المجلد الأول
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، الذي بعثه الله بالحنِيفِيّة الواضحة والدين القويم، فهدى الناس من الضلالة وبصَّرهم من العمى وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وعلى آله مصابيح الظلام وهُداة الأنام، وصَحْبه القادة المَغَاوير أولي الآراء الراجحة والحجج الواضحة والمنهاج المستقيم، وعلى من سلك طريقه واقتفى أثره وتبع سنّته إلى يوم الدين.
وأما بعد؛ فإني منذ أكثر من خمسة عشر عامًا كنت قد عُنِيتُ بتخريج كتاب"الإنصاف، في مسائل الخلاف، بين النحويين البصريين والكوفيين" الذي صنفه الإمام الحجة والعالم الثبت كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد، الأنباري، النحوي، المولود في سنة ٥٣١، والمتوفى في سنة ٥٧٧ من الهجرة، بعد أن قرأت بعض مسائله لأبنائي من طلبة الدراسات العليا في كلية اللغة العربية إحدى كليات الجامع الأزهر، وعَلَّقت عليه تعليقات ذات شأن، ثم رأيت أن أذيع الكتاب مع شرحي عليه الذي أسميته "الانتصاف من الإنصاف" ليكون بين يَدَي قرّاء العربية "كتاب لطيف، يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويِّي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة"١، وكان أن قدّمت الكتاب للنشر، ولكن أزمة الورق في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقفت حائلًا منيعًا بين نشر الكتاب مع شرحي عليه، وكنت بين اثنتين: إما أن أنشر الكتاب وحده وأترك شرحي الذي كَابَدْت فيه ما لا يعلمه إلا الله من الجهد والعناء، وإما أن أتركهما جميعًا حتى يأذن الله بنشرهما معًا، وترددت كثيرًا فيما عسى أن أختار من هاتين الخلّتين، وصحّ العزم آخر الأمر على أن أرضى بنشر كتاب "الإنصاف" غُفْلًا مما كتبته عليه؛ رغبة في أن يعرفه قرّاء العربية ويَرَوْا أنه من أفضل ما صنّف علماؤنا في فنون العربية، فيُقْبِلوا عليه ويرتاحوا له. وظهر الكتاب كما
стр. 2
أراد الناشرون، فإذا أماثل العلماء يَرْضَوْنَ عنه ويجدون فيه طلبة طالما تاقت إليها أنفسهم، وإذا هم يقبلون على قراءته ويستنجزون الوعد بإخراج "الانتصاف" معه.
وهأنذا أعود إلى أوراقي التي كنت كتبتها يومئذ فأختار منها ما لا أجد مناصًا من إذاعته مما يؤيّد رأيًا أو يدفع رأيًا، ومما يشرح شاهدًا أو يذكر شاهدًا من أشباه ما ذكره المؤلف وأمثاله، أو مما يقوي حجَّته ويؤيدها، أو مما يقع حجة للخصم الآخر عليه، أو مما يوجّه الشاهد على غير ما رآه، ونحو ذلك مما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، وقد تركت كثيرًا مما كنت أعددته وقت القراءة الأولى مخافة الملَال والسَّأم، ولعلِّي عائد إلى هذا الذي تركته اليوم فباسطٌ فيه القول وناشره، والله المسئول أن يوفّق إلى ذلك ويهيئ له أسبابه، ويدفع عنه موانعه، إنه ولي الإجابة، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وقد وضعت لكل مسألة عنوانًا وجعلته بين قوسين معقوفين هكذا [] .
اللهم إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى عليك شيء في الأرض ولا في السماء، ربّ اجعلني ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ربّ اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، ربّ تقبل مني واقبلني، وتجاوز عني، إنك أنت البرّ الرءوف الرحيم؟
كتبه المعتز بالله
محمد محيي الدين عبد الحميد
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام، العالم، الزاهد، كما الدين عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري وفّقه الله:
الحمد لله الملك الحق المبين، والصلاة [والسلام] على صفوته النبي العربي المبعوث بالدين المتين، وعلى آله وأصحابه وعِتْرَتِه البررة المتقين.
وبعد؛ فإن جماعة من الفقهاء المتأدّبين، والأدباء المتفقّهين، المشتغلين عليّ بعلم العربية، بالمدرسة النِّظامية – عَمَرَ الله مبانيها! ورحم الله بانيها! سألوني أن ألخص لهم كتابًا لطيفًا، يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة؛ ليكون أول كتاب١ صُنّف في علم العربية على هذا الترتيب، وأُلِّف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف، ولا ألف عليه أحد من الخلف.
فتوَخَّيْتُ٢ إجابتهم على وَفْقِ مسألتهم، وتَحَرَّيت إسعافهم لتحقيق طَلِبَتِهم؛ وفتحت في ذلك الطرق، وذكرت من مذهب كل فريق ما اعتمد عليه أهل التحقيق، واعتمدت في النصرة على ما أذهب إليه من مذهب أهل الكوفة أو البصرة على سبيل الإنصاف، لا التّعصّب والإسراف، مستجيرًا بالله، مستخيرًا له فيما قصدتُ إليه؛ فالله تعالى ينفع به؛ إنه قريب مجيب.
стр. 4
١- مسألة: [الاختلاف في أصل اشتقاق الاسم] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم مشتق من الوَسْم وهو العلامة وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السُّمُوِّ وهو العُلُوّ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مشتق من الوَسْم لأن الوَسْم في اللغة هو العلامة، والاسم وَسْمٌ على المسمى، فصار كالوسم عليه؟ فلهذا قلنا: إنه مشتق من الوَسْمِ، ولذلك قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الاسم سمةٌ تُوضَع على الشيء يعرف بها. والأصل في اسم وسم، إلا أنه حذفت منه الفاء التي هي الواو في وَسْم، وزيدت الهمزة في أوله عِوَضًا عن المحذوف، ووزنه إِعْلٌ؛ لحذف الفاء منه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مشتق من السُّمُوِّ لأن السُّمُوَّ في اللغة هو العلو، يقال: سما يَسْمُو سُمُوًّا، إذا علا، ومنه سمّيت السماء سماء لعلوّها، والاسم يَعْلُو على المسمّى، ويدل على ما تحته من المعنى، ولذلك قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرِّد: الاسم ما دلَّ على مسمّى تحته، وهذا القول كافٍ في الاشتقاق، لا في التّحديد، فلمّا سَمَا الاسم على مُسمّاه وعَلَا على ما تحته من معناه دلَّ على أنه مشتقُّ من السُّمُوِّ، لا من الوَسْمِ.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا إنه مشتق من السمو وذلك لأن هذه الثلاثَةَ أقسام٢، التي هي الاسم والفعل والحرف لها ثلاثُ مراتب؛ فمنها ما
стр. 5
يُخْبَر به ويُخْبَر عنه وهو الاسم نحو" اللهُ ربُّنا، ومحمدٌ نبيُّنا" وما أشبه ذلك، فأخبرتَ بالاسم وعنه، ومنها ما يُخْبَر به ولا يُخْبَر عنه، وهو الفعل، نحو "ذهب زيد، وانطلق عمرو" وما أشبه ذلك، فأخبرت بالفعل، ولو أخبرت عنه فقلت "ذهب ضرب، وانطلق كتب" لم يكن كلامًا؛ ومنها ما لا يخبر به ولا يخبر عنه، وهو الحرف، نحو "من، ولن، وبل" وما أشبه ذلك؛ فلما كان الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه، فقد سما [الاسم] على الفعل والحرف: أي عَلَا، فدلَّ على أنه من السُّمُوِّ والأصل فيه سِمْوٌ على وزن فِعْلٍ١ – بكسر الفاء سكون العين– فحذف اللام التي هي الواو وجعلت الهمزة عوضًا عنها، ووزنه إِفْعٌ؛ لحذف اللام منه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "إنما قلنا إنه مشتق من الوَسْم لأن الوَسْم في اللغة العلامة، والاسم وَسْمٌ على المسمَّى وعلامة عليه يعرف به" قلنا: هذا وكان صحيحًا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة اللفظ، وهذه الصناعة لفظية، فلا بدَّ فيها من مراعاة اللفظ. ووجه فساده من جهة اللفظ من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنَّا أجمعنا على أن الهمزة في أوله همزة التعويض، وهمزة التعويض إنما تقع تعويضًا عن حذف اللام، لا عن حذف الفاء٢، ألا ترى أنهم
стр. 6
لما حذفوا اللام التي هي الواو من بَنَوٍ عوَّضوا عنها الهمزة في أوله فقالوا: ابْنٌ، ولما حذفوا الفاء التي هي الواو من وِعْدٍ لم يعوِّضوا عنها الهمزة في أوله فلم يقولوا إِعْدٌ، وإنما عوضوا عنها الهاء في آخره فقالوا: عِدَة؛ لأن القياس فيما حُذِفَ منه لامُه أن يُعَوَّض بالهمزة في أوله، وفيما حذف منه فاؤه أن يعوض بالهاء في آخره، والذي يدل على صحة ذلك أنه لا يوجد في كلامهم ما حذف فاؤه وعوِّض بالهمزة في أوله، كما لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه وعُوِّض بالهاء في آخره١، فلما وجدنا في أول "اسم" همزة التعويض علمنا أنه محذوف اللام، لا محذوف الفاء؛ لأن حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما ليس له نظير؛ فدلَّ على أنه مشتق من السُّمُوِّ لا من الوَسْم.
стр. 7
والوجه الثاني: أنك تقول "أسْمَيتُه" ولو كان مشتقًّا من الوَسْم لوجب أن تقول "وَسَمْتُه" فلما لم تقل إلا "أسميت" دلَّ على أنه من السُّمُوِّ، وكان الأصل فيه "أَسْمَوتُ"١، إلا أن الواو التي هي اللام لما وقعت رابعة قلبت ياء، كما قالوا: أَعْلَيْتُ، وأدعيت، والأصل: أعلوت، وأدعوت، إلا أنه لما وقعت الواو رابعة قلبت ياء، فكذلك ها هنا.
وإنما وجب أن تُقْلَب الواو ياء رابعة من هذا النحو حَمْلًا للماضي على المضارع، والمضارع يجب قلب الواو فيه ياء نحو "يُعْلِي، ويُدْعِي، ويُمْسِي" والأصل فيه "يُعْلِوْ، ويُدْعِوْ، ويُسْمِوْ" وإنما وجب قلبها ياءً في المضارع لوقوعها ساكنة مكسورًا٢ ما قبلها؛ لأن الواو متى وقعت ساكنة مكسورًا ما قبلها وجب قلبها ياء، ألا ترى أنهم قالوا: ميقات، وميعاد، وميزان، والأصل: مِوْقَات، ومِوْعَاد، ومِوْزَان؛ لأنه من الوَقْت، والوَعْد، والوَزْن؛ إلا أنه لما وقعت الواو ساكنة مكسورًا ما قبلها وجب قلبها ياء؛ فكذلك ها هنا. وإنما حملوا الماضي على المضارع مراعاة لما بَنَوْا عليه كلامهم من اعتبار حكم المشاكلة، والمحافظة على أن تجري الأبواب على سَنَن واحدة، ألا ترى أنهم حملوا المضارع على الماضي إذا اتصل به ضمير جماعة النسوة نحو
стр. 8
"تَضْرِبْنَ" وحذفوا الهمزة من أخوات "أُكْرِمُ" نحو "نُكْرِم، وتُكْرِم، ويُكْرِم" والأصل فيه "نُؤَكْرِم، وتُؤَكْرِم، ويُؤَكْرِم" كما قال:
[١]
فإنه أهل لأن يُؤَكْرَما
حملًا على أُكْرِم وإنما حذفت إحدى الهمزتين من"أُكرم" لأن الأصل فيه "أُأَكْرِم" فلما اجتمع فيه همزتان كرهوا اجتماعهما؛ فحذفوا إحداهما تخفيفًا، ثم حملوا سائر أخواتها عليها في الحذف، وكذلك حذفوا الواو من أخوات يَعِدُ، نحو "أَعِدُ، ونَعِدُ، وتَعِدُ" والأصل فيها: "أَوْعِد، ونَوْعِد، وتَوْعِد، حملًا على يَعِد، وإنما حذفت الواو من"يعد" لوقوعها بين١ ياء وكسرة ثم حملوا سائر أخواتها عليها
стр. 9
في الحذف، كلُّ ذلك لتحصيل التشاكل والفرار من نَفْرة الاختلاف، فكذلك ههنا حملوا الماضي على المضارع، وبل أولى، وذلك لأن مراعاة المشاكلة بالقلب أَقْيَسُ من مراعاة المشاكلة بالحذف؛ لأن القلب تغيير يعرض في نفس الحرف، والحذف إسقاط لأصل الحرف، والإسقاط في باب التغيير أتمُّ من القلب، فإذا جاز أن يُرَاعُوا المشاكلة بالحذف فبالقلب أولى.
وأما قلب الواو ياء في الماضي في نحو "تغازَيْتُ، وترجَّيبت" وإن لم تقلب ياء في المضارع لأن الأصل في تغازيت: غازيت، وفي ترجَّيت: رجَّيت، فزيدت التاء فيهما لتدلَّ على المطاوعة، وغازيت ورجَّيت يجب قلب الواو فيهما ياء في المضارع، ألا ترى أنك تقول في المضارع: أُغَازِي، وأُرَجِّي، فكذلك في الماضي، وإذا لزم هذا القلب قبل الزيادة في "غازيت أغازي، ورجَّيت أرجِّي" فكذلك بعد الزيادة في تغازيت وترجَّيتُ، حملًا لتغازيت على غازيت، وترجَّيتُ على رجَّيت، مراعاة للتشاكل، وفرارًا من نفرة الاختلاف.
والوجه الثالث: أنك تقول في تصغيره "سُمَيّ" ولو كان مشتقّا من الوَسْم لكان يجب أن تقول في تصغيره "وُسَيْم" كما يجب أن تقول في تصغير زِنَة: وُزَيْنَة، وفي تصغير عِدَة: وُعَيْدَة؛ لأن التصغير يردُّ الأشياء إلى أصولها، فلما لم يجز أن يقال إلا سُمَي دلَّ على أنه مشتق من السُّمُوّ، لا من الوَسْمِ.
والأصل في سُمَيّ: سُمَيْو، إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشدّدة، كما قالوا: سيِّد وجيِّد وهيِّن وميِّت. والأصل فيه: سَيْود وجَيْود وهَيْون ومَيْوِت؛ لأنه من السودد والجودة والهوان والموت، إلا أنه لما اجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وكذلك أيضًا قالوا: طَوَيْتُ طَيًّا، ولَوَيَتُ لَيًّا، وشَوَيَتُ شَيًّا، والأصل فيه: طَوْيًا ولَوْيًا وشَوْيًا، إلا أنه لما اجتمعت الواو والياء والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء، وجعلوهما ياء مشددة، وإنما وجب قلب الواو إلى الياء دون قلب الياء إلى الواو لأن الياء أَخْفُّ من الواو؛ فلما وجب قلب أحدهما إلى الآخر كان قلبُ الأثْقَلِ إلى الأخفِّ من قلب الأخَفِّ إلى الأثقل.
والوجه الرابع: أنك تقول في تكسير "أَسْمَاء١" ولو كان مشتقًّا من الوَسْمِ
стр. 10
لوجب أن تقول: أوسام، وأواسيم؛ فلما لم يجز أن يقال إلا أسماء دلَّ على أنه مشتقّ من السُّمُوِّ، لا من الوَسْمِ.
والأصل في أسْمَاء أسْمَاو، إلا أنه لما وقعت الواو طرفًا وقبلها ألف زائد قلبت همزة كما قالوا: سَمَاء، وكَسَاء، ورَجَاء، ونَجَاء. والأصل فيه: سماو، وكساو، ورجاو، ونجاو؛ لقولهم: سَمَوْت وكَسَوْت ورَجَوْت ونَجَوْت، إلا أنه لما وقعت الواو طرفًا وقبلها ألف زائدة قلبت همزة.
ومنهم من قال١: إنما قلبت ألفًا لأن الألف التي قبلها لما كانت ساكنة خفية زائدة -والحرف الساكن حاجزٌ غيرُ حصين- لم يعتدُّوا بها، فقدُّروا أن الفتحة التي قبل الألف قد وليت الواو٢ وهي متحركة، والواو متى تحركت وانفتح ما قبلها وجب أن تقلب ألفًا، ألا ترى أنهم قالوا: سَمَا، وعَلَا، ودَعَا، وغَزَا، والأصل فيها سَمَوَ وعَلَوَ ودَعَوَ وغَزَوَ؛ لقولهم: سَمَوْت وعَلَوْت ودَعَوْت وغَزَوْت، إلا أنه لمَّا تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فكذلك ههنا قلبوا الواو في أسْمَاوٍ ألفًا، فاجتمع فيه ألفان: ألف زائدة، وألف منقلبة عن لام الكلمة، والألفان ساكنان، وهما لا يجتمعان، فقلبت الألف الثانية المنقلبة عن لام الكلمة همزة لالتقاء الساكنين، وإنما قلبت إلى الهمزة دون غيرها من الحروف لأنها أقربُ الحروف إليها؛ لأن الهمزة هَوَائية، كما أن الألف هَوَائية، فلما كانت أَقْرَبَ الحروف إليها؛ كان قلبها إليها أولى من قلبها إلى غيرها.
والوجه الخامس: أنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا في اسم: سُمًى، على مثال عُلًى، والأصل فيه سُمَوٌ، إلا أنهم قلبوا الواو منه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار سُمًى، قال الشاعر:
[٢]
واللهُ أَسْمَاكَ سُمًى مُبَارَكًا ... آثرَكَ الله به إيثَارَكَا
стр. 11
وفيه خمس لغات: اسم بكسر الهمزة، واسم بضمها، وسِمٌ بكسر السّين وسُمٌ بضمها. قال الشاعر:
[٣]
وعامنا أَعْجَبَنَا مُقَدَّمُه ... يُدْعَى أَبَا السَّمح وقِرْضَابٌ سُمُه
مُبْتَرِكًا لِكُلِّ عظم يَلْحُمُه
وقال:
[٤]
باسم الذي في كل سورة سِمُه ... قد وردت على طريق تَعْلَمُه
стр. 12
ويروى سُمُهْ بضم السّين، وسُمًى على وزن عُلًى، على ما بيّنّا. والله أعلم.
стр. 13
٢- مسألة: [الاختلاف في إعراب الأسماء الستة] ١
ذهب الكوفيّون إلى أن الأسماء الستة المعتلّة وهي: أبُوكَ، وأخُوكَ وحَمُوكَ، وهَنُوكَ، وفُوكَ، وذو مال مُعْرَبَة من مكانين. وذهب البصريون إلى أنها معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب. وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش في أحد القولين. وذهب في القول الثاني إلى أنها ليست بحروف إعراب، ولكنها دلائلُ الإعرابِ، كالواو والألف والياء في التثنية والجمع، وليست بلام الفعل. وذهب علي بن عيسي الرَّبَعِي إلى أنها إذا كانت مرفوعة ففيها نقل بلا قلب، وإذا كانت منصوبة ففيها قلب بلا نقل، وإذا كانت مجرورة ففيها نقل وقلب. وذهب أبو عثمان المازني إلى أن الباء٢ حرف الإعراب، وإنما الواو والألف والياء نشأت عن إشباع الحركات.
وقد يحكى عن بعض العرب أنهم يقولون: هذا أَبُك، ورأيت أَبَك، ومررت بِأَبِك -من غير واو ولا ألف ولا ياء- كما يقولون في حالة الإفراد من غير إضافة٣.
وقد يحكى أيضًا عن بعض العرب أنهم يقولون: هذا أَبَاك، ورأيت
стр. 14
أبَاكَ، ومررت بأبَاكَ -بالألف في حالة الرفع والنصب والجر- فيجعلونه اسمًا مقصورًا، قال الشاعر:
[٥]
إن أَبَاهَا وأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَاهَا
ويحكى عن الإمام أبي حنيفة أنه سئل عن إنسان رَمَى إنسانًا بحجر فقتله: هل يجب عليه القَوَدُ؟ فقال: لا، ولو رماه بِأَبَا قُبَيْسٍ -بالألف، على هذه اللغة- لأن أصله أبَوٌ، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبوها ألفًا بعد إسكانها إضعافًا لها، كما قالوا: عَصًا، وقَفًا، وأصله عَصَو وقَفَوا، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبوها ألفًا، فكذلك ههنا.
والذي يعتمد عليه في النُّصْرَة أهل الكوفة والبصرة القولان الأولان؛ فهذا منتهى القول في تفصيل المذاهب واللغات؛ فلنبدأ بذكر الحجَجِ والاستدلالات:
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن هذه الحركات -التي هي الضمة والفتحة والكسرة- تكون إعرابًا لهذه الأسماء في حال الإفراد، نحو قولك: هذا أبٌ لك، ورأيت أبًا لك، ومررت بأبٍ لك، وما أشبه ذلك، والأصل فيه أبَوٌ، فاستثقلوا الإعراب على الواو، فأوقَعُوه على الباء وأسقطوا الواو؛ فكانت الضمة علامة للرفع، والفتحة علامة للنصب، والكسرة علامة للجر، فإذا قلت في الإضافة: هذا أبوك، وفي النصب: رأيت أبَاكَ، وفي الجر: مررت بِأَبِيك، والإضافة طارئة على الإفراد كانت الضمة والفتحة والكسرة باقية على ما كانت عليه في حال الإفراد؛ لأن الحركة التي تكون إعرابًا للمفرد في حال الإفراد هي بعينها تكون إعرابًا له في حال الإضافة، ألا ترى أنك تقول: هذا غلام، ورأيت غلامًا، ومررت بغلام، فإذا أضفته قلت: هذا غلامك، ورأيت غلامك، ومررت
стр. 15
بغلامِكَ؛ فتكون الضمة والفتحة والكسرة التي كانت إعرابًا له في حال الإفراد هي بعينها إعرابًا له في حال الإضافة، فكذلك ههنا، والذي يدلُّ على صحة هذا تغيُّر الحركات على الباء في حال الرفع والنصب والجر، وكذلك الواو والألف والياء بعد هذه الحركات تجري مجرى الحركات في كونها إعرابًا؛ بدليل أنها تتغير في حال الرفع والنصب والجر؛ فدلّ على أن الضمة والواو علامة للرفع، والفتحة والألف علامة للنصب، والكسرة والياء علامة للجر، فدلّ على أنه معرب من مكانين١.
ومنهم من تمسّك بأن قال: إنما أعربت هذه الأسماء الستة من مكانين لقلّة حروفها، تكثيرًا لها، وليزيدوا بالإعراب في الإيضاح والبيان؛ فوجَبَ أن تكون معربة من مكانين على ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا "إنه معرب من مكان واحد" لأن الإعراب إنما دخل الكلام في الأصل لمعنًى وهو الفَصْل، وإزالة اللَّبْسِ، والفَرْقُ بين المعاني المختلفة بعضها من بعض، من الفاعلية والمفعولية إلى غير ذلك وهذا المعنى يحصل بإعراب واحد؛ فلا حاجة إلى أن يجمعوا بين إعرابين؛ لأن أحد الإعرابين يقوم مقام الآخر، فلا حاجة إلى أن يجمع بينهما في كلمة واحدة.
ألا ترى أنهم لا يجمعون بين علامتي تأنيث في كلمة واحدة نحو مسلمات وصالحات، وإن كان الأصل فيه مسلمتات وصالحتات؛ لأن كل واحدة من التاءين تدلّ على ما تدلّ عليه الأخرى من التأنيث، وتقوم مقامَهَا، فلم يجمعوا بينهما؛ فكذلك ههنا.
والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهبوا إليه أن ما ذهبنا إليه له نظير في كلام العرب؛ فإن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد، وما ذهبوا إليه لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان٢، فَبَانَ
стр. 16
أن ما ذهبنا إليه له نظير في كلامهم، وما ذهبوا إليه لا نظير له في كلامهم، والمصِيرُ إلى ما له نظِيرُ أولى من المصير إلى ما ليس له نظير.
ومنهم من تمسّك بأن قال: لو جاز أن يجتمع في اسم واحد إعرابان مختلفان لجاز أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان؛ فكما يمتنع أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان فكذلك يمتنع أن يجتمع فيه إعرابان متفقان؛ لامتناع اجتماع إعرابين في كلمة واحدة.
والاعتمادُ على الاستدلال الأول، وهذا الاستدلال عندي فاسدٌ؛ لأن الإعراب في الأصل إنما دخل للفَصْل بين المعاني بعضها من بعض من الفاعلية والمفعولية على ما بَيَّنَّا؛ فلو جوَّزنا أن يُجْمَع في اسم واحد إعرابان مختلفان لأدَّي ذلك إلى التناقض؛ لأن كل واحد من الإعرابين يدلُّ على نقيض ما يدلُّ عليه الآخر؛ ألا ترى أنَّا لو قدَّرنا الرفع والنصب في اسم واحد لدلَّ الرفع على الفاعلية والنصب على المفعولية، وكل منهما نقيض الآخر، بخلاف ما لو قدرنا إعرابين متفقين فإنه لا يدلُّ أحد الإعرابين على نقيض ما يدل عليه الآخر؛ فبان الفرق بينهما، وأن الاعتماد على الاستدلال الأول.
وأما من ذهب إلى أنها ليست بحروف إعراب١، ولكنها دلائل الإعراب، فقال: لأنها لو كانت حروفَ إعرابٍ كالدال من "زيد" والراء من "عمرو" لما كان فيها دلالة على الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: "ذهب زيد، وانطلق عمرو" لم يكن في نفس الدال والراء دلالة على الإعراب، فلما كان ههنا هذه الأحرف تدلُّ على الإعراب دلَّ على أنها دلائل الإعراب، وليست بحروف إعراب.
وهذا القول فساد؛ لأنّا نقول: لا يخلو أن تكون هذه الأحرفُ دلائلَ الإعراب في الكلمة أو في غيرها؛ فإن كانت تدل على الإعراب في الكلمة فوجَبَ أن يكون الإعراب فيها؛ لأنها آخر الكلمة، فيئُول هذا القول إلى قول الأكثرين، وإن كانت تدل على إعراب في غير الكلمة فيؤدي إلى أن تكون الكلمة مبنية، وليس من مذهب هذا القائل أنها مبنية، فسنبيّن فساد مذهبه أن الواو والألف والياء في التثنية والجمع ليست بحروف إعراب، ولكنها دلائل الإعراب، مستقصًى في موضعه، إن شاء الله تعالى.
стр. 17
فأما من ذهب إلى أنها إذا كانت مرفوعة ففيها نقل بلا قلب، وإذا كانت منصوبة ففيها قلب بلا نقل، وإذا كانت مجرورة ففيها نقل وقلب؛ فقال: لأن الأصل في قولك هذا أبوه "هذا أبَوُهُ" فاستثقلت الضمة على الواو، فنقلت إلى ما قبلها١، وبقيت الواو على حالها، فكان فيه نقل بلا قلب، والأصل في قولك رأيت أباه "رأيت أبَوَهُ" فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا؛ فكان فيه قلب بلا نقل، والأصل في قولك مررت بأبيك "مررت بِأَبَوِك" فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى ما قبلها٢، فقلبت الواو ياء لسكونها٣ وانكسار ما قبلها، فكان فيه نقل وقلب.
وأما مَنْ ذهب إلى أن الباء حرف الإعراب، وإنما الواو والألف والياء نشأت عن إشباع الحركات؛ فقال: لأن الباء تختلف عليها الحركات في حالة الرفع والنصب والجر كما تختلف حركات الإعراب على سائر حروف الإعراب؛ فدلّ على أن الباء حرف الإعراب، وأن هذه الحركات -التي هي الضمة والفتحة والكسرة- حركات إعراب، وإنما أشبعت فنشأت عنها هذه الحروف -التي هي الواو والألف والياء- فالواو عن إشباع الضمة، والألف عن إشباع الفتحة، والياء عن إشباع الكسرة، وقد جاء ذلك كثيرًا في استعمالهم، قال الشاعر في إشباع الضمة:
[٦]
الله يعلم أنَّا في تَلَفُّتِنَا ... يوم الفِرَاقِ إلى إخواننا صُوَرُ
стр. 18
وأنني حيثما يَثْنِي الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فَأَنْظُورُ
أراد "فَأَنْظُرُ" فأشبع الضمّ، فنشأت الواو، وقال الآخر:
[٧]
هجَوْتَ زَبَّان ثمَّ جِئْتَ معتذرا ... من هَجْوِ زِبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
أراد "لم تَهْجُ"، وقال الآخر:
[٨]
كأنَّ في أنيابها القَرَنْفُولُ
стр. 19
أراد"القَرَنْفُلْ" وقال الشاعر في إشباع الفتحة:
[٩]
وأنتِ من الغوائل حين تُرْمَى ... ومِنْ ذَمِّ الرجال بِمُنْتَزَاح
أراد "بِمُنْتَزَح" فأشبع الفتحة فنشأت الألف، وقال الآخر:
[١٠]
أقول إذا خرَّت على الْكَلْكَالِ ... يا نَاقَتَا ما جُلْتِ من مَجَالٍ
أراد" الكَلْكَلَ"، وقال الآخر:
[١١]
إذا العجوز غضبت فَطَلِّقِ ... ولا تَرَضَّاهَا ولا تمَلَّقِ
стр. 20
أراد "ولا ترضها"، وقال عنترة:
[١٢]
يَنْبَاع مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ... زَيَّافَةٍ مثل الفَنِيقِ المُكْدَمِ
أراد "يَنْبَع". وقال الشاعر في إشباع الكسرة:
[١٣]
تَنْفِي يداها الحصى في كلِّ هَاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ
стр. 21
أراد "الدراهم" و "الصيارف" فأشبع الكسرة فنشأت الياء، ويحتمل أن يكون الدراهيمُ جمعَ دِرْهَام، ولا يحتمل الصياريف هذا الاحتمال، وقال الآخر:
[١٤]
كأني بِفَتْخَاء الجناحين لقوة ... على عَجَل منِّي أُطَأْطِئُ شِيمَالي
أراد "شِمَالِي"، وقال الآخر:
[١٥]
لمَّا نزلنا نصبنا ظل أخْبِيَةٍ ... وفار للقوم باللحم المَرَاجِيلُ
стр. 22
أراد "المراجِلَ"، وقال الآخر:
[١٦]
لا عهد لي بنِيضَال ... أصبحت كالشِّنِّ البَال
أراد "بِنِضَال"، وقال الآخر:
[١٧]
ألم يأتِيكَ والأنباء تَنْمِي ... بما لَاقَتْ لَبُونُ بني زِيَاد
стр. 23
أراد "ألم يأتِكَ" فأشبع الكسر فنشأت الياء.
وإشباعُ الحركات حتى تنشأ عنها هذه الحروف كثير في كلامهم١، فكذلك ههنا.
وهذا القول ظاهر الفساد؛ لأن إشباع الحركات إنما يكون في ضرورة الشعر كما أنشدوه من الأبيات، وأما في حال اختيار الكلام فلا يجوز ذلك بالإجماع، وههنا بالإجماع تقول في حال الاختيار: هذا أبُوكَ، ورأيت أبَاكَ، ومررت بِأَبِيكَ؛ وكذلك سائِرُها، فدلّ على أنها ليست للإشباع عن الحركات، وأن الحركات ليست للإعراب، على ما سنبيّن في الجواب عن كلمات الكوفيين.
أما الجواب عن كلمات الكوفيّين: أما قولهم "إن هذه الحركات تكون حركات إعراب في حال الإفراد فكذلك في حال الإضافة" قلنا: هذا فاسد؛ لأن حرف الإعراب في حال الإفراد هو الباء؛ لأن اللام التي هي الواو من "أبَو" لمّا حذفت من آخر الكلمة صارت العين التي هي الباء بمنزلة اللام في كونها آخر الكلمة؛ فكانت الحركات عليها حركات إعراب، فأما في حال الإضافة فحرف الإعراب هو حرف العلة؛ لأنهم لما أرادوا أن يجعلوا اختلاف الحروف بمنزلة اختلاف الحركات ردُّوا اللام في الإضافة؛ ليدلوا على أن من شأنهم الإعراب بالحروف توطئة لما يأتي من باب التثنية والجمع، وإذا كان حرف الإعراب هو حرف العلة لم تكن هذه الحركات على الباء في حال الإضافة حركات إعراب؛ لأن حركات الإعراب لا تكون في حَشْو الكلمة، وصار هذا بمنزلة تاء التأنيث إذا
стр. 24
اتصلت ببناء الاسم نحو قائم وقائمة فإنها تصير حرف الإعراب؛ لأنها صارت آخر الكلمة وتخرج ما قبلها عن تلك الصفة؛ لأنه قد صار بمنزلة حَشْوِ الكلمة؛ فكذلك ههنا، وبَلْ أولى؛ فإن تاء التأنيث زائدة على بناء الاسم وليست أصلية، وحرف العلة ههنا أصليٌّ في بناء الاسم وليس زائدًا، وإذا تُرِكَ ما قبل الزائد حَشْوًا فلَأن يترك ما قبل الأصليّ حشوًا كان ذلك من طريق الأولى.
وأما قولهم "إن الحركة التي تكون إعرابًا للمفرد في حال الإفراد هي بعينها تكون إعرابًا له في حال الإضافة نحو: هذا غلامٌ، وهذا غلامك "قلنا: إنما تكون الحركة فيهما واحدة إذا كان حرف الإعراب فيهما واحدًا، نحو "هذا غلام، وهذا غلامك" وقد بيّنا اختلاف حرف الإعراب فيهما؛ فلا يُقَاسُ أحدهما على الآخر، وإن ادَّعَوْا أن حرف الإعراب فيهما واحد -على خلاف التحقيق من مذهبهم- وزعموا أن الحرف للإعراب وليس بلام الكلمة، وأنه والحركة مَزِيدَانِ للإعراب، فقد بيّنا أن ذلك لا نظير له في كلامهم، وأن أحدهما زيادة بغير فائدة، وأوضحنا فساده بما يغني عن الإعادة.
وأما قولهم "تغيّر الحركات على الباء في حال الرفع والنصب والجر يدلّ على أنها حركات إعراب" قلنا: هذا لا يدل على أنها حركات إعراب؛ لأنها إنما تغيرت توطئة للحروف التي بعدها؛ لأنها من جنسها، كما قلنا في الجمع السالم نحو "مسلمون ومسلمين" فإن ضمة الميم في الرفع تتغيّر إلى الكسرة في حال الجر والنصب، وليس ذلك بإعراب، وإنما جعلت الضمة تَوْطِئة للواو، والكسرة توطئة للياء، فكذلك ههنا، وإذا بطل أن تكون هذه الحركات حركات إعراب، وأجمعنا على أن هذه الحروف -التي في الواو والألف والياء- تدل على الرفع والنصب والجر الذي هو جملة الإعراب؛ فلا حاجة إلى أن يكون معربًا من مكان آخر.
وأما قولهم"إنما أعربت هذه الأسماء الستة من مكانين لقلة حروفها" قلنا: هذا ينتقض بغدٍ ويدٍ ودمٍ؛ فإنها قليلة الحروف [و] لا تعرب في حال الإضافة إلا من مكان واحد.
وأما قولهم "ليزيدو بالإعراب في الإيضاح والبيان" قلنا: الإيضاح والبيان قد حصل بإعراب واحد، فصار الإعراب الزائد لغير فائدة، والحكم لا يزيد شيئًا لغير فائدة؛ فوجب أن تكون معربة من مكان واحد كسائر ما أعرب من الكلام، والله أعلم.
стр. 25
٣- مسألة: [القولُ في إعراب المثنَّى والجمع على حَدِّه] ١
ذهب الكوفيُّون إلى أن الألف والواو والياء في التثنية والجمع بمنزلة الفتحة والضمة والكسرة في أنها إعراب، وإليه ذهب أبو عليّ قُطْرُبُ بن المستنير، وزعم قوم أنه مذهب سيبويه، وليس بصحيح. وذهب البصريّون إلى أنها حروف إعراب. وذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرّد وأبو عثمان المازني إلى أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب، ولكنها تدل على الإعراب، وذهب أبو عمر الجَرْمِي إلى أن انقلابها هو الإعراب، وحُكي عن أبي إسحاق الزجاج أن التثنية والجمع مبنيان، وهو خلاف الإجماع.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها إعراب كالحركات أنها تتغير كتغير الحركات، ألا ترى أنك تقول: قام الزيدان، ورأيت الزيدين، ومررت بالزيدين. وذهب الزيدون، ورأيت الزيدين، ومررت بالزيدين، فتتغير كتغير الحركات، نحو "قام زيد، ورأيت زيدًا، ومررت بزيد" وما أشبه ذلك، فلما تغيرت كتغير الحركات دلّ على أنها إعراب بمنزلة الحركات، ولو كانت حروفَ إعراب لما جاز أن تتغير ذَوَاتُها عن حالها؛ فلما تغيرت تغير الحركات دلّ على أنها بمنزلتها، ولهذا سماها سيبويه حروف الإعراب؛ لأنها الحروف التي أعرب الاسم بها، كما يقال: حركات الإعراب -أي الحركات التي أعرب الاسم بها- والذي يدل على ذلك أنه جعل الألف في التثنية رفعًا فقال: يكون في الرفع ألفًا، وجعل الياء فيها جرًّا فقال: يكون في الجر ياء مفتوحًا ما قبلها، وجعل الياء أيضًا نصبًا حملًا على الجر فقال:
стр. 26
ويكون في النصب كذلك، وهكذا جَعَل الواو والياء في الجمع رفعًا وجرًّا نصبًا، والرفع والجر والنصب لا يكون إلا إعرابًا؛ فدلّ على أنها إعراب.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن هذا يؤدي إلى أن يكون معربًا لا حرفَ إعراب له وهذا لا نظير له، وذلك لا يجوز" لأنّا نقول هنا: إنما لا يجوز فيما يكون إعرابه بالحركة لا بالحرف؛ لأن الحركة تدخل في الحرف، بخلاف ما إذا كان معربًا بالحرف؛ لأن الحرف لا يدخل في الحرف، والذي يدل على ذلك الخمسة الأمثلة وهي: يَفْعَلَانِ، وتَفْعَلَانِ، ويَفْعَلُونَ، وتَفْعَلُونَ، وتَفْعَلِينَ يا امرأة فإنها لما كانت معربة بالحرف لم يكن لها حرف إعراب، ألا ترى أن النون علامة الرفع كالضمة في تَضْرِبُ؟ وإذا جاز أن تكون هذه الخمسة الأمثلة معربة ولا حرفَ إعرابٍ لها لأن إعرابها بالحرف، فكذلك ههنا يجوز أن يكون الاسم في التثنية والجمع معربًا ولا حرف إعراب له؛ لأن إعرابه بالحرف.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها حروف إعراب وليست بإعراب لأن هذه الحروف إنما زيدت للدلالة عَلَى التثنية والجمع؟ ألا ترى أن الواحد يدل على مفرد؛ فإذا زيدت هذه الحروف دلّت على التثنية والجمع؟ فلما زيدت بمعنى التثنية والجمع صارت من تمام صيغة الكلمة التي وُضِعَتْ لذلك المعنى؛ فصارت بمنزلة التاء في قائمة والألف في حُبْلَى، وكما أن التاء والألف حرفا إعراب فكذلك هذه الحروف ههنا.
وأما من ذهب إلى أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب ولكنها تدل على الإعراب فقال: لأنها لو كانت إعرابًا لما اخْتَلّ معنى الكلمة بإسقاطها كإسقاط الضمة من دال زيد في قولك "قام زيد" وما أشبه ذلك، ولو أنها حروف إعراب كالدال من "زيد" لما كان فيها دلالة على الإعراب، كما لو قلت "قام زيد" من غير حركة، وهي تدل على الإعراب؛ لأنك إذا قلت "رجلان" علم أنه رفع؛ فدلّ على أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب، ولكنها تدلّ على الإعراب.
وهذا القول فساد، وذلك لأن قولهم "إن هذه الحروف تدل على الإعراب لا يخلو: إما أن تدل على إعراب في الكلمة، أو في غيرها؛ فإن كانت تدل على إعراب في الكلمة فوجب أن تقدر في هذه الحروف، لأنها أواخر الكلمة، فيئول هذا القول إلى أنها حروف الإعراب كقول أكثر البصريين، وإن كانت تدل على إعراب في غير الكلمة فوجب أن تكون الكلمة مبنيّة، وليس من مذهب أبي الحسن الأَخْفَش وأبي العبّاس المبرد وأبي عثمان المازنيّ أن التثنية والجمع مبنيّان.
стр. 27
وأما مَنْ ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب فقد أفسده بعض النحويين من وجهين؛
أحدهما: أن هذا يؤدي إلى أن يكون الإعراب بغير حركة ولا حرف، وهذا لا نظير له في كلامهم.
والوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى أن يكون التثنية ولجمع في حال الرفع مبنيين؛ لأن أولَ أحوال الاسم الرفعُ ولا انقلاب له، وأن يكونا في حال النصب والجر معربين؛ لانقلابهما. وليس من مذهب أبي عمر الجَرْمِي أن التثنية والجمع مبنيان في حال من الأحوال.
وأما مَنْ ذهب إلى أنهما مبنيان فقال: إنما قلت ذلك لأن هذه الحروف زيدت على بناء المفرد في التثنية والجمع، فنزِّلا منزلة ما ركب من الاسمين نحو "خَمْسَةَ عَشَرَ" وما أشبهه.
وهذا القول أيضًا يفسد من وجهين؛ أحدهما: أن التثنية والجمع وضعًا على هذه الصيغة لأن يَدُلَّا على معنييهما من التثنية والجمع، وإنما يفرد المفرد في الحكم لوجود لفظه، وإذا كان كذلك لم يجرِ أن يُشَبَّهَا بما ركب من شيئين منفصلين كخمسة عشر وما أشبهه، والوجه الثاني: أنهما لو كانا مبنيين لكان يجب أن لا يختلف آخرهما باختلاف العوامل فيهما؛ لأن المبني ما لا يختلف آخره باختلاف العوامل فيه، فلما اختلف ههنا آخر التثنية والجمع باختلاف العوامل فيهما دلّ على أنهما معربان لا مبنيان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أمّا قولهم "إنها هي الإعراب كالحركات بدليل أنها تتغير تغيُّر الحركات" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القياس كان يقتضي أن لا تتغير كقراءة من قرأ: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" على لغة بني الحارث بن كعب، إلا أنهم عَدَلُوا عن هذا القياس لإزالة اللَّبْس، ألا ترى أنك لو قلت "ضرب الزيدان العمران" لوقَع الالتبَاسُ، وليس هذا بمنزلة المقصور في نحو "ضرب موسى عيسى" لأن المقصور يزول عنه اللبس بالوصف والتوكيد؛ لأنه ليس من شرط وصف المقصور أن يكون مقصورًا، وكذلك التوكيد؛ بخلاف المثنى والمجموع؛ لأنه من شرط وصف المثنى أن يكون مثنى، ومن شرط وصف المجموع أن يكون مجموعًا١، وكذلك التوكيد، فَبَانَ الفرق بينهما؛ والذي يدل على أن هذه الأحرف ليست إعرابًا كالحركات أنها لو كانت هي الإعراب كالحركات لكان يجب أن لا يُخِلَّ سقوطُها بمعنى الكلمة كما لو
стр. 28
سقطت الحركات؛ لأن سقوط الإعراب لا يخلُّ بمعنى الكلمة، ألا ترى أنك لو أسقطت الضمة والفتحة والكسرة من الاسم نحو "قام زَيْدْ، ورأيت زَيْدْ، ومررت بزَيْدْ" لم يخلّ بمعنى الاسم، ولو أسقطت الألف والواو والياء من التثنية والجمع لأخلّ بمعنى التثنيه والجمع؟ فلما أخَلَّ سقوط هذه الحروف بمعنى التثنية والجمع بخلاف الحركات دلَّ على أنها ليست بإعراب كالحركات.
والوجه الثاني: أن هذه الحروف إنما تغيرت في التثنية والجمع؛ لأن لهما خاصية لا تكون في غيرها استحَقّا من أجلها التغيير، وذلك أن كل اسم معتل لا تدخله الحركات –نحو "رَحًى، وعَصًا، وحُبَلي، وبُشْرى" له نظير من الصحيح يدل على مثل إعرابه، فنظير رحًى وعصًا: جمَل وجَبَل، ونظير حُبْلى وبُشْرى: حمراء وصحراء، وأما التثنية وهذا الجمع الذي على حدها، فلا نظير لواحد منهما إلا بتثنية أو جمع، فعوضا من فقد النظير الدالّ على مثل إعرابها تغيُّر هذه الحروف فيهما.
والوجه الثالث: أن هذا ينتقض بالضمائر المتصلة والمنفصلة؛ فإنها تتغير في حال الرفع والنصب والجر، وليس تغيرها إعرابًا، ألا ترى أنك تقول في المنفصلة "أنا، وأنت" في حال الرفع، و "إياي، وإياك" في حال النصب، وتقول في المتصلة "مررت بك" فتكون الكاف في موضع جر وهي اسم مخاطب، و "رأيتك" فتكون في موضع نصب، وتقول "قمت، وقعدت" فتكون التاء في موضع رفع، فتتغير هذه الضمائر في هذه الأحوال وإن لم يكن تغيرها إعرابًا.
وأما قولهم "إن سيبويه سماها حروف الإعراب" قلنا: هذه حجة عليكم؛ لأن حروف الإعراب هي أواخر الكلم، وهذه الحروف هي أواخر الكلم؛ فكانت حروف الإعراب، قولهم "إنما سماها حروف الإعراب، لأنها التي أُعْرِبَ الاسم بها، كما تقول: حركات الإعراب قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ فإن الظاهر في اصطلاح النحويين أنه إذا أطلق حرف الإعراب إنما يطلق على آخر حرف من الكلمة، نحو الدال من "زيد" والراء من "عمرو" لا على الحرف الذي يكون إعرابًا للكلمة، ألا ترى أن الخمسة الأمثلة أعربت بالحرف، ولا حرفَ إعرابٍ لها؟
وأما قولهم "إنه جعل الألف والواو والياء في التثنية والجمع رفعًا وجرًّا ونصبًا إلى آخر ما ذكروه" قلنا: معنى قوله "يكون في الرفع ألفًا، ويكون في الجر ياء، وفي النصب كذلك" أي أنه يقع موقع المرفوع، وإن لم يكن مرفوعًا ويقع موقع المجرور وإن لم يكن مجرورًا، ويقع موقع المنصوب وإن لم يكن منصوبًا، كما يقال: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وإن لم يكن
стр. 29
شيء منها مرفوعًا ولا منصوبًا ولا مجرورًا، وإنما المرفوع والمنصوب والمجرور ما يقع موقعها من الأسماء المعربة؛ فكذلك هذه الحروف تقع موقع ما يحلّ فيه الإعراب وإن لم يكن فيها إعراب لوقوعها موقع ما يحلّ فيه الإعراب إذا وجد، وصار هذا كقول علماء العربية "حروف الزوائد عشرة يجمعها لا أنسيتموه" وإن كانت هذه الحروف قد تقع زائدة وأصلية، ألا ترى أن اللام أصلية في"جَبَل، وجَمَل" كما هي زائدة في "زَيْدَلٍ، وعَبْدَلٍ" وكذلك سائرها، ثم سُمِّيتْ بذلك لأن الحروف الزوائد لا تخرج عنها، فكذلك ههنا؛ فدلّ على أنها حروف الإعراب، والذي يدل على أنها ليست هي الإعراب أنا لو قلنا إنها هي الإعراب لأدّى إلى أن يكون معرب لا حَرْفَ إعراب له، وهذا لا نظير له.
قولهم:"هذا إنما لا يجوز فيما يكون إعرابه بالحركة لا بالحرف" قلنا: لا نسلم، بل الأصل في كل معرب أن يكون له حرف إعراب، سواء كان معربًا بالحركة أو معربًا بالحرف، فأما الخمسة١ أمثلة فمنهم من ذهب إلى أن لها حرف إعراب وهي الألف في "يفعلان" والواو في "يفعلون والياء في "تفعلين" فعلى هذا لا نسلم، ولئن سلّمنا على المذهب المشهور فإنما أعربت ولا حرف إعراب لها على خلاف الأصل، وذلك لأنّا لو قدَّرْنَا لها حرف إعراب لم يَخْلُ: إما أن يكون اللام، أو الضمير، أو النون؛ بطل أن يكون حرف الإعراب اللام؛ لأن من الإعراب الجزم؛ فلو جعلناه اللام لوجب أن يسكن في حالة الجزم؛ فكان يؤدّي إلى أن يحذف ضمير الفاعل٢، وذلك لا يجوز، وبطل أيضًا أن يكون الضمير حرف الإعراب؛ لأن الضمير في الحقيقة ليس جزءًا من الفعل، وإنما هو اسم قائم بنفسه في موضع رفع؛ لأنه فاعل؛ فلا يجوز أن يكون إعرابًا لكلمة أخرى، وعلى هذا تخرج الألف والواو والياء في تثنية الأسماء وجمعها؛ فإنها حروف لا تقوم بنفسها ولا موضع لها من الإعراب؛ فجاز أن تكون حروف الإعراب، وبطل أن تكون النون حرف الإعراب؛ لأنها ليست كحرف من الفعل، وإنما هي بمنزلة الحركة التي هي الضمة، ولهذا تحذف في الجزم والنصب، ولا يُخِلُّ حذفها بمعنى الفعل، ولو كانت حرف الإعراب لما حذفت مع تحركها ولأخلّ حذفها بمعنى الفعل، ولكان الإعراب جاريًا عليها؛ فلذلك لم يجز أن تكون حرف الإعراب، وعلى هذا تخرج الألف والواو والياء في التثنية والجمع؛ فإنها بمنزلة حروفها، ويختلُّ معناهما بحذفها؛ فلذلك جاز أن تكون حروف الإعراب على ما بينَّا، والله أعلم
стр. 30
٤- مسألة: [هل يجوز جَمْعُ العلم المؤنث بالتاء جَمْعَ المذكر السالم ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم الذي آخره تاء التأنيث إذا سميتَ به رجلًا يجوز أن يجمع بالواو والنون، وذلك نحو طَلْحَة وطَلْحُون، وإليه ذهب أبو الحسن بن كَيْسَان، إلا أنه يفتح اللام فيقول الطَّلَحُون -بالفتح- كما قالوا "أَرَضُون" حملًا على أَرَضَاتٍ، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه يجوز جمعه بالواو والنون وذلك لأنه في التقدير جمع طَلْح؛ لأن الجمع قد تستعمله العرب على تقدير حذف حرف من الكلمة، قال الشاعر:
[١٨]
وعُقْبَةُ الأَعْقَابِ في الشَّهر الأَصَمْ
فكسره على ما لا هاء فيه، وإذا كانت الهاء في تقدير الإسقاط جاز جمعه بالواو والنون كسائر الأسماء المجموعة بالواو والنون؛ والذي يدل على صحة مذهبنا أنا أجمعنا على أنك لو سميتَ رجلًا بِحَمْرَاء أو حُبْلَى لجمعته بالواو والنون قلت "حمراؤون، وحُبْلَوْن" ولا خلاف أن ما في آخره ألف التأنيث أشدّ تمكّنا في التأنيث مما في آخره تاء التأنيث؛ لأن ألف التأنيث صيغت الكلمة عليها، ولم تُخْرِج الكلمة من تذكير إلى تأنيث، وتاء التأنيث ما صيغت الكلمة عليها وأخرجت الكلمة من التذكير إلى التأنيث، ولهذا المعنى قام التأنيث بالألف في منع الصرف مقام شيئين، بخلاف التأنيث بالتاء، وإذا جاز أن يجمع بالواو والنون ما في
стр. 31
آخره ألف التأنيث -وهي أوْكَدُ من التاء- فَلأَن يجوز ذلك فيما آخرُهُ التاءُ كان ذلك من طريق الأوْلى.
وأما ابن كسيان فاحتج على ذلك بأن قال: إنما جوَّزنا جمعه بالواو والنون وذلك لأن التاء تسقط في الطَّلْحَات، فإذا سقطت التاء وبقيَ الاسم بغير تاء جاز جمعه بالواو والنون، كقولهم "أرْض وأَرَضُون" وكما حركت العين من أَرَضُون بالفتح حملًا على أَرَضَات فكذلك حركات العين من"الطَّلَحُون" حملًا على الطَّلَحَات؛ لأنهم يجمعون ما كان على "فَعْلة" من الأسماء دون الصفات على "فَعَلَاتٍ".
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على امتناع جواز هذا الجمع بالواو والنون وذلك لأن في الواحد علامة التأنيث، والواو والنون علامة التذكير، فلو قلنا إنه يجوز أن يجمع بالواو والنون لأدّى ذلك إلى أن يجمع في اسم واحد علامتان متضادتان، وذلك لا يجوز، ولهذا إذا وصفوا المذكر بالمؤنث فقالوا "رجل رَبْعة" جمعوه بلا خلاف فقالوا "رَبْعَات" ولم يقولوا: رَبْعُون، والذي يدل على صحة هذا القياس أنه لم يسمع من العرب في جمع هذا الاسم أو نحوه إلا بزيادة الألف والتاء، كقولهم في جمع طلحة "طَلَحَات" وفي جمع هبيرة "هُبَيْرَات" قال الشاعر:
[١٩]
رحم الله أَعْظُمًا دَفَنُوها ... بِسِجِسْتَان طَلْحَةَ الطّلَحَات
ولم يسمع عن أحد العرب أنهم قالوا الطلحون ولا الهبَيرون، ولا في شيء من هذا النحو بالواو والنون، فإذا كان هذا الجمع مدفوعًا من جهة القياس معدومًا من جهة النقل فوجب أن لا يجوز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه في التقدير جمع طَلْح" قلنا: هذا فاسد؛ لأن الجمع إنما وقع على جميع حروف الاسم، لأنا إيَّاه نَجْمَعُ، وإليه نقصد، وتاء التأنيث من جملة حروف هذا الاسم، فلم ننزعها عنه قبل الجمع وإن كان اسمًا لمذكر؛ لئلا يكون بمنزلة ما سُمِّي به ولا علامة فيه، فالتاء في جمعه مكان التاء في واحدة.
стр. 32
وأما ما استشهدوا به من قوله:
وعقبة الأعقاب في الشهر الأصم [١٨]
فهو مع شذوذه وقلته فلا تعلق له بما وَقَعَ الخلاف فيه؛ لن جمع التصحيح ليس على قياس جمع التكسير ليحمل عليه.
وأما قولهم "إنا أجمعنا على أنك لو سميت رجلًا بحمراء وحُبْلَى لقلت في جمعه: حَمْرَاؤون وحُبْلَوْنَ إلى آخر ما قدَّروا" قلنا: إنما جمع ما في آخره ألف التأنيث بالواو والنون لأنها يجب قلبها إلى بدل، لأنها صيغت عليها الكلمة، فنزلت منزلة بعضها، فلم تفتقر إلى أن تُعَوَّض بعلامة تأنيث الجمع، بخلاف التاء، فإنها يجب حذفها إلى غير بدل، لأنها ما صيغت عليها الكلمة، وإنما هي بمنزلة اسم ضُمّ إلى اسم، فجعلت علامة تأْنيث الجمع عوضًا منها.
وأما قول ابن كيسان "إن التاء تسقط في الطَّلَحَاتِ، فإذا سقطت التاء جاز أن تجمع بالواو والنون" قلنا: هذا فاسد؛ لأن التاء وإن كانت محذوفة لفظًا إلا أنها ثابتة تقديرًا؛ لأن الأصل فيها أن تكون ثابتة، ألا ترى أن الأصل أن تقول في جمع مسلمة "مسلمتات" وصالحة "صالحتات" إلا أنهم لما أدخلوا تاء التأنيث في الجمع حذفوا هذه التاء التي كانت في الواحد؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا بينهما، لأن كل واحدة منهما علامة تأنيث، ولا يجمع في اسم واحد علامتا تأنيث، فحذفوا الأولى فقالوا "مسلمات، وصالحات" وكان حذف الأولى أَوْلى لأن في الثانية زيادة معنى، ألا ترى أن الأولى تدلّ على التأنيث فقط، والثانية تدل على التأنيث والجمع، وهي حرف الإعراب، فلما كان في الثانية زيادة معنى كان تَبْقيتها وحذفُ الأولى أولى، فهي وإن كانت محذوفة لفظًا إلا أنها ثابتة تقديرًا؛ فصار هذا بمنزلة ما حذف لالتقاء الساكنين؛ فإنه وإن كان محذوفًا لفظًا إلا أنه ثابتًا تقديرًا، فكذلك ههنا. وإذا كانت التاء المحذوفة ههنا في حكم الثابت فينبغي أن لا يجوز أن تجمع بالواو والنون كما لو كانت ثابتة.
والذي يدل على فساد ما ذهب إليه فتح العين من قول "الطّلَحُون" لأن الأصل في الجمع بالواو والنون أن يَسْلَمٍ فيه لفظ الواحد في حروفه وحركاته، والفتح قد أدْخَلَ في جمع التصحيح تكسيرًا.
فأما قوله "إن العين حركت من أَرَضُون بالفتح حملًا على أَرَضَات" قلنا: لا نسلم، وإنما غُير فيه لفظ الواحد؛ لأنه جمع على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الجمع بالواو والنون أن يكون لمن يعقل، ولكنهم لما جمعوه بالواو والنون غيَّرُوا.
стр. 33
فيه لفظ الواحد تعويضًا عن حذف تاء التأنيث منه تخصيصًا له بشيء لا يكون في سائر أخواته، مع أن هذا التعويض تعويض جواز، لا تعويض وجوب، ألا ترى أنهم لا يقولون في جمع شمس شمسون ولا في جمع قِدْر قِدْرُون، فلما كان هذا الجمع في أرض على خلاف الأصل أُدْخِلَ فيه ضَرْبٌ من التغيير، ففتحت العين منه إشعارًا بأنه جمع بالواو والنون على خلاف الأصل. فأما إذا جمع مَنْ يعقل بالواو والنون فلا يجوز أن يجعل بهذه المَثَابة؛ لأن جمعه بالواو والنون بحكم الأصل لا بحكم التعويض؛ فلا يجوز أن يدخله ضرب من التغيير كما كان ذلك في أرضون ويُخَرَّج على هذا حذف التاء وفتح العين من طَلَحات: أما حذف التاء فلأن التاء الثانية صارت عوضًا عنها لأنها للتأنيث كما أنها للتأنيث، وأما أنتم فحذفتم من غير عوض، فَبَانَ الفرقُ؛ وأما فتح العين فلأجل الفصل بين الاسم والصفة، فإن ما كان على فَعْلَة من الأسماء فإنه يفتح منه العين نحو قَصَعَات وجَفَنَات، وما كان صفة فإنه لا تحرك منه العين نحو خَدْلَات وصَعْبَات. وأما جمع التصحيح بالواو والنون فلا يدخله شيء من هذا التغيير، ألا ترى أنه لا يفْرق فيه بين الاسم والصفة؛ فلا يقال في الاسم بالفتح نحو عَمَرَون وبَكَرَون. وإنما يقال بالسكون نحو عَمْرُون وبَكْرُون، كما يقال في الصفة نحو خَدْلُون وصَعْبُون؛ فَبَانَ الفرقُ بينهما، والله أعلم.
стр. 34
٥- مسألة: [القولُ في رافع المبتدأ ورافع الخبر] ١
ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ؛ فهما يترافعان، وذلك نحو "زيد أخوك، وعمرو غلامك". وذهب البصريون إلى أن المبتدأ يرتفع بالابتداء، وأما الخبر فاختلفوا فيه: فذهب قوم إلى أنه يرتفع بالابتداء وحده، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالابتداء والمبتدأ معًا، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالمبتدأ والمبتدأ يرتفع بالابتداء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن المبتدأ يرتفع بالخبر والخبر يرتفع بالمبتدأ لأنَّا وجدنا المبتدأ لا بدّ له من خبر، والخبر لا بدّ له من مبتدأ، ولا ينفك أحدهما من صاحبه، ولا يتم الكلام إلا بهما، ألا ترى أنك إذا قلت "زيد أخوك" لا يكون أحدهما كلامًا إلا بانضمام الآخر إليه؟ فلما كان كل واحد منهما لا ينفك عن الآخر ويقتضي صاحبه اقتضاءً واحدًا عمل كل واحد منهما في صاحبه مثل ما عمل صاحبه فيه؛ فلهذا قلنا: إنهما يترافعان، كل واحد منهما يرفع صاحبه. ولا يمتنع أن يكون كل واحد منهما عاملًا ومعمولًا، وقد جاء لذلك نظائر كثيرة، قال الله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فنصب "أيَّا ما" بـ "تَدْعُوا"، وجزم "تدعوا" بـ "أيّا ما"، فكان كل واحد منهما عاملًا ومعمولًا، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] فأينما منصوب بتكونوا وتكونوا مجزوم بأينما، وقال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ [البقرة: ١١٥] إلى غير ذلك من المواضع ٢، فكذلك ههنا.
стр. 35
قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المبتدأ يرتفع بالابتداء، لأنا نقول: الابتداء لا يخلو: إما أن يكون شيئًا من كلام العرب عند إظهاره، أو غير شيء؛ فإن كان شيئًا فلا يخلو من أن يكون اسمًا أو فعلًا أو أداة من حروف المعاني؛ فإن كان اسمًا فينبغي أن يكون قبله اسم يرفعه، وكذلك ما قبله إلى ما لا غاية له، وذلك محال، وإن كان فعلًا فينبغي أن يقال زيد قائمًا كما يقال "حضر زيد قائمًا" وإن كان أداة فالأدوات لا ترفع الأسماء على هذا الحد. وإن كان غير شيء فالاسم لا يرفعه إلا رافع موجود غير معدوم، ومتى كان غير هذه الأقسام الثلاثة التي قدمناها فهو غير معروف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنا نعني بالابتداء التَّعَرِّي من العوامل اللفظية، لأنا نقول: إذا كان معنى الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية فهو إذًا عبارة عن عدم العوامل، وعدم العوامل لا يكون عاملًا. والذي يدل على أن الابتداء لا يوجب الرفع أنَّا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف، ولو كان ذلك مُوجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة، فلما لم يجب ذلك دلّ على أن الابتداء لا يكون موجبًا للرفع.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية لأن العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حسية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف، وإنما هي أمارات ودلالات، وإذا كانت العوامل في محلّ الإجماع إنما هي أمارات ودلالات فالأمارة والدلالة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء، ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان وأردت أن تميز أحدهما من الآخر فصبغْتَ أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان تَرْكُ صبغ أحدهما في التمييز بمنزله صبغ الآخر؟ فكذلك ههنا. وإذا ثبت أنه عامل في المبتدأ وجب أن يعمل في خبره، قياسًا على غيره من العوامل، نحو "كان" وأخواتها و"إن وأخواتها" و "ظننت" وأخواتها فإنها لما عملت في المبتدأ عملت في خبره فكذلك ههنا.
وأما من ذهب إلى أن الابتداء والمبتدأ جميعا يعملان في الخبر فقالوا: لأنا وجدنا الخبر لا يقع إلا بعد الابتداء والمبتدأ؛ فوجب أن يكونا هما العاملين فيه، غير أن هذا القول وإن كان عليه كثير من البصريين إلا أنه لا يخلو من ضعف، وذلك لأن المبتدأ اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل، وإذا لم يكن له تأثير في العمل، والابتداء له تأثير، فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير لا تأثير له.
والتحقيق فيه عندي أن يقال: إن الابتداء هو العامل في الخبر بواسطة
стр. 36
المبتدأ؛ لأنه لا ينفكُّ عنه، ورتبتُه أن لا يقع إلا بعده، فالابتداء يعمل في الخبر عند وجود المبتدأ، لا به، كما أن النار تُسَخِّنِ الماء بواسطة القِدْر والحَطَبِ، فالتسخين إنما حصل عند وجودهما، لا بهما؛ لأن التسخين إنما حصل بالنار وحدها، فكذلك ههنا، الابتداء وحده هو العامل في الخبر عند وجود المبتدأ، إلا أنه عامل معه؛ لأنه اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل.
وأما مَنْ ذهب إلى أن الابتداء يعمل في المبتدأ، والمبتدأ يعمل في الخبر، فقالوا: إنما قلنا إن الابتداء يعمل في المبتدأ، والمبتدأ يعمل في الخبر دون الابتداء؛ لأن الابتداء عامل معنوي، والعامل المعنوي ضعيف؛ فلا يعمل في شيئين كالعامل اللفظي.
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنه متى وجب كونه عاملًا في المبتدأ وجب أن يعمل في خبره؛ لأن خبر المبتدأ يتنزل منزلَةَ الوَصْفِ، ألا ترى أن الخبر هو المبتدأ في المعنى، كقوله: "زيد قائم، وعمرو ذاهب" أو منزل منزلته، كقوله "زيد الشمسُ حُسْنًا، وعمرو الأسدُ شدةً" أي يتنزل منزلته، وكقولهم "أبو يوسف أبو حنيفة" أي يتنزل منزلته في الفقه، قال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي تتنزّل منزلتهن في الحرمة والتحريم؛ فلما كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو منزّلًا منزلته تنزل منزلة الوصف؛ لأن الوصف في المعنى هو الموصوف. ألا ترى أنك إذا قلت "قام زيدٌ العاقلُ، وذهب عمروٌ الظريفُ" أن العاقل في المعنى هو زيد، والظريف في المعنى هو عمرو؟ ولهذا لما تنزل الخبر منزلة الوصف كان تابعًا للمبتدأ في الرفع؛ كما تتبع الصفة الموصوف، وكما أن العامل في الوصف هو العامل في الموصوف، سواء كان العامل قويًّا أو ضعيفًا، فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إن المبتدأ يعمل في الخبر" فسنذكر فساده في الجواب عن كلمات الكوفيين.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنهما يترافعان؛ لأن كل واحد منهما لا بُدّ له من الآخر ولا ينفكّ عنه" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكرتموه يؤدِّي إلى محال، وذلك لأن العامل سبيله أن يُقَدَّرَ قبل المعمول، وإذا قلنا إنهما يترافعان وجب أن يكون كل واحد منهما قَبْلَ الآخر، وذلك مُحَال، وما يؤدي إلى المحال محال.
والوجه الثاني: أن العامل في الشيء ما دام موجودًا لا يدخل عليه عامل غيره؛ لأن عاملًا لا يدخل على عامل، فلما جاز أن يقال:"كان زيد أخاك، وإن
стр. 37
زيدًا أخوك، وظننت زيدًا أخاك" بطل أن يكون أحدهما عاملًا في الآخر.
وأما ما استشهدوا به من الآيات فلا حجة لهم "فيه" من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنا لا نسلّم أن الفعل بعد أيّا ما وأينما مجزوم بأيّا ما وأينما، وإنما هو مجزوم بإِنْ، وأيّا ما وأينما نابا عن إنْ لفظًا، وإن لم يعملا شيئًا.
والوجه الثاني: أنا نسلم أنها نَابَتْ عن إنْ لفظًا وعملًا، ولكن جاز أن يعمل كل واحد منهما في صاحبه لاختلاف عملهما، ولم يعملا من وجه واحد؛ فجاز أن يجتمعا ويعمل كل واحد منهما في صاحبه، بخلاف ما هنا.
والوجه الثالث: إنما عمل كل واحد منهما في صاحبه لأنه عامل؛ فاستحق أن يعمل، وأما ههنا فلا خلاف أن المبتدأ والخبر نحو: "زيد أخوك" اسمان باقيان على أصلهما في الاسمية، والأصل في الأسماء أن لا عمل؛ فَبَانَ الفرقُ بينهما.
وأما قولهم "إن الابتداء لا يخلو من أن يكون اسمًا أو فعلًا أو أداة إلى آخر ما قرروا "قلنا: قد بيّنا أن الابتداء عبارة [عن التَّعَرِّي] عن العوامل اللفظية.
وقولهم "فإذا كان معنى الابتداء هو التعرّي عن العوامل اللفظية هو إذًا عبارة عن عدم العوامل، وعدم العوامل لا يكون عاملًا" قلنا: قد بيّنا وجه كونه عاملًا في دليلنا بما يغني عن الإعادة ههنا، على أن هذا يلزمكم في الفعل المضارع؛ فإنكم تقولون "يرتفع بتعرِّية من العوامل الناصبة والجازمة"، وإذا جاز لكم أن تجعلوا التعرّي عاملًا في الفعل المضارع جاز لنا أيضًا أن نجعل التعرّي عاملًا في الاسم المبتدأ.
وحكي أنه اجتمع أبو عمر الجَرْمِي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفَرَّاء، فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم "زيد منطلق" لم رفعوا زيدًا١؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، قال له الفراء: ما معنى الابتداء؟ قال: تَعْرِيته من العوامل، قال له الفراء: فأظهره، قال له الجرمي: هذا معنى لا يُظْهَر قال له الفراء: فمثله إذًا، فقال الجرمي: لا يتمثل، فقال الفراء: ما رأيت كاليوم عاملًا، لا يُظْهَر ولا يتمثل! فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم: "زيد ضربته" لم رفعتم١ زيدًا؟ فقال: بالهاء العائدة على زيد، فقال الجرمي: الهاء اسم فكيف يرفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا؛ فإنا نجعل كل واحد من الاسمين إذا قلت "زيد منطلق" رافعًا
стр. 38
لصاحبه، فقال الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في "زيد منطلق" لأن كل اسم منهما مرفوع في نفسه فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في "ضربته" ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: لا نرفعه بالهاء، وإنما رفعناه بالعائد على زيد، قال الجرمي: ما معنى العائد؟ قال الفراء: معنى لا يظهر، قال الجرمي: أظهره، قال الفراء؛ لا يمكن إظهاره، قال الجرمي: فمثله، قال: لا يتمثل، قال الجرمي: لقد وقعت فيما فَرَرْتَ منه. فحُكي أنه سئل الفراء بعد ذلك فقيل له: كيف وجدت الجرمي؟ فقال: وجدته آية، وسئل الجرمي، فقيل له: كيف وجدت الفراء؟ فقال: وجدته شيطانًا.
وأما قولهم "إنا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف ولو كان ذلك موجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة" قلنا: أما المنصوبات فإنها لا يتصور أن تكون مبتدأة؛ لأنها وإن كانت متقدمة في اللفظ إلا أنها متأخرة في التقدير؛ لأن كل منصوب لا يخلو إما أن يكون مفعولًا أو مشبهًا بالمفعول، والمفعول لا بدّ أن يتقدمه عامل لفظًا أو تقديرًا، فلا تصح له رتبة الابتداء، وإذا كانت هذه المنصوبات متقدمة في اللفظ متأخرة التقدير لم يصح أن تكون مبتدأة؛ لأنه لا اعتبار بالتقديم إذا كان في تقدير التأخير، وأما المسكنات إذا ابتدئ بها فلا يخلو إما أن تقع مُقَدَّمة في اللفظ دون التقدير أو تقع مقدمة في اللفظ والتقدير: فإن وقعت متقدمة في اللفظ دون التقدير كان حكمها حكم المنصوبات؛ لأنها في تقدير التأخير.
وإن وقعت متقدمة في اللفظ والتقدير فلا تخلو: إما أن تستحق الإعراب في أول وضعها، أو لا تستحق الإعراب في أول وضعها:
فإن كانت تستحق الإعراب في أول وضعها نحو "مَن، وكم" وما أشبه ذلك من الأسماء المبنية على السكون فإنا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء، وإنما لم يظهر في اللفظ لعلة عارضة منعت من ظهوره، وهي شَبَهُ الحرف١ أو تضمُّن معنى الحرف.
وإن كانت لا تستحق الإعراب في أول وضعها -نحو الأفعال والحروف المبنية على السكون- فإنا لا نحكم على موضعها بالرفع بالابتداء؛ لأنها لا تستحق شيئًا من الإعراب في أول الوضع، فلم يكن الابتداء موجبًا لها الرفع؛ لأنه نوع منه.
وهذا هو الجواب عن قولهم: "إنهم يبتدئون بالحروف، فلو كان ذلك موجبًا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة" وعدم عمله في محل لا يقبل العمل لا يدل على عدم عمله في محل يقبل العمل، ألا ترى أن السيف يقطع في محلٍّ ولا يقطع في
стр. 39
محلٍّ آخر؟! وعدم قطعه في محلّ لا يقبل القطع لا يدل على عدم قطعه في محل يقبل القطع؛ لأن عدم القطع في محلّ لا يقبل القطع إنما كان لنُبُوِّهِ في المحل، لا لأن السيف غير قاطع، فكذلك ههنا: عدم عمل الابتداء في محل لا يقبل العمل إنما كان لعدم استحقاق المعمول ذلك العمل، لا لأن الابتداء غير صالح أن يعمل ذلك العمل، والله أعلم.
стр. 40
٦- مسألة: [في رافع الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الظرف يرفع الاسم إذا تقدم عليه، ويسمُّون الظرف المحلّ، ومنهم من يسميه الصفة، وذلك نحو قولك "أمامك زيد، وفي الدار عمرو" وإليه ذهب أبو الحسن الأَخْفَش في أحَدِ قَوليه وأبُو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد من البصريين، وذهب البصريون إلى أن الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدم عليه، وإنما يرتفع بالابتداء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في قولك: "أمامك زيد، وفي الدار عمرو" حلّ أمَامَكَ زيد، وحلّ في الدار عمرو، فحذف الفعل واكتفى بالظرف منه، وهو غير مطلوب، فارتفع الاسم به كما يرتفع بالفعل. والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه أن سيبويه يساعدنا على أن الظرف يرفع إذا وقع خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو صلةً لموصول، أو معتمدًا على همزة الاستفهام أو حرف النفي، أو كان الواقع بعده "أنَّ" التي في تقدير المصدر؛ فالخبر كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ: ٣٧] فجزاء مرفوع بالظرف، والصفة كقولك "مررت برجل صالح في الدار أبوه"، والحال كقولك "مررت بزيد في الدار أبوه" وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ "فهدى ونور" مرفوعان بالظرف لأنه حال من الإنجيل، ويدل عليه قوله تعالى ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٦] فعطف "مصدقا" على حال قبله، وما ذاك إلا الظرف، والصلة كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] والمعتمد