، أليس يصيبك اللأواء قال: بلى قال: ذلك (٥) تجزون به" (٦). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما سألني أحد عنها منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: هذه الآية ما يصيبه الله من العبد في
следующие страницы →